Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
صفات المتحابين في الله تعالى
يجب على الإنسان أن يكون عبداً لله جل وعلا، وعباد الله لهم صفات، منها: أنهم يتولون الله جل وعلا، ويفعلون أوامره، ويحبون أهل طاعته ويوالونهم، ويعادون أعداءه ويكرهونهم ويبغضونهم، ولا يكفي كون هذا في القلب، بل لابد أن يظهر على اللسان، وكذلك بالكلام، وكذلك بالفعل إذا أمكن.
لذا جاء أن من أعظم ما يتقرب إليه الإنسان أن يعادي أعداء الله، وفي الأثر: (أن الله جل وعلا أمر بإهلاك قرية، فقال ملك لله جل وعلا: إن فيها عبدك فلاناً، قال: به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط) يعني: لم يغضب لله جل وعلا من المعاصي التي تقع في تلك القرية.
وأخبرنا الرسول ﷺ أن بني إسرائيل لعنوا على لسان أنبيائهم؛ لأنهم كانوا إذا رأى أحدهم من يرتكب منكراً نهاه وقال: يا فلان! اتق الله، ثم لا يمنعه كونه رآه على منكر أن يكون جليسه وأكيله وصاحبه، فلما رأى الله جل وعلا فعلهم ذلك ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم، ثم قال ﷺ : (كلا والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليفعلن الله بكم كما فعل بهم).
والأمر بالمعروف معناه: موالاة الله جل وعلا، ومعاداة أعدائه، وليس انتصاراً للنفس أو انتقاماً من الغير، هذا لا يجوز أن يكون، وإنما هذا اتباع لأمر الله، يفعل الإنسان ذلك لأن الله أمره بهذا، وهو يرجو هدايتهم ويفرح بذلك، فمعاداته على طريق صحيح، ليس لأجل هوى النفس أو انتقام أو لأنه من آل فلان أو من غيرهم، بل كل ما يكون من الحب والبغض هو لأجل امتثال أمر الله، ولأنه يحب الله ويحب طاعته، فمن اتصف بهذا أحبه ووالاه وصار عطوفاً عليه، وإن كان من أبعد الناس عنه نسباً، وإن كان بعكس بذلك كرهه وأبغضه، ويجب أن يظهر ذلك بفعله من قول وغيره، وليس معنى ذلك أنه يصبح مقاطعاً له مقاطعة كاملة بحيث لا يكون هناك بينهما أي معاملات، فالبيع والشراء والإيجار وما أشبه ذلك شيء آخر، يصح أن يكون بين الكافر والمؤمن وبين التقي والشقي؛ لأن هذه مبادلة بالمال، وليس لأحد فيها منة، وإنما الممنوع المؤاخاة والمصادقة والمودة التي تجلب الألفة، وليست لأجل مبادلة المال، فالمحبة لأجل الله جل وعلا لا يجوز أن تكون إلا بين المؤمنين فقط.
وقد أخبر الله جل وعلا بالعاقبة إن لم يحصل هذا، وذلك لما أخبر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ثم أخبر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض، قال بعدها جل وعلا: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]، لما حصل ذلك من المؤمنين وجدت الفتنة والفساد الكبير، والفتنة فتنة في الدين، وانحراف عن الصراط المستقيم، وعند ذلك حري أن تقع عليهم العقوبة، وأن يصابوا بعذاب يغدقهم، والفتنة إذا جاءت لا تخص بل تعم؛ لأن الفساد العام العريض الكبير -مثل هذا- يعم، وإن كان في النتائج والنهايات كل محاسب على قدر نيته وعمله.
ففي الصحيح أن النبي ﷺ أخبر أن جيشاً يغزو مكة، فإذا كانوا في بيداء من الأرض خسف بهم، ولا يبقى فيهم إلا من يخبر عنهم، فقالت عائشة: أيخسف بهم وفيهم أسواقهم؟ قال: (نعم يخسف بهم ثم يبعثون على نياتهم) يعني: يأخذهم العذاب عموماً، ثم بعد ذلك يحاسبون على نياتهم وأعمالهم، فمن هو عاجز وكاره لا يكون مثل الطائع القادر.
والمقصود: أنه يجب على المؤمن أن يتميز بطاعة الله وبموالاة الله وموالاة المؤمنين ومودتهم، وبكراهة الكافرين وبغضهم ومعاداتهم، وهذه هي ملة إبراهيم التي جاء بها رسول الله ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا مصالحة ولا مودة بل بغض ومعاداة إلى أن يؤمن الكفار.
أما قول الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، فهذا من الإحسان الدنيوي؛ إذا كان هناك من الكافرين من له صلة بك فلا مانع من أن تحسن إليه بالمال وغيره، وأما المودة فلا؛ ولهذا قال جل وعلا عن المودة: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة:٧]، فالمودة قد تكون منهم بأن يؤمنوا، أما المؤمن فلا يحصل منه مودة للكافرين أبداً إلا أن يزول منه الإيمان والعياذ بالله، قال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: أن هذا غير موجود، فمن وادّ الكفار فإيمانه إما ضعيف جداً أو منتفٍ، وإذا كان الإيمان ضعيفاً فلا أثر له، وحينها لا يمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي، ولا يحمله على فعل الطاعات، فيكون أثره ضعيفاً، وإنما الإيمان النافع الذي يمنع من ارتكاب المعاصي، ويحمل على فعل الطاعات، وهو الإيمان القوي.
стр. 1192
قوله تعالى: (وتقطعت بهم الأسباب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة] الأسباب التي تتقطع بهم يوم القيامة هي المودة، ومعلوم أن الناس ليس معهم حينئذ إلا أسباب العمل فقط، أما الأموال والمناصرات في الأمور التي تكون في الدنيا فهي منتهية، وكل الخلق يأتون الله فرادى كأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم، لا كسوة ولا نعال ولا طعام ولا أي شيء، يخرجون هكذا من بطون القبور عراة حفاة غرلاً، ولهذا يقول الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، فأين شركاؤكم؟ وأين نصراؤكم؟ وأين أولياؤكم؟ كل واحد ليس معه إلا عمله: إن كان من الفجار والكفار فعمله كما قال الله جل وعلا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، وقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، الرماد إذا ذري في اليوم العاصف هل يمسك منه شيء؟! هذا دليل على أن المودة والإخاء إذا كان على غير طاعة الله فهي الأسباب التي تتقطع بهم، كما قال الله جل وعلا عن خليله إبراهيم ﵇: ((إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا))، الأوثان التي يتولونها ويعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥] هذه هي الحقيقة التي تكون يوم القيامة، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص:٦٢]، ماذا يقولون؟ يقولون: (ضلوا عنا) يعني ذهبوا فما ندري أين هم، ولا يوجد شركاء ينصرونهم، والشركاء هم الأولياء الذين يزعمون أنهم يتولونهم في الدنيا، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: الأموات، فهم الذين لا يستجيبون لأحد إلى يوم القيامة، وكذا الغائبين.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: يكفرون بهم ويقولون: كفرنا بقولكم وبدعوتكم وبعبادتكم، وتبرأنا إلى الله منكم، فماذا تكون حالتهم عندئذٍ؟ الذين كانوا يظنون أنهم سينفعونهم وسيشفعون لهم هم أسوء حالاً منهم، وهذه هي المودة والأسباب التي تتقطع، يقول ابن عباس في الأسباب: هي المودة، يعني: المودة التي على غير طاعة الله، كل مودة على معصية أو على غير طاعة الله فإنها تنقطع وتنتهي بل تكون عذاباً ووبالاً على أصحابها، أما الإخاء في الله والموالاة في الله فهذا الذي ينفع، كما قال جل وعلا: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، كل خليل عدو لخليله إذا كان في غير طاعة الله إلا المتقي الذي يحب لله ويوالي في الله؛ فإن هذا هو الذي يظله الله جل وعلا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه).
هذا هو الذي يفيد وينفع أما ما عدا ذلك من المعاداة والموالاة فإنها تكون عداوة وبغضاء وحسرة وندامة، حتى إن الله أخبرنا بالحقائق التي تكون؛ فالداعي لهؤلاء يصبح خطيباً فيهم إذا اجتمعوا في جهنم، يقوم الشيطان يخطب فيهم بعد أن استقر أهل الجنة بالجنة، وأهل النار بالنار، يقوم الشيطان خطيباً في أصحابه وأتباعه وأوليائه فيقول في خطبته التي أخبرنا الله بها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: ليس عندي حجة ولا برهان لما دعوتكم، إنما هي مجرد دعوى ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: مجرد دعوى خالية من الدليل، ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أرجعوا اللوم لأنفسكم؛ لأني ليس لي عليكم سلطان أقهركم به، ولكن أنتم لما سمعتم الدعوة استجبتم لها، وانقدتم إليها طواعية.
ثم يقول: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما أنا بمغيثكم ولا مغني عنكم شيئاً ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] ولا أنتم تنفعوني، فكل واحد لا ينفع الثاني، ثم يقول: ﴿إني كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يكفر بطاعتهم وعباداتهم، ولهذا يقول الله في مثل الضال الكافر: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر:١٦]، وهذا هو الواقع، ويوم القيامة يتبرأ الأول من الثاني ويلعن كل واحد الآخر، ومع ذلك يقرن كل واحد مع شيطانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: كل واحد يزوج مع نظيره ويقرن معه حتى يتم العذاب لهما، وينظر إلى عدوه وبغيضه لأنه يصبح أعدى الأعداء وأبغض الأشياء إليه، فيقرن معه حتى يتم العذاب لهما بالحسرة؛ لأن الشر والخبث كله يجمع في جهنم.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، قال: المودة، هذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
قوله: (قال: المودة) أي: التي كانت بينهم في الدنيا خانتهم أحوج ما كانوا إليها].
يعني: المودة على معاصي الله هي التي تتقطع بهم وتخونهم أحوج ما كانوا إليها، وتصبح عليهم وبالاً.
стр. 1193
تبرؤ الكفرة من بعضهم يوم القيامة
قال الشارح ﵀: [وتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
قال العلامة ابن القيم في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦]: فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقهم ومناهجهم، وهم مخالفون لهم سالكين غير طريقهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم؛ فيتبرءون منهم يوم القيامة؛ فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله.
وهذا حال كل من اتخذ من دون الله وليجة وأولياء؛ يوالي لهم، ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه.
إذ لم يجرد موالاته ومعاداته وحبه وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله، فأبطل الله ذلك العمل كله، وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومودة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريده عبادته لله وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسول الله ﷺ تجريداً محضاً بريئاً من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلاً عن الشرك بينه وبين غيره، فضلاً عن تقديم قول غيره عليه.
فهذا السبب هو الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخيته التي يجول ما يجول وإليها مرجعه، ولا تتحقق إلا بتجريده متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهذه هي الأعمال التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءً منثوراً، لا ينتفع منها أصحابها بشيء أصلاً، وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه ضائعاً، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.
انتهى ملخصاً].
معنى الآية: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) يقول: هؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى، والتابعون كانوا على الضلالة، والآية أعم من هذا: فإذا كان المتبع على الهدى فإنه لا يرضى أن يكون تابعه يتبعه وهو على ضلالة، وفي الحقيقة أنه ليس تابعاً له وإنما هو تابع لهواه ونفسه، وإنما الآية ظاهرها: أن الكفار وعوامهم يتبرءون من سادتهم وقادتهم؛ لأنهم أتباعهم، ويتمنون أن يكون لهم رجعة فيتبرءون منهم، وكل واحد من الفريقين يتبرأ من الآخر، ويكفر به، فالآية نظير الآية التي في سورة العنكبوت وغيرها، يعني: أن كل رئيس في معصية الله، وكل من هو مرءوس؛ يصبح هذا عدواً للآخر متبرئاً منه، كما هو صريح قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥]، كل واحد يكفر بالثاني، وكل واحد يلعن الثاني، وليس بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، بل كلهم على طريقة واحدة.
أما إذا كان المتبع قد اتبع من هو مهتدٍ ولكنه اتبعه على غير ما كان عليه من الهدى، فهذا أمر آخر، وقد يقع مثل هذا، وهو يشير إلى أنه وجد من المقلدين الذين يقلدون بعض العلماء، ويوالون على التقليد ويعادون عليه، وإذا قيل لهم: إن الرسول ﷺ يقول كذا، والله جل وعلا يقول كذا، قالوا: الإمام أعلم منكم، والإمام أدرى، لو كان هذا صحيحاً ما خالفه الإمام، فهو يشير إلى مثل هؤلاء، وهؤلاء قلة بالنسبة لما ذكره الله جل وعلا في الآية؛ لأن الآية عامة في الخلق كلهم، وكل الناس معروف أن بعضهم يتبع بعضاً، وهذه سنة متبعة، ولهذا يقول الكفار للرسل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: وجدناهم على ملة ودين ولن نترك ملتهم ولا دينهم، هؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك لما جاء موسى ﵇ إلى فرعون، قال فرعون لما حاجه في تجاهل العالم يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] لا أنه لا يعرف رب العالمين، بل يعرفه ولكن هذا جحود منه، فقال له: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء:٢٤] إلى أن قال فرعون: (فما بال القرون الأولى) يعني: الذين مضوا لماذا كانوا على الشرك والكفر؟ يعني: لنا فيهم قدوة وأسوة، فهذه حجة تدل على كثرة العالم الذين يكونون على هذه الطريقة، فهم الذين يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض.
стр. 1194
مسائل باب قول الله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)
стр. 1195
تفسير قوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل الأولى: تفسيره آية البقرة].
آية البقرة هي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، مضى أن معناها: أن من الناس من يحب حب الخوف والذل والخضوع كحب المخلوق، وهذا الحب والتعظيم والذل والعبودية لا يجوز أن يكون لمخلوق، فهم يحبونهم هذه المحبة التي تقتضي ذلهم وخضوعهم وتعظيمهم، وهذا الحب يجب أن يكون لله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥]، والند هو المثل والنظير ولو في صفة من الصفات، فيكون الند مماثلاً لنده من كل وجه، وجعلهم أنداداً لله لأنهم صاروا يحبونهم حباً كحب الله، ولهذا لما قال رجل للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟!) يعني: في الجمع بين مشيئة الله ومشيئته بالواو، والجمع بالواو يقتضي المساواة.
فمن الشرك أن يلحق مخلوقاً من المخلوقات في شيء من حقوق الله التي يجب أن تكون له خالصة أو في صفة من صفاته، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد اتخذه نداً، وما زال الكلام على الآية.
стр. 1196
تفسير قوله: (قل إن كان آباؤكم)
[المسألة الثانية: تفسير آية براءة].
آية براءة وهي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، هذه الآية فيها: أن من رضي بالدنيا بما فيها مما ذكر من هذه الأصناف الثمانية: الآباء والأبناء والأزواج والأموال والتجارات والمساكن الطيبة الواسعة الفسيحة وغيرها، إذا كانت هذه الأمور أحب إلى الإنسان من الله ورسوله فلينتظر عذاب الله، فهذا وعيد معجل؛ لأنه قال: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي: من كان أولئك عنده أفضل وأحب من الله فهو من الفاسقين الخارجين عن طاعة الله جل وعلا، وهو مهدد بعذاب الله عاجلاً قبل الآجل.
стр. 1197
وجوب تقديم محبة النبي على كل محبة
[المسألة الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال].
يعني: أن تكون محبته مقدمة على محبة النفس والأهل والمال، وهذه المحبة محبة إيمانية، وهي تابعة لمحبة الله جل وعلا، وإذا كان الإنسان حبه لرسول الله ﷺ أقل من محبته لنفسه ولولده ووالده وللناس أجمعين؛ فهو لم يؤمن الإيمان الواجب الذي ينجيه من عذاب الله.
فإن كان ليس على هذه الصفة فلا يلزم أن يكون الإيمان منتهياً نهائياً، بل يجوز أن يكون عنده إيمان ناقص، ونقصه هذا يستلزم أن يعذب عليه إن لم يتب منه، وهذا يعني أن الذي لا يحب الرسول ﷺ أكثر من محبته لنفسه وماله وأكثر من محبته لولده ولزوجه ووالده وإخوته والناس أجمعين؛ أنه من أصحاب الكبائر، ويكون من الفسقة أصحاب المعاصي الذين يستوجبون عقاب الله، وهذا معناه: أنه ترك ما يجب عليه.
стр. 1198
نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام
[المسألة الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام].
نعم، لا يدل على الخروج من الإسلام، ولكنه يدل على نقص الإيمان الواجب، وذلك يقتضي أن يعذب على نقصه، وهذا مما يدل على أن الإنسان يكون كافراً، ولايلزم ذلك أن يكون مؤمناً، ولكن إيمانه ضعيف ناقص.
فما ارتكب المحرمات وترك الواجبات أو بعضها، إلا لضعف إيمانه، وإذا عفا الله جل وعلا عنه فهو فضله وإحسانه، وربما أخذه الله جل وعلا وعاقبه إن لم يتب من ذلك، ويرجع إلى ما أمره الله به، وتكون محبة الله جل وعلا هي أعظم شيء لديه؛ ثم تكون محبة الرسول ﷺ على هذه الصفة لأنها تابعة لمحبة الله، وتقدم أن علامة محبة الرسول ﷺ أن يكون الإنسان مقتفياً سنته، مبتعداً عما نهاه عنه.
стр. 1199
للإيمان حلاوة حقيقية
[المسألة الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها].
حقيقية وليست عقلية كما يقول بعض الناس، فالحلاوة حقيقية يجدها المؤمن، ويلتذ بها أعظم من الالتذاذ بالأكل والشرب الحسي؛ لأن التذاذ الروح والقلب أعظم من ذلك بكثير.
стр. 1200
الأعمال التي تنال بها ولاية الله
[المسألة السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها].
وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، وهي كلها تابعة لمحبة الله؛ لأنها لوازم ومكملات لمحبة الله، فهذه هي التي يتحصل بها العبد على ولاية الله وأما بغيرها فلا.
стр. 1201
عاقبة المؤاخاة على أمر الدنيا
[المسألة السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا].
يقصد قول ابن عباس: (وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً)، ويقصد بقوله: (على أمر الدنيا) الأموال والمشاركة فيها وما أشبه ذلك، ولكن المشكل إذا كانت المؤاخاة على المعاصي والبدع والكفر فهذه أعظم مما ذكره ابن عباس، ويوجد بكثرة أناس يتآخون ويتصاحبون على المعاصي، ويساعد بعضهم بعضاً عليها، ويؤز بعضهم بعضاً عليها، فهم من أشباه الشياطين، قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] يعني: تؤزهم على المعاصي والكفر بقوة وبسرعة وبلهف.
стр. 1202
نفع محبة الله وضرر محبة المشركين يوم القيامة
[المسألة الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦].
المسألة التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حباً شديداً].
هذا على القول الصحيح، فإنهم يحبون أندادهم كحب الله، يعني: أن الحب عندهم صار مقسماً بين الأنداد وبين الله، وهذا هو الشرك الذي حرم الله جل وعلا على صاحبه الجنة إذا مات عليه؛ لأن الحب يجب أن يكون لله، وليس هذا هو الحب الطبيعي.
وسبق أن قسمنا الحب إلى أقسام: منه ما هو حب خاص، وهو الذي يقتضي الذل والتعظيم والخضوع؛ فهذا يجب أن يكون لله وحده ولا يجوز أن يكون لغيره، وهذا هو الذي أشرك فيه المشركون؛ لأنهم يخافون من معبوداتهم، ويودونها، وينتصرون بها، ويطلبون نصرها، كما قال أبو سفيان لما كان مشركاً يوم أحد، لما انتهت الوقعة وصار يصوت بأعلى صوته: أفيكم فلان؟ أفيكم فلان؟ إلى أن قال: أعل هبل، أعل هبل، أعوذ بالله! فقال لهم الرسول: (أجيبوه، قالوا: ماذا نجيب؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، ثم قال: العزى لنا ولا عزى لكم.
هكذا يعتزون بأوثانهم وأصنامهم، وقال الرسول ﷺ : (أجيبوه، قالوا: ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم)، والعزى لا تفيد أحداً، فالمقصود أنهم كانوا يودونها ويعظمونها ويجعلون لها من الحب ما هو لله جل وعلا، ويحبون الله ولكن حبهم لله لا يفيدهم، وتوزيع حب الله بين الله وبين غيره من المخلوقات من الشرك الأكبر، وهذا الحب يجب أن يكون خالصاً لله ليس لأحد فيه شيء، والذي أوجبه جل وعلا هو حبه وحده محبة الذل والتعظيم والخضوع، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، وهذه الكلمة هي التي يدخل بها الإنسان الإسلام، ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، هذا إذا كان يعرف معناها وقالها بصدق.
[المسألة العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه].
لأنه قال جل وعلا: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فمن كانت هذه الثمانية أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فإنه متوعد بالعذاب العاجل، وهو الذي دل عليه قوله: (فتربصوا) يعني: انتظروا، (حتى يأتي الله بأمره) يعني: بعذابه الذي يصيبكم به، وكذلك هو من الفاسقين؛ لأنه قال جل وعلا: (والله لا يهدي القوم الفاسقين).
[المسألة الحادية عشرة: أن من اتخذ نداً تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر].
стр. 1203
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٨]
الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، والمشركون -قديماً وحديثاً- لم يخصلوا خوفهم لله تعالى، بل خافوا غيره كخوفهم إياه أو أشد، وذلك حينما عظم الشيطان في قلوبهم معبوداتهم، وخوفهم بها.
وما كان لمؤمن أن يخاف غير الله تعالى، أو أن يرتجف فؤاده من سواه، لأن الخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله.
أما عمارة المساجد فتكون حساً ومعنى: بإقامة بنيانها، وإقامة الطاعة فيها، ولا تقبل كلتا الإقامتين إلا فمن آمن بالله واليوم الآخر.
стр. 1204
بيان عظم الخوف من الله تعالى وأقسامه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]].
لما ذكر المؤلف ﵀ وجوب محبة لله جل وعلا، وأن حب العبادة يجب أن يكون خالصاً لله؛ ذكر أن من لوازم حب الله جل وعلا -حب العبادة والخضوع- أن يحب الإنسان ما يحبه الله، وأعظم ذلك حب الرسول ﷺ ، وذكر أن من لوازمه أيضاً: أن يبغض ما يبغضه الله من الأعيان والأفعال، كالأشخاص والمعاصي، ولما ذكر أن هذا واجب أراد أن يبين أن الخوف يجب أن يكون لله ومن الله وحده؛ لأن الخوف من أعظم المقامات -مقامات الإيمان- التي أوجبها الله جل وعلا؛ فيجب إخلاصه لله، ومن أشرك فيه مع الله غيره فإنه لا يكون مخلصاً في التوحيد، بل يكون توحيده ناقصاً - لذهاب كماله الواجب- أو معدوماً، ولهذا ذكر الآية: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] (إن) هنا: شرطية، والمعنى: إن كان عندكم إيمان يلزم أن تكون هذه صفتكم وهذا شأنكم.
كما قلنا: لما كان الخوف من أعظم مقامات الإيمان, وهو خصلة عظيمة وواجبة على الإنسان أراد المؤلف أن يبين وجوب إخلاصها لله، ولا يجوز أن يشرك معه فيه أحد من الخلق.
هذا مقصود الباب؛ لأن المؤلف ﵀ سبق أن ذكر أن التوحيد: هو معنى لا إله إلا الله، وبين معناها، وقال بعد ذلك: (وشرح هذا في الأبواب التي بعده)، أي: الأبواب التي جاءت في الكتاب هي شرح لتلك الترجمة؛ فمرة يذكر ما يجب من حقوق هذه الكلمة، ومرة يذكر ما هو خادش لمعناها، أو منافٍ لشيء من شروطها أو أركانها أو واجباتها.
والخوف من أركان لا إله إلا الله، ولهذا يقول العلماء: يجب على المسلم المؤمن أن يكون دائماً خائفاً من ربه، راجياً لرحمته، فالخوف عند المخالفة والتقصير، والله جل وعلا قد أثنى على عباده الذين يخافونه في آيات كثيرة.
قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، والمعنى: يخوفكم أولياءه، يعني: يعظمهم في صدوركم ويكبرهم، ويقول: إنهم ذوو بأس ولهم شدة، وعندهم قوة، ولهم كثرة وأنصار تخافونهم، هكذا يقول الشيطان، والله يقول: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)، و (إن) هنا كما سبق شرطية، يعني: إن كان الإيمان مستقراً في نفوسكم فلتمتثلوا هذا الأمر، ومعنى ذلك: أن من لم يكن خائفاً من الله جل وعلا، لا يكون عنده الإيمان الذي أوجبه الله جل وعلا، هذا معنى قوله: (إن كنتم مؤمنين).
ثم جاء في آيات كثيرة الثناء على الخائفين ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وكذلك يقول جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، ويقول: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] , والخشية هي: الخوف، وكذلك أخبر جل وعلا أن من كان يخاف ربه؛ فإن الله يجعل له من جميع ما يكيده مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
стр. 1205
أقسام الخوف ودرجاته
ذكر العلماء أن الخوف على أقسام ثلاثة، وبعضهم يجعلها أربعة:
стр. 1206
القسم الأول: الخوف مما يعبد من دون الله
هذا الخوف الذي يسمى: خوف غيبي، يخافه أي: يخاف شيئاً وهو غائباً عنه، لا يشاهده وليس حاضراً عنده، ولكن يخاف أن يصيبه بمصيبة مستقبلة، أو بألم في بدنه، أو بمصائب في ماله أو أهله، أو ما يستقبله من حياته.
وهذا يسمى خوف السر، ومعنى خوف السر: أنه يخافه لسر فيه، وأنه يأتي عقابه سراً، لا يأتي بجيوش ولا بدبابات ولا مدافع، يأتيه ويصيبه ولو كان في عقر بيته.
وهذا الخوف لا يجوز أن يكون إلا من الله وحده، وهو الذي ذكر الله جل وعلا أنه يقع من المشركين، ويقع من المشركين سابقاً ولاحقاً، فسواء زعموا أنها كرامة يعطيها الله جل وعلا بعض أوليائه، فيؤثر في قلب من يبغضه أو يخالفه، أو في بدنه أو ماله أو أهله، أو يصيبه بخبل أو ما أشبه ذلك، أو أن ذلك من باب الشفاعة: أن الوليّ يطلبه من ربه ويشفع فيه، ثم يصيبه به جل وعلا؛ لأنه خالف هذا الولي.
فهذا من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان يكون خالداً في النار، وهذا الذي أراد المؤلف أن يبين أنه لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا.
وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه عن أوليائه المرسلين أن المشركين خوفوهم بآلهتهم، كما قال جل وعلا في قصة إبراهيم: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام:٨٠]، وهذا يدل على أنهم خوفوه بشركائهم، ثم قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١]، ثم قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، أي: الذين آمنوا وأخلصوا إيمانهم وخوفهم لله جل وعلا، فلم يداخل إيمانهم وخوفهم ظلم - يعني: شرك - هم الحقيقون بالأمن والاهتداء.
وكذلك قال جل وعلا في قصة هود ﵇ عندما قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤]، يقولون له: إن ما أصابك هو بسبب بعض آلهتنا، فأصبحت تقول ما تقول، وتنهانا عما تنهانا عنه، فقال جواباً لهم: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦]، فتحداهم، وقال: اجتمعوا أنتم ومعبوداتكم، ثم كيدوني بما تستطيعون، ولا تتأخروا وعجلوا ذلك، فلن تستطيعوا؛ لأن وليي الله، وهكذا قالوا لنوح ﵇ بل وسائر الأنبياء، وقالوا لخاتم الرسل ﷺ ذلك أيضاً، فقال جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]، يعني: بما يشركون من أصنامهم، وهكذا المشركون اليوم، إذا نهيت الذين يعبدون الأولياء والأضرحة، قالوا لك: أما تخاف من الولي؟ فإذا نهيت عن الشرك أو أمرت بالتوحيد وبإخلاص الدعوة لله، والتوجه إليه، يخوفونك به وقالوا لك: يمكن أن يصيبك الولي بالعذاب؛ لأنك خالفته، وأنت تبغضه ولا تحبه، فطريقة المشركين طريقة واحدة، سواء في أول الزمان أم في آخره، فبعضهم يتابع بعض، فالله جل وعلا ذكر أن كل أمة كانت تخوف نبيها بمن يعبدونهم مع الله جل وعلا، ولهذا وجب أن يكون الخوف لله وحده، هذا قسم.
стр. 1207
القسم الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] وسبب نزول هذه الآية، كما قال ابن إسحاق وغيره من العلماء: أنه لما صارت واقعة أحد يوم السبت في منتصف شوال، ثم كان يوم الأحد في السادس عشر من شوال نادى منادي رسول الله ﷺ بالذهاب خلف قريش، وأنه لا يذهب خلفهم إلا من حضر الواقعة بالأمس؛ لأن الذين تخلفوا منافقون لا يحضرون مع الرسول ﷺ ، ولا خير فيهم ولا في حضورهم؛ فانتدب لها المسلمون فقط، وكان فيهم الجراحات والآلام؛ حتى إنه جاء أن أخوين من بني عبد الأشيم كان فيهم جراحاً كبيرة، فيقول أحدهم: فخرجت أنا وأخي وقلت: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا عجز حملته عقبة - يحمله على ظهره إذا عجز عن المسير - فساروا إلى أن بلغوا حمراء الأسد، فلما جاءوها ألقى الله جل وعلا الرعب في قلب أبي سفيان ومن معه من رسول الله ﷺ وجنده، فخافوا أن الرسول ﷺ يلحقهم، فلقيهم ركب يريدون المدينة ليشتروا منها طعاماً، فقال أبو سفيان لهم: بلغوا عني محمداً وأبدلكم رحائل جديدة يوم عكاظ، قالوا: نعم، قال: قولوا له: إن أبا سفيان يجمع لك الجموع، وأنه أسف على ترك المدينة، فإنه يقول: لا محمد قتلنا ولا الكواعب أردفنا، فقالوا: نعم، فمروا على رسول الله ﷺ وأصحابه وأخبروهم بهذا الخبر، فقالوا الصحابة: حسبنا الله ونعم الوكيل، أي: هو كافينا ولن نخاف هؤلاء، فنزلت الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥]، والمعنى: أن الشيطان يخوفكم بالكفار، فالخوف الذي يلقى في قلب المؤمن من الكفار من جراء تخويف الشيطان، والواجب أن يكون الخوف من الله وحده.
وهذا الخوف محرم؛ لأنه ترك ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس، وهو أيضاً نقص في الإيمان؛ لأنه نفث من الشيطان، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد وغيره أن الله جل وعلا يقول للعبد يوم القيامة: (ألم تر منكراً فلم تغيره ولم تنه عنه، فيقول: يا رب! خفت الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف)، وهذا السؤال سؤال عن واجب تركه، وقد يعاقب عليه.
وهذا النوع أقل من الذي قبله، أما الذي قبله فهو شرك أكبر، أما هذا فقد يصل بالإنسان إلى الشرك وقد لا يصل به إلى الشرك، ويكون قد ترك واجباً، إذا حمله خوف الناس على ترك الواجب، وهو نقص في توحيده وإيمانه، ويخشى أن يعاقب على تركه هذا الواجب.
стр. 1208
القسم الثالث: الخوف الطبيعي
الخوف الطبيعي: هو الذي يكون مطبوعاً عليه الإنسان في نفسه، كخوفه من السبع، والحية، وجدار أن يسقط عليه، أو ماء يغرق فيه، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا لا بأس به؛ لأن هذا أمر مطبوع عليه الإنسان، وليس هو مثل خوف السر الذي يجتمع فيه شيئان: الخوف والإجلال، وخوفه منه كان لسر فيه.
والواجب أن يخاف الإنسان من ربه، وأما الأسباب الظاهرة المؤدية للهلاك أو التلف فإنه لا يجوز له أن يلقي نفسه فيها ولا يجوز له أن يلقي نفسه في الأشياء الخطرة التي لا له عنها محيص ولا منجى، مثل: كونه يجلس تحت جدار مائل أو ما أشبه ذلك، أو كونه يلاقي السباع أو الحيات أو ما أشبه ذلك، ويقول: أنا لا أخاف، كما يحدث من بعض قاصري النظر أو الفكر.
كما ذكر ابن الجوزي ﵀: أن رجلاً من الصوفية -الذين يقولون: إنهم يتوكلون على الله ولا يخافون غيره- ذهب حاجاً ماشياً على سبيل التوكل، وليس معه زاد وراحله، يقول: فصادفته سباع في الطريق، فكأن نفسه خافت -الخوف الطبيعي الذي في النفوس- فعاد على نفسه باللوم، وقال: كيف تخافين، لابد أن أقصد هذه السباع في وسط الطريق، فحمل نفسه على ذلك، فما تحملت النفس ذلك، فعندما وصل إلى السباع ذهب عقله وسقط مغشياً عليه، فبقي كذلك إلى أن أيقظه حر الشمس، وقد تفرقت عنه السباع! ومثل هذا العمل لا يجوز.
والله جل وعلا أخبر عن موسى ﵇ أنه خرج من المدينة خائفاً يترقب من عدوه أن يدركه ويقتله، وهذا خوف طبيعي، وليس الخوف الذي يمكن أن يكون فيه نقص في توحيد الله جل وعلا، والمقصود: أن هذا النوع من الخوف لا ضير على الإنسان فيه إذا حصل.
стр. 1209
القسم الرابع: الخوف من عذاب الله
أما القسم الرابع الذي قسمه بعض العلماء من القسم الأول؛ حيث جعلوا قسماً منه أعلى مما ذكرنا، وهو الخوف من عذاب الله، فهذا أعلى المقامات والنسبة إليه -نسبة الذي ذكرنا إلى هذا- كنسبة الإيمان إلى الإحسان، والإحسان أعلى من الإيمان، ولهذا أثنى الله جل وعلا على الخائفين.
ففي هذه الآية يقول جل وعلا: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾، يعني: لا تخافوا الكفار، ولا يؤثر فيكم تخويف الشيطان وتعظيمه إياهم في نفوسكم ووسوسته لكم، واجعلوا خوفكم من الله وحده، فإنه يكفيكم ويحميكم إذا كنتم مؤمنين بخبر الله جل وعلا، وبما أرسل به رسوله ﷺ ، فيجب أن تتحلوا بذلك ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وبهذا يتبين أن ترك أمر من أمور الدين، مما أوجبه الله أو التقصير فيه خوفاً من الخلق أنه من تخويف الشيطان، وأنه يجب على المؤمن أن يمتثل أمر ربه جل وعلا ويجتنب نهيه، وإن اعترض عليه من يعترض من الناس فإنه لا يخافه، بل يجب أن يكون الخوف من الله وحده، فإن ترك واجباً مما أوجبه الله، أو فعل محرماً مما حرمه الله خوفاً من الناس؛ فإن هذا يكون نقصاً في الإيمان والتوحيد وقدحاً فيهما، وربما كان دليلاً في النهاية على زوال الإيمان، كما تدل عليه الآية: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقد يكون دليلاً على ضعفه.
стр. 1210
خوف السر الواقع من عباد القبور
قال الشارح رحمه الله تعالى: [الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير.
والخوف من حيث هو على ثلاثة أقسام: أحدها: خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله، من وثن أو طاغوت أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى عن قوم هود ﵇ أنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]].
معروف عند عباد الأولياء والقبور ما يسمى بخوف السر، أي: أن صاحب القبر فيه سر، فمن قدم له طاعة ونذوراً نفعه سره وجاءه النفع منه، ومن لم يفعل ذلك فإن سره يضره، وقد يميته أو يمرضه أو يفقره، أو يميت أولاده وما أشبه ذلك، هكذا يتصورونه.
والمعنى: أنه خوف غيبي؛ فهو يخافه وهو غائب عنه، وهذا المخوف إما غائب مجهول، وإما في بلد آخر، وإما أنه مما لا يسمع الكلام كشجرة العزى أو حجر كاللات ومناة، أو غير ذلك من المعبودات التي تعبد، ولولا أنهم يرجون نفعها ويخافون ضرها ما عبدوها وما قدموا لها.
وذكر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنه قال لما كان في الشرك: أرسلني أهلي بلبن وزبد للصنم، وكنت محتاجاً له، ولكن منعني خوف الآلهة أن آكل منها شيئاً، فجئت ووضعتها عنده، فجاء الثعلب فأكلها وشربها، ثم بال عليه.
سبحان الله! كيف ينطلي على عقل الإنسان أن يخاف حجراً أو شجرة، ويقدم لها ما يقدم؟ وهكذا فعل بعض شباب الأنصار في أحد ساداتهم لما تأخر إسلامه، وهو عمرو بن الجموح حين كان له صنم، فكانوا يجتمعون في الليل، فيأتون الصنم وينكسونه على رأسه، ثم إذا جاء الصباح أخذه ومسح عنه الغبار، وقال: لو أعلم من صنع بك هذا لفعلت به كذا وكذا، وفي الليلة الأخرى جاءوا وألقوه في مزبلة منكساً، فجاء وغسله، وقال: لو أعلم من صنع بك هذا لفعلت به كذا وكذا، وفي الليلة التي تليها جاءوا ونكسوه وربطوا فيه كلباً ميتاً، ثم جاء ونظر إلى حالته وفكر في نفسه، قال: والله إنه لهين! ما قيمة هذا الإله الذي يربط به كلب، ويلقى في المزبلة في النجاسات والقاذورات؟! هل هذا يجوز أن يعبد؟! فانتبه وهداه الله جل وعلا.
عقول سخيفة لعب عليها الشيطان، فصارت تخاف إما من ميت مقبور تحت الثرى، لا يستطيع أن يمتنع من الديدان التي تمزق بدنه، ولا يستطيع أن يضع من صحيفة سيئاته سيئة واحدة، ولا أن يضيف إلى صحيفة حسناته حسنة واحدة.
فالحي أقدر منه على الاستغفار والعمل وغير ذلك، وأما ذاك فهو مرتهن بعمله، فكيف يرجى؟ وكيف يخاف؟ وكيف يتجه إليه؟ لولا أن الشيطان يلعب على الإنسان ويفسد عقله، ويأتيه بالأمور التي تكون عنده معظمة، مثل أن فلاناً وفلاناً يعمل هذا، وأن فلاناً عمل هذا وصار له كذا وصار له كذا، وهكذا الذين يعبدون الأولياء عمدتهم كلها خرافات، إما منامات يأتي بها الشيطان، أو حكايات مكذوبة لا أصل لها، أو توهمات يوهمهم إياها الشيطان.
ولهذا يذكر الله جل وعلا أنه ليس لهم على ذلك من دليل ولا برهان بل الأدلة والبراهين على خلاف ذلك، والمقصود: أن خوف السر يعني به الخوف الغيبي، فهو يخاف منه وهو غائب عنه ليس حاضراً، إما أن يكون مدفوناً، أو لا يسمع، أو بعيداً في بلد آخر، أو أنه في بيته معلقاً عليه بابه ويخاف أنه يصيبه شيء إذا خالف معبوده، كما هو الواقع من المشركين قديماً وحديثاً، والشرك وإن اختلفت أساليبه وأسبابه فهو شيء واحد.
стр. 1211
الخوف من أولياء الشيطان
قال الشارح ﵀: [وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]، وهذا هو الواقع من عباد القبور ونحوها من الأوثان، يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها، وأمروا بإخلاص العبادة لله، وهذا ينافي التوحيد.
الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفاً من بعض الناس، فهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد].
أي: المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لأن كمال الإيمان نوعان: كمال واجب، وكمال مستحب.
فالكمال المستحب قد لا يصل إليه أكثر الناس، ولكن الواجب يتعين على كل فرد أن يفعله، وهذا من الكمال الواجب، وإذا فقد الكمال الواجب صار الإنسان من أهل الكبائر، من أصحاب الكبائر المعرضين للعذاب.
قال الشارح: [وهذا هو سبب نزول هذه الآية، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥]، وفي الحديث: (إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر ألا تغيره؟ فيقول: رب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى).
الثالث: الخوف الطبيعي: وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك، فهذا لا يذم، كما قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١].
ومعنى قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، أي: يخوفكم أولياءه، (فلا تخافوهم وخافون)، وهذا نهى من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم على الله، فلا يخافون إلا إياه، وهذا هو الإخلاص الذي أمر به عباده ورضيه منهم].
يعني: يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه هم الكفار والفجار والعصاة، ومعنى ذلك: أنه يجعل لأوليائه في صدوركم مقاماً، ويعظمهم ويجلهم في نفوسكم، هكذا يوسوس الشيطان في الصدور والواقع خلاف ذلك.
والواجب على الإنسان ألا يخاف إلا من ربه جل وعلا، وإذا خاف الله ولم يخف الناس كفاه الله جل وعلا الناس كلهم، كما قال الرسول ﷺ : (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك بشيء، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك بشيء).
стр. 1212
معنى قوله: (وقالوا حسبنا الله)
قوله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، الحسب: هو الكافي، يعني: أننا نكتفي بالله ونعتصم به، ونعم الكافي ونعم من يتوكل عليه؛ فإن من استكفى به وتوكل عليه لن يصل إليه عدو، ولن يضره شيء.
أما الأقدار التي يقدرها الله جل وعلا على الإنسان فلابد من نفاذها وحصولها، ولكن لا يكون ذلك بسبب فعل الواجب الذي أوجبه الله أو اجتناب المحرم الذي حرمه الله، لكنه شيء أراده الله جل وعلا إما تمحيصاً للذنوب أو زيادة في الحسنات للمؤمن؛ فإذا أصيب المؤمن بأذى من عدوه؛ فلا يخلو: إما أن يكون ذلك رفعاً لدرجاته وزيادة في حسناته، أو تكفيراً لسيئاته وتمحيصاً لما صنع وفعل.
وهو في كلا الحالتين على خير، ولا يكون المؤمن إلا على هذه الطريقة، فإن أصابته النعمة فهي من الله، وإن أصابه شيء من النقم فهو بسبب ذنوبه أو أيضاً نعمة: ترفع بها درجاته يوم القيامة ويزاد في حسناته.
وقد جاء أن العبد يكون له الدرجة عند الله لا يصلها بعمله، فيبتليه الله جل وعلا بالمصائب؛ حتى يصل إليها بسبب ذلك.
وجاء عن ابن عباس أنه قال: (قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل)؛ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ومعنى ذلك: أن هذا قول أفضل الرسل، وكلاهما خليل لله جل وعلا: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، والخلة هي غاية المحبة ونهايتها، وليس كما يقول بعض قاصري المعرفة: إن إبراهيم خليل الرحمن ومحمد حبيبه، وأن المحبة أبلغ.
كلا هذا ليس بصحيح، بل الخلة أعلى وأجل، ولهذا كان يقول ﷺ : (لو اتخذت منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) يعني: نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ومن كان خليله الرحمن جل وعلا لا يتخذ من الخلق خليلاً.
قال الشارح: [فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة أعطاهم ما يرجون، وأمنهم من مخاوف الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦].
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن كيد عدو الله: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم.
قال: والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه.
قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، فكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم، فدلت هذه الآية: على أن إخلاص الخوف من شروط الإيمان].
стр. 1213
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
أخبر تعالى: أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم].
معلوم أن سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن، فإنها نزلت في غزوة تبوك في السنة التاسعة، وفيها ما هو متقدم نزوله، فبعض آياتها نزل متقدماً، وبعضها نزلت متأخرة، ثم يأمر الرسول ﷺ بوضعها في المكان المناسب، فالمشركون افتخروا بأنهم أهل البيت وأنهم عُمَّاره، أي: يقومون على صيانته ونظافته وإكرام من يثب إليهم، فيقولون: هذا أفضل من كونكم اتبعتم الرسول.
فأخبر الله جل وعلا أن عمارة المسجد لا تحصل من المشرك، وإنما تحصل ممن آمن بالله واليوم الآخر، أما المشرك الكافر فعمله (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئاً)، أو: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] لا يقدر عليه، وإذا عمل شيء فإن الله يجعله هباءً منثوراً؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون العامل مؤمناً: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢]، أما إذا كان كافراً فأي عمل يعمله فإنه لا ينفع ولا يجدي؛ لأن الأساس فاسد.
وكذلك يجب أن يكون العمل على وفق أمر الله، لا على هوى النفس، أو كونه وجد آباءه يعظمون هذا الشيء ويعملونه، فصار يعمله ويفتخر به، هذا لا يجدي شيئاً ولا ينفع.
وأخبر جل وعلا أن الذي يعمر المساجد هو المؤمن، وعمارتها بالطاعة والتقوى، وبعبادة الله فيها بالتوحيد وإخلاص العمل له.
هذه عمارتها.
ولهذا كان مسجد الرسول ﷺ -في وقته- أعمدته جذوع النخل، وسقفه جريد النخل، وإذا جاء المطر يغرق المسجد، ثم يسجد الرسول ﷺ على الماء والطين، ويصبح أثره في وجهه، وهو معمور أعظم العمارة؛ لأنه يعبد فيه الله جل وعلا، ويطاع ويمتثل أمره، وينتهى عن نهيه.
إذاً: المقصود بعمارة المساجد: أن يطاع الله فيها، وتقام شعائر الدين، وينطلق منها الجهاد، أما المشركون فليسوا أهلاً لذلك، ولو قدر أنهم يبنونها، أو يقدمون نفعاً لمن يقصدها أو ما أشبه ذلك كما كانت قريش تفعل، فقد كانوا يسقون الحجيج، ويقدمون لهم الكسوة ويعملون في خدمتهم، ولذلك قالوا: إنهم أفضل من أتباع رسول الله ﷺ ، فالآية نزلت لما افتخروا بذلك، وأخبر الله جل وعلا أن هذا لا يحصل منهم، وأنه ليس كما يقولون، وإنما عمارة المساجد تكون لمن آمن بالله واليوم الآخر، واتبع الرسول ﷺ ، وسواء كانت العمارة عمارة بالبناء وصيانة المساجد أو بالطاعة، فكلها مما يحبه الله ويأمر به، ولهذا جاء أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، يعني وإن كان صغيراً يبني الله جل وعلا له بيتاً في الجنة، ومعلوم أنه من شرط العمل أن يكون خالصاً لله، وأن يكون على وفق سنة المصطفى ﷺ كل عمل لابد له من هذين الشرطين حتى ينفع، أما إذا دخل في العمل إرادة الدنيا أو وجوه الناس أو غير ذلك فهو لا ينفع ولا يفيد عند الله.
فإذاً: العمارة تشمل عمارة المسجد بطاعة الله جل وعلا، وتشمل عمارته الفعلية بالبناء والصيانة، وهذه كلها من عمارة المساجد، وجاء في الحديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)، أي: يتردد عليها لأداء العبادة لله جل وعلا فيها.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [أخبر تعالى أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا له الخشية دون من سواه، ثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل فعمله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، أو ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وما كان كذلك فالعدم خير منه، فلا تكون المساجد عامرة إلا بالإيمان الذي معظمه التوحيد مع العمل الصالح الخالص من شوائب الشرك والبدع، وذلك كله داخل في مسمى الإيمان المطلق عند أهل السنة والجماعة].
إذا قيل: الإيمان المطلق فمعناه: الكامل، وإذا قيل مطلق الإيمان، فهو: الإيمان الناقص.
فالكمال المطلق للإيمان المطلق، بمعني أنه يشمل جميع فعل الواجبات والمستحبات، وترك جميع المحرمات مع المكروهات، وهذا هو الصواب عند أهل السنة: بأنه لابد من القول باللسان، ولابد من عقيدة القلب -أعني: علم القلب ومعرفته- ولابد من عمل الجوارح.
كل هذا من الإيمان، فالإيمان إذاً يكون مركباً من أمور ثلاثة: عمل اللسان الذي هو قول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولا يكون الإنسان مؤمناً إلا بهذا، هذا مبدأ الإيمان.
ثم لابد أن يعرف معنى هذه الكلمة، فيعتقد قلبه ما دلت عليه، ثم لابد أن ينبعث من القلب ما يدعوه إلى فعل الواجبات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم وغير ذلك.
أما أن يأتي بقول: (لا إله إلا الله)، ثم لا يصلي، ولا يزكي، ولا يصوم ولا يفعل شيئاً من الواجبات؛ فهذا لا يكون مؤمناً؛ أو أنه قال بلسانه، وقلبه يعتقد خلاف ذلك؛ فهذا يكون منافقاً، والمنافق يكون في الدرك الأسفل من النار.
فمقصود الشرع في ذلك: أن يبين أن قول أهل البدع مثل قول المرجئة: إن الإيمان هو مجرد المعرفة، أو أنه قول اللسان فقط، باطل، أما الأول: فيلزم منه أن يكون الشيطان مؤمناً، لأن الشيطان يعلم ويعرف ربه، ولكنه كفر بعد المعرفة، فليست معرفة القلب كافية ولا نافعة إلا إذا وافق معرفة القلب العمل والقول، وأما الثاني: فيلزم منه إيمان المنافقين.
فإذاً: الأعمال من الإيمان، والأعمال يدخل فيها قول اللسان من الشهادة ومن الذكر والتلاوة والتسبيح والتكبير، وأعمال الجوارح وجميع الأعمال، وكلها إيمان، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، والإيمان هنا المقصود به الصلاة التي صليت إلى الشام، لا يضيعها الله عليكم بل يجزيكم بها.
قال الشارح: [قوله: (ولم يخش إلا الله)، قال ابن عطية: يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.
وقال ابن القيم ﵀: الخوف عبودية القلب؛ فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب.
قوله: ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (يقول: إن أولئك هم المهتدون، وكل (عسى) في القرآن فهي واجبة)].
السبب في هذا: أن (عسى) من أدوات الترجي، فعسى أن يكون كذا، يعني: يرجى أن يكون كذا، وهذا يكون لمن لا يعرف العواقب، أما رب العالمين جل وعلا فإنه لا يخفى عليه شيء، فإذا جاءت عسى في كلامه فمعناها أنها واقعة، ولهذا قالوا: عسى من الله واجبة، وعسى من الله حق، يعني إذا قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فسوف يبعثه المقام المحمود، فهو خبر، وليست على بابها من الترجي؛ لأن الله جل وعلا يعلم ذلك ويخبر عما سيقع، إلا أن الكلام جاء على أسلوب العرب؛ لأنه بلغتهم، فخاطبهم بلغتهم التي يعرفونها، وقد علم المقصود.
فالله جل وعلا يعلم ما يكون، وأنه سوف يكون على كذا وكذا، ولا يمكن أن يتجاوز علمه شيء، ولهذا يخبرنا جل وعلا عن الشيء الذي لا يكون لو كان كيف يكون، كما قال جل وعلا عن الكفار الذين في النار، حينما يتمنون، أنهم يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧]، يقولون هذا وهم في النار، ليتنا نرد إلى الدنيا فنؤمن بآيات ربنا وبرسله، ونتقي ونعمل العمل الصالح، فماذا قال الله جل وعلا؟ قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وهذا لن يحصل، ولكن لو قدر أنه يحصل فسوف يكونون على كفرهم السابق، فالله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، ولهذا السبب قالوا: إن (عسى) من الله واجبة.
قال الشارح: [وفي الحديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) [التوبة:١٨])، رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري].
стр. 1214
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٨٩]
هناك أناس ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم، إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا، كأن يؤذوا في الله، جعلوا ما جاءهم من أذى وفتنة كعذاب الله، فانتكسوا وارتدوا على أعقابهم.
وهؤلاء هم الذين يرضون الناس بسخط الله، ويحمدون الناس على رزق الله، ويذمونهم على ما لم يؤتهم الله.
والذي دعاهم إلى ذلك عدم خوفهم من الله وإخلاصهم له في ذلك.
стр. 1215
فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]].
هذه الآية يخبر الله جل وعلا فيها: أن الناس إذا جاءهم رسول انقسموا إلى قسمين: قسم يقول: آمنا، وقسم يقول: كفرنا، والذي يقول: كفرنا ليس بمعجز لله جل وعلا، بل سوف يأخذه ويعذبه، وهو هين عند الله لا يساوي شيئاً، والذين قالوا: آمنا، لابد من ابتلائهم واختبارهم، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، والفتنة المقصود بها هنا: الاختبار والامتحان، والاختبار يكون بالأوامر والنواهي، ويكون كذلك بمعاداة أكثر الناس وله؛ القريب منهم والبعيد، ومثل هذا يكون صعباً على النفوس.
وهذا هو الامتحان والابتلاء، فمن الناس من يصبر ويتحمل الأذى في هذا السبيل ولا يبالي، يؤذونه ويعيرونه ويتخذون معه كل طرق الصد، فيزداد بذلك قوة وإيماناً وعزة ويقيناً، ومنهم من ينتكس ويجعل أذية الناس وعذابهم كعذاب الله، ويستعجل العافية ويقول: ما لي ولمعاداة الناس، وتحمل عذابهم، ومقابلتهم بالقتال وبالأمر والنهي، آمرهم وأنهاهم وهم يتسلطون علي بالأذى وبالمحاربة وبغير ذلك، فينتكس، فيكون مستعجلاً للعذاب العاجل ومستأجلاً للعذاب الآجل.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت في قلوبهم: إنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها من نقمة الله بهم؛ فارتدوا عن الإسلام، قال ابن عباس ﵄: (يعني: فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا؛ فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه.
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه، وابتلي بما يؤلمه، ومن لم يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة وحصل له ما يؤلمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوم من ألم أتباعهم، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت، أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير في الألم الدائم، والإنسان لابد أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات؛ فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له العذاب تارة منهم وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقىً حلَّ بين قوم فجار ظلمة لا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلابد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم.
فالحزم كل الحزم بما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لـ معاوية ﵁: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً)؛ فمن هداه الله وألهمه رشده، ووقاه شر نفسه، امتنع من الموافقة على فعل المحرم وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم.
ثم أخبر تعالى عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة: أنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له، وهي أذاهم ونيلهم إياه بالمكروه، وهو الألم الذي لابد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم جعل ذلك -في فراره منه وتركه السبب الذي يناله به- كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان.
فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قرب، وهذا لضعف بصيرته، فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس في الفرار منه بمنزلة عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم والله أعلم بما انطوى عليه صدره من النفاق.
انتهى].
стр. 1216
اختبار الله لعباده بالابتلاءات الدنيوية
من المعلوم أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وعمل، وليست دار نعيم وبقاء، وجعلها الله جل وعلا مزرعة للآخرة، فمن قدم فيها خيراً وصبر وصابر، وتعلق بربه جل وعلا، ودافع بذلك كل ما يرد عليه من موارد الشيطان وأعوانه، فإن الله جل وعلا يجعل له عوناً من نفسه ومن غير نفسه على ذلك، ثم ما هي إلا فترة بسيطة وينتهي وينسى كل ما مر عليه.
ولا يتصور الإنسان أن هذه الدنيا سالمة من كل أذى لابد أن يحصل الأذى لكل أحد في هذه الدار، سواء كان من المؤمنين أو من الكافرين الفاجرين، ثم في النهاية يموت، ولكن الله جل وعلا وضع في الإنسان عقلاً وفكراً، وجعل له إرادة وقوة، ثم بين له جل وعلا الأمر الذي يلزمه، والأمر الذي يجب أن يمتنع عنه، وجعل لذلك أسبابه وعلاماته، فللصبر أسباب وللجزع أسباب، وللإيمان أسباب وللكفر أسباب، وكلها يقدم عليها الإنسان وهو راضٍ بها وعارف، فيصبح اللوم عليه؛ لأنه يفعل ذلك بإرادته وقوته.
ومعلوم أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه، وعبادته هي امتثال أمره ونهيه، وكثيراً ما يكون أمر الله جل وعلا ثقيلاً وشاقاً على كثير من نفوس الناس، فإذا جاءه أمر الله استثقله.
ثم هناك مثبطات من شياطين الجن والإنس، أما شياطين الجن: فيتعرضون لك بكل ما يستطيعون حتى لا يفعل أمر الله، وذلك إما بالوسوسة أو بالوعد والوعيد أو بالتمني أو بالتزيين أو بغير ذلك.
أما إن كان من شياطين الإنس: فهو أنكى وأشد وذلك يقع إما بالفعل، وإما بالقول والتهديد، وإما بالسخرية والاستهزاء، أو بغير ذلك كما هو واقع الناس اليوم، فإن كان نظره قصيراً وبصيرته عمياء؛ فإنه لا يستطيع أن يمضي في أمر الله جل وعلا، ولاسيما إذا كان إيمانه ضعيفاً، فلابد من أن يتعثر، فإما أن ينتكس نهائياً ويصبح مع عدوه، أو يصبح موافقاً له في الظاهر، ونفسه تطالبه أن يفعل أمر الله جل وعلا ويجتنب نهيه.
وهذا قد ينجو وقد يعاقب قد ينجو في النهاية إذا من الله عليه بالتوبة والرجوع إليه، وقد يهلك مع الهالكين إذا لم تتداركه عناية الله؛ فإن المؤمن لابد أن يتميز بطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله.
فهذه من الأمور التي لا ينفك عنها الناس، بل قد يبتلى حتى من أهله وأولاده وأقاربه فضلاً عن البعيدين، بل قد يصاب في نفسه: إما بمرض أو بفقر، أو بمصائب تكون في ماله أو أهله أو ولده أو غير ذلك، لابد من البلوى فينظر الله هل يصبر، أو ينتكس ولا يصبر؟ وكثيراً ما نسمع من بعض الذين أصيبوا بمرض أو بغير ذلك تضجرهم وتوجعهم، ولو أمكنهم لصرحوا بالشكوى من الله أنه ظلمهم، ولهذا تجد أحدهم يقول: أنا لا أدري ماذا صنعت؟ أنا أصلي، وهذه المصيبة لا أدري من أين جاءتني؟ فكأنه يقول: إني أصبت بشيء لا أستحقه.
وهذه من البلوى التي يصاب بها كثير من الناس، لينظر الله هل يصبر؟ هل يعلم أن كل ما أصابه فبذنب اقترفه؟! وأن الله لطيف رحيم بر جواد؟ وأنه إذا صبر عبده على ما أصابه به -سواء كان في نفسه أو من الناس- أنه يعينه على ذلك ويثيبه؟ فإنه جل وعلا يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.
стр. 1217
عاقبة الصابرين
لم يذكر الله جل وعلا في الصبر أن الحسنة فيه بعشر أمثالها أو بسبعمائة ضعف، لا، بل أخبر أنه يوفي الصابر أجره بغير حساب، بدون تضعيف في الأجر أو أن أجره ينتهي إلى عدد معين، وذلك لما يواجهه الصابر من البلاء والامتحان والفتن، ولا يطيق ذلك إلا من تمحص إيمانه وأيقن بربه جل وعلا، وأصبحت لا تؤثر عليه المصائب التي دون دينه، فكل مصيبة دون الدين يرى أنها ليست بشيء، وأنها سوف تنتهي وتضمحل.
ولا شك أن الأمر سريع جداً، فإذا قدر أن إنساناً اتبع أمر الله واجتنب نهيه على مضض ومرارة وآلام ومقاساة، وإنسان آخر ارتكب مناهي الله ولم يمتثل أمره، وصار يمرح ويفعل ما يريد وما يشاء، فإن أمر هذا وأمر هذا سوف ينتهي سريعاً كأن لم يكن شيء من ذلك، ثم العاقبة بعد ذلك أن هذا يكون في نعيم لا نهاية له، وهذا في عذاب لا انقطاع له، ويصبح الشيء الذي مر نسياً كأن لم يكن، فيكون هذا الذي ارتكب المناهي هو المغبون الذي باع نفسه، وخسر كل الخسران.
والآخر صبر ساعة وانتهت كأن لم تكن، فحمد عقبى صبره، ولقي رضى ربه، وفاز بثوابه الذي لا انقطاع له، وعن هذا المعنى يعبر رسول الله ﷺ بقوله ﷺ : (يؤتى يوم القيامة بأشد الناس نعيماً في الدنيا من أهل الكفر؛ فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك نعيم قط؟ هل رأيت خيراً قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط ولا رأيت خيراً قط، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الإيمان، ويغمس في الجنة غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك شدة قط؟ هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت شدة قط، ولا مر بي بؤس قط).
وهل الحلف هنا من هذين الرجلين على أنه ما مر بهم شيء كذب؟ لا، لأن الأمر بالنسبة لهم نسي نهائياً، وأصبح في طي النسيان، فهم يحلفون على شيء اعتقدوا أنه صحيح وواقع؛ لأنه كحلم المنام فقط، وقد يمر عليك حلم في منامك فتنساه، فهذا مثله، نسوه نهائياً، وأصبح وكأنه ليس له وجود.
لهذا المعنى أيضاً يقول ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أن يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع عليه؟)، إذا أدخلت أصبعك في البحر ثم رفعته، ماذا ينقص من البحر؟ أو بماذا يأتي أصبعك؟ بلا شيء، يأتي ببلل ينتهي سريعاً، والدنيا هكذا بالنسبة للآخرة.
стр. 1218
الصبر على مكدرات الدنيا وأذية أهلها
هذه الدنيا طبعت على المكدرات والآلام، وخلقت للابتلاء بتلك المكدرات والآلام، فإن كان المبتلى مؤمناً وصبر؛ فإنه سوف يلقى الجزاء على ذلك، ويصبح صبره حلواً، والآلام التي مرت به يستلذها؛ لأنها وقعت في طاعة الله ومرضاته.
أما الآخر فبالعكس: الآلام التي تستقبله بالنسبة لما مضى لا يمكن أن تنسب، لا نقول: حر مثل حر الشمس بالنسبة إلى حر جهنم، فجهنم أشد وأعظم؛ لأن الأولى عبارة عن ساعات نسيت، بعكس الأخيرة.
فإذاً الحزم أن يعزم الإنسان على طاعة ربه في هذه الدنيا، ولا يلتفت إلى المؤذيات والمنكدات، سواء من الناس أو من الأقدار التي يقدرها الله عليه أو غير ذلك، وليعلم أن كل ما يصيبه فإنه بسبب معاصيه، والله جل وعلا جعل بحكمته العداء بين أهل الحق وأهل الباطل منذ أبى الشيطان أن يسجد لأبينا آدم، فمن ذلك الوقت والحرب قائمة بين الحق والباطل، ولكل منهما جنود وأنصار، والله يبلو بعضهم ببعض، فأحياناً تظهر بارزة وأحياناً تكون في النفس، من الأمور التي يقدرها حتى يظهر ما لدى الإنسان، ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، يعلم الشيء الذي سوف يكون أنه يكون كذا وكذا، كما جاء في الحديث الصحيح: أنه يقال للكافر وهو في النار: (أرأيت لو كانت لك الدنيا بما فيها أكنت مفتدياً هذا العذاب؟ فيقول: نعم وأكثر من ذلك، فيقول الله جل وعلا: أردت منك ما هو أقل من هذا، أردت منك ألا تشرك بي وأنت في صلب أبيك آدم، فأبيت إلا الكفر والشرك)، ومعنى هذا: أن الله علم ما سيفعله هذا المخلوق قبل وجوده، وأنه سيأبى الإيمان، وأنه سيكفر إذا وجد، فكتب الله جل وعلا ذلك قبل أن يوجد الناس وهم في أصلاب آبائهم، كتب ذلك وعلمه، والله جل وعلا لا يؤاخذ على كتابته وعلمه، فلابد أن يظهر العمل بارزاً مشاهداً فيعذر من الخلق، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب حتى تقوم الحجة على الناس.
والمقصود: أن الحرب قائمة بين الحق والباطل، ولكل واحد منهما أنصار وجنود، فعلى العبد أن يجتهد كل الاجتهاد أن يكون من أنصار الحق وأعوانه، وألا يتأثر بالباطل ودعاياته، وقد يصيبه أذى من أهله، فإن تأثر من ذلك فإنه سوف يكون على حساب نفسه، إما أن ينتكس معهم ويصبح من أهل العذاب، أو يكون ضعيف الإيمان وقد نال منه العدو ما نال؛ فينقص من درجته يوم القيامة ومن ثوابه على أقل تقدير، وقد يناله عذاب في الدنيا وعذاب في القبر وعذاب يوم القيامة حتى يطهر لكونه لم يجاهد في الله، والجهاد أنواع: منها جهاد الشيطان، وجهاد العدو الخارجي، وجهاد النفس، وهذه هي التي يجب أن يصبر الإنسان فيها ويصابر ويثابر، ولا يتعجل الأمر فهو قريب، وهو أمر عام لكل أحد.
أما ما ذكر في الآية فهو أخص من هذا؛ فالله جل وعلا ذكر أنه إذا أرسل رسولاً إلى الناس فمنهم من يقول: آمنا بألسنتهم، ثم إذا وقع لهم أذى من حروب أو خوف، أو أصيبوا بمصائب في أنفسهم إذا هم ينتكسون ويرجعون، ويقولون: هذه كلها بأسباب هذا الدين، ما لنا وله، ثم يتركونه، وهذا معنى كونهم جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، يعني: أنهم توقوا ما يصيبهم من أذى الناس بترك الإيمان، ووافقوهم على مطلوبهم وما يريدون؛ حتى يسلموا من أذيتهم، تصوروا أن هذا فيه السلامة، فتجد أحدهم يلاقي المؤمنين مخبراً لهم بأنه معهم بلسانه، وهو كاذب في قرارة نفسه، فإذا خلا بالمنافقين أصحابه أو بالكافرين صار يضحك معهم ويسخر، ويقول: أنا أستهزئ بأولئك وأوافقهم لآتيكم بأخبارهم، وإلا فأنا معكم قلباً وقالباً، فهذا وأمثاله الذين ذكرهم الله في الآية، ولهذا قال مجاهد وابن عباس: إنه يترك دينه، والمعنى: أنه يترك دينه لأجل الخوف مما يصيبه من أذى الناس، ويتركه موافقة لهم؛ لأنهم لابد أن يحاربوه.
ثم بعد ذلك ماذا يكون؟ تنتهي الأمور، وتكون العاقبة -ولابد- للمتقين للصابرين الذين صبروا على الأذى، وتحملوا ذلك في طاعة الله جل وعلا، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه أن هذه عاقبة المؤمنين دائماً، وأن العاقبة للتقوى، وأن عباد الله هم الذين تكون لهم عقبى الدار، لكن المنافق إذا جاءت النتائج صار يتأسف على مامضى، أو صار يأتي إلى المؤمنين ويقول: أنا كنت معكم -يعني في الظاهر- هذا إذا حصل لهم من المغنم ومن أمور الدنيا جاء إليهم، يقول ذلك حتى يصيب ما يصيب من أمور الدنيا، وإلا فهو في الحقيقة ليس معهم.
والمقصود: أنه تعجل دفع أذية الخلق، ولم يبال بعذاب الله جل وعلا؛ إما لأنه كان مستبعداً له ويقول: هذا بعيد، والحياة طويلة، ولا يمكن أن تتغير الأحوال، أو أنه يكذب به نهائياً ولا يؤمن به، فإذا كان لا يؤمن به، فهذا معناه أنه لا يرجى له خير أبداً.
أما إذا كان يستبعده، فهناك أمل ضعيف أنه يتوب ويستدرك، والغالب أنه لا يتوب؛ لأن الذنوب بعضها يجر بعضاً، وتتراكم على القلب، ثم يأتي الران الذي يغطي القلوب، ثم ينتكس القلب، ويشرب حب المعاصي وكراهية الطاعة، فيصبح هالكاً مستحكماً هلاكه، والغالب أنه يكون بهذه المثابة، ولا يسلم وسوف ينتهي، وربما انقلبت عليه الأمور التي يقدرها وينظر إليها، فيصيبه العذاب من حيث لا يحتسب.
والمقصود: أن الإنسان في هذه الحياة لابد أن يختبر ويمتحن، وعند الاختبار والامتحان يكرم المرء أو يهان إما أن تظهر كرامته أو يظهر هوانه؛ لأن هذا نتيجة عمله فهو يجزى بالعمل، وهذا شيء لابد منه للخلق كلهم في هذه الحياة، والابتلاء والامتحان يكون -كما مر- بأمر الله جل وعلا ونهيه، فمن أطاع أمر الله واتبعه وحرص على ذلك -وإن خالفه القريب والبعيد- فإنه سوف يكون في طمأنينة في نفسه، وإن أوذي واشتد أذاه، ففي مستقبله سوف يكون في غاية السعادة.
أما إن كان على العكس من ذلك فإنه لا يعجز الله، وسوف يأخذه في الدنيا، ثم مصيره إلى عذاب الله، هذه هي حقيقة الأمر للناس كلهم، وقد يعافى الإنسان -ولكن هذا قليل- من الابتلاء في الدين، أو من أذية الناس، وتبقى مصائب الدنيا ومحن القدر التي ليس منها مفر، ولا يسلم منها أحد، فينظر الله هل يصبر على هذه الأقدار والمصائب أم يعترض ويتضجر؟ وبهذا الامتحان يتخلص المؤمنون وتيطهروا من كل أدناس الذنوب والعيوب، إلا أن مصائب الدين أعظم وأشد وأنكى من مصائب النفس والمال والولد.
стр. 1219
الرد على المرجئة والكلابية في حقيقة الإيمان
قال الشارح ﵀: [وفي الآية رد على المرجئة والكرامية، ووجهه: أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: آمنا بالله.
مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله، فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل، فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان.
وهذا قول أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً، والله أعلم].
الكرامية والكلابية من الطوائف القديمة، أما الكرامية فنسبة لـ ابن كرام، والكلابية نسبة لـ أبي سعيد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، وكلاهما من الذين قاموا على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، ولكن المشكلة أنهم ردوا عليهم ببدع مثل بدعهم فأخطئوا، وإن كانوا أقرب إلى أهل السنة من أولئك.
إلا أن مذهب الكلابية لا يزال موجوداً وهو مذهب الأشاعرة اليوم؛ فمذهب الكلابية أصل مذهب الأشاعرة، والمقصود بالرد: أن الإيمان عند أهل السنة مركب من أمور ثلاثة: من عمل محله القلب، ومن قول يكون باللسان، ومن عمل يكون بالجوارح، وإذا تخلف شيء من ذلك فالإيمان متخلف غير موجود.
فالقول المقصود به قول: (لا إله إلا الله)، وهذا مما لابد منه، فإن الإنسان لو اعتقد في قرارة نفسه، جازماً بصحة الإسلام، وصدق الرسول ﷺ ، ولكنه لم ينطق بالشهادتين؛ فإنه يكون كافراً بإجماع العلماء، لابد من النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كما قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)).
ثم مجرد القول لا يكفي، فلابد أن يعرف معنى هذا القول ويعتقد صحته، لأنه لو كان مجرد القول كاف لما كان الكفار والمشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ متوقفين عن هذا القول أن يقولوه، ويبقوا على دينهم، ولكنهم علموا أن المقصود بالقول المعنى، وأن هذا القول يبطل كل شرك كائن.
ولأنهم يعرفون حقيقة الألفاظ، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، فهم عرفوا أنه جعل التعلق كله لله، والآلهة كلها باطلة فأبوا أن يقولوا هذا القول، أما لو كان مجرد قول باللسان فقط مع بقائهم على دينهم لسارعوا إلى ذلك ولم يترددوا، وقد عرضوا على الرسول ﷺ أنه يعبد آلهتهم يوماً وهم يعبدون الله يوماً، فأمره الله جل وعلا أن يتبرأ من ذلك، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣] إلى آخرها.
الأمر الثالث: العمل، فإذا قال واعتقد صحة القول لكنه لا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج، ولا يعمل الأعمال التي أمر بها، فهذا لا ينفعه قوله وعقيدته، فلابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة، هذا قول أهل السنة.
أما هؤلاء الذين ذكرهم فعندهم أن القول والتصديق بالقلب كاف، وهذا رد لكتاب الله جل وعلا ولما جاء به الرسول ﷺ ، وكثيراً ما كان الله يقرن العمل بالإيمان في كتابه، كقوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، مما يدل على أن مجرد الإيمان بلا عمل لا يمكن، وإنما هذا تقدير يقدرونه في أذهانهم، أما إن وجد الإيمان الحقيقي في القلب فلابد أن يبعث على العمل.
ومن هنا علم أن الإيمان مركب من أمور ثلاثة: من القول الاعتقاد، ومن الأعمال، وهي الفروض التي فرضها الله جل وعلا، وهذا هو الحق، الذي تدل عليه الآيات الكثيرة، وجاء كلام الشارح هذا عرضاً واستطراداً.
قال الشارح: [وفيه الخوف من مداهنة الخلق في الحق، والمعصوم من عصمه الله تعالى].
المداهنة معناها: أن يوافقهم على باطلهم وهو يعتقد بطلان ذلك، ولا ينكر عليهم ولا يتبرأ من فعلهم، وهو كاره لذلك مبغض له في حقيقة الأمر، ولكنه وافقهم في الظاهر، فهذه مداهنة، والمداهنة لا تكون إلا لخائف أو لضعيف، فإذا كان ضعيفاً أو خائفاً داهن، والحق لا يجوز أن يكون فيه مداهنة؛ لأن أمر الله جل وعلا أولى بالطاعة والامتثال، وخوف الناس لا يجوز أن يسيطر على الإنسان، لا يجوز للإنسان أن يجعل خوف الناس أكثر من خوف الله جل وعلا، فإنه إذا كان بهذه المثابة فهو ضعيف الإيمان وقد يقع في الشرك؛ لأن تقديم خوف الناس على خوف الله من أنواع الشرك.
стр. 1220
شرح حديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله؛ إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره)].
هذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدي الصغير، وكذلك من رواية عطية العوفي، وكلاهما متروك، ومثل هذا -إذا كان بمثل هذا السند- متفق على ضعفه، ولكن هذا الحديث معناه صحيح وثابت في نصوص أخرى، ولهذا ذكره، أما لو كان المقصود به الاعتماد عليه، فإنه لا ينبغي له أن يذكره؛ لأن مثل هذا لا ينبغي أنه يذكر، وإنما ذكره لأجل المعنى الصحيح فقط.
ومعنى هذا الحديث واضح وجلي: وهو أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره، فإذا قدر الله لك شيء، فعملك الذي تعمله وتحرص عليه لم يؤد إلى زيادة شيء لم يكتبه الله لك.
وكذلك كراهة الناس بأن يمنعوك مما كتب الله لك هذا لا يمكن، وهذا المعنى هو الذي جاء به حديث ابن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يستطيعوا ذلك، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يستطيعوا ذلك، جفت الأقلام وطويت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة)، رواه الترمذي وغيره، وهذا معنى هذا الحديث، فمن ضعف اليقين أن يرضي الإنسان الناس بسخط الله، واليقين المقصود به غاية الإيمان؛ لأن اليقين أعم من مجرد التصديق.
فإذا أصبح يطلب رضى الناس بسخط الله، فمعنى ذلك أن إيمانه إما أن يكون ناقصاً أو معدوماً، وعلى العكس: إذا كان الإنسان يرضي الله بسخط الناس فإن هذا دليل على قوة إيمانه وأن عنده يقين؛ لأنه خاف الله ولم يخف الناس، وطلب رضى الله ولم يبال بسخط الناس، فالعكس بالعكس تماماً.
ثم أخبر أن الرزق لا تجلبه الأسباب الظاهرة إذا لم يرده الله؛ لأن الله هو مسبب الأسباب، وهو الذي رتب المسببات على السبب، ولو شاء لعطل ذلك ومنعه، وليس معنى هذا أن الإنسان يترك السبب، كلا، فالسبب يفعل؛ لأن ترك السبب قدح في الشرع.
والله أمر بفعل الأسباب، ولكن لا يجوز الاعتماد عليها، فإن الاعتماد عليها شرك بالله جل وعلا، وتعطيلها قدح في العقل والشرع، وكل شيء جعله الله سبباً ينبغي أن يفعله العبد، معتمداً على الله جل وعلا في حصول المراد، فإن حصل له المراد حمد الله وأثنى عليه، وعبده بهذه النعمة التي حصلت له، وازداد إيماناً على إيمانه، وإن لم يحصل له المطلوب فلا يعود على ذم الناس، وكأنه لا يعلم أن هذا بتدبير الله، وأنه لو أراد جل وعلا لصار، فلا ينبغي أن ينظر إلى السبب على أنه هو المؤثر الجالب أو المانع، بل المؤثر هو الله جل وعلا، الذي قدر الأقدار وجعل لها أسباباً وموانع.
وعليه؛ إذا حصل له على يد أحد من الناس رزقاً فلا يشكر هذا الإنسان كالذي يعبده، بل يشكر الله جل وعلا، ويعلم أن ذلك من الله، وليس معنى ذلك أنه أيضاً ينسى الفضل الذي يرتبه الله جل وعلا على بعض أيدي عباده، فقد جاء في الحديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، وجاء فيه أيضاً: (ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه)، ومن المعلوم أن الإنسان لا يصنع المعروف بقوته وخلقه وإيجاده وإنما يكون سبباً، والمكافئة إما بإعطائه، وإما بالدعاء له، أما أن يجعل قلبه متعلقاً به فيعطيه ما يعطي الله، فهذا حرام، وهو من الشرك الذي لا يجوز.
هذا هو معنى هذا الحديث، وكما سبق أن ألمحنا أن هذا الحديث في ذاته لا يعتمد عليه في إثبات حكم أو نفيه، وإنما جاء به المصنف لأن معناه وافق نصوصاً أخرى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي وأعله بـ محمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف، وفي إسناده أيضاً عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، وموسى بن بلال، قال الأزدي: ساقط، ومعنى الحديث صحيح، وتمامه: (وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)].
هذه الجملة الأخيرة يظهر أنها حديث آخر، ولهذا ذكره البخاري معلقاً في بعض تراجم صحيحه، وذكر الحافظ أن هذه الجملة الأخيرة رواها الطبراني في المعجم، وأن سندها حسن، فيظهر أن هذا أيضاً حديث آخر، وإن كان ذاك من تمامه، فهذا من معنى قوله: إن معناه صحيح، يعني: أنه وافق نصوصاً أخرى في المعنى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (إن من ضعف اليقين)، الضعف: يضم ويحرك ضد القوة، ضعف ككرم ونصر، ضعفاً، وضعفة، وضعافية، فهو ضعيف وضعوف وضعفان، والجمع: ضعاف وضعفاء وضعفة وضَعْفى وضعَفى أو الضعف -بالفتح- في الرأي، وبالضم في البدن فهي ضعيفة وضعوف.
و (اليقين) المراد به كمال الإيمان، كما قال ابن مسعود: (اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان)، رواه الطبراني بسند صحيح وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعاً].
يعني أن اليقين: الإيمان الكامل، هذا معناه، وإذا كان كذلك فإنه إذا وقع لإنسان ما يضعف يقينه فليس هذا دليل على أنه ليس عنده إيمان، ولكن دليل على أن إيمانه ضعيف.
قال الشارح: قال: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعاً: (فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً)، وفي رواية: (قلت: يا رسول الله! كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك).
стр. 1221
معنى قوله: أن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك
قوله: (أن ترضي الناس بسخط الله) أي: تؤثر رضاهم على رضى الله؛ وذلك إذا لم يقم بقلبه من إعظام الله وإجلاله وهيبته، ما يمنعه من استجلاب رضى المخلوق بما يجلب له سخط خالقه وربه ومليكه، الذي يتصرف في القلوب، ويفرج الكروب، ويغفر الذنوب، وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضى المخلوق على رضى الله، وتقرب إليه بما يسخط الله، ولا يسلم من هذا إلا من سلمه الله، ووفقه لمعرفته، ومعرفة ما يجوز على الله من إثبات صفاته على ما يليق بجلاله، وتنزيهه تعالى عن كل ما ينافي كماله، ومعرفة توحيده في ربوبيته وإلهيته، وبالله التوفيق.
قوله: (وأن تحمدهم على رزق الله) أي: على ما وصل إليك من أيديهم، بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه، فإن المتفضل في الحقيقة هو الله وحده، الذي قدره لك وأوصله إليك، وإذا أراد أمراً قيض له أسباباً، ولا ينافي هذا حديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)؛ لأن شكرهم إنما هو بالدعاء لهم، لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعو لهم أو تكافئهم، وفي الحديث: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) فإضافة الصنيعة إليهم؛ لكونهم صاروا سبباً في إيصال المعروف إليك، والذي قدره وساقه هو الله وحده.
قوله: (وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله)؛ لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدره لك لساقته المقادير إليك، فمن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق العبد بسبب وبلا سبب ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقاً على رزق، ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمور دينه ودنياه، وقد قرر النبي ﷺ هذا المعنى بقوله في الحديث: (إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره)، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
قال شيخ الإسلام ﵀: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقناً لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك: إما ميل إلى ما في أيدي الناس، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته، من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مئونتهم، وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفاً منهم ورجاءً لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم، ولما قال بعض وفد بني تميم: (أي محمد! أعطني، فإن حمدي زين وذمي شين، قال النبي ﷺ : ذاك الله).
ودل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان].
стр. 1222
حقيقة العبودية أن ترضي الله دون النظر إلى الناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من التمس رضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، رواه ابن حبان في صحيحه].
روي هذا الخبر عن عائشة مرفوعاً، وروي موقوفاً، ومعناه واضح وهو: أن العبد يجب أن يكون عبداً لله جل وعلا، فإذا كان عبداً لله حقيقة فلا يبالي بسخط الناس، وإنما يكون همه رضى الله، فإن وافق رضى الله مراد الناس وتصورهم فإنه يمضي به، وإن خالفه فلا يبالي بذلك، بل يتقرب إلى الله جل وعلا بأن يسخطهم لمرضاته، ويكون هذا من باب الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فإنه لابد أن يجاهد نفسه ويجاهد المكروه الذي يكرهه، وسيكون بعد ذلك منصوراً، والذي أسخطه في رضى الله قد يعود عليه حامداً ومحباً، ولا يلزم أن يكون هذا النصر وعود من أسخطه محباً له لكل أحد، ولكن الغالب وجوده، إلا أن يكون هذا في الكفار والمنافقين فإن ذلك لا يقع منهم، وأما إذا كان ذلك مع المؤمنين الضعفاء أصحاب المعاصي، فتقرب صاحب الحق إلى الله جل وعلا بإسخاطهم، فإن الغالب أن الله يرضيهم عنه، وكذلك يكونون محبين له؛ جزاءً لصبره ومجاهدته.
أما إن أتى العكس: فأرضى الناس بسخط الله، فإنه يعود عليه هذا الذي أرضاه بسخط الله: بالأذى وبالمقت وبالذم، وإن وافق أن أثنوا عليه أو نفعوه بشيء، فإنه لابد -إذا تقرب إلى الناس بسخط الله- أن ينقلب عليه ذلك ضداً، ويؤذى فيه.
قال الشارح ﵀: [هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ، ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة قال: (كتب معاوية ﵁ إلى عائشة ﵂: أن اكتبي لي كتاباً توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت عائشة ﵂ إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام عليك)، ورواه أبو نعيم في الحلية.
قوله: من التمس: أي: طلب.
قال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً)، هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً)، وهذا من أعظم الفقه في الدين، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كافٍ عبده: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، والله يكفيه مئونة الناس بلا ريب.
وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة، (ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً)، كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذاماً، فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل لهم ابتداءً عند أهوائهم.
اهـ.
وقد أحسن من قال: إذا صح منك الود يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب تراب قال ابن رجب ﵀: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب، فهو تراب فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟! أم كيف يرضي التراب بسخط الملك الوهاب؟! إن هذا لشيء عجاب! وفي الحديث: عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين، عياذاً بالله من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧].
стр. 1223
مسائل متفرقة في الباب
стр. 1224
تفسير آية آل عمران وآية براءة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران].
المقصود بآية آل عمران قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وسبق سبب نزولها، وأنها متصلة في النزول بما بعدها: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وسبق أن المعنى: يخوفكم بأوليائه: بأن يعظمهم في صدروكم، ويبرز قوتهم، وأن عندهم قوة وجبروتاً وعندهم وعندهم، وكل هذا من تخويف الشيطان، والذي يجب أن يخاف منه هو الله وحده جل وعلا، فإذا خاف الإنسان ربه فإن كل المخلوقين لا يساوون شيئاً، فمادام أن الإنسان عبد لله، يخاف الله ويخشاه، فلا يرهب جانب المخلوق، ولكنه يتق الله ربه في المخلوق، فلا يحقره ولا يظلمه، بل يفعل ما أمره الله جل وعلا به؛ لأنه عبد لله.
[المسألة الثانية: تفسير آية براءة].
آية براءة أيضاً: مر تفسيرها، وكذلك عرفنا معناها، والمقصود بها، وأنها تتفق مع آية آل عمران.
[المسألة الثالثة: تفسير آية العنكبوت].
وكذلك آية العنكبوت تقدمت قريباً، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، يعني: أنه يفر مما يناله من أذى الناس -في طاعة الله وفي إيمانه- فيوافقهم على المعصية؛ خوفاً من أذاهم، مستهيناً بعذاب الله جل وعلا، ومثل هذا كمن يفر من الرمضاء إلى النار، إلى نار جهنم، والناس لابد أن ينالهم الأذى في هذه الحياة؛ لأن هذه الحياة طبعت على الأكدار، ولا تصفو لأحد، إلا للمؤمن فقط، وصفوها: أنه يكون مطمئناً بربه، راضياً بما يقدر له، سائراً في طريقه إلى الحياة الأبدية، متصلاً بربه، إن مسه ضر دعاه، وإن نالته نعمة شكره وعبده وأناب إليه، فيكون في ذلك مرتاحاً مطمئناً سعيداً، أما من يظن أن لن يناله أذى في هذه الدنيا أبداً، فهذا مستحيل، وطن خاطئ.
стр. 1225
اليقين يضعف ويقوي ولكل علامة
[المسألة الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى].
اليقين: سبق أنه الإيمان كله، وأنه كمال الإيمان، وقد يطلق اليقين على الإيمان، ومعلوم أن قوة اليقين: أن يكون الإنسان آخذاً بجميع أوامر الله جل وعلا، مجتنباً نواهيه حسب طاقته، فقد يضعف يقين الإنسان، مع وجود أصل الإيمان عنده، فيرضي الناس بسخط الله، فهذا من ضعف اليقين: أن يرضي الناس بسخط الله، ويرتكب مساخط الله لأجل موافقة الناس ورضاهم، فهذا سببه ضعف اليقين وضعف الإيمان.
[المسألة الخامسة: علامة ضعفه ومن ذلك هذه الثلاث].
والثلاث التي يقصدها: كونه يوافق الناس على المعاصي؛ خوفاً من أذاهم، وكونه إذا حصل له على أيديهم نفع أرجعه إليهم، وكونه إذا لم يحصل له على أيديهم شيء عاد عليهم بالسب والشتم واللعن، فهذه كلها من علامات ضعف الإيمان، ونقص اليقين، وسبق أنه تدخل في هذا أشياء كثيرة، من كون الإنسان لا يرضى بأقدار الله، وتسخطه لها، وهذا الفعل قد يخرج الإنسان من الإيمان، نسأل الله العافية.
стр. 1226
إخلاص الخوف لله من الفرائض
[المسألة السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض].
الخوف يجب أن يكون من الله جل وعلا، وهو فريضة، وهو عبادة من أعظم العبادات: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، و (إن) هنا شرط، يعني: إن كنتم تحليتم بالإيمان فيجب عليكم أن تجعلوا الخوف من الله فقط، وليس من عدو من أعدائكم، فدل هذا على أن الخوف فريضة، فإذا كان فريضة فيجب إخلاصه لله، وإذا أشرك فيه الإنسان مع ربه أحداً من الخلق، فإنه يكون واقعاً في الشرك.
قوله: [المسألة السابعة: ذكر ثواب من فعله].
يعني: من خاف من الله جل وعلا وكان خوفه لله، فإن الله جل وعلا يجزيه الجزاء الذي وعد به تعالى وتقدس.
قوله: [المسألة الثامنة: ذكر عقاب من تركه].
стр. 1227
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٠]
إن التوكل على الله من أعظم العبادات، وأجمع الطاعات، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإن العبد إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية -دون كل من سواه- صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، ومع هذا فلابد للعبد مع التوكل من الإتيان بالأسباب؛ لأن تعطيل الأسباب قدح في العقل، وإعراض عن الشرع.
стр. 1228
باب التوكل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]].
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: هذه الآية في سياق قصة موسى ﵇، لما أمر قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله جل وعلا لهم، قال في خاتمة ذلك: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني: هم جبابرة، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢]، ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة:٢٤]، ومعلوم أن عندهم من الإباء والتعنت والاستكبار والامتناع من طاعة رسولهم الشيء الذي ذكره الله جل وعلا عنهم، فلهذا قالوا في هذه الآية: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وفي هذا تحدٍ وعناد وتكبر على الله وعلى رسوله موسى كليم الرحمن ﷺ ، ولهذا فقد لقي موسى منهم الأذى الكثير، ولكنه صبر، ولما قيل للنبي ﷺ : وهو يقسم مالاً -حسبما أمره الله جل وعلا- بين كبار القبائل رؤساء القبائل يتألفهم به حتى يؤمنوا فتؤمن قبائلهم، وقد قال ﷺ : (إني قاسم ولست بمعط المعطي هو الله)، يعني: أنه يفعل ما أمره الله، فكان يقسم ذهباً جاءه من اليمن فقسمه بين أربعة أنفار من رؤساء القبائل يتألفهم لعلهم يسلمون فتسلم قبائلهم، فجاء رجل وقال له: إن هذه القسمة لم يرد بها وجه الله! هل يقال للرسول ﷺ مثل هذا الكلام؟! ولهذا تغير لون وجهه ﷺ ثم رجع وقال: (رحم الله موسى لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر)، فصبر صلوات الله وسلامه عليه تأسياً بموسى، فموسى ﵇ يأمر قومه لما نجاهم الله جل وعلا من فرعون وأراهم الآيات الباهرة: من فلق البحر لهم حتى صاروا يمشون فيه في طرق يابسة لا يخافون فيها غرقاً ولا زلقاً، والبحر واقف عن يمينهم وعن شمالهم كهيئة الجبال، وهم يسيرون في وسط البحر في طريق يابس، ثم لما تكاملوا خارجين من البحر، ودخل فرعون وقومه وتكاملوا في الدخول أمر الله جل وعلا عبده ورسوله موسى أن يضرب البحر مرة أخرى بعصاه، فالتأم البحر عليهم وأهلكم وبنو إسرائيل ينظرون، وكونه يهلك عدوهم هلاكاً جماعياً بحيث لم يبق منهم أحداً، فهذه نعمة كبيرة يجب عليهم أن يشكروها، ويقابلوها بالعبادة الخالصة لله جل وعلا، وقد قالوا قبل ذلك لما صار البحر أمامهم وفرعون خلفهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، أين المفر؟ البحر من الأمام وفرعون من الخلف! يخاطبون موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): يعني: فرعون أدركنا، فقال موسى ﵇: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، الذي أمره بهذا المسير وبهذا الطريق الله، وإذا كان أمره الله فلن يدرك، فلهذا أمره الله جل وعلا أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فصار طريقاً يابساً، فلما عبروا منه أطبقه الله على فرعون وجنوده وأغرقهم أجمعين.
وبعد ذلك وعدهم الله جل وعلا الأرض المقدسة وكان فيها جبابرة يقال: إنهم من العرب، فأمرهم موسى أن يقاتلوهم ويأخذوا بلدهم، فخافوهم وقالوا: إنهم جبارين، كبار الأجسام والقوى لا نستطيع أن نقاتلهم، قال لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، فأبوا.
والمقصود: أنه ذكر في آخر القصة قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، ومعلوم أن هذا الخطاب نزل على خاتم الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان المذكور قصة بني إسرائيل مع نبيهم فنحن المقصودون، أما أولئك فقد أبوا أن يؤمنوا وأبوا أن يقبلوا خطاب الله -أعني: بقاياهم- وأما الذين كان فيهم موسى وكانت فيهم هذه القصة فقد هلكوا وذهبوا، فالمؤمن أكرمه الله جل وعلا، والكافر أهانه الله جل وعلا، ومعلوم أن بني إسرائيل فيهم المؤمنون وفيهم الأتقياء، وفيهم من هداه الله، وقد قال جل وعلا: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦]، ولكن المقصود بالعالمين: عالم وقتهم وليس هذا عاماً لمن يأتي بعدهم، فإن هذه الأمة أفضل منهم، والأسوة في اتباع الأنبياء؛ لأن دينهم واحد وكلهم جاءوا بالأمر بطاعة الله جل وعلا، ولهذا قال الله: جل وعلا عند قصة كل نبي أن ذلك النبي قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالدعوة واحدة والدين واحد.
والتوكل: هو اعتماد القلب على من بيده أزمة الأمور مع فعل الأسباب، وليس التوكل: تعطيل الأسباب فإن هذا عجز ولا يكون توكلاً.
فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، يعني: قاتلوا واعتمدوا على ربكم في نصركم، ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، إن: هذه شرطية، يعني: إن كان الإيمان عندكم فافعلوا التوكل، أما إذا لم يحصل التوكل، فهو دليل على انتفاء الإيمان؛ لأن انتفاء شرط مركب على شيء مشروط إذا لم يوجد فمعنى ذلك: أنه لم يوجد، وبهذا يستدل على أن التوكل فريضة على كل عبد.
والتوكل قد ذكره الله جل وعلا في كتابه في آيات كثيرة، وقرنه مع العبادات بأنواعها، فقرنه بالعبادة وقرنه بالتقوى، وقرنه بالإيمان، وجميع صفات المؤمنين قرنت به، وجعل شرطاً في حصول الإيمان فدل هذا على أنه لازم، وأنه لا يجوز أن يكون لغير الله، ويجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فمن صرفه لغير الله وتوكل على غير الله فإنه يكون مشركاً.
стр. 1229
أنواع التوكل على غير الله
والتوكل على غير الله نوعان: أحدهما: أن يتوكل على ميت أو غائب من ولي أو نبي، فيتوكل عليه؛ ليحصل على مطلوبه سواء كان مطلوبه في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان مرغوباً أو مرهوباً منه، يعني: حصول نفع في بدنه: من صحة، أو في أهله أو في ماله أو نصر على عدو والنكاية فيه أو كان شيئاً يطلب يوم القيامة: من شفاعة أو غيرها، فمن توكل على ميت بهذا المعنى فهو مشرك شركاً أكبر، وهذا يوجد بكثرة في بعض من يدعون الإسلام فتراهم يتوكلون على الأموات ويطلبون منهم الطلبات التي لا يجوز أن تطلب إلا من رب الأرباب جل وعلا.
النوع الثاني من التوكل على المخلوق: أن يتكل الإنسان على سلطان أو أمير، أو ما أشبه ذلك في حصول مطلوب له، ويكون باستطاعة ذلك الشخص تنفيذه، ولكنه يعتمد عليه، أو يعتمد عليه في دفع الأذى أو ما أشبه ذلك، وهذا نوع من الشرك، والواجب أن يكون التوكل على الله وحده مع فعل السبب.
أما التوكيل وهو: كون الإنسان يوكل إنساناً في فعل أمر من أمور دنياه فهذا جائز؛ لأنه أنابه في شيء يستطيع القيام به، ولكن لا يعتمد على هذا الوكيل في أنه يحصل له كذا وكذا، ولكنه يفوض إليه الأمر ويقول: افعل كذا وكذا ويعتمد على ربه جل وعلا في حصول النتائج.
стр. 1230
وجوب التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب
إن اعتماد القلب لا يجوز أن يكون على المخلوق، ويجب أن يكون على الله وحده، سواء كان الذي يرجى حصوله أمراً عادياً أو كان أمراً عظيماً، فيجب أن يكون اعتماد القلب على الله وحده.
فإذا اعتمد قلب العبد على ربه جل وعلا فقد توكل عليه، وعليه أن يفعل السبب كما في هذه الآية، فإن الله أمرهم بالدخول على الجبابرة، والدخول معناه: الاستعداد بأخذ القوة والعدة والتأهب، وهذا هو فعل السبب، ثم يتوكلون في هزيمتهم وحصول النصر لهم على الله، لا على أسبابهم وقوتهم، وهكذا فجميع ما يفعله العبد يجب أن يكون بهذه الصفة، وإذا كان على هذه الصفة يكون موحداً لله جل وعلا، ويكون فاعلاً ما أمره الله جل وعلا به، وهذا من واجبات التوحيد وهو تفسير عملي لـ (لا إله إلا الله).
أما كون الإنسان يعطل السبب فهذا ليس من الدين، بل هذا قدح في عقل الإنسان، وإعراض عن الشرع، فبعض الناس يقول: أجلس في بيتي وأتوكل على الله، وإذا قدر لي شيء فسيأتي! وهذا من العجز، وكذلك الذي يقول: أنا أريد أن أكون عالماً، وإذا كان ذلك مقدراً فسيأتي فأتوكل على الله وسيأتي، وهذا يعد غير عاقل؛ لأنه إذا كان يريد أن يكون عالماً فعليه أن يتعلم ويأخذ بالأسباب، وهذا مثل الذي يقول: أنا لا أتزوج، إن كان الله جل وعلا قد قدر لي ولداً فسيأتي! لا يأتي شيء إلا بسبب، فالله جل وعلا جعل لكل شيء سبباً، ولكن يجب عليك أن تفعل السبب المشروع وتتقي ربك في ذلك، ثم تعتمد على الله في حصول النتائج لا على السبب، وإن جئت به على أتم وجه؛ لأنه قد يتخلف المسبب ولا يحدث، وذلك إذا أراد الله جل وعلا؛ لأنه لا يقع شيء إلا بإرادة الله وبمشيئته جل وعلا، ولهذا وجب التوكل عليه جل وعلا في حصول النتائج؛ لأنه لو شاء عطل السبب وصار غير مفيد، وغير مجد، ومن توكل على الله فهو كافيه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال أبو السعادات يقال: توكل بالأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه، ووكل فلان فلاناً: إذا استكفاه أمره ثقةً بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه.
انتهى].
أبو السعادات هو ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وغيرهما من كتبه المعروفة.
والتوكيل الذي ذكره الشارح عن أبي السعادات هو التوكيل من حديث اللغة.
أما تعريف التوكل: فهو اعتماد القلب على الله جل وعلا في حصول المطلوب.
следующие страницы →