Полный текст (8 373 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
(رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إبطال واضح لألوهية فرعون المدعاة، وقد التفت موسى إلى من حوله الذين ينادون بألوهيته فقال محرضا لهم على التفكير بعقولهم، فقال: (إِن كنتُمْ تَعْقِلونَ) أي إن كنتم ذوي عقل تعقلون، وتعلمون أن الألوهية ليست أجزاء مجزأة، إنما هي سلطان على الوجود كله.
عندئذ أيقن فرعون أنه ينكر ألوهيته، وأنه يحرض من حوله على إنكارها، ويدعوهم إلى إعلان بطلانها، هذا وفي ذكر المشرق والمغرب بيان لقدرة اللَّه تعالى الباهرة، وتنبيه إلى ما يشاهدونه كل يوم من شروق الشمس وغروبها في المغرب، والشمس بذلك تنتقل في مداراتها، فهل فرعون يفعل هذا، إنه ليس برب، ولا بإلهٍ.
اتجه فرعون إلى حجته التي يحسبها دامغة، وهي ذريعة الطغيان فقال:
стр. 8017
(قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)
اللام هي الممهدة للقسم، وقد أكد تهديده بقول يشبه القسم، أو أقسم بما يقسم به مثله في طغوانه، واتخذت معناها: جعلت لك إلها غيري، وكأن
الألوهية أمر يجعل، وليس إذعانا لحقيقة ثابتة في الوجود يخضع لها العبد بسلطان الربوبية وبسلطان الفطرة المدركة الواعية، وذلك ضلال كل من كان الطاغوت ديدنهم الذي لَا يخالفونه، (لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) هذا تهديد لموسى ﵇، أي لألقين بك في السجن، حيث لَا تستطيع قولا، وتكون في ضمن المسجونين الذين لَا يسمع لهم صوت، ولا قول.
ولكن موسى كليم اللَّه لم يرعه ذلك، ولم يرهبه، بل أخذ يدير القول إلى الحجة والبرهان فقال لفرعون:
стр. 8018
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)
كان فرعون رجلا يؤمن بالأمر المحسوس، فجاراه موسى ﵇ فيما يؤمن فقال ما قال: (أَوَلَوْ جِئْتكَ) الواو عاطفة على فعل محذوف تقديره يناسب
стр. 8019
المقام، وكأن سياق القول أتسجنني، ولو جئتك بشيء مبين، أي بحجة واضحة مبينة لرسالتي، ولبطلان ألوهيتك وعجزك، والشيء هو المعجزة الكبرى التي جاء بها موسى في ضمن تسع آيات بينات، وعبر بشيء في هذا المقام لأن العصا، وما معها شيء، ولتقريب القول إلى فرعون، ولتكون الحجة نتيجة لما يقاوله ويبطل قوله.
وفرعون يحسب أنه يعجز عن أن يأتي، فيقول:
стр. 8020
(قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)
أي إن كان شأنك أنك صادق في زمرة الصادقين ولست كذابا ولا بهاتا، ولا مفتريا على فرعون وألوهيته.
* * *
المعجزة
* * *
стр. 8021
(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)
الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، أي أنه بمجرد أن طلب الدليل جاءه تباعا معقبا للطلب، وكان الجواب عملا وليس قولا، ألقى عصاه في الأرض، فإذا هي ثعبان، (إذا) للمفاجأة أي فوجئ الناظر، فوجدها ثعبانا مبينا أي واضحا بينا،
стр. 8022
وأتبعه بمعجزة أخرى، وأخرج يده، ففوجئ أيضا بأنها بيضاء للناظرين، وكان قد أخرجها من جيبه، فإذا هي بيضاء من غير سوء، كما قال تعالى في سورة القصص (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
ويظهر أنه لم تكن يده في أصل خلقته بيضاء ناصعة البياض، فتغير لونها مفاجأة إلى ناصعة يعد معجزة حسية في ذاتها، وهي تومئ إلى أن يده ستكون مقدم خير على بني إسرائيل، وعلى مصر، إذ تكون قاضية على طغيان فرعون، ثانيا: حيرت المعجزة أو المعجزتان فرعون فرمى موسى بأنه ساحر ماهر عليم بالسحر، وأنه يريد بهذا السحر أن يخرج أهل مصر من أرضهم
стр. 8023
(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)
ثم أثار نخوتهم الوطنية، أو العداوة التي كانت بينهم وبين الهكسوس، فقال:
стр. 8024
(يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)
حمله فرعون حماية لطغيانه أمرين:
الأمر الأول: أنه بهذا لَا يريد هداية وتعليما وإرشادا وإصلاحا، ولكن يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، والإخراج يكون بألا يكون لكم سلطان في الأرض، بل يكون الأمر لغيركم وتكونون عبيدا تعيشون على هامش الحياة فيها.
الأمر الثاني: أن يكون له سلطان عليكم، وذلك ذهاب لسلطانكم، وإخراج لكم من دياركم، وإن ذلك كله بسحره، وهذا ينبئ عن الفزع، ولكنه فزع يتصور الويل والثبور وعظائم الأمور، وإلا ما كان السحر ذاته مزيلا للملك، ومخرجا من الديار.
وإنه في هذا يستحث قومه على معاندة موسى، وألا يميلوا كل الميل له، لأنه عدو الديار، ويكل الأمر إليهم (فَمَاذَا تَأمُرُونَ) يطلب استشارتهم متطامنا خاضعا، وقد أحس أن الأمر يخرج عن سلطانه، فيقول في استشارتهم فماذا تأمرون، أي ما الذي تأمرون به، وإني أنفذه.
أجابوا عن ذلك بأنهم يستفزون الشعب كله، وكأنهم توهموا أن في سحر موسى ما يخرج من الديار.
(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)
стр. 8025
(قَالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) أي أرجئه وأخاه، وحذفت الهمزة في آخر الكلمة تخفيفا، والهاء ضمير يعود على موسى ﵇، والمعنى أرجئه وأرجئ أخاه أمدا، وقيل أنه حبسهما، وليس عندنا ما يدل على ذلك، إنما الذي يدل عليه القول هو أنه أجلهما أمدا معلوما ليختبر الدليل الذي قدَّماه، ولا نحسب أنه كان عنده قوة على الحبس، فقد اضطرب أمره، وتحير تدبيره، وكان في فزع قد فوجئ بأسبابه، فاختل ميزان طاغوته، هذه هي الوصية الأولى التي تقدموا بها،
стр. 8026
والثانية: هي قولهم، وابعث في المدائن حاشرين. المدائن جمع مدينة، وحاشرين - جمع حاشر، أي جامع للناس يجمعهم في ميقات يوم معلوم، وسمي حاشرا للدلالة على أنه يجمع أكبر عدد ويحشرهم حشرا،
стр. 8027
(يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)
(يَأْتُوكَ) جواب الأمر فهو مجزوم لذلك، وفعل الشرط، (ابعث)، و (السَّحَّار) صيغة مبالغة من السحر، أي أنهم بارعون في السحر، لَا يغلبون، علماء بأسبابه، وما يكون فيه، بحيث لَا يغيب عنهم باب من أبوابه ولا طريق من طرائقه، ولا منهاج من مناهجه.
стр. 8028
(فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)
الفاء للترتيب والتعقيب النسبي، أي
فجمع السحرة باتخاذ الطريق الذي رسموه، والمنهاج الذي حفظوه، واللام بمعنى في، وهي كاللام في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ. .).
وهذا الميقات المعلوم كان باقتراح موسى ﵇، كما قالِ تعالى في سورة طه: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩).
وإن هذا يدل على أنه لم يكن مسجونا كما ادعى بعض المفسرين:
стр. 8029
(وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)
القائل للناس مجهول غير مذكور، فمن هو القائل أهو فرعون؟ أم هم الحاشرون الذين بعثوا ليجمعوا الناس؛ وكان هذا الاستفهام للتأكد من اجتماعهم أجمعين وأنه لم يتخلف أحد، وللدلالة على العناية بالاجتماع لخطر موضعه، ولشدة حاجة فرعون إليه.
وقال الداعي غير المذكور أو الذي جهل
стр. 8030
(لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)
لَعَلَّ للرجاء، وهو يدل على أنهم غير متأكدين من علمهم، كما أنه وجد أيضا أمر آخر، يدل على الشك في القلب، وهو التعبير في التعليق بإن الدالة على الشك، لَا بـ إذا الدالة على التحقيق، وفي تعبيرهم (نًتَّبِعُ السَّحَرَةَ) يشير إلى أنهم يسيرون وراءهم في حكمهم إن غلبوا.
стр. 8031
(فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)
لم يكونوا مؤمنين بفرعون الإيمان كله، بدليل أنهم طلبوا منه أجرا على عملهم، وكان عدولا في طلبهم؛ لأن حدودا الأجر بالوصول إلى الغاية كالطبيب الذي يطالب بالأجر على الشفاء لَا على العلاج والعمل، ولذا قالوا مؤكدين في حال الغلب (إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) فأكدوا الأجر في حال الغلب بعدة مؤكدات أولها (كُنَّا)، لأن كان تدل على الكينونة الثابتة المستمرة التي تكون بعد المعركة والمغالبة، وثانيها - نحن - فهي تأكيد للضمير في (كُنَّا)، وثالثها - ذكر الغالبين بالوصف والتعريف، أي ولم ننهزم أمام موسى، بل غلبناهم، وهكذا ابتدءوا.
أجابهم فرعون بقوله:
стр. 8032
(قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)
أقر طلبهم أولا،
بقوله (نعم) الدالة على استحقاقهم، وعدالة طلبهم، وقرر جزاءين:
الجزاء الأول: الأجر، وقال: إن لكم لأجرا مؤكدا الأجر بأنه لهم.
واستحقاقهم، وإنه أجر كبير لتنكير أجرا، أي أجرا عظيما لَا يقادر قدره.
والجزاء الثاني: الذي يعد جزاء كبيرا عند الملوك والطغاة، وهو أن يكونوا مقربين، وهذا التقريب إليه، يتضمن مزايا معنوية في نظرهم، وهو الرضا السامي، كما كنا نسمع من عبارات الثناء على المقربين عند الملوك والذين كانوا يقلدون فرعون في طغوانه، وإن كانوا في معاملة الرعية شرا منه، ويتضمن مزايا أخرى بأنهم ينالون جزاء مما يسلط على العباد بتسليطهم، ويتضمن مكاسب مادية من السعاية والإفساد، وقد أكد قربهم منه بمؤكدات أولها: إنَّ، وثانيها: اللام، وثالثها: الحكم بأنهم يكونون من ذوي الزلفى المحيطين به، فيكونون في ظلامه وظلمه، وبين أن ذلك نتيجة عملهم وذلك بالتعبير بـ (إذن) أي أنه نتيجة عملكم، حثا لهم على الجد والعناية.
* * *
стр. 8033
اللقاء
قال الله تعالى:
(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
* * *
التقى السحرة بموسى، وقال لهم:
стр. 8034
(أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) فهو يعطيهم حق الابتداء ليأتوا بكل ما عندهم، ومكنهم من أن يكون بدء الرمي لهم ليسترهبوا الناس الحاشدين المجتمعين، ويكتسبوا من ذلك حماسة وقوة اندفاع، وهو يعلم أن اللَّه معه، وهو غالبهم بنصر اللَّه تعالى وقوة الحق الذي لَا يمكن اللَّه تعالى - الباطل منه أبدا.
стр. 8035
(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ... (٤٤)
الفاء للعطف والتعقيب، أي أنهم سارعوا بإلقاء حبالهم وعصيهم، وكان لهم أثر شديد في نفوس المجتمعين كما جاء في سورة
стр. 8036
الأعراف (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦).
وقالوا وهم يلقون الحبال والعصي التي سحروا بها أعين الناس (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) أي متيمنين مقسمين بعزة فرعون مؤكدين بذلك أن الغلب لهم وأكدوا عليه أولا بـ أن، وباللام، وبـ نحن المؤكدة للضمير تأكيدا لفظيا. وبقصر الغلب عليهم بتعريف الطرفين أي أنهم وحدهم الغالبون دون غيرهم، ولن يغلب موسى وقد قالوا ذلك بعد التأكد من الأجر الكبير والتقريب.
стр. 8037
(فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)
والفاء أيضا للعطف والتعقيب أي سارع موسى ﵇ معتمدا على اللَّه تعالى، وعلى عزته، وقدرته سبحانه القاهرة، وقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ) هي للمفاجأة، أي أنه كانت المفاجأة الكبرى لهم وللحشد المجتمع، تبتلع ما يأفكون، أي تلقف الحبال والعصي التي كانوا يكذبون بها ويصرفون عن المعجزة بسحر أعين الناس واسترهابهم، والإفك بتضمن معنى الكذب والصرف عن الحق الواضح الجلي، وهنا تبدو المعجزة جلية بينة لأهل الخبرة في السحر، ويعلمون أن ما جاء به موسى ليس من نوع السحر، بك هو إعجاز اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى عنهم:
стр. 8038
(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)
والفاء كما قلنا لترتيب والتعقيب أي أنهم فور ما رأوا أن العصا تلقف ما يأفكون، فتبتلع مادة سحرهم التي تسحر العيون، ووجدوا حقيقة لَا تخييلا ولا وهما، فكان الحق فأسرعوا بالسجود، وقوله تعالى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)، مبني للمفعول إشارة إلى أن إيمانهم وإذعانهم للحق هو الذي ألقاهم ساجدين، وكأنهم غير مختارين ولا مريدين، فالسجود كان مساوقا للعلم الذي أوتوه من معجزة موسى ﵇، و
стр. 8039
(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) لأنه المنشئ القاهر القدير الكالئ الحامي.
стр. 8040
(رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)
وإن هذا يدل على صفاء نفوس هؤلاء، وقد أشرنا في الآيات السابقة إلى أنهم لم يكونوا مذعنين لما يدعيه فرعون، كما يبدو من لحن أقوالهم.
стр. 8041
وإن أولئك آمنوا حقا وصدقا، إذ إنهم تركوا الأجر، وكان كبيرا، وتركوا الازدلاف إلى فرعون والقرب منه والتحكم باسمه، ورضوا بأن يُقطعوا ويصلبوا وذلك هو الإيمان حقا وصدقا.
طغى طغيان فرعون، وظهر حمقه، فبدل أن يذعن للحكم الذي اختاره ثار عليهم وقال:
стр. 8042
(قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)
داهية نزلت بألوهية فرعون، وتأثيره في قومه، وبطلان حجته في رد موسى أمام حشد مجتمع، من مدائن مصر كلها ليشهدوا نصرته، فشهدوا بطلان حجته، وهزيمته، فاستخدم الطغيان ليحول الأذهان، ولتكون رهبته محل حجته (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) إذا جعلنا همزة أستفهام، في القول، وإذا لم يكن استفهام يكون ذكر الإيمان قبل الإذن منه، هو الاستنكار، كأنه ملك قلوبهم وأجسادهم وخواطرهم ونوازع نفوسهم، وهذا شأن كل جبار متحكم، كأنه ملك الأفئدة والعقول والنفوس؛ لأن الذين حوله يوعزون له بذلك، وبأن هذا حق الله فرضته الطاعة، ثم الألوهية الباطلة، وقوله تعالى - له - أي مذعنين خاضعين له.
ولم يفرض أنه الحق بموجب علمهم، وتفريقهم بين باطل السحر، ومعجزة الحق، بل فرض أنه كبيرهم الذي علمهم السحر ليموِّه على الناس، فقال إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فأنتم تتبعون معلمكم ولا تتبعوني.
ثم انتقل من التضليل إلى التهديد كشأن الطغاة دائما إذا ما حل بهم الدليل يسترون عجزهم بالتهديد، فيقول: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، واللام تفيد توكيد التهديد، وسوف - لبيان تأكيد العلم في المستقبل، وهو علم معاينة لَا علم إخبار، ولذا ذكر مما هدد به نافذا واقعا (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) أي: يد من جانب، ورجل من جانب، (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) إن التصليب يكون مقارنا للقتل، فكأنه هددهم بأمور ثلاثة أولها
стр. 8043
التعذيب بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وثانيها - القتل، وثالثها - التصليب؛ ليكونوا عبرة لغيرهم، إذ هم أول من شقوا عصا الطاعة، ونبذوا ألوهيته وراء ظهورهم.
هذا صوت التهديد الفرعوني فلنسمع صوت الإيمان، فقد أجابه المؤمنون بقولهم:
стр. 8044
(قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
الضَّير: المضار وإيقاع الضرر، أي لَا تملك أن تضارنا، فإنا قد عرفنا ما عندك، وقدرة ربنا، وأن ما عندك أمر ضئيل إلى زمن محدود، وما عند اللَّه باق لا ينتهي، وضررك ضرر عاجل موقوت ندفعه ويدفعه اللَّه عنا بخير دائم غير موقوت، وكأنَّهم لقوة إيمانهم يقولون: ما أنت، وما عذابك؟ إنه أذى ساعة، وما عند اللَّه خير دائم: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) انقلب إليه، أي ترك ما هو فيه راجعا إلى الخير العظيم، و (إِلَى رَبِّنَا) متعلق بمنقلبون، وكان تقديمه لبيان الاختصاص وأنهم يرجعون إلى ربهم، لَا إلى غيره من أشباه فرعون.
стр. 8045
(إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
إيمان قوي وصبر على البلاء، ورجاء ما عند اللَّه العزيز الحكيم، وذكروا طمعهم في غفرانه، ولم يذكروا تأكدهم منه؛ لأن شأن المؤمن الذي يذكر سيئاته أن يرجو ولا يطمع، ويخاف ولا يتأكد، ولتذكرهم لما أخطئوا به في جنب اللَّه لم يذكروا في طمعهم إلا أن يغفر لهم خطاياهم، والخطايا جمع خطيئة، وهو الإثم الذي استغرق النفس حتى امتلأ بالباطل، وكذلك كانوا في عهد الرحمن، وأي خطيئة أعظم من أن يعبدوا فرعون وهو الجبار حتى طمع فيهم وأذلهم، وأذل أرض مصر ومن فيها.
وقد قالوا في الخير الذي فعلوه مقابلين به الطمع في الغفران (أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) من أهل مصر قوم فرعون، وأن وما بعدها مصدر في موضع جر باللام المحذوفة. وتقدير القول، لأن كنا أول المؤمنين أي لكوننا أول المؤمنين.
* * *
стр. 8046
النجاة
قال تعالى:
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)
* * *
الواو استئنافية، وهي استئناف لبقية القصة الصادقة قصة موسى وفرعون الصادقة المصورة لوقوف الحق أمام جبروت أطغى الطغاة، وفي هذا الجزء من القصة خبر النجاة للمظلومين أمام الظالم وملئه.
стр. 8047
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ) الإسراء هو السير ليلا، وقد صرح بالليل في القصة في بعض السور، وعبادي جمع عبد، والمراد بهم
стр. 8048
بنو إسرائيل الذين كان فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، والتعبير بعبادي فيه إشارة إلى أن اللَّه عامل على إنقاذهم من فرعون وقومه، وأنه منقذهم كما شاء سبحانه.
ساروا متجهين إلى البحر، وأدرك فرعون أنهم عاملون على الإنقاذ، فخاف، وتوقع الأذى من بعد ما كان منه لموسى وهارون، وللسحرة الذين عاندوه، وقاوموا طغيانه ورفضوا ألوهيته، ولجئوا إلى اللَّه تعالى، وظهر خوفه وتوقعه الضرر، فأرسل رسله، كما قال تعالى، وعلل سبحانه السير ليلا بقوله:
(إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)
стр. 8049
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)
الفاء للترتيب والتعقيب والمعنى سارع فور انفصالهم وأرسل - حاشرين - أي جامعين للناس من كل مدائن مصر، وذلك ليلاحقهم بالأذى والقتل، وبرر دعوتهم لحربهم أو بالأحرى لقتلهم وسهل أمرهم بقوله:
стр. 8050
(إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) الشرذمة الجماعة المنقطعة التي لَا ناصر لها، وقد وصفهم بالقلة، فقال قليلون، وبذلك ذكر فيهم وصفين لاستضعافهم:
أولهما - أنهم منقطعون عن قومهم، ونصرائهم.
الثاني - قليلون، وذلك ليشجع قومه على اتباعهم وإهلاكهم، ويبين خوفه منهم، وإن حالهم مع انقطاعهم، وإنهم قليلون، وذكر غيظه منهم قائلا:
стр. 8051
(وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وأنهم قليلون يتوجب الحذر منهم، فقال:
стр. 8052
(وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)
أي نخشى شرهم ونتوقعه، وذلك كما بدا من ضعفه أمامهم، فإن الحق يرهب أقوى الأقوياء ولو كان فرعون ذا الأوتاد، وقد أكد حذره وحذر من معه بعدة مؤكدات منها (إنَّ) الدالة على التحقيق، والتأكيد بجميع - والثالث - اللام.
ورابعها - التعبير بالجملة الاسمية الدالة على الاستمرار، كان إيذانا، لنخوفهم، وضياع الأمر من أيديهم، وإن أمر مصر يتساقط من جموحهم؛ ولذا قال تعالى:
(فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)
стр. 8053
الفاء للعطف مع الترتيب والتعقيب، أي أنه سبحانه بعد هذا الفزع بين مآل أمرهم، وقد يقال: يكون إغراقهم معقبا لقول فرعون مع أن بينهما حوادث، والجواب عن ذلك الإشارة إلى أن اللَّه تعالى قدر ذلك واقعا وتكوينا، عندما أخذ فرعون الطاغي ومعه ذلك الذعر، فكأنه وقع عقبه، لتأكد وقوعه.
الجنات - هي مصدر ذاتها، فكأنها لعموم زرعها وثمارها، وأنها في وسط الصحارى من حولها شرفا وغربا، كأنها جنات في أعلاها وأدناها، وعيون، جمع عين، وهي الماء الثر النابع من جوف الأرض، وفي ذلك إشارة إلى نيلها السعيد الذي يجري من أعلاها لأدناها، وقد كانت الآبار بين مصر وليبيا، تجري فيها عيون الماء، فتخصبها، وكانت الأرض بينها وبين تونس، وكانت تسمى أفريقيا، وكانت أرضها مملوءة في باطنها بالمعادن والفلزات، وكنوز من سبقوهم من الفراعنة، كما لَا تزال آثار من قبل فرعون موسى، مملوءة بالآثار الدالة على قوة سلطانهم وثرائهم، والكنوز، الآثار أو كل ما استبطنته الأرض من معادن وكنوز - ومقام كريم - أي المقام اسم مكان من قام يقوم، أي مقام طيب حسن مع الاحترام والإجلال، وهي المنازل المشيدة.
ولمن تكون هذه المنازل بعدهم قال تعالى:
стр. 8054
(كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)
أي أخرجناهم ذلك الإخراج من الجنات والعيون والكنوز، والمقام الكريم لنورثها بني إسرائيل، فنجعلهم ورثتهم، وقد كانوا يستضعفونهم، ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وكان ذلك ظلما، فأورث اللَّه المظلوم ظالمه، وهذا كقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥).
стр. 8055
(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)
لم يحس قوم فرعون بهم إلا في الصباح، (فَأَتْبَعُوهُمْ) أي ساروا وراءهم ولحقوهم، يقال اتبعه أي لحقه، وسار سيرا مسرعا وراءه، و (مُشْرِقِينَ)، أي وقت الشروق متجهين شرقا وراءهم، فقد اتجهوا إلى ناحية البحر الأحمر، حيث المعجزة الظاهرة الباهرة، وهو فلق البحر كل فرق كالطود العظيم، وقد جد جيش فرعون الذي دعا فيه بالنفير العام حتى تراءى لهم ففزع بنو إسرائبل منهم؛ لأن سابق الأذى خلع قلوبهم خلعا، ولذلك كان الخوف الشديد وقال تعالى:
(فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)
следующие страницы →