Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)
معنى (إِذَا رَأَتْهُم) على ما يقول المفسرون، وإذا كانت على مرأى منهم كأنها تراهم ويرونها، من مكان بعيد، أي وكانت الرؤية من مكان ليس بالقريب، ولكنها بعيد بالنسبة للرؤية وللسمع (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، أي هياجا شديدا يكاد مع البعد لهولها، والتغيظ وهو بدو الغيظ الشديد، والهياج العنيف الذي يتقلص الوجه له، والزفير تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه.
وإني أرى أن السعير شبهت بالإنسان الذي يرمى ويتغيظ ويزفر، ويحس ويشعر، إذا رأى شخصا يريد عقابه، فإنه يتغيظ ويزفر، والمعنى أن السعير تستعد وتتهيا هائجة، لمجيء العصاة إليها، ويسمعون ما يشبه التغيظ والزفير من مكان بعيد.
стр. 7842
(وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)
وإذا ألقوا في النار، في مكان ضيق منها حال كونهم مقرنين، أي قد قُرئت أيديهم إلى أعناقهم مصفدين، ووصف المكان بالضيق فيه إشارة إلى الشدة، لأن الضيق يقترن بالشدة، والسعة تقترن بالفرح، و (أُلْقُوا) تفيد أنهم لم يدخلوا مختارين بل ألقوا فيها إلقاء كما تلقى الأشياء، وألقوا وهم مصفدون في الأغلال ليس لهم حركة إرادية قط و (مِنْهَا) أي من النار، و (مَكَانًا) ظرف، منصوب لـ (أُلْقُوا)، أي ألقوا في مكان ضيق من النار قد غلت أيديهم إلى أعناقهم، وهم في هذه الشديدة المرهقة، يتمنون الموت بدلها، لأن الموت إنقاذ لهم (دَعَوْا هنَالِكَ ثُبُورًا) (هُنَالِكَ) إشارة إلى البعيد، وفيه إثبات شدة ما هم فيه، والإشارة للبعيد، فقد نادوا ثبورا، أي هلاكا، أي نادوه، لأن هذا وقته، إذ بلغت الشدة قواها، فكان الهلاك إنقاذا لهم مما هم فيه، أو نادوه تحسرا على أنفسهم وعلى ما فرطوا وأساءوا، وقد بين اللَّه تعالى أن هذا الثبور الذي نادوه لاجئين إليه من عظيم الإحساس بالآلام أو متحرين مما نزل بهم، ليس ثبورا واحدا، بل هو هلاك متتال، لا قصور فيه، فقال تعالى:
стр. 7843
(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)
النهي عن أن يدعوا وينادوا ثبورا واحدا ينقذهم من آلامهم، أو يتحسرون به لما هم فيه، بل هو ثبور متوال عليهم وقتا بعد آخر؛ لأن أسبابه قائمة مستمرة باستمرار حالهم وهي إلقاؤهم في مكان ضيق، يلقى بضيقه وعذابه ووضع الأصفاد التي تجمع أيديهم إلى أعناقهم، فتستمر دعوة الثبور ونداؤهم ما داموا في جهنم، وهي خالدة إذ هم فيها خالدون، وكلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه تعالى جلودا غيرها ليذوقوا العذاب المستمر.
هذه حالهم، وهي حال هلاك مستمر ينادونه ويطلبونها تحسرا، أو إنقاذا مما هم فيه، فهي حياة هلاك متجدد آنًا بعد آنٍ، وقد ذكر سبحانه بعد ذلك حال المتقين بعد الساعة.
стр. 7844
(قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)
الخطاب للنبي ﷺ ، طلب إليه ربه تعالى بعد أن ذكر لهم ما أعده اللَّه تعالى للذين لَا يؤمنون بالبعث ويشركون بربهم، أن يبين لهم ما أعده للمتقين الأبرار الذين يؤمنون بالبعث مقابلا بينه وبين ما أعد للمشركين، فقال: أذلك السعير الذي أعد لهم، والذي ينادون فيه بالهلاك حسرة وندما خير في مآله ونهايته، أم جنة الخلد والنقاء التي أعدها للمتقين الأبرار، والمعادلة من حيث إن كلا مستعد هيأ اللَّه له ما يستحقه، فهم يستطيعون أن ينالوا الجنة إن اتقوا، كما ينال الذين أنكروا البعث ما يلقون من جهنم وسعير.
وإن الجنة استحقوها جزاء لأعمالهم، وهي مصيرهم ومآلهم الذي كان لهم نهاية، وغاية المتقين الأطهار.
стр. 7845
(لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)
الضمير في لهم يعود إلى المتقين (مَا يَشَاءُونَ)، أي ما يحبون ويريدون من ملاذ، ومن متع أعلى مما في هذه الحياة، ففيها كل ما يحبون؛ ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، وإن الإحساس بالقدرة على تحقيق كل رغباتهم من نعمة هو في ذاته نعمة، مع ما يتضمن من نعم أخرى ينالها، فالملاذ نعمة، والقدرة المستمرة عليها نعمة أخرى، نعمة التمكين، وهناك نعمة ثالثة تحف بهم، وهي نعمة الخلود والدوام، فهي نعم غير مقطوعة، ولا ممنوعة ساعة من زمان، وقد أكد وعده بها، وأنه سبحانه كتبها على نفسه بقوله: (كانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا)، أي كان ذلك الوعد الذي كتبه على نفسه مسئولا، أي حقيقا بأن يسأله ويطلب فضلا من ربك ورحمة، فقد ألزم نفسه به، ولم يلذ به غيره، تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا، فهو قد كتبه على ذاته العلية.
والتعبير بقوله تعالى: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) يشير إلى أنه من فضل الربوبية ورحمة المنعم القادر على كل شيء، فالمسئولية ليست مسئولية إلزام، إنما
стр. 7846
هي مسئولية إنعام نسألها، كقوله تعالى كما أمرنا (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ. .)، وكما يسأل الملائكة لعباد اللَّه المؤمنين فيقولون: (رَبَّنَا
وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَتِي وَعَدتَّهُمْ. .).
* * *
حشر الكافرين وما يعبدون
قال تعالى:
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
* * *
الكلام السامي في قوله تعالى:
стр. 7847
(وَيَوْمَ يَحْشرهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ. . .) الغيبة؛ لأنه حديث عن جلال اللَّه تعالى وعظمته وما يكون يوم القيامة من خطاب له سبحانه، وبذاته العلية لمن يشاء أن يكلمهم، وهم الأبرار الذين يسعدهم رب
стр. 7848
البرية بكلامه معهم، ونظره سبحانه إليهم نظرة تقريب، وإيناس، وما لَا يشاء لا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، وما يجري يوم القيامة في هذا الحديث هو للذين ينكرون البعث ويشكون، فكانوا غير جديرين لأن يخاطبهم بذاته العلية لأنهم لَا يكلمهم ولا ينظر إليهم، فناسب ذلك ضمير الغياب، وهناك قراءة بضمير المتكلم إلقاء للهيبة في نفوسهم، وليس خطابهم إلا للوم والتأنيب، ويجوز أن يكون الخطاب من الملائكة ونسب إليه سبحانه، لأنه هو الذي أمر، والذين يعبدون يشمل العقلاء الذين عبدوهم كالملائكة، وعيسى وعزير، وكرشنة في البرهمية، وبوذا في البوذية، كما يشمل الأوثان والنار، وغيرهما مما لَا يعقل.
وقد اتجه القول يوم القيامة إلى المعبودين في الدنيا من العقلاء وغيرهم، اتجه القول إليهم: (فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ)، الفاء للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، والسياق هكذا، وإذا حشروا وما يعبدون يقول لهم. . .، والسؤال ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، والإشارة تعود إلى الذين عبدوا غير اللَّه من يهود، ونصارى ووثنيين ورومان وعرب، هذا الشطر الأول من المعادلة، والشطر الثاني أم هم ضلوا السبيل، والسؤال أهؤلاء الذين عبدوكم أنتم أضللتموهم بالدعوة إلى عبادتكم، أم هم ضلوا الطريق الموصل إلى الحق بالأوهام التي غشت عقولهم والشهوات التي أفسدت نفوسهم، والمتع الدنيوية التي ألهتهم.
ولقد أجاب المعبود بنفي الإضلال عنهم.
стр. 7849
(قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)
غلب في القول العقلاء على غيرهم، وقيل: أنطق اللَّه الأحجار فنطقت كما نطق العقلاء، وليس ذلك بمعجز على قدرة اللَّه العلي الحكيم، ومهما يكن فقد نطق المعبودون جلهم أو كلهم، قائلين: (مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ) وفي قوله تعالى: (نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ) قراءتان إحداهما نتخذ بالفعل المبني
стр. 7850
للفاعل، وقراءة بضم النون الأولى بالبناء لغير الفاعل، ويكون المعنى على القراءة الأولى، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من غيرك أولياء ونصراء، وإذا كان ذلك لا يسوغ لنا، فبالأولى لَا نسوِّغه لغيرنا، وكان تدل على الكينونة، أي ما كنا بوجودنا إلا عبادا لَا يكون لنا أن نتخذ أولياء غيرك فلا يجوز أن ندعو أحدا إليه.
وعلى القراءة الثانية بالبناء للمفعول ما كان ينبغي لنا أن نرضى بأن نتخذ أولياء ونصراء غيرك، وذلك كقول عيسى ﵇ عندما يسأله ربه يوم القيامة (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦).
وقوله تعالى: (مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ) من الأولى معناها من غيرك، وهو دونك مكانة ومقاما، ومن الثانية تدل على الاستغراق، أي ولي نصير معبود فهي لاستغراق النفي وتأكيده.
وإنه يجيء على لسان المعبودين ما هو الحق في ذاته: (وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا)، أي أن المتعة التي متعتهم بها من سلطان وجاه، وإعطائهم المال والأولاد، والسيطرة والتمكن كما مكنت لفرعون وأشباهه، وإن المتع والأهواء والشهوات تغشى النفس بفساد من الضلال ينسون به ذكر الله، ويتركون ما هو حق في ذاته إلى ما تمليه الأهواء والأوهام فأنستهم ذكر اللَّه، وألهتهم، وصاروا قوما بورا، البور وصف لأولئك الذين ضلوا، فهم بائرون قد انحلوا من كل وثاق لأهل الإيمان، وأصل بار معناها كسد، ومن ذلك قوله تعالى (. . . تِجَارَةً لًن تَبُورَ)، والشيء الكاسد يفسد، وهؤلاء قد فسدوا بكلامهم الذي لَا أصل له، ولا دعامة يقوم عليها أو أي دليل إلا الوهم والهوى.
وقد بين سبحانه في خطابه لهم بعد كلام ما عبدوهم.
стр. 7851
(فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)
قوله تعالى: (بِمَا تَقولونَ) فيها قراءتان إحداهما بالياء (يقولون) والثانية بالتاء وهي المشهورة وهي قراءة الأكثرين والمعنى على القراءة الأولى فقد كذبكم من كنتم تعبدونهم، بما يقولون من أنه ما كان ينبغي لهم أن يتخذوا من دونه من أولياء وإن ذلك ظاهر، وعلى القراءة الثانية، وهي قراءة الجمهور يكون الخطاب ابتداء للكفار، والباء بمعنى في، وتجيء كثيرا بمعنى في ويكون توجيه القول، فقد كذبوكم فيما تقولون وتعبدون به الأوثان، وتحسبون أن لكم نصرة من الذين تعبدونهم، إذا مَحَلَ بكم الدليل وشهد عليكم ما تعبدونهم، فقد تقرر العذاب عليكم، وأن تؤخذوا به أخذ عزيز مقتدر، ولذا قال مرتبا على تكذيب هؤلاء (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا)، أي لَا تملكون صرف العذاب عنكم ولا نصرا من أحد ينصركم، لأنكم أيها الكفار قد خذلكم من كنتم تعبدونهم، وبينوا بطلان قولكم، ولا نصر من أحد، إذا كنتم ترجون النصرة منهم، وبقيتم وحدكم من غير ناصر ولا عاذر، وتقرر العقاب العتيد عليكم، ولذا قال تعالى: (وَمَن يَظْلِم مِّنكمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كبِيرًا) ومن يظلم، أي يشرك، ويفتن الناس عن دينهم، وصد عن سبيل اللَّه تعالى، وقد أفردتم عن النصير والمعين (نُذِقْهُ عَذَابًا كبِيرًا)، أي عظيما لا يحد مقداره، ولا يعلم شدته إلا علام الغيوب، والتنكير لبيان هوله، وأنه لا يقادر بقدر، ولا يغيا بغاية يعلمها البشر.
وقد عاد القرآن الكريم إلى رد قولهم مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فقال عز من قائل:
стр. 7852
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
هذا بيان أن الرسل لَا يكونون إلا من البشر، وذلك ليستطيعوا أن يرشدوهم
стр. 7853
ويوجهوهم، ويهديهم اللَّه تعالى بهم، ولا يمكن أن يكون ملكا، لأنه ليس من جنسهم، ولا يمكن أن يكون قدوة؛ لأن المقتدي يكون من جنس المقتدَى؛ لتتم القدوة، ولا يكون هنالك ما يكون للقدوة من خواص يختص بها، ولأن الرسول يدعو بعمله، ويتبع في أعماله، فلابد أن يكون من البشر ليتبع في أعماله، ولأن الناس قد يحال بينهم وبين مواجهته بمحاجزات من الملوك والرؤساء، فلا بد من رفع المحاجزات ليخلو وجه الناس لهم.
لا بد أن يكون الرسل من البشر، وإنهم يدعون الضعفاء والأقوياء، ولا يتبعهم ابتداء إلا الضعفاء، ولتمام الدعوة وسلامتها، لَا بد أن يعيشوا كما يعيش الضعفاء، فلا يكونون ملوكا أو من حواشي الملوك، وإذا كان بعض الأنبياء ذكر بالملك كداود وسليمان، فقد كانوا ملوكا في سلطانهم الحق، ولكن في عيشهم كانوا يعيشون كالضعفاء، فداود ﵇ كان يأكل من عمل يده، ولعل ابنه سليمان لم يكن من الملوك الذين يستقلون في معيشتهم عن رعيتهم ومن المؤكد أنه لم يكن ملكا مستعليا على رعيته، ولا يعيش عيش ضعفائهم.
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) من هنا بيانية، والمعنى ما أرسلنا قبلك من المرسلين (إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ)، إنهم لَيَأكُلُونَ الطعام إلى آخره جملة حالية (إِلَّا إِنَّهُمْ) في حال يأكلون فيها الطعام أي ما أرسلناهم إلا والحال التي تحيط بهم أنهم يأكلون الطعام، فتلك حالهم، وبعض النحويين يقررون أن في الكلام محذوفا (هذه صفته) فذكرت الصفة مغنية عن الموصوف المقدر، ويكون سياق القول، وما أرسلنا إلا رسلا إنهم ليأكلون، وأرى أن عد الجملة حالية أولى بالأخذ، لأن ما لَا يحتاج لتقدير أولى.
والخطاب في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْض فِتْنَةً) للناس أجمعين، والفتنة أصلها ما يفتن به الفلز، ليخرج منه الذي يعلق به، وأطلق على ما تفتن به النفوس من جاه ومال ونفر، وعلو في الأرض، ومعنى (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتنَةً)، جعل الأقوياء فتنة للضعفاء بإيذائهم، والكافرين فتنة للرسل بعنادهم،
стр. 7854
والأغنياء فتنة للفقراء باستعلائهم، والضعفاء فتنة للأقوياء بسبقهم إلى الإيمان والحق، وتأخرهم، وهكذا كل من أعطى خيرا دنيويا أو أخرويا يكون فتنة لمن لم يكن مثله، وإن الواجب للمفتون هو الصبر، والواجب على أهل الحق من الأنبياء والصديقين أن يصبروا؛ ولذا قال تعالى: (أَتَصْبِرُونَ) والصبر في الفتنة هو السبيل لاجتياز المحنة والخروج منها مؤمنا خالصا، فالاستفهام هو للتوجيه للصبر، والتحريض، ويلاحظ أن اللَّه تعالى أكد أن الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق بالجملة الاسمية، وبـ إن المؤكدة، وباللام في خبرها (لَيَأكُلُونَ).
(وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) كان دالة على الدوام، وأن الناس تحت رقابة اللَّه دائما، يعلم بحال الصابرين والتمكين منهم علم السميع الذي يسمع، والبصير الذي يبصر، ويكافئ كُلًّا بحسب حاله التي علمها اللَّه تعالى إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فليعملوا عمل ما يرى ويسمع، واللَّه بكل شيء محيط.
* * *
إنكار البعث والتهديد به
قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
* * *
стр. 7855
الكلام موصول في بيان أحوال المشركين، وتعلاتهم في كفرهم بالرسول ﷺ ومعجزاته وخصوصا القرآن الذي هو أعظم المعجزات التي جاء بها الرسل، وهو المعجزة الباقية التي تتحدى الأجيال أن يأتوا بمثلها إلى يوم القيامة، وفي هذه الآية
стр. 7856
(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يرْجُونَ لِقَاءَنَا. . .) يشير سبحانه إلى السبب في كفرِهم وجحودهم بكل شيء، وهو أنهم لَا يرجون لقاء اللَّه تعالى فقال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) .
لا يرجون لقاءنا، أي ينكرون لقاء اللَّه تعالى ولا يؤمنون، وأن لهم هذه الحياة التي يعيشونها في الدنيا، ولا يؤمنون بغيرها، وعبر سبحانه عن عدم إيمانهم باليوم الآخر ولقائه بقوله: (لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)، أي لَا يطمعون ولا يأملون في لقائنا، للإشارة إلى أن الإيمان باليوم الآخر فيه رجاء الخير، فمن يؤمن به يرجو الخير، لأنه يعلم أن هناك جزاء، وأن أعماله ليست هباء، فإذا كان متعبا في هذه شقيا فيها، كان رجاء العوض يوم البعث، فينال الخير بدل الحياة الشاقة التي يعيشها، فالمؤمن له رجاء، والكافر بالبعث حاسر، وأضاف اللقاء إليه سبحانه؛ لأنه مفرج الكروب، والمجازي سبحانه بالخير خيرا، وبالشر شرا، وفيه إيناس بأن من يرجو لقاء الله، إنما يرجو لقاء السند القوي، ومن يكفر به، يعدم ذلك السند الذي لَا يعتمد عليه غيره، سبحانه عظمت آلاؤه، والتعبير بالموصول: (الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) فيه إشارة إلى أن السبب في لجاجتهم في الكفر وإنكارهم للمعجزات، وعدم تعقلهم للحقائق هو أنهم لَا يرجون لقاء الله، ولو رجوا لقاء اللَّه، لعملوا حساب هذا اللقاء واهتدوا بدل الكفران.
(لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا).
لولا للتحريض، أي هلا أنزل علينا الملائكة، يخبرون برسالة اللَّه تعالى لهم، ولا يجيئنا واحد منا يأكل مما نأكل ويمشي في الأسواق كما نمشي، فهذا تحريض على أن يكون ملائكة، أو نرى ربنا، أو تقول لولا - حرف شرط امتناع أي
стр. 7857
امتنع إيماننا لأنه لَا تنزل ملائكة أو لم نر ربنا، والأظهر أنها للتمني، أي نطلب متمنين أن ينزل علينا ملائكة أو نرى ربنا، وهذا مؤدى الحض، فهم يتمنون متعللين بهذه الأمنية الباطلة لتبرير كفرهم.
ومعنى قولهم ومؤداه أننا لَا نؤمن بانك رسول، ولو كان اللَّه يرسل رسولا لأرسله من الملائكة، ولماذا لَا يخاطبنا، وهكذا سار المشركون على ما سار اليهود من قبلهم، فقد قالوا لموسى ﵇ لن نؤمن لك حتى نرى اللَّه، إن هذا الذي طلبوه يتضمن في ذات نفسه خروجا بهم عن طورهم الإنساني؛ لأن الرسول يجب أن يكون من جنس من أرسل إليهم، فهم بطلبهم هذا كطلب بني إسرائيل من قبل قد تعدوا الحدود، ولذا قال تعالى بعد ذلك (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) السين والتاء للطلب، أي طلبوا الكبر في ذات أنفسهم وتعدوا حدودهم، وحسبوا بكبرهم الذي طلبوه أنهم فوق البشرية، وألفوا الظلم، والنّبوّ عن الحق، والخروج من دائرته، ولا سبيل إلى رجعتهم، وقد أكد اللَّه استكبارهم عن الحق وبعدهم بـ اللام وبـ قد، وبوصف بعد عن الحق كبير وضلال بعيد، قد أوغلوا فيه وإذا كانوا يريدون أن يروا الملائكة فسيرونهم، ولكن لَا على أنهم مبشرون ومنذرون، ورسلا في الدنيا من قبل رب العالمين، ولكن يرون مبشرين بدخول الجنة فعلا يوم القيامة، أو ملقين لهم ولأشباههم في الجحيم، ولذا قال تعالى:
стр. 7858
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)
أي أنهم سيرون الملائكة غير نازلين لهم في الدنيا، فالرسالة من البشر، كما هي سنة اللَّه في دعوة الخلق إلى الهداية، وكما كان شأن الرسل من قبل محمد ﷺ ، كما قال تعالى مخاطبا نبيه (. . . قل مَا كنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ. . .)، فهم يطلبون محالا في الدنيا، وستنزل إليهم الملائكة فيرونهم عيانا، ويكون عذاب منهم إليهم، ولذا قال تعالى (لا بُشْرَى يَوْمَئِذ لِلْمُجْرِمِينَ) هذه عبارة
стр. 7859
سامية فيها تهديد للمجرمين الذين أجرموا في جنب اللَّه تعالى، وفيها تبشير للمؤمنين.
فهذه الجملة السامية مع إيجازها المعجز، فيها تبشير وفيها ذكر لعذاب المجرمين، فالمجرمون لَا بشرى لهم بدخول جنة النعيم، إذ هم محرومون منها، وفيها - بالمفهوم - بشرى لغير المجرمين، ففيها جزاء المؤمنين بالنعيم المقيم وحرمان المجرمين منه، وهذا أدنى الجزاء، وهو عقوبة سلبية، والعقوبة الإيجابية وهي دخولهم في الجحيم بدل بشرى النعيم، فهي مذكورة في آيات كثيرة، وأشير إلى بشرى المؤمنين، لأنهم يرجون لقاء ربهم، فكانوا صفوفا في منازل الأبرار.
(وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) الضمير في (يَقُولُونَ) يصح أن يعود على الملائكة، ويصح أن يعود إلى المجرمين، والحجر معناه المكان الحجور الممتنع كنقض بمعنى منقوض، ومن ذلك حجر إبراهيم، فهو مكان ممنوع، ووصفه بالمحجور تصريح بما تضمنه اللفظ، وتأكيد لمعنى المنع على غير المؤمنين.
وتخريج القول على أن الضمير يعود على الملائكة ويكون المعنى أن الملائكة يقولون لَا بشرى يومئذ للمجرمين، أي البشرى بالجنة تكون لغير المجرمين مقصورا ما يبشر به على المؤمنين، فأنتم معشر المجرمين ممنوعون منه محرومون.
وإذا كان الضمير في يقولون يعود إلى المجرمين يكون المعنى أنهم أدركوا أنه لا نصيب لهم بالبشرى في الجنة، ليقولوا متحسرين نادمين مكبوتين (حِجْرًا مَّحْجُورًا) أى مكان ممنوع علينا منعًا مؤكدا.
وإن المجرمين يكونون قد أحسنوا في الدنيا بأن فعلوا أحيانا ما توجبه المروءة والنجدة، ولكن لأنهم فقدوا الهيئة المحتسبة المخلصة للَّه تعالى لَا يكافئون عليها لأن الأعمال بالنيات، ولذا قال تعالى:
стр. 7860
(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)
٢ - الهباء ذرات التراب الرقيقة التي لَا تبدو إلا في ضوء الشمس المنبثق من
стр. 7861
كوة مفتوحة، وقد روي عن علي كرم اللَّه وجهه أن الهباء المنثور هو شعاع الشمس الذي يبدو من الكوة، ويراد بالهباء ذرات التراب التي لَا تظهر إلا في الضوء الساطع من الكوة لدقته، والمنثور معناه الفرق في الهواء وكأنَّه لَا وجود له، أو لا يُحس بالبصر متميزا عن غيره.
وقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا)، أي عمدنا إلى ما عملوا من عمل يرونه برا يكافئون عليه، فجعلناه كالهباء المفرق في الهواء لَا يرى؛ ذلك لأن البر إنما يكون مع النية المحتسبة عند اللَّه، وهؤلاء ليست لهم نية محتسبة لأنهم لَا يعبدون اللَّه، بل يعبدون الأوثان، ولا يرجون سواها، فهم آثمون بعملهم لفساد نياتهم. هذه حال المشركين فيما يعملون من أعمال يحسبون أن فيها خيرا، وهي ضلال في ضلال لفساد النية، أما الذين لهم البشرَى فهم أصحاب الجنة.
стр. 7862
(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)
أصحاب الجنة هم المتقون كقوله تعالى (أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) وعبر سبحانه عن المتقين بأنهم أصحاب الجنة، أي الذين اختصوا بها ويلازمونها، كما اختصت بملازمتهم، وأفعل التفضيل ليس على بابه لأنه لَا خير لغيرهم يفاضلون به بينهم وبين أهل الجنة، إنما المعنى الظاهر أن أصحاب الجنة أتاهم في الاستقرار والبقاء خير لَا يقادر قدره، ولا علو لغيره، ولا يعلوه شيء في الوجود، والمقيل اسم مكان من قال يقيل، أي أنه استراح في القيلولة، وأفعل التفضيل على غير بابه، أي أن لهم استراحة في وقت القيلولة، ليس هناك ما يماثلها في حسنها وراحتها، وعبر عن راحة الجنة باستراحة وقت القيلولة؛ لأن الراحة في هذا الوقت تكون متعة في ذاتها، وقد شبهت راحة الجنة بهذه الراحة لحسنها، ومتعتها؛ ولأن الجنة مقابلة بالنار، فكانت كأنها الراحة في وسط القيلولة، أي أن المجرمين في وقت راحة الجنة واستمتاعهم يكونون في ستار من الجحيم، وعذاب الخلد.
стр. 7863
(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)
(وَيَوْمَ تَشقَّقُ) معطوفة على قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ) أي في هذا اليوم الذي تنزل الملائكة ويرونها، وهي تعويل لهم، يكون معه يوم آخر، وهو يوم تشقق السماء بالغمام، تشقق أصلها تتشقق حذفت إحدى التاءين تخفيفا، كقوله تعالى: (تَلَظَّى) والباء هنا للملاصقة أو الظرفية، أي تشقق السماء بتشقق الغمام، وهذا كناية عن أن السماء تضطرب، وتتقطع أجزاؤها، وهذا كقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، وكقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)، والمعنى إذا اضطرب الكون بما فيه ومن فيه يكون يوم البعث، وفي هذه الحال تنزل الملائكة فوجا بعد فوج للحساب وتقرير المصير إلى النعيم أو الجحيم، ولذا قال تعالى: (وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا) والتنزيل النزول فريقا بعد فريق، أي أنه لَا يكون حساب واحد، بل حساب بعد حساب، ومن شدد عليه الحساب عذب، وهذه الآية في معناها كقوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ. .).
وإن هذه الآية وأشباهها في سموها ومعانيها تهديد بيوم البعث الذي أنكروه، وإنه يوم يضطرب فيه الكون، ويكون فيه الهول، وإن السلطان حينئذ يكون للَّه تعالى وحده، ولذا قال عز من قائل:
стр. 7864
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ)، أي السلطان الكامل، ودل على الكمال بـ (ال) الدال على كمال الاستغراق كأنه لَا ملك غيره، ولا يسمى ملكا سواه، ووصفه بأنه الحق، أي الثابت الذي لَا يتخلف حكمه، ولا يكون لغيره أبدا.
وهذا الملك الثابت الكامل (لِلرَّحْمَنِ) جلت رحمته، ووصف اللَّه تعالى هنا بصفة الرحمن مع أن ذلك اليوم شديد عسير على الكافرين، كما سيذكر
стр. 7865
سبحانه (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) لأن حكم اللَّه سيكون شديد الحمل عسيرا عليهم، وصف الله تعالى بالرحمة؛ للإشارة إلى أنه سيكون رحيما بالمؤمنين؛ عسيرا على الكافرين، فرحمته في ظاهر العبارة خاصة بالمؤمنين، وأما الكافرين فسيكون عسيرا عليهم، ولعل الأصوب أن نقول: إنه في بشراه بالجنة للمؤمنين، والعذاب العسير للكافرين، وهو الرحيم؛ لأن الرحمة الحقيقية تقتضي تعذيب الكافرين، وإثابة المتقين؛ لأن موجب الرحمة ألا يتساوى المسيء مع المحسن، ولا الأعمى مع البصير، وألا يستوي الذين لَا يعلمون والذين يعلمون.
* * *
حال المشركين يوم القيامة
قال تعالى:
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
* * *
стр. 7866
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) هذا معطوف على (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ)، وقوله تعالى (يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ)، هذا التعبير كناية عن تحسره
стр. 7867
وغيظه وندمه على أن فاته وقت العمل، وقد ووجه بعاقبة ما أهمل، وإنكاره ليوم البعث الذي رآه رأي العين، وشاهده وهو الآن يلقى ويلاته وآلامه.
ولسان حاله يقول: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) ويا هنا ليست للنداء، ولكنها للتنبيه على ما يتمناه نفسه وقد فات وقت الأماني، وتمنى الأماني، وقد فات وقتها، وسجل عليه فواتها، أو نقول إن يا للنداء، وتنادى فيه الأماني التي فاتته نادما، ولات حتى يندم.
والأمنية التي كان يتمناها، وهي قوله: (اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، أي لم أفارقه، ولم أعانده، ولم أكذبه، وقد كان الصديق الأمين، والرسول هو محمد ﷺ ، وإن البيان كمال شخصه ورسالته، ومعنى (اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) أي سرت في مساره غير مفارق سبيله الذي اختار، وتنكير سبيلا للإشارة إلى كرم طريق الرسالة والهداية الذي فارقه، ولم يسر فيه، بل ضل عنه ضلالا بعيدا.
والظالم هو من اتصف بالظلم في عبادته فأشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، أو آذى المؤمنين أو كان يعثوا في الأرض فسادا، فليس المراد شخصا أو أشخاصا، وإن كانت الآية قد اقترن نزولها بظلمهم.
стр. 7868
(يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)
ويلتا: الألف مقلوبة عن ياء المتكلم، والويلة بمعنى الهلاك، فهو ينادي هلاكه الذي نزل به، وذلك للشعور بما نزل به، فكأنه ينادي بهلاكه إيماء إلى نزوله به، وكأنَّه يناديه تحسرا، وكأنه يقول يا هلاكي أقبل فهذا وقتك، فإنك نازل لا محالة، وفيه إشعار بأنه يستحقه، ولقد كان في الآية السابقة يتمنى أن يتخذ مع الرسول السبيل الجيد المستقيم، فهنا يتمنى أنه لم يتخذ فلانا خليلا صادقا يخاله ويوده، ويقترن به ويتبعه، ليت وهل ينفع شيئا ليت، وفلان كناية عن صاحبه وأصحابه، ويتمنى أن لو كان لم يتخذهم أخلاء له، ويتحقق قوله تعالى:
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧).
стр. 7869
وهذه الآية وان كان موضوعها في اليوم الآخر، يشير إلى سبب الفساد بين الناس في دار الابتلاء، والسبب يتلخص في أمرين: أولهما - صحبة السوء، فإن صاحب السوء أخو الشيطان يسهل للشيطان سبيله، ثانيهما - الرأي الفاسد، فإنه يكثر فيه خلان السوء ودعاة الشر، والتخذيل عن الخير، ولقد قال سبحانه في وصف خليل السوء،
стр. 7870
(لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ... (٢٩)
اللام واقعة في جواب
قسم مقدر، وهي والقسم المقدر تفيدان التوكيد، وقد تفيد التوكيد أيضا، و (أَضَلَّنِي) أي أبعدني وأوقعني في الضلالة منصرفا عن الذكر الذي يذكرني بربى وهو القرآن والنبي ﷺ ، وما اشتمل قوله ﵇ من تذكير باللَّه والإيمان، فالذكر يشمل القرآن والنبي، وما اشتملت عليه الدعوة المحمدية من تذكر مستمر باللَّه تعالى، فقرين السوء أبعده عن الحق والتذكير به إبعادا تاما.
وحَدُّ وقت الذكر، وهو وقت مجيئه الذي يكون فيه الهدى والضلال، وفي ذكر هذا الوقت إيذان بأنه قد جاء المذكر، ولم يجب داعيه، وإيذان أيضا بأنه لا سبيل له إلى استعادة ما فات، وتغليظ لفساد صحبة صاحبه.
وقوله تعالى: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) هذه الجملة السامية من كلام اللَّه تعالى وأحكامه من كلام الذي يقول: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فلانًا خَلِيلًا).
فإن كانت من كلام اللَّه تعالى فهو يقرر حقيقة ثابتة في الناس، والشيطان هنا هو الخليل، لذي يدعو إلى السوء؛ لأنه يكون كالشيطان تسري نفثاته في نفسه كما تسري نفثات الشيطان، والشيطان خذول للإنسان يخذله عن السير في طريق الخير وهدايته.
وعلى أن هذا من كلام الكافر يوم القيامة، يكون رميا لخليله الذي أضله بأنه كالشيطان أفسد قلبه وإدراكه وخذله عن أن يسلك مسلك النبي ﷺ ، ويتخذ سبيله ﷺ الحق والذكر والمعرفة، والهداية والبعد عن الضلال، وخَذُول صيغة مبالغة من خاذل، وهو الذي يجعل الشخص المقدم على أمر يتردد فيه ولا يفعله، والمراد هنا هو التخذيل عن فعل الخير، وسلوك الطريق الأقوم، والأهدى سبيلا.
стр. 7871
هذا ما يكون من أمر الظالمين في الآخرة، وقد ذكر من بعد ذلك جهاد الرسول، وقد ضلوا بإِغوائهم بعضهم بعضا، فقال:
стр. 7872
(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)
هذه حال الرسول ورسالته وإعراضهم عنها في الدنيا مما يوقعهم في حالهم التي صورها في الآخرة، وعبر سبحانه بالرسول للإشارة إلى حق الرسالة عليه من الاتباع والدعوة، وحقه عليهم من الاستجابة والطاعة له.
وقد نادى ربه ضارعا له أن بنصره ويؤيده فقال: يارب؛ ليشكو بثه وحزنه إليه، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. وعبر بقومي لإبداء الغرابة من إنكارهم، لأنهم عرفوه صادقا أمينا، وعاشروه وعرفوا أنه الأمين، ليس بالكذاب ومعه الحجة المثبتة لرسالته التي لَا تدع ارتيابا لمرتاب.
وقوله تعالى: (اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ) الإشارة إلى القرآن الذي عرف بصفاته العالية من أنه هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، وهو نور يهدي إلى صراط مستقيم وبلاغته تبعد عن كل قول وفيه الشريعة، اتخذوا القرآن صاحب الصفات العليا مهجورا، أي شيئا مهجورا، هجرته القلوب، وهجروه بذواتهم فكانوا يقو لون: (. . . لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، وقالوا الهجر والفحش ما يدل على فحشهم وهجر أفعالهم، وقد استغرب النبي ﷺ من حالهم المناقضة لرشدهم. هذه شكوى الرسول ﷺ من قومه، وقد عزى اللَّه نبيه بأن الباعث على هذا هو العداوة، والعداوة من شأنها أن تؤدي إلى المهاترة، وهجر الأقوال والأفعال، وهؤلاء أعداء كما كان للرسل من قيلك أعداء.
стр. 7873
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
إنه منذ هبط آدم وإبليس إلى الأرض، والخير والشر في نزاع مستمر؛ تحقيقا
стр. 7874
لقوله تعالى: (. . . وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، فإذا كان من سنة اللَّه تعالى في خلقه أن يبعث النذير والداعي إلى الخير، فإنه تكون وسوسة الشيطان دائمة مستمرة، والإنسان في غلاب مستمر بين نوازغ الشر، ودواعي الخير، وبين الداعي إلى الخير ودعاة الشر دائما، ولذلك جعل اللَّه للنبيين أعداء من المجرمين، ليتحقق للنبي فضل الجهاد، وليتحقق الابتلاء الذي يبتلى به النبيون، كما قال تعالى: (. . وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. .)، ولذلك كان لكل نبي عدو من المجرمين، وإلا ما كان فضل الجهاد، وفضل الاختبار الشديد لأهل الإيمان.
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) الإشارة إلى ما قوبل به النبي ﷺ من عداوة كبار المشركين، كأبي لهب، وأبي جهل، ولجاجتهما في العداوة والإحن مع قرب القرابة، والرحم الواصلة، والمعنى كهذه العداوة التي تلقاها من بعض المجرمين من قومك، وجعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين، وعدوا تشمل الجمع والواحد أي يكون لنبي عدو، فرادى وجماعات؛ لأن تلك سنة الحياة التي سنها اللَّه تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، و (من) هنا ابتدائية، أي يكونون من المجرمين دون غيرهم.
وإذا كان ذلك شأن الوجود الإنساني أن يكون الإنسان في متنازع الخير والشر، فإن النبي ﷺ غالب، لأن اللَّه تعالى ناصره ومعه، ولذا قال: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) الباء لتأكيد كفاية اللَّه تعالى له، وإنه معه يغنيه عن الاستعانة بغيره، والتعبير (بِرَبِّكَ) أي كالئك وحافظك ومربيك، والقائم على شئونك، (هَادِيًا) إلى أقوم سبل الحياة الفاضلة، (وَنَصِيرًا) نصرا مؤزرا دائما، وليستخلفن في الأرض المؤمنين الصالحين.
* * *
стр. 7875
تنزيل القرآن وضرب الأمثال
قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)
* * *
أدى جحود المشركين لمعنى النبوة والرسالة الإلهية إلى أن يتقحموا في كلام غير معقول، وأداهم تكذيبهم للنبي ﷺ ومعجزته إلى أن يقولوا كلاما لَا موضوع له إلا أن يريدوا توهينه.
стр. 7876
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (لَوْلَا) هنا للحض والتحريض على قدر ما تدركه عقولهم، وكأنَّهم في هذا يعيبون القرآن؛ لأنه نزل مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة، ويعيبون إعجازه، لأنه نزل أجزاء مفرقة، وكل ذلك لتسويغ أفكارهم وكفرهم، وقد رد سبحانه قولهم بقوله عز من قائل:
(كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، وقد ذكر حكمتين في نزوله مفرقا على أجزاء تنزل في أوقات متفرقة: أولاهما - هي إيناس النبي ﷺ ، وتثبيت قلبه على الدعوة باستمرار الوحي نازلا بالقرآن لَا ينقطع، وهذه الحكمة أشار إليها سبحانه بقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) أي أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك فتعرف بالوحي المستمر أن اللَّه معك، الثانية - أشار إليها سبحانه بقوله:
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) والترتيل هو قراءة القرآن الكريم على نسق منسق مصور للمعاني الجليلة في التلاوة، فيتلقاه النبي ﷺ مرتلا، ثم يقرؤه لغيره من القراء من أصحابه كذلك، وبذلك يتواتر القرآن مرتلا، كما أقرأه جبريل للنبي ﷺ ، وكما قرأه النبي ﷺ على أصحابه، فالقرآن الكريم ليس متواترا بلفظه فقط، بل بلفظه وترتيله، فقد علّم جبريل النبي ﷺ ، كما جاء في قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)، وقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث. .).
وإن العرب كانوا أمة أمية، فما كان فيها كاتب عنده القدرة على أن يكتب القرآن كله، ولأن اللَّه تعالى تكفل أن يحفظ كتابه من غير تحريف ولا تبديل، ليحفظه إلى يوم القيامة، فكان ذلك بحفظه في الصدور، وإن ما يحفظ على قرطاس يسهل تحريفه أو تبديله أو حذف جزء منه، أما ما يحفظ في الصدور فإنه يكون في وعي لَا يغير ولا يبدل، ولما أراد اليهود في أفريقيا أن يحرفوا في كتابة المصحف كان الحفاظ وراءهم، وقد ردوا كيدهم في نحورهم.
وقد حسب المشركون لجهلهم وجحودهم أن ذلك ينال من الذكر الحكيم،
стр. 7877
فبين اللَّه تعالى الحكمة واضحة نيرة موضحة مفسرة وقال:
стр. 7878
(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)
إنهم قد سدت عليهم المسالك كشأن كل مبطل يريد أن يثير لجاجة في القول والريب حول حقيقة ثابتة لَا مجال للريب فيها، فهم أنكروا أن يكون آية وطلبوا غيره مع عجز صارخ عن أن يأتوا بمثله، وجاءوا بعد إلى أمر شكلي حوله يريدون أن يتخذوا منه سبيلا لأن يقولوا إن محمدا اصطنعه اصطناعا بعد أن قالوا: إنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، قالوا لماذا لَا ينزل جملة واحدة، فبين اللَّه تعالى حكمته العليا في أنه نزل مفرقا، وقال (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) المثل الحال والصورة، أي لَا يأتونك بحال يتوهمون أنها تلقي بريب أو شك، إلا جئناك بالأمر الثابت الذي لَا ريب فيه، فيلقمهم الحجة ويزداد الحق نصوعا وسطوعا وبيانا يقطع جهيزة كل متكلم، (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) أفعل التفضيل ليس على بابه، لأنهم ليس لهم تفسير للحقائق حتى يكون بيان القرآن أحسن منه، إنما الظاهر أن بيان الحقائق في القرآن لَا يوجد بيان أعلى منه ولا أجمل ولا أوضح، فالتفسير البيان، وكان الله سخرهم باعتراضهم لتزداد حجة النبي ﷺ وضوحا، والله عليم حكيم، وقد ذكر سبحانه من بعد ذلك عاقبة لجاجتهم، فقال:
стр. 7879
(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)
موضع (الَّذِينَ ئحْشَرُونَ) النصب على الاختصاص، وبيان عاقبة أمرهم بعد هذا الذي يثيرونه حول الحجة الكبرى للرسالة الخالدة إلى يوم القيامة، وقد عبر سبحانه عن حشرهم يوم القيامة بصورة تجعل القارئ يدرك منها مقدار المهانة التي تلحقهم يوم الحشر، الذي كانوا ينكرونه ويبالغون في إنكاره، إذ إنهم يقلبون على وجوههم التي كانت لَا تتجه في الدنيا إلا إلى الأسفل، فهم يسحبون سحبا، ويجرون جرا على وجوههم، وهذا يشير إلى أنهم يساقون ولا يكون لهم اختيار، ويساقون على أقبح حال، فبدل ما كان يدَّعون لأنفسهم في الدنيا من سيطرة،
стр. 7880
وسلطان يتحكمون به في رقاب العباد، ويفتنون الناس في عقائدهم يكونون على هذه الصورة من الذل والهوان، وأنهم يؤخذون أخذا إلى جهنم، (أُوْلَئِكَ شَر مَّكَانًا وَأَضَلُ سَبِيلًا) الإشارة إلى المشركين محملين بهذه الصفات التي كانت لهم في الدنيا من غطرسة وكبرياء واستنكار عن الحق ولجاجة في الباطل، وإلى ما آل إليه أمرهم من السحب على وجوههم إلى جهنم سحبا، و (شر) في معنى أفعل التفضيل هو ليس على بابه، كقولى تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ من ذَلِكَ. .)، والمعنى من بلغ في الشر أقصى حالاته.
لقد كان المشركون يعيرون النبي ﷺ على أن أتباعه العبيد والفقراء، وهم في نظرهم الأراذل من قومه، فبين سبحانه أنهم إذ يسحبون إلى النار على وجوههم مع صفاتهم السابقة شر مكانا، أي مكانهم الحقيقي والمعنوي شر هو الشر كله، وغيرهم كان هاديا يهدي في الدنيا، وخير مثوبة في الآخرة، (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) أي أبعد عن السبيل الحق في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بإنكارهم للحق، حتى وصلوا إلى درجة العمى، وبالموازنة بين ما كانوا يدعون لأنفسهم، وما آل إليه أمرهم يتبين أولا - أنهم كانوا في ضلال وهم في الدنيا، والأرذلون في زعمهم كانوا أهدى سبيلا، ويتبين لهم ثانيا - أنهم في الآخرة يسحبون على وجوههم إلى جهنم، والمتقون كانوا سائرين إلى النعيم.
* * *
من قصص الأنبياء
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)
ذكر طغيان المشركين وضلالهم، وتحديهم وعنادهم، ثم مآلهم، ثم ذكر سبحانه بعد ذلك العبر التي سبقتهم، وما آل إليه الطغيان والكفر، مشيرا غير مفصل - التفصيل في مواضع أخرى -، وابتدأ بقصة فرعون وملئه،
следующие страницы →