← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

وقوله تعالى (فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، ليست جواب الشرط، بل هو يومئ إليه، لأنه علة، ويكون مجرى البيان: ومن يتبع خطوات الشيطان فهو منساق إلى الفساد، لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر، وعبر سبحانه عن وسوسة الشيطان وإغوائه بالأمر لأنه يستولي على من اتبعه، وكأنه سلطان مسيطر يأمره وينهاه، ولا سلطان على نفس الضال غيره؛ لأنه رضي مسلك الشيطان طريقا، وهو ينتهي لَا محالة إلى الضلال الذي لَا هداية معه قط. وإن الله سبحانه بفضله ورحمته لَا يترك الناس تحت إغواء الشيطان، ودنسه، ولذا قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). الزكاة تطلق بمعنى التنمية، وتطلق بمعنى الطهارة، وهنا بمعنى تزكية العقول في النفس، وامتلائها طهرا، وعفافا وإيمانا، أي أنه لولا فضل الله تعالى بالموعظة والهداية وتربية النفوس بالتقوى ورحمته بهدايتكم وقبولكم للحق وتجنبكم مخاوف الشيطان ما طهر منكم من أحد أبدا، وقد أكد سبحانه جواب الشرط وعمومه أولا بـ " مِنْ " الدالة على استغراق النفي للآحاد والجماعة، وأكد النفي أيضا بدخول (مِن) على (أحد)، كما أكده بذكر (أبدا)؛ وذلك لأن الشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها، وشهوات النفس حلوة، ولكنها وبيئة، ولكن الله تعالى لَا يترك عباده جميعا تحت غواية الشيطان الرجيم، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختار نجدها، فيأخذه إلى ما اختار. ثم ختم الله تعالى الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أي واسع الرحمة والفضل، عليم بمن يستحقها، فيتوجه إليه بأن يسلك به طريق الهداية والطهارة. * * *

стр. 7702

المعصية لَا تسوغ قطع الرحم، والبراءة من الإفك قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) * * *

стр. 7703

(وَلا يَأتَلِ) معناها لَا يحلف، من الإلية بمعنى الحلف، وائتلى افتعل من الإلية، ويروى في ذلك أن مسطح بن أثاثة كان ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان فقيرا مسكينا، ومهاجرا في سبيل الله. وحضر بدرا ولكن زلق لسانه فخاض في حديث الإفك مع قرابته من أبي بكر، الذي كان ينفق عليه لفقره وقرابته، وهجرته، وحضوره بدرا، فلما فعل فعلته، ولاك بلسانه سمعة الصديقة

стр. 7704

بنت الصديق مُنِعَ النفقة، وقال: لَا أنفعه بنافعة قط، فنهاه الله تعالى عن ذلك (١) وكان نهيا عاما لكل من يكون في مثل حال الصديق ومثل حال مسطح، وإن السبب يكون خاصا، ولكن الحكم يكون عاما، وهو نهي عن الحلف، وعن المحلوف به، ومؤداه أنه يجب عليه أن يرد نافعته إليه، ويستمر في النفقة ويحنث في يمينه، كما قال ﷺ : " من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليحنث وليكفر " (٢)، ولا تمح أيمان مانعة من الخير كما قال تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ. . .)، أي لَا تجعلوها حائلة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس. (الْفَضْلِ) هنا هو الخلق الكريم الذي يفيض بالخير على الناس، فالمعنى ولا يأتل أصحاب الفضل الذين لَا يشحون بخير على من دونهم، ومن مثل أبي بكر في الفضل بعد النبيين، الذي كان إذا رأى من يفتن في دينه اشتراه من وليه وأعتقه، و (السَّعَةِ)، أي الخير الكثير في المال، وبذلك يكون أولئك الفضلاء يجمعون بين الخلق الكامل والمال الثري، يفيض بخلقه، ويعطي من ماله، يطالب هؤلاء بأن يغفروا زلات من يعطونهم، كما يغفر الله لهم زلاتهم وخطيئاتهم إن كانت، فيقول سبحانه (أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) الاستفهام بمعنى النفي والتنبيه على وجوب الغفران، أي أنه كما أنكم تحبون أن يغفر الله لكم فاصفحوا واعفوا، فإن الجزاء من جنس العمل والوجدان والإحساس، والفرق بين العفو، والصفح، هو أن العفو هو عدم جزاء السيئة بمثلها، ودفع السيئة بالحسنة، والصفح هو محو آثار الإساءة من النفس، وقد أمر الله تعالى رسوله بالصفح الجميل، فقال عز من قائل: (. . . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، وهو الصفح مع تجافي ما يذكر بالإساءة.

стр. 7705

وقد ختم الآية بقوله: (وَاللَّه غَفورٌ رحِيمٌ)، أي كثير المغفرة تعم رحمته بكثرتها، وذكر هذين الوصفين في هذا المقام دعوة للناس بأن يتخلقوا بصفات الله، وإن كانت لَا تليق إلا بذاته وجلاله. وقد يستنبط الفقهاء من هذا خطأ من يقول إن الزكاة لَا تصرف لعاص، لأن ذلك يتنافى مع معنى هذه الآية ومغزاها الكريم، ولأن منع العاصي ربما يؤدي إلى إسرافه في المعصية، والرفق به قد يقربه ويهديه. وبعد هذا الأدب الكريم الذي يعم ولا يخص الصديق وابنته - بين بعد ذلك عقاب الذين يرمون المحصنات، فقال عز من قائل:

стр. 7706

(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) هذه الآية عامة في كل من يرمى محصنة، وهي التي عرفت بالتقوى والبعد عن الخنا، وليس موضوعه مَنْ رمى عائشة ﵂ بل من يكون لسانه غير منضبط، يرسل القول إرسالا، بين المؤمنين في المحصنات، فهي تعم كل من ليس عفيف اللسان يرمى النساء بالفحش، لأدنى شبهة، وإن الكامل يعف لسانه عن النطق بالهجر. والمحصنة هي التي لم ترتكب الخنا، وهي عفيفة عرفت بالعفة، ولم تعرف بالفجر، (الْغَافِلاتِ) الغافلة هي الطيبة الطاهرة التي ليس عندها خبرة، ولا معرفة بأحوال الناس، وشأن المرأة التقية أن تكون في غفلة عما يلهو به الناس، لَا تعرف الرذيلة ولا ترتكبها، فيها غرارة، وسذاجة، والمؤمن كما في الأثر: غر كريم، والمنافق خب لئيم (١)، وليس المراد أنها بلهاء، بل تفسر الغافلة بأنها الساذجة المستقيمة النفس التي تعيش بالفطرة ولا تجانفها. وقد قال الزمخشري في تفسير معنى الغافلات: الغافلات السليمات الصدور التقيات القلوب اللاتي ليس فيهن

стр. 7707

دهاء، ولا مكر، لأنهن لَا يعرفن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطنَّ لما تفطن له المجربات العارفات. وإن الغافلات أيضا لَا ينتبهن لمقالات الآثمين، ولا يعملن على ردها، وسوق الفاسدين إلى القضاء ليقيم عليهن حد القذف، وقذف هؤلاء أعظم جرما، وأدل على اللجاجة في الأذى والاستهتار في القول من غير تأثم ولا تحرج، (الْمُؤْمِنَاتِ)، أي اللاتي يجملهن الإيمان، ويزيدهن عفة فوق عفتهن بالفطرة السليمة النقية الطاهرة، وقد ذكر سبحانه عقاب خسة هؤلاء الذين يرمون المحصنات الغافلات فقال: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) أي طردوا ونبذوا في الدنيا، فليس لهم فيها ذكر طيب، ولا كرامة لهم، ولا احترام لخساسة نفوسهم، ولعنوا في الآخرة فهم مبعدون عن رضا الله، وعن أن ينظر إليهم، ولا يكلمهم، لأنهم قد دنسوا ألسنتهم بإشاعة هذا الهجر من القول، (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهو دخولهم في الجحيم.

стр. 7708

(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) (يَوْمَ) متعلق بقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، أي أن ذلك العذاب العظيم يكون في يوم لَا يخفى فيه آثم، ويكون كل شيء شاهدا على ما أجرموا، وقد صور الله تعالى ذلك بأن ألسنتهم تشهد عليهم بما اخترصوا فيه، وأرجلهم تشهد بما سعوا فيه بالباطل، وأفسدوا به الناس، وأيديهم تشهد بما بطشوا، وما فعلوا من آثام، وشهادتهم منصبة على ما كانوا يعملون. هذا كله متعلق بحادث الإفك، ذكر في بعض الآيات ما هو موضوع الإفك حول أم المؤمنين عائشة، وبعضه عام ذكر لمناسبة الحديث عن هذا الإفك الأثيم، ولقد قال الزمخشري ﵁ في هذا المقام ما نصه: " لو فلَّيت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله تعالى عليها، ولا أنزل آية من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه عن طرق مختلفة وأساليب مفتنة،

стр. 7709

كل واحد منها كافٍ في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله " (١).

стр. 7710

(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) (يَوْمَ) بدل أو عطف بيان من قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم) والآية السابقة كانت مشتملة على الإثبات يوم القيامة وأنه كان من جوارحهم التي تشهد عليهم، وهي شهادة صادقة، وهذه الآية تبين الحكم، وهو العقاب الشديد، والدين هنا هو الجزاء الصارم الشديد، فـ (الدِّين) تجيء بمعنى الجزاء والحساب، يوفيهم جزاءهم الحق الذي استحقوه بأقوالهم الآثمة، وعندئذ في هذا يعلمون الله، وصدق وعيده، فيعلمون أنه سبحانه هو وحده الحق المبين، ويعلمون أن ما أشركوا به كان باطلا، ولا حق إلا الله، ولا يعبد بحق سواه، تبارك الله وتعالى أحسن الخالقين. بعد ذلك بين - سبحانه - براءة عائشة من الإفك، فقال عز من قائل:

стр. 7711

(الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) وهذا برهان منطقي مستمد من واقع الحياة، وما يختاره الله تعالى للناس، وهو التجانس بين الأزواج في الأخلاق والأعمال والأقوال. الخبيثات جمع خبيثة، وهل المراد وصف النساء أم وصف الأقوال؛ قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وجمهور مفسري السلف: ويكون المعنى أن خبيث الأقوال، إنما ينطبق على خبيث الرجال وقد حصرت فيهم، وكذلك الخبيثون انحصروا في خبيث الأقوال لَا يعدونها، (وَالطَّيِّبَات)، أي الأقوال الطيبة تنحصر

стр. 7712

في الطيبين من الرجال، وهم منحصرون فيها لَا يتجاوزونها إلى خبيث الأقوال، وقد عد هذا احتمالا في الآية الزمخشري، والاحتمال الثاني الذي ذكره أن المراد بالخبيثات النساء، وكذلك الطيبات، وإلى هذا نميل، فليس موضوع الكلام خبائث الأقوال، وطيباتها، إنما موضوعها البريئات من النساء والبرآء من الرجال الذين يرمون بخبث القول، فهي أولى بأن تفسر بموضوعها. والخبيث هو من قام به الخبث، وهو الرجس الحسي، وقد شبه الرجس المعنوي، وهو فساد النفوس وارتكابها موبق الأفعال من زنى وشرب خمر وسرقة، واختلاس واغتصاب بالخبث الحسي، كما في قوله تعالى: (. . . إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. . .). وقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) هو من قبيل القصر؛ لأن فيه تعريفا للطرفين، ومعنى ذلك أن الخبيثات لَا يكن إلا للخبيثين من الرجال، أي لَا يمكن أن يكن أزواجا إلا للخبيث من الرجال، إذا لَا يقدم عليهن إلا مثلهن، وكذلك كان القصر في الجملة الثانية، والخبيثون للخبيثات، أي انحصر زواج الخبيثين في الخبيثات من النساء، أي لَا ترضى بواحد منهم زوجا لها تجناز معه مرحلة الحياة إلا الخبيثات من النساء، فلا ترضى شريفة طيبة برجل خبيث النفس والقول والعمل. وكذلك الطيبات للطيبين هو أيضا فيه قصر بتعريف الطرفين، أي أن الطيبات من النساء لَا يقبلن إلا زواج الطيببن؛ لأن الطيبة الكريمة لَا ترضى أن تكون فراشا إلا للطيب الكريم، ولا يرضى ذووها إلا بكريم طيب ذي خلق ودين، والطيبون ذوو الأخلاق الذين لَا يختارون إلا كريمة ذات خلق ودين، والشطر الأول كقوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَان أَوْ مُشْرِكٌ. . .). (أوْلَئِكَ مبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كرِيمٌ) والإشارة هنا إلى الطيبين والطيبات؛ لأنهم الأقرب في الذكر ولأنهم الذين ياثم الخبثاء بالقول القاذف فيهم، والتبرئة لَا تكون إلا لمن يرمى بالقول الخبيث.

стр. 7713

(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)، أما المغفرة فهي أن الله تعالى يغفر لهم من اللمم، وبعض السيئات بسبب القذف الآثم لهم فإنه ينتقص من سيئات المظلوم بمقدار اعتداء الظالمين، والرزق الكريم هو الحسنات في الدنيا، وجزاؤها في الآخرة، وهذا كقوله تعالى: (. . . وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزقًا كَرِيمًا). والآية الكريمة عامة تعم نساء النبي ﷺ ، ونساء المؤمنين، وهي مع عمومها تدل على براءة أم المؤمنين عائشة من ناحية التصريحِ بكل طيبة ترمى، فقد صرح سبحانه بالبراءة، في قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وبرأها سبحانه بتضمين القول الدال على انحصار الخبيث من القول في الخبثاء والخبيثات، وانحصار الطيب من النساء والرجال في الطيب من الأخلاق والأقوال. . وإذا كان زوج كل طيب طيبة فزوج أطيب الرجال في الإنسانية أطيب النساء، والله واسع عليم. * * * أدب البيوت وصيانتها قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) * * *

стр. 7714

كان الكلام السابق في رمي الأبرياء وحد القذف، واللعان، وحديث الإفك، وما يستوجبه رمي المحصنين والمحصنات إذا كان صادقا من شهادة أربعة من الشهداء، وقد يدفع الفضول بعضهم إلى أن يفشي سر البيوت لتأكيد مظنة الزنى، فجاء النص الكريم باحترام حرمة البيوت، دفعا لهذه، ومنعا لغشيان البيوت وانتهاك حرمتها وصيانة الأسر، فقال عز من قائل:

стр. 7715

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) . النداء للذين آمنوا، وفي ذلك إشارة إلى ما يطلبه سبحانه من خواص أهل الإيمان، وهو من الأدب الذي يناسب إيمانكم وهو عدم التهجم على الأسر، وتكشف أستارها، وتحاشى إزعاجها، و (تستأنسوا) أي تطلبوا الأنس بأهلها وتزيلوا الوحشة التي تحدثها المفاجأة، والسين والتاء للطلب، وقالوا: إن معنى (حتَّى تَسْتَأنِسُوا)، حتى تستأذنوا، وقيل إن ثمة قراء قرءوا حتى تستأذنوا (١)، ونقول: الاستئناس أدق في التعريف وأدل على الاستعلام، لأن الاستئذان الإذن المجرد، وتتحقق الإجابة بالإذن، أما الاستئناس فطلب الأنس وإزالة الوحشة، وذلك لا يتحقق بمجرد الإذن بل لابد لتحققه من إيجاد الألفة، وهو يتضمن في تحقيق طلب الإذن، والاستجابة بالإذن فعلا. وإن هذا يتضمن في معناه ومغزاه النهي عن التجسس والتحسس، وظن السوء، وأنه يجب أن يظن خيرا. وإنه من تمام الاستئناس السلام، ولذا قال تعالى: (وَتسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) ولقد كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل بيتا سلَّم ثلاث مرات (٢)، ولا يكتفي بسلام واحد إعلاما لمن يدخل عليهم، واستئناسًا لهم، وإزالة لوحشة المفاجأة، والبيوت: الظاهر أنها ليس الدور، إنما هي محل البيات حيث تكون العورات مظنة أن تكون مكشوفة

стр. 7716

غير مستورة، فإذا كانت الدار ذات بيوت في كل بيت منها سكن كان الاستئناس والسلام واجبين، وقد ذكر في أدب السلف الصالح أنه إذا وجد البيت بابه مفتوحًا، يستأذن وهو واقف بجانب منه. وننبه هنا إلى أمرين: أولهما: أن السلف الصالح كانوا يذكرون أسماءهم عند الاستئذان والاستئناس، فعمر رضي الله تعالى عنه استأذن على النبي ﷺ فقال عمر، وكذلك أبو موسى الأشعري، ويكره أن يقول المستأذن: (أنا، من غير ذكر اسمه) (١). ثانيهما: أنه يستأذن على محارمه وغيرهم، وروي أن النبي ﷺ سئل من رجل: أيستأذن على أمه؟ فقال: نعم، أترضى أن تراها عارية (٢). وفى الحق: إن الاستئناس والتسليم لثلاثة أسباب. أولها: أن يكون صاحب البيت ليس على حال يصح للقاء واستقبال الناس. وثانيها: احترام الملكية، سواء أكانت ملكية عينية بأن يكون البيت ملكه، أو ملكية منفعة إذا كان مؤجرا، وثالثها: إزالة وحشة المفاجأة. وقد ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله عز من قائل: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الإشارة إلى هذه الآداب الكريمة، والخطاب لمن وجه إليهم الخطاب في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ)، وكان الخطاب بلفظ الجمع؛ لأن المخاطبين جمع، وتكون " ذلك " بالخطاب المفرد، إذا كان المخاطب محمدا وحده، وإنه بتقصي ذلك في القرآن تثبت هذه التفرقة في الخطاب. وقد خاطب بالإشارة بأمرين: أولهما: أنه (خَيْرٌ لكُمْ)، لكي تصان الأعراض، وتستر العورات، ولا يكون نطاق اتهام، ونفور بالاستيحاش، وحيث كشفت الأستار كانت الفتن وكان ظن السوء، فتسود القطيعة، والتفاحش، ورمي الأبرياء.

стр. 7717

ثانيهما: رجاء التذكر وتعرف المصلحة وتحري الاحتشام، حتى من الآباء والأمهات. وقد ذكر :

стр. 7718

(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) الآيتان متصلتان، وهذه الآية تفريع على الآية السابقة، فالسابقة فرض فيها الإذن بعد الاستئناس والسلام، وإن كان فيها أناس استئذنوا، واستئنسوا، وسلموا عليهم، وهذه الآية مفروضة في جزء منها في حال إذا لم يجدوا أحدا، والجزء الثاني مفروض فيه إذا لم يكن إذن، بل كان الأمر بالمنع والرجوع. فأما الجزء الأول فقد قال تعالى: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) فاصبروا حتى يوجد أو يحضر من يأذن لكم من أهل البيت، وقد يقال: إنه لَا أحد يخشى الاطلاع على المستور من عوراته، وقد أجاب الزمخشري على ذلك الاعتراض بقوله: " ذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لَا يحل النظر إليه فقط، إنما شرع لئلا يقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك فلابد أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب " (١). الفرض الأخير هو حال الرجوع، بين سبحانه حال الإذن، وحال خلو البيت وبقيت حال الرد، وطلب الرجوع وعدم الدخول، وهذا كما ترى متشعب عن الاستئناس، فقال تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُئم ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكمْ) والفاء واقعة في جواب الشرط، و " أزكى " معناها أطهر وأكرم؛ لأنها لَا تصح اللجاجة، فإن ذلك يكون خسة بكم، ولا يليق بكرامة الكريم. ويقول الزمخشري عند قوله تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) ألا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تلحوا في تسهيل الحجاب ولا تقفوا على الأبواب منتظرين؛

стр. 7719

لأن هذا ما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس وخصوصا إذا كانوا ذوي مروءة، ومرتاضين بالآداب الحسنة، وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إلى ذلك بعنف، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل من لم يتهذب من الناس. وقوله تعالى: (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) بمعنى الطهر، أي هو أطهر لكم، وأكرم، وأنمى لمروءتكم، ثم قال تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، أي الله تعالى يعلم ما فيه خيركم وطهركم وأليق بكرمائكم، وما يبعد المنافرة بين جماعتكم، وأنتم لا تعلمون خيركم، ولا ما فيه طهارتكم وسموكم، ومعرفة الفاضل من أموركم، أي الله تعالى يعلم ما تعملون من خير وشر ولائق وغير لائق، عليم به، وقدم (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (عَلِيمٌ) للأهمية وللاختصاص، وقبل الكلام في معاني هذه الآية الحكيمة وما قبلها نقول: إنه سبحانه لم يقل: فإن لم يأذنوا، بل قال (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) للإشارة إلى أن عدم الإذن يتضمن الأمر بالرجوع يفهمه ذو الإحساس المرهف المدرك المنفذ لما يكون فيه حفظ للمروءة وصون للكرامة، وذلك يشير إلى منع اللجاجة، وألا يدخلوا بيوتا لَا يرغب في دخولهم أصحابها، وقد بين الله تعالى ما يرخص فيه من دخول بيوت غيرهم، فقال:

стр. 7720

(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) الجناح الإثم، وتنكيره ليعم، أي ليس إثم في أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم، أي طعام أو أي شيء يقتنى وينتفع به من فرش وثياب، وأمتعة، وغيرها، وقيد أن تكون غير مسكونة، فلا يترتب على الدخول كشف للأستار، ولا انتهاك للحرمات، ولا تهجم، وقد يقال: إن فيها اعتداء على حق الملكية، ونقول: إنه ليس فيها اغتصاب، بل إنه دفع ضرر أكبر من ضرر الدخول، إذ إنه لو لم يتمكن من الدخول ربما يتلف المتاع إذا لم يسارع إلى أخذه، فلصاحب المتاع نفع، ولا ضرر على صاحب البيت مطلقا، وقد وضع محمد ﷺ -

стр. 7721

بقبس من القرآن أنه يمكَّن لصاحب الحق من دفع الضرر عنه ما دام ذلك لَا يضر أخاه، وقد قالوا: إن ذلك يتحقق في الخانات التي تكون مخصصة لنزول التجار من المسافرين، يتركون فيها بضائعهم، ثم يعودون لأخذها، ونحو ذلك من الدور التي توضع فيها الأمتعة، ولا يسكنها الناس إلا قليلا. ويبين الله أنه يعلم الظاهر والباطن ويعلم ما تخفون من نيات تكتمونها، فقال سبحانه: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)، أي يعلم ما تظهرونه من أعمالكم، ويعلم ما تخفونه من نيات وتستبطنونه صدوركم فهو وحده علام الغيوب. * * * غض البصر (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ

стр. 7722

وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) * * *

стр. 7723

غض البصر هو النقص من النظر بحيث لَا يمعن بالنظر، ولا يحاول أن يتقصى أطراف من ينظر إليه، و (مِنْ) في قوله تعالى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) إما أن نقول: إنها لتقوى الأمر بالغض، أي غضوا أبصاركم أيَّ غض، فلا تمعن في شيء من النساء، وإما أن نقول إنها للتبعيض، أي تغض من بعض بصرك، والبعض الذي يغض عنه هو الإمعان والتتبع، والاستمرار في النظر حتى تغيب عنه، لَا ينفلت بنظره عنها، فذلك هو المطلوب من الغض، أما نظر الفجأة فمعفو عنه، ولذا قال النبي ﷺ : " لَا تتبع النظرة النظرة، فإنما الأولى لك والثانية عليك " (١). ولقد قال ﷺ في معنى هذا: " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: ما لنا من مجالسنا بدّ، نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؛ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٢). وابتدأ بالأمر بغض البصر، لأنه الباب الأكبر إلى القلب، ولأن النظرة المريبة ذريعة إلى أكبر الفحش، ولأن النظر المحصف يناقض الحياء، ولأنه يؤذي النساء، فيمنعهن من قضاء شئونهن خارج منازلهن، وما لهن بد من أدائها، ولأن غض البصر، ينشر اللياقة والحياء العام، والحياء خير كله. (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) معطوفة على الأمر بغض الأبصار الذي كان عاما، ولذا جمعت الأبصار، وذلك لتطهير البيئة الاجتماعية الإنسانية، فإن سلامة البيئة تجعل

стр. 7724

الرأي العام صالحا طيبا طاهرا فاضلا يحث على الفضيلة، ويمنع الرذيلة، وفوق ذلك أمر بحفظ الفروج، والفروج جمع فرج، وهو سوءة المرأة وسوءة الرجل، وحفظها بسترها، ومنعها مما حرم الله تعالى، وهو الزنى، فإن الزنى يعرضها للأمراض الخبيثة، ويمنع النسل، والفروج تشمل فروج الرجال والنساء معا، وخوطب الرجال بحفظ فروج النساء بسترهن، ومتعهن بما أحل الله، وألا يؤذوهن بالفاحشة، وألا يعرضوهن لها، ولما حرم الله تعالى، فالرجل مسئول عن حشمة النساء، وهو الحريص عليهن. (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) ذلك، وهو غض البصر، وحفظ الفروج، أطهر لكم فيكون المجتمع طاهرا نقيا سليما، والبيوت طاهرة سليمة، وهم في ذات أنفسهم أطهار طيبون، ويكونون خيرًا في خير يظلهم الخير دائما، ويكونون في قبة من الفضيلة تظلهم، وتؤدى بهم جميعا إلى جنة الآخرة، كما كانوا في ظلة من الفضيلة في الدنيا. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) هذا النص فيه تهديد وتبشير، فيه تبشير للأخيار إن استقاموا على الطريقة المستقيمة وفيه إنذار للفجار؛ لأنه سبحانه عليم علما دقيقا بما يصنعه كل واحد من الناس، و (يَصْنَعُونَ) أدق في الدلالة على العمل من: يعملون، لأن يصنع معناها يفعله ويصير عادة له كعادة الصانع في صنعته. ويلاحظ أن الخطاب كان من الله تعالى للنبي ليأمر المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم؛ لأن ذلك من تبليغ النبي ﷺ ربه، وقد ذكر الله تعالى أولا غض البصر للرجال ثم ذكر سبحانه أمره للنبي ﵊ بأن يطالب المؤمنات بغض البصر أيضا، كما طالب المؤمنين فقال عز من قائل:

стр. 7725

(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... (٣١) الأمر للنبي ﷺ بأن يقول للمؤمنات كما قال للمؤمنين (يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) بألا يمعن النظر في الرجال فإن ذلك يغريهن بالفتنة، كما يغري الرجال

стр. 7726

الإمعان في النظر إليهن، وقد روي في بعض الأخبار أن " محمدا ﷺ سأل فاطمة ابنته خير نساء المؤمنين: ما عفة المرأة؟ قالت: ألا ترى رجلا وألا يراها رجل (١)، وليس معنى ذلك إلا أن تغض بصرها عند رؤية الرجال، وإن نظرات النساء الممعنة فيهم تغري الرجال وتغريها، إذا كان فيمن تنظر إليه ما يحببه للنساء، (وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ) بسترها فلا تبدو، وبمنعها مما لَا يحل، وحفظها من الأمراض الخبيثة التي تفسد النسل والجسم. وقال تعالى: (وَلا يُبْدينَ زِينَتَهُنَّ) بأن يتبرجن، ويظهرن فى حلية تغري، وقد قال تعالى في معنى هذا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩). واستثنى من النهي عن إبداء ما تظهر منها من غير قصد إلى إظهارها: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) من غير قصد الإعلان عن جمالها، وقالوا: إن الوجه والكفين ظهورهما مقبول في الصلاح لَا يمنع صلاحها فيكون ظهورها في الحياة العامة ليس من إبداء الزينة المحرم، وقال ابن عطية من فقهاء المالكية " يظهر لي بحكم ألفاظ الآية بأن المرأة مأمورة بأن لَا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه أو إصلاح شأن " والخلاصة أن الممنوع ما تبديه المرأة من زينة لتلفت الأنظار إلى محاسنها، ومفاتنها، فيكون ذلك إغراء للرجال، أما ما ظهر منها من زينة من غير محاولة إبداء له إغراءً، وتبرزًا للرجال فإنه لَا بأس به. (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) الجيوب فتحات الصدرِ التي تبدو منه أجزاء من الجسم، وهذه من العورة، والخُمُر جمع خمار، (وَلْيَضْرِبْن) أي ليضعن الخمر على هذه الجيوب التي ترى منها الصدور، فيستتر ذلك الجزء من عورة المرأة، لأن عورة المرأة الحرة كل جسمها، ومن النساء في هذه الأيام من يبدين بعض أجسامهن على أنه من الزينة التي تغري الرجال.

стр. 7727

هذا أمر عام للنساء بألا يبدين شيئا من الزينة إلا الذي يظهر في ذاته؛ لأن منع ظهوره فيه ضيق وحرج، وما جعل عليكم في الدين من حرج. وقد استثنى المحارم الذين يخالطون الموأة من إبداء الزينة أمامهم؛ لأن هؤلاء محرمون عليها؛ ولأنها لو منعت الزينة عن رؤيتهم تكون هي في حرج، هي وزوجها. وأول هؤلاء بعولتهن، فإن إبداء الزينة لهم من المستحسن من غير استهجان فإن الرغبة في زوج تعفه، وتبعده عن الرذيلة. الطائفة الثانية آباؤهن، فإنها قطعة منه، وهو رحم محرم منها، وزينتها تسره، ولا تضره، ولا تغريه. الطائفة الثالثة: آباء بعولتهن فإن أبا الزوج محرم لها، ولا يغرى بامرأة ابنه إلا لئيم، ومن يخرج عن الفطرة السليمة. الطائفة الرابعة: أبناؤهن فإنهم قطعة منها، ولا يغرى بأمه إلا خبيث النفس. الطائفة الخامسة: أبناء بعولتهن، فإنه ربيبها كابنها. الطائفة السادسة: إخوانهن، وبنو إخوانهن. الطائفة السابعة: أخواتهن، وبنو أخواتهن. الطائفة الثامنة: نساؤهن. أي نساء المؤمنات فإنه يجوز إبداء الزينة أمامهن. الطائفة التاسعة: أو ما ملكت أيمانهن، " ما " تشمل ما ملكت اليمين من العبيد والإماء، ولكن هنا المختص مما ملكت اليمين الذين تبدي المرأة لهم زينتها الإماء، لأنه لَا يصح أن تُبدى زينتهن أمام الرجال، وعلى ذلك أكثر فقهاء الأمصار، وروي غير ذلك عن بعض فقهاء الصحابة والتابعين، وعندي ألا يبدين زينتهن للعبيد، فإنهم رجال يشتهون، وليس عندهم من الكرامة ما يحملهم على التعفف، ولعل الدِّين ليس له تأثير قوي عند أكثرهم، ومن العبيد من يكون ذا جمال تشتهيه النساء، وقد كان بعض النساء في عهد الإمام عمر ﵁ من تأولن آية سورة النساء في قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. . .)، فملكت

стр. 7728

نفسها عبدها من مقايسة النساء على الرجال، وقد منعها عمر، وروي أنه عزرها بمنع زواجها من الأحرار. لهذا نرى أن قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) الظاهر تخصيصها بالنساء أما العبيد الرجال، فهن وبقية الرجال على سواء في المنع من ألا يبدين زينتهن لهم، صونا للبيوت ولكرامة النساء، ولحرمات البيوت الطاهرات. الطائفة العاشرة: ما ذكرها بقوله: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ). (الإِرْبَةِ) معناها الحاجة إلى النكاح، وقد اشترط فيهم أن يكونوا تابعين، وألا يكونوا مشتهين للنساء، إما لأنه ثبت أنه عنين، أو شيخ فانٍ قد انتهى أمد شهوته، أو خصي أو مجبوب، وهو تابع في البيوت يؤاكل النساء ويخالطهن، وفي إبعاده حرج لهم ولهن. وفى الحق: إن الآية ذكرت الوصف، ولم تذكر النوع، فكل من لَا يكون له أرب أو شهوة كالشيخ الفاني القاعد في البيت قابعا، وثبت أنه لَا أرب له في النساء، ولا يشتهى منهن حتى النظر، فإنه في موضع الاستثناء، وقد ألحق بهؤلاء غير أولي الإربة المخنثين من الرجال الذين كانوا يخدمون في البيوت في المدينة، ويطلعن علي عورات النساء، ويبدي النساء زينتهن أمامهم، وشك النبي ﷺ لسماعه أحدهم يصف المرأة قائلا: تقبل بأربع، وتدبر بثمان. وهذا وصف لا يقوله إلا من يمعن النظر، وفي نظرته شهوة، فأمر بإبعاد المخنثين عن البيوت (١)، والأمر في معرفة غير أولى الإربة إلى الملاحظة واحترام النفس والكرامة. الطائفة الحادية عشرة: هي ما ذكرها الله سبحانه بقوله: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) الطفل اسم جنس أي جمع أطفال، ولذا عاد الضمير

стр. 7729

ضمير جمع في قوله تعالى: (لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ)، أي لم يعلموا عورات النساء يقال: ظهر عليه أي علمه واطلع عليه، يقال ظهرت على كذا أي علمته، أي يرون المرأة، فلا يفرقون بين العورة وغيرها، وهذا دليل على كمال الغفلة عن العلاقة بين الرجل والمرأة، فهؤلاء يستثنون من إبداء الزينة أمامهم، فإن نظراتهم، ليس فيها شهوة منبعثة، وهناك حرج على النساء في إخفاء زينتهن عنهم، ولا يوجد ما يدعو إلى الوقوع في الحرج، فسبب المنع غير قائم، والباعث عليه غير موجود. هذا هو الأمر بالنسبة لإبداء الزينة، ما منع منه، وما استثنى في أحوال قد تقصيناها حالا، حالا. وقد قال تعالى بعد ذلك عاطفا على النهي، وذلك قوله تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، أي لَا تضرب برجلها ليعلم الناس ما تخفيه من خلخال أو زينة على الساق، وإن النهي عن هذا يتضمن النهي عن الضرب في ذاته بحركة غير محتشمة، تتلوى فيها المرأة تلويا مغريا، ثم إنه يبدي الزينة المغرية المشتهاة، وقد قال الغزالي: إن الصَّبَّ المتيم يثير شهوته سماع صوت الهون تدق به حبيبة. وفى الجملة: إنه يجب التستر في كل شيء، فلا يبدو منها ما يثير النظر أو الشهوة، وإن النفوس قد تغفل عن بعض هذا الواجب وهو غض البصر، ولذلك ختم الله تعالى الآيتين بقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعَا أَيُّهَ الْمُؤْمِنونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). أمر الله بالتوبة مما عساه يكون قد غفلوا عنه من أمر الغض الذي لَا يعلمه إلا علام الغيوب، ولتتطهر منه السرائر، كما تطهرت المظاهر، وقوله تعالى: (جَمِيعًا) ليعم الأمر بالتوبة الذكور والإناث، فقد يدخل البيوت من يظن فيه الخير، وليس خيرا، وقد يكون تأثم من إدخاله إذا تبين فساد نفسه، (لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ)، أي تفوزون، والرجاء من العباد، لَا من الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى. * * *

стр. 7730

النكاح هو الحصن (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) * * * كانت الآيات السابقة فيها ما يصون الأسرة في كيانها، وما فيه صيانة النساء من قول السوء، وأن تمس عفتهن بالأنظار الجارحة، فأمر الرجال بغض البصر، وأمر بأن تكون نظرات النساء غير مغرية لأهل السوء، وألا يكون إبداء الزينة مغريا لأهل الدعارة والفساد، وكل هذا كان لحماية النفوس من الشر، وبعد ذلك بين الأمر الإيجابي الذي يصون المرأة، وهو سبيل العفة، وطريقها، وهو النكاح، فقال عز من قائل:

стр. 7731

(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَإمَائِكُمْ). أنكحوا أي زوِّجوا، فالنكاح هو الزواج، والإنكاح هو التزويج، والخطاب للأولياء على النساء الذين لهم ولايتهم بقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامونَ عَلَى النِّسَاءِ. . .)، ويصح أن يكون الخطاب للأمة في مجموعها بأن

стр. 7732

يسهلوا زواج الأيامى، وتكون الأيامى شاملة للرجال والنساء، ويكون الأمر بالنكاح هو الأمر بتسهيله وإشاعته، وتمكين كل بالغ وبالغة، فإنه حينئذٍ يعف النساء والرجال معا، ويكون غض البصر في الطرقات والبيوت، وألا يكون شيء يجر إلى الشر في المجتمع الإسلامي، فيكون طاهرا متنزها، لَا يظهر فيه إلا الخير، وتختفي المنكرات ونحن نميل إلى هذا التخريج. والأيأت جمع أيِّم، وهو غير المتزوج من النساء والرجال، وقال أهل اللغة الأيم في الأصل هو المرأة، ومنه قوله ﷺ : " الأيِّم أحق بنفسها من وليها " سواء أكانت بِكْرًا أم كانت ثيبا، ولقد قال النبي ﷺ : " أيما امرأة تأيمت على ولدها الصغار حتى يبلغوا، أو يغنيهم الله من فضله كهاتين في الجنة " (١)، وأشار بأصبعيه، ولكنه على سبيل المجاز المشهور أطلق على الرجل، وإن ذلك أوضح، وأبين. أمر الله تعالى في هذه الآية بتسهيل زواج ثلاثة: أولهم الأيم من الرجال والنساء الأحرار، وذلك بتسهيل الزواج، وألا تكون عوائق من أعراف بين الناس تصعب الزواج من مهور مفحشة، وجهاز مرهق مانع، ومساكن مستعلية في السكن، ويكون كما قال النبي ﷺ : " خير الزواج أيسره كلفة " (٢). وثانيهم وثالثهم الصالحون من العباد والإماء، فيزوج السيد عبده إن أراد العبد أن يتزوج، ويكرهه على الزواج إن خشي عليه العنت، أو أن يقع في الزنى إن لم يتزوج فإنه يكون الزواج فرضا، والمسئول عن العبد هو مالكه فعليه أن يعفه، ويمنعه من الزنى، ولا طريق للمنع عنه إلا تزويجه، فكان التزويج فرضا على المالك؛ لأن

стр. 7733

الزواج فرض على العبد، وعبر بالصالحين من عبادكم وإمائكم؛ لأنهم الذين يرغبون في الصون والعفاف. وكذلك الأمر بالنسبة للإماء إن خشي عليهن العنت يكون واجبا عليها أن تتزوج، وهي لَا تملك نفسها، بل يملك الولاية عليها مالكها، فيكون التزويج فرضا عليه، فإن لم تره وأراده كان له أن يكرهها، وقد أجمع الفقهاء على أن التزويج على الأمة ولاية إجبار لَا اختيار لها فيها. وعباد جمع عبد، وإماء جمع أمة. إذا كان واجبا على الجماعة أن تسهل الزواج وتشيعه لأنه سنة الإسلام، فإنه لا يصح أن يحول الفقر منه بين الزواج، فإن المال مال الله غاد ورائح، ففقير اليوم قد يكون من بعد غنيا، ولذا قال تعالى: (إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّه مِن فَضْلِهِ وَاللَّه وَاسعٌ عَلِيمٌ) أي أن الله تعالى يعطي من يشاء، ويغني من يشاء، (وَاللَّهُ وَاسعٌ عَلِيمٌ) أي واسع الرحمة والعطاء، عليم بمكان الحاجة وموضع العطاء. وإن هذا النص يشمل الأحرار؛ لأنه قد يكون فقيرا، أما العبيد أو الإماء فلا مال يملكونه، وقد يدخل فقراء الملاك في العموم أيضا. ثم قال تعالى في علاج حال الفقراء، فقال عز من قائل:

стр. 7734

(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٣٣) اللام لام الأمر، و " يستعفف " السين والتاء للطلب، والمعنى ليطلب العفة ولايتجافى سبيلها والوصول إليها والحصول عليها، إنما يسلك كل المسالك لطلبها، فهي طلب للجهاد في العفة والحصول عليها (الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا) أي مهيئات النكاح من مهر ونفقة، ومسكن إلى آخر ما يكون سببا للنكاح أو تمهيدا له، فالتعبير بالنكاح ذكر للمسبب وإرادة للسبب، ومن لم يجد مهيئات النكاح لَا يجد النكاح، وأسباب الاستعفاف كثيرة منها ضبط النفس، ومنها الصيام، ومنها الانشغال بالعبادة وتلاوة القرآن، وقد قال النبي ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة

стр. 7735

فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (١) الباءة تكاليف الزواج التي يمكنه أن يبوء بها في هذه العقدة المباركة، والصوم يتضمن معاني روحانية والتجرد من الملاذ والأهواء، ويتضمن الصبو وضبط النفس، وقرع الشهوات، والوجاء قطع الشهوات، ودفع سيطرتها، فتكون الشهوة أمة ذلولا، ولا تكون سيدا مطاعا، تخضع له النفوس وتتطامن، وتخنع. وإن الاستعفاف يستمر حتى يغنيهم الله من فضله، فهو يستمر ضابطا نفسه مسيطرا عليها، حتى يغنيه الله تعالى من فضله أي بفضله ورحمته، وهو ذو الفضل العظيم. وإن هذا الاستعفاف للأحرار من الرجال الذين لَا يملكون باءة النكاح، فما حال الرجال العبيد الذين لَا يملكون أسباب النكاح، ولهم فيه رغبة، ولا يزوجهم مواليهم، فما الذي يستطيعونه، شرع الله تعالى لهم المكاتبة وطالبهم بأدائها، وأمر الموالي أن يجيبوهم، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا). (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ)، كلام مستأنف له صلة بالكلام السابق، و (يَبْتَغُونَ) يطلبون راغبين متشددين في الطلب، والكتاب مصدر كاتَب يكاتب؛ لأن مصدر فاعل، فِعَال أو مُفاعلة كقتال ومقاتلة، وعناد ومعاندة، فمعنى الكتاب المكاتبة، أي إن طلبوا المكاتبة (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْرًا) والفاء هي كالفاء الواقعة في جواب الشرط، لأن الاسم الموصول، (وَالَّذِينَ يبْتَغُونَ الْكِتَابَ) في معنى فعل الشرط، والمكاتية اتفاق بين المالك والمملوك على أن يتركه حتى يحصل على قدر من المال يتفقان عليه، فإن أنفذه وأداه عتق، وقد شرع الله ذلك العقد تسهيلا لفك الرقاب من غير ضياع حق للمالك، وتعليق الأمر بالمكاتبة على قوله: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) والخير هنا الأمانة والاستقامة والقدرة على السعي للحصول على مال المكاتبة، وقال

стр. 7736

الظاهرية وبعض الفقهاء إن الأمر هنا (فَكَاتِبُوهُمْ) للوجوب بمقتضى ظاهر الأمر، أي إن الأمر هنا للوجوب بمقتضى ظاهر اللفظ. وإنه من الواجب أو المندوب أن يؤتيهم القادرون ما يستعينون به على فك رقابهم، ولذا قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) أعطوهم من المال الذي أعطاكم الله تعالى، ونسبة المال إلى الله تعالى فيه حث على الإعطاء؛ لأنه بمال الله الذي جعلكم مستخلفين فيه، فكان حقا عليكم بمقتضى هذا الاستخلاف أن تعطوه لعيال الله تعالى، وهم الفقراء الأرقاء الذين يحتاجون ليفكوا رقبتهم، وقد أوجب الله تعالى ذلك فجعله مصرفا من مصارف الزكاة، وهو يصرف في الرقاب في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .). وقال الفقهاء: إن سهم الرقاب ينفق في معاونة المكاتبين حتى يسدوا ما عليهم، وتسارع لهم الحرية. وقد نهى سبحانه عن إكراه الإماء على البغاء، وهو طلب المرأة للزنى، وقد كان رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول عنده ست إماء كان يكرههن على البغاء ويأخذ أجورهن وهو سحت، لأن مهر البغايا سحت، وقد قال تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) الفتيات المراد بهن الإماء، وعبر عنهن بالفتيات لنقتدي بالقرآن، والنبي ﷺ إذ يقول: " لا تقل عبدي وأمَتي بل قل فتاي وفتاتي " (١) وللحض على عدم إكراههن على البغاء لأنهن فتياته، فلا يسوغ إكراههن؛ ولأن التعبير بالفتاة فيه إيماء إلى صغرهن، وأنه مرغوب فيهن مبغي طلبهن ولسن عجائز يرغب عنهن، وقوله تعالى: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)، مبالغة في اللوم والتأثيم، والتحصن إرادة حصن العفة يتحصنَّ به، ولا يجعلن أنفسهن متاعا يستفرشه الرجال في حرام.

стр. 7737

وليس معنى التعليق أنهن إذا كن يبغين البغاء يكرهن، إنما الشرط لتحقيق معنى الإكراه، فهو لَا يكون إلا حيث تكون إرادة التحصن وهو توبيخ لمالك الأمة التي تفعل، فهي الأمة تأبى أن تكون بغيا، وهو الذي يريدها بغيا، ويقول سبحانه: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وعرض الحياة الدنيا هو المال من طريقه الرخيص الذي لا يرضاه، وهو أدنى طريق وأحقره. ثم يقول تعالى في بيان أن الله تعالى يعفو عن هؤلاء المكرَهات، ويكون إثم الإكراه على مواليهن، فقال: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أي إن الله يغفر لهن هذا الذنب الذي كان بإكراه، وقوله: (مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ) للإشارة إلى أن الفعل الآثم يكون من بعد الإكراه وبسببه، فالله يغفر ذلك الإثم، لأنه غفور رحيم. هذه الأحكام كلها أحكام لصيانة المجتمع الإسلامي وليكون طاهرا لَا دنس فيه، ولصيانة الأسرة، ولصيانة المرأة المسلمة حرة أو أمة، والرجل المسلم حرا أو عبدا، وهي آيات بينات، ولذا قال تعالى:

стр. 7738

(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) يذكر الله تعالى في هذه الآية أنه أنزل في القرآن الكريم ثلاثة أمور. أولها: (آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)، أي آيات مبينة للأحكام الشرعية في الأسرة والمجتمع الإسلامي والعلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم، ففيها الآيات المكونة للأسرة من زواج وأحكام أولاد، وحقوق للزوجين في أثناء قيام الحياة الزوجية وانتهائها، وحقوق المرأة وحقوق الرجل، ثم فيها ما شُرع حماية للأسرة. والأمر الثاني: (وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ)، أي من أمثال الذين خلوا من قبلكم، و " مثل " هنا مفرد يدل على الجمع ما دام غير معين، وهو القصص الحكيم الذي كان فيه العبر، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ. . .).

стр. 7739

والأمر الثالث: الموعظة - ببيان عقاب الذين يفسدون المجتمع الإسلامي، فذكر من قبل القصاص الذي تكون فيه المساواة بين الجريمة والعقوبة، وساق سبحانه القول في ذلك سوقا حكيما، ثم عقاب الذين يفسدون النسل، والذين يشيعون الفاحشة في الذين أسلموا، ففي كل هذا وعقوباته عظات لأولي الألباب يتعظ بها المتقون الذين يخافون عقابه ويرجون ثوابه، أما الذين لَا يتقون الله ولا يرجون ما عنده، فالسياط تكوي ظهورهم، والسيوف تقطع رقابهم، كما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ. . .). * * * نور الله ومساجده (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) * * *

стр. 7740

النور في لغة العرب ضد الظلام وهو الذي يضيء للأبصار فترى الأشياء وتميز بينها، وقد أطلق على سبيل المجاز على ما يميز بين المعاني فيفرق بين الحق والباطل، ولذا وصف به القرآن الكريم، فقال تعالى: (. . . وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نورًا مُّبِينًا)، وقال تعالى في وصف الكتاب: (. . . وَالْكِتَابِ الْمُنيرِ)، وسمي النبي ﷺ نورًا فقال تعالى: (. . . قَدْ جَاءَكم مِّنَ اللَّهِ نَورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ). وأطلق على التدبير المحكم، فيقال في مدح الملوك: الملك نور هذا البلد، وعلى رب البيت أنه نور البيت. وفي كل هذه الأمثلة يكون النور معنويا فاصلا بين الحق والباطل، والسديد وغير السديد، وعلى هذا نذكر معاني قوله تعالى:
следующие страницы →