الظاهرية وبعض الفقهاء إن الأمر هنا (فَكَاتِبُوهُمْ) للوجوب بمقتضى ظاهر الأمر، أي إن الأمر هنا للوجوب بمقتضى ظاهر اللفظ.
وإنه من الواجب أو المندوب أن يؤتيهم القادرون ما يستعينون به على فك رقابهم، ولذا قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) أعطوهم من المال الذي أعطاكم الله تعالى، ونسبة المال إلى الله تعالى فيه حث على الإعطاء؛ لأنه بمال الله الذي جعلكم مستخلفين فيه، فكان حقا عليكم بمقتضى هذا الاستخلاف أن تعطوه لعيال الله تعالى، وهم الفقراء الأرقاء الذين يحتاجون ليفكوا رقبتهم، وقد أوجب الله تعالى ذلك فجعله مصرفا من مصارف الزكاة، وهو يصرف في الرقاب في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .).
وقال الفقهاء: إن سهم الرقاب ينفق في معاونة المكاتبين حتى يسدوا ما عليهم، وتسارع لهم الحرية.
وقد نهى سبحانه عن إكراه الإماء على البغاء، وهو طلب المرأة للزنى، وقد كان رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول عنده ست إماء كان يكرههن على البغاء ويأخذ أجورهن وهو سحت، لأن مهر البغايا سحت، وقد قال تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) الفتيات المراد بهن الإماء، وعبر عنهن بالفتيات لنقتدي بالقرآن، والنبي ﷺ إذ يقول: " لا تقل عبدي وأمَتي بل قل فتاي وفتاتي " (١)
وللحض على عدم إكراههن على البغاء لأنهن فتياته، فلا يسوغ إكراههن؛ ولأن التعبير بالفتاة فيه إيماء إلى صغرهن، وأنه مرغوب فيهن مبغي طلبهن ولسن عجائز يرغب عنهن، وقوله تعالى: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)، مبالغة في اللوم والتأثيم، والتحصن إرادة حصن العفة يتحصنَّ به، ولا يجعلن أنفسهن متاعا يستفرشه الرجال في حرام.
стр. 7737
وليس معنى التعليق أنهن إذا كن يبغين البغاء يكرهن، إنما الشرط لتحقيق معنى الإكراه، فهو لَا يكون إلا حيث تكون إرادة التحصن وهو توبيخ لمالك الأمة التي تفعل، فهي الأمة تأبى أن تكون بغيا، وهو الذي يريدها بغيا، ويقول سبحانه: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وعرض الحياة الدنيا هو المال من طريقه الرخيص الذي لا يرضاه، وهو أدنى طريق وأحقره.
ثم يقول تعالى في بيان أن الله تعالى يعفو عن هؤلاء المكرَهات، ويكون إثم الإكراه على مواليهن، فقال: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أي إن الله يغفر لهن هذا الذنب الذي كان بإكراه، وقوله: (مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ) للإشارة إلى أن الفعل الآثم يكون من بعد الإكراه وبسببه، فالله يغفر ذلك الإثم، لأنه غفور رحيم.
هذه الأحكام كلها أحكام لصيانة المجتمع الإسلامي وليكون طاهرا لَا دنس فيه، ولصيانة الأسرة، ولصيانة المرأة المسلمة حرة أو أمة، والرجل المسلم حرا أو عبدا، وهي آيات بينات، ولذا قال تعالى:
стр. 7738
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
يذكر الله تعالى في هذه الآية أنه أنزل في القرآن الكريم ثلاثة أمور.
أولها: (آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ)، أي آيات مبينة للأحكام الشرعية في الأسرة والمجتمع الإسلامي والعلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم، ففيها الآيات المكونة للأسرة من زواج وأحكام أولاد، وحقوق للزوجين في أثناء قيام الحياة الزوجية وانتهائها، وحقوق المرأة وحقوق الرجل، ثم فيها ما شُرع حماية للأسرة.
والأمر الثاني: (وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ)، أي من أمثال الذين خلوا من قبلكم، و " مثل " هنا مفرد يدل على الجمع ما دام غير معين، وهو القصص الحكيم الذي كان فيه العبر، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ. . .).
стр. 7739
والأمر الثالث: الموعظة - ببيان عقاب الذين يفسدون المجتمع الإسلامي، فذكر من قبل القصاص الذي تكون فيه المساواة بين الجريمة والعقوبة، وساق سبحانه القول في ذلك سوقا حكيما، ثم عقاب الذين يفسدون النسل، والذين يشيعون الفاحشة في الذين أسلموا، ففي كل هذا وعقوباته عظات لأولي الألباب يتعظ بها المتقون الذين يخافون عقابه ويرجون ثوابه، أما الذين لَا يتقون الله ولا يرجون ما عنده، فالسياط تكوي ظهورهم، والسيوف تقطع رقابهم، كما قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ. . .).
* * *
نور الله ومساجده
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)
* * *
стр. 7740
النور في لغة العرب ضد الظلام وهو الذي يضيء للأبصار فترى الأشياء وتميز بينها، وقد أطلق على سبيل المجاز على ما يميز بين المعاني فيفرق بين الحق والباطل، ولذا وصف به القرآن الكريم، فقال تعالى: (. . . وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نورًا مُّبِينًا)، وقال تعالى في وصف الكتاب: (. . . وَالْكِتَابِ الْمُنيرِ)، وسمي النبي ﷺ نورًا فقال تعالى: (. . . قَدْ جَاءَكم مِّنَ اللَّهِ نَورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ).
وأطلق على التدبير المحكم، فيقال في مدح الملوك: الملك نور هذا البلد، وعلى رب البيت أنه نور البيت. وفي كل هذه الأمثلة يكون النور معنويا فاصلا بين الحق والباطل، والسديد وغير السديد، وعلى هذا نذكر معاني قوله تعالى:
стр. 7741
(اللَّهُ نُور السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي الله مدبر الوجود ومنشئه، خلقه ودبره في أدق نظام، وأعظم إبداع، فربط بين أجزائه برباط محكم لَا تنفصل كواكبه، ولا نجومه فتتساقط كوكبا بعد كوكب، ونجما بعد نجم، يأبى الله على السماوات والأرض أن تزولا، (وَلَئِن زَالَتَا إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَد مِنْ بَعدِهِ. . .).
فقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) كلمة (نور) من قبيل الاستعارة، إذ شبه إدارة الله تعالى للسماوات والأرض وتعليماته للعقلاء، وتسخيرها لغير العقلاء، بنظام رتيب محكم دقيق بالنور المميز، فصح وصف الله تعالى أو الإخبار عنه بالنور على هذا المعنى المجازي المصور لما نرى ونحس، ونور الله فوق ما نبصر وأعلى مما ندرك.
صور الله تعالى نوره المميز للأشياء والعقلاء مقربا له من مداركنا فيما نحس ونعلم ونرى، فقال تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) المشكاة هي الكوة في البيت، والمصباح في هذه المشكاة أي في الجدار الذي فتحت فيه الكوة، وهي النافذة الضيقة التي ينبعث منها النور للبيت وهي في ذاتها منيرة، وينبعث نورها بقوة، لضيقها، ويشع داخل الحجرة، ومع ذلك قد وضع في جدارها مصباح فيه زجاجة، وهي
стр. 7742
قنديل الزيت، وهي صافية صفاء واضحا، ومتلألئة، وكأنها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، و (دُرِّيٌّ)، كالكواكب الدرية المزهرة المنيرة، و (دُرِّيٌّ) نسبة للدر المتألق، وذلك إذا قرئت بضم الدال، وتقرأ بكسرها دِرِّي، وتكون على وزن فعّيل وهي من الدر قلبت الهمزة ياء، وذلك الإعلال كثير في اللغة العربية، وأدغمت التاء في الياء لسكون إحداهما (١). والدرء: الدفع، ويكون معناها أنها تدفع الظلام، وقوله تعالى: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) الضمير في يوقد يعود على (كَوْكَبٌ) المشبه به في الآية، وهذا على قراءة الياء، وعلى قراءة التاء يعود الضمير إلى زجاجة، وهي المتحدث عنه.
(مِن شجَرَةٍ) " من " للابتداء، أي مصدر الوقود شجرة مباركة، وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون، والوقود من زيتها فهو منها، على هذا المعنى، وقد قال تعالى في هذه الشجرة على أنها من نعم الله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)، وكانت الشجرة مباركة، وكما قال الزمخشري وصفها سبعون نبيا بأنها مباركة، وحسبها وصف القرآن، وصفها القرآن بأنها مباركة هنا وفي سورة " المؤمنون "، وإذا كانت سورة " المؤمنون " مكية، وسورة " النور " مدنية، فقد أجمع القرآن المكي والمدني على أنها مباركة، وبركتها في أنها ذات منافع كثيرة، يكون منها الوقود المضيء، وهو دهن يكون طعاما طيبا، وهو يدخل في أدوية الجلد الطبية، وترابه إذا حرق يكون كحلا للعيون ولا يضرها، وهو إدام، والزيتون نفسه للطعام، وهو الصبغ الذي قال الله فيها: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ).
وقال عز من قائل: في وصف هذه الشجرة المباركة (زيتونة) وهذا بدل من (مباركة)، وهو إيضاح بعد إبهام فيكون فيه بيان مؤكد، وقد وصفها سبحانه بقوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)، أي أنها في وسط الأرض لَا ينقطع عنها ضوء الشمس، إذ الشرقية ينقطع عنها الضوء في المساء، والغربية ينقطع عنها الضوء في الصباح، فهي لا تستر عنها الشمس في المساء أو الصباح، وهذا يساعد على نموها ونمو ثمارها.
стр. 7743
ووصف زيتها بالصفاء فقال تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ولوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) فهو صاف لَا عكرة فيه، ومشرق لَا دكنة فيه.
(نُّورٌ عَلَى نُورٍ)، أي أنه نور يجيء على نور، فنور المشكاة التي تدخل الحجرة نورها فيضيء، ونور المصباح، ونور الزجاجة، التي هي كالكوكب الدري، ونور الزيت الذي يكاد لصفائه يضيء.
وكل هذا وصف لنور الله الهادي المرشد، فإنه يغمر القلوب التي تفتح له بالهداية، وأما الذين حقت عليهم الضلالة فإنهم لَا يهتدون، وسدت القلوب عن أن يصل النور إليها.
ولذا قال تعالى: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) وهو من سلك طريق الهداية، وأبعد عن نفسه الغواية، التي يوسوس بها الشيطان، ويحاول جاهدا أن يغوي عباد الله، (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ)، يبين الأشباه والنظائر والغايات والنتائج ليهتدوا، (وَاللَّهُ بَكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، أي بكل شيء عليم، يعلم المهتدين وطريق هدايتهم، ويعلم الضالين وعاقبة ضلالهم، فهذه الجملة فيها تبشير للمؤمنين المهتدين، وإنذار للضالين الذين أغواهم الشيطان.
وقبل أن نترك الكلام في معاني هذه الآية لابد من ذكر إشارة بيانية، هي أن الله تعالى ذكر (مِصْبَاحٌ) منكرة ثم ذكرها من بعد ذلك معرفة، فيكون المبهم والمعرف واحدا، والذكر بالإبهام تم التعريف فيه بيان بعد إبهام، وفي ذلك فضل بيان وتأكيد، وكذلك بالنسبة لزجاجة فقد ذكرت نكرة، ثم ذكرت معرفة، وذلك فيه أيضا بيان وتأكيد للبيان، وقد بين سبحانه بعد ذلك مكان النور الرباني، فيكون أشد ما يكون في المساجد، فقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)
стр. 7744
ْالآيتان مرتبطتان بالآيات التي قبلهما إعزازا للمعنى؛ وذلك لأن قوله تعالى
стр. 7745
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ) الجار والمجرور متعلقان بالآية التي قبلها، وفيها عدة أفعال كل فعل فيها يصلح متعلقا، فيصح أن يكون متعلقا بقوله: (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ)، ويصح أن يكون متعلقا بقوله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) ويصح أن يكون التعليق بقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) فالتعليق يصح أن يكون لفعل من هذه الأفعال، فالمساجد تتعلق بالنور والهداية، وهي بيوت الله تعالى، وفيها النور، وفيها يوقد النور الإلهي، وفيها الهداية.
ونكرت البيوت، لتذهب النفس في تعرفها كل مذهب، وقد عرفها بوصفها الذي يجليها، ويزيل إبهامها للنكرة، وهو قوله تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ) الإذن الإعلام، ورفعتها هي رفعة مكانتها وقدرها، فالرفعة معنوية لَا حسية، ورفعتها المعنوية، لأن فيها النور وفيها الهداية، وفيها السمو، وفيها الربانيون الذين لا يريدون إلا رضا الله تعالى، وإنه يقترن بهذه الرفعة، أو بذكر اسم الله تعالى، ولذا قال تعالى: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)، أي تتذكر القلوب اسم الله تعالى، وتمتلئ بهيبته وجلاله، وترتفع إلى مقام التجرد الروحي لله تعالى، فليس المراد كما يظهر ذكر اسم الله بلفظ الجلالة، وترداده في حلقات ذكر، وما تلهث فيه الأنفاس وتردده من صياح، بل المراد تذكر القلب والعقل لعظمته وامتلاؤهما بجلاله، وتقشعر منه الجلود، لَا بمجرد التمايل في حلقات ربما يتوسطها الشيطان!! ويكون فيها تقديس الله تعالى، وتنزيهه وعبادته كما جاء بها القرآن والسنة، ولذا قال تعالى: (يُسَبِّحُ) فِيهَا بِالْغدُوِّ وَالآصَالِ)، أي في الصباح، وهو أول اليوم، والآصال، وهي جمع أصيل، وهو آخر اليوم، وربما يدخل فيها ما بعدها، وهو العشي، كما قال تعالى في آية أخرى (. . . بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، والتسبيح هنا يحتمل أن يراد به التنزيه المطلق، ويكون المراد أنه في هذه البيوت التي يذكر فيها اسم الله تعالى ينزه الله تعالى ويقدسه فيها رجال. . إلى آخره، فهي بيوت الله لَا يذكر فيها غيره، ولا يقدس فيها سواه.
стр. 7746
ويحتمل أن يراد بالتسبيح الصملاة، وقد عبر سبحانه عن الصلاة بالتسبيح والتنزيه في قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)، قد جعل الله تعالى الصلاة موضع عبادته وتنزيهه، وهي عمود الدين، ولا دين من غير صلاة، ولكن لم يذكر الله تعالى من أوقات الصلاة إلا الغدو والآصال، ونقول: إن ذكر الآصال والغدو هو ذكر لما بينهما من الظهر، ولما بعدهما من العشي، وأن تفسير التسبيح بالصلاة أنسب للمساجد التي هي بيوت الله، كما قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).
وقوله تعالى:
стр. 7747
(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... (٣٧)
إن اتصال هذه الآية بما قبلها إعرابا وبيانا للمعاني واضح، لأن (رِجَالٌ) فاعل لـ (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)، وقد بين سبحانه أحوال هؤلاء الرجال وصفاتهم، فقال: (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ) أما إنهم لَا تلهيهم الحياة وما فيها عن ذكر الله، فهم في ذكر لله دائم، في تجارتهم يذكرون وفي بياعاتهم يذكرون الله تعالى، فذكر الله يجب أن تملأ به القلوب، لَا يغفلون عن ذكره أبدا، واذا ذكر الله تعالى في معاملاته الإنسانية كان في طهارة دائمة فلا يغش، ولا يداهن، ولا يبخس الناس أشياءهم، والصلاة شرعت في أوقاتها الخمس لدوام ذكر الله تعالى، فصلاة الفجر لملء النفس بذكر الله، فيقبل على الحياة، وهو ممتلئ بذكر الله تعالى، حتى إذا ابتدأ القلب يصدأ جاءت الظهر فجلته وطهرته بذكر الله، حتى صلاة الأصيل ثم صلاة العشاءين، ويختتم اليوم بتسبيح الله تعالى، وامتلاء النفس بذكره، فيستمر ذكر الله فيهم، ولا تلهيهم تجارة ولا بياعات، ولا أعمال الحياة عن ذكر الله أبدا؛ لأنهم في ذكر دائم بعبادة الله تعالى وخصوصا الصلاة، ولذا ذكر الصلاة وإقامتها، فقال تعالى: (وَإِقَامِ الصَلاةِ) وهذا من عطف الخاص على العام، وإقام الصلاة الإتيان بها مقومة مستقيمة بذكر الله تعالى في كل أركانها وكل عباراتها. والصلاة كما أشرنا تهذيب الروح واتصالها بالله، والمصلي وهو واقف لإقامتها يحس بأنه واقف في
стр. 7748
الحضرة الربانية، والله يراه وهو العليم بما في الصدور، وما تخفي الأنفس، وهؤلاء لا تلهيهم مطالب الحياة وغاياتها عن إيتاء الزكاة، وهي التعاون الاجتماعي الذي تقوم على دعائمه الحياة الإنسانية في الإسلام.
وإن الأساس للخلاص الكامل للمؤمن هو الإيمان بالبعث والنشور والقيامة والحساب، فإن ذلك يجعل الإنسان يحس بأن لحياته معنى وغاية، ولم يخلق عبثا أو سدى، بل إن له يوما يحاسب فيه على ما قدم وما كسب، ولذا قال في أوصاف الرجال الذين يعمرون مساجد الله (يَخَافُونَ يَوْما تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)، أي يخافون يوم الفزع الأكبر، و (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ) تضطرب، والتقلب التحول أي بمعنى تتحول وتنتقل من مكانها ثم تعود، وتكون في تحول ثم عودة، وهذا يدل على اضطرابها، وفزعها أشد ما يكون الفزع، وإن تقلب القلوب يكون بين الطمع والخوف، والرجاء والهلع، وتقلب الأبصار يكون بأن تتقلب حدقة العين في الحركة من الخوف، وهذا يدل على فزع واضطراب مستمر، كما قال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ. . .).
والنتيجة لهذا اليوم بينها الله تعالى بقوله:
стр. 7749
(لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)
هذا الجزاء، هو للذين لَا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى، فمع عملهم الصالح يخافون لقاء الله ويرهبونه استصغارا لأعمالهم الصالحة، وخوفا من هناتهم، وكذلك الطاهرون دائما؛ لأن نفوسهم نظيفة يخافون أن تلوث، كما يخاف اللامس على ثوبه الطاهر؛ لأن أي دنس يشوه منظره، ويقبح مخبره، فالطيب المستقيم على حق دائما، وقوله تعالى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) اللام هي لام العاقبة، أي لتكون عاقبة هذا اليوم بالنسبة لهؤلاء الأطهار أن يكون جزاء حسنا لأحسن أعمالهم، وجعل الجزاء لأحسن الأعمال، والجزاء لهم على أعمالهم، وذكر الكلام بهذه الصيغة لبيان أن الجزاء مساو للعمل تماما، والله قد يزيد
стр. 7750
على الأعمال رحمة منه وفضلا، ولذا قال تعالى: (وَاللَّه يَرْزُق مَن يَشَاءُ بِغيْرِ حِسَابٍ) الرزق هنا هو الثواب الذي يزيد عن العمل، وهو فيض من رحمته، وفضل منه سبحانه، وقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) فيه إشارة إلى أنه عطاء غير مجذوذ.
* * *
أعمال الكفار ونتيجتها
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ
стр. 7751
وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)
* * *
وصف الله تعالى أعمال الذين كفروا الخيرة في زعمهم وضرب لها مثلا، وأعمال الشر من عبادة الأوثان وما يتعلق بها من نيات، وقد قال تعالى في آية أخرى في وصف أعمال الخير في نظرهم، فقال: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧).
وأن الله تعالى ضرب مثلا في هذه الآيات للأعمال التي يحسبونها خيرا كالعطاء عند الميسر وشرب الخمر، ويبنون عليها طلب الجزاء يوم القيامة، فإذا جاء لا يجدون، فشبهها بقوله:
стр. 7752
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) السراب هو ما يرى في اشتداد الحر كالماء ويسرب ويجري كالماء، وهو لَا حقيقة له في ذاته، ولكنه الظمأ يصوره للظمآن كأنه ماء، والقيعة جمع قاع وهو ما انبسط من الأرض لَا زرع فيه ولا شجر، والمعنى أن الذين كفروا يعتمدون على ما يحسبونه خيرا في زعمهم، وهو خير في ذاته كصلة الرحم، ولكن لَا قيمة له لعدم الإيمان، والنية الحسنة، ويحسبون به أنه خير قدموه وهو لَا وجود له، فهو كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ويسير حتى يجهده السير، ويسير ثم يسير، ويشتد في طلبه حتى إذا جاء إلى ما ظنه عنده لم يجده شيئا، (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) ليحاسبه أشد الحساب، (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، أي أن الله موف الحساب من عذاب الجحيم، وقال: (سَرِيعُ الْحِسَابِ) للدلالة على تأكد وقوعه، أنه لَا يتأخر حتى ينسى، ولا يتصور أن ينسى، بل يجيء سريعا مؤكدا ولا يمكن أن يهمل.
стр. 7753
هذا تشبيه ما يظنونه خيرا، كما كانوا يفعلون من أعمال أي لَا يريدون بها ما عند الله، بل يريدون التعاظم والتفاخر بها، ولا يحتسبون أنها مقربة لله؛ لأنهم كانوا يشركون به.
أما أعمالهم السيئة. وتضافرها وتكاثرها، فقد كانت ظلمات بعضها فوق بعض، ولذا شبهها بالظلمات المتكاثفة، فقال:
стр. 7754
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
(أو) هنا لبيان الأعمال، وما اختص بعضها من تشبيه بالسراب، بأن كان يرجى منها الخير لو استقامت القلوب، وحسنت النية - فكانت كالسراب، وأعمال لا خير فيها، لَا في ذاتها، ولا في نياتها، فكانت كالظلمات، فأمره هنا كأمره في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. . .)، فهي لبيان اختلاف الحكم باختلاف الجريمة، وهنا تدل (أو) على اختلاف التشبيه باختلاف حال العمل، من ظاهر الخير، وإن لم يكن بنية محتسبة بل بنية التفاخر، والتظاهر بالسلطان، إلى عمل كله شر في ظاهره وفي نيته، ويحيط به الإثم من كل نواحيه.
(كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لجِّيّ): اللجي نسبة إلى اللجة، وهي الماء الكثير، فالبحر كثير الماء، عميق ممتلئ، لَا يسبر غوره (يَغْشَاهُ مَوْجٌ) يعلوه، ويستره (مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ) أي موج متراكب بعضه فوق بعض، فالبحر لجي فيه ظلمات، والموج المتراكب الذي يكون موجا كثيفا بعد موج مضطرب مصطفق، ومن فوق الموج سحاب معتم، وغيم شديد، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، فظلمة اللجة، وظلمة الموج المتراكب، وظلمة السحاب، كل هذا يوجد ظلاما دامسا لَا توجد معه رؤية صحيحة سليمة تكون طريقا للإدراك الصحيح، ولذا قال في تكميل التشبيه، فقال عز من قائل: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)، إذا أخرج يده من جيبه لَا يكاد يراها،
стр. 7755
مع أنها يده، وأخرجها من جيبه، والعلم بها متحقق؛ لأنها يده، وبعمله أخرجها، ومن مكانه في ثيابه التي يلبسها، ومع ذلك لَا يكاد يراها.
وخلاصة هذا التشبيه أن الله تعالى شبه حال الكافر في أفعاله التي تدفعه إلى الباطل، وهي في ذاتها باطل، وإن الباطل يدفع إلى باطل، فهو قد أشرك، وكان الشرك كبحر لُجي، ويدفع إلى أمواج من الباطل متكاثفة ويكون فوقها بسبب الشرك غمة تجعله في ظلام دائم، حتى يصبح غير مفرق بين حق وباطل، وتنسدُّ عليه مسالك الإدراك، كما يُسد على البصير النور في الغمام، والأمواج واللجج.
وإن هذا التشبيه يصور لنا حال المشرك كيف تتكاثف عليه ظلمات الباطل، فالشرك يكون كلجة دخل بها في بحر من الباطل لَا حدود له، وكلما أوغل فيه ازداد إعتاما، وهكذا تتضافر أسباب إظلام الأمور على العقل، فكلما خطا خطوة انسد عليه باب الإدراك انسدادا، تبتدئ بعبادة غير الله، ثم بالذبح لغير الله، ثم بتحريم ما أحل الله وإسناد التحريم، ثم باستباحة ما حرم الله من الخمر وأكل الخنزير، وأكل الموقوذة، والنطيحة، والميتة، وهكذا تتكاثف الظلمة، حتى لَا يرى حقا، ولا باطلا، ويكون لمن إِذا أخرج يده لم يكد يراها، وختم الله الآيتان بقوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)، وهذا في مقام التجريد للتشبيه؛ لأنه مناسب للمشبه به، وليس بمناسب للمشبه لأن المؤدى، (وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا) يؤديه إلى الحق، كما كان من المشركين الذين أدت أفعالهم إلى ظلمات متكاثفة، (فَمَا لَهُ مِن نورٍ) كان تشبيه ظلمات الكفر بالبحر اللجي، والذي يعلوه ويستره موج من فوقه موج من فوقه سحاب، موعزا إلى التفكير في تكوين السحاب ونزول الأمطار، وبذلك الإيعاز الفكري الذي يكون من آية إلى معاني تالية، ترتبط آيات القرآن الكريم فيكون بعضها آخذا بحجز بعض في ارتباط عقلي نفسي، ولذا عقب هاتين الآيتين ببيان تسبيح الطير في السماء فقال عز من قائل:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)
стр. 7756
الاستفهام في
стр. 7757
(أَلَمْ تَرَ)، إنكاري بمعنى النفي مع التنبيه إلى الحقائق لإدراكها، وهو داخل على نفي، وهو " لم "، ونفي النفي إثبات، والمعنى: قد رأيت أن الله يسبح له من في السماوات والأرض، ومعناها يقدسه ويخضع له ويسجد، أما تسبيحه فلأنه يدل على كمال الله تعالى، وتنزيهه عن مشابهة الحوادث، وأنه واحد أحد، وأنه صمد ليس بوالد ولا ولد، وأما السجود، فهو الخضوع الكامل لله تعالى.
والتعبير بـ (مَن) في قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ) مع أن فيها ما لا يعقل؛ فلأنها كلها في دلالتها على التسبيح أقيمت مقام العاقل؛ ولأن فيها عقلاء وغير عقلاء، غَلَّب في البيان العقلاء؛ لأنهم أعلى مكانة من غيرهم كالملائكة، فإنهم أعلى من غيرهم، ومثل ذلك عقلاء الإنس والجن المهديون، وغيرهم.
(وَالطَّيْرُ) لما فيها من إعجاز من أنها تطير، وتسير في الفضاء من غير أن يكون سيرها على أجرام جامدة تتحمل ما يسير عليها، بل هي تسير من غير جرم جامد ثقيل تسير عليه، ولذلك خصها بالذكر لفضل ما تدل عليه من إبداع في الخلق والتكوين، حتى كانت موضع درس للإنسان فأراد أن يقلدها، وتم له ما أراد فكانت الطائرات التي تقطع أجواز الفضاء، وسبحان من خلق كل شيء من غير مثال سبق، وقوله تعالى: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ)، أي تطير في الفضاء تسير صافات، أي في صفوف متتالية ومتوازية، الأجنحة وراء الأجنحة، كما ترى في أسراب الحمام وغيرها من الطير من انتقالها من مكان إلى مكان متآخية منتظمة في صفوف، وذلك من إلهام العلي الخبير لها، والطير بالرفع عطف على (مَن) أي أن الطير تُسبح، كما يُسبح كل من في السماوات والأرض، وذكر مع ذلك إبداع الله تعالى خلقَها، وما ألهمها إياه، وما سخر لها من فضاء بالسير لمسافات.
إن فاعل (علم) يعود على الله تعالى أي كل فريق وطائفة، وخلق من خلقه - علم الله تعالى صلاته وتسبيحه، وقالوا: إن الصلاة تكون من العقلاء المهديين، والتسبيح بالخضوع والدلالة بالخلق والإبداع يكون من غير المهديين وغير العقلاء فهم في صفهم، فهم كالأنعام، بل أضل سبيلا.
стр. 7758
وبين الله تعالى بعد ذلك كمال سلطانه، فقال:
стр. 7759
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)
الملك هو السلطان الكامل، والله تعالى له السلطان على السماوات والأرض وحده؛ لأنه هو الذي خلقها، وما فيها ومن فيها، والنص الكريم يفيد الاختصاص بتقديم الجار والمجرور، أي له وحده السلطان الكامل في الأرض والسماء فلا سلطان لوجود سواه، فالمعبودات التي يعبدونها من أشخاص، وأوثان وشمس ونار، كل هذه لَا سلطان لها ولا شفاعة، بل السلطان لله وحده، وان هذا السلطان يعلمه المؤمنون، وسيراه رأي العيان الكافرون، ولذا قال تعالى: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، أي المآل والنهاية. وتقديم الجار والمجرور أيضا يفيد القصر أي يصيرون إليه، لَا إلى أحد سواه، وعندئذ يلقاهم بأعمالهم والجزاء عليها.
بعد ذلك بين الله تعالى كيف يكون السحاب، وهم يرون هذا التكوين، وقد قلنا: إن ذكر البحر اللجي والأمواج المتلاطمة والسحاب توعز بإرادة تعرف خلقها، ولذا قال تعالى:
стр. 7760
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)
الزج السوق والدفع، ومنه قوله:. . . وَجِئْنَا بِبِضَاعَة مُّزْجَاة. . .)، أي مدفوعة لَا يقبل عليها أحد، والمعنى لقد رأيت أن الله يزجي. . . ونقول: الاستفهام فيه إنكاري للتنبيه، ونفي النفي إثبات، و (ألم تر) جملة منفية لفظا، والمعنى لقد رأيتم أن السحاب والرؤية هنا علمية، أي لقد علمتم، فهم لم يروا بالحس أن الله يزجي سحابا، لكن علموا مما علمهم أن الله يزجي سحابا، أي يثيرها من بخار الماء، فيتكون من هذا البخار سحاب فيدفعه الله تعالى ويسوقه في تجمعه حتى يصير ركاما، وإن ذلك لَا يكون فور تكوين السحاب، إِنما يكون بعد زمن، ولذلك كان العطف بـ " ثم "، فقال سبحانه: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا)، ومعنى
стр. 7761
(ركاما) مجتمِع بعضه يكون فوق بعض، ولقد قال تعالى: (وَإِن يَرَوْا كسْفا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يقُولُوا سَحَابٌ مرْكُومٌ)، وإنه إذا تراكم السحاب، وصار بعضه فوق بعض كان المطر، ولذا قال تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)، والودق هنا المطر، يقال: ودقت السحاب فهي وادقة - إذا أمطرت - وقوله: (يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) ينبئ عن أنه مطر ضعيف لَا ينهمر انهمارا، ولا يكون وابلا؛ لأن الوابل تنحل فيه السحاب وتنهمر، ولا يكون ودقا يخرج خلاله من سحاب متراكم، ثم أشار سبحانه إلى الماء المنهمر بعد ذلك بقوله: (ويُنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَال فِيهَا مِن بَرَدٍ) السماء هنا ما علاك، (مِن جِبَالٍ) بدل اشتمال من السماء، أي ينزل مما علاك من جبال فيها من برد، وقد شبه السحاب المتراكم الذي يعلو طبقة فوق طبقة بالجبال لكمال تماسكها وتراكمها، وعلوها حتى صارت كالجبال في منظرها، وما ركبت الطائرة التي تحلق ونظرت السحاب المتراكم حتى حسبته جبلا، أو جبالا، وإذا كان محمد ﷺ لم يركب طائرة تمر فوق السحاب، فيكون هذا من دلائل إعجاز القرآن، وأنه لم يكن من عند أحد من البشر، وقوله تعالى: (مِن بَرَدٍ)، أي وينزل من الجبال التي تشبهها السحاب، أي ينزل من السحاب بعض البرد الذي فيها، والبرد هو كما قال الراغب في المفردات، والبرد ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب، وبرد السحاب اختص بالذكر، وهذا قريب مما يقوله علماء الطبيعة من أن الماء يتبخر، فيكون سحابا، ثم يتكون من السحاب قطع صلبة هي البرد.
وتقريب القول بلغة الناس، وإن كان للقرآن المثل الأعلى في البيان الذي لا يناهد، تقريبه هكذا. وينزل السحاب التي تشبه الجبال في منظرها، وتكون (من) الثانية بيانية، أو تكون تبعيضية، أي ينزل منها بعض البرد، ونحن نميل إلى أنها بيانية.
وإذا كان ينزل المطر من البرد، فإنه لَا ينزل إلا بما يشاء سبحانه: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ)، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ أي ينزل عليه، وعبر بـ (يصيب)، دون (ينزل)؛ لأن الإصابة قد تكون بالخير، وقد تكون بغيره، فقد يكون
стр. 7762
المطرْ غيثًا فيه " كرم يغاث فيه الناس، وقد يكون غيثا مدمرا، وصرفا عمن يشاء، قد يكون سببا في القحط، وقد يكون للدمار.
ثم وصف المطر في انهماره بأن يكون فيه برق ورعد، وحيثما كان البرق فإنه يكون الرعد، وقال تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ)، أي أن ضياءه الخاطف يكاد (يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ)، أي يذهبها، وعبر بالباء، للدلالة على أن البريق يأخذ الأبصار مصاحبا لها، فالباء للمصاحبة.
وذكر البرق ذكر للرعد؛ لأن البرق اصطدام سحابتين إحداهما موجبة في كهربتها، والثانية سالبة في كهربتها، فإذا احتكتا تولدت الشرارة فكان البرق، ومن هنا الاحتكاك كان صوت وهو الرعد، وهذا دليل على غزارة المطر، وكثرة انهماره، ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى فقال:
стр. 7763
(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)
بعد أن ذكر قدرته وإنعامه على خلقه بالماء، بين نعمته في الليل والنهار، فقال: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) والتقلب معناه أن يجعل أحدهما في موضع قلب الآخر، وتقليب الليل والنهار يبدو في أمرين:
أولهما: في أن يكون الليل والنهار خلفة، فيكون أحدهما خلفة للآخر، فيسلخ الليل من النهار، والنهار من الليل في نظام مستمر.
ثانيهما: أن يكون النهار أطول صيفا، وأن يكون الليل أطول شتاء، في نظام مستمر لَا يتخلف، قد يفسر العلم ظواهره، ولكن لَا يستطيع تغييره ولا إنشاءه، فالعلم يحصي الوقائع، ولا يوجدها، ذلك تقدير العزيز العليم، ولذا قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) العبرة في مدلولها الخاص بمعنى الاعتبار، والمؤدى لها أن تأخذ من الحاضر المشاهد دلالة على الغائب غير المشاهد، فيأخذ المستبصر من رؤية تقلب الليل والنهار، وانتظامه بإحكام ودوامه دليلا على أن إرادة حكيمة متصرفة تفعل ذلك بتدبير وإحكام، وخص أولي الأبصار بالعبرة؛ لأنهم يدركون
ذكر الله في الآيات السابقة الماء في تشبيه أعمال الكافرين، والماء العذب في تكوينه، وذكر معه إنزاله على من يصيبه، ونعمته في صرفه عنه إن لم تكن الأرض صالحة للزرع، حتى لَا يكون غثيا (١) بدل أن يكون غيثا، فكان في هذه الآية مبينا لنعمة الماء في الحياة والأحياء بشكل عام كما قال تعالى في كتابه العزيز: (. . . وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. . .)، وذلك يعم الحيوان والنبات، والأشجار، من كل حي، وهنا يخص الأحياء من الحيوان، فيقول عز من قائل:
стр. 7766
(وَاللَّهُ خَلَقَ كلَّ دَابَّة مِّن مَّاء) وصدَّر الآية الكريمة بلفظ الجلالة للإشارة إلى اختصاصه بالعبادة، لأن لفظ الجلالة يتضمن معنى الألوهية، وكل ما يذكر بعد ذلك من خلقه يكون دليل ألوهيته سبحانه، فالمخلوق يدل على الخالق، وكذلك كل عبادة سامية لله ﷻ ، ودلت على الخلق يكون فيها هذا المعنى الجليل.
والدابة من دب يدب، واسم الفاعل الدابّ، وألحقت به التاء للدلالة على المبالغة، وهي تشمل الحيوان جميعا، فكل حيوان يدب على الأرض، ويسير عليها، بقدرة الله تعالى، وخلقها من الماء معناها أن الماء من الأسباب الجوهرية لحياتها بخلق الله تعالى وإرادته، والماء مصدر حياتها بإذن الله وتمكينه وجعله، لأن الماء رِيُّها، ولا يحيا الحي إلا بشربه، وغذاء الحيوان كله مما ينبت من زرع، وبغرس من أشجار فيها ثمار مختلفة، حتى الحيوانات آكلة اللحوم غذاؤها يعود إلى الماء؛ لأنها تتغذى من النبات، والحيوان كله آكلا ومأكولَا من النبات، كما قال تعالى: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ. . .).
فالحيوان من الماء، بل الأحياء كلها من حيوان ونبات من الماء، والفرق بين الحيوان والنبات أن النبات غذاؤه من الماء مباشرة، والحيوان يرتوي من الماء، ويأخذ غذاءه من النبات الذي كان تكوينه من الماء.
وبين تنوع خلقه في الحيوان لبيان عدم التفرقة في الخلق بين حيوان يمشي على بطنه زاحفا وبين حيوان على رجلين سائرا، وما يمشي على أربع،
стр. 7767
فقال عز من قائل: (فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) كالحسيات والديدان، ونحيرها من الزواحف، ومنهم من يمشي على رجلين، كالإنسان والطيور، ومنهم من يمشي على أربع كالإبل والبقر والغنم، والفيل، والذئب، والأسد والكلب، وهنا ثلاث ملاحظات:
أولاها: أن الفاء هنا للإفصاح، فهي بيان أو جواب لشرط محذوف.
الثانية: التعبير بـ (مَن)، وهي تشمل العقلاء، وغير العقلاء، وقالوا: إنها إذا كانت للعموم جاز التعبير بـ (مَنْ) عن الجميع، وذلك تعبير عن الأعظم، والأكمل حيوانية، كما يعبر عن الجمع الذي يشمل الذكور والإناث بلفظ الذكور.
ثالثها: أن من الحيوان من يكون ذا أرجل أكثر من أربع، ولم يذكر أو يُشَر إليه، والجواب عن ذلك أن ذا الأرجل الكثيرة مشير إلى أربع منها، فهو مذكور أو نقول إن الآية لم تذكر الكل، أو أشير بذكر الأربع سيرًا للاطِّراد بالزيادة فذكر أولا ما لَا رجل له، ثم ما له رجلان ثم ما له أربع، ثم بالإشارة ما له أكثر، وخصوصا أن الله تعالى ختم الآية بقوله تعالى: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فإن ذلك يشير إلى أنه يخلق الأكثر من أربع كما يشاء، وهو قادر على كل شيء.
وهذه كلها آيات دالة على ألوهية الله ﷻ وحده، وإنه لَا يهتدي إلى الوحدانية مع قيام دلائلها إلا من سار على الطريق واستقام على الجادة، فيأخذه الله تعالى إلى الهداية، ولذا قال تعالى:
стр. 7768
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
وهداية الله تعالى تكون لمن سلك طريق الحق وأبعد نفسه عن الضلالة، ذلك أن الله تعالى أودع فطرة الإنسان فطرة الاستعداد للحق والباطل، كما قال تعالى:
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)
وقال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ الئجْدَينِ)، أي نجد الحق، ونجد الباطل، فمن سار في صراط
стр. 7769
الحق فإن الله تعالى يأخذه إلى نهايته، ومن سار في طريق الضلالة تركه إلى نهايتها، ولذا قال تعالى: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) له الهداية إذا اختار نجد الهداية (إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيم)، أي إلى طريق مستقيم هو طريق الحق، وهو أقصر طريق للهداية؛ لأن الخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، وقال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .).
* * *
النفاق وضعف الإيمان
стр. 7770
(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
بين الذين استضاءوا بنور الله تعالى وأقاموا الحق في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأشار إلى أعمال الذين كفروا، وأن ما يحسبونه خيرا منها يكون كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وشرهم كظلمات في بحر لجي، وهنا يبين سبحانه حال الذين لَا يمس الإيمان قلوبهم، وتتردد به ألسنتهم، كالأعراب الذين قالوا آمنا ولم يؤمنوا، (قل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَان فِي قُلُوبِكُم. . .).
يؤكدون إعلانهم الإيمان بأنهم يؤمنون بالله وبالرسول، ويؤكدون ذلك بالطاعة، والضمير يعود على المنافقين وضعاف الإيمان، وإن الأمر الذي يختبر به إيمانهم هو طاعتهم لحكم الله تعالى، وهؤلاء يبادرون بإعلان الطاعة بالسنتهم، وقلوبهم غير مؤمنة، ولا خاضعة لحكمه، ولا مذعنة لأمره سبحانه، وإنهم إذ يعلنون الإيمان بالله وبالرسول، ويقولون أطعنا ثم يتولى فريق منهم غير مؤمن للحق ولا مذعن له، ولذا يقول الله تعالى فيهم: (ثُمَّ يتَوَلَّى فَرِيقٌ منْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يتولى أي يعرض غير مؤمن ولا مذعن، والتعبير بـ (ثُمَّ) للبعد بين ما نطقوا وحقيقتهم في ذات أنفسهم، ولذلك نفَى الله تعالى عنهم الإيمان نفيا مؤكدا، فقال: (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين) أولئك إشارة للذين قالوا آمنا بالله وبالرسول، (ثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيقٌ)،
стр. 7771
فالإشارة إلى هذا الفريق الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، نفَى عنهم الإيمان، وأكد النفي بالباء، لأن الإيمان يقتضي إذعان القلب وتسليم الفؤاد.
стр. 7772
(وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
هذا موضع الكشف عن ضمائرهم، وهو الخضوع لحكم الله ورسوله، وإذا دعوا إلى الله ورسوله، والدعوة إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم، الضمير يعود عليهم، على أنه ضمير الواحد مع أنهما اثنان الله ورسوله، ولكن لوحدة حكمها، وأنه واحد، عاد الضمير عليهما بالواحد، وذلك كقوله تعالى: (من يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، مع هذا الإيمان الذي أظهروه، والطاعة التي أبدوها يفاجأون بأن فريقا منهم يعرض، فإذا الفجائية تدل على المنافرة الشديدة بين ما يعلنون من إيمان وطاعة، وبين ما يظهر من حالهم من معاندة الأحكام وعدم خضوع لها، ووصف سبحانه إعراضهم مؤكدا له بالجملة الاسمية، وتصديره بكلمة (هم)، ووصفهم بالإعراض كأنه حالهم المستمرة، ولا علاقة بين ما أعلنوا وأظهروا، وبين ما أسروا وأخفوا.
هذا إذا كان الحق عليهم، أو كان مرددا بينهم وبين غيرهم، أما إذا كان الحق لهم، ويطمعون في أن يكون حكم الشريعة لهم فإنهم يبادرون بالخضوع، ولذا قال تعالى فيهم:
стр. 7773
(وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
إن كان الحق بحكم الشريعة لهم، يأتون إلى النبي ﷺ مذعنين، أي خاضعين له غير مغيرين ولا مبدلين، وكأن الأمر على هواهم إن أيدت الشريعة ما يدّعون خضعوا لها، وإن لم تؤيد ما يدّعون يتولون معرضين، فهم لَا يخضعون إلا لهواهم، وشهواتهم.
وإن الناس الآن، وقد هجروا حكم الشريعة يتنادون بها إن وافقت أهواءهم، وإن لم توافق أهواءهم أبدوا ما زين لهم من قوانين الغرب التي لم تقم على أساس
стр. 7774
العدالة المجردة، بل قامت على أساس أعراف الحكام، وما يشتهى الناس، ولذا عطلت الحدود، وأضاعت حقوق الناس.
ولقد قال الله تعالى مستنكرا حالهم هذه:
стр. 7775
(أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
هذا استفهام توبيخي، وهو إنكار للواقع من أمرهم، والمرض الذي يصيب القلب إما النفاق، وإما ضعف الإيمان، فهو تشبيه للمرض النفسي من ضعف الإيمان بالحقائق وعدم الإذعان للأحكام الشرعية، بالمرض الجسمي الذي يضعف فيه الجسم، وقد تدرج سبحانه في توبيخ مَن هذا حاله فابتدأ بضعف الإيمان والنفاق، ثم ثنى في التوبيخ بأنهم واقعون في الارتياب في حقائق أصل الدين والإيمان، ثم قال سبحانه ما هو أعظم من ذلك فقال: (أَمْ يَخَافونَ أَن يَحِيفَ اللَّه عَلَيْهِمْ)، يحيف معناها يجور في الحكم، ولا يجدون العدل عند الله ورسوله، وهذا انتقال من دركة إلى دركة في التوبيخ، فوبخوا أولا بضعف الإيمان ومرض القلوب، ثم كان التوبيخ؛ لأنهم يرتابون في الحقائق الإسلامية ثم كان التوبيخ الأشد؛ لأنهم يحسبون أن الله ورسوله يجوران، فكان ذلك ترقيا في التوبيخ، حتى وصل أعلاه وهو الكفر البواح برمي الله تعالى بالظلم، وهم الظالمون، ولذا قال تعالى: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) " بل " للإضراب ورد ما يومئ إليه حالهم، فهم الظالمون لأنفسهم بالضلال الذي اختاروه، وهم الظالمون لأنهم اختاروا الحكم الظالم، وتجانفوا عن الحق للإثم، وقد أكد الله تعالى ظلمهم بالجملة الاسمية، وبقصرهم على الظلم، وقصر الظلم عليهم، وبكلمة (هم) ضمير الفصل المؤكدة لظلمهم.
هذا مقال المنافقين وضعفاء الإيمان، أما مقال المؤمنين، فقد ذكره بقوله تعالت كلماته:
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)