Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (لَوْلَا) هنا للحض والتحريض على قدر ما تدركه عقولهم، وكأنَّهم في هذا يعيبون القرآن؛ لأنه نزل مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة، ويعيبون إعجازه، لأنه نزل أجزاء مفرقة، وكل ذلك لتسويغ أفكارهم وكفرهم، وقد رد سبحانه قولهم بقوله عز من قائل:
(كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، وقد ذكر حكمتين في نزوله مفرقا على أجزاء تنزل في أوقات متفرقة: أولاهما - هي إيناس النبي ﷺ ، وتثبيت قلبه على الدعوة باستمرار الوحي نازلا بالقرآن لَا ينقطع، وهذه الحكمة أشار إليها سبحانه بقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) أي أنزلناه كذلك لنثبت به فؤادك فتعرف بالوحي المستمر أن اللَّه معك، الثانية - أشار إليها سبحانه بقوله:
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) والترتيل هو قراءة القرآن الكريم على نسق منسق مصور للمعاني الجليلة في التلاوة، فيتلقاه النبي ﷺ مرتلا، ثم يقرؤه لغيره من القراء من أصحابه كذلك، وبذلك يتواتر القرآن مرتلا، كما أقرأه جبريل للنبي ﷺ ، وكما قرأه النبي ﷺ على أصحابه، فالقرآن الكريم ليس متواترا بلفظه فقط، بل بلفظه وترتيله، فقد علّم جبريل النبي ﷺ ، كما جاء في قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)، وقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث. .).
وإن العرب كانوا أمة أمية، فما كان فيها كاتب عنده القدرة على أن يكتب القرآن كله، ولأن اللَّه تعالى تكفل أن يحفظ كتابه من غير تحريف ولا تبديل، ليحفظه إلى يوم القيامة، فكان ذلك بحفظه في الصدور، وإن ما يحفظ على قرطاس يسهل تحريفه أو تبديله أو حذف جزء منه، أما ما يحفظ في الصدور فإنه يكون في وعي لَا يغير ولا يبدل، ولما أراد اليهود في أفريقيا أن يحرفوا في كتابة المصحف كان الحفاظ وراءهم، وقد ردوا كيدهم في نحورهم.
وقد حسب المشركون لجهلهم وجحودهم أن ذلك ينال من الذكر الحكيم،
стр. 7877
فبين اللَّه تعالى الحكمة واضحة نيرة موضحة مفسرة وقال:
стр. 7878
(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)
إنهم قد سدت عليهم المسالك كشأن كل مبطل يريد أن يثير لجاجة في القول والريب حول حقيقة ثابتة لَا مجال للريب فيها، فهم أنكروا أن يكون آية وطلبوا غيره مع عجز صارخ عن أن يأتوا بمثله، وجاءوا بعد إلى أمر شكلي حوله يريدون أن يتخذوا منه سبيلا لأن يقولوا إن محمدا اصطنعه اصطناعا بعد أن قالوا: إنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، قالوا لماذا لَا ينزل جملة واحدة، فبين اللَّه تعالى حكمته العليا في أنه نزل مفرقا، وقال (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) المثل الحال والصورة، أي لَا يأتونك بحال يتوهمون أنها تلقي بريب أو شك، إلا جئناك بالأمر الثابت الذي لَا ريب فيه، فيلقمهم الحجة ويزداد الحق نصوعا وسطوعا وبيانا يقطع جهيزة كل متكلم، (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) أفعل التفضيل ليس على بابه، لأنهم ليس لهم تفسير للحقائق حتى يكون بيان القرآن أحسن منه، إنما الظاهر أن بيان الحقائق في القرآن لَا يوجد بيان أعلى منه ولا أجمل ولا أوضح، فالتفسير البيان، وكان الله سخرهم باعتراضهم لتزداد حجة النبي ﷺ وضوحا، والله عليم حكيم، وقد ذكر سبحانه من بعد ذلك عاقبة لجاجتهم، فقال:
стр. 7879
(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)
موضع (الَّذِينَ ئحْشَرُونَ) النصب على الاختصاص، وبيان عاقبة أمرهم بعد هذا الذي يثيرونه حول الحجة الكبرى للرسالة الخالدة إلى يوم القيامة، وقد عبر سبحانه عن حشرهم يوم القيامة بصورة تجعل القارئ يدرك منها مقدار المهانة التي تلحقهم يوم الحشر، الذي كانوا ينكرونه ويبالغون في إنكاره، إذ إنهم يقلبون على وجوههم التي كانت لَا تتجه في الدنيا إلا إلى الأسفل، فهم يسحبون سحبا، ويجرون جرا على وجوههم، وهذا يشير إلى أنهم يساقون ولا يكون لهم اختيار، ويساقون على أقبح حال، فبدل ما كان يدَّعون لأنفسهم في الدنيا من سيطرة،
стр. 7880
وسلطان يتحكمون به في رقاب العباد، ويفتنون الناس في عقائدهم يكونون على هذه الصورة من الذل والهوان، وأنهم يؤخذون أخذا إلى جهنم، (أُوْلَئِكَ شَر مَّكَانًا وَأَضَلُ سَبِيلًا) الإشارة إلى المشركين محملين بهذه الصفات التي كانت لهم في الدنيا من غطرسة وكبرياء واستنكار عن الحق ولجاجة في الباطل، وإلى ما آل إليه أمرهم من السحب على وجوههم إلى جهنم سحبا، و (شر) في معنى أفعل التفضيل هو ليس على بابه، كقولى تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ من ذَلِكَ. .)، والمعنى من بلغ في الشر أقصى حالاته.
لقد كان المشركون يعيرون النبي ﷺ على أن أتباعه العبيد والفقراء، وهم في نظرهم الأراذل من قومه، فبين سبحانه أنهم إذ يسحبون إلى النار على وجوههم مع صفاتهم السابقة شر مكانا، أي مكانهم الحقيقي والمعنوي شر هو الشر كله، وغيرهم كان هاديا يهدي في الدنيا، وخير مثوبة في الآخرة، (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) أي أبعد عن السبيل الحق في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بإنكارهم للحق، حتى وصلوا إلى درجة العمى، وبالموازنة بين ما كانوا يدعون لأنفسهم، وما آل إليه أمرهم يتبين أولا - أنهم كانوا في ضلال وهم في الدنيا، والأرذلون في زعمهم كانوا أهدى سبيلا، ويتبين لهم ثانيا - أنهم في الآخرة يسحبون على وجوههم إلى جهنم، والمتقون كانوا سائرين إلى النعيم.
* * *
من قصص الأنبياء
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)
ذكر طغيان المشركين وضلالهم، وتحديهم وعنادهم، ثم مآلهم، ثم ذكر سبحانه بعد ذلك العبر التي سبقتهم، وما آل إليه الطغيان والكفر، مشيرا غير مفصل - التفصيل في مواضع أخرى -، وابتدأ بقصة فرعون وملئه،
стр. 7881
وقومه، وقد كان أشد طاغية في عصره، لبيان أنه لَا يستعصى على اللَّه تدمير عاص مهما يكن طغيانه، وهو الذي كان يعبد، ويقول لهم (. . مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَه غَيْرِي. .)، وقال تعالى:
стр. 7882
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة، وقد أكد نزوله صادقا باللام وبقد، فهذا يدل على صدق النزول، ولا يدل على صداق البقاء فقد نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأفرد موسى بأنه أوتي الكتاب، ولم يكن معه أخوه هارون، فهو الذي تلقى الألواح العشرة، وهارون كان مؤازرا له، معينا في أداء الرسالة، والذي تلقاها كاملة هو موسى، ولذا قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَرونَ وَزِيرًا) أي مؤازرا معاونا استجابة لطلب موسى في قوله: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢).
وقد أرسلا معا إلى فرعون:
стр. 7883
(فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)
الفاء عاطفة للترتيب في أنه عند إرادة الجعل وزيرا لموسى كلفهما بالتبليغ معا، فقال لهما، وأضاف سبحانه القول إلى ذاته العلية تشريفا لهما وتنويها بأمرهما، وقوله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) الأمر بالذهاب يومئ إلى أنهما مقدمان على أمر جليل في شأنه، خطير في ذاته؛ لأنه لقوم عتاة، يسبقون إلى الكفر بدل السبق بالإيمان.
وقد وصفهم اللَّه بأنهم كذبوا بآيات اللَّه مع التكذيب بعد الذهاب، وبعدما آتى الله تعالى موسى تسع آيات مبينات، فكيف يكونون موصوفين بذلك عند الذهاب، والجواب عن ذلك أنه أخبر بالماضي، لبيان تأكد الدفوع منهم، كما في قوله تعالى: (أَتي أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وكما في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَق الْقَمَرُ)، عند بعض المفسرين الذين يقولون: إن انشقاق القمر يوم البعث.
والتدمير إدخال الهلاك في الشيء، أو الهلاك، والفاء أيضا للعطف
стр. 7884
والترتيب والتعقيب، قد يقال كيف كان التدمير عقب الذهاب، وقد لبث موسى فيهم يدعو سنين، ونقول: إن الزمن في ذاته لم يكن طويلا، وإن كان عند الناس طويلا؛ ولأن التكذيب يتبعه لَا محالة التدمير.
وذكر القوم، ولم يذكر فرعون مع أنه الرأس الطاغي، ونقول في الجواب عن ذلك، إنه لولا حاشيته وقومه ما طغى وتجبر، وكذلك الشأن في كل طاغية جبار ملؤه هم الذين يقرونه ويشجعونه.
بعد ذلك ذكر قوم نوح فقال تعالى:
стр. 7885
(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)
(وَقَوْمَ نُوحٍ) منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر قوم نوح، والرسل هنا يراد بهم نوح ﵇ إذ إنهم كذبوه، فقد كذبوا رسالة اللَّه تعالى إلى خلقه، فكأنَّهم يكذبون الرسل جميعا الذين جاءوا قبل نوح، والذين جاءوا بعده، لأنهم كذبوا أصل الرسالة الإلهية، ولذا كان العقاب بأن استؤصلوا وأنشأ من بعدهم قوما آخرين، وكان ذلك بالإغراق الذي اجتث شأفتهم أجمعين، ولم يبق إلا من آمن بنوح، وما آمن معه إلا قليل، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً)، أي جعلناهم آية معلمة لصدق الرسالة، وهلاك المكذبين الضالين، وقدم للناس على أية إشارة إلى أنه يعتبر بهذه الآية، ومن لم يعتبر فهو لايعد من الناس؛ لضلاله وفساد إدراكه.
(وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا)، أي هيأنا للظالمين بسبب ظلمهم، الذي يشمل الشرك والفساد في الأرض، والاعتداء على الناس، (عَذَابًا أَلِيمًا) أي مؤلما، ففعيل بمعنى اسم الفاعل، كبديعٍ بمعنى البدع، وعبر بالوصف بِالظلم، ليشير إلى أنه سبب العذاب المؤلم.
(وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)
стр. 7886
(وَعَادًا) معطوفة على قوم نوح، وعاد هم قوم هود الذين كفروا، فأنزل الله بهم عذابه في الدنيا بريح فيه عذاب شديد، كما قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤).
وثمود هم قوم صالح أهلكوا بريح صرصر عاتية.
وأما أصحاب الرس، فقد اختلفت الروايات عن السلف في تفسيرها أو من هم، وأصل الرس كما قال الأصفهاني في مفرداته: الأثر القليل الموجود في الشيء يقال: سمعت رسا من خبر، ورس الحديث في نفسي، أي أثره، وروي أن الرس اسم لبئر، وهكذا وردت روايات كثيرة عن أصحاب الرس، وأحسن ما روي في ذلك روايتان هما أن أصحاب الرس وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب الذين دعاهم إلى التوحيد، ومبادئ الأخلاق، وتنظيم المعاملة والعدالة في الكيل والميزان والثانية ما رواه ابن جرير واختاره، وهم أصحاب الأخدود الذين هلكوا بإلقائهم في أخاديد ألقيت فيها النيران، وأصحاب الأخدود الذين هلكوا هم الذين فعلوا بالمؤمنين ذلك كما جاء في سورة البروج في قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨).
وإن هؤلاء قد بلغوا أقصى غايات القسوة في معاملة المؤمنين، وقد أخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وذكرهم في هذه المناسبة؛ لبيان عتوهم، وأنهم قد انتقم منهم كما انتقم من فرعون، وكما ينتقم من كل المشركين، وإنا نميل إلى الرواية الأولى، وهي أنهم قوم شعيب؛ لأن سنة القرآن الكريم في قصصه أن يعرض قصة شعيب بعد عاد وثمود، فبمقتضى هذا المنهاج القويم نميل إلى أنه أشار إلى قصة شعيب بهذه الإشارة.
стр. 7887
الإشارة في قوله تعالى: (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ) إلى الزمن الذي كان بين نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، والقرن هو الجيل من الناس، أي أن أجيالا بين هؤلاء الأنبياء كثيرا كانت فيها العبر، ولكن قل المعتبر، و (كثِيرًا) وصف لمحذوف تقديره عدد، أو وصف لقرون نفسها.
стр. 7888
(وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)
وهذه القرون الكثيرة التي بعث لها النبيون بين نوح وموسى، حذرهم اللَّه وأنذرهم، وضرب الأمثال من قصص النبيين، وكيف هلك الأقوام، إذ كذبوا الرسل، ويبين اللَّه كيف أهلكهم وفتتهم، وأذلهم، ولذا قال تعالى: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ) كُلًّا، الضمير قائم مقام مضاف إليه، أي كل قرن من هذه القرون الكثيرة بينا له الأمثال من الذين سبقوه، وكذبوا رسلهم، وكيف كانوا عبرة لهم، ولكن لم يعتبروا، (وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) فسر الراغب الأصفهاني التتبير بالإهلاك، والمعنى: وَكُلًّا أهلكناهم إهلاكا، وكانوا عبرة، ولكن لم يكن اعتبار، فعم الفساد، وضلوا ضلالا بعيدا، إلا من هدى الله، وآمن واهتدى.
وقال الزمخشري وتبعه في هذا كل المفسرين الذين أخذوا أن التتبير هو التكسير والتفتيت، أي أن اللَّه تعالى كسرهم حتى صاروا فتاتا، متقطعا متجزئا.
والمعنيان متلاقيان يصح الجمع بينهما بأن أهلكهم بطريق كسرهم وتفتيتهم، حتى صاروا فتاتا مندثرا.
وإن المشركين لم يعتبروا بما بين أيديهم من آثار الذين ظلموا مثل ظلمهم، وعليهم أن يعدوا أنفسهم لمثل المآل الذي آل من سبقوهم، وإنهم يمرون على ديارهم، ولا يعتبرون بهم، ولذا قال تعالى:
стр. 7889
(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)
القرية هي المدينة العظيمة، وهي هنا قرية قوم لوط، ومطر السوء هو
стр. 7890
الحجارة، وهذا تشبيه للحجارة التي كانت مقصودة بالمطر، لأنها نزلت عليهم منهمرة انهمارا، ولكنه لم يكن مطر ماء مغيث، ولا ماء مغيث، بل مطر حجارة حاطمة، فهو سوء، أي سيئ في ذاته مؤلم، وهو سيئ في عقباه، أفلم يروها ولم يروا ما نزل بها فيعتبروا ويتدبروا، ولكنهم مروا ولم يروا روعة اعتبار.
أتوا هذه القرية أي مروا عليها في رحلاتهم إلى الشام، ولم يعتبروا، وقال أتوها، ولم يقل مروا، للإشارة إلى أنه كان يجب أن يأتوا، ويعتبروا بها، ويخشون أن ينزل بهم لما ارتكبوا من آثام مثلها، أو أشد منها، وإن لم تكن من نوعها.
(بَلْ كانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) بل هنا للإضراب الانتقالي، أي أنه لَا يتوقع منهم اعتبار بالسابقين؛ لأنهم لَا يرجون نشورا، لَا يتوقعون أن ينشروا ويبعثوا ويحاسبوا، لأن من فقد ذلك الشعور لَا يأبه لشيء ولا يفكر في عبرة أو اعتبار، إذ يحسب أنها الحياة الدنيا وحدها ويقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب وما نحن بمبعوثين.
* * *
النبي والمشركون
قال تعالى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
* * *
المشركون كشأن كل ضال أن يكون مصروفا بقلبه عن الحق منصرفا عن المعاني إلى الظاهر، وعن الحقائق الثابتة إلى الأمور الحسية، لقد رأوا النبي ﷺ يأكل
стр. 7891
كما يأكلون، ويمشي في الأسواق كما يمشون، فصرفتهم هذه المشابهات الحسية عن معانيه ﷺ التي سمى من أجلها الأمين بينهم، فاستهزءوا لمظهر حاضره، ونسوا حقيقة ماضيه العامر بالجود والفضائل، بل نسوا معنى الرسالة ومعجزتها.
الضمير في
стр. 7892
(رَأَوْكَ) يعود إلى المشركين، لأنهم حاضرون دائما بمجادلتهم ومهاتراتهم، وفتنتهم للمؤمنين، أي إذا رآك المشركون داعيا موجها مرشدا (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) (إِنْ) هنا نافية، وفي الكلام معنى القصر والتخصيص، فالنفي والاستثناء يفيدان القصر، إنهم إذا رأوك لَا ينظرون إليك إلا نظر المستهزئ الساخر، فلا يفكرون في الدعوة أهي حق أم باطل، أو أهي في أخلاق الناس وإرشادهم أمر حسن أم أمر باطل، وفي دليلها، أهو ساطع قاطع، وفي تحديه لهم، أهم عاجزون أم قادرون، وفي ماضيه أهو كريم أم غير كريم، لَا يفكرون في شيء من هذا، بل يغلبهم الإعراض والاستهزاء قائلين ساخرين (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) أي أهذا الذي يعيش كما نعيش، ليس معه ملك وليس له كنز، وليس له بستان يغنيه، بعثه اللَّه رسولا، وضمير الصلة محذوف ودل عليه الكلام، والاستفهام في قوله أهذا الذي بعث اللَّه رسولا، استفهام إنكاري للتهم، يفيد نفي الرسالة، لعدم لياقته لهم في زعمهم وكذبهم على اللَّه العزيز الحكيم، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
ويستمرون في غيهم، فيقولون:
стр. 7893
(إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)
(إِنْ) مخففة من إنَّ، واسمها ضمير الشأن محذوف تقديره إن الحال والشأن أنه كاد إلى آخره، أي أنه بماضيه وظهور صدقه، وعدم الدليل على كذبه في حججه المتوالية التي كانت تجيء دليلا ردف دليل قارب أن يبعدنا عن آلهتنا، أي يبعدنا عن عبادة آلهتنا، ويجنبنا إياها، (لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا) أي لولا أن حبسنا
стр. 7894
أنفسنا عليها، فصبر هنا بمعنى حبس، كقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .).
وإن هذا النص الكريم الحاكي لأحوالهم النفسية يدل على أمرين: أولهما - أنهم كانوا في مغالطة نفسية، بين باطل اعتنقوه وحق لاح نوره بين أيديهم بحججه وأدلته الناصعة المنيرة، والثاني - أنهم لتقليدهم وتعصبهم لما كانوا عليه وما وجدوا عليه الآباء فكانوا يحاولون إبطال الحق وتأييد الباطل، فحبسوا أنفسهم على الباطل حبسا، وأنهم كانوا يتبعون الحق لولا أنهم حبسوا أنفسهم على الباطل، ولولا - شرطها صبرنا، وجوابها محذوف دل عليه ما قبلها.
وهكذا المبطل دائما يكون غير مستقر على فكرة، بل الأوهام تسيطر، وتضع على الإدراك غشاء مانعا من أن يصلوا إلى الحقائق وبؤمنوا بها، ولا تحسبن الضالين يؤمنون بشيء.
وقوله تعالى: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) سوف هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل، أي سيعلمون علما مؤكدا في أي جانب كان الضلال، أكان مع الهادي المرشد الأمين، أم منكم، وأنتم تعبدون أحجارا لَا تنفع ولا تضر، وقد حبستم أنفسكم عليها حبسا لَا تخرجون من دائرة سلطانه الموهوم، وإنكم ستعرفون الحق الواضح الأبلج الناصع في نوره وبياضه عندما ترون العذاب، فالنفوس الضالة لَا يهديها إلى الحق الحجة الدامغة، بل تزيدهم إصرارا على باطلهم، ويعلمون حينئذ الحق في وقته، إذ يعلمونه في وقت نزول العذاب، وهو علم ندم، ولات حين مندم.
وقوله تعالى: (مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) استفهام لإنكار حالهم وتوبيخهم على جهلهم مع مجازاتهم على ما كان منهم في جنب النبي في الدنيا، (أَضَل سَبِيلًا) أي أبعد عن الطريق المستقيم، واللَّه بكل شيء عليم، وإن هذا القول الذي حكاه عنهم يدل على أنهم يختارون من الآلهة ما يتجه إليه هواهم دون عقولهم، ولذا قال سبحانه:
стр. 7895
(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)
ترتب على حبسهم أنفسهم على الضلالة لَا يتجاوزونها، ولو بدا لهم الحق لائحا منيرا أنهم يريدون آلهتهم على ما يهوون ويحبون، لَا على ما يدركون بعقولهم، وتبين به الآيات الباهرة، وعظمة اللَّه تعالى القاهرة، والمعنى لقد رأيت من اتخذ إلهه هواه، وقالوا: إن المفعول الأول هواه، وأُخِّر للاهتمام بمعنى الألوهية التي لَا تكون هوى قط، وكان سياق القول، أفرأيت من اتخذ هواه إلها يعبده، والإله هو الواحد الأحد النافع الضار الذي يملك كل شيء في الوجود، ولا سلطان لأحد عليه، والاستفهام هنا للتوبيخ، لأنه إنكار لفعلهم الذي فعلوه، ويفعلونه، ويلجون فيه من غير تفكير، ولا تَعَرّف للحق.
(أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) الوكيل الحفيظ المتصرف المحامى عليه، لقد كان النبي ﷺ حريصا على هدايتهم، كما قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء. .)، وقال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكونُوا مُؤْمِنِينَ)، فهذه الآية وسابقتها تدل على أنهم يعبدون ما يحبون لا ما يعلمون ويدركون، وأنهم قد انغمروا في ضلال لَا منجاة لهم منه، ولذا قال تعالى: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كانوا يتخذون هواهم إلها، فأنت تكون عليهم حفيظا تهديهم، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، إن فسادهم في ذات أنفسهم، فإن حفظتهم عن أن يضلوا غيرهم، فكيف تحفظهم من ذات أنفسهم، إن ضلالهم في ذات أنفسهم، والاستفهام للتنبيه إلى ضلالهم، وقال تعالى:
стр. 7896
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
أم - هي أم المنقطعة الدالة على الإضراب والاستفهام معا، أي أنها تدل على الإضراب والانتقال من أمر شديد، إلى أشد، فالأمر الأول كان يفرض أنهم
стр. 7897
يستمعون، ويعقلون واختاروا الهوى إلها، أما الاستفهام في هذه الآية فهو على إنكار أنهم يسمعون.
(تَحْسَبُ) معناها تظن ونقدر أنهم يسمعون ويعقلون، وإنكار أنهم يسمعون؛ لبيان أنهم لَا يسمعون الحق ولا يهتدون ولا يتدبرون، فكانوا كمن لا يسمعون أصلا، لأن الله وهب لنا السمع لنتقي به أضرار المفاجآت، ولنكون في يقظة، فإذا لم يفد السماع إدراك الحق فهو لم يسمع، ففي الكلام مجاز، وكذلك من عنده عقل ولا يستعمله فكأنه سلبه.
وقال سبحانه: (أَكْثَرَهُمْ) لأن الله عدل في حكمه دائما، فمنهم من يؤمن، ويكون من المجاهدين، ومنهم من كان يستنكر في نفسه ما يفعله هؤلاء، فليسوا جميعا كأبي جهل وأبي لهب، وإن هؤلاء الكثرة كانوا هم المسيطرون على الجو الفكري حتى أدال الله تعالى من دولة الكفر، وكانت الكلمة العليا لله ولرسوله وللمؤمنين، فأخذ الإسلام يغزو القلوب قلبا قلبا قلبا، وفقد الهوى سلطانه إلا في بعض الأعمال دون العباد، ويئس الشيطان أن يعبد في أرض العرب، وبين سبحانه أن هذه الكثرة أضل من الأنعام فقال: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا).
هنا نفي وإثبات، وإن نافية، أي ليسوا إلا كالأنعام، في أنهم لَا يعقلون الحق ولا يدركونه، وفي الكلام مجاز، إذ شبهوا بالأنعام، لجامع الجهالة وعدم الفهم، وقد أكد الله جهلهم بقوله (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) أي أنهم أضل طريقا وهداية؛ لأن الأنعام تتبع هاديها، ومن يأخذها إلى منتجع الكلأ والماء، أما هم فلا يهتدون ولا يتبعون هاديا مرشدا، فهم جائرون بائرون، ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى:
" إن الأنعام تنقاد لأمر من يرعاها ويتعهدها، وتعرف من يحسن إليها، ومن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتتجنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لَا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العذاب الذي هو
стр. 7898
أشد المضار، والمهالك، ولا يهتدون بالحق الذي هو الشرع الهني، والعذب الروي.
وهكذا كان الذين يحسبون الهداية ضلالا، والعكوف على الأوثان والتمسك بها صبرا، يحمدون عليه، وليس هوانا يحسب عليهم، واللَّه الهادي.
* * *
آيات الله في الكون
قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)
* * *
الرؤية هنا بصرية نظرية، ذلك أنه من ينظر ببصره الظل وهو يُمَدُّ، والمد: الجر والسحب، يراه رأي العين يجر شيئا فشيئا من انبلاج الفجر، إلى طلوع الشمس يرى ذلك بالنظر، ثم يتدبر بالفكر في صانعه، ولذلك قال:
стр. 7899
(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) والرؤية بالبصر تكون في مد الظل شيئا فشيئا، والرؤية النظرية في سر ذلك وسببه، ولذا وجهت الرؤية إلى اللَّه خالق الأكوان والقادر على كل شيء، والرؤية
стр. 7900
حينئذ رؤية علمية إلى صانع المد، وما يكون حتى مطلع الشمس، والمد كما قلنا هو السحب والجر، والظل وهو ما لَا تظهر فيه الشمس، سواء أكانت في حال إشراقها، أم في حال زوالها، وهو هنا ما قبل إشراقها، وهو يمتد شيئا فشيئا، فالفجر ينبلج، ثم يكون الإسفار متدرجا حتى تطلع الشمس فهو كقوله تعالى:
(وَالصُّبْح إِذَا تَنَفَّسَ)، إذ يمتد الظل شيئا فشيئا، ويبرز الناس إلى الحياة متدرجين في بعث الحياة في الأعمال، وكأنَّه يتنفس تنفسا.
هذا توجيه إلى تعرف بدائع الخلق، وإنه في هذه الحال، تكون الراحة النفسية، واستقبال الحياة مبشرا، وإن ذلك صنيع اللَّه تعالى خالق كل شيء ومبدعه، خلقه سبحانه بإرادته المختارة، التي ينشئ بها كل شيء في الوجود، فلا تصدر عنه صدور العلة عن معلولها، (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا)، أي باقيا مقيما، وتكون كلمة (سَاكِنًا) وضعا من السكنى، وعندئذ لَا تبعث الراحة والسعادة والاستبشار، وقد قال تعالى في آية أخرى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. .)، فسبحان مقلب الأحوال، وسبحان مقلب القلوب.
قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) انتقل السياق القرآني من الغيبة إلى المتكلم؛ لبيان إرادة اللَّه الواضحة، وأنه هو الفاعل المختار، ولتربية المهابة في النفوس بخطابه بذاته العلية خطابا واضحا معلما، والعطف بـ (ثُمَّ) للإشارة إلى التفاوت بين الظل والشمس الساطعة، وكانت الشمس دليلا على الظل، لأن إشراقها نهايته؛ ولأن ضوء الشمس يدخل في ظلام الليل شيئا فشيئا من انبثاق الفجر، فهو الدليل الواضح للظل، حتى يكون الصباح.
وإنه بعد الإشراق يأخذ الظل في الانقباض حتى يكون الظلام الحالك، ولذا قال تعالى:
стр. 7901
(ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)
وإنه بعد إشراق الشمس يكون الظل والحرور، ويستمر طول النهار مصطحبا مع الشمس المشرقة والنور حتى يكون في الغروب وتختفي الظلال والأضواء ويكون الظلام الدامس، والليل الذي تستكن فيه
стр. 7902
النفوس، وترخى أستار الظلام، وهذا قوله: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا) أي نسخناه وأزلناه، وشبه زوال الظل بجوار الضياء بشيء يقبض، وأضيف القبض إليه سبحانه لأنه يكون بإرادته، وبالنظام الثابت الذي وضعه اللَّه تعالى للكون، فجعل سبحانه الأرض تدور حول الشمس، وبهذا الدوران يكون الليل والنهار، و (ثم) هنا في موضعها؛ لأن القبض مستمر طول النهار، ويتم في آخره، فالتعبير بـ (ثم) في موضعه.
والقبض اليسير هو القبض المتدرج آنًا بعد آنٍ، وساعة بعد ساعة، فالقبض للظل مستمر من شروق الشمس إلى غروبها، وهو يتناقص شيئا فشيئا حتى ينتهي النهار.
وإن هذا النص يثبت أن الأرض كروية، ويومئ إلى دوران الأرض حول الشمس.
ولقد صرح سبحانه بأنه خالق الليل والنهار بعد أن أشار إلى بعض الأسباب.
стр. 7903
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)
في هذه الآية الكريمة يذكر ما جعله اللَّه تعالى من خواص الليل، وما جعله من خواص النهار، فجعل الليل كاللباس للناس، لأنه يستر عوراتهم، ولا يكشف، ويكونون في كِن من الظلام ساتر غير كاشف، فشبه سبحانه الليل باللباس الساتر بجامع ستره للعورات وما لَا يصح إبداؤه، وقوله تعالى (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا) أي جعلنا النوم قاطعا عن العمل منهيا للحركة، وفي ذلك الراحة اليومية، وتجديد القوي للعود للعمل؛ وذلك لأن السبات من السبت وهو القطع، وسمي السبت سبتا لأنه قاطع عن عمل الأسبوع، ومَنْهٍ له، وإخلاد إلى الراحة من بعده، وذلك في عقيدة اليهود إذ كانوا في السبت ينقطعون عن العمل والصيد، ويستجمون، والنوم في ذاته موت للحس، وقعود عن الحركة، ولذا قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَاكم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ. .).
стр. 7904
وجعل النهار نشورا، أي جعل النهار فيه النشور، أي الانتشار للحركة والعمل، وفي كلمة نشور إشارة إلى أمور ثلاثة: أولها - إبعاد إلى لباس الليل وإنهاء لسباته، وثانيها - الحركة العاملة التي بها يعمر الكون، وثالثها - الكسب في الحياة وظهور الأعمال خيرها وشرها، ولذا قال تعالى في الآية التي تلونا، (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) أي كسبتم بالنهار، وسمى اللَّه تعالى النهار نشورا، فسمى الزمان باسم ما يقع عليه، وهذا مجاز علاقته الظرفية، وفي ذلك ما يفيد أنه زمن حركة وعمل، وليس زمن توان وكسل، وهذه دعوة إلى العمل، فالعمل حياة، والكسل موت.
وهذه الآية متصلة بما قبلها، فالآية السابقة شرحت عجائب في خلق النهار من الليل كيف يبتدئ بمد الظل، ولو شاء لجعله ساكنا، وكيف جعل الشمس مشرقة داعية إلى العمل والحياة، وكيف قبض الظل متدرجا حتى جاء الليل، وفي هده الآية: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا. . .) بين سبحانه حكمته في خلق الليل والنهار، إذ يبدأ النهار بمد الظل، ثم يقبضه متدرجا في قبضه، حتى يجيء الليل، ومن الليل النهار، وجعلهما خلفة.
بعد بيان نعمته على عباده في الليل والنهار، وبيان أن النفوس تستروح الراحة في الليل، وتنهض للعمل في النهار لطلب الرزق بين سبحانه أنه يرزق الناس بما يكون مادة عملهم، وفيه معاشهم، فقال الحكيم العليم الخلاق العظيم:
стр. 7905
(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)
الضمير للَّه ﷻ الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأرسل الرياح أطلقها، كأنها مقيدة بإرادته سبحانه ثم أرسلها، والرياح جمع ريح، وهي تتلاقى في استقامتها مع الراحة، كما تتلاقى في وقائعها مع الراحة أيضا، وإن كانت المعاني ليست واحدة، أطلقها لتكون مبشرة للناس بنزول الماء الطهور، ولذا قال تعالى: (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) وبشرا مخففة من بشر بضم
стр. 7906
الاثنين، جمع بشور، أي مُبَشّر، والمعنى على ذلك مبشرات برحمته، وهو إنزال الماء الطهور، الذي يطهر من الأرجاس، ويسقي الزرع والغرس والحيوان، والإنسان، ويصح أن تكون جمعا لبشرى، وهي في نظرنا أظهر والمؤدى واحد، وهو أنها مبشرات، وقد تكون الرياح عواصف جدباء، وليست هذه التي تكون بشرا، بل إنه يكون نذيرا من النذر كما وقع لعاد قوم هود، ولثمود قوم صالح، وقوله تعالى: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي أنها مقدمة لرحمته تليها الرحمة الإلهية لخلقه، وفي هذا الكلام تشبيه حسن باستعارة تمثيلية، فقد شبهت الرياح الممطرة غيثا بمن يسير وأمامه في سيره رحمة مباركة طيبة، ورشحت وقويت الاستعارة بقوله بشرا فإنها تقوي معنى المشبه به، والاستعارة إذا كانت مقواة بما يكون فيه معنى المشبه به كانت مرشحة أي مقواة. وقول (بشْرًا) قرئت بالنون، أي نشر جمع نشور، كما جمع رسل من رسول، والمعنى أنها تنتشر وتعم لتعم الرحمة، ونذهب إلى أن القراءتين المتلاقيتين في المعنى نجمع بينهما فيكون المعنى أن الرياح فيها وصفان أحدهما أنها مبشرة بالخير، والثاني أنها منتشرة وعامة.
ويكون المؤدى أن كل قراءة آية قائمة بذاتها، وهي قراءة، والجمع بينهما يكون الجمع بين آيتين، في أوجز لفظ، وبالجمع تكون الرياح مبشرات ومنتشرات، والله هو الرزاق ذو القوة المتين.
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) والسماء هنا جهة العلو، أنزلنا من السحاب الذي حملته الرياح المبشرة المنتشرة ماء طهورا، والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وإن أطهر الماء هو ماء المطر؛ لأنه فوق خلوه من الأنجاس الحسية والقاذورات هو خالط خلوا تاما من جراثيم الأمراض الوبائية وغيرها، ووصفه بطهور ينبئ عن ذلك، وإنه ينزل كذلك ثم يكون تلوثه بجراثيم الأمراض بعد ذلك. بمكوثه في الأرض واستقراره بها.
وإنه في الشريعة يطهر الإنسان طهارة حسية بإِزالة الأنجاس الحسية، وطهارة
стр. 7907
معنوية بالاغتسال والوضوء، وإنعاش الأجسام بالاستحمام، والاستراحة من وعثاء الأعمال، وكل هذه نعم تعَمُّ البر والفاجر.
وقد بين سبحانه غاية هذه الماء الطاهرة، أو عاقبة نزوله بإِرادة اللَّه تعالى وأمره الذي لَا معقب له، ولا راد لفضله، فقال:
стр. 7908
(لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)
اللام لام العاقبة، وليست لام التعليل في نظرنا؛ لأن أفعال اللَّه ﷻ لا تعلل، ولكنها لام العاقبة وبيان اقتران نعمة اللَّه تعالى بهذا الخير العميم، وقد ذكر اللَّه تعالى ثلاث نعم كل نعمة تشير إلى ما وراءها.
النعمة الأولى - إحياء موات الأر. ض، وقد عبر اللَّه تعالى عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) البلدة الميتة هي الخالية من الزرع والماحلة من الغرس، ولا ينتفع بها في بناء أو غيره، بل هي معدة للزرع والغرس، وإحياؤها هو سقيها، وإزالة أسباب بوارها، وزرعها أو غرسها، والماء هو حياة الزرع والغرس، وخلق اللَّه تعالى من الماء كل شيء حي، يلاحظ هنا أن كلمة " بلدة " مؤنث لفظي، وهو دال في ذاته على البقعة، فكيف يوصف بكلمة ميتا الخالية من التاء، قال علماء البيان: إنه أريد بالبلدة مكانها فميتا وصف للمكان وهو الذي يوصف بأنه محل خاو من الزرع والضرع، فكان حذف التاء، فيه إيماء إلى ما يجري فيه الإحياء وهو المكان وليس البلدة التي تتكون من البيوت والدور، وهي لَا تكون إلا حيث يحييها اللَّه تعالى بالزرع، وإن إيراد المكان بالبلدة هو الذي يتفق مع السياق، والبيان.
وقال علماء البيان أيضا: إن الوصف بميت من غير تاء فيه مبالغة في مَحْلها، وجدبها وخلوها من النبات، وما به ينبت، أي أن الجدب حال مستمرة باقية يراها الناس كذلك، وذلك وجه معقول كسابقه.
وسمى اللَّه تعالى وجود الزرع والغرس، وما يتبعها من إحياء، تشبيها بالحياة، أي أن الأرض في حال جدبها كالميت، وفي حال زرعها واستغلالها
стр. 7909
كالحي، وكل بفضل من اللَّه تعالى، ذلك أنها إذا كانت الأرض ماحلة لا حياة لها بزرع أو غرس، فإنه قد يكون باطنها عامرا بالمعادن فلزات وغير فلزات كما نرى في الصحارى في بلاد الحجاز، وفي الصحراء الغربية في تخوم ليبيا والجزائر، ومصر، وفي العراق وإيران، وغيرها من أرض اللَّه تعالى العليم القدير.
النعمة الثانية - سقي الحيوان من الأنعام وغيرها، وذلك قوله تعالى: (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا) أشار في هذه الآية إلى ثلاث نعم في ضمن نعمه أولها: السقي ذاته فهو نعمة، وثانيها: أن الأنعام يسقين خلق اللَّه تعالى، وهي تكون حاملة وعاملة، وثالثها: أنها حيوان هي نعم في ذاته، ولذا سميت الأنعام.
ورابعها: سقي الأناسي، وهي جمع إنس بمعنى الإنسان، وهذه نعمة أخيرة، وهي نعمة الري، ودفع العطش القاتل، إنه هو المنعم الكبير.
* * *
التصريف في القرآن والنذر
قال تعالى:
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)
* * *
стр. 7910
اللام لام قسم محذوف، وهي لتأكيد القول، وقد للتأكيد، والضمير يعود إلى القرآن، وهو حاضر في نفوس المؤمنين والكافرين، فأما المؤمنون فلأنه زاد تقواهم، وأما الكافرون فلأنه موضوع لجاجتهم وافترائهم، وقولهم على الله بغير الحق، وافترائهم عليه، وتحديهم أن يأتوا بمثله فعجزوا عن أن يأتوا، وبدل أن يخنعوا بعد هذا العجز يمارون في الحق بعد أن يتعبوا، وهذا على أن الضمير يعود إلى القرآن وهو حاضر في كل الآذان، وتصريفه تحويل بيانه من باب في الإعجاز إلى باب آخر، فمن قصص حكيم فيه عبرة لأولي الأبصار إلى بيان الشرائع وما فيها من إصلاح، إلى الكون وما فيه من بيان لقدرة الله تعالى وإبداعه، وكان هذا التصريف بينهم؛ ليبعث فيهم الذكرى، وهذا قوله تعالى: (بيْنَهُمْ لِيَذَّكرُوا) واذَّكر افتعال من الذكر، أي أعملوا عقولهم ليذكروه دائما، ولكنهم كفروا، ولم يجعلوا للذكر موضعا في قلوبهم، ولذا قال تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)، وهم المشركون، والفاء عاطفة وتشير إلى السببية، أي أنهم بدل أن يجعلوا القرآن سبيلا لتذكرهم وتدبرهم جعلوه سبيلا لكفرهم وبعدهم عن الحق، وأكثر الناس هم المشركون، وقد كانوا في مكة والكثرة الكاثرة، والمؤمنون كانوا القلة المستضعفة، ولكنها القوية بالحق فهو عز المؤمنين، وذل الكافرين مهما يكن عددهم.
هذا على أن الضمير يعود إلى القرآن، وإن الضمير يعود إلى الماء الطهور الذي ينزله الله تعالى ليحيي به موات الأرض، ويسقي بها الأنعام التي خلقها الله تعالى وأناسي، والعود إليه ظاهر؛ لأنه أقرب مذكور، (صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ)، أي وزعناه بينهم، فهو مرة يكون غيثا في الشرق، وأخرى في الغرب، وأحيانا في الوسط، وأحيانا في الجنوب، ورابعة في الشمال، وكل يفيض عليه رزق اللَّه تعالى، وكل يسقيه الله تعالى بقدر، وكان حقا عليهم أن يتذكروا هذه النعم ويشكروها؛ لأنه خلقهم، وكفل أرزاقهم، ومكنهم من أن يعملوا ويقوموا على الحرث والنسل، ويستخرجوا من الأرض خيرها، ولكن أبى أكثر الناس إلا كفورا وجحودا.
стр. 7911
هذا، وإنا نميل إلى أن الضمير يعود على القرآن؛ لأنه حجة النبي ﷺ الذي بعثه اللَّه تعالى بشيرا ونذيرا، ولقد قال :
стр. 7912
(وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)
إن اللَّه تعالى رحيم بعباده رفيق بهم، ولكنه خلق لهم أعينا يبصرون بها وآذانا يسمعون بها، وقلوبا يفقهون بها، وجعل لهم علما وإدراكا، ومكنهم من أن يصلحوا في الأرض ولا يفسدوها، وصلاحها بأن يقوموا بمكارم الأخلاق، وجعل لهم بعثا ونشورا، وحسابا وجزاء وعقابا، ولكنه علت قدرته لابد أن يعطيهم النذر مرشدة، حتى لَا يتردوا بأهوائهم في الضلال، فبعث إليهم محمدا بشيرا ونذيرا، بالنذر العامة التي تعم القرى والمدائن، ولو شاء لجعل في كل قرية نذيرا، والقرية المدينة العظيمة، أو القبيل الكبير، ولذا قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا)، أي منذرا يخصها، ويبين الحق بيانا كاملا، ويبين ما يعقب الكفر من عذاب الجحيم، وما يكون بعد الإيمان من جنات النعيم.
(لَوْ) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع الجواب لامتناع الشرط، أي امتنع أن يجعل اللَّه تعالى في كل قرية نذيرا، لامتناع مشيئته سبحانه ذلك، وله في ذلك حكمة وارادة، وعلى أن الناس متشابهون خلقا وتكوينا وإرادة، وسيطرة الأهواء الشيطانية على بعضهم، والعقل على آخرين اصطفاهم اللَّه تعالى، وبهداه اقتدوا، فكان الإعلام بالرسالة والنذير، إعلاما لهم أجمعين، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وكان إنذار محمد ﷺ عاما للناس أجمعين، وكان التبليغ الكامل حقا عليه وعلى من تبعه من بعده، كما قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .).
وإذا كان إنذار الناس أجمعين حقا على النبي واجبا عليه، كان لابد من الجهاد، ولذا قال تعالى:
стр. 7913
(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)
الفاء للإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، وقد أمره تعالى بأمرين:
الأمر الأول - ألا تطع الكافرين؛ لأنه منذر لهم، والطاعة تكون بتخاذله في الدعوة، وممالأتهم فيما يعبدون، وذلك مستحيل أن يكون من محمد المبعوث رحمة للعالمين والذي جاء لإصلاحهم، فلا يصح أن يعود إلى مداهنتهم في الحق، وإنما ذلك أمر لأتباعه ﷺ من بعده، ومن هم معه في حال حياته، وذكر الكافرين بالاسم الظاهر لبيان أن طاعتهم طاعة للكفر، فكان ذلك تأكيد النفي ببيان سببه.
والأمر الثاني - جهادهم، والجهاد بذل الجهد في مقاومة ضلالهم، وبيان الحق الذي يدعو إليه، والإصرار عليه، والجهاد كان في مكة بالصبر على الدعوة إلى الإيمان، والأذى في سبيلها، والاستهزاء والسخرية بها، وألا يني عن الإعلام بها لمن لم يكن يعلم، وقد حقق النبي وأصحابه ذلك في مكة، فقد صبروا وصابروا، وتعرض النبي ﷺ للقبائل بعد أن ذهب إلى الطائف وردوه ردا منكرا، تعرض للقبائل في موسم الحج، حتى كان الأوس والخزرج من أهل يثرب، إذ وجدوا فيه منجاتهم مما هم فيه من عداء بينهم، وحرب مع اليهود، فهاجر إليهم، فكانوا له أنصارا، وكان الجهاد بالمنازلة بعد الجهاد بالمصابرة.
ووصف اللَّه تعالى المطلوب بأنه جهاد كبير، لأن المصابرة أمر عظيم، وبها قام المسلمون، وتكونت الخلية الأولى من أهل الوحدانية. وحملوا مع النبي ﷺ عبء الجهاد في دوره الثاني، وكان الجهاد كبيرا؛ لأنه كان في كل أدوراه بالصبر، وقوله: (بِهِ) أي القرآن ببيانه والتمسك به، فإنه في ذاته قوة، وإنه بهذا يشير إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيلها والمصابرة، وهو أمر كبير إلا على الخاشعين، وإن كبر الجهاد ليس بكثرة المقتولين، وإنما كبره يكون بالصبر عليه، وإرادة اللَّه تعالى فيه، وتحمل الأذى والرضا بالأذى، ما دام يوصل إلى الغاية، وهي أن تكون كلمة اللَّه تعالى هي العليا.
стр. 7914
وقد ذكر سبحانه آياته في خلقه الدالة على قدرته القاهرة، وإبداعه الباهر، فقال عز من قائل:
стр. 7915
(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)
الضمير يعود إلى اللَّه ﷻ ، و (مَرَجَ)، لها معنيان وردا في لغة العرب، المعنى الأول - خلَّى وأرسل، والمعنى الثاني - خلط من غير امتزاج، وإدخال أحدهما في الآخر، وقبل أن نخوض في معنى الكلمات والأسلوب نقرر أن هذه الآية من دلائل الإعجاز؛ لأن محمدا لم ير البحار التي تمخر عبابها السفن، فذكره لخواصها في القرآن دليل على أنه ليس من عند محمد ﷺ الذي لم يرها ولم يعرفها، ودليل على أن الكلام للَّه تعالى خالق البحر واليابس، والأنهار والبحار، وهو بكل شيء عليم.
والمعنيان للمرج يستعملان في هذا المقام، فاللَّه خلَّى البحرين يجريان كل منهما في مجراه من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، وهما غير متجاورين أحيانا، وأحيانا يكونان متجاورين يختلطان ويتجاوران ولا يمتزجان، والبحران هما النهر العظيم كالدجلة والفرات والنيل وسيحون وجيحون وغيرها من الأنهار العظيمة الذي يخليها الله تعالى ويرسلها في المروج، فتنبت الزرع نباتا وغراسا، ويشرب منها الناس، ويسقون دوابهم وأنعامهم، والبحر الثاني هو البحر الملح، كبحر الروم وبحر القلزم، وبحر الهند، وبحر الظلمات وغيرها، والأول عذب فرات، والثاني ملح أجاج، أي ملح شديد الملوحة، وفيه أحيانا دفء، وفيه نعم لَا تحد، ففيه الجواهر والياقوت والمرجان، وفيه اللحم الطيب، وهواؤه فيه مواد مطهرة للصدر، فيه اليود، ومنه تنبعث الريح، وفيه تجري البواخر كالأعلام وفى هذا بيان نعمة الله تعالى في الماء العذب الفرات الذي يكون لسقي الأرض وإحياء نباتها وغرسها.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير عجائب الله تعالى في البحر الأجاج، فذكر ما
следующие страницы →