Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.
стр. 7911
هذا، وإنا نميل إلى أن الضمير يعود على القرآن؛ لأنه حجة النبي ﷺ الذي بعثه اللَّه تعالى بشيرا ونذيرا، ولقد قال :
стр. 7912
(وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)
إن اللَّه تعالى رحيم بعباده رفيق بهم، ولكنه خلق لهم أعينا يبصرون بها وآذانا يسمعون بها، وقلوبا يفقهون بها، وجعل لهم علما وإدراكا، ومكنهم من أن يصلحوا في الأرض ولا يفسدوها، وصلاحها بأن يقوموا بمكارم الأخلاق، وجعل لهم بعثا ونشورا، وحسابا وجزاء وعقابا، ولكنه علت قدرته لابد أن يعطيهم النذر مرشدة، حتى لَا يتردوا بأهوائهم في الضلال، فبعث إليهم محمدا بشيرا ونذيرا، بالنذر العامة التي تعم القرى والمدائن، ولو شاء لجعل في كل قرية نذيرا، والقرية المدينة العظيمة، أو القبيل الكبير، ولذا قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا)، أي منذرا يخصها، ويبين الحق بيانا كاملا، ويبين ما يعقب الكفر من عذاب الجحيم، وما يكون بعد الإيمان من جنات النعيم.
(لَوْ) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع الجواب لامتناع الشرط، أي امتنع أن يجعل اللَّه تعالى في كل قرية نذيرا، لامتناع مشيئته سبحانه ذلك، وله في ذلك حكمة وارادة، وعلى أن الناس متشابهون خلقا وتكوينا وإرادة، وسيطرة الأهواء الشيطانية على بعضهم، والعقل على آخرين اصطفاهم اللَّه تعالى، وبهداه اقتدوا، فكان الإعلام بالرسالة والنذير، إعلاما لهم أجمعين، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وكان إنذار محمد ﷺ عاما للناس أجمعين، وكان التبليغ الكامل حقا عليه وعلى من تبعه من بعده، كما قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .).
وإذا كان إنذار الناس أجمعين حقا على النبي واجبا عليه، كان لابد من الجهاد، ولذا قال تعالى:
стр. 7913
(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)
الفاء للإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، وقد أمره تعالى بأمرين:
الأمر الأول - ألا تطع الكافرين؛ لأنه منذر لهم، والطاعة تكون بتخاذله في الدعوة، وممالأتهم فيما يعبدون، وذلك مستحيل أن يكون من محمد المبعوث رحمة للعالمين والذي جاء لإصلاحهم، فلا يصح أن يعود إلى مداهنتهم في الحق، وإنما ذلك أمر لأتباعه ﷺ من بعده، ومن هم معه في حال حياته، وذكر الكافرين بالاسم الظاهر لبيان أن طاعتهم طاعة للكفر، فكان ذلك تأكيد النفي ببيان سببه.
والأمر الثاني - جهادهم، والجهاد بذل الجهد في مقاومة ضلالهم، وبيان الحق الذي يدعو إليه، والإصرار عليه، والجهاد كان في مكة بالصبر على الدعوة إلى الإيمان، والأذى في سبيلها، والاستهزاء والسخرية بها، وألا يني عن الإعلام بها لمن لم يكن يعلم، وقد حقق النبي وأصحابه ذلك في مكة، فقد صبروا وصابروا، وتعرض النبي ﷺ للقبائل بعد أن ذهب إلى الطائف وردوه ردا منكرا، تعرض للقبائل في موسم الحج، حتى كان الأوس والخزرج من أهل يثرب، إذ وجدوا فيه منجاتهم مما هم فيه من عداء بينهم، وحرب مع اليهود، فهاجر إليهم، فكانوا له أنصارا، وكان الجهاد بالمنازلة بعد الجهاد بالمصابرة.
ووصف اللَّه تعالى المطلوب بأنه جهاد كبير، لأن المصابرة أمر عظيم، وبها قام المسلمون، وتكونت الخلية الأولى من أهل الوحدانية. وحملوا مع النبي ﷺ عبء الجهاد في دوره الثاني، وكان الجهاد كبيرا؛ لأنه كان في كل أدوراه بالصبر، وقوله: (بِهِ) أي القرآن ببيانه والتمسك به، فإنه في ذاته قوة، وإنه بهذا يشير إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيلها والمصابرة، وهو أمر كبير إلا على الخاشعين، وإن كبر الجهاد ليس بكثرة المقتولين، وإنما كبره يكون بالصبر عليه، وإرادة اللَّه تعالى فيه، وتحمل الأذى والرضا بالأذى، ما دام يوصل إلى الغاية، وهي أن تكون كلمة اللَّه تعالى هي العليا.
стр. 7914
وقد ذكر سبحانه آياته في خلقه الدالة على قدرته القاهرة، وإبداعه الباهر، فقال عز من قائل:
стр. 7915
(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)
الضمير يعود إلى اللَّه ﷻ ، و (مَرَجَ)، لها معنيان وردا في لغة العرب، المعنى الأول - خلَّى وأرسل، والمعنى الثاني - خلط من غير امتزاج، وإدخال أحدهما في الآخر، وقبل أن نخوض في معنى الكلمات والأسلوب نقرر أن هذه الآية من دلائل الإعجاز؛ لأن محمدا لم ير البحار التي تمخر عبابها السفن، فذكره لخواصها في القرآن دليل على أنه ليس من عند محمد ﷺ الذي لم يرها ولم يعرفها، ودليل على أن الكلام للَّه تعالى خالق البحر واليابس، والأنهار والبحار، وهو بكل شيء عليم.
والمعنيان للمرج يستعملان في هذا المقام، فاللَّه خلَّى البحرين يجريان كل منهما في مجراه من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، وهما غير متجاورين أحيانا، وأحيانا يكونان متجاورين يختلطان ويتجاوران ولا يمتزجان، والبحران هما النهر العظيم كالدجلة والفرات والنيل وسيحون وجيحون وغيرها من الأنهار العظيمة الذي يخليها الله تعالى ويرسلها في المروج، فتنبت الزرع نباتا وغراسا، ويشرب منها الناس، ويسقون دوابهم وأنعامهم، والبحر الثاني هو البحر الملح، كبحر الروم وبحر القلزم، وبحر الهند، وبحر الظلمات وغيرها، والأول عذب فرات، والثاني ملح أجاج، أي ملح شديد الملوحة، وفيه أحيانا دفء، وفيه نعم لَا تحد، ففيه الجواهر والياقوت والمرجان، وفيه اللحم الطيب، وهواؤه فيه مواد مطهرة للصدر، فيه اليود، ومنه تنبعث الريح، وفيه تجري البواخر كالأعلام وفى هذا بيان نعمة الله تعالى في الماء العذب الفرات الذي يكون لسقي الأرض وإحياء نباتها وغرسها.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير عجائب الله تعالى في البحر الأجاج، فذكر ما
стр. 7916
يكون فيه من مد وجزر تبعا للقمر، فقال رضي اللَّه تعالى عنه في تفسير (وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ): أي مالح مرٌّ زعاق لَا يستساغ كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب والبحر المحيط.
وأخذ يضرب الأمثال حتى قال: وما يشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر، ففي أول كل شهر يحصل مد وفيض فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى حالتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد لليلة الرابعة عشرة، ثم شرع في النقص فأجرى اللَّه تلك العادة.
وإن نعم اللَّه تعالى في البحار كما ذكرنا عظيمة، وقد سئل النبي ﷺ عن ماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".
وقد أشار سبحانه إلى أن كلا من البحرين العذب الفرات والملح الأجاج كلاهما محجوز عن صاحبه، بل يأخذ الإنسان من كل منهما منافعه ونعمه من غير أن يختلط أحدهما بالآخر، فيختلط الملح بالعذب الفرات، فلا ينتفع الإنسان بشربه، ولا الزرع بسقيه.
ولذا قال: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) أي جعل بينهما حاجزا مانعا، وحجرا، أي حدّا، وهوِ بمعنى محجوز، كنقض بمعنى منقوض، وأكد سبحانه المنع، فقال: (وَحِجْرَا مَّحْجُورًا) أي حدا ممنوعا لَا يمكن أن يعدو أحدهما.
وقد قلنا إن (مَرَجَ) هنا بمعنى خلا وأرسل، وقد بينا معنى مرج البحرين على ذلك المعنى، وهي أيضا بمعنى خلط وجاور من غير أن يمتزج الماءان كل منهما بالآخر مع أن الماء سريع السيران، ويتم الامتزاج فيه، لكن في النوعين من الماء نجدهما يتجاوران مختلطين بالجوار غير سائل أحدهما في الآخر، فتجد في مصبات الأنهار حيث يختلط ماء النهر وتجاور ماء البحر، تجد بينهما مانعا حسيا يكون كل واحد منهما متميزا بحيزه لَا يعدوه؛ لأن ماء النهر خفيف، والماء الملح
стр. 7917
ثقيل فكلاهما لَا يمتزج بالآخر، وإن كان ماء البحر على ماء النهر، ولذا قال تعالى: في هذا النوع من المرج (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١).
وبعد أن بين سبحانه ما في الكون من عجائب وبدائع بادية للعيان، ويدرك بعضها الجنان عاد بنا إلى الإنسان المخاطب بالتكليف فقال:
стр. 7918
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)
الضمير (هُوَ) يعود إلى اللَّه ﷻ خالق الوجود كله جليله ودقيقه، وفى هذه الآية يقول أنه خلق من الماء بشرا، ونجد في النص تفاوتا بين الماء المخلوقة، والمخلوق منه البشر، فهذا ماء ظاهر أنه لَا حياة فيها يكون منه بشر له حياة وحس ظاهر وخفي، والماء لَا يتألم، والبشر يتألم، ومع هذا التغير الظاهر كان المخلوق والمخلوق منه موجودين في كيان واحد، وما ذلك إلا بقدرة العليم الحكيم الذي يُغير ولا يتغير، ويحول ولا يتحول، وقد خلق البشر الحي الحساس من الماء مرتين: أولاهما - أنه ككل حي متحرك ينمو كان من الماء، فالماء كان منه الزرع والثمار وغيرهما، والإنسان كان من النبات، ونما من الحيوان، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. .)، وخلق من الماء وهو المني، وما هو إلا ماء مهين، لَا يعبأ به النظر، وأشار سبحانه إلى أن هذا الذي كان منه الماء يتوالد، ويتلاحم البشر في الأسر والقبائل، والشعوب، ولذا قال مشيرا إلى هذا التوالد، فقال: (فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) وهذا فيه إشارة إلى الصلات الإنسانية التي تربط الإنسان، وتكون منها المودة الراحمة الواصلة. إما بتوالد نسبي يجمعه الأصل، والنسب، وإما بسبب صهري، ولقد ذكر الزمخشري أن ذكر النسب والصهر والسبب إشارة إلى أن العلاقة الإنسانية تكون بنسب الرجال، أو بالمصاهرة التي تكون بالنساء إذ تكون بالمزاوجة، والمرأة هي السبب في علاقتها، كما قال تعالى (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩).
стр. 7919
وإن ذلك كله بقدرة اللَّه تعالى وإبداعه في هذا الوجود، ولذا ختم اللَّه تعالى الآية بقوله عز من قائل، (وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) وكان ربك خالقك الذي أنشأك ويكلؤك ويرعاك قادرا قد علت قدرته كأقصى ما يتصور العقلاء، و (كان) هنا هي الدالة على الاستمرار. والدوام، أو الكينونة الدائمة.
ومع هذه القدرة القاهرة، والعجائب الباهرة، وكما رأيت من مد الظلال، وخلق الليل والنهار، ومرج البحرين، وخلق الإنسان من ماء، مع كل هذا تجد الذين سيطرت أوهامهم يعبدون حجارة لَا تنفع ولا تضر، ولذا قال سبحانه عقب ذلك:
стр. 7920
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) (وَيَعْبُدُونَ) الواو هنا واو الحال، والمعنى: هذه قدرة اللَّه القاهرة الباهرة مع أنهم لم يعتبروا ولم يدركوها، والحال أنهم يعبدون من دون اللَّه أحجارا، أو ما يشبهها لَا تنفعهم بشيء قط بحيث يعبدونها رجاء، ولا تستطيع ضررا لهم فتكون العبادة دفعا لهذا الضرر، فهي لَا حياة لها، وهي دونهم، ولكن الوهم جعلهم يعبدونها، مع هذه الحال.
وقال تعالى: (وَكانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) روي عن مفسري السلف، أن ظهيرا معناها أن الكافر يظاهر الشيطان على اللَّه تعالى، إذ يدليه بغروره فلا يعبد اللَّه، ويعبد الحجارة، وهذه المظاهرة على اللَّه تعالى ربه الذي خلقه وأنعم عليه، وأسبغ عليه ظاهرا وباطنا، وذكر الكافر بالوصف، للإشارة إلى أن سبب ذلك هو ضلال الكفر وطمسه لبصيرة عابد الأوثان.
وفسر بعض العلماء (ظَهِيرًا) أي مهينا، والمعنى هينا على ربه لَا يضره كفره، وقالوا إن ذلك من قولهم ظهرت عليه، أي جعلته وراء ظهري، لَا ألتفت إليه، ولا أهتم به، وذلك قريب من قوله تعالى: (. . . وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا. . .)، وهذا القول قاله أبو عبيد، وهو قائم على أن ظهير بمعنى مظهور أي ملقى وراء ظهره.
стр. 7921
والمعنيان متلاقيان، فالكافر حليف الشيطان هو الذي يدفعه دفعا إلى معاندة اللَّه تعالى، وهو هين على اللَّه تعالى وليس له عند اللَّه إلا مكان الهون.
* * *
الله يؤيد الرسل
قال اللَّه تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)
* * *
إن المشركين أثاروا من أوهامهم أمورا حول النبي ﷺ ، فزعموا أنه يريد مالا، وزعموا أنه مجنون، وأنه ساحر إلى آخر ما أوحت به أوهامهم، فبين اللَّه سبحانه أنه ما كان إلا بشرا رسولا، وقال:
стр. 7922
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧).
стр. 7923
الجملة السامية الأولى دالة على القصر بالنفي والإثبات أي ما أرسلنا ذا سلطان، ولا ذا مال، لَا لأي عرض من أعراض الدنيا، ولكن أرسلنا مبشرا بالحق داعيا إليه منذرا من يتمسك بالباطل أو يدعو إليه، أرسلناك فقط لتبشير من يبتغون الحق بالنعيم المقيم وجنة الفردوس، ومن يصرون على الباطل لهم عذاب الجحيم.
ومعنى هذا القصر الثابت بالنفي المستغرق، والاستثناء الموضح أنه ﷺ هاد مرشد، فلا تعبثوا بهذه الحقيقة بما تثيرون من أوهام باطلة، وتصدون عن سبيل اللَّه تعالى بهذه الترهات الفاسدة.
وأمر اللَّه تعالى نبيه أنه لَا يريد أجرا إلا الهداية واتباع الحق، فقال عز من قائل:
стр. 7924
(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)
الأمر في (قُلْ) للنبي ﷺ ، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يقول ذلك القول؛ لأنهم قالوا وأشاروا وصرحوا أنه يريد سيادة دنيوية في جاه يبتغيه، أو مال يتموله، فهو ﷺ الذي يتولى الرد، وبيان أنه لَا يريد إلا الهداية (مَا أَسْألُكمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) من - هنا دالة على استغراق النفي، أي لَا أسئلكم على هذا الإرشاد والتوجيه الذي أدعوكم به إلى ترك الأوثان وعبادة اللَّه تعالى وحده أي أجر، وإن فائدة هذه الدعوة مغبتها عليكم إذا اهتديتم، وتعود عليكم بالعقاب إن كفرتم.
ثم قال تعالى مستثنيا من الأجر (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
هذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلا، ويحتمل أن يكون منقطعا، وعلى أنه متصل يكون المعنى ظاهرا والمعنى لَا أسألكم أجرا تدفعونه، أو تؤدونه، إلا ابتغاء من شاء أن يتخذ إلى ربه منهاجا مستقيما، وطريقا موصلا إلى ربه، فإن ذلك هو الأجر الذي أبتغيه، وهو نعم الأجر ونعم الجزاء، فيكون الكلام دالا على مطلبه ﷺ ، ودالا على شرف الغاية التي يبتغيها، فليس يطلب مالا ولا جاها، ولكن يطلب هداية وتوفيقا وإرشادا.
стр. 7925
ويكون معنى النص السامي على أن الاستثناء منقطع، لَا أسألكم عليه أجرا، لكن من شاء اتخذ إلى ربه سبيلا هو مطلبي وغايتي، وموضع دعايتي ودعوتي.
ومهما يكن من تخريج، فالمعنى أنه لَا جزاء للنبي إلا أن يتبعوا الحق، ويهتدوا به، ويوحدوا العبادة.
وفى قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) إشارات بيانية ثلاث.
الأولى - التعبير بقوله: (مَن شَاءَ) إشارة إلى أن الثواب لَا يكون إلا بالإرادة الحرة المختار، إذ هي أساس التكليف.
الثانية - التعبير بقوله: (يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) التعبير بالرب توجيه إلى أنه الخالق المربي القائم على الخلق، ففي ذلك دعوة للاتباع المدرك، شكرا لنعمة اللَّه تعالى عليه.
الثالثة - وصف الهداية بأنها اتخاذ السبيل؛ لأنه المنهاج، وهو (سَبِيلًا)، وكان التنكير لبيان أن السبيل المطلوب هو ما كان إلى اللَّه تعالى.
وبعد أن أمر اللَّه تعالى نبيه أن يقول لهم ما قال أمره سبحانه بأن يتجه إلى الحق معتمدا عليه وحده فقال:
стр. 7926
(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)
أمر اللَّه تعالى نبيه بالتوكل عليه بعد أن يئس من المشركين، ليكون خالصا للدعوة إليه، وليكون معتمدا عليه وحده، وليكون ذلك تبشيرا للنبي ﷺ بالنصر عليهم، وأن اللَّه تعالى معطيه ومن معه القوة الدافعة، والتوكل معناه اعتماد القلب على اللَّه تعالى، واتخاذ الأسباب الظاهرة، وإن لم تكن هي وحدها الناصرة إنما هي وسائط، أمر باتخاذها من غير اعتماد عليها وحدها، وقد ذكر
стр. 7927
سبحانه وتعالى وصفين لذاته العلية يؤكدان أنه لَا يعتمد إلا عليه: الأول - أنه الحي الكامل الموجود. الثاني أنه سبحانه لَا يموت فهو الباقي، ومن يعتمد على من يموت لَا يكون له معتمد بعد موته، أما من يعتمد على الباقي فمعتمده باقٍ لا يفنى.
وبعد أن أمر سبحانه بالتوكل عليه وحده أمر بالتسبيح، وهو التنزيه بوصفه بصفات الكمال المطلق من قدرة وإرادة ووحدانية وغيرها من الصفات التي لا يشبهه فيها أحد من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، العلي الكبير.
وقوله تعالى: (بِحَمْدِهِ)، أي مصاحبا بالحمد بالثناء عليه بما هو أهله، فكان الأمر بالتنزيه، وأمرنا بالثناء عليه سبحانه بما أنعم، وشكره على ما أجزل من عطاء غير مجذوذ.
(وَكَفَى بِهِ)، أي الكفاية به وحده، والباء لتأكيد معنى الكفاية والاعتماد على ذاته وحده، ومن توكل عليه لَا يحتاج إلى غيره ولا يغني غناءه أحد من خلقه، وقوله تعالى: (بِذُنوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) بذنوب، جار ومجرور متعلق بقوله تعالى: (خَبِيرًا)، والخبير هو ذو العلم الدقيق الذي لَا يعلمه غيره، وقدم الجار والمجرور (بِذُنُوبِ) على متعلقه لبيان الاهتمام بالعلم بهذه الذنوب، وأنهم مجزيون بها، فإذا كانوا قد عاندوا وضلوا وصدوا عن سبيل اللَّه تعالى فإنهم مأخوذون بذنوبهم، وخبيرا - حال من ضمير به، ومؤدى القول الكريم، وكفى به خبيرا بذنوبهم، وهي خبرة وراءها جزاؤهم عليها، وهذا تهديد شديد، وإنذار بليغ.
وذكر سبحانه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقال عز من قائل:
стр. 7928
(الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)
بدل أو عطف من الحي، وذكر ذلك بعد هذا الوصف الجليل لبيان أن
стр. 7929
التوكل على القادر المنشئ للوجود كله، وستة الأيام التي في هذه الآية التي ذكر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض ليست هي الأيام التي نعرفها الآن بيننا، لأن أيامنا مربوطة بالشمس والأرض، ودوران الأرض حول الشمس، فيكون الليل والنهار خلفة يخلف أحدهما الآخر، وقبل السماوات والأرض لم تكن الشمس ولا الأرض، ولذلك تفسر الأيام بالأدوار الكونية التي يخلق الله بها السماوات والأرض، وقد ذكر في سورة فصلت، فقال :
(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢).
وإن هذا النص السامي يدل على أن الأرض أخذت أربعة أدوار منها الدوران الأولان، والسماء قضاهن سبحانه سبع سماوات في يومين.
وإن لعلماء الكون جولات علمية في معاني هذه الآيات، وما تدل عليه من حكمة اللطيف الخبير.
بعد أن خلق السماوات السبع والأرض في ستة أدوار كونية، جلس سبحانه على عرش الكون؛ لأنه خالقه فقال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) هذا كناية عن كمال سلطانه في خلقه يدبره كما شاء، ففي الكلام تشبيه، إذ شبه سلطانه على الكون يقوم عليه ويدبره، لأنه الحي القيوم، بمن يجلس على عرش مملكته يدبرها ويقوم على مصالحها، وللَّه المثل الأعلى.
وقال سبحانه (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ)، التعبير بـ (ثم) في موضعه، لأنه سبق ذلك أدوار كونية لَا يعلمها إلا اللَّه، ووصف سلطانه على العرش، فقال عز من قائل (الرَّحْمَنُ) أي أنه يدبره ويسيطر عليه
стр. 7930
برحمته، فكل عمل منه سبحانه في عرش السماوات والأرض رحمة في ذاته الرحمن الرحيم.
وإن المتتبع لهذا الخلق وذلك التكوين، والقيام عليه بقدرته تعالى يرى بقلبه رحمته سبحانه، ولذا قال تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) الفاء للإفصاح عن شرط مقدر إذا أردت أن تعرف (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، والباء - فيما أحسب - بمعنى في، والمعنى فاسأل خبيرا أي عليما يعلم علما دقيقا، فإنه ينبئك عن جلال اللَّه تعالى في الخلق والتكوين والرحمة.
بعد ذكر هذا الخلق، وهذا التكوين العجيب، والإشارة إلى خلق اللَّه تعالى الوجود كله في أدواره المحكمة أعاد بيان حال المشركين في مكة التي يتعلقون بألفاظ يدورون حولها غير متعقلين ولا مدركين، فقال عز من قائل:
стр. 7931
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)
لم يكونوا يذكرون اللَّه تعالى بلفظ الرحمن، فهم لَا يعرفونه إلا باسم اللَّه تعالى، فلما ذكره باسم الرحمن استنكروا هذا الاسم، وكأنَّهم لَا يقرونه، قالوا: (وَمَا الرَّحْمَنُ) الواو عاطفة على محذوف، كأنهم يقولون سمعنا قولك من قبل، وما هذا الذي تريده وتسميه الرحمن، كأنهم يحسبون أنه شيء غير اللَّه تعالى، أتريد أن نسجد لما تأمرنا، وكأنهم يقولون تأمرنا بألا نعبد إلا اللَّه، ولا نشرك به شيئا، وتريد أن تأمرنا أيضا بأن نسجد لهذا الرحمن، كأن المسألة بيننا وبينك ليس أمر التوحيد تدعو إليه، إنما أنت تعادي آلهتنا بآلهة أخرى، ومرماهم أنك تتحكم في عبادتنا، ولا تخالفنا في شركنا، (وَزَادَهُمْ نفُورًا)، أي زادهم الأمر بالسجود للرحمن نفورا، لأن من لَا يدرك يزداد نفورا بجهالته، وعدم معرفته، لأنهم ضلوا، وعقولهم الضالة تزداد نفورا، كما أن نزول السورة يزيدهم كفرا.
وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ) عبر بالفعل المبني للمجهول، ولم يذكر الفاعل، وقد علم من البعض، لأنهم قالوا للنبي ﷺ (أَنَسْجُدُ لِمَا
стр. 7932
تَأمرنَا) والسجود هنا العبادة أوالصلاة من بينها؛ لأن أظهر مظاهر العبادة الخضوع وأظهر مظاهره السجود للَّه .
وذكر الفعل مبنيا للمجهول للإشارة إلى نفورهم من أصل تسمية اللَّه بالرحمن، وكانوا يحسبونه غير الله تعالى ويقولون رحمن اليمامة أي إله أرض أخرى.
стр. 7933
(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)
تبارك - أي تعالت بركته سبحانه، فالضمير يعود إلى اللَّه تعالى الذي يمتلئ الوجود كله بذكره وتسبيحه، وإن كل بركة ونفع في هذا الوجود يرجع إليه، سبحانه، ولذا تتعالى بركته في هذا الوجود الإنساني كله، وقد أشار إلى بعض مظاهر بركته، وفيض رحمته ففال: (الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ برُوجًا) البروج جمع برج، وهو القصر العظيم، كما قال تعالى: (. . . وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيدَة. . .)، ولقد قال مجاهد: البروج في الآية الكريمة هي الكواكب العظام وكأنَّها شبهت في عظم مرآها وجمالها، وكمالها بالقصور المشيدة التي تأخذ بالأنظار تقريبا للأنفس، وليس المعنى أنها مشبهة بالقصور في تكوينها، فإن خلقها أقل من خلق الكواكب العظيمة، والمشبه به يكون أقوى من المشبه، وليس الأمر كذلك في هذا التشبيه، إنما التشبيه للتقريب لإدراكنا.
وخص من الكواكب بالذكر الشمس والقمر، فقال: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) الضمير في فيها يعود إلى البروج، أي جعل في البروج أي في عمومها سراجا، والسراج هو الشمس كما عبر في آية أخرى (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا)، وكما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦).
وهنا نقول: شبهت الشمس بالسراج تقريبا لأفهامنا على سبيل الاستعارة،
стр. 7934
وذلك إشارة إلى أنها مصدر الضوء والنور لما حولها من الكواكب، ووصف القمر بأنه منير، أي أن من شأنه أن ينير في الظلام، ولكن الشمس، جعلها الله تعالى المصدر؛ لأنها سراج هذا الوجود، وقد قال في ذلك علماء الكون: إن الشمس تضيء الأرض فيكون النهار، ومن انعكاس أشعتها على الأرض يكون نور القمر، فالأصل كما خلق الله تعالى كان من الشمس، وأضاء الأرض، وبانعكاس ضوئها على القمر كان القمر منيرا.
ولهذه الصلة بين الشمس والأرض والقمر قال تعالى بعد ذكر الشمس:
стр. 7935
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)
الضمير يعود للذات الإلهية التي يجب أن يكون ذكرها في قلب كل مؤمن، وهو الذي يسبح له الرعد بحمده، (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً)، أي يخلف كل واحد منهما الآخر، كأنه يذهب عن الوجود ليكون الثاني خليفة له في إحكام ودقة، وانتظام وتداول بينهما، فالإنسان بين ليل يغشاه، وليل يبرزه، وبين حياة هادئة ساكنة يستروح فيها راحة الحياة واستقرارها، وبين لغوب وعمل وكد وعناء، وقال تعالى: (لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ) يذكر أصلها ليتذكر، أي أنه في هدأة الليل يتذكر نعم الله تعالى نعمة نعمة، ويعتبر أمره عبرة بعد عبرة، وأخذ مواعظه عظة بعد عظة.
وقوله تعالى: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) اللام حرف جر متعلق بجعل، أي هذا الليل والنهار خلفة لتكون مادة اعتبار وإدراك لمن أراد أن يتذكر، ويعرف قدرة اللَّه تعالى وخلقه، وإبداعه في التكوين، فيذكر قدرة اللَّه تعالى الخلاق العليم، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه خالق كل شيء، والمنعم على كل شيء، وأراد أن يُشكر على ما أنعم بالطاعة.
وفى هذا التعبير الحكيم إشارة إلى تبعة الإنسان في إهماله أو اعتباره، لأنه سبحانه قال (لِمَنْ أَرَادَ) فإرادته هي الموجهة له بعلم اللَّه العلي الكبير، وبهذه الإرادة يستحق الثواب ويستحق العقاب، واللَّه تعالى يهدي من أراد الهداية بالتذكر
стр. 7936
وشكر النعمة، و (أو) هنا للدلالة على التردد بين أمرين: أولهما - التذكر وهي تذكرة دائما، أو الخطوة الأخرى التي تكون بعد التذكر، وهو الشكور، وهي مصدر شكَر، فمصدر شكَر الشكر، والشكور، كمصدر كفر الكفر والكفور.
واذكر أصلها تذكر، سكنت التاء وادغمت في الذال وجاءت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن، وإن الليل والنهار من تعاقب الشمس والقمر في الحس، وهما مستمران في دأب وتوالٍ، كما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، وقال تعالى: (. . . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا. . .)، صدق اللَّه تعالى.
* * *
صفات المؤمنين المتذكرين
قال تعالى:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)
стр. 7937
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)
* * *
هذه الآيات الكريمات تصور صفات المؤمنين التي يتكون منها المؤمن الصادق، وهي تجمع بين أمور ثلاثة من الصفات:
أولها - الصفات الموجبة المكونة معنى الإيمان، والتي هي خلال أهل الإيمان الذين تعلو الإنسانية بهم، ولا يستعلون عليها، وهي من أول الآيات إلى قوله تعالى: (لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وثانيها - صفات سلبية، وهي التي تبتدئ من هذه الآية الأخيرة.
وثالثها - الذين يبتغون الحياة الزوجية بالطهر والعفاف، وختم سبحانه الآية ببيان الجزاء الأوفى.
стр. 7938
الصفات الإيجابية
قال تعالى:
стр. 7939
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) .
وصفهم الله تعالى بأنهم عباد الرحمن، وهذا الوصف يشعر بأنهم رحماء فيما بينهم، لَا يجافون، ولا يتناحرون، بل هم في اطمئنان وسلام، وروحانية، لا يجعلون للمادة من حياتهم إلا أن تكون غذاء طيبا يأخذون منه القوة للقيام بواجبهم، وهم في أوصافهم الظاهرة والباطنة يتطامنون، ولا يستكبرون، والهون مصدر هانَ يهون هونا، وهو المشى في غير عنف، ولا تجبر، وهو وصف محمود، وهو ضد الهوان الذي يذل صاحبه للقوي أو المتغطرس، ويهون عليه، وهو من عذاب، ومعنى هونا أي يمشي في سكينة ووقار وفي قصد وتؤدة، وتلك أخلاق الأنبياء والذين يقتدون بهم، فالمؤمن يسير في رفق، وقد وصف الله مشى النبي بأنه كان يمشي في هون ورفق، تبدو في مشيته قوة الماشي غير المصطنع المتخاذل، وغير المختال المرح المتعالي، وكما قال الله تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا)، (وَإذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ) والجاهلون هم الحمقى الذين لَا يعرفون ما أحله الشرع، (قَالُوا سَلامًا) أي سَلْما وأمنا، فهم لَا يعلون على الناس، ولكن يسالمونهم، وإذا رأوا حمقى لَا يحاورونهم، ولا يخاطبونهم على مقتضى قولهم، وإن ذلك دأب الحكماء المتقين، يهدون، ولا يجهلون، ولقد كان النبي ﷺ لَا تزيده شدة الجاهل إلا حلما.
ولقد روي أن إبراهيم بن المهدي كان ناصبيا يعادي، وكان المأمون علويا معتدلا، فقال إبراهيم بن المهدي رأيت في رؤيا عليًّا فتكلم، فما رأيت في كلامه بلاغة، قال فماذا قال لك إذ خاطبته؟ قال: سلام، قال إذن فقد رأيت عليا، يشير إلى أن عليا خاطبه بما تؤدب به الآية، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وقد
стр. 7940
قال تعالى في وصف المتقين في آية أخرى (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥).
الوصف الثاني من أوصاف أهل الإيمان الإيجابية:
стр. 7941
(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)
هذا عمل إيجابي، وإذا كان العمل الأول معناه التطامن للناس، وألا يكون بينهم وبينهم شغب، حتى إذا خاطبهم السفهاء بما لَا يصدر إلا عنهم، لَا يبادلونهم السفه بسفه مثله، بل يقدمون لهم السلام والأمن ويطمئنون، ولا يشاغبون. وهذا عملهم مع الناس، أما هم بالنسبة للَّه، فقد ذكر سبحانه ذلك في بيانهم، وهو السجود للَّه تعالى والقيام له، والخضوع له تعالى، فقال: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) هذا عطف على الجملة السابقة في بيان عملهم للَّه، وكذلك ما يجيء من بعده من أحوال لهم، واللام في قوله (لِرَبِّهِمْ) متعلقة بـ (سجَّدًا) أي أنهم يبيتون ساجدين لربهم خاضعين، وقائمين له، وقدم قوله تعالى (لِرَبِّهِم)؛ لبيان قصر السجود عليه، فلا يسجدون لغيره إذ لَا يعبدون غيره، ولا يسجدون لسواه.
والسجود والقيام كناية عن الصلاة، فهم يتهجدون مطيعين؛ لقوله تعالى:
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩).
وإن معنى الآية أنهم يبيتون على هذه الحال، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، كما قال تعالى عنهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع. . .)، وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. . .).
هذه بعض أحوال عباد الرحمن: اتجاه إلى اللَّه وإغضاء عن مساوئ الناس، ويكون اللَّه تعالى في بياتهم فيكونون للَّه تعالى في مبيتهم، وفيما يجْرحُونَ من أعمال بالنهار.
стр. 7942
وإن من كانت هذه أحوالهم يظنون التقصير في ذات أعمالهم، ويترقبون العقاب، ويغلب عليهم الخوف، ولذا يقولون:
(رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)
لقد توقعوا النار وأيقنوا بعذابها، وعملوا ما يجنبهم إياها، ولكنهم مع ذلك أيقنوا أن أعمالهم لَا تكفي لتجنبهم، فضرعوا إلى ربهم أن يصرفها عنهم عالمين أن الجنة من فضل اللَّه، وليست بعمل عملوه ولكن برضا من اللَّه عما عملوه، قال تعالى:
стр. 7943
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) والتعبير بالمضارع يفيد أن هذا حال ملازمة لهم يكررونها دائما، بالخضوع والخشوع والحذر الدائم المستمر، فهم في حذر دائم مستمر، فيكونون مع الله بحذرهم لَا يفترُون، (إِنَّ عذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) أي كان أمرا ملازما، فالغرام هو الأمر الملازم الذي يكون خسارا وشرا، ولذا فسر بعض التابعين الغرام بالشر الملازم وكل غرام يزول عن صاحبه أو يفارق صاحبه إلا غرام جهنم، وإن المؤمن الحق يؤتي اللَّه حقه، ولا يحسبه قد أوفى، ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. . .).
стр. 7944
(إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)
ساءت: بمعنى بئس، فهي لذم جهنم، والمستقر هو مكان الاستقرار، والمقام هو مكان الإقامة، والمعنى بئس الورود إليها على جهة الاستقرار، والإقامة فيها، والجمع بينهما للإشارة إلى أنه ليس استقرارا عارضا ولكنه إقامة دائمة.
بعد أن ذكر حال عباد اللَّه مع اللَّه، ومع الناس أخذ يذكر حالهم في أنفسهم، ودنياهم وأسرهم، فقال عز من قائل:
стр. 7945
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)
الإنفاق هو الصرف فيما يقيم الأود ويدفع الجوع، والإسراف هو الإنفاق في غير الحاجة بالزيادة عليها، والإسراف المنهي عنه هو الإنفاق في غير حق للَّه أو
стр. 7946
للناس أو لنفسه، ولقد قال ابن عباس: " من أنفق مائة ألف في حقه فليس بمسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو مسرف، ومن منع من حق عليه قتر ".
وظاهر الآية أن عباد الرحمن قد أخذوا بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)، والقتر هو التضييق على النفس بحيث يكون في قدرة، ويحرم نفسه من أقل مطالب الحياة، أو يضيق فيها، والإقتار الفقر أو الضيق في المادة، كما قال تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. . .)، ومعنى الآية أنه ينفق في حلال بمقدار طاقته وقدرته، ولا يضيق على نفسه في الحلال، (وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا) أي عدلا بين الإسراف والقتر.
وإن النص الكريم يفهم منه أمران: أحدهما - ألا ينفق في حرام قط، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا، وفطما لها عن الشهوات، ولذا كان عمر ﵁ يعد من يطلب كل ما يشتهى مسرفا، لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها.
الأمر الثاني - أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب، وما دام كسبه واسعا، ولقد قبل النبي ﷺ من أبي بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب، يعرف مواضع الكسب والخسارة، ولم يقبله من غيره، وقد قال تعالى: (وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. . .)
، أي السهل اللين الذي لَا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه.
هذه أحوال إيجابية هي التي صورت شخصية عباد الرحمن والتي كونت فيهم الإيمان والعمل الصالح، والجمع بين سلامة القلب، واستقامة العمل، وتكوين الإنسان النافع، وقد ذكر بعد ذلك ما يتجنبونه لكيلا يكون ما يعوق هذه الأخلاق العالية، فقال تعالى:
стр. 7947
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)
إن أولئك الأبرار الذين رضي اللَّه أن يضيفهم إلى ذانه العلية، فقال وعباد الرحمن، قد اتصفوا بالكمالات البشرية فهم لَا يستعلون على الناس، ويرفقون بهم، ولا يشاكسون بل تكون علاقتهم بالناس دائما أمنا وسلاما، وامتلأت قلوبهم بالتقوى والخوف من العذاب، والذين قد اتزنوا في حياتهم لا يسرفون ولا يقترون، أولئك فد اتصفوا بصفات، وهي ذاتها تحمل جزاء، فالكريم إذا اتصف بمعالي الصفات، كان جزاؤه هو هذه الصفات ذاتها، وهي نعم الجزاء، ولذا لم يذكر جزاءها، وإن كان لها الجزاء الأوفى.
وقد ذكر سبحانه ما اجننبوه، وهو كبريات المساوئ الإنسانية، كما أنهم تحلوا بأعلى المناهج الكمالية، فقال تعالى:
стр. 7948
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
وهذا أول معصية تحط من قدر الإنسان، وتنزل به إلى أكبر المهاوي الإنسانية (يَدْعُونَ) يعني يعبدون، لأن العبادة دعاء للَّه تعالى وضراعة إليه، وتسليم كل أمورهم في جنب اللَّه، والدعاء مخ العبادة، كما قال ﷺ ، والإنسان يهبط في درجة الإنسانية إذا عبد غير اللَّه، وأي كرامة إنسانية لمن يعبد حجرا لَا يضر ولا ينفع، أو يعبد إنسانا مثله، أو يعبد ما يصوره وهمه كالملائكة يتصور أنها تعبد، أو نارا، أو غيرها، إن هذا انهواء إنساني، ومن يعبد شيئا من هذا، إنما يعبد وهما تدفع إليه شهوة منحرفة، فقد اتخذ إلهه هواه.
هذا هو الانحراف الأول الذي تجنبه عباد الرحمن، أما الانحراف الثاني الذي تجنبوه فقد نفاه اللَّه تعالى عنهم بقوله عز من قائل: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وهذا وصف للعاصين، وهو المشاكسة التي تؤدي إلى القتل، فهذا مقابل للسلام في قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)، وقوله تعالى: (إِلَّا بِالْحَقِّ) الجار والمجرور متعلق (لا يَقْتُلُونَ) الحق هو الأمر الثابت الذي يسوغ القتل من اعتداء أثيم، أو زنى أو رِدَّة بعد إيمان، وهذا النص يفيد أن
стр. 7949
الأصل في النفوس الصيانة، وألا يعتدى عليها، ويحفظ أمنها، وأنه لَا تستباح الأنفس، إلا بحق كما قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. . .).
والأمر الثالث الذي نفاه اللَّه تعالى عن عباد الرحمن الاعتداء على النسل بالزنى، ولذا قال تعالى: (وَلا يَزْنُونَ)؛ لأن إشاعة الزنى تضيع النسل، ولا تجعل الناس في أمن ودعة، وتضعف الوحدة الإنسانية، ويكون الناس في تناحر، وتنزل بالقيمة الإنسانية إلى دركة الحيوانية، ولقد قال محمد ﷺ : " وما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة في رحم امرأة لَا تحل له ".
وقال ﷺ : " إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق، وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك ".
وقد ذكر عقاب هذه المآثم التي هي أمهات الرذائل فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) الآثام جزاء الإثم وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، أي أنه جزاء من نوع ما ارتكب، ولكنه جزاء كبير، وإطلاق الآثام بمعنى جزاء الإثم، وارد في اللغة العربية، فقد جاء في الكشاف هذا البيت من الشعر:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام
وإن هذا الأثام شديد، حتى إنه ليحسب أنه مضاعف الإثم ليس مثله، ولذا قال تعالى في بيان هذا الأثام وتوضيحه:
стр. 7950
(يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (٦٩)
إن اللَّه تعالى عدل، يجازي السيئة بمثلها، ورحيم يجازي الحسنة بعشرة أمثالها، فكيف يجعل العقاب ضعف الذنب، أجاب عن ذلك صاحب الكشاف بأن المضاعفة لأنه عقاب الشرك، وعقاب الذنب الذي ارتكب من قتل نفس وزنى، ونقول حينئذ لَا مضاعفة.
والذي يبدو لي - غير متطاول على مقام الزمخشري - أن العذاب شديد
следующие страницы →