Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
للناس أو لنفسه، ولقد قال ابن عباس: " من أنفق مائة ألف في حقه فليس بمسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو مسرف، ومن منع من حق عليه قتر ".
وظاهر الآية أن عباد الرحمن قد أخذوا بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)، والقتر هو التضييق على النفس بحيث يكون في قدرة، ويحرم نفسه من أقل مطالب الحياة، أو يضيق فيها، والإقتار الفقر أو الضيق في المادة، كما قال تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. . .)، ومعنى الآية أنه ينفق في حلال بمقدار طاقته وقدرته، ولا يضيق على نفسه في الحلال، (وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا) أي عدلا بين الإسراف والقتر.
وإن النص الكريم يفهم منه أمران: أحدهما - ألا ينفق في حرام قط، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا، وفطما لها عن الشهوات، ولذا كان عمر ﵁ يعد من يطلب كل ما يشتهى مسرفا، لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها.
الأمر الثاني - أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب، وما دام كسبه واسعا، ولقد قبل النبي ﷺ من أبي بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب، يعرف مواضع الكسب والخسارة، ولم يقبله من غيره، وقد قال تعالى: (وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. . .)
، أي السهل اللين الذي لَا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه.
هذه أحوال إيجابية هي التي صورت شخصية عباد الرحمن والتي كونت فيهم الإيمان والعمل الصالح، والجمع بين سلامة القلب، واستقامة العمل، وتكوين الإنسان النافع، وقد ذكر بعد ذلك ما يتجنبونه لكيلا يكون ما يعوق هذه الأخلاق العالية، فقال تعالى:
стр. 7947
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)
إن أولئك الأبرار الذين رضي اللَّه أن يضيفهم إلى ذانه العلية، فقال وعباد الرحمن، قد اتصفوا بالكمالات البشرية فهم لَا يستعلون على الناس، ويرفقون بهم، ولا يشاكسون بل تكون علاقتهم بالناس دائما أمنا وسلاما، وامتلأت قلوبهم بالتقوى والخوف من العذاب، والذين قد اتزنوا في حياتهم لا يسرفون ولا يقترون، أولئك فد اتصفوا بصفات، وهي ذاتها تحمل جزاء، فالكريم إذا اتصف بمعالي الصفات، كان جزاؤه هو هذه الصفات ذاتها، وهي نعم الجزاء، ولذا لم يذكر جزاءها، وإن كان لها الجزاء الأوفى.
وقد ذكر سبحانه ما اجننبوه، وهو كبريات المساوئ الإنسانية، كما أنهم تحلوا بأعلى المناهج الكمالية، فقال تعالى:
стр. 7948
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
وهذا أول معصية تحط من قدر الإنسان، وتنزل به إلى أكبر المهاوي الإنسانية (يَدْعُونَ) يعني يعبدون، لأن العبادة دعاء للَّه تعالى وضراعة إليه، وتسليم كل أمورهم في جنب اللَّه، والدعاء مخ العبادة، كما قال ﷺ ، والإنسان يهبط في درجة الإنسانية إذا عبد غير اللَّه، وأي كرامة إنسانية لمن يعبد حجرا لَا يضر ولا ينفع، أو يعبد إنسانا مثله، أو يعبد ما يصوره وهمه كالملائكة يتصور أنها تعبد، أو نارا، أو غيرها، إن هذا انهواء إنساني، ومن يعبد شيئا من هذا، إنما يعبد وهما تدفع إليه شهوة منحرفة، فقد اتخذ إلهه هواه.
هذا هو الانحراف الأول الذي تجنبه عباد الرحمن، أما الانحراف الثاني الذي تجنبوه فقد نفاه اللَّه تعالى عنهم بقوله عز من قائل: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وهذا وصف للعاصين، وهو المشاكسة التي تؤدي إلى القتل، فهذا مقابل للسلام في قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)، وقوله تعالى: (إِلَّا بِالْحَقِّ) الجار والمجرور متعلق (لا يَقْتُلُونَ) الحق هو الأمر الثابت الذي يسوغ القتل من اعتداء أثيم، أو زنى أو رِدَّة بعد إيمان، وهذا النص يفيد أن
стр. 7949
الأصل في النفوس الصيانة، وألا يعتدى عليها، ويحفظ أمنها، وأنه لَا تستباح الأنفس، إلا بحق كما قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. . .).
والأمر الثالث الذي نفاه اللَّه تعالى عن عباد الرحمن الاعتداء على النسل بالزنى، ولذا قال تعالى: (وَلا يَزْنُونَ)؛ لأن إشاعة الزنى تضيع النسل، ولا تجعل الناس في أمن ودعة، وتضعف الوحدة الإنسانية، ويكون الناس في تناحر، وتنزل بالقيمة الإنسانية إلى دركة الحيوانية، ولقد قال محمد ﷺ : " وما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة في رحم امرأة لَا تحل له ".
وقال ﷺ : " إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق، وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك ".
وقد ذكر عقاب هذه المآثم التي هي أمهات الرذائل فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) الآثام جزاء الإثم وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، أي أنه جزاء من نوع ما ارتكب، ولكنه جزاء كبير، وإطلاق الآثام بمعنى جزاء الإثم، وارد في اللغة العربية، فقد جاء في الكشاف هذا البيت من الشعر:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام
وإن هذا الأثام شديد، حتى إنه ليحسب أنه مضاعف الإثم ليس مثله، ولذا قال تعالى في بيان هذا الأثام وتوضيحه:
стр. 7950
(يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (٦٩)
إن اللَّه تعالى عدل، يجازي السيئة بمثلها، ورحيم يجازي الحسنة بعشرة أمثالها، فكيف يجعل العقاب ضعف الذنب، أجاب عن ذلك صاحب الكشاف بأن المضاعفة لأنه عقاب الشرك، وعقاب الذنب الذي ارتكب من قتل نفس وزنى، ونقول حينئذ لَا مضاعفة.
والذي يبدو لي - غير متطاول على مقام الزمخشري - أن العذاب شديد
стр. 7951
عنيف حتى إنه ليبدو لدى المعاقب، كأنه مضاعف للذنب، وإن المذنب دائما يحس بالجزاء كأنه أكثر من الذنب، فاللَّه تعالى يصور له العقاب كأنه مضاعف، ولأنه يتجدد آنًا بعد آنٍ، كلما فضجت جلودهم بدلهم اللَّه تعالى جلودا غيرها، فهو عذاب بعد عذاب، وبهذا التكرار الدائم يكون كأنه مضاعف.
وإنه عذاب دائم مستمر، ولذا قال تعالى: (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)، أي أنه مستمر مع مهانته الشديدة الواضحة الدائمة المستمرة، وكذلك يستبدل اللَّه.
بغطرستهم الجاهلية، واعتزازهم الظالم العاتي مهانة دائمة مستمرة، وقد استثنى العادل الحكيم الذين يتوبون في الدنيا، فقال:
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)
هذا الاستثناء من العذاب السابق ذكره في الآية السابقة، وقد ذكر ثلاثة أمور تخرج الشخص من دركة الكفر والطغيان إلى درجة الإحسان واستحقاق الثواب.
وأول هذه الأمور - التوبة، وثانيها - الإيمان، وثالثها - العمل الصالح فقال:
стр. 7952
(إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا).
أما أولها: وهي التوبة فهي أعلى درجات الاعتذار عن العمل السيئ، وقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته: " التوبة ترك الذنب على أكمل وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه، إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا أو فعلت وأسات وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة فمن اجتمعت له هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة ".
ولا شك أن من تكون له هذه الإنابة يغسل قلبه من أدران الشر، ويرحض
стр. 7953
عنه كل ما كان من المآثم التي ارتكبها في حال غيه، ولذلك يغفر اللَّه ما قد سلف، ويبتدئ التائب صفحة جديدة تحل محل صفحة السوء، ويبدل مكان السيئات حسنات، ويقول اللَّه تعالى في ذلك: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ. . .).
هذا هو الأمر الأول، وهو الأساس للأمرين الآخرين، بل هو النور الهادي لهما، أما الأمر الثاني: فهو الإيمان بأن ينتقل من دركة المعصية إلى درجة الوحدانية، ومن دركة الكفر بمحمد والقرآن والعناد إلى درجة الإذعان للحق والإيمان به والجهاد في سبيله.
وأما الأمر الثالث، فهو العمل الصالح، وقد قال تعالى: (وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) وإن ذلك العمل يؤكد الإيمان ويوثقه، لأن والعمل ثمرة الإيمان، أو هو جزء منه، كما أن ثمرة العلم العمل، والإيمان أعلى درجات العلم، إذ هو علم وتصديق وإذعان وتسليم، وقد أكد العلم فقال (وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا) وذلك بذكر المصدر تأكيدا لمعنى العمل، وليكون ذلك العمل بعد الإيمان مقابلا للعمل الذي كان في جاهليتهم، ولبيان أنهم يعملون عمل عباد الرحمن، الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
وقد بين جزاء هذه المثوبة الكاملة، وذلك العمل الصالح، والأيمان الكامل فقال: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) الفاء واقعة في جواب الشرط، أو ما هو في معنى الشرط، لأن الموصول في معنى الشرط، وأولئك إشارة إلى الذين كانت فيهم هذه الأحوال من توبة وإيمان وعمل صالح، والإشارة إلى الموصوف بصفات إشارة إلى هذه الصفات، وإلى أنها سبب الحكم، ولم تجد الحكم جزاء بالنعيم، وسيجيء ذلك من بعد، إنما الجزاء أن يبدل سيئاتهم حسنات، والتبديل هو التغيير، أي أنه يغير سيئاتهم، ويضع محلها حسنات، وإن ذلك بلا ريب واضح من التوبة، ذلك أن التوبة كما قررنا ترحض النفوس، وتزيل عنها أدرانها، وتجعلها مجلوة مصقولة، وصالحة لأن يحل محلها
стр. 7954
الطهر والنقاء، والعمل الصالح المجدي، ألم تر إلى عمر بن الخطاب الذي مكث يكابر ويغلظ في عناد، ويشتد على المؤمنين بضع سنين بعد البعث المحمدي، كيف تاب وآمن وعمل عملا صالحا، ألا تراه قد زالت مآثمه من قلبه وأحل اللَّه تعالى محلها عملا صالحا، فَحَلَّت الأعمال الصالحة ذات الأثر البعيد في الإسلام محل ما كان منه في الجاهلية، ولذا قال سبحانه (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) فالتبديل على هذا هو تغيير ما كان في النفس من أدران السيئات، وإحلال طيبات الأعمال والنيات محلها.
وختم اللَّه الآية بقوله تعالى: (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) هاتان صفتان من صفات اللَّه تعالى أنه يغفر السيئات ويسترها، ويرحم عباده بهذا الغفران، وكذلك شأنه الأعلى، شأنه سبحانه يقرب عباده بالغفران والرحمة وفتح باب التوبة لمن أراد من عباده الصالحين.
ثم قال تعالى:
стр. 7955
(وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)
في هذا النص السامي يبين اللَّه تعالى أن من يؤمن تائبا، ويعمل العمل الصالح ضارعا، فإنه يعود إلى اللَّه تعالى راضيا مرضيا، ويركن إلى اللَّه تعالى، وحسبه أنه ركن إلى اللَّه تعالى القوي القهار الغالب، يأمن بجانب اللَّه تعالى شر كل مخلوق، ومتاب - أحسب أنه اسم مكان، أي أنه يعود إلى مكان التوبة وملجئها الحصين الذي لَا يذل من يلجأ إليه، ويجعله حصنه الحصين، وركنه الركين، والفاء في قوله تعالى: (فَإِنَّهُ يَتُوبُ) الفاء واقعة في جواب الموصول؛ لأنه في معنى الشرط كما ذكرنا، وإن ذلك هو الثمرة الكبرى للتوبة.
وقال في الأحوال النافية لعباد الرحمن:
стр. 7956
(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)
الزور: هو كل باطل مزور مزخرف بحيث يؤثر في النفس مرآه، وهو زخرف باطل، فيدخل في ذلك اللهو العابث والقول الماجن، والكذب والفحش
стр. 7957
وفسوق القول، فعباد اللَّه الرحمن الذين شرفوا بالانتساب إليه لَا يحضرون هذا النوع من الباطل، لأنه من سوق الخطائين الذين تروج بضاعته بينهم، وبهذا تفسر الآية الآية، فلا يشهدون أي لَا يحضرون، فهم لَا يجلسون في مجالس الزور من الأقوال والأفعال، بل تستغرقهم مجالس العبادة، ومجالس الجد والأفعال الحميدة التي تعود بالنفع على الناس، وتدرس فيها الحقائق الكونية والمصلحية، وتروى فيها السنة النبوية، وتعرف فيها معاني الذكر الحكيم، والقرب من رب العالمين.
هذا تفسير للنص القرآني، ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى على أنه احتمالي: " يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين، فلا يحضرونها، ولا يقربونها تحرزا عن مخالطة الشر وأهله صيانة لدينهم عما يثلمه، لأن مشاهدة الباطل شركة فيه، ولذا قيل في النظارة إلى ما لَا تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم، لأن حضورهم ونظرهم دليل على الرضا به، وسبب وجوده والزيادة فيه، لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة، ورغبتهم في النظر إليه، وفي مواعظ عيسى ﵇: " إياكم ومجالسة الخطائين " وهذا نظر حسن، واتجاه سليم فإنه من المقررات أن أول الشر استحسانه، وأول الباطل حضوره.
هذا احتمال في معنى الآية وهو معنى حكيم سليم مرشد، وهو يليق بحال عباد الرحمن، وهناك احتمال آخر، وهو أنهم لَا يشهدون شهادة الزور، ويكون الكلام على حذف مضاف، فمعنى (لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) أي لَا يشهدون شهادة الزور وسميت الشهادة في هذه الحال الزور؛ لأنها كذب، وهي تكون في مجالس الظلم أو معاونة للظالم، أو معاونة على الظلم، ويصح لنا أن شهادة الزور التي يروج فيها الباطل، ويُنصر الظالم، وتؤكل أموال الناس بالباطل تكون داخلة في شهادة الزور، وحضور مجالسه.
ويقال للكذب زور لأنه مائل بالنفس عن قول الحق، وكأن طبيعة النفس ألا تقول إلا صدقا، والكذب انحراف بها وميل عن الصراط المستقيم؛ لأن القلب
стр. 7958
المخلص يتجه اتجاها مستقيما، ثم ينطق نطقا مستقيما، فينطق بالصدق، ثم يسير في خط الاستقامة إلى أقصى مداه، وهو خط الحكمة والفطرة الإنسانية.
ولقد قال تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) اللغو من الكلام ما لَا يعتد به وهو الذي يورد من غير روية وفكر، ليجري مجرى اللغا، وهو صوت الطير الذي يكون له معنى محدود، وكما يقصر اللغو على القول الذي لَا يكون له قصد معقول يقره العقلاء، كذلك يطلق على الأفعال العابثة، والمقابح التي يلهو بها بعض الناس في جلوسهم على المقاهي، وأهل اللغو من شأنهم أن يعيبوا غير المعيب، ويسخروا من أهل الفضل، ولا يجاريهم إلا من يكون على شاكلتهم في الأفعال والأقوال، ويقطعون الساعات في غير عبادة مقررة، ولا عمل نافع يقصد إليه، فعباد الرحمن لَا يخوضون مع هؤلاء في قول أو فعل، ولذا قال تعالى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي مروا معرضين، كما يقول اللَّه تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ. . .)، وكراما تدل أولا: على أنهم ينكرونه بقلوبهم لَا ينكرون ما يفعله أهله بألسنتهم، حتى لا يخوضوا معهم في حديث يجرهم إلى أن يجيء على مسامعهم رفث القول وفسوقه، وثانيا: يكتفون بالاستنكار السلبي، وذلك يفعل في النفوس ما لَا تفعله الأقوال، وهو موعظة واستنكار للأشخاص والأفعال، والأقوال، وثالثا: ينصرف إلى نفسه، فيهذبها عن اللغو، وذلك في ذاته دعوة إلى الجد، والابتعاد عن العبث وانصراف إلى المجد.
وسماهم في هذه الحال كراما؛ لأن الكريم يعلو بنفسه عن مواضع العبث والهذر والسخف، يقال تكرم فلان عما يشينه، وإكرم نفسه عن القبح، وفي ذلك إشعار بأن الخوض في العبث أو مشاركة أهله فيه هو مهانة كل المهانة، وحط كل الحطة.
ومن أحوال المؤمن السلبية، وإن جاء بشكل فيه مظهر إيجاب ما ذكره بقوله:
стр. 7959
(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)
ذكروا بآيات ربهم بأن تليت عليهم آياته إن كانت متلوة أو ذكروا بآية كونية في خلقه السماوات والأرض، وإبداعه في خلق الإنسان (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) الخرور في اللغة يطلق على السقوط الذي يكون صوتا أو النزول من أعلى إلى أسفل نسبيا بصوت، كخرور الماء فإنه نزول من مكان يعلو نسبيا إلى ما دونه، والخرور قد يكون معنويا بالسجود للَّه تعالى: (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) وإن خرور السجود حسي معنوي، فهو ينزل ساجدا للَّه تعالى فيلتقي فيه الخرور الحسي والخرور المعنوي.
ومعنى النص السامي أنهم إذا ذُكِّروا بآيات اللَّه تعالى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) والصمم والعمى هنا يراد به عدم الاعتبار بالآيات، فكأنهم صم لم يسمعوا، أو عميان لم يروا، وهذه أخلاق المشركين فهم الذين يخرون كالصم والعمى لَا يعتبرون ولا يدركون، وليس المواد وصف المشركين بهذا الوصف السلبي، فقط، بل إنه وصف المؤمنين عباد الرحمن بأنهم على نقيض وصف الظالمين يخرون سجدا وبكيا، فهم ليسوا كأخلاق هؤلاء لَا يعتبرون، بل يعتبرون ويخرون للَّه في كل آية يسمعونها، وفي كل عبرة يعتبرونها، وينظرون إلى خلق اللَّه تعالى نظرة مدركة مستبصرة مستهدية طالبة الرشاد، فهذا النص يشتمل على نفي الحال التي يكون عليها المشركون، فهم لَا يخرون صما وعميانا، بل يخرون ناظرين مدركين متفهمين، كقول العرب: مثلك لَا يبخل، فالمراد به في كلام العرب: أنت لَا تبخل.
وهنا إشارة بيانية نذكرها، وهي أن اللَّه تعالى يقول: لَا يخرون صما وعميانا بنفي الخرور، وفي ذلك إشارة إلى أن الآيات التي تتلى أو توجه الأنظار في المخلوقات من شأنها أن تجعل من يتأملها ويسمعها أن تجعله يخر خرورا لوضوح إعجازها ودلالتها، لكن عباد الرحمن يخرون سجدا وبكيا، والكافرون يخرون صما وعميانا.
стр. 7960
ذكر اللَّه تعالى بعد ذلك وصفا يدل على إخلاص قلوبهم لمن يجيء بعدهم من ذرياتهم، إذ يريدون أن تمتد التقوى في أعقابهم من بعدهم، فيقول سبحانه
стр. 7961
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)
هذا النص السامي يدل على أن أخلاق عباده أن يطلبوا الولد صالحا تقيا مؤمنا صادق الإيمان لَا أن يطلبوا النعم؛ لأن عمارة هذا الوجود بالولد، ولذا طلبوا هبته، ولم يطلبوا الحرمان، كما يطلب فجرة هذا الزمان المشئوم، كرر طلب الولد الصلبي في قوله تعالى: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا)؛ لأن الولد المنسوب إلى الأزواج وهو جمع زوج هو الولد الصلبي، وأما الولد من الذرية فهو من بعد الولد الصلبي، والذرية الأولاد من الظهور كالابن وابن الابن وبنت الابن، وذلك على اصطلاح الفقهاء، وهو مشتق من اللغة، ونرى أن النص يومئ إلى أنه من يكون من دمه، سواء أكان من أولاد الظهور، أم من أولاد البطون، ومهما يكن الخلاف في هذا فإنه لَا جدوى فيه من موضوعنا لأنه إن اقتصر في ناحية على أولاد الظهور، فمن ناحية أخرى يطلب غيره من يكون من أولاد الظهور له، وتعم الدعوة السلالات أجمعين إذا خلصت كل النفوس، وكانوا عباد الرحمن.
كان طلب عباد اللَّه الصالحين، أن تكون لهم أعقاب صالحة، عبروا عنها في دعوتهم بقوله (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) القرة من القرار وهو الاستقرار والثبات، ويقول الأصفهاني في مفرداته: إن الأصل فيه أنه من القر بضم الراء وهو البرد؛ لأن العين في حال تستقر، وتهدأ، إذ كانوا يرهبون الحر، لأنه عندهم يكون شديدا، وقالوا برد المتقين وغيرهم يقول حرار الإيمان، والمفهوم من قرة العين أن تكون مطمئنة بذكر اللَّه وأن يكونوا في سكينة الإيمان، وقرار العين مظهر من مظاهر سكون النفس، واطمئنان الفؤاد.
وقالوا في دعائهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمتَّقِينَ إِمَامًا) أي اجعلنا معشر عباد الرحمن -
стр. 7962
إماما - أي يقتدى بنا ونتبع في الهداية والتوفيق، وإمام معناها أئمة؛ لأن إمام مصدر يوصف به الواحد والجمع والذكر والأنثى.
ولقد بين جزاء من يكونون في هذه الأحوال الموجبة والسالبة، والمشبهة، فقال عز من قائل:
(أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)
يقول المفسرون الذين يتجهون إلى الإعراب ابتداء إن قوله أولئك
стр. 7963
(أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ. . .) خبر لقوله تعالى: (وَعبَادُ الرَّحْمَنِ)، وما وليها من صفات وأحوال، وأنا أقول، إن قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) هو مبتدأ وخبره، وما جاء بعد ذلك من معطوفات على الخبر، والمؤدى واحد، فليس الاختلاف اختلافا في المعنى، إنما اختلاف في الإعراب.
والإشارة هنا إلى أصحاب هذه الأحوال والصفات، ومن المعروف أن الإشارة إلى الموصوف تومئ إلى أن هذه الأوصاف سبب الحكم، وهو هنا الجزاء فهذه الصفات سبب ذلك الجزاء، وقد قال القرطبي في عبارة جامعة لهذه الصفات: " وأَوْصَافُهُمْ مِنَ التَّحَلِّي وَالتَّخَلِّي، وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ: التَّوَاضُعُ، وَالْحِلْمُ، وَالتَّهَجُّدُ، وَالْخَوْفُ، وَتَرْكُ الْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ، وَالنَّزَاهَةُ عَنِ الشِّرْكِ، وَالزِّنَى وَالْقَتْلِ، وَالتَّوْبَةُ وَتَجَنُّبُ الْكَذِبِ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُسِيءِ، وَقَبُولُ الْمَوَاعِظِ، وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ تعالى ".
والغرفة تطلق على علية البيت، واستعيرت للجنة أو لعلية الجنة أي أعلى مكان فيها؛ لأن هذه الصفات رفعتهم إلى أعلى درجات الإنسانية، فاستحقوا أعلى جزاء وهو الجنة أو أعلاها.
وإنهم يجدون في الجنة التي تسنموا أعلاها، وكانوا في الذروة الترحاب والأنس والكمال ويجدون مع هذا كله الأمن والسلام والاطمئنان والقرار، ولذا قال تعالى: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا) لقَى هي مضعف لقى أي يلقون في قوة
стр. 7964
راحمة تحية طيبة، وهي اللقاء الطيب، مع الأنس والاحترام والإقبال، كما قال تعالى: (. . وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا)، والسلام الأمن والاطمئنان، فلا يزعجون يشيء مما يزعج به أهل الدنيا، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، (سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صبرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ).
وهنا إشارة بيانية في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَروا)، أي أن هذا الجزاء الموفور الذي هو أعلى درجات الجنة بما صبروا، أي بسبب صبرهم وذكر ذلك تصويرا لصبرهم الدائم المستمر، وذلك لأن هذه الطاعات تحتاج إلى إرادة قوية صابرة، فإنها قمع لشهوات التعالي في الدنيا، والغطرسة والسلطان، وغيرها من الغرائز الإنسانية، فقد قمعوا هذه الغرائز وشذبوها، وجعلوها في ناحية الخير لَا تعدوها.
وإن اللَّه كَضَل هذه النعمة بدوامها، وبقائها، وخلودهم فيها فقال تعالى:
стр. 7965
(خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)
إذ النعم ينقصها فناؤها، وهذه نعمة كاملة لَا تفنى ويخلد فيها أصحابها، وكما قال في عذاب جهنم (سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) قال في هذه (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)، أي هذه الغرفة العالية في الجنة نعم هي مستقرا فيها حين يستقرون ونعم هي مقام طيب خالد.
قال تعالى مخاطبا الخارجين عن طاعته، وفيه التفات من عباد الرحمن إلى المشركين.
стр. 7966
(قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)
الخطاب للنبي ﷺ ليوجه إلى المشركين خطاب اللَّه تعالى، وقد أمر النبي ﷺ بأن يخاطبهم بهذا الخطاب؛ لأنه نبيهم المرسل؛ ولأنهم يعاندونه ويتحدونه، ويكفرون، فأمره سبحانه بأن يذكر لهم أن اللَّه تعالى لَا يباليهم، ولا يهتم لهم لولا تصحيح اعتقادهم.
стр. 7967
و (ما) نافية، ومعنى ما يعبأ لَا يبالي، ولا يحمل عبئكم لولا دعاؤكم، أي لولا عبادتكم عبادة صحيحة تؤمنون فيها بالواحد، فالدعاء هنا العبادة، ودعاء اللَّه عبادته، أي أنه سبحانه لَا يهتم بكم إلا لأجل تصحيح عبادتكم، ويصح أن يقال إن الدعاء هنا هو دعوتهم إلى العبادة الصحيحة والمؤدى واحد، وفي الأول يكون " دعاؤكم " الدعاء منهم لِلَّهِ تعالى، وفي الثاني يكون الدعاء من اللَّه ورسوله إليهم ليعبدوه .
وجعل بعضهم اللفظ يحتمل هذا المعنى لولا دعاؤكم الأوثان وعبادتهم، وذلك ضلال في عقولكم، وأفن في أنفسكم، واللَّه لَا يرضى لعباده هذا الضلال، ونحسب أن التخريج بعيد في تأويله وتفسيره.
وقال تعالى: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) الفاء للسببية، أي لَا يبالي سبحانه بكم لولا أنه يدعوكم بالحق، وبسبب تكذيبكم لَا يعبأ بكم لَا يبالي (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) الفاء عاطفة وسوف لتأكيد الوقوع في المستقبل، واللزام مصدر لازم، فمصدر فاعل فِعال ومفاعلة، وهو ملازمة العذاب لهم، وقد قال تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩).
ومعنى النص في الآية الكريمة السامية لَا يبالي بكم ربكم لولا دعاؤكم أن نعبدوا اللَّه وحده، ولكن كذبتم دعوة الحق وأصررتم على تكذيبكم، فسوف يكون العذاب ملازما لكم وتكونون خالدين فيه.
* * *
стр. 7968
(سُورَةُ الشُّعَرَاءِ)
تمهيد:
هي سورة مكية نزلت بمكة إلا آية ١٩٥، وآية ٢٢١، وعدد آياتها ٢٢٧،
وسميت الشعراء؛ لأن في آخرها قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤).
وسورة الشعراء أكثرها خصص للنبيين، والعبرة فيهم.
ابتدأت السورة بالحروف المتقطعة التي لَا يعلمها إلا اللَّه، ثم ذكرت حرص النبي ﷺ على إيمان المشركين من قريش (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونوا مُؤْمِنِين) وإن اللَّه تعالى خالقهم قدر لهم ماهم، فلن تغير (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)، وقد وصف حالهم فقال:
(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)
فقد كذبوا قبل أن يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، وقد نبههم سبحانه إلى أنهم كذبوا والآيات تخبرهم بإبداع الخالق ووحدانيته (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩).
وقد ذكرهم سبحانه بالذين كانوا أقوى منهم سلطانا، وابتدأ بذكر فرعون، ويلاحظ هنا أنه سبحانه لم يكرر ما ذكر في خبر هذا الموضع من أنباء موسى وفرعون، إلا ما يقتضيه السياق عما ذكر في غيره، فهنا ذكر ما كان بين فرعون وموسى في مرباه في بيته، ولم يذكر من قبل (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧).
стр. 7969
هنا يبتدئ ذكر تربية موسى، ولم يذكر من قبل: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)، هنا يعترف الرِسول بفعلته، (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)، أخذ فرعِون يسأل عن رب العالمين (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)، فأجاب موسى (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) هنا يرميه بالجنون كما قالت قريش ولكن موسى يصر على التعريف بربه فيقول:
(قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)
وعند ذلك يهدد فرعون موسى
بسجنه إن اتخذ إلِها غيره (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) بهره الأمر، ولكنه لم يذعن، وظن أنه سحر، وقال (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ)، ولم يكن غريبا ذلك، لأن السحرة كانوا علماءهم، والتفت إلى أصحابه والملأ حوله، (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩).
وكأنه كان يتردد في جمع الناس، حتى لَا يؤثر فيهم ما يأتي به موسي، اجتمعوا والسحرة وطلب السحرة أجرا على ما يفعلون إن كانوا هم الغالبين فوعدهم بالأجر، وأكثر من الأجر، وهو أن يكونوا من المقربين إليه، لكن السحرة، خيبوا ظنه، وآمنوا برب موسى وهارون، فقال: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩).
احتدم الخلاف، موسى يدعو إلى ربه، وفرعون يعذب، فأوحى اللَّه تعالي: (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكم مّتَّبعونَ)، وأرسل فرعون يستنصر بقومه الذين لم يعاينوا خذلانه، وشهادة السحرة عليه (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا
стр. 7970
لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)، (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢).
وأوحى اللَّه تعالى إلى موسى (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)، وأنجى اللَّه موسى وبني إسرائيل، وأغرق الآخرين.
بعد هذه الأحزاء من قصة موسى وفرعون، والمتأمل فيها يجد أنها ليست مكررة إلا بما يقتضي المقام ذكره، وما يذكر يجد المتأمل فيه نوع اختلاف وتوجيه، لم يذكر في غير هذا الموضع، وكل كلام اللَّه تعالى له حلاوة، وعليه طلاوة.
وجاء من بعد ذلك قصص أبي الأنبياء إبراهيم، وفيه يبتدئ إبراهيم باستنكار عبادة الأوثان، ويبين لقومه أنها لَا تصلح أن تكون معبودا، لأنها لَا تسمع ولا تنفع ولا تضر: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣).
ويردون قوله بأنهم وجدوا آباءهم يفعلون، فينذر بهم إبراهيم ويقول إنهم عدو لي إلا رب العالمين، ويصف ربه تعالى، وأفعاله فيقول: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢).
ويتجه من بعد إلى ربه يدعوه (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١).
ثم بين ما يكون يوم القيامة عندما يلتقي الكافرون وما يعبدون من دون الله: (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤).
стр. 7971
بعد ذلك أشار إلى قصص نوح وقومه: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢).
ثم أشار سبحانه إلى عاد ورسولهم هود، وقد دعاهم كما دعا نوح، وكذبوه كما كذب قوم نوح، فقال لهم:
(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨).
ولقد ذكر بعد ذلك قصة ثمود ونبيهم صالح، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩).
стр. 7972
ثم يذكر سبحانه مشيرا إلى قصة نبي الله لوط، وقومه الفاسقين فقد نصحهم وأرشدهم إلى عيبهم الفاسق الفاجر، (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)، وقد لجوا في طغيانهم يعمهون (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥).
ولقد ذكر بعد ذلك قصة شعيب ﵇ مع أصحاب الأيكة قال لهم شعيب:
(إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١).
وبعد هذا البيان القصصي الذي فيه عبرة ببيان أحوال من سبقوهم من أهل الكفر وتشابه أقوالهم، ذكر سبحانه القرآن الحجة الكبرى، والمعجزة الخالدة المستمر إعجازها فقال:
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١).
ثم بين سبحانه أن العذاب يجيئهم من حيث لا يشعرون، (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرونَ)، ثم يذكر سبحانه أنهم كانوا يستعجلون عذاب اللَّه، فيقول سبحانه وتعالي:
(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧).
стр. 7973
وقد بين اللَّه أنه ما أهلك قرية إلا بعد إنذارها فقال: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢).
ويدعو اللَّه تعالى نبيه ومَن معه، ومنِ أرسل إليهم، فيقول: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠).
وبين من تنزل عليه الشياطين، (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣).
وبين بعد ذلك أنه بمنأى عن الشعر والشعراء، فقال:
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧).
* * *
стр. 7974
معاني السورة
القرآن مبين، والنبي منذر ومبشِّر
قال اللَّه تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
* * *
стр. 7975
(طسم) هذه حروف ابتدأت بها السورة، وقد ذكر أن معناها على الحقيقة لا نعلمها، بل اختص بها علم اللَّه تعالى واللَّه بكل شيء عليم، وقد نعرف حكمتها على قدر طاقتنا، وهي الإشارة إلى أن القرآن مكون من الحروف التي تنطقون بها، ولكنكم تعجزون عن أن تأتوا بمثله؛ لأنه من عند الله، ولأن النبي ﷺ أُمي لَا يقرأ ولا يكتب، فهو يعرف الكلمات ولا يعرف الحروف، فذكرها في القرآن دليل على أنه ليس من عند ذلك الأُميّ إنما هو من العالم بكل شيء الذي لا يغيب عن علمه شيء فى السماء، ولَا في الأرض، ولأن كبار المشركين قالوا فيما بينهم (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، فإذا ابتدأت السورة بهذه الحروف الصوتية استرعاهم صوتها، فجاءوا متلهفين للاستماع، ويذهب عنهم ما اتفقوا.
стр. 7976
ولذا كانت أكثر السور المفتتحة بهذه الأحرف، يعقبها ذكر القرآن، وهنا جاء بعد هذه الحروف الصوتية قوله تعالى:
стр. 7977
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
- الإشارة في قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) للسورة أو آيات مضافة إلى الكتاب، والإضافة بمعنى (من) أيَّ آيات من الكتاب، وأضيفت إلى الكتاب كأنها كل الكتاب؛ لأن كل آية من الكتاب فيها خصائصه من إعجاز، وبيان وروعة، وكانت الإشارة بـ (تلك) التي تدل على البعد لعلو منزلتها، وارتفاع قدرها، وسموّ مكانها، و (الْمُبِينِ) معناها البين في ذاته والمبين للشرائع والتوحيد، وهداية البشر، وما من شيء يتعلق بالإيمان وشرائعه إلا بينه، لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فهذا الكتاب أو بعضه واضح الدلالة على أنه من عند اللَّه تعالى بإعجازه، ولقد كان محمد الصدوق طول حياته حتى إنه ما عرفت له كذبة قط، وهو الشفيق على قومه حريص على أن يؤمنوا به، حتى لَا تفوته فضيلة التصديق، ولا يفوتهم خير الإيمان، ولذا قال تعالى:
стр. 7978
(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)
البخع قطع خيط العنق، أي إصابة النخاع الشوكي الذي يسير في فقرات العنق، فإن ذلك نهاية الفرج (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين) الضمير المنسبك من أن وما بعدها فاعل باخع، أي يبخعك ويقتلك ألا يكونوا مؤمنين، وهذا كقوله تعالى في أول سورة الكهف: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)، وكقوله تعالى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات) وقلنا إن فاعل: باخع هو ألا يكونوا مؤمنين، بعدا عن التأويل، لأن ما لَا يحتاج إلى التأويل أولى بالأخذ مما يحتاج إلى تأويل، ولأن التأويلات فيها بعد، وفيها خروج عن معنى الآية الظاهر.
وقوله: (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يشير إلى أن بخع نفس الرسول ﷺ ؛ لأنهم لم يكونوا مؤمنين أي لم يؤمنوا، والضمير كينونتهم أنهم من المؤمنين، فيكونوا قوة، وهم أقرب الناس إليه، وهو عليهم شفيق.
وقد بين أن اللَّه أراد أن يكونوا مختارين في إيمانهم، فيؤمنوا بعد الموازنة بين حالهم، وما يدعوهم إليه النبي، فيكون التكليف بعد الاختيار والموازنة، ويكون الجزاء على الإيمان، والجزاء على الامتناع.
стр. 7979
قال عز من قائل:
стр. 7980
(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)
(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً)، أي معجزة من السماء قاهرة تقسرهم على الإيمان قسرا بحيث لَا يكون لديهم احتمال التكذيب أو الرد، أو التفكير، فيؤمنوا مقهورين مقسورين، غير مفكرين، وما كانت مثل هذه الآية من عند بعث أي رسول، بل كانت عقابا عاجلا في الدنيا على كفرهم على الاختيار، وبها ينتهي أمرهم وجدلهم.
والتعليق بـ (إنْ) يومئ إلى أن اللَّه لَا يغفل جلت قدرته؛ لأنه سبحانه كما تدل أعماله، يريد التكليف لَا مجرد الامتناع عن الشر والعصيان.
وقال سبحانه ما يدل على أن الآية التي لو شاء لأنزلها قاهرة مانعة من المخانعة، ولذا قال (عليهم) الدالة بكلمة (على) على القهر والقسرة، وذلك غير ما أودعه اللَّه الإنسان من علم وفكر أراد له به الخلافة في الأرض، وفضله على الخلق أجمعين، حتى على الملائكة، إن استقام وسار على الجادة.
(فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، أي فظلوا واستمروا لها خاضعين، وعبر عن خضوعهم بالأعناق على سبيل المجاز المرسل، إذ عبر باسم الجزء عن الكل، لأن لهذا الجزء مزية في هذا المقام عن بقية الأجزاء، إذ هو مظهر الخضوع والخنوع، وللإشارة إلى أن استكبار الكافرين هو الذي منعهم من الإيمان فعبر بهذا للدلالة على أنهم يخضعون ولأن العنق يعبر به عن الكبراء المتجبرين، فيقال عنق القوم أي كبارهم المسيطرون أو المتغطرسون، وهذه الآية كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)
وكقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) وعبر بخاضعين التي هي وصف العقلاء بدل خاضعات التي هي مقتضى السياق للدلالة على أن المقصود من ذلك هو الأشخاص.
стр. 7981
ومما يجب التنبيه إليه أنه عبر بالماضي في معنى المضارع للدلالة على تأكد خضوعهم وأنهم يظلون خاضعين غير متمردين، ولكنه أراد الاختيار تكريما لبني آدم في الأرض كما أراد أن يجعله خليفة.
وقد بين تلقي المشركين للقرآن، فقال عز من قائل:
стр. 7982
(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٦)
- الذكر هنا ليس القرآن كله، إنما هو بعض ما ينزل من مواعظ مذكرة، وقصص وأحكام تذكر، وعبَّر بلفظ، (وَمَا يَأتِيهِم مِّن ذِكرٍ) على أن ذلك قريب محدث مجرد لمعنى التذكر والتفكر لمن هو أهل لذلك، إلا كانت حالهم حال إعراض، فالاستثناء من أعم الأحوال، والجملة بعد (إلا) منصوبة في معناها على الحال. وإن هذا الذكر من الرحمة بهم؛ لأن التذكير رحمة، ولذا قال تعالى: (مَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ منَ الرَّحْمَنِ) أي من اللَّه تعالى الذي هو مصدر الرحمة، والذي لَا يكون منه إلا ما هو رحمة، فهم يعرضون عن الذكر وهو رحمة بهم، فكل شيء منه رحمة جزاؤه رحمة، وعقابه رحمة، ومواعظه وشرائعه رحمة، و (مِن) في قوله تعالى: (مِّن ذِكرٍ) لبيان عموم الاستغراق، ومن الثانية للابتداء وبيان من صدر عنه التذكير الذي هو رحمة للعباد، وكانوا دالة على استمرارهم في الإعراض كأنه شأن من شئونهم، وحال دائمة من أحوالهم، وتقديم (عَنْهُ) عن متعلقها، وهي (معرضين) لأن التقديم يفيد معنى الاختصاص، أي كأنهم لا يعرضون إلا عن الحق، ومن فساد نفوسهم لَا يعرضون عن باطل، بل لا يعرضون إلا عن الحق لأنه يلائم فساد نفوسهم، وضلال تفكيرهم.
وقال تعالى:
стр. 7983
(فَقَدْ كَذَّبُوا ... (٦)
الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فإنه يترتب على هذا الإعراض التكذيب، أي بسبب ذلك الإعراض قد كذبوا الحق لما جاءهم، وبسبب ذلك سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن الذي يؤثر في شأنهم، وإن المواعظ، والذكر الحكيم كان فيه إنذار بما يقع لهم في العاجلة والآجلة، ففي العاجلة يجعل اللَّه
стр. 7984
كلمة الذين كفروا السفلي، وكلمة الحق هي العليا بتوالي هزائم الشرك حتى تطهر منه أرض العرب، وفي الآخرة بعذاب الجحيم، ولذا قال تعالى: (فَسَيَأتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ) الفاء كما أشرنا لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها والسبب لتأكيد الوقوع في المستقبل، والأنباء هنا الوقائع التي أنبا عنها القرآن الكريم، والنبي الحكيم، فهم يرون هذه الأخبار وقائع تقرع حسهم، وتنبه غافلهم، وتوجه اليقظ إلى الحق الصريح الواضح البين.
وقوله تعالى: (أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) توبيخ لهم على استهزائهم، وقد كان له هذه الوقائع القارعة، وتقديم الجار والمجرور على يستهزئون فيه اختصاص نسبي، أي لَا يستهزئون إلا بالحق، وقلوبهم معرضة، ونفوسهم مصروفة عن الحق إلى الباطل، فلا يستهزئون له، وهذا تصوير نفسي لانحرافهم عن الجادة، والتواء تفكير، حتى لَا يكون منهم إلا الباطل وتأييده، ونصرته.
وإن هذه الآية كقوله تعالي: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥).
مع لجاجتهم في الكفر والتكذيب والاستهزاء يذكرهم تعالى بنعمه عليهم بإيجاز فيقول:
стр. 7985
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)
- الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى التوبيخ، والواو عاطفة على فعل محذوف تقديره في القول افعلوا ذلك، ولم ينظروا، وهذا توبيخ على فعلهم؛ لأنهم استهزءوا بالحق، ونعم اللَّه تحوطهم وتستغرقهم (يَرَوا) معناه يرون، ولكنها هنا نظرة تأملية متتبعة وليست نظرة عاجلة خاضعة، بل ترجع البصر حينا بعد حين؛ ولذا كانت التعدية للدلالة على التتبع متبصرين إلى الأرض كيف ينبت
следующие страницы →