فالإشارة إلى هذا الفريق الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، نفَى عنهم الإيمان، وأكد النفي بالباء، لأن الإيمان يقتضي إذعان القلب وتسليم الفؤاد.
стр. 7772
(وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
هذا موضع الكشف عن ضمائرهم، وهو الخضوع لحكم الله ورسوله، وإذا دعوا إلى الله ورسوله، والدعوة إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم، الضمير يعود عليهم، على أنه ضمير الواحد مع أنهما اثنان الله ورسوله، ولكن لوحدة حكمها، وأنه واحد، عاد الضمير عليهما بالواحد، وذلك كقوله تعالى: (من يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، مع هذا الإيمان الذي أظهروه، والطاعة التي أبدوها يفاجأون بأن فريقا منهم يعرض، فإذا الفجائية تدل على المنافرة الشديدة بين ما يعلنون من إيمان وطاعة، وبين ما يظهر من حالهم من معاندة الأحكام وعدم خضوع لها، ووصف سبحانه إعراضهم مؤكدا له بالجملة الاسمية، وتصديره بكلمة (هم)، ووصفهم بالإعراض كأنه حالهم المستمرة، ولا علاقة بين ما أعلنوا وأظهروا، وبين ما أسروا وأخفوا.
هذا إذا كان الحق عليهم، أو كان مرددا بينهم وبين غيرهم، أما إذا كان الحق لهم، ويطمعون في أن يكون حكم الشريعة لهم فإنهم يبادرون بالخضوع، ولذا قال تعالى فيهم:
стр. 7773
(وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
إن كان الحق بحكم الشريعة لهم، يأتون إلى النبي ﷺ مذعنين، أي خاضعين له غير مغيرين ولا مبدلين، وكأن الأمر على هواهم إن أيدت الشريعة ما يدّعون خضعوا لها، وإن لم تؤيد ما يدّعون يتولون معرضين، فهم لَا يخضعون إلا لهواهم، وشهواتهم.
وإن الناس الآن، وقد هجروا حكم الشريعة يتنادون بها إن وافقت أهواءهم، وإن لم توافق أهواءهم أبدوا ما زين لهم من قوانين الغرب التي لم تقم على أساس
стр. 7774
العدالة المجردة، بل قامت على أساس أعراف الحكام، وما يشتهى الناس، ولذا عطلت الحدود، وأضاعت حقوق الناس.
ولقد قال الله تعالى مستنكرا حالهم هذه:
стр. 7775
(أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)
هذا استفهام توبيخي، وهو إنكار للواقع من أمرهم، والمرض الذي يصيب القلب إما النفاق، وإما ضعف الإيمان، فهو تشبيه للمرض النفسي من ضعف الإيمان بالحقائق وعدم الإذعان للأحكام الشرعية، بالمرض الجسمي الذي يضعف فيه الجسم، وقد تدرج سبحانه في توبيخ مَن هذا حاله فابتدأ بضعف الإيمان والنفاق، ثم ثنى في التوبيخ بأنهم واقعون في الارتياب في حقائق أصل الدين والإيمان، ثم قال سبحانه ما هو أعظم من ذلك فقال: (أَمْ يَخَافونَ أَن يَحِيفَ اللَّه عَلَيْهِمْ)، يحيف معناها يجور في الحكم، ولا يجدون العدل عند الله ورسوله، وهذا انتقال من دركة إلى دركة في التوبيخ، فوبخوا أولا بضعف الإيمان ومرض القلوب، ثم كان التوبيخ؛ لأنهم يرتابون في الحقائق الإسلامية ثم كان التوبيخ الأشد؛ لأنهم يحسبون أن الله ورسوله يجوران، فكان ذلك ترقيا في التوبيخ، حتى وصل أعلاه وهو الكفر البواح برمي الله تعالى بالظلم، وهم الظالمون، ولذا قال تعالى: (بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) " بل " للإضراب ورد ما يومئ إليه حالهم، فهم الظالمون لأنفسهم بالضلال الذي اختاروه، وهم الظالمون لأنهم اختاروا الحكم الظالم، وتجانفوا عن الحق للإثم، وقد أكد الله تعالى ظلمهم بالجملة الاسمية، وبقصرهم على الظلم، وقصر الظلم عليهم، وبكلمة (هم) ضمير الفصل المؤكدة لظلمهم.
هذا مقال المنافقين وضعفاء الإيمان، أما مقال المؤمنين، فقد ذكره بقوله تعالت كلماته:
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)
стр. 7776
بعد أن بين سبحانه حال المنافقين وضعاف الإيمان بين أقوال المؤمنين وأحوالهم، فقال عن أولئك المؤمنين: (إِنَّمَا كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) " إنما " للحصر وتدل على القصر، و " كان " هنا تدل على الدوام والاستمرار في الماضي والحاضر والقابل، و (قول) خبر كان وقوله تعالى: (أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ويكون مؤدى الكلام السامي، إنما كان قول المؤمنين المستمر الدائم، إذا دعوا إلى الله ورسوله، أي حكم القرآن والسنة، وهو حكم الله رسوله هو قولهم (سَمِعْنَا) دعوة الله ورسوله ليحكم بيننا (وَأَطَعْنَا) قولهما، ووحد الحكم وعاد الضمير عليهما بضمير الواحد، لأن الحكم واحد، إذا أمر الله رسوله به نفذه ودعا إليه، ولا قول لهم سوى ذلك، بل قولهم مقصور عليه، وهم مقصورون عليه لَا قول لهم غيره، فلا مرض في قلوبهم، ولا امتراء في إيمانهم، ولا هوى يتحكم فيهم فيتبعون حكم الله إن صادف أهواءهم، ويعرضون عنه إن لم يصادف هذه الأهواء فهواهم هو الذي يحكمهم، لَا الحق هو الذي يحكمهم.
وقد حكم الله تعالى لهؤلاء الذين قالوا: سمعنا وأطعنا بقوله تعالى:
(وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أي الفائزون، وقد فازوا بالحق؛ لأن الحق في ذاته قوة واطمئنان وسعادة لمن ذاقه وعرفه، وهو اطمئنان النفوس واستقرارها وفازوا عند الله تعالى برضاه وهو أكبر الفوز، وأعظمه، والإشارة إلى أولئك المتصفين بالطاعة وسماع الحق والإيمان به والإذعان له، وهنا قصر واختصاص، وذلك بتعريف الطرفين أي أولئك وحدهم هم المفلحون، ولا فلاح لسواهم، وقد أكد سبحانه فلاحهم بالقصر.
وهنا نشيبر بكلمة موجزة عن حال المسلمين بعد ضعفهم، واستخذائهم، وركوب النصارى واليهود عليهم، لقد ارتضوا القوانين الأوروبية بديلا لأحكام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، حاسبين أن ما عند النصارى هو الخير وما عند غيرهم لا خير فيه، حتى إنه لو دعا داع إلى أحكام الله ورسوله في كتابه وسنة نبيه رموه
стр. 7777
بأنه رجعي، وأنه يريد أن يعود بالأمة إلى الوراء، ويقولون تقدم الأمة أمامها لا وراءها.
وفى الحق: إننا إذا دعونا إلى تطبيق حكم القرآن والسنة، إنما ندعو إلى الحق في ذاته وإلى العدل، وإن القرآن إذ يدعوهم بالحق والعدل في ذاته الذي لَا يفرق بين الناس، تدعوهم الأمة النصرانية إلى تحكيم الأعراف من غير نظر إلى كونه عدلا أو باطلا، ويقولون بل نتبع أعراف الناس، وما أشبه هذا بقول المشركين، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، وإننا نترك حكم القرآن وهو النور، وهو الحق وهو العدل وهو الفضيلة، وهو حبل الله الممدود إلى يوم القيامة، ونأخذ بالأحكام التي تبيح الزنى وشرب الخمر والربا والسحت، وأكل أموال الناس بالباطل، وأحكام الله هي العدل كما تشهد الفطرة، وكما يشهد الإنصاف. . . نترك الحق ونأخذ بالجبت والطاغوت. . . فهل نحن مؤمنون!!.
إنه لَا قوة لنا إلا إذا كنا عدولا فيما بيننا، ولا نكون عدولا حقا إلا إذا أقمنا كتاب الله وسنة رسوله، وتركنا وراءنا ظهريا تلك القوانين، فهي الطاغوت، وهي والفضيلة نقيضان لَا يجتمعان.
وإن حكم الله تعالى الأخذ به من تقواه، والاعتصام بالعروة الوثقى، ولذا قال تعالى:
стр. 7778
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) الواو عاطفة استئنافية، لبيان أن من يتقي الله ويخشاه هو الذي يفوز حقا، ونجد هذا الكلام فيه شرط وجزاء، والشرط مكون من أجزاء ثلاثة بعضها مترتب على بعض. أولها: طاعة الله ورسوله، بامتلاء القلب بالطاعة. بحيث يخضع له ظاهرا وباطنا، ويخضع قلبه مع خضوع كل جوارحه، وهذا هو الجزء الأول، أو النقطة الأولى من الخط المستقيم الذي يبتدئ بالطاعة، وامتلاء القلب، ثم ينتقل من الطاعة الخاضعة الخانعة إلى الخشية، خشية الله تعالى، إذ يعلم ذاته وصفاته، ويمتلئ بهيبته وطاعته، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. . .)،
стр. 7779
ويقول الراغب الأصفهاني: والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى منه، وقال تعالى في صفة العلماء: (الذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ. . .).
وإنه يجيء بعد الخشية الخوف من الله واتقاء عذابه، ولذا قال تعالى: (وَمَن يُطِع اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ)، فالتقوى جعل وقاية بين الشخص وعذاب الله تعالى، قال تعالى في وصف المؤمنين،) (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ).
هذه أجزاء الشرط، أما الجزاء، فهو قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) الفاء فاء الجزاء، والإشارة إلى المتصفين بهذه الصفات الجليلة، والإشارة إلى موصوف بصفات تكون الصفات سبب الجزاء)، فهذه الصفات سبب الفوز، والآيات تفيد قصر الفوز عليهم ونصرهم، وذلك لتعريف الطرفين، وقد أكد فوزهم بالجملة الاسمية، وبضمير الفصل (هم)، وبقصر الفوز عليهم.
* * *
استخلاف الله أهل الطاعة
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
стр. 7780
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)
* * *
الجَهْد الطاقة، أو أقصى درجاتها، وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني في تفسير آية (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا على أبلغِ ما في وسعهم، وعلى ذلك يكون معنى الجهد في قوله تعالى:
стр. 7781
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْد أَيْمَانِهِمْ)، أي باذلين أقصى ما وسعهم من تأكيد القول، وباذلين في اليمين أعلى درجاتها في تأكيد القول، أي لَا يتركون قولا يؤكدون به عزمهم وإرادتهم إلا سلكوه.
والضمير في " أقسموا " يعود إلى جماعات المؤمنين، ويكون بهذا يدعوهم إلى ألا يقسموا بل يعملوا ويطيعوا، وعلى ذلك يكون المعنى عاما، وإن كان يشير إلى المنافقين وضعاف الإيمان، كأنهم مقصودون بالقصد الأول، والعموم مقصود بالقصد الثاني.
وأكثر المفسرين على أن الضمير يعود إلى المنافقين ومرضى القلوب ابتداء، ويكون تحذيرا للمؤمنين بعامة من أن يكون منهم مثل هذا الذي يحلف الأيمان الفاجرة، وقد رد الله تعالى هذه الأيمان، وقال سبحانه: (قُل لَا تُقْسِمُوا) وهذا فيه إيماء إلى أنها غير صادقة، وفيه تصريح بردها زجرا لهم؛ لأنهم بهذا يرتكبون إثميْن إثم التخلف عن الجهاد، وإثم اليمين الفاجرة، وإن بدل الإثم أن يتجهوا إلى الطاعة، ولذا قال سبحانه: (طَاعَةٌ معْروفَةٌ)، أي طاعة حقيقية مشهورة معروفة
стр. 7782
لا مجال لإنكارها، ولا للتردد فيها، إذ هي قاطعة؛ لأنها ثابتة بالعيان لَا بالقول مجردا، والقسم (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي عالم علما دقيقا بمما يعملون، أي بما يستمرون عليه من عمل يتفق مع إيمانهم أو لَا يتفق، وإنه يعلم ما تبدون وما تكتمون، ولا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء.
وننبه هنا إلى أمور ثلاثة:
أولها: أن قوله تعالى: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) فقوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) هي القسم، وهي تتضمن فعل الشرط، كأنه يوهم إلى أنهم لم يؤمروا مع أن الأمر عام
يدخلون فيه إن كانوا صادقين، وهم كاذبون، كما قال الله تعالى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)،
والحديث عنهم بالغياب، لأنه بيان لقولهم وأحوالهم.
ثانيها: الانتقال إلى الخطاب في أمر النبي ﷺ : (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) لمواجهتهم بالأمر والتقصير والنفاق في القول، والفُجر في الأيمان.
ثالثها: أن الضمير في (وأقسموا) يعود إلى المنافقين أو إلى المسلمين عامة وفيهم المنافقون وضعاف الإيمان، ولكن لم يكن من قبل ذكر لهؤلاء إلا المؤمنين.
ونقول في الجواب عن ذلك: إن القرآن كان ينزل في وسط جماعات تدعى إلى الإيمان فلم يكن مفصولا عمن يكونون بحضرة النبي ﷺ عند نزوله، وقد كانت الآيات ذاتها هي التي تعين مع مواقع الضمير، ففي مكة، كان النبي ﷺ يخاطب بالقرآن الكريم المشركين وهم الذين يعاندونه، فكانوا كأنهم حاضرون فيعود الضمير إليهم إذا كان فيه حكاية لعنادهم ومهاتراتهم، فلما انتقل إلى المدينة، فبعد غزوة بدر الكبرى ظهر النفاق، وبدت أنياب اليهود، فكانت المعاندة من المنافقين واليهود، وظهر ضعاف الإيمان الذين يعبدون الله على حرف، فكانت الآيات التي تشير إلى
стр. 7783
معاندة، أو خور، أو نفاق، تعود على هؤلاء ومعاني الآيات الكريمة تعين من يعيد الضمير إليهم.
ولقد أمر الله تعالى رسوله بأمرهم بالطاعة في كل الأمور في الحرب وغيرها من الطاعات، وما تقوم عليه الجماعات فقال:
стр. 7784
(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم ذلك؛ لأن هذا من تبليغ الرسالة، وهو وحده المبلغ، والله هو الذي يكلفه بالتبليغ، وإن الطاعة وحدها هي التي تكشف ما يختفي من نيات، وما يظهر من أمور قد تبين في لحن القول، والمنافقون يعرفون في لحن أقوالهم كما قال: (. . . وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. . .)، (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، أي أطيعوا طاعة من صميم قلوبكم، لَا من ظاهر أقوالكم، وذكر الرسول مع الله، للإشارة إلى التلازم بينهما، وإلى أن طاعة الرسول واجبة على الأمة، لكيلا يتململ اليهود، والمنافقون من إجابة الرسول، زاعمين في نفوسهم الفاسدة الفصل بين طاعة الله وطاعة رسوله، فيعصون الرسول، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، والخطاب للمنافقين ومن في قلوبهم مرض (فَإِنْ تَوَلَّوْا) هذا فعل مضارع حذفت فيه التاء الأولى، في " تتولوا " حذفت لكيلا يثقل على اللسان توالي التاءات، أي فإن تعرضوا ولا تطيعوا وتخضعوا (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ) من تكليف بالبلاغ، والدعوة إلى الجهاد والفضيلة، والعبادة الخالصة لوجه الله، (وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ) من الطاعة والاستجابة، والفاء هي الواقعة في جواب الشرط، والفاء الأولى في قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا) تفصح عن كلام مقدر، أي إن استحببتم فقد آمنتم، وإن تتولوا فالعاقبة عليكم، ودل على هذا قوله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ)، أي وهو البلاغ، أي ليس عليه إلا ما حمله وهو البلاغ، وقدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، أي عليه ما حمّل وهو التبليغ ليس عليه غيره، فهو لَا يهديكم، ولكن يرشدكم ويدعوكم، ثم قال تعالى (وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ) من
стр. 7785
إجابة للتبليغ، وقيام بحق الطاعة، والإخلاص، وإن لم تقوموا بحق ما حملتم ضل سبيلكم وخاب أمرمكم، (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) أي أن السبيل لاهتدائكم، ليست الأيمان التي تحلفونها، وإنما السبيل لذلك هو أن تطيعوا بملء قلوبكم، وخضوع نفوسكم، وليس ذلك إلا ما حملتموه، وما على الرسول أن تهتدوا، إنما عليه أن يرشد، ولذلك قال عز من قائل: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، المبين الموضح للحقائق من غير مماراة، فإن الجدل وراء الجدل ضياع، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وإن وراء الطاعة المخلصة، والجهاد أن تستخلفوا في الأرض، ولذا قال سبحانه:
стр. 7786
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)
بعد أن هاجر النبي ﷺ كان في جهاد مستمر هو ومن معه من المؤمنين، فبين الله تعالى غاية هذا الجهاد أن يكونوا هم الذين يخلفون الكافرين في السيطرة على الأرض والسلطان عليها، وكما ملئت الأرض فسادا تُملأ إصلاحا.
كان حال المهاجرين والأنصار جهادا مستمرا، لَا توضع سيوفهم في أغمدتها، والنبي ﷺ يدعو إلى الحق بلسان الحق من غير إكراه على إسلام، فإنه لَا إكراه في الدين، ولكن كان الجهاد ليعلم الرشد من الغي، ولإزالة المحاجزات التي كان يقيمها المتحكمون في الناس، فما كانت الحرب إلا لإزالة هذه المحاجزات، ولكي يخلو الناس بوجوههم للدعوة الإسلامية، ومن اهتدى بعد ذلك فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) التعبير بالموصول للدلالة على أن الصلة سبب هذا المؤكد، والاستخلاف جعلهم خلفاء، والأرض هي أرض العرب وغيرها من أرض الفرس والروم، وما وراءها من المشارق، والمغارب، والسين والتاء
стр. 7787
للطلب، وهما يفيدان تأكيدا؛ لاستخلاف لأن الطلب من الله، وهو لا يتخلف، وتنصرفان إلى التأكيد المطلق، فجعلهم خلفاء في الأرض لمن كانوا قبلهم، فخلفوهم في السيطرة على الأرض، وكمال سلطانهم.
وقوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) اللام تنبئ عن قسم مضمر في القول، فالله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بسبب إيمانهم، وعملهم الصالح في الطاعات والمعاملات الإنسانية وعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من بعد نوح كعاد، وغيرهم خلفاء مسيطرين على ما في الأرض، وقد أكد وعده بالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وبالمشابهة بينهم، وبين من سبقوهم ممن جعلهم خلفاء في الأرض.
وإن ذلك تبشير للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا محمدًا ﷺ في جهاده، وهو ماض إلى يوم القيامة، وليست الخلافة هي خلافة النبي ﷺ ، ولكنها خلافة الله في الأرض بمقتضى الفطرة الإنسانية التي قال تعالى فيها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. . .)، فهي السلطان في الأرض بمقتضى التمكين الإلهي.
ذلك أن النبي ﷺ ما إن جاء بدعوته إلى الهدى، حتى كانت مكة كلها تقاومه بكل أنواع المقاومة، ولهاميم (١) قريش تأكيد له، ولما انتقل إلى المدينة ليدعو إلى دينه، وقد فشا ذكره في أرض العرب، اضطر للجهاد، وأخذ يشق الطريق للدعوة فكان وعد الله تعالى، وهم في هذا الجهاد، وعد الله بأن يكونوا الممكنين في الأرض، وأن يكونوا مستخلفين فيها، وذلك الوعد يتضمن أمرين أحدهما: نصر مؤزر دائما ما داموا مؤمنين عاملين الصالحات، والثاني: أن يكون لهم السلطان، وأن يكونوا المسيطرين في الأرض، وإن استخلافهم في الأرض كان معه أمور أعزتهم وأعلتهم، ذكرها سبحانه في قوله تعالى:
стр. 7788
(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) وهذا هو الأمر الأول، وهو أساس لما قبله ولما بعده، فالدين يمكن فيما بينهم، فلا يكون ثمة ما يسوغ ضعف اليقين، بل تبقى الحجة للقرآن وحده، ويدركه الناس في دعة واستقرار، ولا يوجد إيذاء ولا استخذاء ولا استهزاء، ولا تهكم على المؤمنين، ولا يستطيعون كما فعلوا من قبل (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .)، والثاني بينه بقوله: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)، أي يجعل الله تعالى من بعد الخوف المستمر من المشركين أمنا دائما مستقرا، وكان التنكير لبيان عظيم الأمن، وإنه أمن مستقر ثابت، ولقد قال النبي ﷺ : " ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لَا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " (١)، وهنا إشارة بيانية في قوله تعالى: (دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)، أي الذي ارتضاه سبحانه واختاره لهم، ففي هذا إشارة أولا: إلى كمال نعمته عليهم بهذا الدين، وثانيا: بأنه اختاره وارتضاه لهم، وثالثا: بأنه الحق الذي لا ريب فيه.
وقال سبحانه مبينا خاصة هذا الدين الحق، وشعار الذين بدلهم سبحانه من بعد خوفهم أمنا، فقال: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، أي يعبدونني وحدي في عامة أمورهم، لَا يشركون بي شيئا في عبادة ولا طاعة ولا عمل، فعبادتهم له سبحانه وطاعتهم له وحده، فلا يطيعون حاكما ويتركون طاعة الله، وإذا خيروا بين عصيان الحاكم، وعصيان الله اختاروا عصيان الحاكم، فإن استمروا على ذلك استمر لهم السلطان في الأرض.
وقوله تعالى: (وَمَن كفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، أي من كفر وخالف وعصى الله بعد التمكين والأمن والاستقرار (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، أي الخارجون الجائرون البائرون فلا يكون كفرهم مجرد جحود، بل هو الضياع لَا محالة، واعتبر
стр. 7789
بحال المسلمين - فقد نالوا خلافة الأرض، وصار ملكهم في مشارق الأرض، ومغاربها، وصاروا المسيطرين من الصين إلى بحر الظلمات، فلما فسقوا عن أمر ربهم صاروا قوما بورا، وإنه إذا كان ضياعهم لأنهم ضلوا واتخذوا القرآن قولا مهجورا، فعودتهم إليه فيها عودة عزهم.
وهكذا قد ابتدأ نور الحق يشرق، وفجر الإسلام يملأ نوره الآفاق، والله هو الهادي.
стр. 7790
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)
إن الطريق لإقامة الاستخلاف على أساس من العدل والاستقامة والاتصال بالله تعالى يكون بثلاثة أمور مذكورة في هذه الآية الكريمة.
الأمر الأول: إقامة الصلاة وقد أمر بها سبحانه في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي صلوا صلاة مقومة تستشعر فيها جلال الله تعالى وكبرياءه، وتحس فيها أنك في حضرة الله تعالى وكأنك تراه في مثولك بين يديه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه تربية روحية، واتصال بالله فيكون امرأ يألف ويؤلف.
والأمر الثاني: إيتاء الزكاة، أي إعطاؤها لولي الأمر، وهو يصرفها في مصارفها، وهذا الأمر ذكره بقوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكاةَ)، عبر سبحانه بقوله:
(وَآتُوا) دون " أدوا "، للإشارة إلى أنها عطاء يعطى، ويعطيها المزكي على أنها مغنم لا على أنها مغرم، وهي تعاون اجتماعي لَا مذلة فيه لفقير، ولا استطالة لغنى.
والأمر الثالث: طاعة الرسول في كل ما يأمر به وينهى عنه، وينظم به الدولة الإسلامية، ويقيم دعائم الحكم على أساس من العدل، وتنسيق الأمور، وهذا هو الأمر الثالث، وقد ذكره بقوله: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وطاعته في حياته باتباع أوامره في تنظيم الدولة، وتوزيع قواها كلها، بحيث يتبع في توسيد الأمور للقائمين بها، في الحرب والسلم على سواء، وبعد مماته تكون طاعته باتباع ما أثر عن سنته فهي المحجة الواضحة، والطاعة للأمير الذي ينفذ الحق والعدل، ويقيم
стр. 7791
حكمه على دعائم من القرآن كأبي بكر وعمر وعثمان وعَلي، ولا يطيع الذين يخالفون الكتاب والسنة إلا في طاعة الله، حتى لَا تكون الأمور فوضى، ويضطرب ميزان الحق والعدل، وتعطل الحدود، ولا تقام الفرائض ولا تقاد الجيوش، ولا تسد الثغور، ولا يحمى الحمى.
ثم قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، أي رجاء أن ترحموا ببقاء العزة، وألا تكونوا نهبا مقسوما بين الأمم، وألا تتداعى عليكم الأمم تداعي الأكلة على قصعتها، والرجاء هنا من الناس لَا من الله تعالى، فالله تعالى لَا يرجو، لأنه عالم الغيب وما يكنه المستقبل.
وأشار سبحانه إلى أن الذين كفروا مأواهم النار وبئس المصير، فقال عز من قائل:
стр. 7792
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
بين الله تعالى في الآيتين السابقتين أنه بالجهاد الدائم المستمر يكون للمؤمنين الصالحين الاستخلاف في الأرض بوعد الله المؤكد، وبإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول والأئمة العادلين من بعده، وفي هذه الآية يبين سبحانه مآل المشركين الذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين، وكان الفصل بين الجملتين وعدم الاتصال بالعطف لكمال الاتصال بين موضوع الآيتين، فالآيتان السابقتان فيهما بيان ما للمؤمنين من منزلة وما تحلَّوا به من طاعة للرسول، والآية الأخيرة فيها بيان المخالفة والمعاندة، وفوق ذلك الآية الأولى تبين غاية الجهاد، والثانية حال الذين يجاهدهم المؤمنون.
والنهي عن الحسبان والظن، وهو في معنى النفي، أي لَا يصح لمثلك يا رسول الحق والتوحيد أن تظن أن الذين كفروا معجزين في الأرض، بل جاهدهم وأنت الغالب، والله ناصرك، والعاقبة للمتقين الأبرار، لَا للكفار الفجار.
стр. 7793
ْوالتعبير بالموصول وهو (الَّذِينَ كَفَرُوا) يشير إلى السبب في نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وقوله تعالى: (مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)، أي أنهم غالبون في الأرض لَا يعجزهم شيء، فإن الكافرين يحملون في نفوسهم عوامل عجزهم؛ لأنهم تسيطر عليهم الأهواء وهم بعيدون عن الحق، فمن غالبهم يغلبهم بعون الله تعالى وتأييده، والله يؤيد من يشاء بنصر من عنده.
وإن نتيجة الحياة الدنيا لهم أن يكونوا في الآخرة في جهنم، ولذا قال تعالى: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) المأوى المكان الذي يأوي إليه المسافر أو العامل الكادح، فالتعبير عن النار بأنها مأوى فيه نوع من التهكم عليهم، و " بئس " لفظ يدل على الذم، والنار تذم لأنها عذاب، ولأنهم خالدون فيها، وقد أكد سبحانه الذم باللام، (وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
* * *
الاستئذان في دخل البيوت من الأهل
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ
стр. 7794
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
* * *
ذكر اللَّه الاستئذان عند الدخول على بيوت غير بيوتنا فقال الله تعالى:
стр. 7795
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتَّى تَسْتَأنِسُوا وَتُسَلِّموا عَلَى أَهْلِهَا. . .) إلى آخر الآيات؛ ثم ذكر عفة الذين لَا يجدون نكاحا، ثم ذكر نور الشريعة ونور الحق، وعاد بعد ذلك إلى ما ينبغي في أدب البيوت، وفي الشئون الداخلية، فإذا كانت الآيات السابقة في بيان استئذان الذين يدخلون غير بيوتهم، فهذه الآية في بيان استئذان الذين يعيشون في دار واحدة لبعضهم من بعض، فذكر وجوب الاستئذان في ثلاثة أوقات، هذه الأوقات هي أوقات التجرد من الثياب وكون الناس يكونون في حال لَا يرغبون أن يراهم فيها أحد، فقال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) .
واضح من هذا أن هذه الآية وآية الاستئناس لم يردا على موضوع واحد، بل لكل واحدة موضوع؛ فالسابقة موضوعها الاستئذان للدخول في بيوت غير بيوت المستأنس، أما هذه فهي للأهل الذين يسكنون في دار واحدة، وهم مختلطون يدخل
стр. 7796
بعضهم بيوت البيتوتة من غير حرج أو استئذان، فالآية تعلم الناس أدب الاختلاط، سواء أكانوا ذوي أرحام، أم لم يكونوا، فذكرت الآية الكريمة الآداب المبينة لما يحسن، وما لَا يحسن، وما يليق وما لَا يليق (لِيَسْتَأذِنكُمُ الَّذينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ذكورا كانوا أو إناثا، فاللفظ عام (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنَكُمْ)، أي الأطفال المميزون، وذكر الذين لم يبلغوا الحلم ينبئ عن أنهم مميزون يستطيعون وصف ما يرون ويشاهدون وإذا كان هذا شأن الذين لم يبلغوا الحلم، فبالأولى لابد من استئذان من بلغوا الحلم، وقد صرحت الآية من بعد ذلك فقال تعالى:
стр. 7797
(وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأذِنُوا كمَا اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
والأوقات التي ذكرتها الآية هي الأوقات التي يظن فيها العري والتجرد من الثياب، فقال: (مِّن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ)؛ لأنه وقت امتداد الليل وإنهائه والاستعداد للصلاة، ومظنة ذلك أن يتجرد الرجل وأهله من ثيابهما، (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ)، أي حين تخلعون ثيابكم، من الظهيرة أي من الحرارة التي تكون في الظهيرة، فهو وقت تجرد وعرى (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ) فهو وقت التجرد لأجل النوم، ثم قال تعالى: (ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ)، أي ثلاثة أوقات فيها تبدو عوراتكم وتكون ظاهرة، وتحبون أن تستتروا، وجعلت الأوقات عورات؛ لأن فيها تظهر هذه العورات فهي من تسمية الزمان بما فيه، فهذه الأوقات التي تكون العورات فيها مكشوفة، لَا يصح التقحم بالدخول على أصحابها من غير استئذان حتى يستتروا، ويستعدوا للقاء هذا الزائر، وأحسب أنه لو كف أهل البيت عن الدخول إلا لضرورة ملحة، ويكون معها الاستئذان لَا محالة، فإن ذلك يكون خيرا وهو الأجمل بأهل المروءة، وإنه بعد هذه الأوقات التي تكون مظنة كشف العورات (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) لَا جناح عليكم، ولا جناح عليهم، الجناح هنا الإثم، والميل نحوه، أي لَا إثم عليكم في أن تدخلوا، ولا إثم عليهم في أن تدخلوا عليهم، وفي هذا إشارة إلى أن الإثم يلحق الذين يكشفون عوراتهم ولا يتخذون الأستار، وقاية من أن تنالها الأعين ولو كانت بريئة، وفي ذلك دعوة إلى ضرورة اتخاذ أسباب
стр. 7798
الستر، ولا تكون البيوت كبيوت أهل الخنا، وقال تعالى: (بَعْدَهُنَّ)، أي بعد هذه الأوقات.
وبين سبحانه السبب في رفع الحرج في غير هذه الأوقات، فهؤلاء الذين ملكت أيمانهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون من غير استئذان؛ لأنهم طوافون مترددون في البيت، ويكون حرج شديد إذا كان الاستئذان في كل وقت، ويكون حرج على الأمهات إذا كان أطفالهن لَا يدخلون إلا باستئذان وهم غير مكلفين.
وما ملكت أيمانهم عامة: أيراد بها كل من ملكت أيمانهم رجالا ونساء. إنه بمقابلة النصوص بعضها ببعض، وتخصيص بعضها ببعض يكون المتفق مع روحها، وألفاظها، أنه لَا استئذان على الرجال مما ملكت أيمانهم من الرجال والنساء، لَا إثم في ذلك، ولا مظنة لعري، وأما بالنسبة للنساء فإنه لَا يدخل الرجال عليهن إلا بإذن، - والإماء قد رفع عنهن الإثم، لأنهن طوافات على النساء (راجع ما قلنا في تفسير آيات غض البصر) وإنه بمقتضى هذه الآيات يجب أن يكون في غير هذه الأوقات مستورا دائما ولو كان في بيته؛ لأنه إذا كان الاستئذان لمظنة ظهور العورة في الأوقات الممنوعة إلا باستئذان، فمعنى ذلك أنه لَا يصح أن يطلع على العورة إذا كشفت حتى الأطفال المميزون ما داموا لم يبلغوا الحلم، وعلى ذلك يجب ستر العورة لكي يكون الاستئذان ولا حرج.
وقال تعالى: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)، بعضكم بدل من طوافون، أي بعضكم يطوف على بعض. هذه أوامر هي تعليم من الله وإرشاد، وتوجيه إلى ما ينبغي في بيوتهم، وكذلك قال تعالى: (كذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، أي كهذا البيان في ذكر ما هو لائق وما تكون عليه الأسرة يبين الله تعالى الآيات المتلوة ويوضحها لكم لتقوم الأسر على دعائم من الطهر، والمودة والرحمة، والله تعالى عليم بأحوالكم ظاهرها وباطنها، وحكيم فيما شرع ويأمر. فهو يبين لكم الأحكام، وما يليق بكل حال.
стр. 7799
ْواللام في قوله تعالى (يَسْتَأذِنكُمُ) هي لام الأمر، والأمر للوجوب إلا إذا كان ثمة ما يخرجها عن معنى الوجوب من نص أو قرينة حال.
وقد نص الله تعالى على حكم الأطفال الذين بلغوا الحلم:
(وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (٥٩)
هذه حال الأطفال الذين يبلغون الحلم، وإنهم إذا بلغوا الحلم صاروا رجالا، وتسميتهم أطفالا باعتبار ما كان، كاليتامى في قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامى أَمْوَالَهُمْ. . .)، وكان تسميتهم أطفالا في داخل الأسرة؛ لأنهم كانوا يعاملون معاملة الأطفال، حتى طرأت هذه الحال، والرجال لَا يعدون من الطوافين، ولكن يعدون من الداخلين على البيت الذين يجب عليهم الاستئذان قبل الدخول، ولو كانوا داخلين على آبائهم وأمهاتهم، حتى أوجب النبي على الرجل أن يستأذن على أمِّه بالنص منه ﷺ على ذلك، فإن الاستئذان يطلب من الرجال على كل حال، وقال الزهري المحدث: يستأذن الرجل على أمه؛ وذلك لأن الرجال ليسوا من الذين يلازمون البيت، ويكونون من الطوافين؛ لأن هذا إنما يكون للمتخصصين للبيوت لخدمتها، والقيام بواجبات كالمملوكين.
ويبين الله تعالى حال القواعد من النساء، فقال عز من قائل:
стр. 7800
(وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
القواعد جمع قاعدة بالتاء، وهي التي لَا تحيض، ولا قدرة لها على العمل، ولا تستخدم عادة في البيوت، وقال بعض اللغويين: القواعد هنا جمع قاعد من غير تاء وهي قعود الكبر، وحذفت التاء ليكون الحذف مميزًا لها عن غيرها، كما حذفت التاء في حامل في حاملة لتتميز عن الحاملة على كتفها كحاملة الحطب.
وإن الآية واردة في النساء القعود عن العمل في البيت اللاتي لَا يرجون نكاحا، أي لَا يطمعن في زواج؛ لأنهن من الكبر العاتي يجعلهن لَا يرجونه، لهذه
стр. 7801
السن، ولأنهن في حال لن يقبل الناس على الزواج منهن، وهذه الأوقات التي تكشف فيها عورات غيرهن، لَا عبرة لها عندهن، ولا تعد هذه الأوقات عورات لهن، وليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن، أي يلقين عن أنفسهن ثيابهن، كالخمار ونحوه، مما يتستر به الشواب اللائي يطمع فيهن، ويرجون النكاح لأنهن في سن الزواج، وليس معنى ذلك أن للقواعد أن يتجردن من الثياب، ويكن في البيت عاريات، بل المراد أنهن يضعن بعض الثياب التي يثقل عليهن حملها، ولذا كانت قراءة ابن مسعود (أن يضعن من ثيابهن) (١) أي بعض ثيابهن، والبعضية، وإن لم تكن (من) في القراءات الأخريات ملاحظة فيها، وهي مفهومة من سياق القول.
وقد لاحظ الله تعالى في القرآن ما يكون من بعض العجزة من رغبة شديدة في الزينة ناسيات سنهن وما ينبغي لمثلهن، ولذا قال: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزِينَةٍ) التبرج الظهور بالزينة، أي غير مظهرات الزينة، كان الإسلام تسامح معهن في الزينة، وإن لم تكن في وقتها، بيد أنه لم يرض لهن إكراما لهن بأن يظهرن بها.
وقد فرض الله فيهن الرغبة في الرجال، ولو كان وقتها قد فات، فقال: (وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) السين والتاء للطلب، والمعنى: وأن يطلبن العفة خير لهن، وفي هذا تنبيه كريم إلى ما ينبغي لهن من غير أن يؤذي إحساسهن، وفيه تذكر بما ينبغي، وبما يليق بهن في رفق قول، وقد ختم الله تعالى الآية بقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أي علم علما دقيقا هو علم من يسمع، وعليم، فهو محيط بكل شيء علما.
* * *
التعاون في الأسرة
قال تعالى:
مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
* * *
هذه الآية الكريمة واضحة في بيان التعاون في الأسرة في المال وما توجبه النفقات، وكأن مال الأسرة شركة بينهم، وإنها شركة يفرضها التعاون، وسد حاجة المحتاج، بحيث يعطي الغني القادر من فضل ماله ما يسد حاجة الفقير العاجز، وكأنَّه يسد حاجة نفسه، وبذلك تكون القرابة والمودة هي الرابطة بين الناس لَا النظم التي تسلب الغني ملكيته، والنبي ﷺ يقول: " لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه " (١)، ولا يطمع الفقير في مال لم يكسبه، فيكون أخذه إياه اغتصابا.
وهذه الآية تقرر أمرين، هما ما يؤخذ بسبب القرابة من نفقة، وما يكون إباحة من ذي مال كصديق، أو رجل فاضل أعطاه مفاتحه، وعلى ذلك نقول: إن الآية اشتملت على أمرين، أولهما: نفقة القريب، والثاني: الأخذ من مال قد أبيح
стр. 7804
له. وشرط الأمرين أن يكون فقيرا عاجزا عن الكسب؛ ولذلك ابتدأت بذكر ما يومئ عن العجز، والفقر، وقد كان الأمر بالأخذ لَا جناح فيه ولا إثم إشارة إلى أن الإعطاء مودة ورحمة، وتبادل لها بين المعطي والآخذ، ونفي الجناح فيه إشارة إلى الاحتياج، بل الاضطرار.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَج حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)، أي ضيق أو إثم، وهذا فريق الفقراء العاجزين الذين يشترط فيهم مع الفقر العجز عن الكسب، ثم قال تعالى: (وَلا عَلَى أَنفسِكُمْ أَن تَأكُلُوا مِنْ بُيوتِكمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ) ولم يذكر في هذا العجز، بل ذكر مطلقا عن العجز، فهذا يدل على أن العجز ليس بشرط بالنسبة لأنفسكم، والجواب عن ذلك هو شرط بالنسبة للجميع، إلا من يعتبر ماله هو ماله كالأب وولده والأم وولدها، فقد قال ﵊: " أنت ومالك لأبيك " (١)، (أَن تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ذكر البيوت مضافة إلى من يأخذ النفقة، فيه إشارة إلى تشابه بيت طالب النفقة والمطلوب منه، فهما كبيت واحد بالنسبة للمستحق للنفقة، إذ هو كبيته لما بينهما من قرابة أوجبت هذا التعاون.
(أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ) ويلاحظ هنا ملاحظتين: أولاهما: أن (أو) ليست للتخيير المجرد، إنما هي تدل على الترتيب الأقرب فالأقرب، فالأول الآباء، فإن لم يكن فالأمهات بأن كان الآباء عاجزين، وهكذا يتوالى الوجوب الأقرب فالأقرب بشرط أن يكون قادرا على الإنفاق على نفسه وغيره.
الثانية: أن هؤلاء الأقارب لوحظ أنهم أقارب ذوو رحم محرم منه تستحق النفقة، وبذلك اشترط الحنفية لاستحقاق النفقة على القريب أن يكون ذا رحم محرم منه، وعدوا الميراث مرجحا ولم يعدوه شرطا أساسيا، بحيث لو كان قريبان أحدهما
стр. 7805
ذو رحم محرم ووارث، يرجح على الآخر إذا كان ذا رحم محرم فقط، وإذا كان وارث كابن العم، وبنت الأخ لَا نفقة على الوارث هنا؛ لأنه ليس ذا رحم.
والحنابلة جعلوا الميراث أساس وجوب النفقة لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ. . .)، ولأن الغنم بالغرم، فإذا كان يستحق ميراثه إذا مات، فعليه نفقته إذا احتاج، وكان عاجزا.
هذه هي النفقة بين الأقارب، بقي بيان الآخذ من المال الذي يباح للعاجز، وقد ذكر حالين:
الأولى: (مَا مَلَكْتم مَّفَاتِحَهُ)، أي بتمكين من المالك، فإعطاؤه المفاتيح دليل على الإباحة
الثانية: الصديق، فهو يأخذ نفقة من مال صديقه.
وإن الأخذ في هاتين الحالتين لَا يكون بإلزام قضائي، إنما يكون بتبرع شخصي من المالك ذي الصلة الوثيقة، سواء أكان نائبا عنه في إدارة أمواله، أم كان صديقا بينهما خلطة تجعل المحبة بينهما مالهما مشتركا.
وقد قال تعالى في تأكيد معنى التعاون، وشركة الأسرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) أي تأكلون مجتمعين، أو أشتاتا جمع شت وهو التفرق، أي تأكلون جماعات وفرادى.
وإن ذلك مظنة الدخول في بيت من تكون النفقة منه، والاستئذان حينئذ واجب، ولذا قال تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) فالسلام هنا سلام استئذان، وقال: (عَلَى أَنفسِكَمْ)، أي أن بعضكم من بعض، فهم أنتم وأنتم هم (تَحِيَّةً) مصدر، أي يحيى بهذا السلام (تَحِيَّةً مِّن عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةَ)، وكانت (مِّنْ عِندِ اللَّهِ) لأنه أمر بها ولأنها يحفها رضا الله وبركته، وطيبهُ.
стр. 7806
(كذَلِكَ يُبَيِّن اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ)، أي كهذا البيان الواضح المبين المرشد، بين الله تعالى لكم الآيات المتلوة، أي يأتي لكم بينة واضحة هادية مرشدة (لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ)، أي رجاء أن تعقلوا وتدركوا ما فيه خيركم وصلاح حالكم، وقيام جمعكم، والرجاء من العبد، أي أن الله تعالى قدم لكم ما يرجى به صلاح أموركم، واجتماع على الحق والهداية والتعاون.
* * *
الإيمان الحق
قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
* * *
стр. 7807
ابتدأت السورة الكريمة بقوله تعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَات لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وأنزل ما يكون وقاية للأسر، من عقوبات للزناة، والذين يرمون المحصنات الأطهار، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وبينت أمرأ أهم المسلمين جميعا، وهو حديث الإفك، ثم تكلمت في نور الإيمان وظلمات الكفر، ثم تكلمت على عورات الأسرة في داخلها وحماية آحادها، وانتقلت السورة من حماية الأسرة إلى حماية الجماعة المؤمنة، وحمايتها بطاعة رسول الله ﷺ حيًّا، وطاعة الإمام العادل الذي يخلفه بشورى المؤمنين، واختبارهم من بعده، فقال تعالى:
стр. 7808
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).
(إِنَّمَا) هنا أداة قصر، أي أن المؤمنين حقا وصدقا وحدهم دون غيرهم هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، إيمان إذعان وتسليم، لَا إسلام تردد أو تمرد، كضعاف الإيمان المنافقين الذين في قلوبهم مرض النفاق وهو أشد أمراض القلوب، بل إنه داؤها الدوي، وأن يكون في حال تظلهم، ولا يخرجون عنها، وهذه الحال التي عبر عنها سبحانه بقوله (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).
أي إذا كانوا مع الرسول على أمر جامع لهم كشورى في مصلحتهم المؤمنين، أو دفع ضرر يعمهم إن وقع، أو مداهمة عدو يغير عليهم، أو الخروج لغزوات اضطرت الأحوال للخروج إليها كغزوة تبوك أو نحو ذلك، يجتمعون حوله لمبادلة النظر، ثم يذهبون إليه مجتمعين على كلمة الحق وأمر الرسول، وقد عبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ)، فإن هذا الكلام يتضمن اجتماعهم، كأنه مطوى كلمة اجتمعوا، ويكون سياق الكلام، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى: وإذا كانوا معه على أمر جامع ودعاهم اجتمعوا له، ولم يذهبوا حتى يستأذنوه، أي يدخلون في الأمر الجامع مجتمعين غير متفرقين، وقوله تعالى:
стр. 7809
(لَمْ يَذْهَبُوا) " لَمْ " لنفي الماضي، وهذا دليل على أنهم اجتمعوا معه، فهو عطف نفي في الماضي على اجتماع قبله.
وما حدود الأمر الجامع؛ حاول أن يضبطه القرطبي فقال نقلا من بعض الأقوال:
المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، وللحروب، قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ. . .)، فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك (١).
وخلاصة هذا القول والأقوال التي ساقها من بعد أن يكون أمرا عاما يجمعهم ليتشاور فيه معهم، إذ يكون له أثر في الناس من بعد، ولعلاج حال قائمة، وإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كما شاورهم في غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وكما جمعهم لغزوة تبوك.
وكان خلفاؤه كذلك من بعده، فجمعهم أبو بكر لمقاومة الردة، وجمعهم عمر لتقسيم الأراضي بين الغزاة، أو بقائها تحت يد ولي الأمر العادل، وكما جمعهم لاستشارتهم في خروجه بشخصه إلى الحرب، إذ تكاثر الفرس على المؤمنين، فأرادوا أن يخرج إليهم، فجمعهم، ونهاه عليّ، وبرأيه أخذ المجتمعون ﵃ أجمعين، وإن الاستئذان لَا ينقص الإيمان، ولذا قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء للإفصاح (لِبَعْضِ شَأنِهِمْ) بعض أحوالهم الخاصة بهم التي يجدون حرجا عليهم في أن يذهبوا مع الغزاة أو يستمروا مع المجتمعين لأمر ما: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء واقعة في جواب (لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ولا يشاء رسول الله ﷺ ، والإمام العادل من بعده إلا ما هو خير ومصلحة، فيكون الإذن لمن لا يضر الإذن له، ولمن يعلم حاجته إلى التخلف، ولمن يعلم صدقه، ومن يأذن له يطلب الغفران له، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ) السين والتاء للطلب أي اطلب
стр. 7810
المغفرة لهم، وظاهر النص أن طلب الغفران لمن أذن لهم، وذلك يومئ إلى أنه كان الأولى بقاؤهم مع المجتمعين على أمر يصح أن نقول: إن طلب الغفران لهم جميعا، ليكونوا جميعا في رحمة الله تعالى، وقد ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى؛ (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) غفور يغفر الذنوب جميعا مع التوبة النصوح، فهو التواب الذي يقبل من عباده التوبة، وهو رحيم، والرحمة صفة من صفاته جل وعز، رحمهم بما بين لهم من شرائع منظمة لجموعهم، وحاكمة بينهم، ورحيم بغفرانه لما يجترحون من سيئات، ويتوبون بعد من قريب.
وقد بين الله سبحانه أدب الاجتماع مع الرسول في الأمر الجامع، فقال عز من قائل: