← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

(كذَلِكَ يُبَيِّن اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ)، أي كهذا البيان الواضح المبين المرشد، بين الله تعالى لكم الآيات المتلوة، أي يأتي لكم بينة واضحة هادية مرشدة (لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ)، أي رجاء أن تعقلوا وتدركوا ما فيه خيركم وصلاح حالكم، وقيام جمعكم، والرجاء من العبد، أي أن الله تعالى قدم لكم ما يرجى به صلاح أموركم، واجتماع على الحق والهداية والتعاون. * * * الإيمان الحق قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) * * *

стр. 7807

ابتدأت السورة الكريمة بقوله تعالى: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَات لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وأنزل ما يكون وقاية للأسر، من عقوبات للزناة، والذين يرمون المحصنات الأطهار، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وبينت أمرأ أهم المسلمين جميعا، وهو حديث الإفك، ثم تكلمت في نور الإيمان وظلمات الكفر، ثم تكلمت على عورات الأسرة في داخلها وحماية آحادها، وانتقلت السورة من حماية الأسرة إلى حماية الجماعة المؤمنة، وحمايتها بطاعة رسول الله ﷺ حيًّا، وطاعة الإمام العادل الذي يخلفه بشورى المؤمنين، واختبارهم من بعده، فقال تعالى:

стр. 7808

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ). (إِنَّمَا) هنا أداة قصر، أي أن المؤمنين حقا وصدقا وحدهم دون غيرهم هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، إيمان إذعان وتسليم، لَا إسلام تردد أو تمرد، كضعاف الإيمان المنافقين الذين في قلوبهم مرض النفاق وهو أشد أمراض القلوب، بل إنه داؤها الدوي، وأن يكون في حال تظلهم، ولا يخرجون عنها، وهذه الحال التي عبر عنها سبحانه بقوله (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ). أي إذا كانوا مع الرسول على أمر جامع لهم كشورى في مصلحتهم المؤمنين، أو دفع ضرر يعمهم إن وقع، أو مداهمة عدو يغير عليهم، أو الخروج لغزوات اضطرت الأحوال للخروج إليها كغزوة تبوك أو نحو ذلك، يجتمعون حوله لمبادلة النظر، ثم يذهبون إليه مجتمعين على كلمة الحق وأمر الرسول، وقد عبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ)، فإن هذا الكلام يتضمن اجتماعهم، كأنه مطوى كلمة اجتمعوا، ويكون سياق الكلام، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى: وإذا كانوا معه على أمر جامع ودعاهم اجتمعوا له، ولم يذهبوا حتى يستأذنوه، أي يدخلون في الأمر الجامع مجتمعين غير متفرقين، وقوله تعالى:

стр. 7809

(لَمْ يَذْهَبُوا) " لَمْ " لنفي الماضي، وهذا دليل على أنهم اجتمعوا معه، فهو عطف نفي في الماضي على اجتماع قبله. وما حدود الأمر الجامع؛ حاول أن يضبطه القرطبي فقال نقلا من بعض الأقوال: المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، وللحروب، قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ. . .)، فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك (١). وخلاصة هذا القول والأقوال التي ساقها من بعد أن يكون أمرا عاما يجمعهم ليتشاور فيه معهم، إذ يكون له أثر في الناس من بعد، ولعلاج حال قائمة، وإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كما شاورهم في غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وكما جمعهم لغزوة تبوك. وكان خلفاؤه كذلك من بعده، فجمعهم أبو بكر لمقاومة الردة، وجمعهم عمر لتقسيم الأراضي بين الغزاة، أو بقائها تحت يد ولي الأمر العادل، وكما جمعهم لاستشارتهم في خروجه بشخصه إلى الحرب، إذ تكاثر الفرس على المؤمنين، فأرادوا أن يخرج إليهم، فجمعهم، ونهاه عليّ، وبرأيه أخذ المجتمعون ﵃ أجمعين، وإن الاستئذان لَا ينقص الإيمان، ولذا قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء للإفصاح (لِبَعْضِ شَأنِهِمْ) بعض أحوالهم الخاصة بهم التي يجدون حرجا عليهم في أن يذهبوا مع الغزاة أو يستمروا مع المجتمعين لأمر ما: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) الفاء واقعة في جواب (لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ولا يشاء رسول الله ﷺ ، والإمام العادل من بعده إلا ما هو خير ومصلحة، فيكون الإذن لمن لا يضر الإذن له، ولمن يعلم حاجته إلى التخلف، ولمن يعلم صدقه، ومن يأذن له يطلب الغفران له، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ) السين والتاء للطلب أي اطلب

стр. 7810

المغفرة لهم، وظاهر النص أن طلب الغفران لمن أذن لهم، وذلك يومئ إلى أنه كان الأولى بقاؤهم مع المجتمعين على أمر يصح أن نقول: إن طلب الغفران لهم جميعا، ليكونوا جميعا في رحمة الله تعالى، وقد ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى؛ (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) غفور يغفر الذنوب جميعا مع التوبة النصوح، فهو التواب الذي يقبل من عباده التوبة، وهو رحيم، والرحمة صفة من صفاته جل وعز، رحمهم بما بين لهم من شرائع منظمة لجموعهم، وحاكمة بينهم، ورحيم بغفرانه لما يجترحون من سيئات، ويتوبون بعد من قريب. وقد بين الله سبحانه أدب الاجتماع مع الرسول في الأمر الجامع، فقال عز من قائل:

стр. 7811

(لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) هذه الآية لبيان الحال الذي يجتمع فيه المؤمنون في (أَمْرٍ جَامِعٍ)، وصفه الزمخشري بقوله " أنه خطب جليل لابد لرسول الله ﷺ فيه من ذوي رأي وقوة يظاهرونه عليه، ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم ومعارفهم، وتجاربهم في كفايته، (١). وإنه في هذا الاجتماع يجب أن تلاحظ مكانة النبي ﷺ ، فلا يخاطب كما يخاطب أي شخص، والدعاء: النداء، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي لا تنادوا الرسول كما ينادي بعضكم بعضا، واعرفوا حق الاجتماع من أدب القول، واجتماع القلوب، فلا ينفر أحدكم، ولا يتجانف، واعرفوا حق الاجتماع. ثم قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلونَ مِنكُمْ لِوَاذًا) " قد " للتحقيق، و " قد " لَا تستعمل في القرآن إلا للتحقيق، ولا تستعمل للتقليل ولا التكثير، وخصوصا بالنسبة لعلم الله تعالى، (يَتَسَلَّلونَ)، معناها يخرجون متدرجين في الخروج واحدا بعد آخر، فهم يخرجون قليلا (لِوَاذًا)، أي يلوذ بعضهم ببعض،

стр. 7812

حتى يتكاثر جمعهم، وأولئك هم المنافقون الذين يشق عليهم اجتماع المؤمنين، ويشتد غيظهم، كلما رأوهم يتبادلون الأمر فيما بينهم، ولذلك كان أشق الأيام عليهم يوم الجمعة، إذ يجتمع المؤمنون في المسجد يتشاورون في أمورهم الحاضرة والقابلة. ثم قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) الفاء للإفصاح، وهي تومئ إلى شرط مقدر، واللام للأمر، والأمر بالحذر يوجب العمل على الوقاية من شر المخالفة، والضمير في (أَمْرِهِ) يعود إلى النبي ﷺ ، والمعنى ليحذر الذين يخالفون رسول الله ﷺ صادين عن أمره (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفتنة هي اضطراب وانحلال الجماعة وتفرقها، والعذاب الأليم هو عذاب يوم القيامة، فمخالفة الرسول في الأمر الجامع تؤدى إما إلى فتنة مردية، ولا يكون ذلك في حياة الرسول، بل يحتمل أن يكون في الأئمة من بعده كما كانت الفتنة في عهد الإمام عثمان، والإمام على ﵄، وانفلت الأمر إلى معاوية فكان ملكا عضوضا. والعذاب الأليم للمنافقين الذين يفرقون في الجماعة، ويشيعون عدم الثقة والفساد، يستقبلهم يوم القيامة كما يستقبل كل الكفار، مع ملاحظة أن النفاق ذاته عذاب لذوي النفوس المدركة، لأن المنافق يكون مضطربا دائما بين ما يخفيه وما يظهره، وما يناله، ولقد قال ﷺ في بيان حال المنافق: " مثل المنافق كمثل الشاة الحائرة بين غنمين لَا تدري إلى أيهما تذهب " وهذا عذاب نفسي أليم. لقد ذكرهم سبحانه بسلطانه في السماوات والأرض، وأن المآل إليه فقال:

стр. 7813

(أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) أكد الله ملكيته لكل ما في السماوات من نجوم وكواكب، وبروج مشيدة، وغيرها، وما في الأرض من إنس وجن، وجبال ووهاد، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، وفلزات، وما فيها من بحار، فيها أحياء تثير العجب من إبداع الخلق والتكوين.

стр. 7814

ْوكان الله تعالى يملكها ملكية مطلقة؛ لأنه خالقها، ومبدعها، وهو يعلم كل ما خلق (أَلا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ. . .). (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) " قد " للتحقيق والتأكيد كما هي في القرآن دائما، وهذا فيه تبشير وترهيب، فهو يعلم ما أنتم عليه من خير وشر، وما تعتزمون، وما تعلنون به، فلا تخفى عليه خافية من أموركم، وهو مجازيكم بما يعلم وما تعملون. (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا). الفاء في قوله تعالى كفاء جواب الشرط، وكفاء الصلة، ويوم يرجعون ينبئهم التنبيء والإخبار بالشئون الخطيرة، وأي خطر أعظم من حساب يوم القيامة عما عملوا في الدنيا وجزائهم عليه من نعيم أو جحيم. والتنبيء بما عملوا، جعله حاضرا بين أيديهم، ويجزون عليه جزاء وفاقا، وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءعَلِيمٌ) لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. * * *

стр. 7815

(سُورَةُ الْفُرْقَانِ) تمهيد هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات هي أرقام ٦٨، ٦٩، ٧٠، وعدد آياتها سبع وسبعون آية. سميت سورة الفرقان؛ لأنها ابتدأت بذكر تنزيل القرآن على عبده، فقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، ووصف ذاته العلية بأنه الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا، ثم ذكر شرك المشركين الذين اتخذوا مع اللَّه آلهة لا يَخْلُقون، وهم يُخْلَقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، وأنكروا القرآن الكريم مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله، وقالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥). ورد اللَّه بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)، وتحدثوا في جدلهم بالنبي وأنكروا أن يكون الرسول ﷺ من البشر: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨). وقد رد سبحانه افتراءاتهم فقال: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩).

стр. 7816

بعد ذلك بين اللَّه قدرته بالنسبة لرسوله، فقال: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)، ويقال حينئذ (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤). وقد وازنت الآيات الكريمات بين نعيم المتقين، وعذاب الكافرين: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦). ثم ذكر حالهم يوم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩). وقد بين أن المرسلين جميعا كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فقال عز من قائل: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠). وقد ذكر سبحانه أنهم كانوا يريدون ملائكة: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢). وقد بين سبحانه أن أعمالهم باطلة فقال: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وقد ذكرهم سبحانه بما يكون يوم البعث، (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥).

стр. 7817

وإنه بعد البعث السلطان ظاهرا وباطنا للَّه تعالى وحده: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩). بعد ذلك ذكر اللَّه موقف الرسول من هؤلاء الكافرين (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) ويبين سبحانه أنه يجعل لكل نبي عدوا من المجرمين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١). ولقد كان المشركون لَا يؤمنون بالقرآن، ولكنهم يثيرون الشكوك حوله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) وقد بين أن ذلك لتثبيته في القلوب، ولإنزاله مرتلا، وتحفيظه مرتلا، ولذا قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣). وقد ذكر سبحانه أوصافهم عند الحشر (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤). وقد أشار سبحانه إلى بعض قصص موسى وهارون: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦). وذكر سبحانه من قصة نوح، وإغراق الكافرين من قومه، وقال (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)، وقد بين سبحانه بعدُ أنهم أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، أفلم يكونوا يرونها، بل كانوا لا يرجون نشورا، وبين سبحانه سوء معاملة المشركين للنبي ﷺ فقال: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ

стр. 7818

صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢). ولقد ذكر سبحانه أن دينهم أهواءهم، فقال (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤). وبين اللَّه تعالى من بعد مظاهر الإبداع في خلقه وتكوينه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) وبين اللَّه تعالى إنذاره لخلقه (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)، ثم بين سبحانه الإبداعِ في خلقه (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)، ثم أشار سبحانه إلى الإبداع في تناسل الإنسان، وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا. ومع هذا الإحكام في الخلق، والإبداع فيه (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥). وبين سبحانه مقام محمد ﷺ في الرسالة وواجبه فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢). ووصف سبحانه بعد ذلك عباد الرحمن، (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى

стр. 7819

الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤). وقد بين اللَّه جزاء منِ يتصفون بهذه الصفات (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧). * * *

стр. 7820

معاني السورة قال تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) * * *

стр. 7821

(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) أصل (تَبَارَكَ) من البرك وهو صدر البعير، ثم صارت البركة تطلق على كل خير ملازم ثابت، ومنه البِركة بكسر الباء تطلق على الماء الثابت، والماء في ذاته بركة وخير. وتبارك - معناها التنبيه على ما في القرآن من خير لازم مستمر، لَا تبلى جدته أبدا، فالبركة في القرآن، ونسبتها إلى اللَّه تعالى لأنه مصدرها، وموجدها، فاللَّه تعالى تسامت بركته بإنزال القرآن لعباده، وتعريفهم بما اشتمل عليه من بيان العقائد والأحكام.

стр. 7822

و (عَبْدِهِ) هو محمد ﷺ ، فاللَّه تعالت كلماته أنزل القرآن على عبده، ليبلغه لعباده من العالمين، وليكون نذيرا، أي منذرا مبينا، وهو بشير ونذير، ولكن ذكر النذير فقط لأن كثرة الذين تلقوه كانوا مستحقين للعذاب، إذا استمروا في غيهم وضلالهم، ولذلك ذكر الإنذار، وترك التبشير للآيات الأخرى من غير إهمال فهو الجانب الأحب في ذاته. والفرقان هو القرآن، وسمي الفرقان لأنه فارق بين الحق والباطل، والهداية والضلال، والعدل والظلم؛ ولأنه نزل مفرقا منجما، كما قال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ. .)، وذكر الزمخشري أن القرآن سمي فرقانا لتفرقته بين الحق والباطل، أو لأنه نزل مفرقا، وأرى أنه لَا مانع من الجمع ففيه الأمران فهو مبين للحق والشريعة، وقد نزل مفرقا، فهما ليسا وجهين مختلفين، بل فيه الأمران. و (العالمون) العقلاء من الجن والإنس المكلفون أحكامه، والمطالبون بتنفيذها. وبعد أن أشار سبحانه إلى بركته وخيره، ونمائه، شرّفه بمُنْزله، وهو اللَّه خالق السماوات والأرض فقال:

стр. 7823

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) هذا شرف للقرآن ناله، من أن منزله هو منشئ هذا الكون الذي لَا يشبه أحدا من الحوادث، ولا يشبهه شيء في الوجود، (الَذي) بدل أو عطف بيان للذي الأولى في قوله تعالى: (الَّذِي نَزَّلَ الْفرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكونَ) وذكر هذا بعد ذكر إنزال القرآن للدلالة أولا على شرف القرآن بإضافته إلى من له الملك في السماوات والأرض، ويبين أن إنزال القرآن من تدبير صاحب الملك لملكه، لإصلاح عباده وإرشادهم به.

стр. 7824

والملك هو السلطان وهو مطلق للَّه تعالى لَا سلطان لغيره، وهو قَيّم السماوات والأرض، فالنجوم لَا تسير إلا بسلطانه، وكل ما فيها من شمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمره وحده، وكذلك الأرضون، كل ما فيها من جبال ووهاد وبحار ونجاد وحيوان وجماد ومعادن وفلزات وغيرها كله مسخر بأمره. وصف اللَّه سبحانه ذاته العلية بصفتين سلبيتين، وصفة إيجابية تدل على إثبات السلب، الأولى قوله تعالى: (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا)، وذلك رد على النصارى الذين ادعوا أن عيسى ابن اللَّه، وعلى الهنود والبوذيين الذين أخذ منهم النصارى هذه النحلة، وعلى الذين يعبدون الملائكة، ويقولون إنهم بنات اللَّه تعالى. وقوله تعالى: (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) أي لم يجعل له من بين خلقه مَن يتخذه عونا ونصيرا، والنفي بهذه الصفة يحمل في نفسه بطلان الاتخاذ، لأن الاتخاذ يدل على الحاجة، واللَّه تعالى لَا يحتاج لأحد من خلقه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥). الصفة السلبية الثانية قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) هذا نفي مطلق، لأنه لو كان له شريك في الملك ما استقام الكون، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢). الصفة الثالثة وهي الإيجابية، وتتضمن في معناها برهان السلب في السلبيتين، وقد بينها سبحانه بقوله تعالى (وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)، أي أنشأ كل شيء إنشاء مقدرا بإحكام، هو تقدير العزيز العليم، فالسماء ذات بروج، والمطر ينزل فينبت الزرع، والحيوان يكل مما تنبت الأرض، وهكذا يسير الكون بقدرة اللَّه العلي القدير، وتتفاعل الأشياء بعضها من بعض بإِرادة اللَّه تعالى العزيز الحكيم. ومع هذا تضل العقول في معرفة اللَّه تعالى، وفي الخضوع له وفي عبادته، فقال:

стр. 7825

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) ومع أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض وصاحب السلطان المطلق، وخلق كل شيء فقدره تقديرا فَجَرَ المشركون وجحدوا واتخذوا من دونه، من غيره ما هو دون في ذاته آلهة، وسميت الأحجار آلهة على زعمهم لأنهم يعبدونها من دون اللَّه . والضمير في (وَاتَّخَذوا) يعود على المشركين، لأنهم حاضرون في مواجهة النبي ﷺ . ومعنى اتخذوا من دونه آلهة أنهم آثروا على عبادة اللَّه عبادة آلهة عاجزة، وهذا الاتخاذ إفك مبين كقوله تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا). فالحجارة ليست آلهة، ولكنهم خلقوا إفكا فسموها آلهة، وقد خلقوا إفكا من ناحية تسميتها آلهة، وهم يصنعونها بأيديهم، فتكون الصناعة على أنها آلهة إفك، وانتحال اسم الآلهة لها إفك أيضًا. وقابل سبحانه بين الهداية والضلال، فالهداية عبادة اللَّه، والضلال عبادة هذه الأحجار، فذكر أن اللَّه خالق وأن هذه الآلهة لَا تخلق شيئا، وهي في ذاتها مخلوقة، فقال: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) وأعاد الضمير عليها بضمير ما يفعل مسايرة للذين يعبدونها افتراء على أنفسهم وفوق أن هذه الأحجار مخلوقة لَا تملك ضرا ولا نفعا، فهي لَا قدرة لها على شيء ضار أو نافع، وعبَّادها أقدر منها، وبين أنها على حال جامدة مستمرة لَا تحيي ولَا تميت، ولا تبعث ولا تنشر، فهي خالية من أي صفة من صفات الإله المعبود، وقال سبحانه: (وَلا يَمْلِكونَ موْتا ولا حَيَاةً وَلا نشورًا) إن هذه الآلهة لَا تستطيِع دفع ضرر، ولا جلب نفع، ولذا قال في وصفها (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا). قال سبحانه: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) ولم يقل لَا تميت

стр. 7826

ولا تحيي ولا تبعث؛ للإشارة إلى أنها ليست ميتة ولا حية في نفسها، ولا تبعث ولا تنشر، فهي لَا تملك الحياة لنفسها، فلا تملكها لغيرها، فهي جامدة ليست لها حياة، ولا تحيي، وهي لَا تسمى ميتة؛ لأن الموت إنما يكون لحي، ولا تملك نشورا، فلا تنشر؛ لأن البعث والنشور للأحياء الذين يحاسبون، ويلقون في الجحيم، أو يجزون بالنعيم. هذه حال المشركين في عبادتهم وأوهامهم، وقد جاءهم القرآن بالبركة الروحية والنماء المعنوي فهل اهتدوا بهديه!

стр. 7827

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وقد أظهر هنا، ولم يذكر الضمير مجردا كالآية السابقة؛ لبيان أن الصلة هي السبب في هذا القول، فالقرآن لم يكن إفكا في ذاته، فقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا وببعضه فعجزوا، وبأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، وحصروه في الإفك فلم يقولوا: إفك بل يحصرونه في الإفك في قولهم (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) (إنْ) هنا نافية فهنا نفي وإيجاب، أي ما هذا إلا إفك افتراه، أي كذب قصد إلى افترائه، وقد أوغلوا في الادعاء البهات الكذب فقالوا: (وَأَعَانَه عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) والقوم الآخرون هم ناس كانوا من الروم بمكة، وقد قال تعالى في رد كلامهم: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، وقد وصف اللَّه تعالى فعلهم بقوله: (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) (جاءوا) بمعنى أتوا، فيقال جئت المكان وأتيته، الفاء للإفصاح، أي فقد أتوا ظلما بهذا القول، لأنه كفر وشرك -، (. . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، (وزورا) أي كذب يبهت السامع لأنه غريب في أنه لَا أصل له، وقد نكَر - ظلما وزورا - للإشارة إلى عظمة هذا، وكبر هذا الزور، إذ إنه غير معقول في ذاته بالنسبة لمحمد ﷺ إذ عاش بينهم أربعين سنة قبل الرسالة، واشتهر بالصدق والأمانة، حتى كان الأمين، وقد قال تعالى حكاية.

стр. 7828

(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) الضمير يعود إلى المشركين الذين اتخذوا مع اللَّه آلهة أخرى، لأنهم حاضرون في ذهن أهل الإيمان دائما بجدالهم المستمر، وعنادهم وملاحاتهم للنبي ﷺ ، (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) جمع أسطورة، كما قال الزجاج، وهو أخبار السابقين التي تذكر عنهم في السمر والمجالس، وليس لها أصل صحيح، إنما تكون لتزجية الفراغ، وهذا فيه سخرية بالقرآن واستهانة به، وبث الاستهانة عند القارئين له والسامعين (اكتَتَبَهَا) هذه صيغة الافتعال من الكتابة، أي كتبها وجوَّد كتابتها، وهذا كلام يحتمله معنى اكتتبها، وقيل إن معناها أنه طلب كتابتها من غيره، لأنه أمي لَا يقرأ ولا يكتب (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ)، أي تلقى عليه ليكتبها، أو يقرؤها عليه من يكتبها، وأصل تملى تملل قلبت اللام الثانية ياء، وعلى أي حال يملل ويملى بمعنى واحد، وهما مترادفان. وهؤلاء الكافرون لفرط استهانتهم افتروا على النبي ﷺ ثلاثة أمور: أولها - أنه إفك مفترى، وقد ذكره سبحانه في الآية السابقة. والثانية - أنه أساطير الأولين، وأحاديثهم المفتراة. والثالثة - أنها تملى عليه فيكتبها، أو تملى على النبي ﷺ إملاء، فيحفظها. وقبل أن ننتهي من القول في هذه الآية نقول: إن الراغب الأصفهاني في مفرداته قال: إن اكتتب تكون لكتابة ما هو مختلق لَا أصل له، فتكون في كلمة اكتتب اتهام رابع بالافتراء والاختلاق، ومعنى بكرة وأصيلا، أي في الغدوة والأصيل، أي أنه يملى عليه طول النهار في أوله وآخره، والأصيل ما يكون قبل الغروب، وبعد الظهيرة. وقد أمر اللَّه تعالى بأن يرد قولهم بقوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)

стр. 7829

الأمر للنبي ﷺ ، وقد كان الرد الذي أمر الله تعالى به نبيه ليس مجاراة لهم، ولكنه بيان لافترائهم بإثبات نقيض الافتراء، وهو أن الذي أنزله على محمد ﷺ هو اللَّه الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وهذا دليل إيجابي يثبت نقيض ما يفترون من ثلاثة وجوه. أولها - أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض يعلم ما خفي، وما خلق وما أنشأ، وليس بغريب عليه أن ينزل قرآنا كريما فيه الدليل القاطع على رسالة محمد ﷺ ، وإن السر الذي في السماوات والأرض في خلق كل منهما وارتباط كل واحدة بالأخرى، وما يربط النجوم بعضها ببعض من جاذبية شديدة تجعلها بناء واحدا، وإمساك اللَّه تعالى للسماوات أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكها أحد من بعده. ثانيها - أن من يعلم سر السماوات والأرض يستلزم أنه أوجدها، ومن أوجد السماوات والأرض ليس بغريب عليه أن ينزل قرآنا هو دليل رسالة محمد ﷺ ، ومعجزته الكبرى. ثالثها - أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض يعلم كل شيء، فهو الذي يعلم نبيه القرآن، ولا يحتاج إلى من يملى عليه بكرة وأصيلا. وننبه هنا إلى أمرين: أولهما - الدليل الذي يدل على أن اللَّه تعالى هو الذي أنزله، هو العجز بعد التحدي الشامخ. الأمر الثاني - أن اللَّه تعالى الذي يعلم السر في السماوات والأرض فقال المفسرون: إنه ذكر السر، ومن يعلم السر يعلم بالأولى الظاهر البين، وذلك كلام حسن في ذاته، ولكن بدر إلينا أن معرفة السر في السماوات معناه السر في ارتباط أجزائها، وبنائها من غير عمد، وذلك وحده دليل القدرة الباهرة، وإشارة إلى التكوين العجيب في صنعه، وختم اللَّه تعالى الآية بفتح باب التوبة فقال: (إِنَهُ كَانَ غَفُورًا رّحِيمًا)، أي أنه يغفر للتائبين ويرحمهم. * * *

стр. 7830

الرسول من البشر قال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) * * * الضمير في (قالوا) يعود إلى المشركين وهم حاضرون يعاندون ويفتح على النبي ﷺ ، وكان ضلالهم أن ظنوا أو توهموا أن النبي لَا يكون بشرا، وإن كان بشرا يكون من أعلاهم مادة وسلطانا، وهم أو من يحوطون بهم، ويلوذون بملاذهم. قالوا مستغربين:

стр. 7831

(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأكلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ) والمعنى: أي شأن لهذا الرسول يؤهله لمكانة الرسالة من اللَّه حال أنه يأكل الطعام كما نأكل، فليس ملكا من الملائكة، بل هو بشر يأكل الطعام، وليس ملكا تصل إليه حاجاته بخدمه وعبيده، بل إنه يعيش باحثا عن رزقه وحاجته ككل الناس، فلا امتياز له على أحد، فكيف يكون رسولا.

стр. 7832

(لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ)، أى هلا أُنزل منضما إليه ملك (فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)، الفاء فاء السببية التي ينصب الفعل بعدها، ومعنى السياق هلا ضم إليه وأنزل من عند اللَّه ملك، فيكون معه منذرا.

стр. 7833

(أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) تدرجوا في الادعاء من أعلى إلى أدنى فاشترطوا لاتباعه أن يكون منضما إليه ملك ليكون معه نذيرا، فيكون الملك شاهدا بصدق الرسالة، ومن قبل طلبوا أن يكون معه قرطاس، أو أن يكون الرسول ملكا، وقد رد اللَّه تعالى كلامهم، وأنهم لَا يؤمنون ويقولون هذا سحر مبين، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ). وقد نزلوا عن اشتراط أن يكون معه ملك إلى أمر آخر يمنع أن يمشي في الأسواق بأن يغنيه عن ذلك شأن الكبراء، بأن يلقى إليه، أي يعطى كنزا يغنيه، وصر عن إعطاء الكنز بكلمة يلقى إليه للإشارة إلى أن هذا العطاء لَا يكلف من أرسله شيئا؛ لأنه إلقاء من خزائن اللَّه تعالى، وقد كانوا يعرفون اللَّه ولا يعبدونه، فيعرفون أن معه خزائن السماوات والأرض، ويكون بهذا الكنز كملوك أهل الأرض فلا ينزل إلى الأسواق كما ينزل دهماء الناس والفقراء. وتنزلوا من مرتبة الملوك إلى مرتبة أتباعها وحواشيهم، الذين يمنحهم الملك الحدائق والمزارع، فقالوا: (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)، أي بستان يغنيه بثماره وغلاته، فيأكل منها بدل أن ينزل الأسواق. وإن هذا بلا ريب نظرات ناس ماديين لَا يؤمنون بالروح، ولا بالمعاني الإنسانية العالية، إنما يؤمنون بالمادة وحدها، والعلو عندهم بالسيطرة الممكنة من لذائذ هذه الحياة، إما بملك قاهر، أو بمتع يلقيها إليهم ملوك قاهرون. ولكنهم يرون في محمد ﷺ ما ليس عند الملوك وحواشيهم، يرون القرآن

стр. 7834

الذي عجزوا عن أن يأتوا بمثله، ورأوا أتباع محمد ينمون ولا ينقصون، ورأوا ميل بعض كفارهم إلى سماع القرآن وما يدعو إليه محمد ﷺ . رأوا ذلك، ولم يستطيعوا دفعه، ولكن بدل أن يذعنوا للحق إذ تبين لهم، ادعو أن ما يجيء به هو السحر، فظلموا ظلما كبيرا. (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا). هنا إظهار في موضع إضمار، وذلك لوصفهم بالظلم أولا، ولبيان ظلمهم وعدم إرادتهم الحق هو الذي رفعهم إلى رمى النبي ﷺ بالسحر، وهو يتكلم عن اللَّه تعالى: (إِنْ تَتَّبِعونَ) إن هنا نافية، أي لَا تتبعون إلا رَجُلًا مَّسْحُورًا، أي ينطق على لسانه الحق، وهذا يومئ إلى أنهم رأوا عجائب فبدل أن يقولوا إنها من عند الله قالوا: إنه مسحور ينطق على لسانه الجن والشياطين. وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنه كان من أهل مكة من يريدون اتباع محمد ﷺ ، وقد اتبعه من اتبعه.

стр. 7835

(انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) الخطاب للنبي ﷺ ، و (ضَرَبُوا) معناها بينوا، والأمثال هي الأحوال المتشابهة في زعم القائل، أن انظر كيف حاولوا أي تكون الرسالة مع ملك من السماء يكون ردءا للرسول في إنذاره، ثم كيف حاولوا أن يجعلوه كالملك الذي تجري كنوز الأرض تحت يديه، أو كحواشي الملوك الذين يقطنون الإقطاعات الواسعة، حاولوا عقد المشابهة بين هذه الأحوال والرسالة، وهذه أمور دنيوية تنأى عن معنى الرسالة، ولذا قال تعالى: (فَضَلُّوا) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي بسبب زعمهم هذه المشابهات ضلوا وبعدوا عن الحق وأوغلوا فشبهوا رسالة اللَّه برسالة الناس، وأنه يكون معها شاهد من قبل المرسل، كملك، وشبهوا الرسول بالملك الغني أو حاشيته، وكل هذه تشبيهات باطلة في أصل موضوعها وفى أوصاف الموضوع، فليس الله كأحد من خلقه، إنما معجزته هي الشاهد،

стр. 7836

وليس النبي ملكا أو حاشية لملك، فضلوا بسبب تلك الأمثال، ومن ضل في الطريق يسير في ضلاله إلى أقصى مداه، ولذا قال سبحانه: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) الفاء عاطفة، أي أنه يتبع هذا الضلال أن صاروا في عماية من أمرهم لا يستطيعون الهداية، ولا يستطيعون معرفة سبيل للنجاة من الضلالة التي أوقعوا فيها أنفسهم بعمايتهم وجهالتهم، وذلك لما أصابهم من غشاوة، وضلال وحيرة في الطرق. وقد رد اللَّه تعالى عليهم أن أخذوا على النبي ﷺ أنه فقير يمشي في الأسواق، فقال:

стр. 7837

(تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) تبارك أي تكاثرت وتسامت بركة اللَّه تعالى على أوليائه وعلى المرسلين من عباده، وعلى نبيه محمد ﷺ خاتم النبيين (إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) علقه على مشيئته التي تكون على مقتضى حكمته، جعل لك خيرا مما يتباهون به، وينتقضون رسالتك، لأنها لم تكن ذات كنوز، ولا حدائق، و (خيرا) مفعول، و (جناتٍ) بدل من خير، وبادر النص بالخيرية لإثبات أن الله تعالى قادر على إعطاء محمد ﷺ ما هو أعظم زينة، والخيرية هنا هي خير المظهر، والنعيم الدنيوي، وأما ما هو خير عند اللَّه تعالى جزاء معنويا وماديا فإنه في الآخرة. (وَيَجْعَلْ لَكَ) معطوف على (جَعَلَ) والجزم على محل جَعَل، لأن (جَعَلَ) جواب الشرط فمحله الجزم، فيكون العطف عطف مجزوم على مجزوم، والقصور هي مساكن عطاء الدنيا التي يتباهى بجمالها، ومتانة بنيانها، وزخارفها، وطنافسها. ولكن الله تعالى لم يشأ لأنبيائه زخارف الحياة، ولكن اختار لهم مشقة الحياة

стр. 7838

وأن يعيشوا على الكفاف، لأنه حيث كان القِل من العيش كان الإخلاص والاتجاه الكامل إلى اللَّه تعالى، لَا يشغله عنه شاغل من متع هذه الحياة، ولقد كان محمد ﷺ فيما روي عنه يقول: " اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين "، ولأن الأنبياء قادة الخليقة إلى الله تعالى، فيجب أن يكونوا قريبين من أضعف الناس لَا يتجافون عنهم في مظهر، ولا عرض من أعراض الدنيا، ولأنهم يتجهون إلى معالى الأمور، ولا يتجهون إلى سفسافها. * * * إن تكذيب الساعة أوجد الضلال قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) * * *

стр. 7839

(بَلْ كَذَّبوا بِالسَّاعَةِ)، بل للإضراب الانتقالي الذي يكون بانتقال الكلام من مقام إلى مقام، فكان الكلام في بيان تكذيبهم للنبي ﷺ ، وادعائهم على القرآن أنه إفك افتراه الرسول، وقولهم إنا نريد ملكا معه يكون ردءا له، وإنه لَا يعيش عيشة الملوك وحاشيتهم، فانتقل إلى سبب ذلك كله، وهو كفرهم بالساعة، ذلك

стр. 7840

أن كفرهم بالبعث والنشور هو سبب ضلالهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، ولم يؤمنوا بالغيب، فكانت حياتهم كلها مادية، لَا رجاء بعدها، فكان منهم الإيمان بالمادة وحدها. والساعة هي يوم القيامة، وسميت الساعة؛ لأنها يكون فيها الفصل بين الحق والباطل، والحساب الكامل والجزاء الوفاق للعمل، بجنة النعيم، أو بنار الجحيم، وكل ذلك في ساعة، وهي الساعة الكاملة لكثرة ما يكون من أحداث تتعلق بمصير البشرية، وهي ساعة الفصل، فالألف واللام تدل على الكمال، أي أنها الساعة الجديرة بأن تسمى الساعة. (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا)، أي هيأنا للذين كذبوا بالساعة نارا ملتهبة كبيرة، تشتد في لهيبها تفزع وترعب من رآها، ويحترق بها من يدخلها، وأعتدنا معناها أعددنا وهيأنا، وكررت الساعة وكان الإظهار في موضع الإضمار أولا للإفزاع والنكير على من أنكر الساعة وكذب الخبر بها، ولبيان أن السبب في السعير هو التكذيب، لأنه كفر في ذاته، ولأنه أدى إلى الجحود المستمر. وقد وصف اللَّه سبحانه هول السعير، وشدتها، فقال:

стр. 7841

(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) معنى (إِذَا رَأَتْهُم) على ما يقول المفسرون، وإذا كانت على مرأى منهم كأنها تراهم ويرونها، من مكان بعيد، أي وكانت الرؤية من مكان ليس بالقريب، ولكنها بعيد بالنسبة للرؤية وللسمع (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، أي هياجا شديدا يكاد مع البعد لهولها، والتغيظ وهو بدو الغيظ الشديد، والهياج العنيف الذي يتقلص الوجه له، والزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه. وإني أرى أن السعير شبهت بالإنسان الذي يرمى ويتغيظ ويزفر، ويحس ويشعر، إذا رأى شخصا يريد عقابه، فإنه يتغيظ ويزفر، والمعنى أن السعير تستعد وتتهيا هائجة، لمجيء العصاة إليها، ويسمعون ما يشبه التغيظ والزفير من مكان بعيد.

стр. 7842

(وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) وإذا ألقوا في النار، في مكان ضيق منها حال كونهم مقرنين، أي قد قُرئت أيديهم إلى أعناقهم مصفدين، ووصف المكان بالضيق فيه إشارة إلى الشدة، لأن الضيق يقترن بالشدة، والسعة تقترن بالفرح، و (أُلْقُوا) تفيد أنهم لم يدخلوا مختارين بل ألقوا فيها إلقاء كما تلقى الأشياء، وألقوا وهم مصفدون في الأغلال ليس لهم حركة إرادية قط و (مِنْهَا) أي من النار، و (مَكَانًا) ظرف، منصوب لـ (أُلْقُوا)، أي ألقوا في مكان ضيق من النار قد غلت أيديهم إلى أعناقهم، وهم في هذه الشديدة المرهقة، يتمنون الموت بدلها، لأن الموت إنقاذ لهم (دَعَوْا هنَالِكَ ثُبُورًا) (هُنَالِكَ) إشارة إلى البعيد، وفيه إثبات شدة ما هم فيه، والإشارة للبعيد، فقد نادوا ثبورا، أي هلاكا، أي نادوه، لأن هذا وقته، إذ بلغت الشدة قواها، فكان الهلاك إنقاذا لهم مما هم فيه، أو نادوه تحسرا على أنفسهم وعلى ما فرطوا وأساءوا، وقد بين اللَّه تعالى أن هذا الثبور الذي نادوه لاجئين إليه من عظيم الإحساس بالآلام أو متحرين مما نزل بهم، ليس ثبورا واحدا، بل هو هلاك متتال، لا قصور فيه، فقال تعالى:

стр. 7843

(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) النهي عن أن يدعوا وينادوا ثبورا واحدا ينقذهم من آلامهم، أو يتحسرون به لما هم فيه، بل هو ثبور متوال عليهم وقتا بعد آخر؛ لأن أسبابه قائمة مستمرة باستمرار حالهم وهي إلقاؤهم في مكان ضيق، يلقى بضيقه وعذابه ووضع الأصفاد التي تجمع أيديهم إلى أعناقهم، فتستمر دعوة الثبور ونداؤهم ما داموا في جهنم، وهي خالدة إذ هم فيها خالدون، وكلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه تعالى جلودا غيرها ليذوقوا العذاب المستمر. هذه حالهم، وهي حال هلاك مستمر ينادونه ويطلبونها تحسرا، أو إنقاذا مما هم فيه، فهي حياة هلاك متجدد آنًا بعد آنٍ، وقد ذكر سبحانه بعد ذلك حال المتقين بعد الساعة.

стр. 7844

(قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) الخطاب للنبي ﷺ ، طلب إليه ربه تعالى بعد أن ذكر لهم ما أعده اللَّه تعالى للذين لَا يؤمنون بالبعث ويشركون بربهم، أن يبين لهم ما أعده للمتقين الأبرار الذين يؤمنون بالبعث مقابلا بينه وبين ما أعد للمشركين، فقال: أذلك السعير الذي أعد لهم، والذي ينادون فيه بالهلاك حسرة وندما خير في مآله ونهايته، أم جنة الخلد والنقاء التي أعدها للمتقين الأبرار، والمعادلة من حيث إن كلا مستعد هيأ اللَّه له ما يستحقه، فهم يستطيعون أن ينالوا الجنة إن اتقوا، كما ينال الذين أنكروا البعث ما يلقون من جهنم وسعير. وإن الجنة استحقوها جزاء لأعمالهم، وهي مصيرهم ومآلهم الذي كان لهم نهاية، وغاية المتقين الأطهار.

стр. 7845

(لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) الضمير في لهم يعود إلى المتقين (مَا يَشَاءُونَ)، أي ما يحبون ويريدون من ملاذ، ومن متع أعلى مما في هذه الحياة، ففيها كل ما يحبون؛ ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، وإن الإحساس بالقدرة على تحقيق كل رغباتهم من نعمة هو في ذاته نعمة، مع ما يتضمن من نعم أخرى ينالها، فالملاذ نعمة، والقدرة المستمرة عليها نعمة أخرى، نعمة التمكين، وهناك نعمة ثالثة تحف بهم، وهي نعمة الخلود والدوام، فهي نعم غير مقطوعة، ولا ممنوعة ساعة من زمان، وقد أكد وعده بها، وأنه سبحانه كتبها على نفسه بقوله: (كانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا)، أي كان ذلك الوعد الذي كتبه على نفسه مسئولا، أي حقيقا بأن يسأله ويطلب فضلا من ربك ورحمة، فقد ألزم نفسه به، ولم يلذ به غيره، تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا، فهو قد كتبه على ذاته العلية. والتعبير بقوله تعالى: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) يشير إلى أنه من فضل الربوبية ورحمة المنعم القادر على كل شيء، فالمسئولية ليست مسئولية إلزام، إنما
следующие страницы →