Полный текст (2 090 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وجوب الوفاء بالعهد
ثم قال: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، وهذا عام يعم كل ما سبق، فعهد الله هو كل ما عهد إلينا بحفظه أو باجتنابه، وكل شيء عهد الله جل وعلا إلينا بأن نعمله أو ألا نعلمه يجب أن نفي به، ويكون من الخصوصيات في هذا، والأيمان والمواثيق التي تحدث بين الناس وبين الدول يجب أن يوفى بها، بل من باب أولى أن يوفى بها؛ فإن الله أمر بهذا.
وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٢] يعني: وصية الله تقدم بها إليكم لعلكم تذكرونها ثم تخافون عقاب الله وترجون ثوابه فتفعلونها.
стр. 72
وجوب التمسك بالصراط المستقيم
ثم قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣].
يعني: ووصاكم بأن هذا الذي تقدم به إليكم هو صراط الله.
وصراط الله هو دينه الذي شرعه لعباده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣] يعني: واضحاً جلياً لا اعوجاج فيه ولا خفاء.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: اسلكوه ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فهذه في الواقع من الآيات العظيمة الجامعة التي من حفظها حفظ دينه، وبُدئت بالنهي عن الشرك؛ لأن النهي عن الشرك يستلزم عبادة الله، وعبادة الله لا تكون إلا باتباع الرسول ﷺ ، فهي تستلزم معرفة الله والعمل بدينه ومعرفة الرسول ﷺ .
[قال العماد ابن كثير ﵀: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : (قل) لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله: (تعالوا) أي: هلموا وأقبلوا (أتل) أقص عليكم (ما حرم ربكم عليكم) حقاً لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه وأمراً من عنده، (ألا تشركوا به شيئاً)، وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئاً، ولهذا قال في آخر الآية (ذلكم وصاكم به) اهـ.
قلت: فيكون المعنى: حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به.
وفي المغني لـ ابن هشام في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] سبعة أقوال، أحسنها هذا الذي ذكره ابن كثير، ويليه: بين لكم ذلك لئلا تشركوا.
فحذفت الجملة من أحدهما -وهي: (وصاكم) - وحرف الجر وما قبله من الأخرى].
لغة العرب التي عرفها من اعتنى بها أفصحها وأعظمها أن يحذف الشيء الذي يعرفه السامع ولا يحتاج البليغ إلى ذكره، فإذا حُذف يكون أبلغ وأفصح، والقرآن سار على هذا النهج.
стр. 73
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧]
صراط الله المستقيم واحد لا يتعدد، بخلاف سبل الباطل فإنها كثيرة ومتعددة، وصراط الله المستقيم يفضي بصاحبه إلى رضوان الله والجنة، بينما سائر السبل على كل منها شيطان يدعو إليها، فمن سار على واحد منها تولاه شيطانه وسلك به تلك السبيل حتى يهوي به في النار.
стр. 74
السبل التي تعترض الصراط المستقيم، وأنواع الصراط
قال الشارح ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، قال القرطبي: هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم، فإنه نهى وأمر وحذر عن اتباع غير سبيله على ما بينته الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف، و (أن) في موضع نصب، أي: (أتلو أن هذا صراطي) عن الفراء والكسائي، ويجوز أن يكون خفضاً أي: (وصاكم به، وبأن هذا صراطي)، قال: والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام.
(مستقيماً) نصب على الحال، ومعناه: مستوياً قيماً لا اعوجاج فيه.
فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد ﷺ وشرعه ونهايته الجنة وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: تميل.
انتهى.
وروى الإمام أحمد والنسائي والدارمي وابن أبي حاتم والحاكم -وصححه- عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط رسول الله ﷺ خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً.
ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية)، وعن مجاهد: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] قال: البدع والشهوات].
هذا الحديث الذي ذكره عن رسول الله ﷺ يدلنا على أن الحق واحد لا يتعدد، بخلاف الباطل فإنه متعدد وكثير، ولهذا جعل طريق الله خطاً واحداً، فقال: (خط خطاً واحداً مستقيماً فقال: هذا صراط الله.
ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله فقال: هذه سبل، ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إلى الله).
أي: إذا سلكه الإنسان أفضى به إلى النار، وهذا يدلنا على أنه ليس هناك طريق إلى الجنة ونجاة للإنسان إلا بالسير خلف رسول الله ﷺ فقط، ولا يوجد غير هذا، فإن سار الإنسان خلف رسول الله ﷺ وقبل ما جاء به واهتدى به عملاً واعتقاداً وقولاً فهو الناجي الذي يكون سعيداً في الدنيا والآخرة، أما إذا مال يميناً وشمالاً عن هذا الذي جاء به الرسول ﷺ فسوف تتولاه الشياطين وتسلك به المسالك التي تهوي به إلى النار -نسأل الله العافية-، ولهذا وضح الرسول ﷺ ذلك بالخطوط.
ثم بين صراط الله الذي وصانا الله باتباعه في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وأمر الله واجبٌ الأخذ به، وقد جاءت عبارة السلف في تفسيره مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، فمنهم من قال: صراط الله: كتاب الله القرآن.
ومنهم من قال: صراط الله: ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة، ومنهم من قال: صراط الله: الإسلام.
وهذا كله حق، وكله يؤول إلى شيء واحد، وأن الصراط الذي أمرنا جل وعلا بالتمسك به واتباعه وسلوكه هو ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن ومن السنة ومن كل ما أُمرنا به، وهذا الصراط معنوي أوجب ربنا جل وعلا أن نسلكه، وهو الذي أوجب علينا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نبتهل إليه ونسأله أن يهدينا هذا الصراط: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا فرض على الإنسان إذا صلى أن يسأل ربه أن يهديه هذا الصراط، وكثير من المفسرين يقول: معنى (اهدنا الصراط): ثبتنا عليه.
والواقع أن هذا فيه شيء من القصور؛ لأن الإنسان لا تكمل هدايته كما ينبغي حتى يضع أول قدم له في الجنة، وأما قبل أن يدخل الجنة فهو بحاجة إلى هداية دائماً، وبحاجة إلى زيادة من الهداية، فهو في الدنيا يحتاج إلى زيادة يقين وإيمان، ويحتاج إلى زيادة عمل يرضي ربه جل وعلا به، وكذلك في الآخرة يحتاج إلى زيادة تثبيت أن يثبته الله جل وعلا بالقول الثابت، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: عند السؤال.
وليس كما يقول بعض الناس: إن الآخرة ليست محل تكليف، فإذا مات الإنسان انتهى تكليفه، بل ما دام الإنسان لم يدخل الجنة والنار فهو في محل يبتلى ويسأل ويمتحن، فيثبت الله جل وعلا من يشاء، ويضل من يشاء، فالسؤال في القبر افتتان يفتتن الإنسان به، وكذلك في المواقف التي تسمى عرصات القيامة، ولهذا يختلف الناس فيها اختلافاً عظيماً من شدة أو سهولة فيما يلاقونه، فمن كانت -مثلاً- ذنوبه كثيرة اشتد الأمر عليه فيكون ذلك جزاء له، ومنهم من يأكل ويشرب والناس يحاسبون، ومنهم من يكون في ظل العرش والناس في حر الشمس، وكل هذا من التكليف، ثم قد قص الله جل وعلا علينا قصص بعض عباده، وأن من الناس من إذا سألهم الله جل وعلا: ماذا كنتم تعبدون؟ ولماذا أشركتم؟ قالوا -كما حكى الله عنهم-: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، فيقسموا بالله ما كانوا مشركين وهم مشركون، فيقول الله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنعام:٢٤] وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]، أي: يحلفون لله يوم القيامة كذباً، كما يحلفون للناس اليوم؛ لأنهم جعلوا الحلف جُنة يجتنون به ويستترون به عما قد يعود عليهم باللوم أو بالضرر أو بالعقاب أو بغير ذلك، فليس الأمر على إطلاقه أن الآخرة ليست دار تكليف، نعم الجنة ليست دار تكليف، فإذا دخلوا في الجنة فليس فيها تكليف، وإنما يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس ثم إن الصراط المعنوي هذا الذي أمرنا بالتمسك به واتباعه، فإذا تمسكنا به ثبتت أقدامنا على الصراط الحسي الذي هو الطريق إلى الجنة، وهو جسر ينصب فوق جهنم لا يوجد أحد ينجو من النار إلا من فوقه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، وقد جاء وصفه بأنه فوق متن النار، أحر من الجمر، وأحد من السيف وأروغ من الثعلب.
إذاً: السلوك يكون بالعمل، فمن الناس من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر مثل البرق إذا برق، ومنهم من يكون مثل الريح، ومنهم من يكون مثل جواد الخيل، ومنهم من يركض ركضاً، ومنهم من يحبو، ومنهم من يقوم ويسقط، ومنهم من تخطفه الخطاطيف التي تكون عليه وتلقيه في النار.
وأنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ بقي يخدمه منذ أن قدم المدينة إلى أن توفاه الله جل وعلا، فسأله الشفاعة، فقال: (أنا فاعل إن شاء الله، فقال: أين أجدك؟ قال: اطلبني في ثلاثة أماكن: عند الحوض، فإن لم تجدني فعند الميزان، فإن لم تجدني فعند الصراط) فعند الصراط لا يوجد أحد يتكلم إلا الرسل؛ لأن الرسل يقفون ينظرون مرور أممهم، وكلامهم: اللهم سلم سلم! أما الناس كلهم فهم سكوت، ولا يوجد أحد يتكلم لشدة الأمر وهوله، وتحتهم جنهم تتلظلى، والسلوك على طريق وعر جداً، وعر لا يمكن يُسلك إلا بالعمل، فمن ثبته الله وكان مستقيماً على هذا الصراط الذي هو الإسلام نجا وإلا زلت به قدمه وهوى، ولهذا قال ﷺ : (والصراط عليه كلاليب مثل شوك السعدان -ثم يقول لأصحابه- هل رأيتم السعدان؟ إنها شويكة في عشبة تخرج في نجد)، تكون معكوفة الرأس، ولكن لا يقدر عظمها إلا الله جل وعلا، تخطف من أمرت بخطفه، فمنهم مخدوش مسلم، ومنهم مكردس على رأسه في النار، ومنهم من يحبو مرة ويتعلق بيده أو برجله مرة، فالأمر صعب جداً، وهذا يكون لمن يتعثر على صراط الله الذي جعله مسلكاً لعباده في هذه الدنيا، فمن تعثر عليه ومال يميناً وشمالاً مالت رجله عن ذلك الصراط، وربما سقط وربما تعلق، فالواجب على العبد أن يتبع صراط الله جل وعلا ولا يميل ولا تأخذه السبل الكثيرة، فالسبل الكثيرة هي التي تهوي به إلى النار، فكل من سلك سبيلاً غير السبيل الذي جاء به الرسول ﷺ لن يستطيع العبور على الصراط.
стр. 75
حقيقة الصراط المستقيم
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمة الله عليه: ولنذكر في الصراط المستقيم قولاً وجيزاً؛ فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله وجعله موصلاً لعبادة الله، وهو إفراده بالعبادة، وإفراد رسله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبادته، ولا يشرك برسوله ﷺ أحد في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول ﷺ ، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأي شيء فسر به الصراط المستقيم فهو داخل في هذين الأصلين.
ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معموراً بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به، وقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيتها وقطب رحاها.
قال: وقال سهل بن عبد الله: (عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه) انتهى].
هذا القول الذي ذكره ابن القيم واضح في تفسير الصراط المستقيم في أنه عبادة الله جل وعلا وحده وألا يشرك به شيء، وعبادته تتضمن كمال الحب مع كمال الذل له، فلا يعبد إلا الله جل وعلا، فتكون العبادة خالصة لله جل وعلا، فكل ما تتقرب به وكل فعل تفعله ترجو به ثواباً، وكل ترك تتركه تخاف أنك لو فعلته عوقبت فإن هذا يكون لله وحده، ليس لأحد من الخلق، وتفعل هذه الأمور مع غاية الحب والذل، ثم هذه الأمور التي تفعلها لابد أن تكون جاءت عن رسول الله ﷺ .
ثم يقول: إن هذا مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وكونه يشهد أن لا إله إلا الله: أن الشهادة هي العلم اليقيني الذي يكون عند الإنسان واضحاً جلياً ليس عنده فيه ريب ولا شك ولا تردد؛ لأنه يشاهده بعينه وبقلبه، فهو يشهد بهذا، يشهد أن لا إله إلا الله، ومعنى الإله: المحبوب المألوه الذي يكون الحب كله له مع الذل والخضوع، فيجب أن تحبه وتذل له، وهذا لا يجوز أن يكون لمخلوق، وإنما يكون خالصاً له جل وعلا.
وأما معنى شهادة أن محمداً رسول الله فهو: طاعته في أمره، واتباعه فيما جاء به، واجتناب ما نهاك عنه، وألا تعبد الله جل وعلا إلا بما شرعه لك، فأنت تشهد الشهادة اليقينية بأنه رسول من الله أرسله الله بهذا الشرع، فتتعبد الله جل وعلا بالشرع الذي جاء به عن طريقه، فهو الوساطة بيننا وبين ربنا في تبليغ شرعه، ولهذا يقول الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، والعمل الصالح هو الذي يكون على سنة الرسول ﷺ ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: أنك تعبد الله وحده ولا يكون لأحد من الخلق أو المقاصد والأغراض شيء أو نصيب من عبادتك، فإن كان لها نصيب فإن هذه العبادة لا تقبل؛ لأن الله جل وعلا يقول -كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، أي: يتركه وعمله لمن أشرك.
ولهذا إذا جاء المراءون يوم القيامة الذين يلاحظون أنظار الناس وأقوالهم، يقول الله جل وعلا لهم: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم فاطلبوا أجركم عندهم)، وهل يجدون شيئاً؟ يجدون الخسارة والندامة، وهذا في الواقع من جهل الإنسان وظلمه، وإلا الناس مثله ماذا يغنون عنه؟! فكونه ينظر إلى إنسان ويحسن عمله من أجله قصور -نسأل الله السلامة-، فهو إنسان مثلك فقير بحاجة إلى ما يكمله، بل بحاجة إلى من يحميه من الكوارث والمصائب ويسدده ويوفقه وإلا ضل وهلك، فلا يجوز للإنسان أن يقصد بعمله ونيته غير الله جل وعلا، وهذا هو العلم النافع الذي يؤخذ من الكتاب والسنة، والعمل هو الهدى، والعمل هو دين الحق، والرسول ﷺ جاء بالهدى ودين الحق، جاء بالعلم النافع وبالعمل الصالح الذي إذا علمه الإنسان اهتدى وتيقن أنه من عند الله، ولابد من هذين الأمرين، لابد من العلم والعمل، يعلم أن لا إله إلا الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل العمل والاستغفار.
ويقول جل وعلا لما ذكر أن الكفار والمشركين يدعون غير الله طالبين شفاعتهم نفى هذا جل وعلا وأخبر أن الشفاعة لا تحصل لهم، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، وشهادة الحق: هي أن يشهد أن لا إله إلا الله وهو يعلم هذا المعنى.
يعلمه ثم يعمل به، وعلم بلا عمل لا يفيد ولا يجدي، وفي أمره جل وعلا لنا وفرضه علينا أن نسأله في الصلاة قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، والصراط المستقيم هو الصراط الذي بعث به رسوله، وهو دينه، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، والذين أنعم عليهم هم الأنبياء ومن سلك طريقهم، كما قال الله جل وعلا في وصفهم وبيان أنهم الأنبياء والصالحون والشهداء، أي: من سلك طريقهم.
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، المغضوب عليهم جاء تفسيرهم أنهم اليهود، والضالون هم النصارى، وليس مخصوصاً بهذا اليهود والنصارى فقط، بل كل من كان عنده علم وتركه اتباعاً للهوى فهو ضال وهو مغضوب عليه، وكل من كان عنده علم وتركه اتباعاً للهوى أو للشهوات أو لأغراض من أغراض الدنيا فهو مغضوب عليه ملحق باليهود، وكل من تعبد بغير برهان وبغير طريق الرسول ﷺ فهو ضال، وإنما قيل: إن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى لأن الغالب على اليهود أن عندهم علم، وليس عندهم عمل، فهم يعلمون ولا يعملون فلهذا صاروا أهل الغضب، وأما النصارى فالغالب عليهم التعبد بالضلال، فهم يتعبدون ويعملون ولكن على غير هدى، فلهذا سموا ضلالاً، فالضال هو الذي يسلك الطريق الذي يهلكه، وضل الطريق يعني: يتعبد على غير حق وعلى غير هدى، وأما المغضوب عليه فهو العاصي الذي عرف الحق وتركه، فكل من صار له هذا الوصف فهو مغضوب عليه وضال، وأهل البدع هم: الذين يتعبدون بالبدع وهم ضالون، وهم المعنيون بقوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] أي: تخشع وتبكي وتعمل وتنصب وتجهد والنتيجة أنها تصلى ناراً حامية؛ لأنها تتعبد بغير هدى، وبغير ما جاء به الرسول ﷺ ، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، (ضل سعيهم) يعني: عملوا في الحياة الدنيا وهم يظنون أنهم على هدى، وكذلك يظنون أن غيرهم ضال، بل ويرمون غيرهم بالضلال.
فالمقصود أنه ليس هناك طريق ينجو به الإنسان إلا ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن والسنة، هذا هو خلاصة القول، فمن عرف ما جاء به الرسول وعمل به فهو الناجي السعيد، ومن تخبط في هذه الدنيا إما لأنه يرى الناس يعملون الشيء فيعمله، أو أنه -مثلاً- يحكم عقله أو يحكم ذوقه ووجده أو يحكم مشايخه وأكابر بلده ومن يظن بهم الظنون الجميلة، وإذا قيل له: الهدى كذا أو الحق كذا.
قال: لا.
هؤلاء أعلم منك.
فهذا هو الذي يُخاف عليه، وهذا هو الذي إذا جُمع الناس، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، يبدو له ما لم يكن يحتسب، ويندم الندامة التي لا تنفعه، بل تكون زيادة في عذابه، نسأل الله العافية.
стр. 76
شرح أثر ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد)
قال المصنف ﵀: [قال ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]) الآية].
يعني: هذه الثلاث الآيات التي ذكرت من آخر سورة الأنعام، وعبد الله بن مسعود ﵁ هو من أكابر الصحابة وعلمائهم، وقد أمَّره عمر ﵁ على الكوفة حاكماً وقاضياً ومعلماً فيها، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة رضوان الله عليه.
وقوله: (من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآيات).
يقول: كأن هذه وصية كتبها الرسول وختمها بخاتمه، فلم تخط ولم تخرج، فالمعنى: أن الرسول ﷺ وصى بمضمون هذه الآيات؛ لأنه وصى بكتاب الله، ولم يوص الرسول ﷺ وصاة إلى أحد، وإنما كان يوصي بكتاب الله كما جاء في خطبته التي خطبها في حجة الوداع التي ودع الناس فيها؛ لأنه علم قرب أجله فقال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله)، فحث على الأخذ بكتاب الله والتمسك به، هذه هي وصيته، أما الزعم بأنه وصى إلى شخص معين -لا سيما بالخلافة- فهذا كذب وافتراء على الله وعلى رسوله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن الرسول ﷺ لما كان في أثناء مرضه قال: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: نأتي به، ومنهم قال: لا نأتي به، ثم قال: (قوموا عني)، ولو كان هذا الكتاب متعينة كتابته ما تركه الرسول ﷺ ، ولكن هذا بينته الرواية الأخرى، فإنه قال لـ عائشة ﵂: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب له كتاباً) حتى لا يختلف الناس ويقول قائل: لو كان فلان لو كان فلان.
ثم قال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فترك الكتاب لأنه علم أن ترك الأمة بلا كتابة ولا وصية إلى أحد أنفع وأفضل، وإذا اجتهدوا ونظروا في اجتهادهم لا يخرجون عن الحق، وقد عُلم علماً يقينياً أن الرسول ﷺ منذ ترك الصلاة بالناس أمر أبا بكر أن يصلي بهم، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فراجعته عائشة ﵂، وقالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يستطيع أن يُسمِع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فذهبت عائشة وقالت لـ حفصة: اذهبي وقولي له كذا وكذا، فذهبت حفصة وقالت له ذلك، فغضب ﷺ وقال: (إنكنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فبقي أبو بكر ﵁ يصلي بالناس طوال مرضه ﷺ ، وهذا أمر معلوم، ولهذا قال الصحابة: (إن رسول الله ﷺ رضيه لديننا فنحن نرضاه لدنيانا).
فالمقصود: أن الرسول ﷺ لم يوص إلى أحد، وإنما وصى بكتاب الله، وقول ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه -كأنه يقول: هذه وصية كتبت ثم ختمت فلم تفتح- فليقرأ هذه الآيات) هذا في الواقع ليس خاصاً بهذه الآيات، ففي كتاب الله كثير من أمثال هذه الآيات الثلاث المحكمات.
ثم إن الشيء الذي يحتاج إلى بيان وإيضاح في كتاب الله قد وضحه الرسول ﷺ وبينه، ولم يترك الناس في التباس أو اشتباه، ولهذا كان يقول لهم في آخر خطبة خطبها في الجمع الكبير يوم عرفة وكذلك يوم النحر: (إنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟)، هكذا كان يقول لهم، فصاروا يقولون: (نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة.
فصار ﷺ يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) يعني: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي بالبلاغ.
وكثيراً ما كان إذا بلغ الشيء قال: (اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد)، يستشهد ربه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، فإذا كلف الله جل وعلا عبداً في إبلاغ الرسالة ثم توقف عنها فمعنى هذا أنه امتنع، وقد حمى الله جل وعلا رسوله من ذلك وصانه، فكان يحرص كل الحرص على التبليغ.
ولهذا يقول العلماء على هذه الآية: كل ما لم يقله الرسول ويأمر به ويفعله فهو باطل بدليل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧]؛ لأنه لو كان مما أنُزل إليه لبلغه، فإذا لم يبلغه فهو باطل مردود على صاحبه.
والمقصود أن الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين ولم يترك شيئاً، حتى إنه لما نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] كأنه خشي أن يكون قصر، فبادر مسرعاً إلى أقرب جبل قريب منه وهو جبل الصفا فصعد عليه وجعل يرفع صوته ويهتف: (وا صباحاه!)، وكانت هذه عادة العرب إذا رأى أحدهم عدواً قريباً ولا يمكنه أن يخبر قومه يصيح ويقول: (وا صباحاه) يعني: صبحكم العدو فصاروا يهرعون إليه من كل جانب، والذي لم يستطع أن يأتي إليه أرسل من يأتيه بالخبر؛ لأن هذا أمر مهم جداً، فلما اجتمعوا عنده قال: (يا معشر قريش! أرأيتم لو أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشاً يريد أن يغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً.
فقال: أنقذوا أنفسكم من النار، فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فجعل يعم ويخص، حتى قال صلوات الله وسلامه عليه: (يا فاطمة بنت محمد! أنقذني نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئاً)، فلم يترك شيئاً إلا وبينه للأمة، ولم يترك مجالاً يقوله ويبلغه إلا قام به في تبليغ شرع الله جل وعلا.
ولهذا صار كثير من الكفرة والفجرة يرمونه بالجنون، ويقولون: إنه مجنون من أجل هذا.
فالمقصود: أنه ليس للإنسان عذر بعد بلاغ الرسول ﷺ ، وإنما عليه أن يهتم بأمر دينه، أن يعيره شيئاً من الاهتمام، ولا يجوز أن تكون دنياه أكثر اهتماماً عنده من أمر دينه؛ فإنه إذا كان كذلك يوشك أن يهلك.
стр. 77
ترجمة عبد الله بن مسعود ﵁
قال الشارح ﵀: [قوله: (ابن مسعود) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل -بمعجمة وفاء- ابن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي جليل من السابقين الأولين، وأهل بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان، ومن كبار علماء الصحابة، أمَّره عمر ﵄ على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين ﵁].
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (رجل ابن مسعود في الميزان أثقل من جبل أحد)؛ وذلك أنه كان جسمه نحيفاً ﵁، فرآه بعض من رآه وهو يأكل شيئاً من الشجرة فتعجب من دقة ساقيه، فقال ﷺ : (لهما في الميزان أثقل من جبل أحد) يعني: يوم القيامة.
وهل يمكن لأحد أن يزن جبل أحد؟ لا يمكن وإنما هذا يدل على فضله، وهو من السابقين الأولين الذين أثنى الله جل وعلا في كتابه.
стр. 78
معنى الوصية التي تضمنتها الآيات الثلاث التي في سورة الأنعام
قال الشارح ﵀: [وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه، وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبراني بنحوه.
وقال بعضهم: معناه: من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها، فلم تغير ولم تبدل فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآيات، شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يُزد فيه ولم يُنقص، فإن النبي ﷺ لم يوص إلا بكتاب الله، كما قال -فيما رواه مسلم -: (وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله)، وقد روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا قوله تعالى: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)) [الأنعام:١٥١]، حتى فرغ من الثلاث الآيات، ثم قال: من وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه) رواه ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ومحمد بن نصر في (الاعتصام)].
وهذا أيضاً كان يتكرر من النبي ﷺ ، وقد جاء أيضا عن عبادة بن الصامت أنه أمرهم أن يبايعوه على الآيات التي في آخر سورة الممتحنة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة:١٢] إلى آخر الآية، وأنهم بايعوه عليهن، وهذا الحديث مثله.
والرسول ﷺ كان يوصي بالآيات الجوامع التي فيها الأمر بعبادة الله والنهي عن عبادة غيره، وكذلك الالتزام بما جاء به وعدم الإخلال به، فكان يوصي بهذا ويَعِدُ الإنسان عليه بالجنة إذا وفى.
كما أنه لما قال له معاذ: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله -ثم قال:- تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، فذكر له هذه الأمور الخمسة فقط، وهذه هي التي يدخل بها الإنسان الجنة، وليس للجنة ثمن غيرها، ولكن الإنسان قد لا يدري هل جاء بها على الوجه المطلوب أو أنه أخل بها؟ ولا أحد يجزم جزماً بأنه جاء بها على الوجه الذي أراده الله، بل لابد أنه قصر فيها: في فعلها أو في صفاتها أو في غير ذلك.
ولهذا من تيقن أن الله قبل منه عملاً فهو من السعداء، كما قال عبد الله بن عمر: (لو أعلم أن الله قبل مني حسنة لتمنيت الموت (؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنه إنما يقبل من المتقين، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
قال الشارح: [قلت: ولأن النبي ﷺ لم يوص أمته إلا بما وصاهم الله تعالى به على لسانه، وفى كتابه الذي أنزله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]، وهذه الآيات وصية الله تعالى ووصية رسوله ﷺ ].
يعني أنه في آخر كل آية يقول: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥١] فالوصية هي: الأمر المؤكد بأن يؤخذ به ولا يخل به.
فهذه وصية الله، والرسول ﷺ وصى بما وصى به ربه جل وعلا.
стр. 79
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨]
ما حصل بين الأنبياء وأممهم من الخلاف والخصومة إنما كان على التوحيد، فهم صلوات الله وسلامه عليهم بعثوا لتقرير التوحيد ونفي الشرك، ولهذا كان النبي ﷺ إذا بعث دعاته يأمرهم أن يبدءوا بالدعوة إلى التوحيد أولاً، ثم إلى بقية فرائض الدين بعد ذلك.
стр. 80
حق الله على العباد وحق العباد على الله
قال المصنف ﵀: [وعن معاذ بن جبل قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) أخرجاه في الصحيحين].
قال الشارح: [معاذ بن جبل ﵁ من علماء الصحابة وأفاضلهم وأكابرهم، ومن السابقين إلى الإسلام، وهو أنصاري من الخزرج، وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أن الرسول ﷺ قال له: (يا معاذ! والله! إني لأحبك؛ فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن معاذاً يحشر أمام العلماء برتوة)، والرتوة: إما أن تكون المكان المرتفع، أو أن يكون أمامهم بمسافة لفضله؛ لأنه جاء أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهذا أفضل العلم.
وهو الذي بعثه الرسول ﷺ في آخر حياته نائبا عنه في الدعوة والتبليغ والحكم والقضاء إلى اليمن، وقال له لما بعثه: (لعلك لا تراني بعد اليوم)؛ لأنه بعثه في السنة العاشرة للهجرة، فصار يبكي فقال: (لا تبك)، ثم ذهب وبقي في اليمن حتى توفي رسول الله ﷺ ، ثم عاد في خلافة أبي بكر، وذهب للقتال في الشام، ومات في الشام].
سبق أن معاذاً ﵁ كان من أكابر صحابة رسول الله ﷺ وعلمائهم، وأنه أرسله الرسول ﷺ إلى اليمن في آخر حياته داعياً ومبلغاً عنه حاكماً، ثم إنه بقي في اليمن حتى توفي رسول الله ﷺ ، وجاء في خلافة أبي بكر الصديق، ثم ذهب لقتال الروم فتوفي في الشام ﵁.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال له: (والله! إني لأحبك؛ فلا تدعنَ دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وجاء أنه ﷺ قال: (معاذ يحشر أمام العلماء يوم القيامة برتوة)، يعني: بمرتفع أو بمسافة أمامهم، لما اختص به من علم الحلال والحرام، وهو ممن شهد بدراً وما بعدها من مشاهد الإسلام مع رسول الله ﷺ ، إلى غير ذلك مما جاء في فضله رضوان الله عليه.
وقوله هنا: (أتدري ما حق الله على العباد؟)، هذا سؤال من النبي ﷺ وجهه إليه، وهذه طريقة كان صلوات الله وسلامه عليه كثيراً ما يخرج العلم بها؛ ليكون أدعى إلى قبوله والتنبه له؛ لأن الإنسان إذا سئل وهو لا يدري فإن نفسه تتطلع إلى قبول الجواب، ثم يكون متشوفاً له ومتشوقاً إليه، فيقبله أكثر، ويعلمه أكثر مما لو ألقي عليه إلقاءً، وهذا من حسن تعليم رسول الله ﷺ ، وحسن تبليغه وطريقته في إيصال العلم إلى صحابته.
والدراية هي: المعرفة، فقوله: (أتدري؟) يعني: تعرف ما هو الحق الذي أوجبه الله على عباده؟ ثم إن قول معاذ ﵁: (الله ورسوله أعلم)، يدل على حسن الأدب من المتعلم، فإذا كان المتعلم لا يعلم ما سئل عنه فليكل علمه إلى عالمه، ولهذا قال: (الله ورسوله أعلم).
وهذا لا يلزم منه أن معاذاً ﵁ كان يجهل حق الله على عباده الذي هو التوحيد، ولكن المقام مقام تنزل الوحي، والرسول ﷺ ينزل إليه من الله ما يشاء الله جل وعلا أن يجعله حقاً زائداً على الحق الذي يعلمه معاذ، فلهذا قال: (الله ورسوله أعلم).
وقوله في
الجواب
( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، هذا هو الحق الذي خلق الله جل وعلا الخلق له من الجن والإنس ليقوموا به ويلتزموه، وهو عبادته وحده وعدم الشرك.
والعبادة مأخوذة من الذل والخضوع، فهي غاية الحب في غاية الذل والخضوع، وإذا كان العبد محباً الحب الذي هو الغاية وذالاً فهذه هي العبادة، فإنه لابد أن يفعل ما أمره به محبوبه ويمتثله ويجتنب ما نهاه عنه، مستلزماً فعل الأمر وترك المنهي عنه.
وسبق أن العبادة في الشرع هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فتشمل أفعال القلب وأفعال الجوارح، وكذلك فعل اللسان.
وفعل الجوارح مثل: الصلاة والقيام والركوع والسجود، والبذل مثل الصدقة، وإزالة الأذى عن طرق المسلمين، وما أشبه ذلك.
والأقوال مثل: قراءة القرآن والذكر والدعاء، وفعل القلب مثل: خشية القلب وخوفه وحبه وما أشبه ذلك.
فكل فعل يتقرب به الإنسان جاءه عن طريق رسول الله ﷺ فهو عبادة، وكل فعل أمر الله جل وعلا به وحث عليه فإن فعله عبادة، وكذلك كل شيء أمر الله جل وعلا أن يترك ويجتنب فتركه واجتنابه خوفاً من الله عبادة، فصارت العبادة هي فعل الجوارح من الأيدي والجسد كله، ويشمل ذلك فعل اللسان من الأقوال: كالذكر والقراءة، وكذلك فعل القلب: من الإرادات والنيات والخوف والخشية وما أشبه ذلك، كل هذا داخل في العبادة.
فقوله: (يعبدوه) أي: يعبدونه بهذه الأفعال ويوحدونه، والعبادة مبنية على التذلل مع الحب والرجاء، فيعبد ربه ذالاً خاضعاً، ويرجو أن يثيبه على ذلك، والإسلام كله يدخل في العبادة، وهذا حق لازم يسأل عنه الإنسان إذا فرط فيه أو قصر فيه أو ترك منه شيئاً، فهذه هي العبادة التي أوجبها على عباده، ولهذا سماها الحق، والحق في اللغة هو: الشيء الذي يستقر ويثبت، ولهذا يقال: حق في المكان إذا استقر فيه وثبت، فهو أمر ثابت على العباد لله جل وعلا، يسألهم جل وعلا عنه إن تركوه أو فرطوا به.
ثم قال: (وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، وقال في حق الله: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) K فبين أن العبادة تقتضي ترك الشرك، وأنها تكون فعلاً وتركاً، يعني: فعلاً للتوحيد وتركاً لضده، فإذا لم تكن كذلك فإنها غير معتبرة، ولا تكون عبادة شرعية، فالعبادة الشرعية لابد أن تكون فعلاً وتركاً، فيكون التعبد والتذلل لله بفعل أوامره، وكذلك بترك ما نهى الله عنه، وأعظم ما أمر الله جل وعلا به هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه هو الشرك.
والشرك هو: أن يشرك في العبادة التي أمر أن تكون له، وأن يجعل معه فيها غيره، واقتصر على هذا لأن هذا في ضمنه.
ويجب الإقرار للرسول ﷺ بالرسالة، والالتزام بكل ما جاء به التزاماً تاماً، من فعل الصلوات وأداء الزكاة والصوم والحج وغير ذلك، فإنه إذا عبد وذل وخضع فلابد أن يفعل المأمور ويترك المنهي عنه ويجتنبه.
стр. 81
معنى قوله ﷺ : (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)
ثم قوله: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، كلمة (شيئاً) هنا نكرة تعم كل ما يدخل تحت هذا الاسم، فإن وقع منه شيء من الشرك وإن كان صغيراً فإنه لم يأت بهذا الشرط، ويجوز أن يعذب؛ لأنه لم يأت بما شرط عليه.
وقد اختلف العلماء في قوله ﷺ : (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، ما المقصود بالحق للعباد على الله؟ فقال قوم: إن للعباد على الله حقاً مستحقاً على سبيل القياس بحقوق العباد، وهذا قول طائفة ضالة وهم المعتزلة، فقاسوا الله جل وعلا على خلقه، ولهذا يقول العلماء: إنهم مشبهة الأفعال ونفاة الصفات، أي: يعطلون صفات الرب جل وعلا ويشبهون أفعال الرب جل وعلا بأفعال خلقه، فيجعلون للعابد أجراً يطلبه من الله، كما أن من عمل عملاً لإنسان فإنه يستحق عليه أجراً، وهذا خطأ محض؛ فإن الله جل وعلا لا يحق عليه أحد شيئاً، فهو المالك لكل شيء، وهو الخالق لكل شيء.
وقال فريق آخر: إنه ليس للعباد على الله حق يطلب، وإنما ذلك مجرد وعد فقط، فـ (حقه) يعني: تحقق موعوده.
أي أن وعده حق، وما وعد به سيقع، فقد وعد أهل الخير بالإثابة ووعد أهل الشر والشرك بالعقاب، فهذا معنى الحق عندهم، وهذا أيضاً ليس صحيحاً.
والصواب هو القول الثالث: أن للعباد على الله حق أحقه هو على نفسه جل وعلا، ولم يلزمه إياه أحد من الخلق، بل هو رحمة منه وفضل وإحسان، كما كتب على نفسه الرحمة، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ولا يوجد أحد حقه عليه، ويقول جل وعلا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
فالحق الذي جعله للعباد: أن يثيب الطائع الإثابة التي يستحقها، ولهذا قال: (ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، هذا هو الحق الذي أحقه الله جل وعلا على نفسه.
وقد حرم جل وعلا على نفسه الظلم، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر الحديث القدسي الطويل، وفيه أنه قال جل وعلا: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فهو الذي حرم ذلك على نفسه، وهو الذي أحق الحق لعباده المؤمنين على نفسه، لم يحقه عليه أحد من الخلق، فقوله: (ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) أي: من مات وهو غير مشرك بالله جل وعلا شيئاً، وكلمة (شيئاً) قلنا: يدخل فيها الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فإنه لا يمسه شيء من العذاب، وهذا خبر مطلق في جميع أنواع العذاب، لا عذاب الدنيا ولا عذاب القبر ولا عذاب الآخرة.
فإنه من سلم من الشرك كبيره وصغيره فإنه يكون من السابقين إلى الجنة، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، كما سيأتي بيان ذلك؛ لأن (شيئاً) نكرة عامة يدخل فيها كل ما يسمى شركاً في الشرع.
أما الشرك الأكبر فقد عُلم أنه ليس مع صاحبه أمن ولا اهتداء مطلق، فإذا مات عليه فهو من الخالدين في النار، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، ويقول جل وعلا في الآية الأخرى في قصة عيسى ﵇ لما نهى بني إسرائيل عن الشرك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، فأخبر جل وعلا أن الجنة محرمة على المشرك، وأنه ليس له مصير إلا النار، والشرك الأكبر هو: أن يعبد مع الله غيره، والعبادة أنواع متعددة، فأي عبادة جعلها لغير الله أو جعل العبادة بين الله وبين عباده فإنه يكون واقعاً في الشرك، وقد علم أن شرك المشركين ليس معناه أنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم شريكة لله في التدبير والخلق والإيجاد والتصرف، وإنما كانت عقيدتهم أن أصنامهم ومعبوداتهم من اللات والعزى ومناة وغيرها من الأصنام التي يتجهون إليها كان شركهم أن يجعلوها وسائط بينهم وبين الله يتقربون بها إلى الله، فيدعون الله بواسطتها، ويسألونها أن تشفع لهم عند الله، كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ولهذا أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم إذا سئلوا: من الذي خلقهم وخلق من قبلهم؟ ومن الذي خلق السموات والأرض؟ ومن الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وينبت لهم النبات الذي يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم؟ إذا سئلوا عن ذلك قالوا: الله.
أي: الله وحده ليس معه شريك، ولهذا جعل الله جل وعلا ذلك حجة عليهم بأن يخلصوا العبادة له ما داموا يقرون بأنه المتصرف في هذه الأشياء وحده، المنفرد بإيجادها والتصرف بها وحده.
قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] أي: يعلمون أن الله هو الذي يفعل هذه الأشياء المذكورة.
يعني: هو الذي خلقهم وخلق من قبلهم وحده، وهو الذي جعل الأرض مستقرة فراشاً لهم يتمكنون من الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهو الذي جعل السماء بناءً فوقهم، وهو الذي ينزل من السماء المطر فينبت به النبات وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] لأنه المتفرد بفعل ما ذكر، فإذا كان كذلك فلا يجوز أن تتجهوا إلى غيره في الدعاء والتوسل وطلب الشفاعة، فهذه المذكورات التي تجعلونها وسائط بينكم وبين الله لا تستطيع أن تشفع لكم.
فهذا في الواقع هو شرك المشركين، يقول جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وقال جل وعلا عنهم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]،
و
الجواب
أنهم يقولون: هو الله وحده، فلا يوجد أحد يجيب المضطر غيره لا الأصنام التي يتجهون إليها ولا غيرها، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدعاء لله وحده، وتركوا ما كانوا يشركون به، فهذا هو شركهم الذي إذا ماتوا عليه صاروا خالدين في النار، وإلا فهم يعلمون أن الله جل وعلا ليس معه شريك يدبر ويخلق ويوجد ويعدم ويحيي ويميت، يعلمون هذا، وهذا أمر مقطوع لا شك فيه، فالقرآن واضح جداً في هذا، وآياته كثيرة فيه.
وإن من المتعين على العبد المسلم أن يتعرف على ما كان المشركون يفعلونه خوفاً من أن يقع في فعلهم وهو لا يشعر؛ لأن الذي لا يعرف الشر لا يعرف الخير، كما جاء في الحديث عن حذيفة ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه)، فالذي لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه وهو لا يدري، ويظن أنه خير.
وهذا في الشرك الأكبر، أما الشرك الأصغر فهو بحر لا ساحل له، ولكثرته وكونه غير منضبط بضابط يحدده بالعمل المعين جُعل تعريفه بالأمثلة، فهو كيسير الرياء، وكالحلف بغير الله، كأن يحلف -مثلاً- بالنبي، أو بالكعبة، أو بالأمانة، أو بالشرف، أو ما أشبه ذلك، وربما صار من الشرك الأكبر حسب ما يقوم في نية الحالف وقصده وإرادته، فإذا حلف بمخلوق من المخلوقات يعتقد أن هذا المخلوق يستطيع أن يطلع على ما في قلبه ويعاقبه إذا كان كاذباً فإن هذا من الشرك الأكبر وليس من الأصغر، أما إذا كان أمراً جرى على لسانه فهذا من الشرك الأصغر، والشرك الأصغر لا يجعل المسلم كافراً، ولكنه ذنب يستحق العقاب عليه من الله إذا لم يعف عنه، وكذلك يسير الرياء في العمل، والرياء معناه: أن يعمل عملا لله جل وعلا ثم يقصد بعمله أن يراه الناس فيثنون عليه أو يحبونه، فيزين العمل من أجل ذلك أو يحسنه أو يطيله.
فإذا كان هذا الشيء الذي بعثه على العمل هو الرياء فهذا لا يكون شركاً أصغر؛ لأن هذا صفة المنافقين والكفار، كما قال الله جل وعلا عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، وكذلك قال عن الكفار، وأخبر أنهم خرجوا من ديارهم بطراً ومراءاة للناس في أعمالهم.
ولكن إذا عرض هذا الشيء في أثناء العمل، فهذا لا يخلو إما أن الإنسان يستدعي ذلك ويستمر معه فهذا يكون شركاً محبطاً للعمل الذي قارنه، أو أنه يدافعه ويعرض عنه فإنه لا يضره، فملاحظة الناس وقصدهم وجلب أنظارهم إلى العمل وتحسينه من أجلهم يكون شركاً، ولكنه من الشرك الأصغر وليس من الشرك الأكبر، وهذا إذا كان يسيراً قليلاً أما إذا كان كثيراً فلا.
وكذلك قول الإنسان: لولا الله وفلان.
أعني: كونه يضيف الأفعال إلى أسبابها، فإنه يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن الفاعل هو الله، وإنما ذلك مجرد سبب، وكذلك كون الإنسان يبخل بالحق حباً للمال، فإن حبه للمال وبخله بالحق الذي وجب عليه يجعله مقدماً حبه المال على حبه لله جل وعلا ولفعل طاعته، فيكون بذلك داخلاً في الشرك الأصغر، وهذا كثير جداً، ولهذا قال: (ألا يشرك به شيئا) أي: فإنه لا يعذر من يشرك به شيئاً، فإذا سلم الإنسان من الشرك قليله وكثيره كبيره وصغيره فإنه يكون سالماً من عذاب الله مطلقاً، ولا يناله عذاب في الدنيا ولا بعد الموت، ولا في القبر ولا بعد البعث، وهو الذي يكون سعيداً سعادة تامة وكاملة، ويكون مهتدياً هدىً تاماً وكاملاً، فصار
стр. 82
ترجمة معاذ بن جبل ﵁
قال الشارح ﵀: [وهذا الحديث في الصحيحين من طرق، وفى بعض رواياته نحو مما ذكره المصنف.
ومعاذ بن جبل ﵁ هو ابن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، صحابي مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدراً وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن ﵁، وقال النبي ﷺ : (معاذ يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة) أي: بخطوة، قال في القاموس: والرتوة: الخطوة، وشرف من الأرض، وسويعة من الزمان، والدعوة، والفطرة، ورمية بسهم، أو نحو ميل، أو مدى البصر، والراتي: العالم الرباني.
انتهى.
وقال في النهاية: إنه يتقدم العلماء برتوة أي: برمية سهم، وقيل: بميل، وقيل: مدّ البصر، وهذه الثلاثة أشبه بمعنى الحديث.
مات معاذ سنة ثماني عشرة بالشام في طاعون عمواس، وقد استخلفه ﷺ على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم].
لما حضرت معاذاً الوفاة صار ﵁ يسأل هل أصبحنا؟ فلما قيل له: نعم، قال: (أجلسوني، ورفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأني لا أحب البقاء في الدنيا لشق الأنهار وغرس الأشجار، وإنما لظمأ الهواجر ومزاحمة العلماء بالركب، اللهم إني أعوذ بك من ليلة صبيحتها إلى النار)، هكذا حال أهل الخوف وأهل التقى، فهو ﵁ مع ورعه وخوفه من الله جل وعلا وحبه له وإخبار الرسول ﷺ أنه يحبه يقول: أعوذ بك من ليلة صبيحتها إلى النار؛ لأن المسلم يحسن ويخشى ربه، بخلاف المسيء فإنه يسيء ويأمن؛ لأنه جاهل بالله جل وعلا، أما المحسن فإنه يعلم قدر الله، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فأهل الخشية هم أهل العلم، وهكذا كان إخوانه من الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 83
تواضع النبي ﷺ ، وحكم الإرداف على الدابة
قال الشارح ﵀: [وقوله: (كنت رديف النبي ﷺ فيه جواز الإرداف على الدابة، وفضيلة معاذ ﵁.
قوله: (على حمار) في رواية اسمه (عُفير)، قلت: أهداه إليه المقوقس صاحب مصر.
وفيه تواضعه ﷺ لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر].
بعث ﷺ كتاباً إلى ملك مصر -واسمه المقوقس - يأمره بالدخول إلى الإسلام واتباعه، وأرسل الكتاب مع دحية الكلبي، فلما جاءه الكتاب وقرأه لم يسلم وضن بملكه كعادة الملوك، ثم أهدى للنبي ﷺ هدايا منها مارية القبطية التي ولدت لرسول ﷺ ولداً سماه إبراهيم، ثم لما بلغ ستة أشهر توفي، وحزن عليه رسول الله ﷺ ، وانكسفت الشمس في ذلك اليوم فقال بعض الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج الرسول ﷺ يجر رداءه وقال: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما آيتان يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، وأخبر أن له مرضعاً في الجنة تكمل رضاعته، وكذلك أرسل المقوقس للنبي ﷺ بغلة وحماراً، فهذا الحمار كان صلوات الله وسلامه عليه يركبه -وكذلك البغلة كان يركبها-، وكان يردف على هذا الحمار، وهذا دليل على تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه ليس من الملوك؛ لأن الملوك يأنفون من ركوب الحمار ويتكبرون على ذلك، وأما الرسول ﷺ فكان يركبه ويردف عليه، فـ معاذ ﵁ ركب خلفه على هذا الحمار، وسأله هذا السؤال وهو راكب، والذي يركب مع رسول الله ﷺ يكون له فضل؛ وذلك لأنه يكون رديفاً له، فهذا وجه قوله: (وفيه فضيلة معاذ) وأيضاً لأنه خصه بهذا العلم.
وقوله: (حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)، أي: لأنه إذا سمع الإنسان هذا الكلام فقد يظن أنه بمجرد أن يصلي ويصوم ويتعبد فلا يناله شيء من العقاب.
أي أنه لم يفهمه الفهم الذي ينبغي، فقوله: (لا تبشرهم) أي: لئلا يدعوا العمل ويعتمدوا على ﵀ جل وعلا.
ولكن هذا لا يكون إلا ممن عنده بعض الجهل، أما الذين يعرفون ويعلمون فإنهم كلما علموا شيئاً من فضل الله ونعمه وإحسانه ازدادوا شكراً وعملاً؛ لأن جزاء الفضل أن يشكر صاحب الفضل، والله جل وعلا لا يستطيع أحد أن يقوم بشكره وبحقه كما ينبغي، فلابد للإنسان أن يكون له شيء من الذنوب وشيء من التقصير أمام الله جل وعلا، ولكن الله عفو كريم يعفو.
стр. 84
التعليم بصيغة السؤال
قال الشارح ﵀: [قوله: (أتدرى ما حق الله على العباد؟) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فهم المتعلم].
حق الله على العباد هو ما يستحقه عليهم، وحق العباد على الله أنه متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاءً لهم على توحيده ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦].
والصواب أن الحق شيء زائد على ذلك، فهو حق أحقه الله جل وعلا على نفسه، وأنه المثيب الطائع على طاعته، فهو منه جل وعلا تفضل وإحسان، وليس شيئاً ألزمه إياه غيره، بل هو الذي التزم ذلك تفضلاً منه وكرماً وجوداً.
стр. 85
الرد على من يوجب على الله حقاً بالمقابلة
قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق].
الذين يقولون: إنه لا معنى لذلك إلا أنه أخبر به فخبره يقع هذا القول هو مذهب الجهمية والمرجئة، وكذلك اتباع أبي الحسن الأشعري الذين سلكوا مسلكهم، أما أهل السنة فلا يقولون ذلك، إنما يقولون: هذا الحق حق أحقه الله جل وعلا على نفسه، كما قال شيخ الإسلام، فالحق منه جل وعلا تفضل وإحسان وكرم، وليس حق مقابلة ومعاوضة كحقوق الخلق بعضهم على بعض.
ونصوص الرسول ﷺ واضحة في هذا؛ فإنه قال: (حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، فأثبت حقاً على الله جل وعلا لعباده، وهذا الحق على الله جل وعلا هو الذي أحقه على نفسه، وإحقاقه إياه تفضل وكرم وجود، ولا يوجد أحد يلزمه تعالى وتقدس بذلك.
[ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائدا على هذا، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق لم يوجبه عليه مخلوق.
والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه الجبرية والقدرية أتباع جهم، والقدرية النافية].
المعتزلة لهم أصول خمسة غير أصول المسلمين الذين يتبعون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن أصول المسلمين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا الأصل الأول، الأصل الثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، هذه أصول الإسلام عند المسلمين، أما هؤلاء الضلاَّل فإنهم جعلوا أصولاً خمسة بدل هذه الأصول جاءوا بها من عند أنفسهم، فقالوا: الأصل الأول: التوحيد، والتوحيد عندهم نفي الصفات، فصفات الله جل وعلا لا يثبتونها.
والأصل الثاني: إنفاذ الوعيد، ومعناه عندهم أنه يجب على الله أن يعاقب العاصي ويثيب الطائع، وهذه شريعة وضعوها على الله تعالى وتقدس، وهذا في الواقع من جهل الإنسان وظلمه؛ فإن الإنسان جهول ظلوم.
والأصل الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصدون بذلك الخروج على ولي الأمر.
والأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين، ومعناه أن الفاسق الذي فعل ذنباً لا يكون مؤمناً ولا يكون كافراً، بل يكون بين الإيمان والكفر، ولكنه إذا مات يكون في النار، وقد اتفقوا في مصيره مع الضلاَّل الآخرين الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنوب، فإنهم يجعلونهم كفاراً ويستحلون دماءهم، فاتفقوا مع الخوارج في حكم الآخرة، وقالوا: إذا مات فإنه يكون في النار.
وكل هذه الأصول باطلة؛ لأنها مخترعة من عند أنفسهم بالقياس والعقل الذي يزعمون أنه يحكم على شرع الله جل وعلا، وعلى ما جاء به الرسول ﷺ .
стр. 86
الأمور التي تضمنتها العبادة
وقوله: (قلت: الله ورسوله أعلم) فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك بخلاف أكثر المتكلفين.
وقوله: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) أي: يوحدوه بالعبادة.
ولقد أحسن العلامة ابن القيم ﵀، حيث عرف العبادة بتعريف جامع فقال: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان].
يعني أن العبادة تتضمن ثلاثة أمور: الأول: غاية الحب مع غاية الذل مع الفعل.
الثاني: فعل الأفعال، وهي أفعال الطاعة.
الثالث: أن تكون الطاعة على وفق ما جاء به الرسول ﷺ .
فلابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة، وإلا فإن الإنسان يتعبد بغير هدى، وكذلك الحب يتضمن محبة القلب ونيته وإرادته وخشيته وخوفه ورجاءه، وكذلك الذل، فالإيمان الذي أمر الله جل وعلا به مركب من أشياء: من الحب والخوف والخشية والإنابة، ومن عمل الجوارح، ومن قول اللسان، فلابد للمسلم أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم لابد أن يتفق القلب مع قول اللسان، فيعرف هذا المعنى ويتحلى به ويعتقده حقاً، ثم جوارحه تعمل بذلك، أما لو قال الإنسان هذه الكلمة ولم يعمل فإنه لا يُعد مسلماً، فإذا ترك الصلاة والصوم والحج ولم يلتزم بما جاء به الرسول ﷺ فإن هذا إما إن يكون كاذباً وإما أن يكون عاصياً خارجاً عن الطاعة؛ فيكون مستحقاً لعذاب الله جل وعلا.
стр. 87
خصومة الأنبياء مع أممهم كانت من أجل التوحيد
قال الشارح ﵀: [وقوله: (ولا يشركوا به شيئاً) أي: يوحدوه بالعبادة.
فلابد من التجرد من الشرك في العبادة، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتياً بعبادة الله وحده، بل هو مشرك قد جعل لله نداً، وهذا معنى قول المصنف ﵀: (وفيه أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه).
وفى بعض الآثار الإلهية: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي)].
(فلابد من التجرد من الشرك في العبادة) المقصود به نفي الشرك.
وقوله: (لأن الخصومة فيه) مقصوده بالخصومة: الخصومة بين الأنبياء وأممهم التي وقعت].
يعني أن مجادلة الرسل مع أممهم كانت في العبادة، ولم تكن في أمور أخرى، وإنما كان كل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ومعنى (اعبدوه): وحدوه، واجعلوا أفعالكم التي تتقربون بها لله وحده فقط؛ إذ ليس معه أحد شريك، وكل الرسل قالوا هذا، والأمم فهمت ذلك منهم، ولهذا كانوا يقولون: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠]، فالذي منعهم من اتباع ما قالته الرسل هو ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة غير الله، من عبادة الأصنام والأشجار وما تصنعه أيديهم والأموات والكواكب وغيرها، وما كانوا يعبدونها وحدها، بل كانوا يعبدون الله ولكن يجعلون معه في العبادة غيره، وكان كفار قريش أيام الحج يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، وهم يعلمون أن كل شيء بيد الله ملك لله جل وعلا، وأبوا أن يتركوا هذا الشرك وأن يخلصوا الدين لله وحده؛ لأن آباءهم مضوا على هذا، فهم يعظمون آباءهم، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] يعني: على ملة، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] يعني: سالكون آثارهم فقط، ولا يريدون أن يتركوا ما وجدوا عليه آباءهم، فهذا الذي منعهم من اتباع الرسول ﷺ ، وهذا القول تقوله كل أمه لرسولها، حتى الكبراء والعظماء، كما قال فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، يعني: لماذا كانوا يعبدون غير الله مع الله؟ يحتج على موسى بما مضى من الناس، ويقول: إن هذه طريقة كل الناس سلكوها.
وكثير من الناس اليوم إذا أمرته بأمر من أمر الله أو أمر رسوله يقول: الناس كلهم يفعلون كذا، أو كل الناس لا يفعلون هذا، فنفس الطريقة التي قالها الكفار القدامى قالها المتأخرون، وسواء يقولها من لا يريد أن يعبد الله وحده أصلاً، أو يقولها العاصي من المسلمين ليحتج بها إذا أمر بأمر من الأمور التي هي من أمر الله وأمر رسوله، فإذا أمر بما يخالف العادة التي وجد الناس عليها يقول: الناس كلهم يفعلون هذا، وهي سنة متبعة، وما أشبه ذلك.
стр. 88
نفي الشرك يستلزم التوحيد
قال الشارح: [وقوله: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعى إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسول الله ﷺ فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو مثل قول القائل: ومن توضأ صحت صلاته.
أي: مع سائر الشروط.
اهـ].
يعني: أن قوله: (يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) يستدعي فعل كلما جاء به الرسول؛ لأن هذا أمر معلوم، يعني: فلا يقل قائل: إن هذا ليس فيه ذكر الصلاة، ولا الصوم، ولا الحج، ولا كل ما جاء به الرسول ﷺ ، وإنما قال: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
فالعبادة هي أن تفعل ما أمرك الله جل وعلا به على لسان رسوله، وتترك ما نهاك عنه على لسان رسوله ﷺ ، ولابد في عبادة الله أن تكون مع الذل والخضوع والتعظيم، وترك ما نهى عنه مع الرجاء والخوف، فتخاف أنك لو كنت مجرماً أن يعاقبك، وترجو إذا تركته أن يثيبك، هذه هي العبادة.
стр. 89
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩]
لقد وعد الله بالأمن والاهتداء التام لمن لم يظلم نفسه في الدنيا، وقد فسر الظلم في غير ما حديث بأنه الشرك الذي يخلد صاحبه في النار، والله يغفر الذنوب جميعاً ما لم تكن شركاً، وفي هذا دلالة على أهمية التوحيد وعظيم فضله.
стр. 90
أفضل الأعمال هو التوحيد
قال المصنف: [باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]].
قال رحمه الله تعالى: [باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب].
التوحيد واجب، وليس من الأعمال شيء أفضل منه، ولهذا جاء عن الرسول ﷺ أنه قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)؛ لأن هذا هو التوحيد الذي خلق الله جل وعلا عباده ليعبدوه به، وسبق أن العبادة لا تسمى عبادة إلا إذا كانت توحيداً، أي: إذا كانت خالصة لله جل وعلا، وقوله: (وما يكفر من الذنوب) يعني أنه يكفر جميع الذنوب.
كما سيأتي في الأحاديث التي يذكرها، وكما في قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
قال الشارح ﵀: [(باب) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا.
قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره: هذا.
و (ما) يجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف، أي: وبيان الذي يكفره من الذنوب.
ويجوز أن تكون مصدرية أي: وتكفيره الذنوب.
هذا الثاني أظهر].
стр. 91
المراد بالظلم في قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]].
هذه الآية من الأدلة على فضل التوحيد وأنه يكفر الذنوب، فقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] وجه البيان فيه من جهتين: الأولى: أنه أخبر أن لهم الأمن، والأمن جاء معرفاً باللام، فشمل الأمن في الدنيا وفي الآخرة، أما الأمن في الدنيا فيأمن عذاب الله الذي ينزله على المشركين الذين لا يعملون بالتوحيد، وقد بين الله جل وعلا ذلك في قصص الأنبياء كثيراً.
الجهة الثانية: أنه أخبر أنهم هم المهتدون، والاهتداء ينتهي بالسعادة في سكون الدرجات العلى، وهي درجات الجنة.
وقوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) هذا فصل للخطاب والخصومة التي وقعت بين إبراهيم ﵇ وبين قومه حينما هددوه وتوعدوه بآلهتهم التي يعبدون من دون الله، فتبرأ منها وقال: كيف تخوفونني بما تشركون به بهذه الأصنام، وأنتم لا تخافون الله وأنتم تشركون، فأي الفريقين أحق بالأمن: المشرك أو المخلص؟ فجاء قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنعام:٨٢] يعني: هم الأحق بالأمن والاهتداء، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، والإيمان يشمل امتثال أمر الله جل وعلا واجتناب نهيه كله مع اقتران القلب بالخشية والإنابة والذل والخوف من الله جل وعلا.
وقوله: (ولم يلبسوا إيمانهم) اللبس هو: الخلط.
يعني أنهم لم يخلطوا إيمانهم بظلم، والظلم هنا فسر بالشرك، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: (أينا لا يظلم نفسه؟)، وهذا أمر شديد؛ لأنهم تصوروا أن المراد مطلق الظلم، وكل معصية ومخالفة تدخل في ذلك، والإنسان لا يمكن أن ينفك عن معصية أو مخالفة، وهذا في كل الناس، وقد استثني من ذلك الأنبياء والرسل فقط، فقالوا: إنهم معصومون.
والصواب أن العصمة للرسل فيما يبلغون عن الله جل وعلا، وإلا فقد يقع منهم مخالفات فيعاتبهم الله جل وعلا عليها، ثم تكون حالتهم بعدها أحسن مما قبلها، أي أنهم لا يقرون على المخالفة، بل يعاتبون ويتوبون، ويكون آخر أمرهم أحسن من أوله، أما من عداهم من بني آدم فكلهم يخطئون، وكلهم يذنبون ولابد، وهذا مقتضى أسماء الله جل وعلا وأوصافه، فالله جل وعلا من أسمائه الغفور والرحيم والتواب، وكذلك كونه جل وعلا يستر على عباده، وكونه جل وعلا يرحمهم، وكونه جل وعلا هو البر الرؤوف، فلابد أن تظهر آثار هذه الأسماء، وإذا لم يكن هناك معاصٍ، وذنوب لا تظهر هذه الآثار، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)، فهكذا خلق الإنسان، ولما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة رضوان الله عليهم: أينا لا يظلم نفسه؟ هذا لا ينفك منه أحد فقال ﷺ : (ليس ذاكم، وإنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فجعل الشرك هو الظلم في هذا، وليس معنى ذلك أن الذنوب خارجة عن الظلم، لا.
ولكن المذنب إذا كان سالماً من الشرك فهو وإن حصل له من عدم الأمن خوف وحصل له شيء من العذاب فمآله إلى الأمن، مآله إلى الجنة ولابد، فإن عذب في الدنيا صار ذلك كفارة له، وإن لم يكف تعذيبه في الدنيا عذب في القبر فصار كفارة له، فإن لم يكف ذلك عذب في الموقف، فإن لم يكف ذلك عذب في النار، وهذا آخر التعذيب، ثم يخرج منها إلى الجنة ولا يبقى في النار أحد من أهل التوحيد، فأهل التوحيد لا ينتفي عنهم الأمن، وإنما ينتفي عنهم مطلق الأمن الذي هو الأمن التام والاهتداء التام إذا كان عندهم ذنوب، وإنما ينتفى الأمن عن المشرك الذي يشرك بالله جل وعلا ويموت على شركه، فليس له أمن ولا اهتداء، فلهذا قال ﷺ : (هو الشرك)، يعني: الذي يخلط إيمانه بشرك يكون خاسراً، ويكون له العذاب، ولا يناله شيء من الأمن والاهتداء.
وهذا يدل على أن الإنسان قد يجتمع له إيمان وشرك كما يجتمع له معاصٍ وبر وطاعة، وقد يكون عنده شيء من الإيمان وشيء من الشرك، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، يقول مجاهد وغيره من المفسرين: إيمانهم أنك إذا سألتهم: من خلقهم؟ ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله.
وشركهم أنهم يعبدون مع الله غيره, وهذا هو الشرك الأكبر الذي يكون صاحبه خالداً في النار إذا مات عليه ولم يتب قبل موته منه.
فهنا يقول: ((الذين آمنوا)) يعني: اتبعوا الرسول ﷺ وقبلوا ما جاء به واجتنبوا ما نهاهم عنه، فعملوا بالأمر واجتنبوا النهي، ((ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)) يعني: لم يخلطوا هذا الإيمان بشرك.
((أولئك لهم الأمن)) الأمن التام الذي لا ينالهم معه عذاب في الدنيا ولا في القبر ولا في الآخرة، ((وهم مهتدون)) في الدنيا باتباع الحق وسلوكهم خلف رسول الله ﷺ ، وكذلك الهداية إلى منازلهم التي أعدها الله جل وعلا لهم في الآخرة، فهذا هو آخر الهداية، فيهدون في الدنيا بأن يعملوا بعد الحسنة حسنة، ويزدادون بعد الخير خيراً، ويهتدون في الآخرة بأن يعرفوا مساكنهم أكثر من معرفتهم مساكنهم في الدنيا قبل أن يروها، وهذا من تمام الهداية.
[قال ابن جرير: حدثني المثنى وساق بسنده عن الربيع بن أنس قال: الإيمان الإخلاص لله وحده.
وقال ابن كثير ﵀ في الآية: أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة.
وقال ابن زيد وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه.
وعن ابن مسعود ﵁ لما نزلت هذه الآية قالوا: فأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : (ليس بذلكم، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟)، وهذا الحديث في الصحيح والمستدرك وغيرهما].
قوله: (هذا على فصل الخطاب من الله جل وعلا بين إبراهيم وقومه) يعني أن هذا الكلام مستأنف، وأن قصة إبراهيم مع قومه انتهت عند قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١] إلى هنا انتهت قصة إبراهيم، ثم جاء الحكم من الله فاصلاً بين الفريقين -بين إبراهيم وقومه- بقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] إلى آخره، فهذا معنى قوله: (هذا على فصل الخطاب) يعني أنه حكم مستأنف حكم الله جل وعلا به بين الفريقين، بين إبراهيم وقومه الذين خاصمهم.
والقول الثاني للمفسرين أن هذا من تمام القصة، وأن هذا من تمام قول إبراهيم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١] قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ويكون هذا من تمام القصة ومن تمام كلام إبراهيم ﵇، وهو كلام حكاه الله جل وعلا عن الفريقين، فهو لا يخرج بذلك عن كونه كلام الله تكلم به حاكياً ما وقع بين إبراهيم وقومه، ومعلوم أن إبراهيم ﵇ كانت لغته غير عربية، ما كان يتكلم بالعربية، والله جل وعلا ذكر هذا باللغة العربية، فهو كلامه الذي حكاه كما وقع لإبراهيم وقومه.
وهكذا سائر قصص الأنبياء، فإنهم ليسوا عرباً، يقول العلماء: العرب من الأنبياء أربعة فقط، وأما بقية الأنبياء فكلهم عجم.
فالعرب: هود وصالح وشعيب ومحمد صلوات الله وسلامه عليه، أما بقيتهم فكلهم عجم، وكل قصص الأنبياء جاءت باللغة العربية لأن الله جل وعلا حكى ذلك وتكلم به ناكراً ما وقع لهم، فهو كلامه جل وعلا يذكر ما وقع بين الرسول وقومه، ومنه هذه القصة لإبراهيم.
стр. 92
مكفرات الذنوب غير الشرك
قال الشارح: [وساقه البخاري بسنده فقال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: (لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قلنا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون (لم يلبسوا إيمانهم بظلم) بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، ولـ أحمد بنحوه عن عبد الله قال: (لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا يا رسول الله! فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] إنما هو الشرك)].
هذا لا يدل على أن الذنوب ليست ظلماً، ولكن يدل على أن الظلم المطلق الذي لا يكون معه أمن ولا اهتداء هو الشرك، أما الذنوب والمعاصي فإن وقعت من الإنسان فإنه يرجى له الخير إذا مات على التوحيد، بل يعلم يقيناً بأنه من أهل الجنة، وأن مآله إليها وإن عذب وإن ناله ما ناله ما دام ليس معه شرك، فمثل هذا لا يقال: إنه ليس له أمن وليس له اهتداء، بل له الأمن والاهتداء؛ لأن مآله إلى ذلك، فإن حدث له تعذيب وعرض له عارض فإنه يزول بخلاف المشرك، فإن الشرك ليس معه لا أمن ولا اهتداء.
فصار كلام الرسول ﷺ موضحاً لهذا ومبيناً له.
وفيه أن الإنسان وإن كان وقع في معصية فإنه على رجاء من الله وعلى خير، ويرجى له أن يكون مهتدياً ويكون آمناً، والذنوب -ما عدا الشرك- لها طرق كثيرة لإزالتها ومغفرتها، منها كون الإنسان يتوب منها، فالتوبة تمحو جميع الذنوب التي سبقت التوبة إذا كانت التوبة صادقة ونصوحاً.
والتوبة النصوح ما اجتمع فيها شروط التوبة، وشروطها أربعة: أن يندم الإنسان على زلته وعلى ما وقع من الذنب ويود أنه ما وقع منه، وأن يعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليه، وأن يقلع عن الذنب ويتركه، وإن كان مع الذنب مظلمة لغيره من الخلق من الناس فيضاف إلى ذلك أنه يستحل صاحب الحق أو يؤدي إليه الحق، فإذا حصلت هذه الأمور فإن الله جل وعلا يتوب عليه، وقد ندب عباده جل وعلا إلى التوبة، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١]، وهذا لأن المؤمن لابد أن يقع له ذنوب، فأمر الله جل وعلا عباده أن يتوبوا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، والتوبة النصوح هي هذه التي ذكرناها بالشروط.
والأمر الثاني: أن المصائب التي تقع للإنسان سواء في الدنيا وفي نفسه أو في ماله أو في ولده أو في أقربائه، هذه تكفر ذنوبه، تكون كفارات لذنوبه.
الأمر الثالث: الطاعات التي تقع منه فإن الحسنات يذهبن السيئات، ويكون ذلك أيضاً من المانع من العذاب بالحسنات التي يعملها.
الأمر الخامس: الدعوة التي تحصل له من المؤمنين سواء إخوانه المؤمنون أو الملائكة، فالملائكة يدعون ويستغفرون للمؤمنين، كما أخبرنا الله جل وعلا بذلك، وكذلك المؤمنون بعضهم من بعض، وكذلك منها الصلاة عليه إذا مات، كصلاة المؤمنين عليه واستغفارهم له وشفاعتهم له، فإن هذا قد يكون مانعاً له من أن يعذب، وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ تدل على ذلك.
الأمر السابع: ما يصاب به من عذاب القبر وضغطته.
فإن هذا يكون تكفيراً له.
الأمر الثامن: ما يقع له في المواقف -كموقف القيامة- من الشدائد والأهوال التي تمر عليه، فإنها تكون أيضاً مكفرة لذنوبه.
الأمر التاسع: إذا لم يكف هذا فالنار تطهر أهل القاذورات من المعاصي.
الأمر العاشر: رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شيء، فإنه إذا شاء غفر لعبده وإن كانت جرائمه كثيرة جداً، ولا يبالي جل وعلا، فهو غفور رحيم.
فكل هذه أسباب لمنع العذاب عن المؤمن، وهناك غيرها مما هو معروف من الشرع.
[وعن عمر أنه فسره بالذنب، فيكون المعنى: الأمن من كل عذاب.
وقال الحسن والكلبي: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا].
هذا لا ينافي تفسيره بالشرك، كونه فسر بالذنب لا ينافي تفسيره بالشرك؛ لأن تفسيره بالشرك وجهه ما ذكرنا، فيكون المعنى: ليس لمن أشرك بالله أمن مطلق، ولا اهتداء مطلق أما المذنب فله نوع من الأمن، وله نوع من الاهتداء، ولا ينفى عنه الأمن ولا الاهتداء، فيكون تفسير هذا متفقاً مع التفسير الأول.
стр. 93
أقسام أهل الاصطفاء
قال الشارح: [قال شيخ الإسلام: والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بظلم، فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان من أهل الاصطفاء في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]، وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]].
في هذه المعايير جعل المصطفين الذين اصطفاهم الله جل وعلا -والاصطفاء هو الاختيار لجواره جل وعلا في جنة النعيم- جعلهم أقساماً ثلاثة: منهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.
ولهذا فالظالم لنفسه فسر بأنه الذي يترك بعض الواجبات ويفعل بعض المحرمات.
هذا الظالم لنفسه، يترك بعض ما يجب عليه مما أوجبه الله جل وعلا عليه، ويفعل بعض ما حرمه الله عليه، وهذه ذنوب ومعاصٍ، فهذا ظالم لنفسه، ومع ذلك هو من أهل الاصطفاء الذين اصطفاهم الله، والمقتصد هو الذي يفعل الواجب ويترك المحرم، ولا يأتي بالنوافل ولا يترك المكروهات والمباحات تورعاً وتقرباً إلى الله.
أما السابق بالخيرات فهو الذي يفعل الواجبات ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله جل وعلا بعد أداء الفرائض بالنوافل من الصلاة والصوم والصدقة والحج وغير ذلك من أفعال الخير، ولكونهم أقساماً ثلاثة صارت الجنة متفاوتة المنازل على حسب الأعمال، فكل من كان عمله أكثر وصدقه مع الله أعظم وقربه إليه أتم كانت منزلته أرفع وأعلى، وقد ذكر أن الجنة منها ما هو للمقربين، ومنها ما هو للأبرار، ومنها ما صاحبه يغبط عليه، حتى النبيون يغبطونه، فإنه جاء أن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف كما نرى الكوكب الغابر في أفق السماء، فهي منازل رفيعة عالية جداً في الجنة، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين درجة وأخرى كما بين السماء والأرض، أعدها الله جل وعلا للمجاهدين في سبيله)، فهذه لهم خاصة، والدرجة المقصود بها هنا الجنة، فالدرجات جنات واحدة فوق الأخرى، وهذه ليست لمائة شخص فقط، لا.
بل لأجناس كثيرة جداً، كل مكان في الجنة يسكنها ما يملؤها ممن يشاء الله جل وعلا.
فالمقصود أن الخلق لا يتفقون في الأعمال، منهم المجتهد ومنهم الورع الذي يترك ما هو مكروه أو ملتبس فيه خشية أن يكون حراماً أو ممنوعاً، ومنهم من يفعل ذلك وإنما يجتنب المحرم الصريح ويفعل الواجب الواضح الذي أوجبه الله عليه فقط، والرسول ﷺ رتب دخول الجنة على أمور خمسة فقط إذا جاء بها الإنسان فإنه من أهل الجنة قطعاً: أحدها: أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فيعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً.
والثاني والثالث والرابع والخامس: أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت فلما قال له معاذ ﵁: (دلني على عمل يدخلني الجنة.
قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، فقط هذه الأمور الخمسة جعلها هي الطريق إلى الجنة، وإذا أتى الإنسان بما هو زائد على ذلك من أنواع الخير وأنواع البر فإن درجته في الجنة ترتفع ومنزلته تعلو ونعيمه يزداد، ولهذا فاوت الله جل وعلا بين عباده في الجنة من أجل ذلك.
والمقصود أن الذي يظلم نفسه هو من أهل الاصطفاء، وهو كذلك من أهل الأمن، وإن ناله ما ناله من عذاب أو مصائب تصيبه، فإن هذا يكون تكفيراً له.
стр. 94
أجناس الظلم الثلاثة
[وقد سأل أبو بكر الصديق ﵁ النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أينا لم يعمل سوءاً؟ فقال: يا أبا بكر! ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به)، فبين أن المؤمن إذا مات فدخل الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة الشرك وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك كان له الأمن التام والاهتداء التام].
هذه هي أجناس الظلم، وأما قول أبي بكر ﵁ فهو لما نزل قوله جل وعلا: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣]، فـ (من) هنا شرطية، والجزاء يرتب على الشرط، لذلك قال أبو بكر ﵁: أينا لا يعمل سوءاً؟ يعني: لا يوجد أحد ينفك من عمل السوء.
فأخبر الرسول ﷺ أن من الجزاء الذي يقع هو ما يقع في الدنيا من الجوع والظمأ، وما يصاب به الإنسان من المشقة والمرض والمصائب وإدالة العدو وما أشبه ذلك، فكل ما أصاب المؤمن ولو كلمة تسوؤه من آخر فإنها تكون كفارة لما اجترح وأصاب، فهذا الذي يجزى به، فالرسول ﷺ فسره بذلك.
وأنواع الظلم التي ذكر هي هذه التي لا يخرج عنها الناس، ظلم يكون بين العبد وبين ربه، وهذا يكون بترك واجب أو فعل محرم، ترك واجب أوجبه الله جل وعلا على الإنسان فيما بينه وبينه، فيما بين العبد وبين ربه جل وعلا، فإذا ترك شيئاً منه فهو ظلم، وهو لله جل وعلا، فله أن يجزي هذا الظالم على ظلمه وله أن يعفو.
والنوع الثاني: الظلم الذي يقع بين العباد بعضهم من بعض، من أخذ الأموال أو التعدي على الأعراض والأجساد أو استطالة في العرض بالكلام بأن يقال فيه ما ليس فيه، أو يقال فيه ما فيه في غيبته، فإن هذا من الظلم؛ لأن الرسول ﷺ لما بين الغيبة قال: (ذكرك أخاك بما يكره.
قيل له: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهت: هو أشد الظلم وأعظمه فكذلك سائر الحقوق التي تقع من إنسان على الآخر إذا فرط فيها أو ظلمه فيها فإنه يطالب بأدائها، فهذا نوع آخر.
أما النوع الثالث فهو أشدها وأعظمها، وهو الشرك، ولهذا جاء في الأثر أن الدواوين ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً.
ومعنى (لا يعبأ) أنه سهل وهين عند الله، يغفره ولا يبالي.
وديوان لا يترك الله منه شيئاً.
فالذي لا يعبأ الله به شيئاً هو ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه، إذا شاء أن يغفره غفره جميعاً ولا يبالي به، ولو لم يتب الإنسان منه، وأما الذي لا يترك الله منه شيئاً فهو حقوق العباد بعضهم لبعض، فلابد أن تؤدى، ولابد من أداء الحقوق إلى أهلها، ولابد من القصاص يوم القيامة، حتى المؤمنون من أهل الجنة إذا خلصوا من المناقشة ومن الموقف وخلصوا من الصراط وعبروه أوقفوا في قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لبعضهم من بعض وهذبوا وطهروا، فلا يدخلون الجنة حتى تكون قلوبهم صافية ليس فيها غل على أحد.
وهؤلاء الذين علم الله جل وعلا أن هذا الذنب لا يقضي على حسناتهم بل تبقى حسناتهم التي يسكنون بها الجنة، وأما المظالم العظيمة فإنها تكون في الموقف قبل العبور على الصراط، كل مظلمة تؤدى إلى صاحبها حسنات، والناس وكل واحد يفرح أن يكون على أخيه حق، حتى الوالدة تتمنى أن يكون لها حق على ولدها وبالعكس، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]، ولماذا يفر من أمه وأخيه وأبيه وزوجته؟! هؤلاء هم أقرب الناس وأحبهم إليه، ومع ذلك يفر منهم ويكره أن يراهم، وفراره منهم خوف المطالبة بالحقوق، والمطالبة بالحقوق تكون بالحسنات، يؤخذ من حسناته ويوفى المظلوم حقه، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، ولهذا جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (أتدرون من المفلس؟) ثم قال: (المفلس من أمتي من يأتي بحسنات كثيرة، ويأتي قد ظلم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
أما الديوان الثالث الذي لا يغفر الله منه شيئاً فهو الشرك، إذا مات الإنسان مشركاً فهو في النار قطعاً بلا شك لا يغفر له؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأخبر جل وعلا أن المشرك لا يغفر له، ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، فالشرك هو الظلم المطلق الذي ليس بعده ظلم، وهو الذي أخبر الله جل وعلا أن صاحبه في النار، غير أن الشرك نوعان وقسمان: شرك أكبر: وهو أن يجعل مع الله نداً في العبادة.
أن تجعل العبادة مقسومة بين الرب جل وعلا وبين أحد من الخلق، والعبادة كلها ما أمر الله جل وعلا به وما نهى عنه، إذا فعل المأمور لأجل مخلوق أو ترك المنهي عنه لأجل مخلوق فإن هذا من الشرك، أما العبادة القلبية التي فيها الحب والخوف والذل والإنابة فهذه إذا وقعت لمخلوق تكون من أعظم الشرك وأكبره.
القسم الثاني: شرك أصغر وهذا لا يخرج الإنسان عن كونه مسلماً، ولا يجعله خالداً في النار، ولكنه من النوع الذي يعذب عليه إذا لم يعف الله جل وعلا عنه، وهو على القول الصواب الصحيح داخل في الكبائر التي تكون تحت المشيئة.
стр. 95
صاحب الذنب معرض للعذاب متوعد بالنار
[ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه الله تعالى إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه.
وليس مراد النبي ﷺ بقوله: (إنما هو الشرك) أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام؛ فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف، لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام اللذين يكونون بهما مهتدين إلى الصراط المستقيم].
إن النصوص من القرآن مثل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، وكذلك ذكر جل وعلا قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، ويقول جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، وما أشبه ذلك من النصوص الكثيرة كلها تدل على أن صاحب الذنب معرض للعذاب ومتوعد بالنار، وكذلك أحاديث الرسول ﷺ ، فهي كثيرة جداً في هذا، فلو قيل: إن المقصود بهذه الآية الشرك الأكبر لناقض ذلك هذه النصوص، ونصوص الكتاب مع أحاديث الرسول ﷺ لا تتناقض، بل أحاديث الرسول ﷺ تفسر الكتاب وتوضحه وتبين مجمله، فيجب أن يجمع بينها وأن يوفق بينها، ولا يضرب بعضها ببعض كما فعل الخوارج الذين حكموا بأن صاحب الذنب كافر، وأنه إذا مات في النار، وهؤلاء في الواقع ضلوا؛ حيث أخذوا جانباً وتركوا الجوانب الأخرى، وهكذا أهل البدع يتمسكون بشيء ويتركون أشياء، وهم يدخلون فيمن يضربون كتاب الله بعضه ببعض، ويؤمن ببعض ويكفر ببعض.
[بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله تعالى عليهم، ولابد لهم من دخول الجنة، وقوله: (إنما هو الشرك) إن أراد الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان مراده جنس الشرك يقال: ظلم العبد نفسه كبخله -لحب المال- ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله تعالى حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك].
يعني أن الذنوب كلها تدخل في الشرك الأصغر، فإذا كان كذلك دخلت الذنوب في قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، وهذا من باب اللزوم.
[فهذا فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الشرك بهذا الاعتبار.
انتهى ملخصاً].
قال الشارح: [وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: وأينا -يا رسول الله! - لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: (ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فلما أشكل عليهم المراد بالظلم فظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه -أيَّ ظلم كان- لم يكن آمناً ولا مهتدياً أجابهم صلوات الله وسلامه عليه بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا والله هو الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها].
إن الظلم تفسيره عند أهل السنة هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد فسره الأشاعرة وغيرهم بأنه التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهذا خطأ، ولهذا قالوا: إن أي شيء يفعله الله جل وعلا ليس ظلماً؛ لأن كل شيء هو ملك له، فلو خلد الطائع طول عمره في النار لا يكون ذلك ظلماً؛ لأن العباد كلهم عبيده، وكلهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، ولو جعل الكافر الذي يقتل الدعاة الذين يدعون إلى الله في الجنة ما كان ذلك ظلماً، ولا كان ذلك فيه اختلاف الحكمة؛ لأنه ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، وقد أخبر الله جل وعلا أنه لا يجعل المجرمين كالمسلمين، وأن هذا لا يقع في حكمه، وأخبر جل وعلا أنه ليس بظلام للعبيد، وفي الحديث الذي يرويه الرسول ﷺ عن ربه -كما في صحيح مسلم -: إن الله جل وعلا يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)، فما معنى تحريم الظلم؟ فهل كونه حرم الظلم على نفسه جل وعلا، معناه: حرم التصرف في ملكه؟! لا يمكن.
فإنما الصواب في تعريف الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه.
كما في لغة العرب.
وهو تعريفه في الشرع، فإذا جعل على المطيع ذنوباً لم يعملها كان هذا ظلماً، وإذا أُخذت حسناته وأعطيت غيره بغير جرم فعله كان هذا ظلماً، وهذا لا يقع من الله جل وعلا، بل هو الذي حرمه الله جل وعلا على نفسه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وليس التصرف في ملك الغير بغير إذنه كما يقوله أهل البدع ويفسرون به الظلم.
قال الشارح ﵀: [والأمن والهدى المطلق هما الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام رافع للأمن وللاهتداء المطلق التام، ولا يمنع أن يكون الظلم مانعاً من مطلق الأمن ومطلق الهدى، فتأمله.
فالمطلق للمطلق والحصة للحصة.
انتهى ملخصا].
قوله: (فالمطلق للمطلق) يعني: إذا جاء بالإيمان الكامل المطلق فله الأمن المطلق الكامل، وإذا أتى بإيمان غير مطلق -أي: بإيمان مقيد بالمعصية بأن يكون عاصياً- فله أمن مقيد، وليس له الأمن التام والاهتداء التام المطلق.
стр. 96
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠]
ظلمات الشرك تبددها كلمة (لا إله إلا الله)، والشرك ظلمة في القلب وظلم للنفس وظلمات في المجتمع، ولهذا أرسل الله الرسل ليبينوا للناس خطر الشرك، وليدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.
стр. 97
حديث عبادة بن الصامت في بيان فضل التوحيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجاه].
عبادة بن الصامت ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
فقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله) الشهادة معناها: أن ينطق بالشيء الذي يعلمه علماً يقينياً.
وشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن العمل بعد اليقين والمعرفة، وكذلك تتضمن التسليم والانقياد، التسليم للشرع والانقياد له، والكفار الذين كان الرسول ﷺ يدعوهم بهذه الكلمة كانوا يعرفون معناها، ولهذا لما قال لهم: قولوا: (لا إله إلا الله) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، ويقول جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦] يعني: علموا أنهم إذا قالوا هذه الكلمة فلابد أن يتركوا آلهتهم، والإله هو المعبود الذي يألهه القلب ويحبه وينيب إليه ويخافه ويرجوه، فالمحبة التي تكون محبة غيبية لابد أن تكون لله جل وعلا، وهي التي يسميها بعض الناس (محبة السر)، أي: أنه يعلم ما في سرك هذا الذي تحبه أو تخافه فهذا لا يكون إلا لله جل وعلا، فيجب أن يكون لله، فهذه الكلمة هي التي يدخل بها الإنسان في الدين الإسلامي، وهي التي بني عليها الدين كله؛ لأن معناها أن يكون الدين خالصاً لله جل وعلا.
فقوله: (لا إله) نفي الإلهية، وقوله: (إلا الله) إثباتها لله جل وعلا، ومعلوم أن الآلهة في الأرض كثيرة جداً قديماً وحديثاً، والإنسان خلق عابداً، إذا لم يعبد ربه جل وعلا لابد أن يعبد غيره، فيعبد الشيطان أو يعبد شهواته أو يعبد المظاهر الأخرى، أو قد يعبد الدنيا، وقد يعبد ماله، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)، فسماه عبداً للدينار والدرهم، وذلك لأنه يؤثر الدينار والدرهم على طاعة الله جل وعلا وعلى مرضاته فصار عبداً له، وليس معنى كونه عبداً له أنه يسجد له ويركع له، بل كونه يقدمه على محاب الله جل وعلا ومرضاته يكفي في ذلك.
ثم إنه يجب على العبد أن يعرف معنى هذه الكلمة: (شهادة ألا إله إلا الله) يعرف أن معناها إبطال كل معبود غير الله جل وعلا، وإثبات العبادة له وحده، ثم إنه لابد أن يحب ما دلت عليه هذه الكلمة، ويرتبط به، ويرى أن منة الله جل وعلا عليه فيها -حيث هداه- هي أكبر من كل شيء، فيشكر ربه جل وعلا ويتمسك بهذه الكلمة، ويحبها ويحب أهلها، ويعمل بمقتضاها، فمن شهد الشهادة الحقة، وسلم من الشك والريب، وكذلك أخلص عبادته حسب ما تضمنته هذه الكلمة ودلت عليه فإنه يكون من المخلصين، ويكون من السعداء، ويكون من السابقين، وهذه الكلمة تكفر جميع الذنوب، إذا قالها صادقاً مخلصاً فإنها تكفر الذنوب مهما كانت، حتى الذنوب العظيمة التي هي الشرك؛ لأن هذا هو الإخلاص.
أي: قول: لا إله إلا الله هو إخلاص التوحيد لله، فهو يخبر بلسانه، ولابد أن يعمل بقلبه مخلصاً لله جل وعلا، ويعمل بجوارحه مخلصاً لله جل وعلا، ثم العمل يكون تبعاً لذلك.
وقوله: (وأن محمداً رسول الله) يعني: يشهد له بالرسالة.
ومعنى شهادته له بالرسالة علمه اليقيني بأنه رسول من عند الله جل وعلا جاء بالشرع من الله جل وعلا، وأنه لا يعبد الله جل وعلا إلا بما جاء به هذا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيعبد الله باتباعه، ويحبه الحب الذي أوجبه الله جل وعلا له؛ لأن الله جل وعلا أوجب محبة رسوله ﷺ أكثر من محبة الإنسان لنفسه ولأهله وولده، ولابد من هذا، ولكن يجب أن يفرق الإنسان بين محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله؛ لأن محبة الله جل وعلا محبة عبادة وذل وخضوع، أما محبة الرسول ﷺ فهي محبة تابعة لمحبة الله؛ لأن الله يحبه، ولأن الله أمر بحبه فهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله؛ لأن المحبة مع الله شرك، كما قال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وكذلك قال جل وعلا في الآية الأخرى مخبراً عن أهل الجحيم أنهم يعود بعضهم على بعضاً باللوم ويلوم بعضهم بعضا وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يعني: يسوونهم برب العالمين في المحبة، يحبونهم كما يحبون الله.
وإلا فليس هناك أحد من الخلق سوَّى مخلوقاً برب العالمين في الخلق والإيجاد والتصرف.
قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله)، وذلك أن عيسى ضل فيه من كان قبلنا من اليهود والنصارى إلا من شاء الله ممن هداهم إلى صراطه المستقيم، فالنصارى اتخذوه إلهاً وجعلوه رب العالمين، أو جعلوه ابن الله -تعالى الله وتقدس-، أو جعلوه ثالث ثلاثة، كما ذكر الله جل وعلا ذلك عنهم في كتابه، وهذا كله كفر، أما اليهود فجفوا في حقه حتى زعموا أنه ابن زانية -لعنهم الله-، فهدى الله جل وعلا عباده إلى الحق، وبين الحق فيه، كما قال جل وعلا: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] أي: لما جاءت به تحمله إلى قومها: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ﴾ [مريم:٢٧] يعني: ينكرون عليها ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩]، يعني: قالت: كلموه، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٢٩ - ٣٢] إلى آخر ما ذكر الله جل وعلا عنه، فأول ما تكلم به أنه قال: ((إني عبد الله))، فهو عبد من عباد الله جل وعلا.
فقوله ﷺ (وأن عيسى عبد الله ورسوله) يعني: هو عبد تعبده الله جل وعلا بالعبودية وهذه عبودية خاصة، فالعبودية الخاصة هي أشرف مقامات العبد، وإلا فالخلق كلهم عباد لله جل وعلا بمعنى التذليل والتسخير، وأن حكمه جارٍ عليهم رضوا أم سخطوا، ولكن العبودية الخاصة التي يفعلها الإنسان طوعاً ويكمل مراتبها التي أمره الله جل وعلا بها بأن يعبد الله العبادة التي أمره الله جل وعلا بها.
فقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) عبد تعبده الله جل وعلا كسائر عباده الذين هم عباد له يعبدونه، وليس له من الإلهية أو الربوبية شيء، وليس لأحد من الخلق لا الملائكة ولا الرسل ولا غيرهم شيء من خصائص الإلهية أو الربوبية، كل مخلوق معبد مسخر، وقد أخبر الله جل وعلا عن الملائكة أنهم عباد مكرمون، وأنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وأخبر جل وعلا أن عيسى لا يستنكف عن عبادة الله ولا الملائكة -يعني: لا يتكبر عنها-، وأن من استنكف أو تكبر عن عبادته فموعده جهنم.
وقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) يعني: هو رسول أرسله الله جل وعلا إلى بني إسرائيل، فمن آمن به وأطاعه واتبعه فهو السعيد، ومن عصاه وكذبه فهو الشقي، فهو رسول كسائر الرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا، إلا أنه جعله آية، حيث خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، والخلق الذين أخبرنا جل وعلا عنهم -أعني خلق آدم وذريته- أقسام أربعة: القسم الأول: من خلقه من طين، وهو أبو البشر كما قص الله جل وعلا ذلك علينا.
القسم الثاني: من خلقه من ذكر بلا أنثى، وهو حواء زوج آدم، خلقها الله جل وعلا من ضلعه الأيسر أو الأيمن، خلقها من ضلعه فجعلها بشراً سوياً من ذكر بلا أنثى.
القسم الثالث: ما ذكره الله جل وعلا عن عيسى أنه خلقه من أنثى بلا ذكر.
القسم الرابع: سائر الخلق خلقهم من ذكر وأنثى، وكل ذلك دليل على تفرده جل وعلا بالتصرف، وأنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، فلابد أن يشهد الإنسان أن عيسى عبد لله جل وعلا تعبده وعبد ربه، وأنه رسول أرسله الله جل وعلا إلى بني إسرائيل ليطيعوه ويتبعوه، وأنه كلمة الله، ومعنى كونه (كلمة الله) أنه خلقه بالكلمة، قال له: (كن) فيكون، كما قال تعالى: ﴿إِنََّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فهو خلق بالكلمة، ولهذا سماه كلمة الله.
(وروح منه) يعني أنه روح من سائر الأرواح التي خلقها واستنطقها واستشهدها فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
فهو من الأرواح التي استخرجت من آدم، وأرسلها إلى مريم بواسطة الملك، أرسل إليها جبريل فتمثل لها بشراً سوياً وهي تتعبد متخلية عن أهلها، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٨ - ١٩]، فنفخ في جيب درعها فذ
стр. 98
قوله: (وشهد أن الجنة حق والنار حق)
ثم يقول ﷺ : (وشهد أن الجنة حق، والنار حق) الحق: هو الثابت المستقر الذي لا يتغير، فيشهد الإنسان أن الجنة حق خلقها الله جل وعلا وأعدها لعباده الصالحين.
стр. 99
شرح حديث عبادة: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث)
قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
الشهادة لابد أن يطابق القلب فيها اللسان، أي: أن تكون عن علم ويقين، وعن معرفة وصدق ومحبة لها وامتثال لما تقتضيه وتدل عليه وليس الشهادة مجرد التلفظ، بل شهادة ألا إله إلا الله معناها نفي الشرك عن جميع العبادات وجعل العبادة خالصة لله جل وعلا، ولهذا لما قال الرسول ﷺ للكفار: (قولوا: لا إله إلا الله) قالوا -كما حكى الله عنهم-: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]؛ لأنهم علموا أن هذه الكلمة تبطل الشرك كله وتجعل العبادة لإله واحد وهو الله جل وعلا، فمعنى قوله: (أشهد ألا إله إلا الله) أعلم علماً يقينياً بأن التأله والتعبد لله وحده، وأن هذا لا يقع مني ولا أفعله.
بل يكون تعبده وتألهه خالصاً لله وحده.
وقوله: (لا شريك له) هذا تأكيداً للنفي، في قوله: (أشهد ألا إله)، فهذا نفي، وقوله: (إلا الله) إثبات، وقوله: (لا شريك له) ينهي التأله لغير الله ويثبته لله جل وعلا، والشهادة تطلق على العلم اليقيني، وهو الذي تدل عليه هذه الكلمة، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، يعني: الذين تنالهم الشفاعة.
أما من لم يكن كذلك فإنه لا تقع له شفاعة.
وقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) هذه الجملة جملة حالية تدل على أن العلم في الشهادة شرط فيها، فاشترط فيها أن يكون الشاهد عالماً بما يشهد به، أما إذا شهد بشيء لا يعلمه فهذا يكون من شهادة الزور، وتكون الشهادة مجرد تلفظ باللسان، وتكون كذباً.
ومما يلزم لشهادة ألا إله إلا الله الإخلاص، وهو مقتضى وضع هذه الكلمة، أن تكون العبادة خالصة لله جل وعلا، ولهذا لما سئل ﷺ -كما في حديث أبي هريرة - وقيل له: (أي الناس أسعد بشفاعتك -يا رسول الله! - يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فمن قال هذه الكلمة مخلصاً فهو أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ ، أما الذي لا يخلص فإنه لا يدخل في الشفاعة؛ لأن عدم الإخلاص هو الوقوع في الشرك، والمشرك ليس له نصيب مما أعده الله جل وعلا لأهل التوحيد والإخلاص.
ومنها الصدق، فعلى الإنسان أن يكون صادقاً في قولها، وضد الصدق النفاق، كأن يقولها الإنسان وهو منافق، يقولها في الظاهر ويعمل كذلك بمقتضاها في الظاهر، ولكن قلبه منطوٍ على التكذيب، ومن كان هذه صفته فهو في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار، نسأل الله العافية.
فالنفاق هو تكذيب القلب مع عمل الجوارح بخلاف ما في القلب، وكذلك نطق اللسان.
وقد أخبر الله جل وعلا أن المنافقين يشهدون أن محمداً رسول الله، ولكن شهادتهم غير معتبرة، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، فهم في شهادتهم كاذبون؛ لأن قلوبهم لا تتفق مع ما تنطق به ألسنتهم، بل تخالفها.
وكذلك من شروط الشهادة المحبة، وتكون المحبة بأن يحبها ويحب ما تدل عليه، ويغتبط بذلك ولا يكره شيئاً من ذلك، وإلا وقع في المتناقضات.
وكذلك مما يلزم لها الانقياد والإذعان، بأن ينقاد لها ويذعن، ولا يكون عنده تضجر ولا توقف فيما دلت عليه، بل يلتزم ويعمل.
وكذلك مما تقتضيه: القبول والتسليم، بأن يقبل ويسلم وينقاد، وفضلاً عن الانقياد أن يسلم لذلك، والتسليم معناه: ألا يكون في قلبه حرج أو ضيق أو تبرم مما جاءت به هذه الكلمة.
كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، أما إذا تخلف شيء من ذلك فمعنى هذا أنه لم يحصل له المنفعة فيما يقول وما يتشهد به.
فإذاً: هذا كله يدلنا على أن هذه الكلمة أمرها ليس سهلاً، وقد علم الكفار ذلك، فالرسول ﷺ لما أتى إلى عمه أبي طالب وهو في سياق الموت قال له: (يا عم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال له الحاضرون من الكفار: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وهذا يدلنا على أنهم فهموا أن قولها يخرجه من ملة الكفر ويدخله في ملة الإسلام، وليس المراد من ذلك مجرد اللفظ فقط، بل المقصود به الخروج نهائياً من هذا الدين والدخول في دين آخر، وإلا فلو كان المقصود مجرد اللفظ ما توقف أحد من الكفار بأن يقولوها وهو مقيم على ما هو عليه من الشرك، لكن هذا لا يقبل ولا ينفع.
ومن المتناقضات ما يقع اليوم من كثير من المسلمين، فتجد أحدهم يقول هذه الكلمة وهو يطوف على القبر ويستنجد بصاحبه ويدعوه دعاء المضطر ويسأله لأمور دنياه وأمور آخرته مما هو صريح الشرك وواضحه، وهو يقول: لا إله إلا الله.
وهذا لأنه جهل معنى (الإله)، وجهل معنى العبادة، وجهل معنى هذه الكلمة وما وضعت له، جهل ذلك كله، وهذا في الواقع تفريط، وإلا فكل عبد من عباد الله يلزمه أن يكون عالماً بهذا المذكور كله.
стр. 100
معنى لا إله إلا الله وأقوال العلماء في ذلك
قال الشارح ﵀: [فصل: ذكر كلام العلماء في معنى (لا إله إلا الله): وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع.
فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد.
وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع.
قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله.
وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وإنابة وإكراماً وتعظيماً وذلاً وخضوعاً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً.
وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً ومحبةً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
وقال البقاعي: (لا إله إلا الله) أي: انتفاءً عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلْم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علماً إذا كان نافعاً، وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرْف.
وقال الطيبي: (الإله) فعال بمعنى (مفعول)، كالكتاب بمعنى (المكتوب)، من ألِه إلهةً أي: عُبد عبادة، قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم.
فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائناً ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢]، فـ (لا إله إلا الله) لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً، واعتقد ذلك وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صِرْف، فهي حجة عليه بلا ريب].
من أوضح الكلام وأبينه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وهي التي كان كل رسول من الرسل يفتتح دعوته إلى قومه بها، ولكن لكون كثير من الناس يعرض عنها ويتعلق بأمور تنافيها صار الجهل بها فاشياً في كثير من البلاد والأحوال، والرسول ﷺ وضحها إيضاحاً بيناً، وهي واضحة من كلام العرب؛ لأن هذه الكلمة هي أصل الدين، وهي التي لا يصح إيمان أحد -بل إسلامه- حتى يتلفظ بها ويطابق قلبه ما يقوله لسانه، فلابد أن يعتقد معناها ويعمل بما دلت عليه مع قولها لفظاً، وإلا لا يكون الإنسان مسلماً.
وهنا يتكلم عن معناها في اللغة ووضعها، فاللغة هي التي نزل بها القرآن، والله جل وعلا أخبرنا في كتابه عن الكفار أنه لما قيل لهم: قولوا: (لا إلا الله) استكبروا.
يعني: أبوا أن يقولوها لأنها تبطل ما كانوا يعملونه، وهذا هو السبب في كونهم لم يقولوها، فهم يعلمون أنهم إذا قالوا: (لا إله إلا الله) أنه يجب الاتجاه إلى الله وحده في كل دعوة، وفي كل قصد، وفي كل ما يتقرب به، وألا يكون هناك واسطة تُجعل بين الداعي والقائل لها وبين الله جل وعلا.
فهذا هو السبب في كونهم أبوا أن يقولوها؛ لأن دينهم هو الشرك، وهو أنهم جعلوا بينهم وبين الله جل وعلا وسائط، وبهذه الوسائط يتجهون إلى الله بطلب الشفاعة وطلب القربة، وإلا فهم يعتقدون اعتقاداً جازماً يقينياً بأنه لا أحد يملك مع الله شيئاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهو المالك لما في السموات وما في الأرض وحده، وليس لأحد معه شيء، لا من الملائكة ولا من الرسل فضلاً عن غيرهم، وإنما كان شركهم أنهم جعلوا وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: هذه الوسائط تقربنا إلى الله، فإذا دعوناها وتشفعنا بها فهي تدعو الله، وهي لا ذنوب لها فتكون دعوتها أقرب إلى الإجابة.
وهذا هو الشرك الذي أخبر الله جل وعلا أنه لا يغفره لمن مات عليه، فجاءت هذه الكلمة مبطلة لذلك؛ فإنه إذا قال قائلها: (لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا معبود يتوجه إليه ويطلب منه ما يطلب من الله إلا الله وحده فقط.
ومن قالها وهو يعمل بما دلت على إبطاله فقوله لها لغو لا يفيد.
ولهذا اشترط أن يكون قولها عن علم بمعناها؛ لأنها تنفي جميع العبادة عن الله جل وعلا، والعبادة أنواع، منها ما يكون باللسان، مثل هذه الكلمة ومثل الذكر والدعاء وغير ذلك.
ومنها ما يكون بالقلب، مثل الخوف والرجاء والخشية والإنابة وما أشبه ذلك.
ومنها ما يكون بالجسد، مثل السجود والركوع وما أشبهه.
وكل هذا يجب أن يكون لله وحده، ولا يكون لأحد من الخلق منه شيء، فإن وجد منه شيء لأحد من الخلق فقد حصل الشرك ووقع الإنسان في الشرك، والشرك يفسد جميع الأعمال، فإن الدين الإسلامي مبني على الإخلاص، والإخلاص معناه أن يكون العمل لله وحده ليس لأحد مع الله فيه شيء أصلاً لا عمل القلب ولا عمل اللسان وقوله ولا عمل الجوارح.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] أي أن كل ما يفعله الإنسان يرجو بفعله ثوباً أو يتركه يرجو بتركه ثوباً أو يخاف أنه لو فعله لعوقب كله عبادة، فكل شيء يفعله الإنسان يرجو بفعله ثواباً، وكل شيء يتركه الإنسان يرجو بتركه ثواباً، أو أنه لو فعله يخاف أن يعاقب يجب أن يكون هذا كله لله وحده، ولا يكون شيء منه لأحد من الخلق، وإلا فقد وقع الإنسان في الشرك، وليس المقصود بهذه الكلمة قولها في التلفظ فقط مع الجهل بمعناها، ولهذا سيأتينا في الحديث: (إن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله)، وتقدم في حديث عبادة بن الصامت أنه رتب دخول الجنة على أمور خمسة: على أن يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه روح منه، وأن الجنة حق، والنار حق.
وهذه الأصول هي أصول الدين الإسلامي، فإذا أتى بها الإنسان فغيرها من سائر فروع الدين الإسلامي يكون تابعاً لها.
ومن المعلوم أنه ثبت في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أن كثيراً ممن يقول هذه الكلمة يدخل النار، والرسول ﷺ كلامه لا يتناقض، ولا يكون بعضه مخالفاً لبعض، بل كله يأتي من الله جل وعلا وحياً وبعضه يصدق بعضاً.
فمعنى ذلك أن الناس يتفاوتون في قول هذه الكلمة بالعلم والصدق والإخلاص واليقين وعدم الارتياب، فمنهم من يقولها وهو غير صادق، ومثل هذا قوله لها لا يغني عنه شيئاً، ومنهم من يقولها عن علم ويقين وإخلاص لله جل وعلا، فإذا قالها بهذه المثابة فمعنى ذلك أنه متجه بكليته إلى الله جل وعلا، ولا يكون عنده في مراداته ولا في تصرفاته شيء مما يبغضه الله إلا الشيء الذي لا يستطيعه، فقولها بصدق وإخلاص لا يتفق مع فعل المعاصي وفعل الإجرام فضلاً عن الوقوع في الشرك؛ لأنها هي التي تضاد الشرك وتبطله تماماً، وإذا وجد الشرك فقولها ممن يقولها كالهذيان لا يفيد ولا يجدي؛ لأنها وضعت للمعنى ولم توضع للفظ، ولو كان المقصود منها قولها مع المخالفات فلن يشكل ذلك على الكفار، ولقالوها وهم مقيمون على دينهم، ولكن علموا أنهم إذا قالوها بطل دينهم كله فأبوا قولها، ويوضح هذا تماماً قصة أبي طالب حينما حضرته الوفاة فأتى إليه رسول الله ﷺ وطلب منه أن يقول هذه الكلمة، فقال له: (يا عم! قل (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله)، فكان عنده قرناء السوء حضوراً، وهم من المشركين الذين أبوا أن يقولوها، فقالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فما قالوا: لا تقلها.
بل قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وهذا يدل على أن قولها يخرجه من ملة عبد المطلب إلى ملة أخرى وهي ملة الدين الإسلامي، فأعاد عليه الرسول ﷺ قوله هذا، فأعادوا عليه هذا القول فقط، فأبى أن يقولها وقال: هو على ملة عبد المطلب.
وهذا يدلنا على أنه ليس المقصود قولها باللسان، وإنما المقصود الخروج من دين يدين به من يخالفها إلى الدين الذي جاء به الرسول ﷺ ، فالدين كله يدور على هذه الكلمة، ولا يجوز للمسلم أن يجهل معناها؛ لأنها هي أصل الدين، وهي أساسه، وهي التي يسأل عنها الأولون والآخرون، فكل الناس وكل الخلق يُسألون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم به المرسلين؟ فلابد من هذا السؤال لكل أحد، والرسول ﷺ بين هذا ووضحه غاية البيان، وبين الأمور التي هي من حقوقها، ومن لوازمها أنه يجب على العباد أن يلتزموا ذلك وأن يعملوا به، فلهذا لما أبى بعض العرب بعد وفاة النبي ﷺ أداء الزكاة إلى أبي بكر استدل أبو بكر على وجوب قتالهم بهذه الكلمة: (لا إله إلا الله)، فإنه قال: إن الرسول ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، وأداء الزكاة من حقها، فإذا امتنعوا عن أداء الزكاة للإمام قُوتلوا؛ لأن ذلك من حق (لا إله إلا الله)، وليس معنى ذلك أنهم يجحدون وجوب الزكاة أو يمتنعون عن إخراج
стр. 101
خطر الشرك وضرره على الإنسان
قال الشارح: [فقوله في الحديث: (وحده لا شريك له) تأكيد وبيان لمضمون معناها، وقد أوضح الله ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين، فما أجهل عباد القبور بحالهم! وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله!) فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا (لا إله إلا الله) لفظاً ومعنىً، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظاً وجحدوها معنىً، فتجد أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بأنواع العبادة، كالحب والتعظيم، والخوف والرجاء، والتوكل والدعاء، وغير ذلك من أنواع العبادة، بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب، فإن أحدهم إذا وقع في شدة أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقدون أنه أسرع فرجاً من الله، بخلاف حال المشركين الأولين، فإنهم كانوا يشركون في الرخاء، وأما في الشدائد فإنما يخلصون لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] الآية، فبهذا يتبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم].
الشرك في الواقع من الأمور التي يجب أن يهتم بها، وذلك أن الله جل وعلا أخبر أن المشرك إذا مات على شركه فإنه خالد في النار، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وأخبر أن المشركين في المحبة الذين يجعلون لله أنداداً يحبونهم كحب الله أنهم لا يخرجون من النار، فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، فإذا كان الأمر هكذا فيجب على العبد أن يتنبه لذلك ويهتم به.
وكثير من الناس ينكر أن يكون ما يقع من كثير من الذين يطوفون بالقبور أو يعكفون عندها ينكر أن يكون هذا شركاً، ويقول: هذه محبة للصالحين وتوسل بهم، والتوسل مطلوب؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فهذا من الوسيلة التي تُبتغى إلى الله جل وعلا.
وهذا في الواقع من الجهل في دين النبي ﷺ الذي بينه ووضحه، وذلك أن أصحاب القبور قد فارقوا الحياة، فإذا دعاهم الداعي لا يسمعون دعوته ولا يستطيعون أن يجيبوه بشيء؛ لأن الحي الحاضر يمكن أن يجيبك بما تدعوه إليه أو ببعض ما تدعوه إذا كان قادراً، ولهذا اشترط في الدعاء الموجه إلى المخلوق أن يكون حياً حاضراً عندك يسمع، وأن يكون قادراً على إجابة ما تدعوه به، وأما إذا دعوته بالشيء الذي لا يستطيعه مثل أن تقول: اشف مرضي.
أو أصلح قلبي.
أو هب لي ولداً.
أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا يُدعى به إلا الله وحده جل وعلا، ولكن إذا كان يستطيع أن يقدم لك نفعاً يستطيعه وكان حياً حاضراً فيجوز ذلك ولا يكون شركاً، أما إذا كان ميتاً، أو كان غائباً في بلد آخر فدعوته فذلك شرك بالله؛ لأن هذا يجعله بمنزلة من يسمع قولك ويطلع على ما في نفسك، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا.
فكذلك أصحاب القبور عندما يعكفون عندها، أو يأخذون -مثلاً- من ترابها يتبركون به، ويزعمون أنه ينفعهم، أو يؤدون عندها العبادات بأنواعها من صلاة وذكر وقراءة قرآن وما أشبه ذلك، ويقولون: إن فعل هذه العبادات عندها أرجى وأحسن من فعلها في المساجد.
فكل هذا إما أن يكون شركاً أكبر بالله جل وعلا، أو يكون وسيلة إلى الشرك، كفعل العبادات عندها بأن يكون -مثلاً- يصلي لله في المقبرة أو يتلو القرآن ويذكر الله يريد وجه الله، وإنما يقول: إن هذا يقبل في هذا المكان.
أو إنه أحرى في القبول.
فهذا من البدع التي لا يقبل معها العمل؛ لأن كل بدعة ضلالة، والضلالات كلها في النار، ولأن الرسول ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
والله جل وعلا يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]، فهي تعمل وتنصب وتخشع، ولكنها في الآخرة تصلى جهنم؛ لأنها تخشع وتعمل بالبدع وبخلاف ما جاء به الرسول ﷺ ، فالبدع طريق إلى الشرك ووسيلة إليه، أما إذا كان يرجو أصحاب القبور فلابد أنه يعتقد أنهم يسمعون، أو أنهم -مثلاً- يعلمون ما في القلب، فإذا اعتقد أنهم يسمعون دعوته -والسماع المراد به الإجابة- ويستطيعون أن يجيبوا فهذا من الشرك بالله جل وعلا؛ لأنهم أموات غير أحياء، ولأنهم لا يستطيعون أن يقدموا لأنفسهم حسنة واحدة، ولا أن يضعوا من كتابهم ومن سيئاتهم سيئة واحدة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
وليس معنى قوله جل وعلا: ((مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) أنهم يوم القيامة يستجيبون لهم ويعطونهم مطلوبهم، ولكن المقصود أنهم لا يستطيعون رد الجواب عليهم ورد الخطاب إليهم حتى يبعثوا ويجمع بينهم ويقال لهم: هؤلاء الذين كنتم تسألونهم وتتقربون إليهم اذهبوا إليهم فليعطوكم مسئولكم.
فعند ذلك يكفرون بهم ويتبرأون منهم، وهذا هو معنى قوله: ((مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) يعني أنهم يوم القيامة تكون إجابتهم لهم الكفر بهم والتبرؤ مما كانوا يفعلونه.
ولهذا قال: ((وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ))؛ لأن المدعو قد يكون -إن كان من الصالحين- في نعيم في قبره غافلاً عما يطلب منه، وهو -أيضاً- لا يرضى بهذا، بل يكون كافراً بذلك مبغضاً له عدواً لمن يفعله؛ لأن هذا عبادة لغير الله، والذي يرضى بأن يُعبد من دون الله هو من رؤساء الطواغيت الذين يصدون عن دين الله وعن عبادته ويدعون إلى عبادة الشيطان، فكيف يرضى بذلك من هم صالحون؟! فإذا كانوا صالحين فلا يمكن أن يرضوا بذلك أبداً، ولهذا أخبر الله جل وعلا أن العابد والمعبود من دون الله حصب جهنم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، و (حصب جهنم) يعني أنهم وقودها، يوضعون فيها هم ومن عبدوهم.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة ﵄ أنه إذا كان يوم القيامة وصار الموقف الطويل الشديد العظيم الذي يقفه الناس لرب العالمين يقومون على أقدامهم طويلاً، فإذا طال وقوفهم واشتد كربهم ألهمهم الله جل وعلا أن يطلبوا الشفاعة من الرسل الذين معهم في الموقف، فإذا طلبوا الشفاعة وشفع الشافع عند رب العالمين ليأتي للقضاء بين عباده ويريحهم من هذا الموقف، فإذا جاء جل وعلا يخاطبهم ويقول جل وعلا لهم جميعاً: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فكلهم يقولون: بلى.
أيستطيع إنسان إذا كان يتولى أحداً أن يقول: لا أريده؟! فعند ذلك يمثل لكل عابد معبوده، فيجاء بذلك المعبود إذا كان حجراً أو شجراً أو صنماً، وأما إذا كان مخلوقاً من المخلوقات العابدة لله كالبشر والملائكة والجن فإن كان من المطيعين لله الذين يعبدون الله وحده فإنه يؤتى بشياطينهم التي زينت للعابد هذه العبادة على صورهم، ثم يقال لهم: اتبعوا معبوداتكم ومن كنتم تولونهم.
فيذهب بهم إلى النار فيلقون في جنهم، ثم العابدون لله يلقون ثوابهم، وهذا من معاني قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ولما نزلت هذه الآية قال أحد المشركين: الآن أخصم محمداً فجاء إلى رسول الله ﷺ وقال: أرأيت عيسى بن مريم وأمه والملائكة أليسوا من عباد الله الصالحين؟ فكيف تخبر بأنهم حصب جهنم؟ فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] يعني أن هؤلاء لا يرضون بهذه العبادة، فالعابد لهم في الواقع عابد للشيطان.
فالذي يعبد عيسى لم يعبد عيسى في الواقع وإنما عبد شيطاناً زين له ذلك، فهذا الشيطان الذي زين له هذه العبادة وأمره بها هو الذي يؤتى به يوم القيامة ويقال له: هذا معبودك فاتبعه.
وكذلك الذي يطوف بالقبر إذا كان المقبور صالحاً فإنه إذا كان يوم القيامة يجاء بالشيطان الذي زين لهذا العابد العبادة وأمره بها فيقال له: هذا وليك في الدنيا فاتبعه.
وإلا فالرسل وأتباع الرسل الصالحين -ولا يكون الإنسان صالحاً إلا إذا كان متبعاً للرسول ﷺ برآء من كل شرك ومن كل مخالفة لله جل وعلا ولرسوله، ولا يرضون بها، وليس معنى ذلك إهدار حقوقهم، ولكن حماية لحق الله جل وعلا أن يوضع للمخلوق شيء منه؛ لأن حق الله يجب أن يكون خاصاً به، ولا يكون لأحد منه شيء، والخلق كلهم عباد لله ليس لهم من العبودية شيء، فالعبادة لابد أن تكون خالصة لله جل وعلا، والرسول ﷺ يقول: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ولكن لا يجوز لأحد أن يخضع لأحد، فالخضوع لله، والذل لله، والخوف منه، والرجاء منه، فالعبادة له وحده، وكل من ترك من العبادة شيئاً لغير الله جل وعلا فإنه واقع في الشرك الأكبر الذي توعد فاعله بالنار، ويكون خالداً فيها -نسأل الله العافية-، وتكون الجنة عليه محرمة، ولكن الجهل بالعبادة والجهل بمعنى (لا إله إلا الله) هـ
стр. 102
العبودية لله تعالى
قال الشارح ﵀: [وقوله: (وأن محمداً عبده ورسوله) أي: وشهد بذلك.
وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل، ومعنى العبد هنا: المملوك العابد.
أي أنه مملوك لله تعالى، والعبودية الخاصة وصفه، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، فالنبي ﷺ أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والإلهية فهما حق الله تعالى لا يشركه في شيء منهما ملك مقرب ولا نبي مرسل].
العبودية بمعنى: جريان الأحكام والأقدار والقهر على العبد، فهو مقهور جارية عليه أحكام الله وأقداره، ولا يخرج عن ربوبية الله وقهره وإحاطته وقبضته.
وهذا يشمل الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عباد لله بهذا المعنى، بمعنى أنهم تحت قهر الله وتحت قدره وتحت تصرفه، لا يخرجون عن ذلك بحال من الأحوال، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] يعني: ذليلاً خاضعاً يجري عليه حكم الله وقضاؤه وقدره، لا يستطيع أن يخرج عن شيء من ذلك والعبادة بهذا المعنى لا تنفع ولا تفيد، وليست مطلوبة؛ لأن هذا فعل الله، فهو الذي قهر الخلق، وهو الذي أجرى أحكامه وسلطانه عليهم، ولا أحد ينازع الله جل وعلا، فالخلق كلهم أضعف من أن ينازعوا الله في شيء من قضائه وقدره أو في ملكه وحكمه.
المعنى الثاني: (عَبْد) بمعنى: عابد، تصدر منه العبادة.
وهذا هو المطلوب، وهو الذي يمدح الإنسان عليه، فإذا كمله جاء بالمطلوب منه في هذه العبودية، ورسولنا ﷺ هو أكمل الخلق في تكميل هذه العبودية والإتيان بمرادات الله جل وعلا منها، وهذا معنى كون الله جل وعلا قد أثنى عليه بلفظ العبودية في أشرف المقامات؛ لأنه كملها، ومن تكميلها هذه المقامات التي ذكرها الله عنه، مثل الدعوة إلى الله، قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فهو يدعو الله ويدعو إليه، ويعبد الله ويدعو الخلق أن يعبدوه.
المقام الثاني: مقام الإتيان بالآيات التي بها تتبين نبوته وصدقه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]، وأعظم الآيات التي جاء بها الرسول ﷺ على الإطلاق القرآن، والآيات المقصود بها الدلائل الباهرة التي تذعن العقول عندها وتصدق بأنه رسول جاء من الله جل وعلا، والقرآن من أعظمها أو هو أعظمها.
الأمر الثالث: المنة بالوحي عليه، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، فـ (عبده) يعني: الذي قام بالعبودية الخاصة له.
الأمر الرابع: المنة عليه بالإسراء والمعراج، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١].
وكل هذه المقامات الأربعة هي من المقامات الخاصة بالرسول ﷺ ، إلا مقام الدعوة، فإن كل تابع له يجب أن يشاركه فيها حسب مقدرته، فإذا كان متبعاً للرسول ﷺ فلابد أن يدعو غيره إلى ما جاء به الرسول ﷺ ، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] يعني: أنا أدعو على بصيرة إلى الله، ومن اتبعني كذلك يدعو على بصيرة إلى الله جل وعلا.
أما بقيتها من التحدي بالآيات بالدلائل وكذلك نزول الوحي وكذلك المعراج والإسراء فهذه من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه، والله ذكره بلفظ العبودية في هذه المقامات وهي أشرفها، وصفة صلوات الله وسلامه عليه بذلك في دعوته إلى الله جل وعلا وإبلاغ رسالته وإبلاغ ما أوحاه إليه.
فهذه العبودية التي تصدر من العبد ويكون عبداً لهذا المعنى هي العبودية النافعة، وهي التي يُطلب من الإنسان أن يكون عبداً لله بها، فمعنى (عابد) أي أن العبادة تصدر منه وإذا كان عبداً لله فهو لا يخالف أمره، ولا ينازعه في حكمه، ولا يتجه بالعبادة إلى غيره، بل لابد من هذه الأمور إذا كان عبداً لله، أما إذا وزع نفسه بين ربه جل وعلا وبين غيره من المخلوقات بأن يجعل لله نصيباً وللصالحين نصيباً فهو في الواقع ليس عبداً لله؛ لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك، فمن اتجه إليه بعبادة واتجه بتلك العبادة إلى غيره فإن الله يتبرأ منه، ويقول -كما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه-: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، ويأمر جل وعلا يوم القيامة من أشرك في العمل أن يطلب أجره ممن أشرك به.
فالمقصود أن هذا أمر لازم على الناس جميعاً، فعليهم أن يعبدوه وحده، وليعلموا أنهم خلقوا لهذا، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧] يعني أن الله جل وعلا ما خلقهم لشيء يريده لنفسه وإنما خلقهم ليعبدوه وحده والعبادة التي طلبت منهم هي التي تقع باختيارهم، أما الذي يقع عليهم وهم راغمون كالأقدار والقهر فهذا لا ينفع؛ لأنه ما صدر منهم وإنما هو من الله جل وعلا، وإنما الذي ينفعهم أفعالهم الاختيارية التي يفعلونها باختيارهم، وأما إذا لم يفعلوها مختارين مذعنين راغبين في ذلك محبين لفعلها مرتبطين به فمعنى ذلك أنهم ما عبدوا الله جل وعلا العبادة المطلوبة، فلفظ (العباد) هو هذا المقصود به في الواقع، أن يكونوا عباد الله بمعنى: عابدين له.
стр. 103
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١]
توحيد الله تعالى وترك الشرك به هو أول ما يطلب من المكلف، ولكلمة التوحيد أثر في الآخرة، فهي نجاة لصاحبها من النار إن قالها بإخلاص، كما أنها تنفع صاحبها حتى مع اكتساب الذنوب، ولهذه الكلمة لوازم، ومن لوازمها الإيمان بالنبي ﷺ ، والإيمان بالجنة والنار.
стр. 104
الإفراط والتفريط في محبة النبي ﷺ
قال المؤلف ﵀: [وقوله: (عبده ورسوله) أتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيراً ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولاً وعملاً، وفرط بترك متابعته، واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به، وتعسف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها والصدوف عن الانقياد لها مع اطّراحها، فإن شهادة (أن محمداً رسول الله) تقتضى الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحد كائناً من كان، والواقع اليوم وقبله ممن يتنسب إلى العلم من القضاة والمفتين خلاف ذلك، والله المستعان.
وروى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه كان يقول: (إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء، بأن يُشهد ألا إله إلا الله، يفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً).
قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعباًً يقول مثل ما قال ابن سلام].
الإفراط في الواقع: هو التجاوز في فعل الشيء إلى ما لا يشرع.
والتفريط: هو الجفاء، بأن يتركه ويجفو عنه.
ودين الله وسط بين هذين الأمرين، بين الإفراط والتفريط، فيجب أن يكون الإنسان معتدلاً لا مُفرِطاً ولا مُفرِّطاً.
والإفراط وقع فيه كثير من الناس، وكذلك التفريط وقع فيه كثير من أهل الجهل والغفلة والإعراض عن الله جل وعلا، والإفراط أيضاً يقال له: غلو.
والغلو في الشيء: هو الزيادة فيه.
فيقول المؤلف في هذا: إن هذا وقع فيه كثير من الناس، أفرطوا في محبة النبي ﷺ وفرطوا في متابعته.
والواقع أن محبة النبي ﷺ واجبة وفرض على كل إنسان، ولكن يجب أن يميز الإنسان بين حق الله وحق رسوله ﷺ ، ولا يخلط حق الله مع حق الرسول ﷺ ، فمحبة الرسول ﷺ ليست محبة ذل وخضوع وعبادة، وإنما هي محبة تابعة لمحبة الله جل وعلا، فتحبه لأن الله أمرك بحبه؛ ولأنه رسول إليك أنقذك الله بسببه من الكفر، ولأن الله جل وعلا يحبه، فكل من أحبه الله يجب أن تحبه على حسب محبة الله جل وعلا له، فإذا كانت محبة الله له أتم وأكمل فيجب أن تكون محبتك إياه كذلك، وأما محبة الله فهي محبة الذل والتعظيم والإنابة، فتحبه حب عبادة، فيذل قلبك ويخضع له وتعظمه، وتكون أعمال الجوارح تابعة لهذا الذل، ومن هذا الذل وهذا الحب السجود والركوع والإنابة، وكذلك الخشية والخوف والرجاء، وكل أفعال القلب تتبع هذا، فيجب على العبد أن يفرق بين ما هو لله وبين ما هو لرسوله ﷺ ، فمحبة الرسول ﷺ من مكملات محبة الله ومن موجباتها؛ لأنه لا يمكن إذا كان لك محبوب أن تبغض حبيبه، أو ألا تحب حبيبه، كما أنه لا يمكن أن تحب عدوه، وإلا فأنت غير موافق له وغير محب له كما ينبغي، ومحبة الله جل وعلا لا تقاس بمحبة الخلق، فكل مخلوق محبته لصفات تقوم به يتصف بها ويفعلها، وليس لأنه لحم ودم وعظام، أما محبة الله فهي محبة ذاتيه، فتحب الله لذاته جل وعلا، وكل الأمور التي يستلزمها حب المخلوق هي من دواعي المحبة ودوافعها التي تدفعك إلى أن تحبه، ولكن الله يحب لذاته؛ لأنه خلقك وأنت عبده، فيجب أن تحبه حباً خاصاً به وخالصاً له.
стр. 105
الإفراط والتفريط في محبة عيسى ﵇ وعقيدة أهل الإسلام في ذلك
[وقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) أي: خلافا لما يعتقده النصارى أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فلابد أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه مملوك لله خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فليس رباً ولا إلهاً، سبحان الله عما يشركون، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٢٩ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢].
ويشهد المؤمن أيضاً ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولدُ بَغيٍّ.
لعنهم الله تعالى، فلا يصح إسلام أحد علم ما كانوا يقولونه حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعاً في عيسى ﵇، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه أنه عبد الله ورسوله].
هذه العقيدة التي جاء بها الوحي من الله في عيسى تبين أنه يجب على من علم ما قاله اليهود والنصارى أن يتبرأ من هذه الأقوال، أما إذا كان الإنسان خالي الذهن من ذلك وليس عنده شيء ولا علم بما قالته هذه الطائفة ولا تلك فإن إسلامه يصح إذا شهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا علم بذلك تبرأ منه، وهذا الذي ذكره بأنه لا يصح إسلام أحد يقيد بأن يكون عالماً بهذا القول الباطل، وبطلان ذلك ظاهر جداً؛ لأن هؤلاء في الواقع أهدروا حتى العقول، حيث ادعوا أن الله دخل في رحم المرأة -تعالى الله وتقدس- أو أن لله ولداً، وهذا كفر ما وصل إليه كفر الأولين، أو أن الله جل وعلا له شريك، وكذلك اليهود قابلوا هؤلاء تماماً، فهؤلاء غلوا في عيسى ﵇ ورفعوه إلى مقام الربوبية واعتقدوا أنه رب العالمين الذي يخلق ويرزق، وأولئك اليهود جفوا في حقه حتى جعلوا أمه باغية، أي: زانية -قاتلهم الله جل وعلا- وقد نزه الله جل وعلا مريم ﵍ من قول أعدائها، وجعل عيسى آية دالة على قدرة الله ووحدانيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، وليس خلق عيسى بأعجب من خلق آدم، ولهذا جعل نظيراً له، فآدم خُلق من التراب لا من دم ولا من لحم ولا من عظم، وإنما خلقه الله من التراب وكوّن منه هذا الحي العاقل المستقيم، وكذلك خلقت زوجته منه، وكون امرأة خلقت من ذكر هذا أعجب من خلق عيسى، فهي خلقت من بضعة من جسده أخذت فخلقت منها امرأة سوية، وهذا هو أصل الخلق، ثم بعد ذلك جعل الله جل وعلا نسل آدم وزوجه من نطفة من ماء مهين، فتعارف عليه الخلق كلهم، فلما جاء شيء خلاف ذلك لم تستوعبه عقولهم القاصرة، فجعلوه الله -تعالى الله وتقدس- ثم كيف استساغت عقولهم أن رب السموات والأرض يُمسك ويُصلب على عيدان، ثم يُقتل وتوضع المسامير في عينيه، ومن ثم يموت؟! هل يعتقد هذا إلا مجانين لا عقلاء؟! ثم بعد ذلك يأتي لينتقم ممن فعله، وأنه وضع نفسه كذلك لأجل أن تحط الخطايا عن بني آدم.
أي أن قدرة الله انتهت، ولا يمكن أن يغفر الخطايا حتى يمكن أعداءه من إهانته والتفل في وجهه وصفعه، ولكن الشيطان يتلاعب بعقل الإنسان حتى يجعله ألعوبة -نسأل الله العافية- فلهذا أصبح الإنسان به من الضرورة إلى سؤال الهداية الله جل وعلا بأن يهديه إلى الحق الذي ضل عنه أكثر الناس أشد من ضرورته إلى الأكل والشرب بكثير، والله جل وعلا أبطل هذه العقائد الفاسدة بالنص الذي أوحاه إلى رسوله ﷺ ، كما أبطل إدعاء الظلمة من اليهود، وبرأ عيسى وأمه مما رموهما به.
وفي عقائد المسلمين بالإضافة إلى هذا أن عيسى ﵇ رفع إلى السماء حياً ولم يمت، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] فالوفاة هنا المقصود بها النوم؛ لأن النوم يسمى وفاة، كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] يعني: يرسل التي توفيت في النوم.
فالنوم يسمى وفاة، ولهذا صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ -وهو أيضاً من عقائد المسلمين في عيسى- أنه ينزل في آخر الزمان ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويحكم بشرع رسول الله ﷺ ، فنزوله ليس معناه أنه يأتي برسالة، وإنما يأتي مجاهداً لمن أعرض عن اتباع رسول الله ﷺ ، وأما كونه لا يقبل الجزية ويضعها فهذا حكم أخبر به الرسول ﷺ وجاء به، فهو من رسالته وليس نسخاً لشريعته، فهذه الأمور يجب أن يعتقدها الإنسان، وهي كونه عبداً لله جل وعلا، وكونه خلق من أنثى بلا ذكر، وكونه منزهاً عما رماه به أعداؤه، كما أنه مبرأ مما يقوله أعداؤه ممن يزعمون أنهم أتباعه وهم أعداؤه في الواقع، وكذلك كونه رُفع إلى السماء حياً، ثم نزوله في آخر الزمان، ثم يُتوفى ويدفنه المؤمنون، ثم هو روح من سائر الأرواح التي خلقها الله جل وعلا واستنطقها واستشهدها وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، ولهذا قال: وروح منه.
يعني: روح خلقها كسائر الأرواح.
كقوله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: (منه): خلقاً وإيجاداً.
فهذه الأمور إذا علمها الإنسان وجب عليه أن يتبرأ مما يخالفها وأن يعتقدها، بل علمها واجب؛ لأنها أنزلها الله جل وعلا في القرآن، والقرآن نحن مكلفون بالإيمان به ومعرفة ما جاء فيه، ولا يجوز لنا أن نجهله، بخلاف الأمور التي تفهم فهماً، فإن هذه مجالها واسع، وإذا أخطأ الإنسان فيها فربما يكون لخطئه عذر، أما النصوص التي نص عليها ربنا جل وعلا في كتابه وكذلك رسوله فإنه يجب أن نؤمن بها ونعتقد بمضمونها وما دلت عليه، ولا يجوز تجاهلها أو جهلها.
стр. 106
معنى كون عيسى ﵇ كلمة الله
[قوله ﷺ : (وكلمته) إنما سمى عيسى ﵇ كلمة لوجوده بقوله تعالى: (كن) كما قاله السلف من المفسرين.
قال الإمام أحمد في الرد على الجهمية: (بالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كن) فكان عيسى بـ (كن)، وليس عيسى هو (كن)، ولكن بـ (كن) كان، فـ (كن) من الله تعالى قول، وليس (كن) مخلوقاً، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى.
انتهى].
معنى هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ أنَّ هؤلاء شبهوا وقالوا: إن كلام الله مخلوق، وذلك أنه سبحانه أخبر أن عيسى كلمة الله، ومن المعلوم لدى كل الخلق أن عيسى مخلوق مولود من أنثى، ما عدا الضالين من النصارى، فهم الذين خالفوا في هذا وقالوا: إنه الله، وابن الله، وثالث ثلاثة.
ولكن هذه ليست من عقائد المسلمين، بل هي منافية تمام المنافاة لعقائد المسلمين.
وأما هؤلاء الذين يخاصمون الإمام أحمد من المسلمين فهم يقولون: إن الله لا يتكلم.
وهذا تعطيل لله جل وعلا عن صفة الكلام، وجادلوه في هذا واحتجوا عليه بهذه الآية، أي أن عيسى كلمة من الله ألقاها إلى مريم، فقالوا: إذاً الكلام يطلق على المخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق من الله، وإذا قلنا: إن الله يتكلم فمعنى ذلك أنه يخلق الكلام في مكان ما، فيكون هذا هو المعنى الذي يضاف إلى الله جل وعلا للكلام.
وهذا من الضلال والانحراف، بل هو بين وواضح أنه ضلال وانحراف عن الحق، وذلك أن الكلام صفة كمال، والذي يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ولهذا عاب الله جل وعلا على عباد الأصنام كونهم يعبدون من لا يتكلم ولا يرد لهم قولاً ولا يجيبهم؛ لأن هذا نقص، وكذلك رسالة الله جل وعلا هي كلامه الذي يسمعه الملك ويأتي به إلى الرسول البشري، ثم يبلغه الرسول البشري أمته، فالذي ينكر الكلام معناه أنه ينكر الشرع وينكر الرسالات، ولكن إذا شبه مشبه بشيء مما في كتاب الله أو في أحاديث رسوله ﷺ وجب كشف ذلك وإيضاحه لئلا تقع الشبهة في قلب أحد من المسلمين الذين لا يعرفون الأدلة.
فبين الإمام أحمد أن معنى كون عيسى كلمة الله أنه مخلوق بكلمة الله، وهذا ليس خاصاً بعيسى، بل كل شيء يريده الله جل وعلا ويريد إيجاده وخلقه يقول له: (كن) فيكون، كما أراد الله جل وعلا من سائر المخلوقات، ولم يباشر الرب جل وعلا شيئاً من المخلوقات بيده إلا ما استثني من كونه خلق آدم بيديه، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة لموسى ﵇، والتوراة ليست مخلوقة؛ لأنها كلام الله كسائر كتبه، ولكن هذا للتشريف، فهو خصوصية خص بها آدم حيث خلقه بيده كما أخبر جل وعلا في أماكن من القرآن الكريم، وكذلك جنة عدن إكراماً لأوليائه وتخصيصاً للجنة بذلك، أما سائر المخلوقات فهو يقول لها: (كوني) فتكون كما أراد الله جل وعلا.
والله جل وعلا يتعالى ويتقدس، فلا تقاس أفعاله وتصرفاته بأفعال خلقه، فهو الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع على قدرته شيء، فعيسى ﵇ كسائر الأرواح التي إذا أراد وجودها لمجرد إرادته يقول لها: (كوني) فتكون، ولا يمكن أن توجد ذرة من الذرات التي تكون في السماء أو في الأرض إلا بإرادة الله جل وعلا، وسائر المخلوقات هكذا.
فيكون عيسى معنى كونه كلمة أنه كون بالكلمة التي هي (كن)، وليس عيسى هو الكلمة، وإنما قيل: إنه كلمة الله لأنه وجد من أنثى بلا ذكر، وهذا خارج عما سن الله جل وعلا في الخلق من كون كل مخلوق لابد أن يكون من ذكر وأنثى، فلما خرج عن ذلك جعل بهذه الصفة بأنه (كلمة الله)، أي أنه يُكوَّن بلا أب بكلمة الله، ولا ينافي ذلك أن سائر المخلوقات تكون بكلمة الله؛ لأنها تولدت بين ذكر وأنثى، فأصبح الأمر لدى الخلق كلهم معلوماً وليس غريباً لديهم بخلاف هذا، ولهذا أضافه الله جل وعلا إليه؛ لأنه كلمته تكون بهذه الكلمة، ولهذا قال له: (كن) فكان.
وأما كلام الله فهو معنوي صفة من صفاته، وكل شيء يضاف إلى الله جل وعلا يكون على قسمين: فإن كان المضاف إليه عيناً قائمة بنفسها، كناقة الله، وبيت الله، ورسول الله، وعبد الله، وما أشبه ذلك فهذا إضافته تكون إضافة مخلوق إلى خالقه، وقد تكون الإضافة هذه للتشريف، وهو لا يخرج عن ذلك، أي: لا يخرج عن كونه إضافة مخلوق إلى خالقه كناقة الله ورسول الله وبيت الله، فأضيف إلى الله تشريفاً، ولا يخرج بقية الأشياء هذه الإضافة، فما تخرج بقية الأشياء عن كونها مخلوقة لله، ولكنها ليست لها هذه المعاني التي وضعها الله جل وعلا فيها، فالرسول يأتي بحياة روحية من عند الله جل وعلا، فهو يدعو إلى عبادة الله ويبصر بذلك ويدل على الله، فلهذا أضيف إلى الله، وبيت الله لأنه مثابة للناس وأمناً يثبون إليه لأداء العبادة، ويطوفون به تعبداً لله جل وعلا، فأضيف إلى الله لأنه محل عبادته، وأما ناقة الله فلأنها آية دالة على الله جل وعلا، وهي خاصة -هذه الإضافة- بناقة صالح، وإلا فالنوق كلها نوق الله، ولكن ما أضيفت إلى الله كإضافة هذه التي أصبحت آية باهرة دالة على قدرة الله جل وعلا وعلى عظيم قدرته وسلطانه وأنه لا يعجزه شيء.
أما القسم الثاني من المضاف إلى الله فهو أن يكون المضاف معنى، كعلم الله، وسمع الله، وقدرة الله، وكلام الله، وما أشبه ذلك، فهذا إضافته إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، والصفة تقوم بالموصوف ولا يجوز أن تفارقه، فكلام الله وصفه، وكذلك علمه وسمعه وبصره، أما الأمور التي تكون خارجة عن الإضافة فلا إشكال فيها، فهي ظاهرة وواضحة، فيتبين بهذا أن كون عيسى أضيف إلى الله بأنه كلمته يكون لشيئين: أحدهما: أنه أوجد بالكلمة.
والثاني: أنه آية من آيات الله أضيف إلى الله تشريفاً وإكراماً له.
[وقوله ﷺ : (ألقاها إلى مريم) قال ابن كثير ﵀: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم ﵍، فنفخ فيها من روحه بأمر ربه فكان عيسى بإذن الله ، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: (كن) فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل ﵇].
يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٧ - ١٩].
فالله جل وعلا أرسل إليها جبريل فتمثل لها بشراً؛ لأن الملك بصورته التي خلقه الله جل وعلا عليها ما يستطيع الإنسان البشر أن يراه أو يقابله، فهو صورة عظيمة جداً، ولهذا الرسول ﷺ لما رآه على صورته فزع وخاف، وقد رآه مرتين فقط على صورته: مرة في الأرض قبل أن يوحى إليه بالتكليف بالرسالة عندما جاء بنبوته، وقد كان في مكة خالياً ببعض الأودية، فسمع مناديا ينادي: يا محمد! فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، ثم سمع المنادي فالتفت فلم ير شيئاً، ثم رفع رأسه فإذا هو قد سد الأفق -أي: سد السماء من جميع الجهات بين السماء والأرض- وله أكثر من ستمائة جناح.
والمرة الأخرى رآه في السماء السابعة عندما عرج به ﷺ إلى سدرة المنتهى، وقد ذكر هذا ربنا جل وعلا في سورة النجم، فذكر أنه رآه مرتين، وسائر المرات التي كان يأتيه فيها في بعضها كان يتمثل له بشراً، كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنها سألته: من هذا الذي رأيته معك؟ فقال: (أورأيتيه؟ قالت: نعم.
قال: فذاك جبريل)، وكانت تقول: ظننت أنه دحية الكلبي، وذلك أن دحية الكلبي كان رجلاً جميلاً من أجمل الناس، فكان جبريل يأتي أحياناً بصورته.
كذلك الحديث الذي في الصحيحين، وهو في صحيح مسلم من حديث عمر، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنهم كانوا جلوساً عند النبي ﷺ فطلع عليهم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منهم أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ إلى آخره وفي آخر الحديث قال ﷺ : (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم).
فهو يأتي متمثلاً بصورة بشر حتى يمكن أن يخاطب من أرسل إليه، أما الرسل فالوحي يأتيهم أحياناً على هذه الصورة، وأحياناً بصورة أخرى لا يرى منها جبريل، وإنما يلقي الكلام إلقاءً ثقيلاً، وقد كان الرسول ﷺ إذا جاءه الوحي يتغشاه شيء يثقل عليه، حتى إنه يرى العرق يتصبب منه في اليوم الشاتي صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود أن الله جل وعلا أرسل جبريل إلى مريم يخبرها بأن الله جل وعلا أراد أن يخلق منها ولداً بغير أب فتعجبت من ذلك، فأخبرها أن قدرة الله جل وعلا ليس فيها عجب، ثم إنه نفخ في درعها -أي: في جيب درعها-، وهذا هو الروح، نفخ جبريل فانحدرت النفخة ودخلت في فرجها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢] أي أن جبريل ﵇ نفخ في جيب درعها وذهبت النفخة فدخلت في فرجها، فحملت بعيسى ﵇، فلما جاءها المخاض علمت أن الناس لا يصدقونها، فتمنت أنها كانت نسياً منسياً وأنه ما حدث لها هذا الشيء؛ لأن هذا شيء خلاف العادة التي يتعارفون عليها، ولكن الله جل وعلا جعله آية، ولهذا ضل فيه النصارى عن الحق، وإن كان منهم طائفة علموا هذا وآمنوا به الذين هم أتباع عيسى على الحقيقة، ولكن اليوم النصارى كلهم ضالون، وإذا ماتوا على ذلك فهم في جنهم بلا شك، وذلك أن دين عيسى ﵇ قد نسخ بالشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وأن عيسى ﵇ جاء مبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فجاء أحمد صلوات الله وسلامه عليه ناسخاً لجميع الأديان، وأخبر أنه لو كان موسى ﵇ حياً ما و
стр. 107
بين البدن والروح
[وقوله ﷺ : (وروح منه) قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] بعثه الله إلى مريم فدخل فيها.
رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم].
هذا يقتضي أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، كما هو ظاهر من أثر أبي بن كعب، وقد اختلف في هذه المسألة، اختلف العلماء فيها، وجاء في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، وفي قراءة: ((ذرياتههم)).
وقالوا: إن هذا يدل على أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، وأن الله خلقها ثم استنطقها.
أي: طلب نطقها، فاستشهدهم قائلاً لهم: (ألست بربكم)؟ فأقروا بذلك، فقالت الأرواح: (بلى) فشهدوا، وتمام الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣].
فذكر في هاتين الآيتين علتين مانعتين من كونه لا يفعل ذلك: العلة الأولى: لئلا يغفلوا عن أمر الله وعن تكليفه، ((أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))، يعني: لئلا تقولوا أي: لئلا تحتجوا بالغفلة.
فإن الله استنطق هذه الأرواح واستشهدها حتى لا تحتج بأنها كانت غافلة.
الثانية: ألا يحتجوا بالتقليد، بأن يقولوا: وجدنا آباءنا مشركين يعبدون غير الله فاتبعناهم على ذلك، وما علمنا أنهم على باطل.
ولهذا قال: ((أفتهلكنا بما فعل المبطلون)).
ومقتضى هذا أن هذا الاستنطاق وهذا الاستشهاد يكون حجة قائمة عليهم -على الخلق- حتى لا يدعوا أنه ما جاءهم أمر من الله يمنعهم من التقليد ومن الغفلة.
ومعلوم أن كل أحد من الناس اليوم لا يشعر بهذا العهد الذي أخذه الله وهذا الميثاق الذي أخذ على روحه، فكيف يكون حجة وهو لا يعلمه ولا يدري عنه شيئاً؟ فهذا مما يرد على هذا القول.
والقول الثاني: المراد بأخذ الميثاق الفطرة التي أودعها الله جل وعلا في خلقه، حيث إن كل إنسان فطر على معرفة الله وعلى قبول الحق إذا جاءه، وهذا من الآيات التي تكون مستكنة في الإنسان، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، والفطرة المقصود بها قبول الحق وكونه مستعداً له، وكونه أيضاً سالماً من الانحراف، وكونه محباً لعبادة الله جل وعلا مريداً، فهذه هي الفطرة، وهي في الواقع لا يخلو منها مولود، كما أخبر الرسول ﷺ ، وإنما يغير هذه الفطرة المربي من الوالد والوالدة أو المعلم الذي يتولى تربيته، فهم الذين يغيرونها، ولهذا قال ﷺ في تمام الحديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
فمعنى هذا أن أولاد الكفار ولدوا مستعدين لقبول الحق وإرادته وكونهم فطروا على ذلك، فيكون شاملاً عاماً لكل أحد؛ لقوله: (كل مولود)، وهذا ظاهر واضح.
وكذلك احتجوا بحديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه في الصحيحين، وهو قوله ﵁: (حدثنا الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً.
نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فقوله: (فيبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح) معناه أن البدن خلق قبل الروح.
وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأن هذا لا يدل على أن البدن خلق قبل الروح، بل كانت الأرواح مخلوقة ثم ترسل إلى أبدانها شيئاً بعد شيء، وهناك حجج غير هذه، والمقصود أن هذه مسألة خلافية.
والقول الذي ذكره أبي مشهور جداً، وفيه آثار كثيرة عن السلف، وأكثر المفسرين الذين تكملوا على قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] لم يذكروا إلا هذا القول، ولم يذكروا القول الثاني، فيكون ذلك واضحاً وظاهراً في أن روح عيسى ﵇ كسائر الأرواح التي خلقت يوم خلقها الله جل وعلا واستنطقها واستشهدها.
[قال الحافظ ﵀: وَوَصفه بأنه منه، فالمعنى أنه كائن منه.
كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، فالمعنى أنه كائن منه، كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته تعالى.
стр. 108
المضاف إلى الله تعالى بين كونه معنى وكونه عيناً
قال شيخ الإسلام ﵀: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنىً لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عيناً قائمة بنفسها كعيسى وجبريل ﵉ وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره].
المعنى يكون قائماً بنفسه أو غير قائم بنفسه، ومعنى ذلك أن الذي يكون قائماً بنفسه هو الشيء الذي يشاهد ويرى ويظهر، مثل الجسد، ومثل البيت، ومثل الناقة، وما أشبه ذلك؛ لأنها ترى وتشاهد وتشغل مكاناً، فهي قائمة بنفسها.
أما الشيء الذي لا يقوم بنفسه فمثل السمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة وما أشبه ذلك من المعاني؛ لأنه لا يوجد كلام مستقل بنفسه من غير متكلم، فكل ما جاء من هذا القبيل -أي: الشيء الذي لا يقوم بنفسه- مضافاً إلى الله يكون صفة له جل وعلا.
أما الشيء الذي يقوم بنفسه مثل الناقة والبشر والملك وغير ذلك فإضافته إلى الله -كما سبق- إضافة تشريف، وتكون إضافة مخلوق إلى خالقه تعالى وتقدس أضافه إليه تشريفاً له وتكريماً.
قال رحمه الله تعالى عن شيخ الإسلام: [لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما: أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها.
فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله وأرض الله.
فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
والوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه، كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله ورسوله.
ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه.
انتهى ملخصا].
стр. 109
الإيمان بالجنة والنار من لوازم التوحيد
[وقوله ﷺ : (والجنة حق والنار حق) أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق -أي: ثابتة لا شك فيها- وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافا للمبتدعة.
وفيهما الإيمان بالمعاد].
من الأمور الظاهرة والواضحة جداً عند جميع المسلمين كون الجنة مخلوقة، وقول الرسول ﷺ : (وأن الجنة حق والنار حق) الحق في اللغة: هو الشيء الثابت المستقر الذي لا يزول.
يعني أن الله خلق الجنة والنار وأعدهما، أعد الجنة للطائعين والنار للعاصين، فلابد من الشهادة بذلك يقيناً.
وأما كونها مخلوقة الآن فكذلك الأدلة فيها ظاهرة، والذين خالفوا فيها في الواقع ليس لهم مستند إلا عقولهم وقياسهم على أفعال بني آدم، فقاسوا فعل الله جل وعلا على فعل بني آدم، وهذا ضلال في الواقع، وقد أخبر الله جل وعلا أن الجنة والنار كلاهما معدة، والإعداد هو وجود الشيء وتهيئته، والرسول ﷺ أخبرنا أنه اطلع في الجنة والنار، وأخبر أن أكثر أهل النار النساء، وقال: (إني رأيت أكثر أهل النار النساء)، وأمرهن بالصدقة.
وكذلك أخبر أنه رأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه فيها لأنه أول من غير دين إبراهيم، ولأنه أول من سيب السوائب وحمى الحامي وغير دين إبراهيم، وكذلك يقول ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمشها في النار) أي: تخمش وجهها إلى غير ذلك من النصوص التي جاءت صريحة بوجود الجنة والنار الآن.
وفي الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا لما خلق الجنة قال لها: تكلمي.
فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١])، وفي الحديث الصحيح الآخر: (أن الجنة والنار احتجتا، فقالت الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين وسقط الناس؟! وقالت النار: مالي يدخلني الجبارون والملوك؟! فقال الله جل وعلا للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها)، فأما الجنة فإنه إذا دخلها أهلها يبقى فيها فضل مساكن، فينشأ الله جل وعلا لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة، وأما النار فإذا ألقي فيها الكفار وأهلها لا تزال تقول: هل من مزيد.
ونسأل الله جل وعلا أن نكون من المستمعين المنتفعين.
стр. 110
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢]
لا يصح إسلام أحد حتى ينطق بكلمة التوحيد، ومع نطقه بها يجب عليه أيضاً الاعتقاد بمعناها، والذي هو إبطال كل مألوه غير الله، والتوجه بالعبادة لله جل وعلا وحده، ثم لابد من العمل بهذا المعنى، وذلك بالتزام ما جاء به الرسول ﷺ من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج.
следующие страницы →