← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الفرق بين محبة الله ومحبة رسوله ما الفرق بين محبة الرسول ﷺ ومحبة الله؟ نقول: إن محبة الرسول ﷺ فرع عن محبة الله، يعني: يحبه لله ومن أجل الله، يحبه لأن الله يحبه، يحب في الله ولا يحب مع الله، وإنما يحبه لأن الله أمر بحبه؛ ولأنه قام بما يجب عليه لله جل وعلا، فمن لازم محبة الحبيب أن تحب ما يحبه. وكذلك محبة عباد الله المؤمنين وأوليائه وأتقيائه، يحبون لله وفي الله، ومن أجل الله جل وعلا، وليست محبة مع الله، أما المحبة مع الله فتكون محبة فيها التعظيم والذل والخضوع والعبودية، وهذه لا تجوز أن تكون إلا لله وحده كما سبق. قال الشارح ﵀: [ثم روى عن ابن زيد قال: هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله، يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله، والذين آمنوا أشد حباً لله من حبهم آلهتهم. انتهى]. قلنا: هذا قول ضعيف. قال الشارح: [والثاني: والذين آمنوا أشد حباً لله من المشركين بالأنداد لله]. قلنا: هذا هو القول الصحيح، وهو الصواب، أما الأول فضعيف. قال الشارح: [فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة، والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فإن فيها قولين أيضاً. أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله تعالى أندادهم. والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله]. القول الثاني باطل؛ لأنه ليست محبة المشركين لأندادهم كمحبة المؤمنين لله، هذا شيء معروف، وإن كانت محبتهم فيها ذل وخضوع وتعظيم، ولذلك صارت عبادة، ولكنها ليست كمحبة المؤمنين لربهم تعالى وتقدس. قال الشارح: [ثم بين تعالى أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم]. هذا فيه تناقض، كيف تقول مثلاً: إنهم يحبون أندادهم كمحبة المؤمنين لله، ثم تقول: إن محبة المؤمنين أشد وأعظم؟! يصير الكلام متناقضاً أوله مع آخره، وهذا يدل على ضعفه.

стр. 1157

كلام ابن تيمية في تفسير الآية قال الشارح ﵀: [وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول ويقول: إنما ذموا بأن شركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم، وهذا أيضاً هو العدل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه تسمى آية المحنة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تعالى آية المحنة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]]. يعني: أنهم امتحنهم الله بهذه الآية، وجازوا الامتحان حين امتحنهم بذلك، فدليل المحبة الاتباع، فمن كان يحب الرسول ﷺ فعلامة ذلك أنه يتبع سنته، ويقتفي أثره، ويحرص على ذلك أشد الحرص. أما إذا كان يدعي أنه يحبه وهو مخالف لسنته، فهذه دعوى، وكذلك من يزعم أنه يحب الله فعلامة ذلك أنه يطيع أمره ويجتنب نهيه، فهذه علامته. فليست الدعوى مقبولة إلا بدليل، ودليل محبة الله الطاعة والاتباع، وكذلك محبة الرسول ﷺ ، وإلا فالدعاوى لا تفيد، فاليهود يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، هكذا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، ولكنها دعوى غير مقبولة، لأن الواقع ينافيها، لأنهم عصاة كفرة. وكذلك الذين يزعمون من هذه الأمة أنهم يحبون الرسول ﷺ أكثر من غيرهم، يقول: لابد أن يبرهن المحب للرسول ﷺ محبته، وبرهان ذلك اتباع سنته ﷺ ، وطاعة أمره، والابتعاد عما نهى عنه، هذا هو الدليل على المحبة، أما إذا كانت المحبة مجرد تقليد أو مجرد دعوى أو على شيء من أمور الهوى أو من الأمور التي تشتهيها الأنفس؛ فهذا ما يجدي شيئاً ولا ينفع. وهذه الآية التي في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] تسمى آية المحنة؛ لأن سبب نزولها أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : إننا نحب ربنا حباً شديداً، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية لتكون علامة للمحب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] يعني: إن اتباع الرسول ﷺ هو العلامة التي تصحح دعوى المحبة. قال الشارح: [فأنزل الله تعالى آية المحنة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول ﷺ ، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم]. ومحبة المرسل تكون تابعة لها.

стр. 1158

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) قال الشارح ﵀: [فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة، ومحبته لكم منتفية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، ذكر لهم أربع علامات: إحداها: أنهم أذلة على المؤمنين، قيل: معناه: أرقاء رحماء مشفقين عاطفين عليهم، فلما ضمن أذلة هذا المعنى عداه بأداة (على)، قال عطاء ﵀: للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]]. قوله: (أشداء على الكافرين) ما ذكرها الشارح لظهورها ووضوحها، وتكلم على كونهم (أذلة على المؤمنين) يعني: يرحمونهم ويوالونهم ويحبونهم، (وأعزة على الكافرين) يعني: أنهم أشداء عليهم، وغلظاء عليهم، يبغضونهم ويكرهونهم لأنهم كفروا بالله جل وعلا، ويعادونهم أشد المعاداة ولو كانوا من أقربائهم في النسب، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. قالوا: إن هذه الآية نزلت في بعض الصحابة مثل أبي عبيدة بن الجراح وغيره الذين قتلوا بعض أقربائهم يوم بدر، ومنهم من تبع أباه ليقتله لأنه كان مع الكافرين، فنزلت هذه الآية؛ ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: أن الذي دعاهم إلى مقاتلة أقربائهم أنهم آمنوا بالله جل وعلا، وعادوا الكفار في الله جل وعلا. قال الشارح: [العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد والمال واللسان؛ وذلك تحقيق دعوى المحبة]. العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذه علامة صحة المحبة، فكل محب أخذه اللوم على محبوبه فليس بمحب على الحقيقة. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، فذكر المقامات الثلاثة: الحب وهو ابتغاء القرب إليه، والتوسل إليه بالأعمال الصالحة، والرجاء والخوف يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب]. يعني: عمل عملاً زائداً وهو طلب المرضاة باتباع الأمر واجتناب النهي.

стр. 1159

أنواع المحبة وما يجوز إثباته لله منها قال الشارح ﵀: [ومن المعلوم قطعاً أنه لا يتنافس إلا في قرب من يحب قربه، وحب قربه تبع لمحبة ذاته، بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه، وعند الجهمية والمعطلة ما من ذلك كله شيء، فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء، ولا يقرب من ذاته شيء، ولا يحب، فأنكروا حياة القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة؛ ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة، وضرب دونهم ودون الله حجاب على معرفته ومحبته، فلا يعرفونه ولا يحبونه ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته، فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم، بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله، ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها، وحسب ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت، والتنفير عن محبة الله تعالى ومعرفته وتوحيده، والله المستعان. وقال رحمه الله تعالى أيضاً: لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإن تكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها]. المحبة قسمت أقساماً كما هو معروف في لغة العرب، فلها أول، ولها وسط، ولها آخر، فأولها: الإرادة، وهي الميل إلى المحبوب بإرادته، وهي دون العلاقة التي تغني أن يتعلق قلبه به، ثم الصبابة وهي: أن ينصب القلب إلى المحبوب مثل انصباب الماء في منحدره، ثم المودة وهي: خالص الحب، ثم الشغف وهي: أن تصل المحبة إلى شغاف القلب وتتغلغل فيه، ثم بعد الشغف العشق وهو: الحب الذي فيه خطر على الإنسان، ولكن مثل هذا ما يوصف الله جل وعلا به، ولا يجوز أن يقول العبد: أنا عاشق لله؛ لأن العشق محبة فيها شهوة، وهذه لا يجوز أن يوصف بها الله جل وعلا أو تكون للعبد في الله تعالى. ثم بعد ذلك التتيم وهو التعبد، ثم الخلة، وهي نهاية المحبة، ومعناها أن الحب تخلل جميع أجزاء القلب فلم يبق فيه مكان؛ ولهذا الله جل وعلا ما اتخذ خليلاً إلا إبراهيم ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما؛ لأنهما اللذان كملا المحبة لله جل وعلا، وغيرهما لا يقدر على ذلك. ولا يجوز أن يوصف الله جل وعلا بأقسام هذه المحبة كلها، وإنما يوصف بما ورد به النص، فالذي ورد به النص يوصف به جل وعلا وتقدس؛ لأن صفاته تتوقف على النص، فما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ أثبت ووصف به وسمي به وإلا لا يجوز. قال الشارح ﵀: [وأجمع ما قيل في ذلك: ما ذكره أبو بكر الكتاني عن الجنيد، قال أبو بكر: جرت مسألة في المحبة بمكة ـأعزها الله بأيام الموسم ـ فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شرابه من كأس مودته، وانكشف له الحياء من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله].

стр. 1160

الأسباب الجالبة للمحبة قال الشارح: [وذكر رحمه الله تعالى: أن الأسباب الجالبة للمحبة عشرة: أحدهما: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر هذا. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدته وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها]. هذه التي ذكر من أسباب تنمية المحبة لله وإيجادها في القلب، وهي:

стр. 1161

قراءة القرآن بتدبر الأول: أن يقرأ القرآن بتدبر، وتفهم لمعانيه؛ لأن التدبر والتفهم مقصوده العمل، فيتصور القارئ أنه يقرأ خطاب الله جل وعلا، وأن الله يخاطبه بهذا الكلام، فيتفهمه حتى يمتثل ما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، فيكون هذا مقصده ومراده من القراءة، وكذلك تلذذه بتلاوة كلام ربه جل وعلا، فإن هذه نعمة عظيمة جداً على المؤمن، فتخلو بنفسك تقرأ كلامه وتردده، فإذا استشعرت النعمة، وتدبرت كلامه؛ يزيدك الله جل وعلا بهذا علماً ومحبة للطاعة التي هي ثمرة محبة الله جل وعلا.

стр. 1162

إيثار محاب الله على محاب النفس الثاني: أن تؤثر محبة الله على محبة نفسك ومحبة من تحبه، ومعنى ذلك أنه إذا صار أمامك أمران: أحدهما تعلم أنه محبوب لله جل وعلا، ولكنه قد يكون ثقيلاً على النفس، والآخر بعكس ذلك، فإنك تقدم ما هو محبوب لله جل وعلا، وتجتهد في ذلك، وتتحمل إذا كان فيه مشقة وصعوبة على النفس، وهذا ينمي محبة الله جل وعلا.

стр. 1163

المبادرة إلى طاعة الله الثالث: إذا حضر أمر الله فبادر إليه ولا تتوان، فإن التواني عن المبادرة بأمر الله قد يورث معصية ومقتاً، كما أخبر الله جل وعلا عن الذين قعدوا عن الجهاد وتأخروا، فقال الله جل وعلا لهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]؛ لأنهم في أول الأمر ما سارعوا إلى ذلك، وكذلك يقول جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]؛ بسبب أنهم تذكروا أول الأمر ولم يسارعوا إلى امتثال أمر الله جل وعلا. ثم إن المحبة هي أصل الدين الإسلامي؛ لأن محبة الله هي: أن يألّه ربه، ولا يكون في قلبه آلهة يألهها غير الله جل وعلا، والتألّه قد يتفاوت، ولكن محبة الله التي تتضمن الذل يجب أن تكون خالصة، لأن العبادة هي امتثال الأمر مع غاية الذل وغاية التعظيم، هذه هي العبادة، فمحبة الله عبادة، ولابد أن يكون الإنسان عارفاً لذلك وممتثلاً له، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإذا كان في القلب محبوب يزاحم محبة الله جل وعلا أو يقدم عليها فمعنى ذلك أن الإنسان لم يخلص. وأهل المحبة الخالصة هم الذين لا تمسهم النار ولا يعرضون عليها، بخلاف الذي فيهم شائبة فلابد من تطهيرهم أو أن يبقوا في النار؛ لأن الذين أشركوا بهذه المحبة هم المشركون كما سبق في الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] يعني: أنهم يحبون أندادهم مثل محبتهم لله جل وعلا. والند: هو كل ما كان مقصوداً بشيء من التعظيم أو الذل أو الحب الذي يكون فيه الخضوع، ولا يلزم أن يكون الند صنماً أو يكون رجلاً، فالند قد يكون مالاً يقدمه على محبة الله، وقد يكون شهوات، وقد يكون رئاسة، وقد يكون معنى معلوماً. فالمقصود: أن يكون العبد خالصاً لله جل وعلا، ولا تكن عبوديته موزعة، أما إذا كانت موزعة بين الله جل وعلا وبين المظاهر أو الأغراض الأخرى فإنه لا يكون مخلصاً، وأهل الإخلاص هم أهل النجاة الذين ينجيهم الله جل وعلا من عذابه.

стр. 1164

طاعة الله واتباع رسوله ﷺ وأعظم الأسباب التي تجلب محبة الله في الجمل، ويعرفها الإنسان ولا تشكل عليه؛ هي طاعة الله، واتباع رسوله ﷺ ، إذا حرص الإنسان على طاعة الله جل وعلا واتباع الرسول ﷺ في كل ما يعرفه ويعلمه، وصار حرصه عليه أشد من حرصه على جمع المال، فإنه يزداد خيراً ومحبةً، والله جل وعلا كذلك يحبه، ويزيد في حبه له؛ لأنه كما جاء في الحديث: (لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، النوافل هي الزائدة على الفرائض، ولكن أداء الفرائض هو الأصل في هذا، فإذا أدى الإنسان الفرائض التي افترضها الله عليه، ثم بعد أداء الفرائض كان عنده رغبة في طاعة الله، فلابد أن يفعل شيئاً من النوافل، وقد يزيد.

стр. 1165

مشاهدة بره وإحسانه [السادس: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة]. يجب مشاهدة النعم، وهي تزيد في الطاعة، ومعنى مشاهدتها: إشعار القلب بها، والنعم لا حصر لها، فالبصر الذي يبصر به نعمة كبيرة من الله، والسمع الذي يسمع به نعمة عظيمة يجب أن يشكر الله جل وعلا على ذلك، ويعبده بذلك، فيستعمل السمع والبصر في عبادة الله جل وعلا، والعقل نعمة عظيمة على الإنسان؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] يعني: هذه نعم يسأل عنها الإنسان، هل استعملها في طاعة الله جل وعلا، أم أنه استعملها في المعاصي واتباع الشيطان؟ ومن النعم العظيمة: صحة البدن، فكون الله جل وعلا وهبك صحة في بدنك هذه نعمة يجب أن تعبد الله جل وعلا بهذه الصحة، وتنتهز الفرصة قبل أن يأتي المرض. ومن النعم عدم الشغل، كونك ما عندك شيء يشغلك ويمنعك من التعبد والذكر والتلاوة وغير ذلك، وهذا شيء قد يغفل عنه الإنسان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)؛ لأن الإنسان ما يدوم صحيحاً، لابد أن يمرض، ولا يبقى أيضاً فارغاً، لابد أن يشغله شيء، وفي النهاية يموت وينتهي. كذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله جل وعلا بها على عباده كونه سخر لهم ما في السماء وما في الأرض، كل شيء مسخر للإنسان، السحاب والمطر والأرض والنبات وغيرها، قال الله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فهي كثيرة جداً، فيجب على الإنسان أن يستشعر نعم الله جل وعلا عليه في كل صغيرة وكبيرة، ويستعين بالنعمة على عبادته، وهذا إذا فعله الإنسان كان سبباً لمحبة الله له، فيحبه الله جل وعلا ويزيده طاعة؛ لأن شكر النعمة وعد الله جل وعلا عليه بالزيادة. وأعظم النعم على الإطلاق أن الله جل وعلا هداك للإسلام، وجعلك مسلماً، وإذا نظر الإنسان إلى الناس الذين في الأرض اليوم يرى أن أكثرهم كفاراً، فما الذي خصك من بين هؤلاء الخلق؟ ما هو إلا فضل من الله، ونعمة تفضل بها عليك، فعليك أن تعترف بهذا، وتشكر الله جل وعلا؛ لأن ثمرة الإنسان هي حياته هذه، إذا اكتسب فيها العمل الصالح وكان مؤمناً بالله، فبعد الموت تكون الحياة الحقيقة الأبدية الدائمة، أما إذا كان بالعكس فقد اكتسب بهذه الحياة الشقاء السرمدي الذي لا نهاية له، والمقصود أن نعم الله كثيرة جداً، ولكن أعظمها وأكبرها أن يكون الإنسان مسلماً، ويموت على الإسلام.

стр. 1166

انكسار القلب بين يدي الله [السابع -وهو أعجبها-: انكسار القلب بين يديه]. انكسار القلب يعني: خشوعه، وخضوعه، وذله لله جل وعلا، والقلب ما ينكسر حتى يعرف ربه، ويستشعر نعمه وعذابه، وعظمته جل وعلا، والإنسان ضعيف في الحقيقة، ولكن الله جل وعلا لا ينسى شيئاً ولا يفوته شيء من خلقه، ولهذا لما قال الرسول ﷺ لـ أبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:١] قال أبي: وسماني الله لك، قال: نعم)، فصار يبكي فرحاً لأن الله سماه، ولأن الله ذكره. ما حقيقة الإنسان؟ حقيقته أنه إذا نظر في عظمة الله ومخلوقاته تبين له أنه مخلوق حقير صغير من مخلوقات الله، فإذا أنعم الله جل وعلا عليه، وجعله عبداً له، وأعطاه من العقل والسمع والبصر ما ازداد به هدى إلى الله جل وعلا؛ فهذه ليست من قوة الإنسان، وليست من عقليته، وإنما هي نعم، كل الناس لهم عقول، وعندهم أسماع وأبصار، ولكن ما استطاعوا أن يهتدوا بعقولهم وأسماعهم إلى الحياة الحقيقية. فإذا لم يكن للإنسان هادٍ من الله فلا هادي له، كما قال الله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] مهما كان عند الإنسان من العقل والنظر والفكر والقوة والمادة لا يستطيع أن يهتدي، والله جل وعلا يخاطب أفضل الخلق رسوله ﷺ ويأمره أن يقول: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] يعني: هدايته بالوحي الذي أوحاه الله إليه، وأكثر الناس معرضون عن هذه الهداية، لا يهتم بها، ولا يلتفت إليها، وبعضهم يحاربها أشد المحاربة، ويبذل قوته وجهده وماله في المحاربة! فإذا نظر الإنسان في الناس، وجد منهم الذي يحارب الإسلام، ومنهم الذي يعبد غير الله، واختلفت معبوداتهم حتى أن منهم من يعبد الحيوانات، ومنهم من يعبد الفئران والبقر والقرود والحيات وغيرها، وكلهم عندهم عقول وأسماع وأبصار، فإذا نظر الإنسان إلى هؤلاء حمد الله حيث هداه، وحيث منّ عليه بأن جعله مسلماً متبعاً للرسول ﷺ ، وحياة الإنسان قصيرة جداً، وهذه الحياة القصيرة ينبغي أن يكتسب بها القرب إلى الله والسعادة الأبدية في الجنان، وليست الجنة مثل ملك ملك من الملوك؛ لأن نعيم الجنة وملكها ما يتصوره الإنسان، لأنه لا يشاهده ولا يعرف جنسه، وقد ذكر الله جل وعلا منها صفات كثيرة. وملائكة الرحمن يدخلون عليهم من كل باب، يقولون لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم مذ خلقوا يكونون شبه الخدم لهم، ولهم كل ما تشتهي نفوسهم من المشتهيات والمناظر التي تلذ أبصارهم، ولا يذوقون فيها الموت، ولا يخافون الخروج، ولا يعتريهم مرض، ولاذل أو خوف، يحيون في أمن ونعيم، وفيما تشتهيه أنفسهم، خالدين فيها أبداً، وفوق هذا كله أن الله يرضى عنهم، فرضوان الله أكبر من الجنة. وقد يكتسب الإنسان في هذه الحياة القصيرة سخط الله وعذابه السرمدي، وليس عذاب الآخرة مثل العذاب الذي يعهده الإنسان في هذه الدنيا، بل من شدته أن الله قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، الجلود تنضج ولكن تبدل، نفس الجلد الذي نضج يعاد مرة أخرى، وليس معناه أنه يذهب ويأتي غيره، لا، جلد الإنسان هو جلده، هذا الجلد الذي عصى، وهذه الأعضاء التي عصت، هي التي تتبدل، كلما احترقت عادت دائماً، ويأتيه أسباب الموت من كل مكان، و ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، ما يموت، ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]. فالإنسان إما أن يكون في هذه أو يكون في هذه، إما أن يكون في الشقاء الذي يتمنى أن يكون عدماً ولكن هيهات لا يفيد التمني، أو يكون في كرامة الله جل وعلا التي ما خطرت على قلب بشر، ولا رآها أحد من الناس. فلهذا يقال: إن الخطر على الإنسان عظيم جداً، والرسول ﷺ كثيراً ما نبه على هذه الأمور، قال ﷺ : (لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار) يعني: اذكروهما دائماً، وليكن بين أعينكم الجنة والنار؛ لأن المآل إليهما، والإنسان لابد أن يستقر في واحدة منهما: في الجنة أو النار.

стр. 1167

الخلوة وقت النزول الإلهي وتلاوة كتابه [الثامن: الخلوة وقت النزول الإلهي وتلاوة كتابه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة]. يعني: في آخر الليل يتعرض الإنسان لفضل الله جل وعلا في ذلك الوقت، والوقت قصير، وكل عمر الإنسان قصير، وإذا كان له همة يعلو بها فسوف يقوم، فإذا كان آخر الليل ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا ويقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟)، هكذا يخاطب خلقه، وأكثرهم إما نائم، أو غافل، أو لا يهمه ذلك، قليل جداً من عباد الله الذين يهتمون بهذا الأمر، فيقومون ليتعرضوا لنفحات الكريم المنان، فيسألونه ويدعونه، ويتلون كتابه، ثم بعد ذلك إذا فرغوا قبيل طلوع الفجر يستغفرون ربهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧]. فمن كان بهذه الحالة يزيده الله جل وعلا قرباً ويحبه، ويزيده حباً، ويكون ذلك من أسباب محبته، وإذا أحب الله جل وعلا عبداً فإنه ينادي جبريل فيقول له: (إني أحب فلاناً فأحبه)، ثم ينادي جبريل في السماء ويقول: (إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) والمحبة عند الناس تكون ولو لم يقدم لهم شيئاً من المنافع، فإذا أحب الله جل وعلا عبداً فإنه يكون محبوباً، بحيث إنه إذا رآه الإنسان ذكر الله، وتذكر الطاعة والعبادة، وقيام الليل، وغير ذلك من الأسباب التي تجلب للإنسان محبة الله جل وعلا.

стр. 1168

مجالسة المحبين الصادقين [التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيداً لحالك، ومنفعة لغيرك]. المقصود من هذا زيادة الخير، فهو في مجالسة الخير يزداد خيراً؛ لأن أهل الخير يعينونه ويحضونه على الخير، ويجعلونه نشيطاً بما يتكلمون به، ويحرصون عليه، ويقولون: إن الحياة قليلة شهر ويوم وساعة وإذا الأمر قد انتهى وقيل: مات فلان! فاصبر وصابر حتى تلقى ما تحب، هذا هو المقصود بالمجالسة، وليست المجالسة للمصافحة أو للتفرج أو للكلام في فلان وفلان، فإن هذا مرض، إذا كان من تجالسه كلامه وحديثه في فلان وفلان، فهذا هو المرض الذي يعمي القلب ويميته، فيجب أن يبتعد الإنسان عمن هذه صفته، ويجب على الإنسان أن يعرف مصلحته، فيجالس من يزداد في مجالسته خيراً، وقديماً قيل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي لابد أن يؤثر الجليس بجليسه، فليتق الله الإنسانُ في نفسه، فلا يكون مجالساً لمن يغريه بالشر، أو يزيده فساداً، أو يزين له الفساد، فيكون الإنسان لا يتجنب الشر، ويعمى عن الخير، ومثل هذا يحتاج إلى معالجة حتى يعرف الفرق بين الخير والشر.

стр. 1169

مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله [العاشرة: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ]. خلاصة هذا كله: الحرص على طاعة الله جل وعلا، ومتابعة الرسول ﷺ . قال ﵀: [فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب]. قوله: (ودخلوا على الحبيب) معناه أنهم كما قال ﷺ : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، يعني: يصبح الإنسان يأتي بكل ما يستطيع من إحسان العمل، لأن قلبه يشاهد ربه، وإن كان ربه جل وعلا على العرش مستوياً، فهو يعلم أن الله ينظر إليه، ويعلم ما في قلبه، ويعلم ما تنطوي عليه نيته، وما يقصد من ذلك، فيزيد في حسن العمل ما استطاع، هذا معنى أنه يدخل على ربه.

стр. 1170

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٥] محبة الرسول ﷺ من الإيمان، والناس يتفاوتون في الإيمان بحسب حبهم لله ورسوله، واتباعهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، وللإيمان حلاوة، ولا يذوق العبد طعمه حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

стр. 1171

آية التهديد والوعيد لمن قدم محبة الدنيا على محبة الله ورسوله [قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]]. هذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن، وهي خطاب للصحابة في آخر حياة النبي ﷺ أمر الله جل وعلا رسوله أن يقول لهم: إن كانت هذه الثمانية الأشياء المذكورة في الآية، أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيل الله (فتربصوا): انتظروا حتى يحل بكم العذاب، فهو تهديد ووعيد لمن كانت الدنيا بما فيها من الأقرباء والآباء والأبناء والأزواج والأموال والمساكن والتجارات، أحب إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيله، وهذا فاسق لقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، لأنه من كان بهذه الصفة فهو من الفاسقين، والفاسق هو الذي خرج عن طاعة الله جل وعلا إلى المعصية. فهذا يدلنا على وجوب تقديم محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله ﷺ ومحبة الجهاد في سبيله على الآباء، والأبناء، والأزواج، والأموال، والمساكن الحسنة الجميلة، والمراكب، والتجارات وغيرها من أمور الدنيا، يجب على العبد أن تكون هذه أمام محبة الله، ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة الجهاد في سبيله؛ مبذولة في هذا السبيل، لا تحول بين الإنسان وبين ذلك، فإن كان يختارها فهو من الفاسقين. وجاء في الحديث بمعنى هذه الآية، وهو قوله ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم)، لأن اتباع الدنيا ومحبتها وتقديمها لا يجتمع مع محبة الله ومحبة رسوله، والجهاد في سبيله، والمقصود بالدنيا أن ينتفع بها الإنسان، وأن تكون الدنيا في طاعة الله جل وعلا، يكتسب الإنسان بها مرضاة الله، أما إذا كان الأمر بالعكس فهي وبال وشقاء وعذاب، يزداد بها الإنسان عذاباً، وعن قريب يتركها لمن يأكلها، ولا يحمده، بل قد يكون حسرة عليه؛ لأنه يتقوى بها على المعاصي، ويكون عليه كفل من الذنوب والعذاب، لأنه هو السبب في جمعها. وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُم﴾ [التوبة:٢٤]، إلى آخر الآية وعيد من الله جل وعلا لمن كانت هذه صفته، ثم الله يتهدده ويتوعده بعذاب يأتيه في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال في آخرها (فتربصوا) يعني انتظروا ماذا يحل بكم من العذاب؟ ثم قال جل وعلا: (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: من كانت هذه صفته فهو فاسق، فتبين بهذا البيان الواضح وجوب تقديم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة طاعته -ومنها الجهاد في سبيله- على الآباء والأبناء والزوجات والمساكن الحسنة الجميلة، والتجارات التي يخشى الإنسان كسادها، يعني: أنها تكون تجارة متهيئة مطلوبة، فيها الربح الكثير. فإذا كانت هذه الأمور كلها أحب إلى الإنسان من الله، ومن رسوله، ومن الجهاد في سبيله؛ فهو من العصاة الذين يستحقون الوعيد. فهذا أمر واضح وجلي، فهو كلام الله جل وعلا، وقلنا: إن هذا من آخر ما نزل ليتبين أن الصحابة رضوان الله عليهم لما كان عندهم شيء من ذلك نبههم الله جل وعلا على هذا الأمر حتى لا تكون الدنيا مائلة لهم عن محبة الله أو محبة رسوله أو مشغلة لقلوبهم عن ذلك وعن الجهاد في سبيله. ولهذا فإنهم رضوان الله عليهم خشوا من ذلك، وصاروا يجاهدون في سبيل الله، وما جلس في المدينة منهم إلا قلة قليلة، وجلهم مات في الجهاد في سبيل الله في بلاد بعيدة في سائر البلاد، في الشرق والغرب، وفي الشمال، وفي كل مكان؛ خوفاً أن يقعوا فيما حذرهم الله جل وعلا منه.

стр. 1172

وجوب تقديم محبة الله على غيره قال الشارح رحمه الله تعالى: [أمر الله نبيه ﷺ أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك. قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] أي: انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه، روى الإمام أحمد وأبو داود -واللفظ له- من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)]. العينة هي أن يبيع الإنسان سلعة بقيمة مؤجلة، ثم يشتريها من المشتري بثمن أقل مما باعها به، فهو عين الشيء الذي بيع، اشتري بثمن أقل من الثمن الذي باعه به، وهذا من أنواع الربا في أي شيء كان، سواء كان بيتاً أو سيارة أو طعاماً أو غير ذلك، فكل من فعل ذلك فقد وقع في العينة، وهو نوع من الربا الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، ذروه يعني: اتركوه وابتعدوا عنه، وأخبر جل وعلا أن الذي يأتيه أمر الله ثم لا يجتنب الربا فإنه محارب لله ولرسوله. أما اتباع أذناب البقر فمعناه أن الناس يشتغلون بالزرع، وبأذناب البقر؛ لأن البقر كان يحرث عليها الأرض، فمعنى ذلك أن الاشتغال بالزرع هو ترك الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال: (ورضيتم بالزرع)، وفي الصحيح عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه لما كان في قتال الروم في زمن معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان عليهم يزيد بن معاوية وكانوا محاصرين للقسطنطينية قريباً منها، وكان الروم أمامهم، والمسلمون مقابلون لهم، فخرج رجل من المسلمين يعدو حتى انغمس في صفوف الروم، فقال الناس: سبحان الله! ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: ليس كما تقولون، إن هذه الآية: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] نزلت فينا معشر الأنصار، وذلك أننا لما نصر الله جل وعلا رسوله، وفتح عليه، قال بعضنا لبعض: هلم لنصلح زراعتنا وفلاحتنا، فقد نصر الله جل وعلا رسوله، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فالتهلكة: هي الخلود إلى الدنيا، وإصلاح أمور الدنيا، فبين الله أن التهلكة هي الحرث والزراعة وترك الجهاد في سبيل الله جل وعلا، وهذا أيضاً هو معنى قوله: (ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله)، وقوله: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم)، لأن المسلمين حينئذ يخافون أعداءهم خوفاً شديداً، ويذلون لهم، ويبذلون لهم الطاعة، وقد يبذلون لهم الأموال، وقد يسلط الله عليهم الأعداء ويأخذون ما بأيديهم، والرسول ﷺ نصره الله بالرعب مسيرة شهر، فمن الخصائص التي خصه الله بها من بين الأنبياء: أنه أعطاه الرعب في قلوب العدو مسيرة شهر، يخافه العدو وإن كان بينه وبينهم مسيرة شهر، وهذا يكون أيضاً للمؤمنين الذين يتبعون الرسول ﷺ إذا صدقوا، أما إذا تخلوا عن طاعة الله، واتباع الرسول ﷺ فلا يكون لهم ذلك، بل تنعكس القضية فيصبحوا أذلاء خائفين، يخافون أن يأخذ العدو ما بأيديهم، ويتسلط عليهم، هذا الواقع الذي إذا نظر الإنسان إليه وجده كما أخبر الرسول ﷺ تماماً، صلوات الله وسلامه عليه. قال ﵀: [فلابد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه، ويوالي فيه، ويعادي فيه، ويتابع رسوله ﷺ كما تقدم في آية المحنة ونظائرها. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) أخرجاه أي: البخاري ومسلم]. (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده والناس أجمعين)، هذه محبة الرسول ﷺ ، قوله: (لا يؤمن أحدكم)، يعني: الإيمان الذي تكون به النجاة من عذاب الله، لا يحصل للإنسان الإيمان الذي ينجو به من عذاب الله حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده وجميع الناس.

стр. 1173

حكم من قدّم محبة الدنيا على محابِّ الله ورسوله قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئاً فشيئاً، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، فهؤلاء إن عوفوا من المحنة، وماتوا، دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق. انتهى]. في الحديث قول الرسول ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله وولده والناس أجمعين)، قوله: (لا يؤمن) نفي، فما هو هذا الإيمان الذي لا يحصل لمن لم يكن الرسول ﷺ أحب إليه من أهله وولده ووالده وماله ونفسه والناس أجمعين؟ هل الإيمان المنفي شيء مستحب بحيث لو تركه الإنسان يكون غير تارك للواجب أو أنه شيء واجب إذا لم يكن الإنسان بهذه المثابة فهو من أهل الكبائر؟ الصواب أن من لم يكن الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده وأهله ونفسه والناس أجمعين فإنه من أهل الكبائر، ولكنه غير خارج من الدين الإسلامي، عنده إسلام، وكل مسلم يجب أن يكون عنده إيمان لابد؛ لأن الإيمان محله القلب، فيعلم أن الله جل وعلا هو إلهه وربه، ويعلم أنه أرسل رسولاً، وأنه يجب أن يطاع، ويعلم أن وعد الله حق وأنه سيبعثه بعد موته ويجازيه، لابد أن يكون عنده هذا الإيمان. أما الإسلام فهو الطاعة والانقياد، أن يطيع وينقاد ويستسلم، ولا يكون عنده معارضة، يعني: ما يعارض أوامر الله وأوامر رسوله، إذا أمره الله جل وعلا بالصلاة صلى، وإذا أمره بالصيام صام، وإذا أمره بالحج حج، وإذا أمره بالصدقة تصدق. أما إذا امتنع من الأوامر فهو ليس بمسلم، وإن زعم أنه مسلم في نفسه؛ لأن الإسلام معناه فعل الأوامر والاستسلام والانقياد بالطاعة، أما إذا لم يطع فهو لم يسلم، فالإسلام هو الانقياد وعدم المعارضة، أن ينقاد للأمر ولا يعارض، أما إذا حصلت المعارضة وعدم الانقياد فليس بمسلم. ولهذا فسره الرسول ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن هذا الإيمان لابد منه، يعني: المسلم لابد أن يشهد أن لا إله إلا الله، فهذا الإيمان، ولابد أن يكون عنده إيمان أولاً، ثم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، فإذا لم يفعل الإنسان هذه الأمور لا يكون مسلماً أصلاً، وإذا مات فهو من أهل النار. وإذا فعل هذه الأمور، فلابد أن يتقدم فعل هذه الأمور إيمان، وهو المعبر عنه بشهادة أن لا إله إلا الله، فإذا لم يحصل على ما أوجبه الله عليه من محبته جل وعلا ومحبة الرسول ﷺ ؛ فإنه يصبح مسلماً، ولكنه متعرض لوعيد الله جل وعلا، ويكون من أهل الكبائر. يكون أمره إلى الله: إن شاء عذبه على تركه هذا الواجب، وإن شاء عفا عنه، يعني: أنه إذا مات على هذه الحالة يموت وقد ترك ما أوجبه الله عليه من كونه يجب عليه أن يقدم محبة رسول الله ﷺ على محبة أولاده ووالديه وماله ونفسه، وإذا ما كان بهذه المثابة ومات وكان يؤدي الواجبات فقط، عنده إيمان ولكنه ما يقدم محبة الرسول على هذه الأشياء، فإنه يكون من أهل الكبائر الذين يستحقون العقاب والعذاب، فإن عفا الله عنه وتجاوز فهو فضله، وإن عاقبه فهو يستحق هذا العقاب، ولكن بعد العقاب والعذاب الذي يستحقه يكون مئاله إلى الجنة، وأكثر الناس على هذا الوصف، وهذه الحالة، حيث إنه يكون ولده أحب إليه من رسول الله ﷺ ، والمال أحب إليه من رسول الله ﷺ . ومتى يعرف من هذه صفته؟ هذا أمر واضح يعرف بالنظر إلى أفعاله، فإن كان يحرص على طاعة الرسول ﷺ واتباع سنته، ولو كان في هذا الطريق شيء من تعب بدنه أو ذهاب شيء من مصالحه؛ فهذا هو الذي يقدم محبة الرسول ﷺ على محبة الدنيا ومن فيها. هذا بالنسبة إلى محبة الرسول ﷺ ، فكيف بمحبة الله؟ محبة الله محبة عبودية لابد أن تتضمن مع الحب الذل والخضوع والتعظيم.

стр. 1174

محبة النبي ﷺ محبة الرسول ﷺ تكون تبعاً لمحبة الله، يحبه لأن الله يحبه، ولأن الله أمر بحبه، ولأنه جل وعلا أكرمه بالرسالة، الله جل وعلا أنقذك على يديه من النار، فمحبته مقدمة على محبة الوالد والأولاد والمال والنفس. فمحبته تكون لهذه الأمور: أولاً: لأن الله أوجب ذلك، فأنت يجب عليك أن تمتثل ما أوجبه الله عليك لأنك عبد لله، والعبد يمتثل أمر سيده، ولا يجوز أن يسأل سيده ويناقشه: لماذا أمرت بكذا؟ ولماذا أوجبت علي كذا؟ بل يقول: سمعاً وطاعة. ثانياً: أن المحب يحب حبيب حبيبه ولابد، ويبغض من يبغض حبيبه، وإلا لم تكن محبته صحيحة، يعني: كون الإنسان يكون له محب يحبه، ويعلم أن هناك عدواً له، ثم يذهب يصاحب العدو فيصافيه ويوده، هذا دليل على أنها محبة زائفة وغير صحيحة، فلابد للمحب أن يكون محباً لمن يحبه، ويبغض من يبغضه حبيبه، وإلا لا تكون محبة صادقة، بل تكون كاذبة بالادعاء، والادعاء ما يفيد. إذاً: محبة الرسول ﷺ فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من جميع من في الدنيا، بما فيها نفسه، فكيف بالمال؟! والمحبة هذه ليست كما يقول بعض المتكلمين: إنها محبة عقلية، يقول: إن العقل ينظر للعواقب، فإذا عرف أن عاقبة محبة الرسول ﷺ تئول إلى المصالح آثرها بعقله وليس بقلبه، هذا كلام باطل لأن الحب محله القلب. والمتكلمون ينكرون أن يكون الله جل وعلا يحَب أو يحب؛ فقالوا هذا القول على قواعدهم الباطلة، وكل يعرف المحبة، ويجد المحبة في نفسه، فهي تكون في القلب ومن عمل القلب، ثم يظهر ذلك على الأعمال والجوارح، فهذه هي المحبة التي يتحدث عنها، والتي جاء فيها الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وكذلك من نفسه. المحبة القلبية هي التي يكون فيها الإيثار والتقديم، فإذا صار مثلاً أمام المؤمن شيئان: أحدهما: محبوب للرسول ﷺ ، يعني: أنه أمر به وجاء به. والآخر: ليس فيه مصلحة ظاهرة عاجلة له، فإن قدم ما فيه طاعة الرسول ﷺ على ما فيه حظ نفسه العاجل، فهذا علامة على أنه يحب الرسول ﷺ أكثر من محبته المال، وأكثر من محبته لولده وأهله والناس، وهنا ظاهر، والدليل على هذا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وسبق أن هذه الآية تسمى آية المحنة؛ لأن الله امتحن بها الذين قالوا: إننا نحب ربنا حباً شديداً، فامتحنهم الله جل وعلا بذلك، وأن هذا الحب يصدق بهذه العلامة، وهي علامة ظاهرة وواضحة. أما أن يصل الإنسان إلى الكمال فهذا ليس بلازم، ما يلزم أنه يصل إلى الكمال، يعني: آحاد الناس لا يمكن أن يكون الحب عنده والإيمان والعمل مثلما كان عند أبي بكر الصديق ﵁، أو مثلما كان عند عمر أو عثمان أو علي وأشباههم، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ولهذا كان الإيمان درجات لأجل تفاوت ما في القلوب من هذه المحبة، فالتوقير توقير الله جل وعلا، وتقديره وتعظيمه، ولكن المهم أن الإنسان لا يرتكب الكبائر، ويحافظ على الشيء الذي أوجبه الله عليه، أما الشيء الذي أمر به أمر استحباب فهذا يتفاوت الناس فيه تفاوتاً عظيماً، وليس واجباً على الإنسان أن يفعله، وإن كان فيه فضل. وقد ذكر الله جل وعلا طبقات الناس الذين يرثون الجنة، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]. فالظالم لنفسه: هو الذي ترك بعض الواجبات. والمقتصد: هو الذي اقتصر على الواجب وترك المستحبات. أما السابق بالخيرات فهذا الذي فعل الواجب أولاً، ثم فعل المستحبات ثانياً، وهؤلاء هم أعلى المؤمنين في الدنيا عند الله وفي درجات الآخرة، وليس المعنى أن الإنسان إذا ترك بعض الواجبات أنه يكون خارجاً من الدين الإسلامي لقوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم)، فإن هذا فيه إشكال عند كثير من الناس، وكثير من شراح الحديث يقول: لا يؤمن الإيمان الكامل، ويحتمل أن المراد به الكامل يعني: الإيمان الذي وجب عليه، وهو كامل وواجب، ويحتمل أنه الكمال المستحب، فإن قال: المستحب فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن الرسول ﷺ لا ينفي الإيمان عمن ترك مستحباً لا يعاقب عليه، لا يمكن أن يكون هذا. فمثلاً الذي حج حجة الفريضة ثم لم يحج بعد ذلك، هل يجوز أن يقال: إنه ليس مؤمناً الإيمان الكامل؟ لا يجوز أن يقال هذ، مع أن الحجة الثانية مستحبة، والمستحبات كثيرة جداً، والناس يتفاوتون فيها تفاوتاً عظيماً. ولا يمكن أن يأتي بالعبادات مثلما أتى بها رسول الله ﷺ ، فأمر الرسول ﷺ من الكمال، ولا يمكن لأحد من الناس أن يأتي بالأعمال مثلما أتى بها. فإذاً: الكمال المستحب يتفاوت تفاوتاً عظيماً، ولا يجوز أن ينفى الإيمان عمن لم يفعل الكمال المستحب، وإنما ينفى الإيمان عمن ترك واجباً هو فرض عليه، وهذا كثير في كلام رسول الله ﷺ ، ينفي الإيمان إما لفعل محرم أو لترك واجب، فمثال ترك الواجب هذا الحديث، ومثال فعل المحرم قوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). فنفى الإيمان عنه في هذه الحالة، والمنفي ليس هو أصل الإيمان، وإنما هو الواجب الذي يجب على الإنسان أن يتحلى به، ثم يمنعه من فعل المحرمات؛ لأن من كان عنده إيمان وتحلى به لا يجوز أن يقتحم ما حرمه الله عليه، فإذا فعل ذلك فمعناه أنه زال عنه الإيمان الذي يحبس صاحبه عن الوقوع في المحرمات، وبقي عنده أصل الإيمان، ولكن هذا الأصل لا يقوى على منعه من العذاب ومن دخول النار، ولو فعل هذه الحالة فإن حكمه في الظاهر أنه يدخل النار إذا شاء الله، ثم بعد ذلك ينجيه الله جل وعلا بعدما يتطهر. ويكثر في الأحاديث وفي النصوص أن أهل الكبائر في النار، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، ومعروف أن هذه كبيرة، أكل مال اليتيم ما يخرج الإنسان به من الدين الإسلامي، ولا يجعله كافراً، ولكنه يكون مرتكباً لكبيرة، ومتوعداً بالنار، وكذلك آكل الربا والقاتل وغير ذلك مما جاءت به النصوص. كل نص فيه نفي الإيمان، أو فيه التوعد على فعل محرم بأنه من أهل النار، أو من أهل الفسق، أو إنه ليس من المسلمين أو ما أشبه ذلك، فهذا لأنه ترك واجباً عليه، أو فعل محرماً لا يجوز فعله، فتوعد على ذلك، إيمانه يكون ناقصاً، ولكنه لا يكون زائلاً وخارجاً بالكلية، بل عنده شيء من الإيمان، وبهذا الإيمان الذي عنده يكون له عاقبة السعادة، وإن ناله ما ناله. ولهذا يكثر العذاب في المسلمين في القبر، وفي الموقف، وفي النار، فإن النصوص جاءت بذكر أناس كثير يعذبون في القبر، وبعضهم لا يكفي عذابه في القبر، بل يستمر عذابه في القبر إلى أن يبعث الله جل وعلا الناس، ثم يزاد عذاباً في الموقف، وبعضهم لا يكفيه ذلك بل يستمر عذابه ويدخل النار، وقد كثرت النصوص في ذكر الشفاعة لإخراج من يدخل النار، وهي لا تكون إلا للمسلمين المؤمنين، ما يمكن أن تكون الشفاعة لكافر؛ لأن الله أخبرنا أن الكفار لا تنالهم الشفاعة، وأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا تفيدهم، وإنما تنفع المؤمنين. فهؤلاء أصحاب الكبائر الذين تركوا واجبات أو ارتكبوا محرمات، وهذا كله يدلنا على تفاوت الإيمان عند الناس، منهم من إيمانه يمنعه من العذاب, ومنهم من يكون إيمانه ضعيفاً لا يمنعه من العذاب فيعذب، ومنهم من يكون إيمانه زائداً على الواجب حتى وصل إلى المستحب، فهذا هو الذي يسبق إلى الجنة؛ لأن حسناته صارت راجحة, بل وزائدة على السيئات زيادة واضحة، فمثل هذا لا يعذب ولا يناله العذاب.

стр. 1175

الفرق بين محبة الله ومحبة الرسول ﷺ قال الشارح ﵀: [وفي هذا الحديث: أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب. وفيه: أن محبة الرسول ﷺ واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها محبة لله ولأجله, تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن ,وتنقص بنقصها، وكل من كان محباً لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح، وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك كالاعتماد عليه, ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله]. يعني: الفرق بين محبة الله جل وعلا ومحبة الرسول ﷺ أن محبة الرسول ﷺ مكملة لمحبة الله؛ لأنها تابعة لها، فهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله. أما المحبة مع الله فهي شركية، تكون محبة شرك, وذلك أنه يجعل له من المحبة مثل ما يكون من جنس المحبة التي تكون لله، والمحبة التي تكون لله عرفنا أنها ما كان فيها عبودية وذل وخضوع وتعظيم ورجاء وخوف. والرسول ﷺ ما يملك مع الله شيئاً، لو أن إنساناً دعاه واستغاث به وقال: أرجوك أن تنجيني من النار، أرجوك أن تغفر ذنوبي، أرجوك أن تصلح قلبي، أرجوك أن تهب لي مالاً، وما أشبه ذلك؛ فمعنى ذلك أنه جعله في منزلة الله، وصار يعبده عبادة؛ لأن الدعاء والرجاء والخوف يجب أن يكون لله وحده، وكذلك الخوف العيني الذي يخاف منه الإنسان, والمخوف غائب عنه، أو أن يدعى له ما هو من خصائص الله من معرفة الغيب والاطلاع على ما في القلوب، ومعرفة المستقبلات والماضيات, والاطلاع على اللوح المحفوظ وما فيه ,أو كونه يستطيع أن يغير الكون أو يبدله أو أن يجعل هذا الشقي سعيداً أو هذا السعيد شقياً وما أشبه ذلك؛ هذا لا يجوز أن يكون إلا لله. فمن جعل شيئاً من ذلك لأحدٍ من خلق الله سواء كان رسولاً أو ولياً أو ملكاً فقد أشرك، ووقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة منه، ومن مات على ذلك فهو في النار خالداً فيها، من مات معتقداً وفاعلاً لهذه الأمور فهو مشرك الشرك الأكبر، ولا ينفعه دعواه أن هذه محبة؛ لأن المحبة يجب أن تكون على وفق أمر الله ,ووفق ما كلفك الله جل وعلا به، وليست بهوى النفس ولا بالتقليد ولا بالأوضاع التي يتواضع عليها الناس، بل يجب أن تكون بالشرع الذي جاء به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه. والرسول ﷺ بين هذا ووضحه وحذر منه كثيراً، وسيأتي شيء من ذلك في هذا الكتاب، حتى إنه لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده) مع أنه يخاطبه وله مشيئة، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يسد الباب الذي يمكن أن يدخل الشيطان منه ,ويفسد على أمته دينها. ولما جاءه القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا, وأنت خيرنا وابن خيرنا, كره ذلك وقال: أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا إياها، أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله). والعبودية هي أكمل مقاماته صلوات الله وسلامه عليه، يعني: عبوديته لله لأنه كملها، ولهذا أثنى الله جل وعلا عليه بالعبودية، وإلا فهو بشر صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] هو بشر مثلنا، ولكن ميز وخصص بأنه يوحى إليه: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] فهذه هي الميزة والخصيصة التي خصه الله بها، أما الأصل فهو مثل الناس. وقول كثير من الغلاة: إنه أصل الوجود، ويقولون: إنه جاء في الحديث: (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)، فهذا كذب! ما قال الرسول ﷺ هذا، وهذا خلاف كتاب الله، وكذلك الذين يقولون: أول مخلوق هو نوره، ويقولون: نوره من نور الله ,وأن الله خلقه من نوره، كله غلو مخالف لكتاب الله, وهو من سنن النصارى في غلوهم في عيسى ﵇، وأخبر الرسول ﷺ عنهم بأن هذه الأمة ستفعل كما فعلت الأمم قبلها، والخبر من باب التحذير. والمقصود: أن يميز الإنسان بين ما يجب لله جل وعلا وما يجب لعبده، فالواجب لله العبودية, والعبودية هي الحب الذي يتضمن الذل مع التعظيم والخضوع والرجاء والخوف، ثم يتبع ذلك الدعاء والخشية وغيرها، أما محبة رسوله ﷺ فهي محبة له, تحبه لأن الله يحبه ولأن الله أمر بحبه ,ولأن الرسول ﷺ أكمل الخلق طاعة لله جل وعلا. إذاً: تكون محبته تبعاً لمحبة الله, وليست محبة مع الله، أما المحبة مع الله فهي التي تشترك مع محبة العبودية, وهذه شرك ولا يجوز أن تكون لأحد من الخلق. فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله.

стр. 1176

أقوال أهل البدع في منزلة العمل من الإيمان من فوائد الحديث السابق أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا من الأمور التي خالف فيها بعض أهل البدع أهل السنة, حيث زعموا أن الإيمان هو مجرد تصديق القلب فقط , أما الأعمال فهي خارجة عن ذلك. وهؤلاء الذين قالوا هذا القول قسمان: قسم يجعل الواجب الذي به النجاة هو ما كان في القلب فقط، ولو أن الإنسان أتى بأي ذنب كان، وإيمانه في قلبه كامل، أو ترك الأعمال؛ فإنه في الجنة وإن ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة. فهذا قول مجانب للحق, هو من أبطل الباطل, وهؤلاء يسمون المرجئة المحضة، وهم الجهمية؛ لأنهم زعموا أن الإيمان المعرفة فقط. ولهذا يقول لهم أهل السنة: يلزم من هذا أن يكون إبليس مؤمناً لأنه يعرف ربه, وأنتم قلتم: الإيمان هو المعرفة، ويلزم أن تكونوا أنتم كفاراً؛ لأنكم ما عرفتم ربكم، فهم أجهل الناس بالله جل وعلا, وهذا القول لا وجود له الآن، زال مع أهله الذين زالوا والحمد لله، ونرجو ألا يكون له وجود. القسم الثاني: ما يسمى بمرجئة أهل السنة، يسمون هكذا، وبعضهم يقول: مرجئة الفقهاء، وكثير من المحققين يقول: إن الخلاف معهم خلاف لفظي وليس معنوياً، لأنهم يقولون: من ترك العمل فهو معرض للعذاب والعقاب. ويقولون: الأعمال من مقتضى الإيمان, ولكنها لا تدخل في مسماه، الإيمان في القلب, أما الأعمال فهي التي يقتضيها الإيمان، إذا وجد الإيمان فلابد من وجود العمل، فإذا كان هذا قولهم فيكون الخلاف لفظياً. والصواب: أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، يعني: أن العمل يكون إيماناً, وهذا دلت عليه النصوص كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: عملكم كما جاء في سبب النزول، فإن سبب نزول الآية: تحويل القبلة, كانوا يصلون أولاً إلى جهة الشام, فأمروا بالاتجاه إلى الكعبة، فسأل المؤمنون: كيف بصلاتنا التي صليناها نحو الشام؟ فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم التي صليتموها إلى تلك الجهة محفوظة عند الله, وسوف يجزيكم عليها, فسماها إيماناً. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال مجاهد: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله, فيرضى ويسلم. فسمى الرضا والتسليم إيماناً, ومعلوم أن الرضا عمل, والتسليم عمل، وهذا شيء كثير جداً. ولكن القول الأول الذي قالوه ممتنع عقلاً وواقعاً, لا يمكن أن يوجد في قلب إنسان إيمان ولا يوجد عمل! هذا ممتنع, ومستحيل مثل هذا، إذا وجد الإيمان في قلب الإنسان فلابد أن يبعثه على العمل، ولا يمكن أن يكون هناك إيمان بلا عمل، فالقول الذي قاله أولئك المبتدعة هو قول مقدر ذهني فقط،، يعني: فرض ذهني, أما أن يكون واقعاً فلا وجود له, ولا يمكن أن يوجد؛ لأنه لابد أن يكون صاحب الإيمان عاملاً, فإذا ترك العمل فهو دليل على أنه ليس عنده إيمان.

стр. 1177

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٦] حلاوة الإيمان هي ثمرة العلم النافع والعمل الصالح، ومعناها: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق، وإيثار ذلك على شهوات الدنيا، وقد أخبر النبي ﵊ بثلاث خصال، من وجدت فيه وجد حلاوة الإيمان، فينبغي معرفتها والحرص على العمل بها.

стр. 1178

حديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، وفي رواية: (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى)، إلى آخره]. قوله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)، والرواية الأخرى: (لا يجد)، الرواية الأخرى فيها النفي، فالإنسان لا يجد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. إذا وجدت هذه في قلب الإنسان، وتحلى بها؛ فإنه يجد بها حلاوة الإيمان، ففي هذا دليل على أن الإنسان قد يجد الحلاوة وقد لا يجدها، وأن الإيمان له حلاوة توجد؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (يجد)، أو (يجد بهن)، ويقول: (لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يكون)، فوجود الحلاوة يكون بهذه الخصال الثلاث. وقوله: (لا يجدها حتى) دليل على أنها أمر محسوس، وأن الإيمان له حلاوة، وهذه الحلاوة ليست حلاوة عقلية كما يقوله من يقوله أو حلاوة معنوية، بل هي حلاوة محسوسة يحس بها الإنسان، وحلاوته أحلى من الطعام المشتهى، وأحلى من الشراب الحلو المشتهى؛ لأنها تشمل البدن كله، وتعم الجوارح وتبقى معه، بل يزول بها الآلام التي قد يجدها، ويتحمل في سبيلها ما لا تتحمله الجبال إذا وجد هذه الحلاوة. فمثلاً: كان الرسول ﷺ في غزاة، وأراد أن يبيت صلوات الله وسلامه عليه مع المسلمين، فأمر رجلين من أصحابه أن يذهبا إلى شعب معين ويحرسا في الليل، فلما ذهبا قال أحدهما للآخر: إما أن تنام أنت أول الليل أو أنام أنا، فقال: بل أنا أنام وأقوم آخر الليل، فنام صاحبه وهو قام يصلي، فجاء رجل من الكفار قد أخذت زوجته، وأقسم أن يذهب خلف المسلمين حتى يريق فيهم دماً، فجاء فرأى شخص الرجل الذي يصلي، فعرف أنه رجل من المسلمين، فصوب إليه نبله فضربه وأثبته فيه، فنزعه من بدنه، واستمر في قراءته، ثم صوب إليه السهم الثاني وضربه، فنزعه واستمر في قراءته، ثم صوب إليه الثالث وضربه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، ولما استيقظ صاحبه رأى الدماء تسيل منه قال: سبحان الله! لماذا ما أيقظتني في أول الأمر؟ فقال: والله لولا أني خفت على المسلمين، ما أيقظتك فإني كنت في آيات فكرهت أن أقطعها قبل أن أوقظك. ما الذي حمله على احتمال الألم؟ حلاوة الإيمان وتلاوة القرآن، تحمل في سبيل الله هذا الأمر حتى كاد يصل إلى القتل، والأمثلة على هذا كثيرة جداً، هذه الحلاوة هي فوق حلاوة الطعام، وذلك إذا تحلى قلبه وجوارحه بأن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، من كل شيء حتى من نفسه؛ صارت الطاعة مقدمة على هذه الأمور، كما حدث لهذا الرجل، قدمها حتى على نفسه، وإنما حمله على أن يقطع قراءته ومناجاته خوفه على المسلمين، وامتثاله أمر رسول الله ﷺ ، أما نفسه فلم تكن هي المؤثرة في ذلك. هذا أمر يجعل الإنسان يتحمل في سبيله المشاق والأمور العظيمة، والإنسان قد يجد في نفسه هذا الشيء، أنه إذا عمل طاعة لله يجد لذة وطمأنينة، بخلاف ما إذا عمل بالمعصية، فإنه يجد وحشة وخوفاً وقلقاً يقلقه، ولكن هذا الشيء لا يشعر به من كانت معاصيه كثيرة. وكذلك من كانت الطاعة ليست من شأنه وليس بمتحلٍ بها، وإنما تأتي منه مرة وتذهب أخرى لا يجد ذلك؛ لأن الذنوب تضاد هذه الأمور أو تضعفها فلا تظهر، فيكون الإنسان شبه ميت، والميت إذا جرح لا يحس بالجرح؛ لهذا يقول الله جل وعلا: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] الران هو آثار الذنوب، غطاها فأصبح لا يحس الإنسان بأثر الذنب، خلافاً لصاحب الطاعة فإنه إذا وقع في معصية ندم وخاف، وأصابه الوجل حتى يقلع عن ذلك، ويكتسب طاعات تكفر عنه هذا الأمر. قال الشارح رحمه الله تعالى [قوله: (ولهما عنه) أي: البخاري ومسلم عن أنس قوله: (ثلاث) أي: ثلاث خصال، قوله: (من كن فيه) أي: وجدت فيه تامة، قوله: (وجد بهن حلاوة الإيمان) الحلاوة: هنا هي التي يعبر عنها بالذوق، لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه، وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم]. حلاوة الإيمان في الواقع هي ثمرة الطاعات، فعندما يستشعر الإنسان أنه أدى عبادة لله جل وعلا على الوجه الذي أمره به، ويشعر أن الله جل وعلا تفضل عليه وأنعم عليه حيث قربه في ذلك، فمن أعظم نعم الله على العبد: أن يعمل بطاعة الله جل وعلا على نور من الله، يرجو ثوابه، ويخاف عقابه. وهذا في الواقع هو النعيم الذي يكون في الدنيا قبل الآخرة، وليس النعيم والحلاوة لذة البدن الحيوانية التي يشترك فيها العاقل وغير العاقل من البهائم وغيرها، وإنما اللذة والحلاوة والنعيم أن يتصل القلب بربه جل وعلا اتصالاً وثيقاً، يؤمن به إيماناً يقينياً، ثم يكون ذلك على نور، يعني: اتباع للرسول ﷺ وهديه، وأن يكون على يقين لأنه يستيقن أنه على الطاعة والهدى، وهذا الذي أخبر الله جل وعلا أنه يجعل له نوراً يمشي به في الناس، هذا هو النور والهدى والحياة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]. الموت الحقيقي يكون بالجهل وبالإعراض عن الله جل وعلا، وليس الموت كونه يفارق البدن، هذا شيء قضى الله جل وعلا به على جميع خلقه، ولكن قد تكون حياته بعد المفارقة أحسن من قبل بكثير، حياة حقيقية وليست حياة وهمية تصورية، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]، لا تشعرون بحياتهم وبما أعد الله لهم. وفي الآية الأخرى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. فالحياة الحقيقية هي أن يتحلى الإنسان بطاعة الله جل وعلا، وتكون هذه الطاعة تصل إلى قلبه، ويتنعم بها ويجد اللذة، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وليست هذه الجنة بساتين ورياحين، وإنما هي اللذة بطاعة الله جل وعلا والتنعم، حتى وإن أوذي، حتى وإن كان فقيراً مدقعاً يجد النعيم في ذلك.

стр. 1179

حلاوة الإيمان وعلاقتها بحفظ الجوارح ووجود حلاوة الإيمان يكون بالقلب والبدن، فإن البدن يتبع القلب، ولهذا جاء في تفسير قوله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] يقول ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الدنيا قبل الآخرة، وليس معنى الشقاء: كونه يتعب في بدنه في العبادة أو يقوم الليل أو يصوم النهار، هذا ليس شقاءً ولا تعباً، هذا يكون نعيماً، وأهل الطاعة تكون أبدانهم أقوى من أبدان أهل المعصية، وإن كانوا يتنعمون بالملذات. أحد السلف مضى عليه تسعون سنة، فكان يثب كوثوب الشباب فقال له رجل من الحاضرين: ارفق بنفسك فإنك كبير السن، فقال له: هذه جوارح حفظناها في الصغر عن معاصي الله؛ فحفظها الله جل وعلا لنا في الكبر. والله جل وعلا يحفظ عبده الذي يحفظ جوارحه عن المعاصي والمخالفات، كما في حديث ابن عباس في وصية النبي ﷺ : (احفظ الله يحفظك)، الحفظ يكون على نوعين: حفظ في الدين والعقيدة، وهذا أهم شيء يحفظه الله جل وعلا في دينه وعقيدته فلا يتزعزع، ولا يدخل في الشكوك والانحرافات. وحفظ يكون في بدنه وجوارحه كالسمع والبصر وغيرها؛ لأنه لا يصيب الإنسان مصيبة بمرض أو غيره إلا من جراء ذنوبه، قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]. الحسن البصري ﵀ أوصى أصحابه في الجهاد فقال: إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين؛ فإن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، فالمعصية فيها ذل وخزي، وفيها هدم للعمر والروح؛ لأنها محاربة لله جل وعلا، وفيها نزع البركة من البدن والجوارح والأعمال، وفيها أيضاً ظلمة في القلب، ووحشة فيما بينه وبين كل من يدور حوله في حياته، يجد قلبه يخفق دائماً، حتى لو حركت الريح الباب وجدته يفزع ويخاف ما الذي حدث؟ ما الذي صار؟ أما أهل الطاعة فعندهم الطمأنينة والسكون؛ لأنهم يعرفون أن ما يصيبهم فبإذن ربهم، فيرضون ويسلمون وينقادون. حلاوة الإيمان هي التي يجدها الإنسان في عبادته لربه جل وعلا من شيء يكون في القلب، ويكون في الجوارح، ثم الشيء الذي يؤمله ويرجوه في المستقبل فإنه يثق بربه جل وعلا وثوقاً لا يكون فيه إذلال، ولا يكون فيه غرور، ولا يمنعه من الاجتهاد؛ لأنه يعرف قدره هو, ولكنه يعرف فضل ربه جل وعلا. لما حضرت الوفاة بلالاً ﵁ كانت زوجته قريبة منه وهي تقول: وا كرباه! فقال: وا قرباه! غداً ألقى الأحبة، محمداً وحزبه. فهو يفرح ويستبشر، هكذا يكون العبد في أحلك المواقف وأشدها فرحاً مطمئناً؛ لأن حلاوة الإيمان عنده، والطاعة التي يجدها أنه يفعلها على بصيرة، وليس كمن يفعل شيئاً ويقول: ما أدري هل هذا صواب أولا؟ ما أدري هل أنا على حق أم أنا على باطل؟ المقصود: أن حلاوة الإيمان ليست شيئاً خالياً في قلبه أو شيئاً يتصوره في العقل فقط، ولا يجده في قلبه ولا في بدنه، كلا، بل هو كما أخبر الرسول ﷺ : يجد حلاوة الإيمان في قلبه، وهذه الخصال الثلاث إذا اجتمعت فيه تامة فإنه يجد حلاوتها، أما إذا وجد بعضها دون بعض فلا يلزم أن يجد حلاوتها, قد لا يجد وقد يجد, وقد يجد شيئاً ضعيفاً, وإنما يجد الحلاوة من اجتمعت فيه هذه الثلاثة الأمور.

стр. 1180

معنى حلاوة الإيمان عند العلماء قال الشارح ﵀: [قال السيوطي ﵀ في التوشيح: (وجد حلاوة الإيمان) فيه استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء, وأضافه إليه. وقال النووي: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات, وتحمل المشاق, وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته, وترك مخالفته, وكذلك الرسول ﷺ ]. في الواقع أن هذه ثمرة وجود الإيمان، استلذاذ الطاعات هي ثمرة ذلك ونتائجه. [قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله: أن لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء]. معنى قوله: (لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء) البر: هو أن يحسن إليك الذي أحببته, ويصلك بأمور الدنيا, أو بنفع البدن بالخدمة وغير ذلك، فلو فعل ذلك ما زاد حبه؛ لأن الحب ليس لهذا، الحب لله (ولا ينقص بالجفاء)، لو مثلاً جفاك، وأصبح لا يزورك ولا يكلمك ولا يصلك, وانقطعت الصلة بينك وبينه, وليس ذلك عن عداوة، بل مجرد أنه لا يأتي أو أنه مشغول أو غير ذلك، فلا تنقص المحبة من أجل ذلك, لأنها ليست لأمر نفع دنيوي, وإنما هي لشيء قام به وهو طاعة الله، فهو يحب لله، وليس لذاته ولا لشيء يقدمه, وإنما يحب لأنه يحب الله, فأنت تحبه لأنه يحب حبيبك، إذا كانت أمور الدنيا بهذه المثابة لا تزيد ولا تنقص سواء جاءت أو ذهبت، فالمحبة لله أعظم، أما المحبة للدنيا وللناس فهذه ما تجدي شيئاً, فهذه تنقطع بسرعة، لما حصلت مبادلة النفع زادت، فإذا نقصت أو زالت ذهب ذلك وزال لأنه ليس لله، وكل ما لم يكن لله فهو زائل وذاهب لأنه باطل، وإنما يثبت الحق الذي لله جل وعلا.

стр. 1181

قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) قال الشارح ﵀: [قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) يعني: بسواهما, ما يحبه الإنسان بطبعه كمحبة الولد والمال والأزواج ونحوها، فتكون (أحب) هنا على بابها]. قد يأتي الإشكال الذي جاء في صحيح مسلم في حديث الرجل الذي كان يخطب عند النبي ﷺ فقال: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى) فقال الرسول ﷺ : (بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)، فلابد أن يفرق بين الله وبين الرسول في المعصية، وهنا يقول: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، قال: (سواهما): فجمعهما في ضمير الجمع، فهنا يحتاج إلى جواب, وقد أجيب عن هذا بأجوبة منها: أن المعصية كل واحدة منهما مستقلة, معصية الله ومعصية رسوله، إذا عصى الرسول فقد عصى الله, وإذا عصى الله فقد عصى رسوله ﷺ , والمحبة المعتبر فيها المجموع، يعني: أن يحب الله جل وعلا ويحب رسوله جميعاً, المحبة لابد من اجتماعهما وهذا يقول عنه الشارح: إنه جواب بليغ, فإذا كان بليغاً وحسناً فيكتفى به. الجواب الثاني: أن هذا على سبيل الأدب يعني: أنه من الأدب المستحب أن يفرق بين الضميرين, ولا يجمع بينهما, وهذا يدل على الجواز، فيكون النهي ليس للتحريم في قوله: (بئس خطيب القوم أنت)، وإنما ينبغي أن يسلك هذا المسلك من باب الاستحباب. الجواب الثالث: أن الخطبة محل البيان والإطناب والإيضاح, خلاف الكلام الذي يراد منه الحفظ والفهم, ففرق بين الخطبة وبين الكلام الذي يراد منه التعليم، فإنه غالباً يكون موجزاً جامعاً حتى يحفظ, كما كانت عادة الرسول ﷺ . الجواب الرابع: أن هذا جاء على الأصل السابق, والحديث الذي في صحيح مسلم -حديث نهي الخطيب- نقل عن الأصل, فيجب أن يصار إليه، يعني: يكون شبه ناسخ له، هذا معناه، يعمل بما جاء في حديث الخطيب فلا يجمع بين الضميرين ويكون حديث أنس قبل ورود النهي. هذه أجوبة العلماء على هذا، والله أعلم.

стр. 1182

كلام الخطابي في شرح الحديث والرد عليه قال الشارح ﵀: [وقال الخطابي: المراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع كذا قال]. (حب الاختيار لا حب الطبع) يعني: إذا قدم على محبة الله محبة رسوله يكون ذلك باختياره، أما إذا كان بطبعه لا يستطيع أن يترك طبعه, فهذا لا يلام عليه، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن نص الحديث: (حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ومعروف أن محبة الولد والوالد تكون محبة طبيعية، لا يستطيع الإنسان أن يمتنع منها، فهذا غير صحيح. والصواب: أنها على ظاهرها مطلقة, أن تكون محبة الرسول ﷺ مقدمة على كل محبة، وأن يتطبع الإنسان بهذا الطبع, بأن يترك الطبع الذي يكون طبعاً بهيمياً, ويتطبع بطبع الإيمان الذي جاء به الرسول ﷺ ، هذا هو الواجب.

стр. 1183

ما يتفرع عن محبة الله من مسائل قال الشارح ﵀: [وأما المحبة الشركية التي قد تقدم بيانها فقليلها وكثيرها ينافي محبة الله ورسوله، وفي بعض الأحاديث: (أحبوا الله بكل قلوبكم)، فمن علامات محبة الله ورسوله: أن يحب ما يحبه الله, ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى في مرضاته ما استطاع، ويبعد عما حرمه ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله ﷺ , ويمتثل أمره, ويترك نهيه كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فمن آثر أمر غيره على أمره, وخالف ما نهي عنه، فذلك علم على عدم محبته لله ورسوله، فإن محبة الرسول من لوازم محبة الله، فمن أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه, ومن لا فلا، كما في آية المحنة ونظائرها، والله المستعان. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أخبر النبي ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً واشتهاه, إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريعها، ودفع ضدها، فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. قلت: ومحبة الله تعالى تستلزم محبة طاعته، فإنه يحب من عبده أن يطيعه، والمحب يحب ما يحبه محبوبه ولابد. ومن لوازم محبة الله أيضاً: محبة أهل طاعته كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده]. تفريعها المقصود به: تفريعها بأن يفرع عليها محبة الرسول ﷺ , ومحبة أولياء الله من أهل الطاعات، هذا فرع عليها، وهذا من مكملاتها.

стр. 1184

خلاف العلماء في توجيه جمع الضمير في قوله: (مما سواهما) قال الشارح ﵀: [فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان، كما في حديث ابن عباس الآتي. قال: وتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. قال: ودفع ضدها: أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار. قوله: (أحب إليه مما سواهما) فيه جمع ضمير الله تعالى وضمير رسوله ﷺ ، وفيه قولان: أحدهما: أنه ثنى الضمير هنا إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين, لا كل واحدة، فإنها وحدها لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب؛ إشعاراً بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم. الثاني: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز. وجواب ثالث: وهو أن هذا ورد على الأصل، وحديث الخطيب ناقل, فيكون أرجح. قوله: (كما يكره أن يقذف في النار) أي: يستوي عنده الأمران.

стр. 1185

عصمة الأنبياء قال الشارح ﵀: [وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في حقه مطلقاً وإن تاب منه. والصواب: أنه إن لم يتب كان نقصاً, وإن تاب فلا، ولهذا كان المهاجرون والأنصار ﵃ أفضل هذه الأمة, مع كونهم في الأصل كفاراً, فهداهم الله إلى الإسلام, والإسلام يمحو ما قبله, وكذلك الهجرة, كما صح الحديث بذلك]. يعني: أن الإنسان ما ينفك عن الذنب, ولكن كونه يقع في الذنب هذا ليس نقصاً, وإنما النقص أن يصر على الذنب ويكرره، أما إذا وقع فيه وتاب فهذا ليس نقصاً, ولا ينقصه بل ربما زاده؛ لأنه قد يكون بعد الذنب حالته أحسن منها قبله, كما قيل في أنبياء الله عندما ذكروا مسألة العصمة, وقد اختلف الناس في ذلك فقال طوائف: هم: معصومون مطلقاً من الذنوب الكبائر والصغائر, ومن أن يخطئوا في التبليغ أو غير ذلك. وطوائف من أهل السنة يقولون: العصمة فيما يبلغونه عن الله جل وعلا فقط، أما الذنوب فليسوا معصومين منها، ولكنهم ما يقرون على ذنب، إذا وقع أحدهم في ذنب نبهه الله؛ فرجع وصارت حالته بعد الذنب أحسن منها قبله، واستدل القائل بهذا بأن الله جل وعلا يحب التوابين، ولا يحرم أولياءه من هذه المحبة. فإذا تاب الإنسان من ذنبه فقد يكون الذنب الذي وقع فيه سبباً لانكسار قلبه وحيائه من ربه, ولا يزال يطالع في قلبه ذلك الذنب, ويحدث توبة وانكساراً وذلاً واستغفاراً حتى يكسب بسبب هذا الذنب أشياء ما يكتسبها لو لم يقع فيه. وهذا واقع لكثير من الناس, ولهذا جاء في الحديث: (إن الرجل يذنب الذنب يدخل به الجنة)، قيل: كيف؟ قال: إنه لا يزال مستحياً من ربه, منكسر القلب, يستغفره حتى يدخل بسبب ذلك الجنة، وهذا هو الصواب. ولهذا ذكر الله جل وعلا عن آدم وهو نبي كريم مكلم كلمه الله سبحانه, أنه أكل من الشجرة التي نهي عنها وعصى ربه فغوى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢]. وذكر عن كليمه موسى ﵇ أنه قتل نفساً بغير نفس, وأن الله جل وعلا تاب عليه، وهكذا حتى أشرف الأنبياء محمد صلوات الله وسلامه عليه، خاطبه الله جل وعلا بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:١ - ١٠]. هب أن أحداً من الناس يخاطب بمثل هذا الخطاب، يقال له: إنك عبست وتوليت لما جاءك فلان وهو تقي, ربما يغضب ويقول: أنت ما تقدرني، أنت ما تعرف تخاطبني، هذا رب العالمين جل وعلا يخاطب رسوله ﷺ هذا الخطاب. وكذلك يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، يخاطبه بهذا الخطاب، وكثير من الناس لو يواجه ويقال له: اتق الله يا فلان! اتق الله، لقال مستنكراً: ماذا صنعت أنا؟ هل أنا فعلت ذنباً؟ المقصود أن الله جل وعلا يؤدب رسوله ﷺ بالقرآن تأديباً فيه شيء من التنبيه. كذلك يقول جل وعلا في خطابه له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، وهذا إنكار. كذلك قوله جل وعلا: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] الكتاب السابق أنكم لا ينزل عليكم العذاب، وهذا بسبب أخذهم الفداء من أسرى أهل بدر الكفار، يقول الرسول ﷺ : (لو نزل علينا عذاب لم يفلت منا إلا عمر)؛ لأن عمر اعترض وقال: (أرى أن تمكن كل واحد منا من قريبه فيضرب عنقه). والرسول ﷺ رأى ما في أصحابه من الحاجة والتعب؛ فرحمهم وأخذ الفداء من أجل أن يكون ذلك نفعاً لهم، فنزل عليه العتاب صلوات الله وسلامه عليه. وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، ويقول بعض المفسرين: ليغفر الله لأمتك ذنوبها المتقدمة والمتأخرة، أما هو فليس عليه ذنوب، وهذا تحريف, بل هذه مغالطة. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]. قال بعضهم: واستغفره لذنوب أمتك, أما أنت فليس عليك ذنوب، وهؤلاء بعضهم يجعل الرسول ﷺ قريباً من منزلة الله جل وعلا، حتى إن بعضهم يقول في مثل هذا: إن هذا ليس خطاباً له، وإنما هو خطاب لأمته، ولكن لما كان الوحي ينزل عليه وجه إليه، يقول: الخطاب لأمته. هذا شيء عجيب! يعني: كأنها مغالطة ورد لقول الله جل وعلا. الرسول ﷺ كما في الصحيح يقول: (استغفروا الله وتوبوا إليه, فإني أتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة)، ويقول الصحابة: (كنا نحسب له في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، يقول: أستغفر الله وأتوب إليه, أستغفر الله وأتوب إليه) وليس هناك أحد غني عن ربه جل وعلا، كما أنه ليس بين الله جل وعلا وبين خلقه صلة إلا بالطاعة، من كان لله أطوع فهو أكرم عند الله, وأقرب إلى الله, بغض النظر عن كونه فلاناً أو من فلان أو غيره.

стр. 1186

لا يخلو أحد من الناس من المعاصي كل الخلق لا ينفكون عن المعاصي, ولكن يختلفون اختلافاً عظيماً جداً، ولهذا يقولون: إن مما يعد حسنة لبعض الناس يعد سيئة للبعض، كيف يعد سيئة للبعض؟ مثل أهل القرب والولاية, لا يقنعون بالشيء الذي يرى عامة الناس أنه قربات، بل يستغفرون من عباداتهم؛ لأنهم ما جاءوا بها على الوجه الأكمل، يعني: ما جاءوا بها في مقام الإحسان؛ فيستغفرون ربهم من العبادات، أيقولون: ويدل على هذا أنه شرع لنا بعد نهاية الصلاة أن يستغفر الإنسان ربه ثلاثاً كما هي السنة (أستغفر الله, أستغفر الله, أستغفر الله) والصلاة من أفضل القربات, وبعدها مباشرة تستغفر ربك. ففيه إشارة إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يأتي بالطاعة على الوجه الأكمل, وهذا شيء معروف يجده الإنسان من نفسه, ولا يستطيع أحد من الأمة أن يأتي بالصلاة كما كان رسول الله ﷺ يأتي بها؛ لأن معرفة ربه جل وعلا والقيام بأمره على الوجه الأكمل خاص بالرسول ﷺ ، لهذا يقول: (أنا أعلمكم بالله, وأتقاكم له, وأخشاكم له) صلوات الله وسلامه عليه، بل ما يستطيع الإنسان أن يأتي بالطاعة في الصلاة كما أتى بها أبو بكر أو عمر أو غيرهما من الصحابة. ولهذا يقول ابن القيم ﵀: يقوم الرجلان في الصف الواحد، كل بجوار الآخر في الصلاة، وبين هذا وهذا مثلما بين السماء والأرض, يكون هذا كأنه يشاهد ربه, ويكون قلبه ساجداً بين يديه, خاضعاً له, ويستشعر عظمته وخطابه, ويود أنه ما ينتهي من الصلاة. والثاني يكون أقل من هذا, أو ربما يكون يفكر في أمور الدنيا, وفيما يزاوله, فيخرج من صلاته وهو يخطط لأموره التي سيفعلها في الدنيا، وربما لا يدري ماذا قرأ الإمام؟ وماذا قال هو؟ ومثل هذا صلاته لا روح فيها في الواقع, يعني: مثل البدن الذي لا روح فيه. المقصود أنه لا يوجد أحد من الناس يخلو من الذنب أبداً، حتى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ينبههم الله جل وعلا على بعض المخالفات، فنوح ﵇ لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]. هذا خطاب الله جل وعلا لرسول كريم من أولي العزم من الرسل، ثم يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]. وإذا نظر الإنسان إلى خطاب الرب جل وعلا لأوليائه من الأنبياء والرسل؛ يجد أنه ينبههم على أشياء يرجعون عنها، ويستغفرون ربهم منها, ويرون أنها ذنوب؛ ولهذا ففي يوم القيامة يعتذرون من ذلك للناس ويذكرون ذنوبهم كآدم وإبراهيم وموسى، فيعتذرون للناس مما كان منهم في الدنيا. فآدم يقول: من الذي أخرجكم من الجنة؟ إنما خرجتم من الجنة بسببي فلست كما تظنون. اذهبوا إلى غيري، إن ربي نهاني أن آكل من الشجرة فأكلت منها وعصيته، مع أنه يعلم أن الله قد غفر له، والذنب إذا غفر كأنه لا وجود له، ولكنه مقام الاستحياء من الله جل وعلا. وكذلك نوح ﵇ يقول: إني سألت ربي ما ليس لي به علم. اذهبوا إلى غيري، مع أنه يعلم أن الله قد غفر له ذلك. وكذلك إبراهيم ﵇ يعتذر عن أمور كان يجادل بها عن دين الله، وتعد من قبيل حسناته، ولكنه استحيا من ربه؛ لأنها ليست على ظاهرها، وكان فيها شيء من التعمية والتورية، وخشي أن تكون كذباً، وأن تكون ذنباً فاعتذر. وكذلك موسى ﵇ يعتذر بالقتل مع أن الله خاطبه وأعلمه بأنه قد غفر له، لما قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [الأعراف:١٥١]، فغفر الله له، إلا أنه مستح من الله تعالى أيضاً. فالمقام مقام عظيم جداً، فيستحيون من ربهم أنهم وقعوا في شيء من الذنوب وإن كان قد تاب عليهم، فهم أعظم الأولياء، وأقربهم إلى الله جل وعلا، وهؤلاء خلاصة الخلق الذين أخلصهم الله من بني آدم، فكيف بآحاد الناس ممن هم سوى الأنبياء؟! إن آحاد الناس قد يقع منه الذنب في اليوم عدة مرات، والذنوب قد تكون من قبل ذنوب القلوب التي هي أعظم من ذنوب الجوارح، فالحق أن ذنب القلب أعظم من ذنب الجارحة، مثل الحسد والغل والحقد على المسلمين أو بغضهم على باطل، أو حب على باطل، أو ما أشبه ذلك. كبائر القلوب تهلك، وهي كثيرة جداً، وكثير من الناس لا يبالي بها، وكثير منهم يجعل الغيبة نصيحة. والمقصود: أن الإنسان لا يقنط بسبب الذنب، في الصحيح: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، وهذا مقتضى أسماء الله، مثل الغفور والتواب والعفو. وليس عيباً أن الإنسان يذنب، ولكن العيب كونه يصر على ذنبه، وإلا فالله جل وعلا يحب التوابين، والتواب هو الرجاع كثير التوبة، وكثرة التوبة تدل على كثرة الذنوب، فكلما أذنب ذنباً تاب، وكون الإنسان يتصور أن فلاناً ليس له ذنوب هذا خطأ، لا يوجد أحد ليس له ذنوب, ولكن إذا كان الإنسان رجاعاً أواباً ينوب إلى ربه ويرجع إليه فهذا هو الكمال. [قوله: وفي رواية: (لا يجد أحد) هذه الرواية أخرجها البخاري في الأدب من صحيحه ولفظها: (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقد تقدم أن المحبة هنا: عبارة عما يجده المؤمن من اللذة والبهجة والسرور والإجلال والهيبة ولوازم ذلك، قال الشاعر: أهابك إجلالاً وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها]. هذا يخاطب امرأة يحبها، ولا يجوز أن يكون لمخلوق محبة مثل هذه، يقول: أهابك إجلالاً وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها فقال: ملء عين، والقلب يمتلئ، ولكن مثل هذا يجب أن يكون لله جل وعلا أن يهاب ويجل ويحب، أما إذا كان لمخلوق فهو عابد لذلك المخلوق، وبعض الناس يعبد شهوته فيكون حظه من العبادة لمخلوق مثله، ثم هذه المحبة تكون عداوة ولعنة فيما بعد, فكل واحد يلعن الآخر ويتبرأ منه يوم القيامة.

стр. 1187

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٧] إن من أعظم معالم الدين الإسلامي: المحبة في الله، وهي التي يرجى بها الأجر والثواب من الله ، لأنها لم تكن لأمر دنيوي، أو غرض شخصي. ومن المعالم أيضاً: الولاء لأولياء الله تعالى، والبراء من كل أعدائه ، وبهذا تنال ولاية الله، ولن يجد عبد طعم الإيمان -وإن كثرت صلاته وصومه- حتى يعقد الولاء لأولياء الله، والبراء من أعدائه.

стр. 1188

أثر ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله, وأبغض في الله, ووالى في الله, وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا, وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) رواه ابن جرير]. قال ابن عباس هذا وهو في آخر حياته ﵁، وقوله هذا بالنسبة لمن في وقته إلى ما كان عليه الصحابة زمن رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كانوا على جانب عظيم من محبة الله جل وعلا, ومن المؤاخاة في الله جل وعلا، قال عبد الله بن عمر: (ما كان أحدنا يرى أنه أحق بدرهمه من أخيه)، والله جل وعلا يقول في كتابه في وصفهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: أنهم يقدمون غيرهم على ما يحتاجونه، ويعطونهم إياه وهم بحاجة إليه، ولكنهم يطلبون رضوان الله جل وعلا، وقوله: (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يعني: ولو كان بهم الحاجة والفاقة إلى هذا الشيء, ومع ذلك يبذلونه حباً لطاعة الله جل وعلا وامتثال أمره، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتحابون في الله أعظم المحبة, وكانت موالاتهم في الله وليس لشيء آخر. وكذلك إذا أبغضوا أحداً فبغضهم لله، فيبغضون من كان عنده كفر أو فسق، فيبغضه الواحد منهم من أجل ذلك ولو كان قريبه، وهذا أمر لابد منه، وهو من واجب الإيمان؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، ومن أقرب من الابن والأب من الناس؟! فإذا كان عدواً لله فيجب أن تعاديه، ولا يكون بينك وبينه مودة، فالمودة إنما تكون لله جل وعلا، قال ابن عباس: ولا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولو كثرت صلاة الإنسان وصومه فلن يجد طعم الإيمان- حتى يحب لله، ويبغض لله، ويعادي لله، ويوالي لله. فالأصل ليس كثرة الصلاة والصوم، الأصل هو الحب الذي هو العبودية لله، فلابد للعبد أن يحب من يحبه الله ويبغض من يبغضه الله، هذا شيء لابد منه؛ لأن هذه فروع محبة الله، ولا يمكن أن يقول الإنسان: أنا أحب ربي، وهو يوالي عدو الله! مستحيل أن يدعي الإنسان المحبة ويكون حليفاً لعدوه، هذا لا يمكن؛ ولهذا حذرنا الله جل وعلا كثيراً من موالاة الكفار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وقد ذكر جل وعلا ما وقع من بعض الصحابة وهي واقعة قد يتصور الإنسان أنها سهلة وليست بشيء، ولكنها عظيمة جداً أنزل الله فيها قرآناً يتلى، وهي قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁, فلما أراد الرسول ﷺ أن يغزو قريشاً لما نقضوا العهد الذي بينهم وبينه، فدعى ربه: (اللهم عم عليهم أخبارنا حتى نبغتهم)، وصار يسأل عن الطرق التي في شمال المدينة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً أرسله إلى قريش فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش, أما بعد: فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش لا قبل لكم به. وهذا فيه إنذار بالواقع لهم، ومع ذلك جاءه الخبر من السماء بأن كتاباً أرسل مع امرأة, وهي في مكان كذا وكذا؛ فأمر ﷺ علي بن أبي طالب والزبير وقال: (ستجدان ظعينة في روضة خاخ معها كتاب فائتياني به). فذهبا فوجدا المرأة معها غنم, فسألاها الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قالا لها: والله ما كَذبنا ولا كُذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب -يعني: نجردك من ثيابك ونبحث, فالكتاب معك ولابد- فلما رأت الجد أخرجت الكتاب من عقيصتها -يعني: وضعت الكتاب في رأسها، وظفرت عليه شعرها- فأخرجته ودفعته إليهما. فدعاه الرسول ﷺ , وقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، والله ليس بي شك، وإني أعلم أن الله سينصرك، وأن هذا الكتاب لا ينفع قريشاً، ولكني رجل غريب في قريش, وكل من معك لهم أقارب في مكة، فأردت أن أتخذ عندهم يداً مع علمي أنه لا يضرك ولا يضر المسلمين، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فقال له ﷺ : (وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، عند ذلك ذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. والمقصود بهذه القضية: نزول قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١] إلى آخر الآيات، ثم ختمت السورة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]. فبدئت السورة بالنهي عن موالاة الكفار، وختمت بالنهي عن ذلك، وفيها: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]؛فلابد أن يكون لكم أسوة في هؤلاء الأكارم الأطايب، وأن تقولوا مثلما قالوا، وهذه من آخر ما نزل من السور.

стр. 1189

الولاء والبراء في الإسلام قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط. قوله: (من أحب في الله) أي: أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك. قوله: (وأبغض في الله) أي: أبغض من كفر بالله وأشرك به، وفسق عن طاعته؛ لأجل ما فعلوه مما يسخط الله وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. قوله: (ووالى في الله). هذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله تعالى، فمن أحب فيه, والى أولياءه, وعادى أهل معصيته وأبغضهم, وجاهد أعداءه, ونصر أنصاره. وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها، وبكمالها يكمل توحيد العبد، ويكون ضعفها على قدر ضعف محبة العبد لربه؛ فمقل ومستكثر ومحروم. قوله: (فإنما تنال ولاية الله بذلك) أي: توليه لعبده، و (ولاية) بفتح الواو لا غير, أي: الأخوة والمحبة والنصرة, وبالكسر الإمارة، والمراد هنا الأول، ولـ أحمد والطبراني عن النبي ﷺ قال: (لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله, ويبغض لله؛ فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية لله)، وفي حديث آخر: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله رواه الطبراني. قوله: (ولن يجد عبد طعم الإيمان) إلى آخره. أي: لا يحصل له ذوق الإيمان ولذته وسروره وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، أي: حتى يحب في الله, ويبغض في الله, ويعادي في الله, ويوالي فيه. وفي حديث أبي أمامة مرفوعاً: (من أحب لله, وأبغض لله, وأعطى لله, ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) رواه أبو داود. قوله: (وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا, وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) أي: لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة؛ حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان، وقد وقع ما أخبر به ﷺ بقوله: (بدأ الإسلام غريباً, وسيعود غريباً كما بدأ)، وقد كان الصحابة ﵃ من المهاجرين والأنصار في عهد نبيهم ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ﵄ يؤثر بعضهم بعضاً على نفسه؛ محبة في الله وتقرباً إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، وعن ابن عمر ﵄ قال: (لقد رأيتنا على عهد رسول الله ﷺ وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم) رواه ابن ماجة]. المؤمن يجب أن يكون ولياً لله جل وعلا، فقد والى الله جل وعلا بين عباده؛ حيث جعل بعضهم أولياء للرحمن وعباداً له، وبعضهم أولياء للشيطان وعباداً له، والفريقان بينهما معاداة ولابد, ولا يمكن أن تكون مصالحة بين أولياء الله وأعدائه من أولياء الشيطان، وقد بين ذلك جل وعلا في آيات كثيرة, وحذر من أن يركن المسلم المؤمن إلى الذين كفروا، فإنه إذا ركن إليهم مسته النار. والولاية هي المناصرة والمودة والإخاء، والمؤمن لا يكون مؤاخياً لعدو الله ولا مناصراً له ولا مساعداً، وكان الرسول ﷺ يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك أن يكون لفاجر علي منة فيوده قلبي)، فهو يسأل ربه ألا يكون هناك سبب من الأسباب التي قد تجلب المودة للفجار، الذين هم أعداء الله جل وعلا. وقد علم بالطبع والواقع أنه إذا كان الإنسان له صديق حميم, وهذا الصديق الحميم له عدو، فكونه يذهب يصادق عدوه فهذا منافٍِِ للمحبة، ولا يمكن وجود المحبة في مثل ذلك، بل تكون المقاطعة. وليس بين العباد وبين الله جل وعلا صلة أو نسب إلا بطاعته واتباع أمره واجتناب نهيه، وطاعته أن يكون المؤمن متولياً لله جل وعلا والمؤمنين، يتولى الله ورسوله والمؤمنين، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]، هذه هي الموالاة، والموالاة أن يكون الرجل موالياً للآخر ومحباً له ومساعداً له ومناصراً له، وليس للبغضاء والعداوة مدخل فيهم إلا إذا مالوا إلى الدنيا، وتركوا هذا المبدأ، عندها يأتي الشيطان. وسبق أن الحب لله والبغض لله تابع لمحبة الله جل وعلا، يكمل بكمال محبة العبد لله، ويضعف بضعف محبة العبد لربه جل وعلا، فكلما كانت محبة العبد لله جل وعلا أكمل فإنه يحب أهل طاعته أكثر، ويبغض أهل معاصيه ومخالفاته أكثر، وينفر منهم. فإذا وجدت من إنسان عدم المحبة للمؤمنين وأولياء الله, فمعنى ذلك: أن محبة الله لا وجود لها, أو أنها ضعيفة لا أثر لها، وكذلك بالعكس: إذا وجدت محبة أعدائه وموالاتهم، فإما أن تكون محبة الله معدومة عند الإنسان أو تكون ضعيفة ليس لها أثر، وإذا كانت ضعيفة قد تنفع وقد لا تنفع، وإذا رجع إلى ربه جل وعلا وتاب وأقلع عما هو فيه؛ فالله كريم، يقبل توبة عبده إذا تاب، أما إذا بقي على ذلك فهذه ظاهرة مخالفة لله جل وعلا، وكم جاء في القرآن التحذير من هذا، آثات كثيرة جداً، وتقدم أن من علامة ولاية الله أن يبغض العبد كل من كان عدواً لله ولو كان أباه أو ابنه أو زوجه أو أخاه. هذا لو كان أقرب الناس إليه فكيف بالأبعدين؟! فهذا أمر لازم، وليس هذا من باب الاستحباب بل الوجوب الذي هو من الإيمان بالله جل وعلا، ولهذا قال الله جل وعلا الإيمان وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].

стр. 1190

علاقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالولاء والبراء كل من خالف وارتكب معاصي الله جل وعلا عمداً فإنه ممن حاد الله، والإنسان حده أن يكون عبداً لله، فإذا خرج عن عبودية الله فقد خرج عن حده. فالطاعة لها حد، والمعصية لها حد، والشرع له حدود، فكلما كان الإنسان ممتثلاً لأمر الله جل وعلا فإنه واقف عند حدود الله، أي: أنه عبد لله تعالى ما فعل الواجب وترك المحرم، أما إذا فعل المحرمات وترك الواجبات فإنه قد ارتكب حدود الله، قال الرسول ﷺ : (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، الحدود هي التي حرمها الله، وجعلها علامات ظاهرة. وإذا كان الإنسان يصادق على المحرمات، ويوالي عليها؛ فمعنى ذلك أنه صار شبيهاً بالشيطان تماماً؛ لأن الشيطان خرج عن طاعة الله جل وعلا لمعصيته، وصار يدعو إلى المعصية، وينهى عن الطاعة. ومعلوم أن أمر الله جل وعلا الذي جاء به الرسول ﷺ ليس صعباً على النفوس إذا اهتدت وانقادت، وإنما يصعب عليها إذا كانت مطيعة للشيطان، ومتبعة لهواها، والواقع أنه سهل، ولكن هناك أمور يزينها الشيطان، كونه يقول: لم تعادي الناس، وتكثر عليك الأعداء؟ الأفضل أنك تكثر من الأصدقاء، أما كونك تعاديهم بأن تأمرهم بشيء يكرهونه أو تنهاهم عن شيء يحبونه، فهذا مما يجلب عداوتهم، قد يخوف الشيطان العبد بهذا، ويدعي أنك إذا أمرتهم أو نهيتهم أو أخبرتهم أنك تكرههم على هذا الشيء؛ أنهم يجلبون لك الأذى، وينتقمون منك. والناس في هذه الحياة لابد لهم من الأذى، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين؛ لأن هذه الحياة خلقت على الأكدار، ولهذا أخبر الله جل وعلا أن الناس إذا قالوا: آمنا، فإنهم يبتلون ويفتنون حتى يظهر صدق قولهم، ويكون صدقهم ظاهراً بارزاً، أو أنهم ينتكسون ويعرف أنهم غير صادقين، ولكن العاقبة في الدنيا والآخرة للمؤمنين، لكن لا بد أن يحصل الابتلاء أولاً، فقد يبتلى الإنسان بأهله وبأولاده، وقد يبتلى بوالده وبأخيه وقريبه، وقد يبتلى بالبعيدين، فيكون ذلك تمحيصاً وزيادة لحسناته، أو انتكاساً وفتنة، ولابد للإنسان أن يصبر على هذا، ويعلم أن الوقت ليس طويلاً، وأنه خارج من هذه الدنيا، ثم إذا كان الإنسان صابراً على أمر فإن الله يحمد عقباه، وإذا كان بخلاف ذلك يندم ندامة لا تفيد ولا تجدي.

стр. 1191

صفات المتحابين في الله تعالى يجب على الإنسان أن يكون عبداً لله جل وعلا، وعباد الله لهم صفات، منها: أنهم يتولون الله جل وعلا، ويفعلون أوامره، ويحبون أهل طاعته ويوالونهم، ويعادون أعداءه ويكرهونهم ويبغضونهم، ولا يكفي كون هذا في القلب، بل لابد أن يظهر على اللسان، وكذلك بالكلام، وكذلك بالفعل إذا أمكن. لذا جاء أن من أعظم ما يتقرب إليه الإنسان أن يعادي أعداء الله، وفي الأثر: (أن الله جل وعلا أمر بإهلاك قرية، فقال ملك لله جل وعلا: إن فيها عبدك فلاناً، قال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط) يعني: لم يغضب لله جل وعلا من المعاصي التي تقع في تلك القرية. وأخبرنا الرسول ﷺ أن بني إسرائيل لعنوا على لسان أنبيائهم؛ لأنهم كانوا إذا رأى أحدهم من يرتكب منكراً نهاه وقال: يا فلان! اتق الله، ثم لا يمنعه كونه رآه على منكر أن يكون جليسه وأكيله وصاحبه، فلما رأى الله جل وعلا فعلهم ذلك ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم، ثم قال ﷺ : (كلا والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليفعلن الله بكم كما فعل بهم). والأمر بالمعروف معناه: موالاة الله جل وعلا، ومعاداة أعدائه، وليس انتصاراً للنفس أو انتقاماً من الغير، هذا لا يجوز أن يكون، وإنما هذا اتباع لأمر الله، يفعل الإنسان ذلك لأن الله أمره بهذا، وهو يرجو هدايتهم ويفرح بذلك، فمعاداته على طريق صحيح، ليس لأجل هوى النفس أو انتقام أو لأنه من آل فلان أو من غيرهم، بل كل ما يكون من الحب والبغض هو لأجل امتثال أمر الله، ولأنه يحب الله ويحب طاعته، فمن اتصف بهذا أحبه ووالاه وصار عطوفاً عليه، وإن كان من أبعد الناس عنه نسباً، وإن كان بعكس بذلك كرهه وأبغضه، ويجب أن يظهر ذلك بفعله من قول وغيره، وليس معنى ذلك أنه يصبح مقاطعاً له مقاطعة كاملة بحيث لا يكون هناك بينهما أي معاملات، فالبيع والشراء والإيجار وما أشبه ذلك شيء آخر، يصح أن يكون بين الكافر والمؤمن وبين التقي والشقي؛ لأن هذه مبادلة بالمال، وليس لأحد فيها منة، وإنما الممنوع المؤاخاة والمصادقة والمودة التي تجلب الألفة، وليست لأجل مبادلة المال، فالمحبة لأجل الله جل وعلا لا يجوز أن تكون إلا بين المؤمنين فقط. وقد أخبر الله جل وعلا بالعاقبة إن لم يحصل هذا، وذلك لما أخبر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ثم أخبر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض، قال بعدها جل وعلا: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]، لما حصل ذلك من المؤمنين وجدت الفتنة والفساد الكبير، والفتنة فتنة في الدين، وانحراف عن الصراط المستقيم، وعند ذلك حري أن تقع عليهم العقوبة، وأن يصابوا بعذاب يغدقهم، والفتنة إذا جاءت لا تخص بل تعم؛ لأن الفساد العام العريض الكبير -مثل هذا- يعم، وإن كان في النتائج والنهايات كل محاسب على قدر نيته وعمله. ففي الصحيح أن النبي ﷺ أخبر أن جيشاً يغزو مكة، فإذا كانوا في بيداء من الأرض خسف بهم، ولا يبقى فيهم إلا من يخبر عنهم، فقالت عائشة: أيخسف بهم وفيهم أسواقهم؟ قال: (نعم يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم) يعني: يأخذهم العذاب عموماً، ثم بعد ذلك يحاسبون على نياتهم وأعمالهم، فمن هو عاجز وكاره لا يكون مثل الطائع القادر. والمقصود: أنه يجب على المؤمن أن يتميز بطاعة الله وبموالاة الله وموالاة المؤمنين ومودتهم، وبكراهة الكافرين وبغضهم ومعاداتهم، وهذه هي ملة إبراهيم التي جاء بها رسول الله ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا مصالحة ولا مودة بل بغض ومعاداة إلى أن يؤمن الكفار. أما قول الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، فهذا من الإحسان الدنيوي؛ إذا كان هناك من الكافرين من له صلة بك فلا مانع من أن تحسن إليه بالمال وغيره، وأما المودة فلا؛ ولهذا قال جل وعلا عن المودة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧]، فالمودة قد تكون منهم بأن يؤمنوا، أما المؤمن فلا يحصل منه مودة للكافرين أبداً إلا أن يزول منه الإيمان والعياذ بالله، قال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: أن هذا غير موجود، فمن وادّ الكفار فإيمانه إما ضعيف جداً أو منتفٍ، وإذا كان الإيمان ضعيفاً فلا أثر له، وحينها لا يمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي، ولا يحمله على فعل الطاعات، فيكون أثره ضعيفاً، وإنما الإيمان النافع الذي يمنع من ارتكاب المعاصي، ويحمل على فعل الطاعات، وهو الإيمان القوي.

стр. 1192

قوله تعالى: (وتقطعت بهم الأسباب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة] الأسباب التي تتقطع بهم يوم القيامة هي المودة، ومعلوم أن الناس ليس معهم حينئذ إلا أسباب العمل فقط، أما الأموال والمناصرات في الأمور التي تكون في الدنيا فهي منتهية، وكل الخلق يأتون الله فرادى كأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم، لا كسوة ولا نعال ولا طعام ولا أي شيء، يخرجون هكذا من بطون القبور عراة حفاة غرلاً، ولهذا يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، فأين شركاؤكم؟ وأين نصراؤكم؟ وأين أولياؤكم؟ كل واحد ليس معه إلا عمله: إن كان من الفجار والكفار فعمله كما قال الله جل وعلا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، وقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، الرماد إذا ذري في اليوم العاصف هل يمسك منه شيء؟! هذا دليل على أن المودة والإخاء إذا كان على غير طاعة الله فهي الأسباب التي تتقطع بهم، كما قال الله جل وعلا عن خليله إبراهيم ﵇: ((إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا))، الأوثان التي يتولونها ويعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥] هذه هي الحقيقة التي تكون يوم القيامة، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص:٦٢]، ماذا يقولون؟ يقولون: (ضلوا عنا) يعني ذهبوا فما ندري أين هم، ولا يوجد شركاء ينصرونهم، والشركاء هم الأولياء الذين يزعمون أنهم يتولونهم في الدنيا، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: الأموات، فهم الذين لا يستجيبون لأحد إلى يوم القيامة، وكذا الغائبين. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: يكفرون بهم ويقولون: كفرنا بقولكم وبدعوتكم وبعبادتكم، وتبرأنا إلى الله منكم، فماذا تكون حالتهم عندئذٍ؟ الذين كانوا يظنون أنهم سينفعونهم وسيشفعون لهم هم أسوء حالاً منهم، وهذه هي المودة والأسباب التي تتقطع، يقول ابن عباس في الأسباب: هي المودة، يعني: المودة التي على غير طاعة الله، كل مودة على معصية أو على غير طاعة الله فإنها تنقطع وتنتهي بل تكون عذاباً ووبالاً على أصحابها، أما الإخاء في الله والموالاة في الله فهذا الذي ينفع، كما قال جل وعلا: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، كل خليل عدو لخليله إذا كان في غير طاعة الله إلا المتقي الذي يحب لله ويوالي في الله؛ فإن هذا هو الذي يظله الله جل وعلا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه). هذا هو الذي يفيد وينفع أما ما عدا ذلك من المعاداة والموالاة فإنها تكون عداوة وبغضاء وحسرة وندامة، حتى إن الله أخبرنا بالحقائق التي تكون؛ فالداعي لهؤلاء يصبح خطيباً فيهم إذا اجتمعوا في جهنم، يقوم الشيطان يخطب فيهم بعد أن استقر أهل الجنة بالجنة، وأهل النار بالنار، يقوم الشيطان خطيباً في أصحابه وأتباعه وأوليائه فيقول في خطبته التي أخبرنا الله بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: ليس عندي حجة ولا برهان لما دعوتكم، إنما هي مجرد دعوى ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: مجرد دعوى خالية من الدليل، ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أرجعوا اللوم لأنفسكم؛ لأني ليس لي عليكم سلطان أقهركم به، ولكن أنتم لما سمعتم الدعوة استجبتم لها، وانقدتم إليها طواعية. ثم يقول: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما أنا بمغيثكم ولا مغني عنكم شيئاً ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] ولا أنتم تنفعوني، فكل واحد لا ينفع الثاني، ثم يقول: ﴿إني كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يكفر بطاعتهم وعباداتهم، ولهذا يقول الله في مثل الضال الكافر: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر:١٦]، وهذا هو الواقع، ويوم القيامة يتبرأ الأول من الثاني ويلعن كل واحد الآخر، ومع ذلك يقرن كل واحد مع شيطانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: كل واحد يزوج مع نظيره ويقرن معه حتى يتم العذاب لهما، وينظر إلى عدوه وبغيضه لأنه يصبح أعدى الأعداء وأبغض الأشياء إليه، فيقرن معه حتى يتم العذاب لهما بالحسرة؛ لأن الشر والخبث كله يجمع في جهنم. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة، هذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. قوله: (قال: المودة) أي: التي كانت بينهم في الدنيا خانتهم أحوج ما كانوا إليها]. يعني: المودة على معاصي الله هي التي تتقطع بهم وتخونهم أحوج ما كانوا إليها، وتصبح عليهم وبالاً.

стр. 1193

تبرؤ الكفرة من بعضهم يوم القيامة قال الشارح ﵀: [وتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]. قال العلامة ابن القيم في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦]: فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقهم ومناهجهم، وهم مخالفون لهم سالكين غير طريقهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم؛ فيتبرءون منهم يوم القيامة؛ فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله. وهذا حال كل من اتخذ من دون الله وليجة وأولياء؛ يوالي لهم، ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه. إذ لم يجرد موالاته ومعاداته وحبه وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله، فأبطل الله ذلك العمل كله، وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومودة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريده عبادته لله وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسول الله ﷺ تجريداً محضاً بريئاً من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلاً عن الشرك بينه وبين غيره، فضلاً عن تقديم قول غيره عليه. فهذا السبب هو الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخيته التي يجول ما يجول وإليها مرجعه، ولا تتحقق إلا بتجريده متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهذه هي الأعمال التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءً منثوراً، لا ينتفع منها أصحابها بشيء أصلاً، وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه ضائعاً، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم. انتهى ملخصاً]. معنى الآية: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) يقول: هؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، والتابعون كانوا على الضلالة، والآية أعم من هذا: فإذا كان المتبع على الهدى فإنه لا يرضى أن يكون تابعه يتبعه وهو على ضلالة، وفي الحقيقة أنه ليس تابعاً له وإنما هو تابع لهواه ونفسه، وإنما الآية ظاهرها: أن الكفار وعوامهم يتبرءون من سادتهم وقادتهم؛ لأنهم أتباعهم، ويتمنون أن يكون لهم رجعة فيتبرءون منهم، وكل واحد من الفريقين يتبرأ من الآخر، ويكفر به، فالآية نظير الآية التي في سورة العنكبوت وغيرها، يعني: أن كل رئيس في معصية الله، وكل من هو مرءوس؛ يصبح هذا عدواً للآخر متبرئاً منه، كما هو صريح قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥]، كل واحد يكفر بالثاني، وكل واحد يلعن الثاني، وليس بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، بل كلهم على طريقة واحدة. أما إذا كان المتبع قد اتبع من هو مهتدٍ ولكنه اتبعه على غير ما كان عليه من الهدى، فهذا أمر آخر، وقد يقع مثل هذا، وهو يشير إلى أنه وجد من المقلدين الذين يقلدون بعض العلماء، ويوالون على التقليد ويعادون عليه، وإذا قيل لهم: إن الرسول ﷺ يقول كذا، والله جل وعلا يقول كذا، قالوا: الإمام أعلم منكم، والإمام أدرى، لو كان هذا صحيحاً ما خالفه الإمام، فهو يشير إلى مثل هؤلاء، وهؤلاء قلة بالنسبة لما ذكره الله جل وعلا في الآية؛ لأن الآية عامة في الخلق كلهم، وكل الناس معروف أن بعضهم يتبع بعضاً، وهذه سنة متبعة، ولهذا يقول الكفار للرسل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: وجدناهم على ملة ودين ولن نترك ملتهم ولا دينهم، هؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك لما جاء موسى ﵇ إلى فرعون، قال فرعون لما حاجه في تجاهل العالم يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] لا أنه لا يعرف رب العالمين، بل يعرفه ولكن هذا جحود منه، فقال له: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء:٢٤] إلى أن قال فرعون: (فما بال القرون الأولى) يعني: الذين مضوا لماذا كانوا على الشرك والكفر؟ يعني: لنا فيهم قدوة وأسوة، فهذه حجة تدل على كثرة العالم الذين يكونون على هذه الطريقة، فهم الذين يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض.

стр. 1194

مسائل باب قول الله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)

стр. 1195

تفسير قوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل الأولى: تفسيره آية البقرة]. آية البقرة هي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، مضى أن معناها: أن من الناس من يحب حب الخوف والذل والخضوع كحب المخلوق، وهذا الحب والتعظيم والذل والعبودية لا يجوز أن يكون لمخلوق، فهم يحبونهم هذه المحبة التي تقتضي ذلهم وخضوعهم وتعظيمهم، وهذا الحب يجب أن يكون لله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥]، والند هو المثل والنظير ولو في صفة من الصفات، فيكون الند مماثلاً لنده من كل وجه، وجعلهم أنداداً لله لأنهم صاروا يحبونهم حباً كحب الله، ولهذا لما قال رجل للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟!) يعني: في الجمع بين مشيئة الله ومشيئته بالواو، والجمع بالواو يقتضي المساواة. فمن الشرك أن يلحق مخلوقاً من المخلوقات في شيء من حقوق الله التي يجب أن تكون له خالصة أو في صفة من صفاته، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد اتخذه نداً، وما زال الكلام على الآية.
следующие страницы →