← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

ومما يجب التنبيه إليه أنه عبر بالماضي في معنى المضارع للدلالة على تأكد خضوعهم وأنهم يظلون خاضعين غير متمردين، ولكنه أراد الاختيار تكريما لبني آدم في الأرض كما أراد أن يجعله خليفة. وقد بين تلقي المشركين للقرآن، فقال عز من قائل:

стр. 7982

(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٦) - الذكر هنا ليس القرآن كله، إنما هو بعض ما ينزل من مواعظ مذكرة، وقصص وأحكام تذكر، وعبَّر بلفظ، (وَمَا يَأتِيهِم مِّن ذِكرٍ) على أن ذلك قريب محدث مجرد لمعنى التذكر والتفكر لمن هو أهل لذلك، إلا كانت حالهم حال إعراض، فالاستثناء من أعم الأحوال، والجملة بعد (إلا) منصوبة في معناها على الحال. وإن هذا الذكر من الرحمة بهم؛ لأن التذكير رحمة، ولذا قال تعالى: (مَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ منَ الرَّحْمَنِ) أي من اللَّه تعالى الذي هو مصدر الرحمة، والذي لَا يكون منه إلا ما هو رحمة، فهم يعرضون عن الذكر وهو رحمة بهم، فكل شيء منه رحمة جزاؤه رحمة، وعقابه رحمة، ومواعظه وشرائعه رحمة، و (مِن) في قوله تعالى: (مِّن ذِكرٍ) لبيان عموم الاستغراق، ومن الثانية للابتداء وبيان من صدر عنه التذكير الذي هو رحمة للعباد، وكانوا دالة على استمرارهم في الإعراض كأنه شأن من شئونهم، وحال دائمة من أحوالهم، وتقديم (عَنْهُ) عن متعلقها، وهي (معرضين) لأن التقديم يفيد معنى الاختصاص، أي كأنهم لا يعرضون إلا عن الحق، ومن فساد نفوسهم لَا يعرضون عن باطل، بل لا يعرضون إلا عن الحق لأنه يلائم فساد نفوسهم، وضلال تفكيرهم. وقال تعالى:

стр. 7983

(فَقَدْ كَذَّبُوا ... (٦) الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فإنه يترتب على هذا الإعراض التكذيب، أي بسبب ذلك الإعراض قد كذبوا الحق لما جاءهم، وبسبب ذلك سيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن الذي يؤثر في شأنهم، وإن المواعظ، والذكر الحكيم كان فيه إنذار بما يقع لهم في العاجلة والآجلة، ففي العاجلة يجعل اللَّه

стр. 7984

كلمة الذين كفروا السفلي، وكلمة الحق هي العليا بتوالي هزائم الشرك حتى تطهر منه أرض العرب، وفي الآخرة بعذاب الجحيم، ولذا قال تعالى: (فَسَيَأتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ) الفاء كما أشرنا لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها والسبب لتأكيد الوقوع في المستقبل، والأنباء هنا الوقائع التي أنبا عنها القرآن الكريم، والنبي الحكيم، فهم يرون هذه الأخبار وقائع تقرع حسهم، وتنبه غافلهم، وتوجه اليقظ إلى الحق الصريح الواضح البين. وقوله تعالى: (أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) توبيخ لهم على استهزائهم، وقد كان له هذه الوقائع القارعة، وتقديم الجار والمجرور على يستهزئون فيه اختصاص نسبي، أي لَا يستهزئون إلا بالحق، وقلوبهم معرضة، ونفوسهم مصروفة عن الحق إلى الباطل، فلا يستهزئون له، وهذا تصوير نفسي لانحرافهم عن الجادة، والتواء تفكير، حتى لَا يكون منهم إلا الباطل وتأييده، ونصرته. وإن هذه الآية كقوله تعالي: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥). مع لجاجتهم في الكفر والتكذيب والاستهزاء يذكرهم تعالى بنعمه عليهم بإيجاز فيقول:

стр. 7985

(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) - الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى التوبيخ، والواو عاطفة على فعل محذوف تقديره في القول افعلوا ذلك، ولم ينظروا، وهذا توبيخ على فعلهم؛ لأنهم استهزءوا بالحق، ونعم اللَّه تحوطهم وتستغرقهم (يَرَوا) معناه يرون، ولكنها هنا نظرة تأملية متتبعة وليست نظرة عاجلة خاضعة، بل ترجع البصر حينا بعد حين؛ ولذا كانت التعدية للدلالة على التتبع متبصرين إلى الأرض كيف ينبت

стр. 7986

فيها النبات، ويستغلظ سوقه، ويقوى عوده حتى يصير طعاما في ذاته أو حبا متراكبا، وهكذا، ولذا قال تعالى: (كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) كم - هنا هي الخبر الدال على الكثرة، وموضعها في الإعراب النصب أي كثيرا ما أنبتنا فيها (مِن كُلِّ زَوْجٍ) من بيانية، أي أنبتنا من زوج أي شيئين متقابلين في اللون أو الذكورة والأنوثة، وغير ذلك من كل شيئين متقابلين في الألوان والطعوم، وكريم - أي كثير المنافع في الأكل والملبس، والمأوى، وإن هذه الجملة السامية فيها من دلائل الإعجاز بإيجاز القصر، الذي تكثر فيه المعاني مع قلة الألفاظ، فهذه الجملة شملت كلَ ما في معاني الإنبات، وثماره من زرع وغراس نخيل وعنب، وفواكه من كل ما تشمله الألفاظ، وتراه الأعين.

стр. 7987

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ... (٨) الإشارة إلى الإنبات، أي إن في ذلك لآية، أي لعلامة تدل على قدرة القادر، ونراها كل يوم في حياتنا الخاصة والعامة، وهي حولنا تنبئنا بالعليم الخبير، القادر على كل شيء، فحولنا النخيل والأعناب، وحولنا الحب المتراكب، والزروع والحشائش التي تأكل منها أنعامنا، وتدر علينا الدر الوفير، ولكن مع هذه الآية الباهرة والدلائل القاهرة أكثرهم لَا يؤمنون، ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) (كان) هي الدالة على الاستمرار، أي وقد استمر أكثرهم غير مؤمنين؛ لأنهم لم تدرك عقولهم، ولم يتدبروا ولم يتفكروا.

стр. 7988

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) الواو عاطفة على ما ذكر من آيات بينات. والتعبير بربك للإشارة إلى معاني الخلق والربوبية والكلاءة والحفظ والرعاية والقيام على الحياة والأحياء، لأنه الحي القيوم (لَهُوَ) اللام لام التوكيد، (العزيز) أي الغالب (الرحيم) المتصف بصفة الرحمة الدائم، فهو رحيم بهذا الخلق والتكوين، ورحيم بهذه الرسائل التي أرسلها على أيدي الرسل، ورحيم بالبعث والنشور، ورحيم بكل ما ورد به الرسل من معجزات دالة على رسالاتهم، ورحيم بالعقاب والثواب، لأن ذلك حمل على الخير، وجزاء عليه. * * *

стр. 7989

من قصة موسى ﵇ قال تعالى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)

стр. 7990

فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) * * * هذه قصة موسى وفرعون، والمقاولة التي جرت بين موسى الكليم، وفرعون الجبار العنيد، وإن فيها جزءا لم يذكر في قصة موسى وهارون، وهي المجاوبة التي كانت بين كليم اللَّه ومربيه حتى بلغ رشده، وفيها عَتْب المربي ودفاع من تربى ومجابهته بالحق القوي الصريح، وجاء ما هو مذكور في غير هذا الموضع من قصة العصا، ثم قصة النجاة، التي سنذكرها في موضعها فيما يلى، وإن ذكر التربية هو الذي اختصت به القصة، وجاء ذكر المعجزة، وأعمال السحرة تابعا، ولا يعد ذلك تكرارا لأصل القصة، إن كان طاغوت فرعون يذكر فيما تشبه التكرار تنبيها على الظلم والطغيان، كما يكرر ذكر طلب التوحيد، والنهي عن الشرك.

стр. 7991

(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١). الواو عاطفة هذا الكلام على ما سبقه، أو دالة على الاستئناف و (إِذْ) متعلقة بمحذوف، تقديره اذكر، أي اذكر لقومك قصة موسى، والتعبير بربك إشارة إلى أنه الكالئ الحامي المدبر القيوم على كل شيء، (أن) حرف تفسير للنداء، نداء اللَّه تعالى جلت قدرته، فالنداء (ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

стр. 7992

قَوْمَ فِرْعَوْنَ) وصفوا بالظلم؛ لأنهم هم الذين مكنوا فرعون من ظلمه، فكانوا ظالمين؛ لأنهم الذين أقاموه، وأيدوه، وطاوعوه، ومهدوا، وصاروا آلة طيعة لتنفيذ مظالمه، وإنه لا يسأل العامة عن ظلم الخاصة، حتى يروا الظلم فلا يستنكروه، وكذلك كان أهل مصر، وعبر عنهم بقوم فرعون لأنهم كانوا له تبعا، وقد فني وجودهم في وجوده، (أَلا يَتَّقُونَ) هذه جملة مستأنفة دالة على أنهم لم يتقوا، وأفرطوا في اتباع فرعون، وكان إسرافهم على أنفسهم، إذ إنهم لما لم يستنكروا أوغل هو في الطغيان بمقدار إسرافهم في الخضوع، فرد الطغاة وقاية للأنفس، واتقاء للَّه، و (ألا) دالة على التحريض والحث على التقوى، وهنا التفات من الخطاب إلى الغيبة، للدلالة على الغضب عليهم، وهناك قراءة بالخطاب ألا تتقون، ويكون النص محرضا لهم على التقوى. وإن ذلك النص بعد فوات قرون، فيكون معناه أنهم كانوا في حال كان يجب أن يحرضوا فيها على التقوى، وأن موسى ﵇ حرضهم عليها، ولم يتركهم لأنفسهم، وفي ذلك إشارة إلى أنه يجب أن يقمع كبراء قريش، وألا يستسلم الناس لهم، ويخنعوا لعبادة الأوثان. وهناك قراءة بكسر نون (أَلا يَتَّقُونَ) وتكون منيبة عن ياء المتكلم، أي ألا تتقون اللَّه رب العالمين. (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)

стр. 7993

هذا جواب موسى لربه، وقد فصلت هذه الجملة لأنها جواب عن سؤال مقدر، وكيف أجاب موسى، وصدر كلامه بالنداء لربه، للدلالة على شعوره بأنه في كلاءته، وأنه سيعمل في رعايته وحمايته،

стр. 7994

(إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبونِ) بكسر النون للإشعار بأن ياء المتكلم محذوف، والخوف هنا لَا يتضمن معنى النكوص عن الاستجابة لربه، إنما يتضمن معنى تقدير الموقف وإرادة الاستعداد، والشعور بعظم المهمة التي كلفه اللَّه تعالى إياها، وإنها تحتاج إلى جمع كل ما عنده من قوة، وقد أحس بموضع الضعف فيه، وهو البيان مع توقع الضيق والحرج، ولذا قال:

стр. 7995

(وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) ضيق الصدر هو من التكذيب والمباهتة في قوة من فرعون، وطغيانه، فيكون في شدة من هجوم الباطل المؤزر بالطغيان الفرعوني، مع حبسة اللسان فلا يستطيع رد إنكار أولئك الكاذبين المكذبين المزودين بطغيان عظيم، ولذا استغاث بربه قائلا: (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) والفاء لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، أي فإنه يترتب على هذه الحال التي أكون عليها أن أطلب إليك أن ترسل إلى أخي هارون بأن تجعل له رسالة معي، و (إلى) تدل على أن النهاية أن يكون رسولا معي، وِهذا كقوله تعالى: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥). أجاب اللَّه تعالى طلب موسى ﵇، وقال في آية أخرى: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) ولكن موسى ﵇ ذكر أن له عندهم ذنبا، وأنه يخاف أن يقتلوه فقال:

стр. 7996

(وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) والنون مكسورة منيبة عن ياء متكلم محذوفة، والذنب ليس إثما ذاتيا، إنما هو ذنب عندهم، فهو ذنب لهم، قد قدر موسى الكليم أن يسطوا عليه ويقتلوه، وذلك الذنب أنه قتل واحدا من المصريين، لاعتدائه على إسرائيلي من قومه، وقد قال تعالى في ذلك في سورة القصص (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ

стр. 7997

هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧). هذا هو الذنب، وسنتكلم في مقدار كونه ذنبا عندما نتكلم على هذا في سورة القصص قريبا إن شاء اللَّه تعالى. أجابهما اللَّه تعالى على طلب هارون، وعلى بث روح العمل، ودفع الخوف، فقال:

стр. 7998

(كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) (كَلَّا) حرف للرد مع ردع، أو قوة في الرد، والفاء للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كان ذلك ما تخاف فاذهبا، والخطاب بالتثنية دليل على أنه أجيب سؤله بالنسبة لهارون (فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا) أي محملين بالآيات التي تدل على الرسالة، فإنه إذا كان قويا بسلطانه، فأنتما قويان بالحق الثابت بالآيات الباهرة القاهرة التي لَا يماري فيها إلا أثيم، ثم طمأنهما على أنه لَا يؤذيهما، فقال: (إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ) وقد أكد نصرتهما بثلاث مؤكدات أولها - إنَّ الدالة على التوكيد، والثاني المعية، في اللَّه معهما، ومن كان اللَّه معه لَا يغلب ولا يرهب أبدا، والثالثة أنه مستمع لما يجري مرتب عليه ما يستحقه أهل الطغيان، وهذا كقوله في سورة طه (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).

стр. 7999

(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لأن المترتب على الأمر بالذهاب أن يأتياه ويخاطباه بأنهما رسول رب العالمين، وأفردت رسالتهما بالتعبير برسول رب العالمين للإشارة إلى أن الرسالة التي أرسلا بها واحدة، وأنهما كرسول واحد، وأن موسى يتلقى أمر ربه ويعاونه هارون في التوضيح والتبيين، فهما رسولان لرسالة واحدة، وقد ذكر أنهما رسولان في سورة طه، فقالا: (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ)،

стр. 8000

على أساس أنهما رسولان، وإن كانت الرسالة واحدة، وأسندت إلى رب العالمين أي ربك ورب آبائك الأولين، ورب الناس أجمعين، فهو خطاب يوجب الخضوع للَّه تعالى من فرعون طاغية الأرض، ومن معه من قومه الذين يمالئونه، ويشجعونه.

стр. 8001

(أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) أن هنا تفسيرية، أي أن تفسير القول هو هم أرسل معنا بني إسرائيل، ويلاحظ هنا أن الرسالة ليست لبني إسرائيل خاصة؛ إنما هي دعوة إلى التوحيد، ورفع الظلم، وابتدى ببني إسرائيل، لأن ظلمهم صارخ، إذ هو يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. هذا الكلام الذي سبق كله كان أمر اللَّه تعالى لموسى، وكان كلام موسى وهارون لفرعون، فبماذا أجاب فرعون؟. (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) ابتدأ الكلام بعتب، واتهام بكفر النعمة، أو كفره بألوهيته، قال فرعون

стр. 8002

(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَليدًا) الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. والمعنى: لقد ربيناك فينا، أي في وسطنا مكرما فينا عزيزا، أي خلطناك بأنفسنا خلطا وكأنك منا، (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)، أي أقصت فينا مختلطا بنا سنين، الظاهر أنه بقي فيهم حتى بلغ الرشد، وصار شابا سويا، يدبر أموره، ويعرف غاياته، ومقام رب العالمين، وخصوصا أن جزءا من التربية كان مع أمه، كما قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) ويقال إنه مكث في بيت فرعون إلى أن بلغ ثلاثين سنة، والراجح عندنا أنه مكث حتى صار رجلا سويا، بدليل ما آتاه اللَّه من قوة عندما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه. ثم ذكر بعد المودة المقربة، ما فيه لوم له

стр. 8003

(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ... (١٩) قرئت بفتح الفاء في فعلتك وكسرها، وعلى الفتح تكون للمرة وعلى الكسر تكون للهيئة،

стр. 8004

والمعنى في كلتا القراءتين القتلة التي قام بها الرجل القبطي، إذ استغاثه الذي من شيعته، قال فرعون: (وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، أي الكافرين بألوهيته، وبأنه لم يكن ليذعن له كما يذعن الذين يعدونه إلها، ويقول لهم ليس لكم من إله غيري، وقال بعض المفسرين: المراد كفر النعمة، ولا نحسب أن فرعون يرى من كفر نعمته قتل واحد من الرعايا، ولو كان ذا صلة به كخادم أو نحوه، فموسى فيما أحسب كان أقرب إليه من كل الخدم، إذ امرأة فرعون قد اتخذته لها وله ولدا. لم ينكر نبي اللَّه تعالى أنه فعلها كما وصف، ولكن أنكر أنه ملوم لكفره به، فقال:

стр. 8005

(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فعلتها إذ ذاك وأنا من الضالين، ضلالا بريئا، والضلال البرئ يكون بالجهل والنسيان والبعد عن التأني والصبر، وأخذ الأمور، والاكتفاء في الدفاع عن الحق بأقل الأضرار التي ينزلها بالمعتدي، فنبي اللَّه النقي يعترف بأنه لم يسلك طريق الجادة المستقيمة، وهذه حال موسى ﵇ وإذاً معناها إذ ذاك، فالتنوين عوض عن المضاف إليه مرتبا الواقعة على مقدماتها من شر في القبطي أو المصري، معترفا بأنه ضال ضلالا بريئا كما ذكرنا. ولما فعلها فَرَّ، فقال:

стр. 8006

(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ... (٢١) الفاء عاطفة، وقد ذكر أسباب الفرارِ وكيف كان في سورة القصص، فقال عز من قائل (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١). والفاء في قوله تعالى: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عاطفة، والحكم هو الحكمة أي التجربة، وبعد أن كان غفلا في النعمة في قصر فرعون اكتسب حكمة وتجربة، وعمل وكسب، فإن الشدة تصقل النفس، وتربي الحكمة ووزن الأمور والأفعال، ويصح أن يكون الحكم بمعنى الرسالة، والأول أولى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، وجعلني رسولا من المرسلين الذين أرسلهم رب العالمين، فقد جعله اللَّه تعالى من أولي العزم من الرسل.

стр. 8007

ثم بين كليم اللَّه أن النعمة التي يمنُّ بها عليه هي نعمة سببها أشد النقم؛ لأنها كانت بسبب إيذائك المطلق لبني إسرائيل مما جعل أمه تلقيه في تابوت في اليم فيكون في قصر فرعون، فلولا هذه النقمة الفاجرة ما كانت تلك النعمة الِتي تمنُّ بها، وتستطيل عليَّ بذكرها، ولذا قال:

стр. 8008

(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) الإشارة إلى نعمة التربية وليدا وإنه لبث فيهم من عمره سنين (تَمُنُّهَا عَلَيَّ) أي تمنُّ بها عليَّ أنَّك عَبَّدْت بني إسرائيل، وفي هذا إشارة إلى سبب النعمة، وهو أنه عَبَّدَ بني إسرائيل وأذلهم وذبح أطفالهم، واستحيا نساءهم فاضطرت أمه إلى ما كان مؤديا بإنعام الله إلى قصره، وإشارة أيضا إلى أنه يقابل هذه النعمة إذلاله لقومه بني إسرائيل. اتجه فرعون من بعد ذلك إلى السؤال عن رب العالمين: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) -

стр. 8009

الاستفهام من فرعون عن الذات العلية يتعرف ماهيتها وحقيقتها، فالاستفهام بم يدل على ذلك؟ أي ما هو؟ ما ذاته؟ قال موسى مجيبا، إجابة هادية مرشدة إلى أن الذات لَا يستفسر عنها، إنما يعرف رب العالمين بخلقه، فقال:

стр. 8010

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) ورب السماوات تتضمن أنه خالقهما وموجودهما والقائم عليهما، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزولَا) وما بينهما هو الفضاء القائم، والذي تكون فيه السحاب وينزل منه المطر، وذكر السماوات فيه إشارة إلى أن اللَّه رب الشمس التي كانوا يعبدونها باطلا باسم رع (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ)، أي إن كنتم تريدون الحق الذي تسيرون عليه في طريق اليقين والإذعان، ولكن فرعون خشي على قومه من أن يتأثروا بقول موسى الكليم، فأراد أن ينبههم إلى سلطانه

стр. 8011

(قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) النص تحريض منه لمن حوله على الاستماع والتأمل وهو جدير بالنظر والتفكر، موهما لهم أن ذلك لَا يناقض ألوهيته ولا يعارضها، ولكنه جدير بالنظر، وقد يكون ذلك استنكارا لأن يكون لأجرام السماوات والأرض موجه غيره

стр. 8012

مما جعل موسى ﵇ يوجه للتعريف برب العالمين إلى مقام آخر، يبين عظم ربوبيته على الماضين والحاضرين وإنكم وفرعون لستم إلا طبقة من طبقات الوجود الإنساني:

стр. 8013

(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) التفت فرعون لمن حوله كأنه ينبههم إلى إنكار موسى لألوهيته المقررة الثابتة عندهم، فنبههم موسى أولا: إلى أن اللَّه ربكم الذي خلقكم وأنشأكم، وخلق آباءكم الأولين ورباهم وكونهم، فهل فرعون خلق وقدر، وهو المخلوق الذي لا يخلق، ولا يقدر، وثانيا: إلى أن اللَّه رب آبائكم الأولين قبل أن يوجد فرعون، وثالثا: إلى أن الرب يجب أن يكون قديما باقيا، ولا يكون محدثا فانيا، كفرعون. - كان كلام موسى ﵇ متضمنا حجة قوية لإبطال ألوهية فرعون، وإنه بشر كسائر البشر، لَا يملك خلقا ولا إنشاء، ولذلك اتجه فرعون إلى رمى موسى بالجنون أولا، وتهديده بالسجن، فقال:

стр. 8014

(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) أول رمية رمى فرعرن بها موسى هي الجنون، كما كان المشركون يقولون ذلك عن النبي ﷺ ، وفي ذلك تسرية عن النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وأكد فرعون جنون موسى بـ إنَّ، وبلام التوكيد، وبالجملة الاسمية، وذكره بوصف الرسالة تهكما وإمعانا في الإنكار والتنفير، وأنه مع جنونه المدعى أرسل إليكم، وفى ذلك تحريض على استنكار رسالته كأنه يقول: اختير لكم رسول مجنون. ولكن موسى كليم اللَّه لم يرعه ذلك الكلام الباطل، ولم يهتز له، بل استمر فِى بيان بطلان ألوهية فرعون، فقال أن ربه رب الكون: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) أي أن أقصى سلطان فرعون أن يكون في مصر، ومصر ليست إلا جزءا من الأرض، والرب الخالق يكون رب الجميع من سكان الأرض، والسماوات، والشرق والغرب، فهل تستطيع أن تدعي هذا؟ بل إنك لَا يمكن أن

стр. 8015

تتطاول إلا على أهل مصر، الذين تعودوا الخنوع لحكامهم في ماضيِهم وحاضرهم، فقول موسى ﵇ لطاغوت مصر عن رب العالمين

стр. 8016

(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إبطال واضح لألوهية فرعون المدعاة، وقد التفت موسى إلى من حوله الذين ينادون بألوهيته فقال محرضا لهم على التفكير بعقولهم، فقال: (إِن كنتُمْ تَعْقِلونَ) أي إن كنتم ذوي عقل تعقلون، وتعلمون أن الألوهية ليست أجزاء مجزأة، إنما هي سلطان على الوجود كله. عندئذ أيقن فرعون أنه ينكر ألوهيته، وأنه يحرض من حوله على إنكارها، ويدعوهم إلى إعلان بطلانها، هذا وفي ذكر المشرق والمغرب بيان لقدرة اللَّه تعالى الباهرة، وتنبيه إلى ما يشاهدونه كل يوم من شروق الشمس وغروبها في المغرب، والشمس بذلك تنتقل في مداراتها، فهل فرعون يفعل هذا، إنه ليس برب، ولا بإلهٍ. اتجه فرعون إلى حجته التي يحسبها دامغة، وهي ذريعة الطغيان فقال:

стр. 8017

(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) اللام هي الممهدة للقسم، وقد أكد تهديده بقول يشبه القسم، أو أقسم بما يقسم به مثله في طغوانه، واتخذت معناها: جعلت لك إلها غيري، وكأن الألوهية أمر يجعل، وليس إذعانا لحقيقة ثابتة في الوجود يخضع لها العبد بسلطان الربوبية وبسلطان الفطرة المدركة الواعية، وذلك ضلال كل من كان الطاغوت ديدنهم الذي لَا يخالفونه، (لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) هذا تهديد لموسى ﵇، أي لألقين بك في السجن، حيث لَا تستطيع قولا، وتكون في ضمن المسجونين الذين لَا يسمع لهم صوت، ولا قول. ولكن موسى كليم اللَّه لم يرعه ذلك، ولم يرهبه، بل أخذ يدير القول إلى الحجة والبرهان فقال لفرعون:

стр. 8018

(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) كان فرعون رجلا يؤمن بالأمر المحسوس، فجاراه موسى ﵇ فيما يؤمن فقال ما قال: (أَوَلَوْ جِئْتكَ) الواو عاطفة على فعل محذوف تقديره يناسب

стр. 8019

المقام، وكأن سياق القول أتسجنني، ولو جئتك بشيء مبين، أي بحجة واضحة مبينة لرسالتي، ولبطلان ألوهيتك وعجزك، والشيء هو المعجزة الكبرى التي جاء بها موسى في ضمن تسع آيات بينات، وعبر بشيء في هذا المقام لأن العصا، وما معها شيء، ولتقريب القول إلى فرعون، ولتكون الحجة نتيجة لما يقاوله ويبطل قوله. وفرعون يحسب أنه يعجز عن أن يأتي، فيقول:

стр. 8020

(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) أي إن كان شأنك أنك صادق في زمرة الصادقين ولست كذابا ولا بهاتا، ولا مفتريا على فرعون وألوهيته. * * * المعجزة * * *
следующие страницы →