النصوح تنهي هذه العقوبة؛ لأدن التوبة المقبولة تجبُّ ما قبلها من المعاصي؛ ولأن استثناء التوبة في الآية:
стр. 7667
(إِلَّا الَّذِين تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) جاء بعد (لا تَقْبَلُوا)، والحكم بالفسق، فيشمل الاستثناء منهما لَا من أحدهما، ونحن نميل إلى ما فهمه الحنفية، أولا لأن النص على الأبدية يمنع الاستثناء؛ ولأن (وَأُوْلَئِكَ هُم الْفَاسِقُونَ) جملة مستقلة، والجملة " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " قد انتهت، فلا يتعلق الاستثناء بها، ولأن هذا هو الذي يلائم أنها عقوبة، ولأن إشاعة الفاحشة أعظم جرائم اللسان، فيجب أن تتعلق العقوبة به.
العقوبة الثالثة: الوصف بالفسق في قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وهذه هي التي دخلها الاستثناء؛ لأنها في جملته والحكم بالفسق اقترن به الاستثناء، فخرج المستثنى من حكم المستثنى منه.
وشرط تحقق حد القذف، ألا يأتي من يرمي بالزنى بأربعة شهود هو منهم، وبعبارة أدق بثلاثة معه يقرون قوله، ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) وكان التعبير في العطف بـ (ثم) الدالة على التراخي فيه إشارة إلى بعد الحصول على ثلاثة يشهدون معه، فإن إثبات الزنى بأربعة عسير، إلا أن يكون فعلا علنيا، ولا يحدث ذلك إلا في أفحش الأمم فجورا كأهل أوروبا وأمريكا.
والرمي - لكي يقام حد القذف - يجب أن يكون رميا صريحا بالزنى حتى يقول الفقهاء إنه رآه يضع إحليله في فرجها كما تضع الميل في المكحلة، أو نحو هذا التعبير.
ولو عَرَّضَ لَا يكون رميا بالزنى، ولو كان التعريض كالتصريح وضوحا، وقد رُمي المغيرة بن شعبة الذي صار نصيرا لمعاوية، فشهد ثلاثة من الأربعة بالرمي الصريح، وعرض زياد ابن أبيه الذي ألحقه معاوية بنسبه لم يصرح، فَعَدَّهُم عمر بن الخطاب الذي كان يقضي في الأمر بنفسه، قاذفين، وعاقبهم عقوبة الجلد.
стр. 7668
وما كان ذلك إلا ليحمل الناس الذين يرون تلك الجريمة البشعة ألا ينطقوا بها، حتى لَا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويشيع الترامي بالزنى، فيستهين الناس به.
ثم قال الله تعالى في وصف القاذفين (. . . وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
الإشارة إلى الذين يرمون المحصنات، والإشارة إلى الموصوف بصفة أو القائم بعمل، بين أن ذلك العمل هو سبب الحكم، فالقذف سبب الحكم بالفسق؛ لأنه في ذاته فسق في القول، وقد أكد الحكم بفسقهم أولا: بالجملة الاسمية، وثانيا: تضمير الفصل " هم "، وثالثا: بجعل الفسق وصفا لهم، ورابعا: بقصرهم على الفسق، أي أنهم لا يخرجون من الفسق، فهم في دائرته لَا يخرجون عنها، فهم في شر مستمر دائم لا يخرجون عن دائرته قط إلا إذا تابوا، ولذا قال تعالى:
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
الاستثناء من الحكم باستغراق الفسق؛ لأن رحمة الله تتسع للعصاة الذين أذنبوا، ولذلك ترفع عن القاذفين عقوبة عدم قبول شهادة، وإن ذلك هو الذي يتفق مع المتبادر من السياق البياني للقرآن الكريم؛ إذ إن الأمر بعدم قبول الشهادة في آية منفردة عن هذه الآية، وهي أمر بهذا العقاب معطوف على أمر بالعقاب البدني، وهما في جملتين إنشائيتين، والحكم بالفسق في جملة خبر.
والرأي الذي في المذهب الشافعي الذي يجيز قبول الشهادة إن تابوا، قال: إن الاستثناء من الآيتين معا، وقد قلنا: إننا نميل إلى رأي الجمهور في الاستثناء من الحكم بالفسق فقط، لذكر كلمة (أَبَدًا) وما كان قول الله لغوا، ولأنه المتبادر.
ولأن منع قبول الشهادة لحق الناس ولصيانة مجلس القضاء.
والاستثناء هو قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) فالتوبة هي الإقلاع عن هذا والعزم على ألا يعود إليه، والندم على ما وقع، وذلك بالشعور بالحسرة لوقوعه، ولابد من الإصلاح بدل الإفساد والتخريب، فالذي تغير الفسق،
стр. 7669
وذلك بأن يكون صالحا، وخصوصا أن الله ﷻ سجل عليهم وصف الفسق، فلا يزيله إلا وصف الإصلاح.
وبين قبول توبتهم عن الفسق، فيقول عز من قائل: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ غفُورٌ رحِيم) دليل على قبول التوبة؛ لأن الفاء كالواقعة في جواب الشرط، لتضمن التوبة والإصلاح معنى الشرط، والمعنى فإن الله يقبل توبة هؤلاء الفاسقين لأن الله غفور رحيم يغفر الذنوب لمن يتوب من عباده، ويعفو عن السيئات، وذلك رحمة بعباده.
ونقرر أخيرا أن العقوبة بعدم قبول الشهادة أمر دنيوي نظم الله تعالى أهلية الشهادة، والحكم بها، وأما الغفران فأمره إلى الله تعالى، وهو الغفور الرحيم.
* * *
اللعان
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
* * *
روى أن رجلا قال للنبي ﷺ : " إن الرجل يجد الرجل مع أهله وإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ اللهم بين " (١)؛ فكانت
стр. 7670
هذه الآيات علاجا لذلك وشفاء لغيظه، ورحمة بالناس، وخاصة بالأسرة الإسلامية: لتقوم على الاطمئنان النفسي، والثقة التي تكون بين ركنيها، وهما الزوجان، ولصيانتها عن القالة.
стр. 7671
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ)، أي لم يكن شهداء غيرهم ولم يذكر عددا في الرمي، للإشارة إلى ما ينبغي، وهو ألا يعلم أحد بما يلاحظه على زوجه في هذه التهمة، فأسرار الأسرة لَا يصح أن تعلن على الملأ فلا يُسأل: مَنْ شهودك الذين يشهدون بصحة قولك، ولا يقدم هو تهمته، فيعفيه حكم اللعان من تقديم شهادة أو المطالبة بأي شاهد.
وسميت العقوبة عقوبة اللعان، لما اشتملت عليها بعض الأيمان بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وكلمة (شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ) الشهادة تطلق، ويراد بها الحضور، ولعل هذا هو المعنى الأصلي، وتطلق ويراد بها الإقرار كقوله تعالى: (. . . وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا. . .)، وتطلق ويراد بها الشهادة، وكلمة أشهد بالله تتضمن معنى اليمين، وقال بعض اللغويين: إن كلمة (أشهد) بذاتها من غير اقترانها بكلمة (بالله) تتضمن معنى اليمين.
وكلمة: (وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ) هي جمع شهيد أو شاهد، الظاهر أنه ليس معهم شاهد يشهد إلا أنفسهم، لأنه لم يحضر سواهم، أو لم يتقدم للشهادة أحد سواهم، وأنفسهم مستثنى مفرغ من (شهداء)، أي لم يشهد في الرمي إلا أنفسهم، وقد ذكر الله أربع شهادات (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللَّهِ إِنَّه لَمِنَ الصَّادِقِينَ)، ونرى أن الشهادة قد اقترنت بالله فكانت الشهادة يمينا، فيحلف - أربع مرات متتالية (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)، وقد أكد صدقه في يمينه بثلاثة مؤكدات: أولها (إنَّ) التي تفيد التوكيد، واللام المؤكدة دخلت عليه، والثالثة وصفه بأنه من الصادقين، أي من زمرة أهل الصدق، وجماعتهم، وهم المتقون الأبرار.
والشهادة الخامسة، أي اليمين الخامسة يحلف بأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، أي يحلف بأن الله تعالى ينزل عليه لعنته إن كان من الكاذبين، فهو يوثق
стр. 7672
طلب إنزال لعنة الله به إن كان كاذبا، وهذه الجملة أهي طلبية بمعنى أنه يطلب من الله أن ينزل اللعنة به؛ الظاهر ذلك، ولكن تحتمل أن تكون خبرية، بمعنى أنه يحلف أنه يستحق لعنة الله تعالى إن كان من الكاذبين، وذلك ظاهر من التعليق، وإلى هذا نميل، هذه أيمان الرجل، انتهت بالحلف على استحقاقه اللعنة إن كان كاذبا، أما المرأة فإنها تكون عرضة للعذاب، وهو عقاب الزنى، فإذا كان الرجل صادقا وأقرت بالزِنى، فالعقوبة هي العقوبة المقررة في آيات الزني، ولكنها لم تقر، فقال تعالى:
стр. 7673
(وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)
ويدرأ معناها يميل عنها، أو يدفع وتبرأ ساحتها، أن تحلف أربع مرات بالله إنه لمن الكاذبين، وقد تأكد إثباتها لكذبه بما تأكد به إثباته لصدقه، بأن واللام، ودخوله في صفوف الكاذبين، والخامسة حلفها باستحقاقها للعذاب بأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وكونها طلبية أو خبرية، وميلنا إلى أنها خبرية شرطية هو ما قلناه في شهادته الإيجابية المثبتة فيقال هنا في النفي ما قيل في الإثبات.
ولابد هنا من الكلام في أمور:
الأمر الأول: أن نفي نسب الولد يعد من الرمي بشرط ألا يكون منه إقرار بالنسب ولو ضمنا، فلو نفي بسبب الولادة إذا لم يوجد منه ما يدل على رضاه به ونسبته إليه، ولو كان وهو جنين في بطن أمه، فإن النسب ينتفي، ويجب اللعان، وإلا حُدَّ حد القذف، وإذا امتنعت هي عن اللعان سترة بالنفي حُدَّت حد الزنى المقرر في القرآن.
والأمر الثاني: أنه في الآية اشترط رؤية الرجل للزنى، وإن اشتراطه قول من لا دليل عنده في هذا، بل الدليل قائم على نفي هذا الشرط، بدليل اللعان عند نفي نسب الولد، وبالدليل جواز اللعان من الأعمى، واشتراط علمه بالجس باليد، كلام غير جدير بالالتفات.
стр. 7674
الأمر الثالث: أن الشهادات في اللعان يمين فلا يشترط فيه إلا صلاحية العبادة باليمين، بأن يكون بالغا عاقلا، أم أنها شهادة وليست يمينا مجردة، بل الشهادة جزء من أجزائها، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة من أن يكون بالغا عاقلا مسلما حرا.
بالأول أخذ مالك والشافعي وأحمد، ولذا لَا يشترط في اللعان أن يكون المتلاعنان مسلمين حرين، فلا يجوز اللعان بين الذميين، ولا العبيد، بل يجب التلاعن في الذميين، وغيرهم، وذلك القول يجعل الجماعة الإسلامية نزيهة عن قول الباطل، وعن سماعه من الذميين، والعبيد، وهذا القول كما ترى مبني على أن هذه الشهادات أيمان خالصة.
والقول الآخر، أنها شهادة فيها يمين، وقد قال أبو حنيفة، وقول عند الشافعي، فلا لعان عند هؤلاء بين الذميين ولا بين العبيد، ولا لعان إذا كان أحد الزوجين ذميا أو عبدا.
الأمر الرابع: أن الثقة دعامة العلاقة بين الزوجين، فإذا عرض لها ما يزعزعها انفصمت العلاقة الزوجية وأصبح الزواج حراما وبينهما اللعان ويفرق بينهما، وهي فرقة أبدية لَا يحل له أن يتزوجها، وتكون كحرمة المشركة والمشرك، وعلى هذا جمهور الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إنها تحرم عليه إلى أن يكذب نفسه، فإذا كذب نفسه حلت له، وحُدَّ حد القذف، فله أن يتزوجها من جديد وتقوم بينهما عشرة زوجية بعقد ومهر جديدين، وإن هذا الرأي أرفق بالناس، وفي هذا الموضوع كلام فارجع إليه في كتاب الفقه (١). وإن اللعان فضل من الله تعالى على عباده، وقبل أن نترك الكلام في طريقته نقول: إنه عبر عن اللعنة في جانب الرجال؛ لأنهم أقوى جلدا وإدراكا لمعنى الطرد، ولا يؤثر فيهم الغضب بمقدار ما يؤثر الطرد الحسي، لَا مجرد الغضب النفسي، وفي جانب النساء عبر بالغضب؛ لأنه يؤثر في نفوسهن، ومجرد الإعراض يؤثر في نفوسهن.
стр. 7675
ِقال تعالى
стр. 7676
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
(لَوْلَا) حرف يقول النحويون إنه حرف امتناع لوجود، أي امتنع وقوع الجزاء لوجود الشرط والجزاء، لبيان أنه كبير عظيم لَا يكتنه كنهه، ولا تتصورون وأنتم تفعلون هذه الأفعال نتائجها، ولو كان القرآن يساير أهواءكم لكان الويل والثبور، وعظائم الأمور، فكنتم تتقاتلون على الأعراض، ولقطعتم الأرحام، ولضاعت مصالح الإنسان ولشاعت الفاحشة في الدين، فجواب الشرط محذوف لسعة عمومه، وكثرة آثامه إذا لم يتداركهم بفضله في أحكامه الرادعة، وأحكامه التي تجمع ولا تفرق، وفضل الله تعالى ظاهر في أحكامه في الزنى وفي القذف، وفي جمع شمل الأسرة في اللعان.
وقد فتح باب التوبة في قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) أي لولا فضل الله فيما شرع وقرر أنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن سيئاتهم ولحكمته فيها قرر وقدر وشرع - لكان الهول العظيم، وضياع الأمور.
ووصف الله نفسه بأنه تواب، أي كثير التوبة للمذنبين من عباده رحمة بهم، وتهذيبا لنفوسهم، وذلك لأن المذنب إذا أذنب وأحس بذنبه، ذهب عنه غروره وتضرع إلى ربه، والإحساس بالمعصية وطلب العفو عنها يقربه من الله تعالى ويدنيه منه، ولذا قال بعض حكماء الصوفية: معصية مُذلة خير من طاعة مُدِلَّة، ومعصية أورثت ذلا وانكسارًا خير من طاعة أورثت دِلا وافتخارا، والله عفو غفور.
* * *
стр. 7677
الإفك حول أم المؤمنين عائشة ﵂
(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)
* * *
كان هذا القصص الحق الخاص بالإفك على أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، وقد روي أن اللعان نزل في فتنة هذا الإفك الذي حِيكَ حولها ﵂، ومهما تكن قيمة هذه الرواية فمن المؤكد أنه طبق على الذين رددوه، فقد قيل فيما روى أنه طبق على مسطح بن أثال، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش أخت زينب زوج رسول الله ﷺ وكانت لها منزلة عند رسول الله ﷺ تناصى منزلة عائشة ﵂ (١).
стр. 7678
والإفك هو الكذب، كأن الكاذب صرف عن الحق إلى الباطل، لأن الإفك أصل معناه الصرف. كأن الأفاك يرى الحق واضحا بينا، فيعدل عنه إلى قول الباطل وينصرف إليه، وكذلك الأمر بالنسبة للإفك على عائشة، بين أيديهم أمارات الحق واضحة بينة فينصرفون عنها إلى الباطل الذي لَا ريب فيه.
والعصبة: الطائفة المجتمعة التي يشد بعضها بعضا، وكأنهم جماعة يتآمرون فيما بينهم على قول الباطل وترويجه وإشاعته، وقوله تعالى: (مِّنكُمْ)، إشارة إلى أنهم يعيشون بينكم، وأنهم يتغلغلون في أوساطكم، وحسبك أن مسطحا هذا له بالصديق قرابة، وكان أبو بكر ﵁ يعطيه من فضل ماله، كما تبين ذلك عند الكلام في معاني قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. . .).
وقال تعالى: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) نفَى الله تعالى أن يكون شرا، ونهانا عن أن نظن أنه شر، وقرر مؤكدا أنه خير لكم، وهنا نسأل ما وجه الخيرية لكم، وقرر الله تعالى أنه خير لكم، أي أنه ليس خيرا في ذاته، ولا يمكن أن يكون خيرا في ذاته، ونهى عن أن يظن المؤمنون أنه شر لهم، فالشرية والخيرية بالنسبة لجماعة المؤمنين في عاقبة هذا الإثم ونتائجه، وإن نظرنا هذه النظرة، نجد أن المؤمنين أدركوا أولا: أن فيهم خُبْثًا يُحترس منه، ومعرفة الداء الذي يكون في الجسم لعلاجه خير من إخفائه أو الجهل به، وثانيا: لأن هذا الداء لحق النبي ﷺ ، فعالجه بدواء من الله، إذ ناله في الألم ما ينال البشر في هذه الحال، ولكنه صبر على الأذى، وعالج الأمر بالحكمة والروية، لَا بالغضب والتسرع، نعم إن الاتهام سبق إلى نفسه، ولكن لم يسبق بالعمل استجابة للغضب من غير تثبيت واستيقان.
وثالثا: أنه لَا يصح الإفراط في الغضب، حتى تنحل قوى النفس، ورابعا: أنه لا يصح أن تتخذ مجالس السمر للحديث في الأعراض، واتهام الأبرياء والبريئات الطاهرات من النساء، وخامسا: أنه لَا يصح أن يتلقى العلم في الأعراض عن
стр. 7679
الأسماع، وتردد ما سمعت الآذان الأفواه، بل إن علم ذلك يكون بالمعاينة، وأن الإفشاء شر في ذاته والستر أولى.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
قسم الله تعالى الذين تحدثوا في هذا الإفك إلى قسمين - أولهما: من ردد القول ترديدا، ولم يكن هو مخترع القول بل أشاعه. والقسم الثاني: وهو منهم الذي اخترع القول ونشره؛ ولهذا عبر عنه بأنه (تَوَلَّى كِبْرَهُ) الكبر الإثم الكبير الذي أنشأه وأشاعه واقتدى به، ولا شك أن ذلك إثمه أكبر، ولذلك ذكر أن له عذابا عظيما، لَا يحد حده إلا أن يراه ويذوقه، فإن عليه وزره، ووزر من تبعه، والآخرون عليهم إثم أنهم نجسوا ألسنتهم بترداده، ولاكته ألسنتهم واستمرأوه في مجالسهم غير مقدرين مقام القول فيها ﵂ ومقام زوجها ﷺ ، ولا متعرفين مصدره، بل صرفوا أنفسهم من الحق إلى الباطل.
وهنا إشارتان بيانيتان:
الأولى: في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءوا بِالإِفْكِ) وهذه إشارة إلى أنه لم يكن له أصل واقع، ولكن جاءوا مروجين له مرددين سامرين في مجالسهم، يتلهون به.
الثانية: (مِّنكمْ) إشارة إلى أنهم متغلغلون في أوساطكم يبثون فيها الإحراف الفكري والنفسي واللساني، يلهونكم عن جد الأعمال إلى لغو القول الآثم، وإشاعة الفساد والتقاطع بينكم، وتسهيل الفسق، لأن ترداد القول ونسبة الفعل الفاحش إلى زوج محمد ﷺ يروج الفسق بين الفتيات اللاتي ليس لهن مكانة زوج محمد ﷺ وابنة الصديق. وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة فيما روي عنها أن الذي تولى كبر هذا الإثم وأشاعه هو رأس النفاق وكبير المنافقين، عبد الله بن أبي ابن سلول.
ولنقص طرفا من قصة الإفك الأثيم بيانا لموضوع النص الكريم:
стр. 7680
ِكان النبي ﷺ يختارا من بين نسائه من يصحبه في غزواته، وفي غزوة بني المصطلق اختار أم المؤمنين عائشة، وبعد أن انتهت الغزوة بانتصار المؤمنين عاد الجيش، وقد كانت عائشة تركت مركبها لحاجة في الصحراء، ورحل القوم في هذه الأثناء، وحملوا هودجها إلى البعير يحسبونها فيه، وشدوه، وقد انطلق الركب به، فلما عادت من حاجتها، لم تجد أحدا فتلحفت بجلبابها، واضطجعت مسلِّمة أمرها إلى ربها الذي لَا ينام، فمر صفوان بن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن العسكر لبعض شأنه فرأى سواد عائشة وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله، وقرب منها بعيره فقال اركبي فركبت، ولم يصلوا إلى الناس، وما بحثوا عنها، حتى أصبح الصباح، وعلموا تخلفها ثم حضورها على جمل مع الصالح الذي سار وراءه، وكان حصورا، لَا أرب له في النساء، وجدها رأس النفاق مقالا يقوله، فنشر الإثم رأس النفاق وقال مقالته، وقبلها من المهاجرين والأنصار من لا يمحصون الأقوال، ويتعرفون نتائجها وغاياتها، ويرجفون ويرمونه جزافا.
وأثر القول في نفس رسول الله ﷺ لأنه بشر، وقد مرضت فرأت من الرسول ما لم تعهده، وانتقلت إلى بيت أبيها لتمرضها أمها، وعرفت ما شاع من قالة السوء، فبكت، وانضاف إلى وجع جسمها وجع نفسها.
عندئذ أعلن الرسول بين المؤمنين ما في نفسه، واستشار صحابته في خاصة أمره، فبادر بعض كبار الصحابة بالبراءة، بما ألهمه به إيمانه، وعلى رأس هؤلاء عمر، ورأى علي بن أبي طالب قاضي الصحابة أن يترك رسول الله ﷺ الأمر والنساء غيرها كثيرات، ويحقق، فيسأل جاريتها عن أحوالها، فسأل النبي ﷺ جاريتها بريرة، فقالت: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة إلا أني كنت أعجن عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتي الشاة فتأكله، وإذا كانت الواقعة أنها كانت نائمة وقد عاد الذي ساق بعيرها، فقد ثبت أن عذرها كان من جنس ما اعتادت مع ملاحظة أنها كانت صبية لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها.
стр. 7681
اطمأن النبي ﷺ إلى أنها فرية مفتراة، وهم بأن يعيدها إلى بيته الكريم، ولكنها أبت أن تعود إلا إذا برأها الله، وما كانت تطمع في أن ينزل قرآن يتلى ببراءتها، ولكن الله تعالى أكرم نبيه بقرآن يتلى ببراءتها، والقرآن الذي نزل ببراءتها قوله تعالى: (الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ. . .)، الآيات (١).
ولقد بين الله تعالى ما يجب على أهل الإيمان عند شيوع قالة السوء، فقال عز من قائل:
стр. 7682
(لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)
(لَوْلَا) للتحضيض على ظن الخير من المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم خيرا، فإذا تلقى المؤمن والمؤمنة خبرا احتمل الصدق والكذب، وفيه شر يسارع إلى رده، ويقول: هذا إفك مبين. أي بين واضح، وخصوصا إذا كان ذلك الخبر، يمس من عرف بالطهر والعفاف، ومن يكون من شأنهم الطهر والعفاف والأمانة والإخلاص؛ وذلك أن الناس في تلقي أخبار السوء قسمان:
أحدهما: يظن في المؤمن الخير، ويحمل كل أحواله على الصلاح، فلا يقبل الإفك عليه، ويكذبه، ويقول: هذا إفك مبين بين واضح، ويرى من الصلاح في حال المؤمنين دليلا على الكذب، ودافعا إلى التكذيب.
والقسم الثاني: وهو الخاضع للشيطان يحسبه نهزة فينتهزها لإشاعة السوء، والسمر به في المجالس، ويجعله ملهاته ويغتاب أخاه المؤمن، ويأكل لحمه، ويعبث بكرامته مستهينا متندرا عابثا، وهذا يكبر أخبار السوء فيشيعها وقد نماها الخيال الفاسد، والعبث العابث.
وفى الآية الكريمة إشارتان بيانيتان.
стр. 7683
ِأولاهما: في قوله تعالى (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ) فالتعبير (بِأنفُسِهِمْ) يضير إلى الأخوة الإسلامية الرابطة التي تجعل إشاعة السوء عن بعضهم إشاعة عن جميعهم، وتوهين للرابطة التي تربطهم، وإشاعة السوء تنبعث من تفكك في بعض الجماعة وتنتهي إلى تفككها كلها، وتذهب بالذمار الخلقي فيها.
الثانية: ذكر (الْمُؤْمِنَاتُ) مع أن كل حكم أو أمر يعم المؤمنين والمؤمنات من غير نص على المؤمنات، ولكن نص على المؤمنات هنا؛ لأن النساء كثيرا ما يقعن في هذا النوع من الغيبة من غير احتراس ولا تحفظ، ألم تر إلى أن حمنة بنت جحش وقعت في إشاعة هذا الإفك تحسب أن في ذلك ما يرضي أختها أم المؤمنين زينب، وهذه كانت برة تقية، كانت تنفي عن عائشة ولا تقر كلام أختها، بل ترده، وبالتعبير بالوصف في المؤمنين والمؤمنات يشير - سبحانه - إلى أن الإيمان يقتضي ذلك، والله على كل شيء شهيد.
بعد هذا بين - سبحانه - طريق التثبت لأهل الدين والتقوى فقال تعالى:
стр. 7684
(لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)
(لَوْلَا) للحض كالسابقة، والحض حض على التثبت في القول، ولا يقبله المؤمن والمؤمنة، إلا أن يكون مثل الشمس وضوحا، وقد قال النبي ﷺ لشاهد جاء يشهد: " على مثلها فاشهد " وأشار إلى الشمس في رائعة النهار (١).
وإن التثبت يكون بأربعة شهداء، فالحض على التثبت، وليس على جمع الشهود ليشهدوا، فإن ذلك لَا يخلو من إشاعة للفاحشة، وقد دل الحض على
أمرين:
أولهما: أنه لَا يصح التكلم إلا إذا جاءوا بأربعة شهداء يشهدون، فإنه في هذه الحال يحل التكلم؛ لأنه سيقام الحد ويشهد عليه طائفة من المؤمنين.
стр. 7685
الأمر الثاني: أنه لَا يصح المبادرة إلى الكلام، بل يُكفُّ، ويلزم الصمت إذا لم يكن هؤلاء الأربعة من الشهداء، وإلا حق عليه الحد للافتراء، أو كما يعبر الفقهاء حد الفرية، وهو حد القذف، ولذا قال تعالى:
(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) الفاء الأولى فاء الإفصاح أو عاطفة، والفاء الثانية هي الواقعة في جواب الشرط، والإشارة إلى الذين يرمون من غير بينة، وهذه الإشارة تفيد أن هذه الحال سبب للحكم عليهم بالكذب الملازم الثابت فيهم الذي يمنع أن يقبل منهم قول بعد ذلك، وهم الذين يحدون حد القذف كما بينا، ولا تقبل لهم شهادة أبدا؛ لأن وصف الكذب ملازم لهم، ولا تقبل شهادة كاذب، ويعاقب عقوبة المفترين المبعدين، والتبعية، والأدبية، وهي الحكم عليه بالفسق.
والتعدية بـ " على " في قوله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) معناها إثبات الإفك إذ الضمير يعود عليه، وإثبات الإفك المراد موضوعه، وهو رمى المحصنة الكريمة بنت الكريم وزوج الكريم، وفي ذلك إشارة إلى أنه غير ممكن، فـ " لَوْلَا " تدل مع التحضيض على الاستبعاد، بل الاستحالة لمقام موضوع الافتراء.
وقد بين سبحانه عظم الإثم وضرره في الجماعة المسلمة، فقال عز من قائل:
стр. 7686
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)
(وَلَوْلَا) كما يقول علماء اللغة هنا حرف امتناع لوجود، أي امتنع جوابها وهو أنه يمسهم عذاب عظيم لوجود فضل الله تعالى ورحمته، فأما فضله، فهو ما أنعم به عليهم من نعمة الإيمان التي تجعل نفوسهم متأدبة بآدابه آخذة بأهدابه، وأنهم إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فعادوا إلى الحق نادمين تائبين مطهرين أنفسهم وألسنتهم وقلوبهم، وألا يخوضوا من بعد ذلك في حديث، هذا فضل الله تعالى الذي كانوا فيه بنعمة الإيمان، وما كان إنما هو أمر عارض قد زال بهداية الله تعالى،
стр. 7687
وأما رحمته فهي أنه لم يأخذهم بأمر عارض، بل غفر لهم، وأي رحمة أعظم من غفران لعمل كان منهم بجهالة، ثم تابوا من قريب، كما قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ. . .).
وجواب الشرط (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) و " مَسَّ " معناها أصاب جلودكم كما يمس الحديد المحمى الجسم الحي فيؤلمه. وفي كلمة (أَفَضْتُمْ فِيهِ) " أفاض " أصلها من فاض الإناء حتى سال، ومعنى (أَفَضْتُمْ) فيه مجاز بالاستعارة، إذ شبه حديثهم الذي خاضوا فيه غير محترسين ولا مفكرين، بالماء الذي يسيل، فلا يضبط، وكأن الحديث يسيل سيلا زائدا عن حده، وبغير غاية.
وقوله تعالى: (عَذَابٌ عَظِيمٌ) التنكير فيه للتعظيم، أي عذاب لَا تدركونه اليوم، وسترونه، ثم صور حالهم في عدم تفكيرهم فقال سبحانه:
стр. 7688
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)
(إِذْ) ظرف متعلق بقوله تعالى: (لَمَسَّكُمْ)، لمسكم العذاب العظيم في القول (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) تتلقون هذا الإفك من الألسنة، وترددونه من غير علم ولا تثبت، واقتران المس بزمنه، ينبئ عن أن هذا الذي كان في الظرف، أو كان الظرف وعاء له، عن أنه هو السبب لولا فضل الله ورحمته. ومعنى (تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)، أي وسائل التلقي والعلم لم تكن معاينة ولكن هي الألسنة، وتقولونه مرددين ما سمعتم بأفواهكم، ولم تؤمن به قلوبكم، ولم تعاينوه وتروه، بل انتقلت الكلمات من الألسنة ورددتها الأفواه من غير علم أو تثبت، فالألسنة قالته من غير علم، ورددته الأفواه من غير علم، واتخذوه سمرا، يرطبون فيه المجالس بالإثم من غير علم، ظنا منهم أنه هين لَا أثر له، ولا إثم فيه، وأن التفكه بهذا القول هو أمر هين، (وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) وذكر اسم الله تعالى توهينا لزعمهم، وبيان عظم الإثم، وفيه توبيخ شديد لهم، فليس ما ارتكبوه هنة صغيرة بل هو جريمة كبيرة
стр. 7689
تفتك ببناء الجماعة الإسلامية التي من شأنها أن تقوم على تقوى من الله تعالى ورضوان، فترديد الاتهام يسهل الإجرام، وليس ذلك شأن الجماعات الفاضلة، وهنا إشارتان بيانيتان:
أولاهما: التعبير (بِأَلْسِنَتِكُمْ) الخطاب للجميع مع أنه لم يردد هذا إلا عدد قد أقيم عليهم حد القذف، وحدوا، ولكن خوطب الجميع للإشارة إلى أن واجب الفضلاء إذا سمعوا لغو القول الجارح أن يوقفوا قائليه ويمنعوهم، فإذا سمعوا ولم يتكلموا ولم يشاركوا فكأنهم جميعا تكلموا.
الثانية: أن قوله تعالى: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهكُم) تفيد أنهم يتكلمون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كقوله تعالى: (. . . يَقُولُونَ بَألْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
بل هي ألسنة تردد قولا لَا علم لهم به، ومآله على جماعتهم وخيم.
وقد بين ما ينبغي للمؤمن عند تلقيه خبر السوء، فقال:
стр. 7690
(وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)
الواو واصلة الجملتين، وهو امتداد للتوبيخ للذين خاضوا في هذا الإثم، و (لولا) للتحضيض لاتباع ما ينبغي عند سماع قول السوء في أخيه المؤمن، وخصوصا إذا كان من العليين المكرمين عند الله والناس أجمعين: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ) وهذا حض على أن يقولوا هذا القول مؤمنين به (مَّا يَكُونُ لَنَا)، أي ليس لنا، وليس بكائن سائغ لنا (أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا)، وهذا شأن الإنسان المؤمن الكامل، لَا يسمح لنفسه أن يخوض في حديث لا يعلمه، وخصوصا إذا كان يتكلم في الأعراض، عرض أي امرئٍ كان، فكيف إذا كان ذلك في عرض الصديقة بنت الصديق، وزوج خير الخلق أجمعين، ولها مكانة من محبة رسول الله ﷺ ، وفي الآية نفي للكينونة (مَّا يَكُونُ)، وهي أبلغ نفي لمثل هذا القول، وأبلغ من النفي المؤكد، وأنه غير سائغ في ذاته لأمرين:
أولهما: تقديس الله تعالى، لتأكيد النفي عن زوج نبيه، ومن لها مكان الاختصاص بمحبة فوق محبة غيرها من أزواجه، وهذا في معنى التعجب من أن
стр. 7691
يكون مثل هذا الفعل وهذا القول مرددا بين المؤمنين، ولم يوقفوه حتى تفاقم الأمر، وآذى النبي، إذ وصل إلى سمعه الكريم، وأن التنزيه لله سبحانه في هذا المقام إشعار بأنه وحده المنزه، ويقال ذلك في كل موضع يتفاقم فيه الإثم.
(هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) الإشارة إلى الإفك، والبهتان: الكذب الذي تدهش له العقول وتتحير لفظاعته وغرابته، وبعده عن كل معقول، وهذا هو الكذب على زوج رسول الله ﷺ .
هذا ما ينبغي للمؤمن إذا نقل إليه خبر السوء الذي لَا يعقل ولا يقبل، فيجب عليه أمران. أولهما: ألا يردده لأنه لَا يليق بالكامل أن يجعله موضع أحاديثه، لأنه منكر لَا يردد، وفحش لَا ينطق. الثاني: أن يسارع إلى التكذيب إذا كانت عنده أدلة التكذيب من مقام المفترى عليه بين قومه، ومقام من ينتسب إليه، وبذلك يقف الكذب، ولا يسير في وسط الجماعات، والله بعباده رءوف رحيم.
* * *
عظة الله في هذا
قال تعالى:
(يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا
الوعظ زجر مقترن بتخويف من العذاب أو سوء العقاب والمآل في الجماعة الإسلامية - وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيميل له القلب، والتعبير بالمضارع لبيان أن ما مضى من قول فيه عظة، والله مستمر ومجدد لهم العظة آنًا بعد آنٍ، فهو مديم تجديد الإرشاد والتنبيه إلى ما فيه طهارة جماعتكم، والبعد عن ذمها، (أَن تَعُودوا) المصدر المنسبك من " أن " وما بعده، متعلق بمقدر محذوف مناسب، وهو كراهة أن تعودوا، أي كراهة عودتكم لمثلها أبدا، والضمير يعود إلى الشأن وهو الحال التي كانوا عليها، ووقعوا فيها، والتعبير عنها ب) (لِمِثْلِهِ)، مبالغة لأن لَا يقعوا فيها، كما تقول لكريم: مثلك لا يبخل: أي أنت لَا تبخل؛ لأن فيه سجايا لَا تسمح له أن يبخل كما لَا تسمح لمثله، فمعنى لا (تَعُودُوا لِمِثْلِهِ) لمثلها، أي لَا تعودوا إليها. وأشباهها، ثم علق القول على الإيمان فقال: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وهذا تنبيه إلى أمرين أولهما: إثبات أن الإيمان يتجافى عن رمي المحصنات المؤمنات، وتلقيه وترديده من غير علم ولا تثبت، ويقين، فإن ذلك من أشد أنواع الغيبة وأفحشها، ويؤدي إلى فساد الجماعة بشيوع الترامي بالزنى فيه. والأمر الثاني: هو الحض على الإيمان والتمسك به، وبأخلاق المؤمنين، والله غفور رحيم.
ويقول سبحانه:
стр. 7694
(وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)
الواو عاطفة، وقد عطفت قوله تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكمُ الآيَاتِ) الآيات ظاهر القول أنها هي الآيات القرآنية الدالة على المواعظ الشرعية، والرحمة بالجماعة الإسلامية، فإن القرآن موعظة ورحمة وهدى، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
стр. 7695
جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)،
ويكون المعنى على ذلك ويبين لكم الآيات، أي ينزل عليكم آيات مبينة الأحكام الشرعية، والمواعظ الموجهة إلى الخير، والداعية إلى الرشاد، والهادية، وتضمن البيان معنى الإنزال؛ لأن الإنزال من الله تعالى هو بيان الحقائق الإسلامية.
وإن هذه الآيات هي الملائمة الرائدة للجماعة الإسلامية المرشدة لها، التي تتجه بها نحو سيادة الفضيلة، والله هو الذي يعلم ما فيه الخير والرشاد، ولذا عقب الآية الكريمة بقوله عز من قائل (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي أنه ينزل عليكم أنه عالم بكل شيء يعلم ما يسر وما يعلن، وأنه حكيم يعالج آفات الجماعات بحكمته وتدبيره، ويشرع ما هو جدير بعلمه وحكمته، وما يصلح مالهم وعامة أمورهم، ويجعلهم جماعة فاضلة، وأنها خير أمة أخرجت للناس.
وبيَّن أن الذين يروجون الفساد ويتهمون الأبرار يعملون على إشاعة الفاحشة ونشرها، فقال تعالى:
стр. 7696
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)
بين سبحانه في هذه الآية ما يترتب على رمي البرآء، واتهام الأتقياء وخصوصا من لهم مكانة في الإيمان والفضل، وقد بين ما يترتب عليه إشاعة الفحشاء ونشرها بين الذين آمنوا؛ وذلك لأنها إذا شاعت في الأتقياء ذوي المكانة سهل ارتكاب الفاحشة، فإذا تسامع من يكون في قلبه نزغة أن فلانة من أزواج الكبراء، قد ارتكبتها فلا تجد حرجا أو لائمة أن ترتكبها، فكان الذين يلوكون بألسنتهم اتهام أزواج الكبراء قاصدين إليها غير متأثمين من ترويجها يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ لأنهم إذا علموا النتائج المترتبة على قولهم، واستمروا في غيهم، فهم يحبون هذه النتيجة ويسعون بعملهم إليها، وقد ذكر سبحانه ذلك ليعلم العابثون إن استمروا أنهم يحبون هذا الفساد، وقد ذكر سبحانه جزاءهم، فقال:
стр. 7697
(لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، أما عذاب الدنيا فهو العقاب الصارم وهو الحد، والحد كما قلنا يتضمن ثلاثة أنواع لَا يكفَّر إلا آخرها، وهي الجلد ثمانين جلدة، والثاني: ألا تقبل لهم شهادة أبدا، والثالث: الحكم عليهم بأنهم فاسقون، وهذا ما تكفره التوبة.
وأما عذاب الآخرة فإن الله تعالى اختصه بعلمه، حتى نراه يوم القيامة عيانا، ولا نعلم منه إلا ما أراد الله بيانه في القرآن الكريم من عذاب الكافرين، ثم قال تعالى مؤكدا العواقب الوخيمة من رمي البريئات والبرآء (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمونَ) الله وحده يعلم صحة الاتهام إن كان صحيحا، ومواضع التهمة، ويعلم أثر ذلك في الجماعات من إشاعة الفساد، وانحلال الرابطة الاجتماعية، وإشاعة الأقوال الباطلة (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أسرار البيوت ودخائلها، فإن ذلك في كِن مستور، ومن المصلحة ستره، روى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: " أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى لم يزل في سخط الله تعالى حتى ينزع، وأيما رجل شد غضبا على مسلم في خصومة لَا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه، وعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يدنيه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال " (١)، وإن هذا الحديث كما روي، جامع لآفات اللسان التي ترمي في نار جهنم. ثم يبين سبحانه أن هذه الآفات تكب الناس على وجوههم في جهنم لولا فضل الله. وأشنعها حديث الإفك. فقال تعالى:
стр. 7698
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
(لَوْلَا) هنا حرف امتناع لوجود، والجواب الممتنع لوجود فعل محذوف، لتذهب فيه النفس والفكر كل مذهب، وذلك ينبئ عن أنه هول أي هول، وشديد أي شدة يتناسب مع عِظم الجرم، وذلك العذاب ممتنع لوجود فضل الله تعالى المنعم
стр. 7699
علينا ببيان شريعته وعفوه عنا، وقد نبهنا إلى مغبة هذا لنرتدع، ونستغفر، ونقلع عن أهواء النفس، ووسوسة الشيطان، ورحمته بنا من أن نؤخذ بجرمنا فور ارتكابه، وإن كنا نستحقه، وأن الله تعالى من صفته أنه رءوف رحيم، الرأفة انفعال النفس بالرفق والعطف على من يخشى عليه، وهذا بالنسبة للإنسان، أما بالنسبة لله تعالى فهي صفة تليق بذاته الكريمة، وهي تقابل ما عند العبيد، ولكنها تتفق مع صفات الكمال التي يتصف بها الله تعالى، والرحمة لطف الله تعالى في الأحكام ووضعها في مواضعها سواء أكانت خفيفة أم كانت غليظة في عقاب، فالعقوبة - مهما كانت شديدة - من رحمة الله تعالى بعباده، وإن رمي الأبرياء من طاعة الشيطان، ولذا قال تعالى:
стр. 7700
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ... (٢١)
ذكر سبحانه العواقب الوخيمة التي تترتب على ترداد الإفك على ألسنة الناس وإنه يترتب عليه فساد أمر المؤمنين وتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وفي هذه الآية يشير إلى أنه من وسوسة الشيطان، ومن اتباع مسالكه، ونهى المؤمنين عن ذلك صيانة لأنفسهم، ولعقولهم، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَتَّبِعوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) تقرأ بضم الخاء وفتحها، وقراءة الجمهور بضمها، وخطوات الشيطان جمع خطوة، وهي ما يكون بين الرِجْلين عند السير، وذلك يتضمن النهي عن السير في مسالك الشيطان، وعبَّر عن طريق الشيطان بخطواته، على أنه تعبير مجازي شبه من يخضع لهواه بمن يتبع الشيطان في خطواته، فيخطو مثله غير متجنب لها، ولا لطريقه.
ثم بين سبحانه سير الشيطان، وأن من يتبعه يتبع الفحشاء والمنكر، فقال عز من قائل: (وَمَن يَتَّبِعْ خطوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) والفحشاء: الأمر الزائد في القبح الذي يتجاوز كل حد، والمنكر: الأمر الذي تنكره العقول، والفطرة المستقيمة، ولا يقبله الناس، ولا يرضاه ذوو الكرامات، والذين يتطهرون في أقوالهم وأفعالهم.
стр. 7701
وقوله تعالى (فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، ليست جواب الشرط، بل هو يومئ إليه، لأنه علة، ويكون مجرى البيان: ومن يتبع خطوات الشيطان فهو منساق إلى الفساد، لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر، وعبر سبحانه عن وسوسة الشيطان وإغوائه بالأمر لأنه يستولي على من اتبعه، وكأنه سلطان مسيطر يأمره وينهاه، ولا سلطان على نفس الضال غيره؛ لأنه رضي مسلك الشيطان طريقا، وهو ينتهي لَا محالة إلى الضلال الذي لَا هداية معه قط.
وإن الله سبحانه بفضله ورحمته لَا يترك الناس تحت إغواء الشيطان، ودنسه، ولذا قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
الزكاة تطلق بمعنى التنمية، وتطلق بمعنى الطهارة، وهنا بمعنى تزكية العقول في النفس، وامتلائها طهرا، وعفافا وإيمانا، أي أنه لولا فضل الله تعالى بالموعظة والهداية وتربية النفوس بالتقوى ورحمته بهدايتكم وقبولكم للحق وتجنبكم مخاوف الشيطان ما طهر منكم من أحد أبدا، وقد أكد سبحانه جواب الشرط وعمومه أولا بـ " مِنْ " الدالة على استغراق النفي للآحاد والجماعة، وأكد النفي أيضا بدخول (مِن) على (أحد)، كما أكده بذكر (أبدا)؛ وذلك لأن الشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها، وشهوات النفس حلوة، ولكنها وبيئة، ولكن الله تعالى لَا يترك عباده جميعا تحت غواية الشيطان الرجيم، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختار نجدها، فيأخذه إلى ما اختار.
ثم ختم الله تعالى الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أي واسع الرحمة والفضل، عليم بمن يستحقها، فيتوجه إليه بأن يسلك به طريق الهداية والطهارة.
* * *
(وَلا يَأتَلِ) معناها لَا يحلف، من الإلية بمعنى الحلف، وائتلى افتعل من الإلية، ويروى في ذلك أن مسطح بن أثاثة كان ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان فقيرا مسكينا، ومهاجرا في سبيل الله. وحضر بدرا ولكن زلق لسانه فخاض في حديث الإفك مع قرابته من أبي بكر، الذي كان ينفق عليه لفقره وقرابته، وهجرته، وحضوره بدرا، فلما فعل فعلته، ولاك بلسانه سمعة الصديقة
стр. 7704
بنت الصديق مُنِعَ النفقة، وقال: لَا أنفعه بنافعة قط، فنهاه الله تعالى عن ذلك (١) وكان نهيا عاما لكل من يكون في مثل حال الصديق ومثل حال مسطح، وإن السبب يكون خاصا، ولكن الحكم يكون عاما، وهو نهي عن الحلف، وعن المحلوف به، ومؤداه أنه يجب عليه أن يرد نافعته إليه، ويستمر في النفقة ويحنث في يمينه، كما قال ﷺ : " من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليحنث وليكفر " (٢)، ولا تمح أيمان مانعة من الخير كما قال تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ. . .)، أي لَا تجعلوها حائلة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
(الْفَضْلِ) هنا هو الخلق الكريم الذي يفيض بالخير على الناس، فالمعنى ولا يأتل أصحاب الفضل الذين لَا يشحون بخير على من دونهم، ومن مثل أبي بكر في الفضل بعد النبيين، الذي كان إذا رأى من يفتن في دينه اشتراه من وليه وأعتقه، و (السَّعَةِ)، أي الخير الكثير في المال، وبذلك يكون أولئك الفضلاء يجمعون بين الخلق الكامل والمال الثري، يفيض بخلقه، ويعطي من ماله، يطالب هؤلاء بأن يغفروا زلات من يعطونهم، كما يغفر الله لهم زلاتهم وخطيئاتهم إن كانت، فيقول سبحانه (أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) الاستفهام بمعنى النفي والتنبيه على وجوب الغفران، أي أنه كما أنكم تحبون أن يغفر الله لكم فاصفحوا واعفوا، فإن الجزاء من جنس العمل والوجدان والإحساس، والفرق بين العفو، والصفح، هو أن العفو هو عدم جزاء السيئة بمثلها، ودفع السيئة بالحسنة، والصفح هو محو آثار الإساءة من النفس، وقد أمر الله تعالى رسوله بالصفح الجميل، فقال عز من قائل: (. . . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، وهو الصفح مع تجافي ما يذكر بالإساءة.
стр. 7705
وقد ختم الآية بقوله: (وَاللَّه غَفورٌ رحِيمٌ)، أي كثير المغفرة تعم رحمته بكثرتها، وذكر هذين الوصفين في هذا المقام دعوة للناس بأن يتخلقوا بصفات الله، وإن كانت لَا تليق إلا بذاته وجلاله.
وقد يستنبط الفقهاء من هذا خطأ من يقول إن الزكاة لَا تصرف لعاص، لأن ذلك يتنافى مع معنى هذه الآية ومغزاها الكريم، ولأن منع العاصي ربما يؤدي إلى إسرافه في المعصية، والرفق به قد يقربه ويهديه.
وبعد هذا الأدب الكريم الذي يعم ولا يخص الصديق وابنته - بين بعد ذلك عقاب الذين يرمون المحصنات، فقال عز من قائل: