Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
إخلاص الخوف لله من الفرائض
[المسألة السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض].
الخوف يجب أن يكون من الله جل وعلا، وهو فريضة، وهو عبادة من أعظم العبادات: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، و (إن) هنا شرط، يعني: إن كنتم تحليتم بالإيمان فيجب عليكم أن تجعلوا الخوف من الله فقط، وليس من عدو من أعدائكم، فدل هذا على أن الخوف فريضة، فإذا كان فريضة فيجب إخلاصه لله، وإذا أشرك فيه الإنسان مع ربه أحداً من الخلق، فإنه يكون واقعاً في الشرك.
قوله: [المسألة السابعة: ذكر ثواب من فعله].
يعني: من خاف من الله جل وعلا وكان خوفه لله، فإن الله جل وعلا يجزيه الجزاء الذي وعد به تعالى وتقدس.
قوله: [المسألة الثامنة: ذكر عقاب من تركه].
стр. 1227
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٠]
إن التوكل على الله من أعظم العبادات، وأجمع الطاعات، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإن العبد إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية -دون كل من سواه- صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، ومع هذا فلابد للعبد مع التوكل من الإتيان بالأسباب؛ لأن تعطيل الأسباب قدح في العقل، وإعراض عن الشرع.
стр. 1228
باب التوكل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]].
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: هذه الآية في سياق قصة موسى ﵇، لما أمر قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله جل وعلا لهم، قال في خاتمة ذلك: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني: هم جبابرة، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢]، ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة:٢٤]، ومعلوم أن عندهم من الإباء والتعنت والاستكبار والامتناع من طاعة رسولهم الشيء الذي ذكره الله جل وعلا عنهم، فلهذا قالوا في هذه الآية: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وفي هذا تحدٍ وعناد وتكبر على الله وعلى رسوله موسى كليم الرحمن ﷺ ، ولهذا فقد لقي موسى منهم الأذى الكثير، ولكنه صبر، ولما قيل للنبي ﷺ : وهو يقسم مالاً -حسبما أمره الله جل وعلا- بين كبار القبائل رؤساء القبائل يتألفهم به حتى يؤمنوا فتؤمن قبائلهم، وقد قال ﷺ : (إني قاسم ولست بمعط المعطي هو الله)، يعني: أنه يفعل ما أمره الله، فكان يقسم ذهباً جاءه من اليمن فقسمه بين أربعة أنفار من رؤساء القبائل يتألفهم لعلهم يسلمون فتسلم قبائلهم، فجاء رجل وقال له: إن هذه القسمة لم يرد بها وجه الله! هل يقال للرسول ﷺ مثل هذا الكلام؟! ولهذا تغير لون وجهه ﷺ ثم رجع وقال: (رحم الله موسى لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر)، فصبر صلوات الله وسلامه عليه تأسياً بموسى، فموسى ﵇ يأمر قومه لما نجاهم الله جل وعلا من فرعون وأراهم الآيات الباهرة: من فلق البحر لهم حتى صاروا يمشون فيه في طرق يابسة لا يخافون فيها غرقاً ولا زلقاً، والبحر واقف عن يمينهم وعن شمالهم كهيئة الجبال، وهم يسيرون في وسط البحر في طريق يابس، ثم لما تكاملوا خارجين من البحر، ودخل فرعون وقومه وتكاملوا في الدخول أمر الله جل وعلا عبده ورسوله موسى أن يضرب البحر مرة أخرى بعصاه، فالتأم البحر عليهم وأهلكم وبنو إسرائيل ينظرون، وكونه يهلك عدوهم هلاكاً جماعياً بحيث لم يبق منهم أحداً، فهذه نعمة كبيرة يجب عليهم أن يشكروها، ويقابلوها بالعبادة الخالصة لله جل وعلا، وقد قالوا قبل ذلك لما صار البحر أمامهم وفرعون خلفهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، أين المفر؟ البحر من الأمام وفرعون من الخلف! يخاطبون موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): يعني: فرعون أدركنا، فقال موسى ﵇: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، الذي أمره بهذا المسير وبهذا الطريق الله، وإذا كان أمره الله فلن يدرك، فلهذا أمره الله جل وعلا أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فصار طريقاً يابساً، فلما عبروا منه أطبقه الله على فرعون وجنوده وأغرقهم أجمعين.
وبعد ذلك وعدهم الله جل وعلا الأرض المقدسة وكان فيها جبابرة يقال: إنهم من العرب، فأمرهم موسى أن يقاتلوهم ويأخذوا بلدهم، فخافوهم وقالوا: إنهم جبارين، كبار الأجسام والقوى لا نستطيع أن نقاتلهم، قال لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، فأبوا.
والمقصود: أنه ذكر في آخر القصة قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، ومعلوم أن هذا الخطاب نزل على خاتم الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان المذكور قصة بني إسرائيل مع نبيهم فنحن المقصودون، أما أولئك فقد أبوا أن يؤمنوا وأبوا أن يقبلوا خطاب الله -أعني: بقاياهم- وأما الذين كان فيهم موسى وكانت فيهم هذه القصة فقد هلكوا وذهبوا، فالمؤمن أكرمه الله جل وعلا، والكافر أهانه الله جل وعلا، ومعلوم أن بني إسرائيل فيهم المؤمنون وفيهم الأتقياء، وفيهم من هداه الله، وقد قال جل وعلا: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦]، ولكن المقصود بالعالمين: عالم وقتهم وليس هذا عاماً لمن يأتي بعدهم، فإن هذه الأمة أفضل منهم، والأسوة في اتباع الأنبياء؛ لأن دينهم واحد وكلهم جاءوا بالأمر بطاعة الله جل وعلا، ولهذا قال الله: جل وعلا عند قصة كل نبي أن ذلك النبي قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالدعوة واحدة والدين واحد.
والتوكل: هو اعتماد القلب على من بيده أزمة الأمور مع فعل الأسباب، وليس التوكل: تعطيل الأسباب فإن هذا عجز ولا يكون توكلاً.
فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، يعني: قاتلوا واعتمدوا على ربكم في نصركم، ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، إن: هذه شرطية، يعني: إن كان الإيمان عندكم فافعلوا التوكل، أما إذا لم يحصل التوكل، فهو دليل على انتفاء الإيمان؛ لأن انتفاء شرط مركب على شيء مشروط إذا لم يوجد فمعنى ذلك: أنه لم يوجد، وبهذا يستدل على أن التوكل فريضة على كل عبد.
والتوكل قد ذكره الله جل وعلا في كتابه في آيات كثيرة، وقرنه مع العبادات بأنواعها، فقرنه بالعبادة وقرنه بالتقوى، وقرنه بالإيمان، وجميع صفات المؤمنين قرنت به، وجعل شرطاً في حصول الإيمان فدل هذا على أنه لازم، وأنه لا يجوز أن يكون لغير الله، ويجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فمن صرفه لغير الله وتوكل على غير الله فإنه يكون مشركاً.
стр. 1229
أنواع التوكل على غير الله
والتوكل على غير الله نوعان: أحدهما: أن يتوكل على ميت أو غائب من ولي أو نبي، فيتوكل عليه؛ ليحصل على مطلوبه سواء كان مطلوبه في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان مرغوباً أو مرهوباً منه، يعني: حصول نفع في بدنه: من صحة، أو في أهله أو في ماله أو نصر على عدو والنكاية فيه أو كان شيئاً يطلب يوم القيامة: من شفاعة أو غيرها، فمن توكل على ميت بهذا المعنى فهو مشرك شركاً أكبر، وهذا يوجد بكثرة في بعض من يدعون الإسلام فتراهم يتوكلون على الأموات ويطلبون منهم الطلبات التي لا يجوز أن تطلب إلا من رب الأرباب جل وعلا.
النوع الثاني من التوكل على المخلوق: أن يتكل الإنسان على سلطان أو أمير، أو ما أشبه ذلك في حصول مطلوب له، ويكون باستطاعة ذلك الشخص تنفيذه، ولكنه يعتمد عليه، أو يعتمد عليه في دفع الأذى أو ما أشبه ذلك، وهذا نوع من الشرك، والواجب أن يكون التوكل على الله وحده مع فعل السبب.
أما التوكيل وهو: كون الإنسان يوكل إنساناً في فعل أمر من أمور دنياه فهذا جائز؛ لأنه أنابه في شيء يستطيع القيام به، ولكن لا يعتمد على هذا الوكيل في أنه يحصل له كذا وكذا، ولكنه يفوض إليه الأمر ويقول: افعل كذا وكذا ويعتمد على ربه جل وعلا في حصول النتائج.
стр. 1230
وجوب التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب
إن اعتماد القلب لا يجوز أن يكون على المخلوق، ويجب أن يكون على الله وحده، سواء كان الذي يرجى حصوله أمراً عادياً أو كان أمراً عظيماً، فيجب أن يكون اعتماد القلب على الله وحده.
فإذا اعتمد قلب العبد على ربه جل وعلا فقد توكل عليه، وعليه أن يفعل السبب كما في هذه الآية، فإن الله أمرهم بالدخول على الجبابرة، والدخول معناه: الاستعداد بأخذ القوة والعدة والتأهب، وهذا هو فعل السبب، ثم يتوكلون في هزيمتهم وحصول النصر لهم على الله، لا على أسبابهم وقوتهم، وهكذا فجميع ما يفعله العبد يجب أن يكون بهذه الصفة، وإذا كان على هذه الصفة يكون موحداً لله جل وعلا، ويكون فاعلاً ما أمره الله جل وعلا به، وهذا من واجبات التوحيد وهو تفسير عملي لـ (لا إله إلا الله).
أما كون الإنسان يعطل السبب فهذا ليس من الدين، بل هذا قدح في عقل الإنسان، وإعراض عن الشرع، فبعض الناس يقول: أجلس في بيتي وأتوكل على الله، وإذا قدر لي شيء فسيأتي! وهذا من العجز، وكذلك الذي يقول: أنا أريد أن أكون عالماً، وإذا كان ذلك مقدراً فسيأتي فأتوكل على الله وسيأتي، وهذا يعد غير عاقل؛ لأنه إذا كان يريد أن يكون عالماً فعليه أن يتعلم ويأخذ بالأسباب، وهذا مثل الذي يقول: أنا لا أتزوج، إن كان الله جل وعلا قد قدر لي ولداً فسيأتي! لا يأتي شيء إلا بسبب، فالله جل وعلا جعل لكل شيء سبباً، ولكن يجب عليك أن تفعل السبب المشروع وتتقي ربك في ذلك، ثم تعتمد على الله في حصول النتائج لا على السبب، وإن جئت به على أتم وجه؛ لأنه قد يتخلف المسبب ولا يحدث، وذلك إذا أراد الله جل وعلا؛ لأنه لا يقع شيء إلا بإرادة الله وبمشيئته جل وعلا، ولهذا وجب التوكل عليه جل وعلا في حصول النتائج؛ لأنه لو شاء عطل السبب وصار غير مفيد، وغير مجد، ومن توكل على الله فهو كافيه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال أبو السعادات يقال: توكل بالأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه، ووكل فلان فلاناً: إذا استكفاه أمره ثقةً بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه.
انتهى].
أبو السعادات هو ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وغيرهما من كتبه المعروفة.
والتوكيل الذي ذكره الشارح عن أبي السعادات هو التوكيل من حديث اللغة.
أما تعريف التوكل: فهو اعتماد القلب على الله جل وعلا في حصول المطلوب.
стр. 1231
تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر
قال الشارح ﵀: [وأراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة بالآية: بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي: وعلى الله فتوكلوا لا على غيره، فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها].
قوله: (تقديم المعمول يفيد الحصر)، أي: المعمول الذي عمل به عامل، والمعمول: هو الفضلة الذي يكون معمولاً لفعل، يعني: مفعول، فتقديم المفعول على الفاعل يفيد الحصر؛ لأن حق المفعول أن يتأخر وأن يكون الفاعل متقدماً على وضع اللغة، وإذا قدم ما حقه التأخير فلابد أن يكون لأمر مقصود، والأمر المقصود هو الحصر، فيكون التوكل على الله هذا معناه فقط، وهو مثل قوله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، لو كان في غير القرآن لجاز أن تقول: نعبدك يا الله! على وضع اللغة، فإذا قدم ما حقه التأخير أفاد الحصر يعني: حصر العبادة على الله فقط ولا يجوز أن تكون لغيره، وهكذا في هذه الآية: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، العامل هو توكلوا، والوضع اللغوي الطبيعي هو: توكلوا على الله، فلما قدم الجار والمجرور الذي هو معمول للفعل دل على الحصر وأنه يجب أن يحصر التوكل على الله وحده.
ومعنى ذلك: أنه لا يجوز أن يتوكل على مخلوق مهما كان، سواء كان نبياً أو كان ولياً أو ملكاً أو غير ذلك، ويجب أن يكون التوكل على الله وحده فقط، وهذا من الأدلة على وجوبه، وأنه عبادة خاصة بالله جل وعلا لا يجوز جعل شيء منه لمخلوق، فإن جعل شيئاً من التوكل لمخلوق فإن ذلك من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان -نسأل الله العافية- يكون من أهل النار خالداً فيها.
стр. 1232
التوكل من أعظم منازل إياك نعبد وإياك نستعين
قال الشارح ﵀: [فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، فهو من أعظم منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]].
منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] المقصود بها: العبادات المفروضة التي دل عليها قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأن العبادة أنواع متعددة، وكل نوع يكون أصلاً في هذا فهو منزلة من المنازل، وهذا اصطلاح.
والتوكل من أعظم المنازل، يعني: أنه عبادة عظيمة يجب أن تخلص لله جل وعلا، ويدل على هذا: الحديث الذي تقدم في أول الكتاب حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فإنه جعل وصفهم الجامع: (وعلى الله يتوكلون) ولما سئل عنهم الرسول ﷺ قال: (هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون)، فقوله: (وعلى ربهم يتوكلون)، هو وصف جامع للخصال المتقدمة، وهو سبب دخولهم الجنة، يعني: أنهم جاءوا بالتوكل كاملاً وتاماً فبسبب ذلك سبقوا إلى الجنة.
стр. 1233
حصول كمال التوحيد مرتبط بكمال التوكل
قال الشارح ﵀: [فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿وقال موسى يا قوم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]].
أنواع التوحيد الثلاثة مترابطة، وكل واحد منها لا يجزء عن الآخر، ولو جاء الإنسان باثنين ولم يأت بالثالث لا يكون مسلماً إلا بعد أن يأتي بها كلها، وهي: الأول: أن يعبد الله جل وعلا وحده- بحقه الذي أوجبه على العباد، وهذا يسمى: توحيد العبادة أو توحيد الإلهية.
الثاني: أن يعتقد أنه واحد في خلقه وتصرفاته وأفعاله ولم يشاركه في ذلك أحد، وهذا يتعلق بأفعال الرب جل وعلا، ويسمى بتوحيد الربوبية.
الثالث: أن يوحده في أوصافه وأساميه، والاسم الذي وصف به نفسه يجعله خاصاً له، فلا يصف مخلوقاً بشيء من هذه الصفات ولا يسم مخلوقاً بشيء من هذه الأسماء، بل هذه خاصة لله فيكون موحداً، وهذا الأمر دلت عليه كل آية في التوحيد.
стр. 1234
سبب تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام
وأما التقسيم بهذه الصورة فليس فيه آية أو حديث، ولم يكن العرب إذ ذاك يحتاجون له، وإنما احتجنا إلى هذا التقسيم في زماننا لما كنا نجهل كلام العرب وفسدت ألسنتنا واختلط كلامنا بكلام العجم، وصرنا نحتاج إلى أن نتعلم اللغة كما نتعلم الشيء الغريب، مع أننا عرب في الأصل، ولكن عربيتنا فسدت؛ لأن الألسن تداخلت وضاعت القواعد التي كان عليها العرب، وإلا فإن العرب لم يكونوا يحتاجون تعلم اللغة، بل لو حاول واحد منهم أن ينطق باللحن ما استطاع.
وقد ذكر: أن معلماً للصبيان في القرون الأولى -الصبيان كانوا عرباً والمعلم غير عربي- كان يلقنهم القرآن! فصار يلقن واحداً منهم ويقول له: قل: تبت يدا، فيقول الصبي: تبت يدان، فيضربه ويقول: قل تبت يدا، فما يستطيع أن يقول: تبت يدا، بل يأتي بالمثنى: تبت يدان، فرآه رجل عربي وقال: هذا عربي، انطق بالمضاف إليه حتى يستطيع أن يتكلم به، أما بهذا الشكل فما يستطيع، فقال له: قل تبت يدا أبي لهب وتب، فنطق بها كما قال؛ لأن هذه سليقته.
وسمع عربي مؤذناً يقول: أشهد أن محمداً رسولَ الله فصار يقول: ما له؟ لأنه ما جاء بالخبر؛ حيث نصب الخبر فصار اسم أن: (محمداً رسولَ)، فيكون (رسولَ) منصوباً على أنه بدل من (محمداً) والخبر لم يذكر، ولذلك لابد أن يقول: أشهد أن محمداً رسولُ الله برفع (رسول) حتى تتم الجملة ويصير الكلام عربياً، أما إذا نصبه كما هي عادة كثير من المؤذنين فإن هذا لا يكون مفيداً ولا يكون كلاماً عربياً.
المقصود: أن هذا التقسيم احتيج إليه لما جهل الناس كثيراً من معاني كلام الله ومعاني كلام رسوله ﷺ ، وهو تقسيم سبري، يعني: سُبر القرآن وتُتبع فأُخذ ذلك التقسيم من آيات متعددة.
قال الشارح ﵀: [وقوله:: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل:٩]، والآيات في الأمر به كثيرة جداً.
قال الإمام أحمد ﵀: التوكل عمل القلب.
وقال ابن القيم ﵀ في معنى الآية المترجم بها: فجعل التوكل على الله شرطاً في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، فجعل دليل صحة الإسلام التوكل.
ولا فرق بين هذه الآية والتي قبلها (إن كنتم مسلمين) و (إن كنتم مؤمنين)؛ لأن الإسلام إذا ذكر وحده مفرداً دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده مفرداً دخل فيه الإسلام، أما إذا جاء الإسلام والإيمان معاً فالإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، والتي هي أعمال القلب.
стр. 1235
التوكل أصل جميع مقامات الإيمان والإحسان وأعمال الإسلام
قال رحمه الله تعالى: [فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً كان دليلاً على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية.
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل].
يعني: أن التوكل هو البدن والرأس هو الإيمان، فمعلوم أن الرأس يعتمد على البدن فكذلك الإيمان يعتمد على التوكل، فإذا بطل التوكل بطل الإيمان؛ لأنه لا يوجد رأس بلا بدن.
[قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وما رجا أحد مخلوقاً ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]].
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قلت: لكن التوكل على غير الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله.
كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم: من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق أو دفع أذىً ونحو ذلك، فهذا نوع من الشرك الأصغر.
والوكالة الجائزة: هي توكيل الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابةً عنه، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على المسبب الذي أوجد السبب والمسبَّب].
стр. 1236
التوكل على الله من صفات المؤمنين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]].
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية: خمس صفات للمؤمنين وحصرهم بـ (إنما) التي تفيد الحصر.
ومعنى ذلك: أنهم إذا خرجوا عن هذه الصفات فليسوا بمؤمنين، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإنما: تفيد الحصر في المذكور وتنفيه عما عدا ذلك.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والوجل: هو خوف القلب، فيخاف ويتحرك إذا ذكر بالله عند أمر من الأمور إن كان منهياً عنه وخاف من الله وتوقف، وإن كان مأموراً به فعله.
الصفة الثانية: أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وزيادة الإيمان تكون بزيادة العمل، يعني: إذا جاءتهم الآيات تذكرهم بالعمل وتأمرهم به اجتهدوا فيه وعملوا فيزدادون بذلك إيماناً؛ لأن المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً.
الصفة الثالثة: على ربهم يتوكلون، كما في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وسبق في الآية أنه قدم المعلول فيها لإفادة الحصر، يعني: أن يكون توكلهم على الله وحده فقط.
الصفة الرابعة: إقامة الصلاة، كما في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، وإقامتها بأن يأتي بها الإنسان على الوجه المشروع، وليس إقامتها بمجرد الإتيان بالركوع والسجود؛ لأن الإنسان قد يركع ويسجد ويقوم ويقرأ وقلبه غافل ساهٍ فلا يكون مقيماً لها، ولكنه يعد مصلياً ويسقط عنه الفرض، ولكن قد تكتب له نصف صلاة أو ربعها أو عشرها أو أقل أو أكثر حسب عقله، فيكون الذي كتب له هو الشيء الذي أقامه، أما الباقي فهو عليه لا له، ولكنه لا يؤمر بأن يعيد الفرض، وإن كان لا يدري ماذا قال في الصلاة ولا يدري ماذا قال الإمام ولا يدري هل هو بين يدي الله أو أنه مع الناس، فإقامة الصلاة: أن يأتي بها مجتهداً بأن يكون خاشعاً مؤدياً لشروطها وأركانها وواجباتها حسب استطاعته، ومجاهداً لنفسه والشيطان.
الصفة الخامسة: أداء الزكاة كما في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، وهذا يكون بأداء الزكاة الواجبة التي تجب على الإنسان في ماله، فيجب أن يؤديها راضياً بذلك مغتبطاً به، راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه فيما لو أخل بها.
هذه الصفات الخمس التي ذكرت في هذه الآيات، وحصر المؤمنين فيمن تحلى بهذه الصفات الخمس يدل على أن من ترك شيئاً من هذه الصفات الخمس أنه خارج عن ذلك، ومن أعظمها التوكل: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وهذا هو الشاهد من الآيات.
قال الشارح ﵀: [قال ابن عباس في الآية: (المنافقون لا يدخل في قلبوهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون على الله ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، فأدوا فرائضه) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ووجل القلب من الله يستلزم القيام بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.
قال السدي: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: (هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه) رواه ابن أبي شيبة وابن جرير].
стр. 1237
إجماع أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص
قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢]: استدل الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال عمير بن حبيب الصحابي: إن الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه.
رواه ابن سعد].
يعني: أن الإيمان يزيد بالعمل، ولهذا قال أهل السنة في تعريف الإيمان: هو قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فجعلوا الزيادة والنقص من تمام التعريف؛ لأن أهل البدع، -مثل المعتزلة والخوارج- وإن وافقوا أهل السنة أول التعريف، إلا أنهم خالفوهم فيما يتعلق بالزيادة والنقصان، فالإيمان عند الخوارج والمعتزلة هو فعل الطاعات وعقيدة القلب -يعني: تصديقه- وكذلك عمل الأركان: القول والعمل، فلو كان يأتي بجميع الواجبات مصدقاً عاملاً بها ثم ترك واجباً فإنه يكون خارجاً من الإيمان عند الخوارج وعند المعتزلة، إلا أنه عند الخوارج يصير كافراً وعند المعتزلة يبقى في منزلة بين الكفر والإيمان، فلا يكون كافراً ولا مؤمناً، وإنما يكون قد خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر! وهذه من بدعهم التي انفردوا بها، ولم يقل بها أحد غيرهم.
ثم إنهم وافقوا الخوارج في حكم الآخرة وقالوا: إذا مات على ذلك صار في النار، أما أهل السنة فزادوا في تعريفهم للإيمان: قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فقولهم: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من تمام التعريف وهو لمخالفة المبتدعة، أما غيرهم من أهل البدع فيجعلونه: قولاً، وبعضهم يجعله تصديقاً، وجعله قولاً هذا من أغرب ما يكون؛ لأنه يلزم منه أن الإنسان إذا قال بلسانه فهو مؤمن وإن كان كافراً بقلبه.
وعلى كل حال فكل من خالف ما جاء في كتاب الله وما جاء عن رسول الله ﷺ فلابد أن يقع في الأخطاء الفضيعة الواضحة.
قال الشارح ﵀: [وقال مجاهد: الإيمان يزيد وينقص وهو قول وعمل.
رواه ابن أبي حاتم].
يدخل في القول: قول اللسان وقول القلب مثل الخوف والخشية والوجل والإنابة والمحبة والرضا هذا كله من قول القلب؛ لأن القول ينقسم إلى قسمين عند أهل السنة: قول يكون باللسان، وقول يكون بالقلب وهو: عقيدته وعمله.
قال الشارح ﵀: [وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أي: يعتمدون عليه بقلوبهم، مفوضين إليه أمورهم فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده والمعبود وحده لا شريك له.
وفي الآية وصف المؤمنين حقاً بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده].
بل خمس مقامات؛ لأن تمام الآية: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، فهي خمس مقامات واضحة.
قال الشارح ﵀: وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان وحصول أعماله الباطنة والظاهرة، مثال ذلك: الصلاة، فمن أقام الصلاة وحافظ عليها وأدى الزكاة كما أمره الله استلزم ذلك العمل بما يقدر عليه من الواجبات، وترك جميع المحرمات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]].
стр. 1238
معنى قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]].
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقيل المعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنون.
قال ابن القيم ﵀: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه.
فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وقالوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فجعل الرغبة إليه وحده، كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٨]، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له .
انتهى.
وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة، فإذا كان هو الكافي لعبده وجب ألا يتوكل إلا عليه، ومتى التفت إلى سواه وكله الله إلى من التفت إليه كما في الحديث: (من تعلق شيئاً وكل إليه).
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]].
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم: أي: كافيه.
ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولا يضره إلا أذىً لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبداً.
وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء، وفي الحقيقة إحسان وإضرار بنفسه وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، ولم يقل: فله كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن، لجعل الله له مخرجاً وكفاه رزقه ونصره.
انتهى.
وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: قال الله في بعض كتبه: (بعزتي إنه من اعتصم بي فكادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكله إلى نفسه، كفى بي بعبدي مآلاً، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه)].
стр. 1239
ما جاء في الآية من بيان فضل التوكل والتنبيه على الأخذ بالأسباب
قال الشارح ﵀: [وفي الآية: دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأن الله تعالى علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه؛ لأن الله تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسباً له.
وفيها: تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل؛ لأنه تعالى ذكر التقوى ثم ذكر التوكل كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:١١]، فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام بالأسباب المأمور بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوباً بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها.
ذكره ابن القيم بمعناه].
стр. 1240
نموذج من توكل الخليلين ﵉
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
رواه البخاري].
قال الشارح ﵀: [قوله: حسبنا الله: أي كافينا، فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
قوله: ونعم الوكيل: أي نعم الموكول إليه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، ومخصوص (نِعمَ) محذوف تقديره (هو).
قال ابن القيم ﵀: هو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمِّن خوف الخائف ويجير المستجير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه؛ تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه؛ أمَّنه مما يخاف ويحذر، ويجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع.
قوله: قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٧٠].
قوله: وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي ﷺ في سبعين راكباً حتى انتهى إلى حمراء الأسد فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة بمن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون محمداً عني رسالة؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة، وأنها قول الخليلين عليهما في الشدائد.
وجاء في الحديث: (إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)].
стр. 1241
مسائل في باب قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ في الشدائد].
стр. 1242
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩١]
الأمن من مكر الله من كبائر الذنوب، لأنه يجعل الإنسان يتمادى في غيه وضلاله ومعاصيه، وكذلك اليأس من روح الله من كبائر الذنوب أيضاً؛ لأنه يجعل الإنسان يترك التوبة والرجوع إلى الله تعالى، والواجب على الإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء، فيخاف من ذنوبه ويتوب إلى الله تعالى منها، ويرجو ثواب الله تعالى ولا يقنط من رحمته سبحانه، فيجعل الخوف والرجاء عنده كالجناحين للطائر، حتى يبلغه ذلك رضوان الله تعالى وجنته.
стр. 1243
باب قول الله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
قال المصنف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
قصد المصنف ﵀ بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي كمال التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك؛ وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأرشد إليه السلف والأئمة.
ومعنى الآية: أن الله ﵎ لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]، أي: الهالكون؛ وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فاستبعدوا أن يكون ذلك مكراً.
قال الحسن ﵀: (من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له).
وقال قتادة: (بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغرتهم، فلا تغتروا بالله).
وفي الحديث: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)، رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال إسماعيل بن رافع: من الأمن من مكر الله: إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
رواه ابن أبي حاتم، وهذا هو تفسير المكر في قول بعض السلف: (يستدرجهم الله بالنعم إذا عصوه ويملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا هو معنى المكر والخديعة ونحو ذلك.
ذكره ابن جرير بمعناه].
стр. 1244
الأمن من مكر الله من كبائر الذنوب
من المعلوم أنه لا يراقب الله جل وعلا ولا يخاف منه إلا المؤمن، الذي يؤمن بأن كل شيء بيد الله، وأنه خلق العباد لعبادته، وأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يجب أن يطاع أمره ويجتنب نهيه، وهو الذي خلق العباد للجزاء أو العقاب، وإذا لم يكن عند الإنسان تصور لما تقدم، وليس عنده تصور لوقوفه بين يدي الله فيجازى بعمله الذي عمله؛ يصبح كالبهيمة لا يبالي بشيء، بل يسعى للشيء الذي يروق له ويناسب شهواته، فمثل هؤلاء أمنوا مكر الله؛ لأنهم في الواقع لم يلتفتوا إلى ما خلقوا له، ولم يبالوا بأمر الله الذي خلقوا من أجله وهو طاعته، وإنما رأوا أنهم خلقوا للأكل والشرب والتمتع بالملذات حسب المستطاع الذي يستطيعونه، فهؤلاء لا عبرة فيهم وفي لهوهم ولعبهم وانشغالهم بالدنيا، وإنما الذي يوجه إليه مثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] هم الذين يستشعرون بأن الله جل وعلا خلقهم وأنه سيحاسبهم، هؤلاء هم الذين يستفيدون من الخطاب أو قد يستفيدون منه.
ثم من المعلوم أن خطاب الله جل وعلا في القرآن الكريم وإن كان عاماً شاملاً للخلق كلهم فإنما يستفيد منه المؤمنون فقط، فالمؤمنون هم الذي يستفيدون منه ويمتثلون ذلك، ولهذا وجه إليهم النداء بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، في كثير من الآيات؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، وإلا فالجميع سيلاقون ربهم ويسألهم جل وعلا وهم عبيده.
ثم إن من حكمة الله جل وعلا أن جعل الجزاءات والعقوبات غير معجلة، ولذلك ترى الإنسان يتمادى في غيه وفي معاصيه والله تعالى يغدق عليه من الأرزاق والصحة والعافية، فيبتعد كل البعد عما خلق له من الطاعة ومن العمل، فهذا من المكر؛ لأنه كلما عمل سيئة تحسن في نظره وفي فكره فيعمل سيئة أخرى وهكذا حتى يصل إلى اقتراف السيئات الكبيرة والكثيرة، وهذا الإملاء هو الذي حذر منه السلف في هذه الآثار: (إذا رأيت الرجل يعطى النعم وهو مقيم على المعاصي فإنه مكر).
ولكن يوجد من الناس من يؤمن بالله، وأنه سيلاقي ربه فيجازيه، وأنه عبد لله، وأنه خلق لطاعته وتوحيده واتباع رسوله ﷺ ، ومع ذلك تراه يعصيه وهو يعلم، وقد يقع كثير من الناس في المعاصي وهم لا يدرون أنها معصية؛ وذلك لقصورهم في العلم وجهلهم؛ فتراهم لا يهتمون بالعلم الذي يوصلهم إلى الله، وإنما أكثر الناس يهتم بالدنيا أكثر من اللازم، أما أمور الدين فلا يعطيها من الاهتمام إلا شيئاً يسيراً، والناس يختلفون في هذا اختلافاً كبيراً، فمنهم من ينسى آخرته، ويكون كل اهتمامه وغايته الحصول على الدنيا، وهذا كثير، وهؤلاء هم أبناء الدنيا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: (إن للدنيا أبناء وللآخرة أبناء)، والمقصود بالأبناء: الذين يجعلون عملهم وكدهم وكدحهم وتحصيلهم لهذه أو لهذه، وقد جاء: أن الدنيا والآخرة ضرتان لا تقبل على واحدة إلا أضررت بالأخرى.
فلابد للإنسان أن يجعل نصب عينيه دائماً الجنة والنار؛ لأن هذه هي الغاية، فالناس يتسابقون إما إلى الجنة أو إلى النار ولابد، فإن هذه نهايتهم ومنتهاهم، وهذه الحياة منتهية بلا شك وستمضي، سواء كانت في الأمور التي يحبها الإنسان أو في الأمور التي يكرهها ويبغضها، وتنسى لقلتها وحقارتها وقصر أمدها، وإنما الشأن في كون الإنسان يستشعر الذي خلق له، ويعلم أن مصيره إلى ربه جل وعلا، وأنه سوف يجازيه بعمله، فيحاسب نفسه ويسير على هذا المنوال، ثم يجب أن يكون خائفاً من ذنوبه وراجياً لرحمة ربه، فيكون بين هذين الأمرين: في خوف يمنعه من اقتراف المعاصي، ورجاء يدفعه إلى التعلق بربه جل وعلا.
وكذلك يكون عاملاً بالأوامر مجتنباً للنواهي، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، فأخبر أن الذي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه هو العامل الذي يقوم آناء الليل ساجداً وقائماً بين السجود والقيام، وكذلك يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، فالرجاء يكون مع العمل، والراجي لرحمة الله هو المحسن، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، أما إذا كان الإنسان يسيء العمل ويأتي بما يخالف ما أمر به وما جاء به رسول الله ﷺ ، ثم يتمنى على الله الأماني ويقول: أنا أرجو الله ورحمة الله واسعة، فلا شك أن رحمة الله واسعة، ولكن أنت مأمور بأوامر فلا تهملها، ولا يكن أمر الله عندك من أقل الأوامر، فإنه إذا كان أمر الله قليل الشأن لدى الإنسان فإنه لا يبالي به، فرحمة الله واسعة، ولكنها للعاملين الذين يعملون، أما الذي يترك أوامر الله وراء ظهره ولا يبالي بها، وربما تمادى في المعاصي باستهتار، فيستهتر بكل ما أمره الله جل وعلا به؛ فهذا يخشى عليه أن يطبع على قلبه ثم ينتكس، فيصبح يحب المعاصي ويألفها حتى يدعوه ذلك إلى الخروج من الدين الإسلامي نهائياً، ويكره الحق ويبغضه، فإذا كان بهذه المثابة فهو من الخاسرين الذين أمنوا مكر الله.
стр. 1245
القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب
ومن ناحية أخرى لا يجوز للإنسان أن يستولي عليه الخوف حتى يستبعد أن يغفر الله له ويرحمه، فينتقل من محذور إلى آخر؛ لأن القنوط من رحمة الله واليأس من روحه من الكبائر العظام التي تنقص التوحيد وتذهب بكماله، فلابد أن يكون الإنسان خائفاً من ذنوبه راجياً لرحمة الله، وفضل الله واسع، وكرمه لا نهاية له، ولكنه لا يكون للمفرط العاصي الذي لا يبالي بأمر الله، وإنما يكون لمن فرط ووقع في المعاصي من غير أن يكون مستخفاً بأمر الله جل وعلا ولا مستهتراً به، أما إذا جاء الاستخفاف والاستهتار وعدم المبالاة فهذا يخشى أن ينزع منه الإيمان نهائياً، ويصبح محباً للمعاصي وأهل المعاصي، ثم تتراكم عليه المعاصي حتى يصبح ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
ومعلوم أن من كانت ذنوبه غالبة عليه فهو ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]، فمن ثقلت موازينه ولو بالشيء القليل فهو من المفلحين، ومن خفت موازينه فهو من الخاسرين، فمن ثقلت موازينه فهو في عشية راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، والهاوية: هي جهنم، نسأل الله العافية، فالأعمال توزن، ولكن من فضل الله وكرمه أنه لو فضل للإنسان مثقال ذرة من الحسنات فإن الله يضاعفها له ويدخله بها الجنة، يضاعف هذا المثقال ويدخله به الجنة، ولكن المشكل أن يأتي الإنسان بحسنات كثيرة ويأتي بسيئات أكثر! ومن المعلوم أن اكتساب الحسنات ليس في الصلاة والصوم والزكاة وتلاوة القرآن والذكر فقط، بل هناك أعمال القلوب التي تكتسب بها الحسنات والسيئات، فأعمال القلوب فيها كبائر وصغائر كما أن أعمال الجوارح فيها كبائر وصغائر، فمن أعمال القلوب: الحسد والغل وبغض الحق وكراهيته، فهذه من عظائم الذنوب وإن لم ينطق بها الإنسان، وكذلك النيات الطيبة -كمحبة الخير ونحو ذلك- يتفاوت فيها الناس تفاوتاً كبيراً، وعلى إثر ذلك يؤجرون.
والمقصود: أن الله جل وعلا يذكر لنا في كتابه أنه شديد العقاب، كما يذكر لنا أنه غفور رحيم، ويذكر لنا الجنة وما فيها وما أعد لأهلها، ويذكر لنا النار وما فيها وما أعد لأهلها فيها، كما أنه يذكر أعمال الأمم السابقة التي بسببها أخذوا وأهلكوا، ويذكر أعمال الصالحين التي بسببها نصروا وأكرموا؛ لتكون عبرة لنا فنستمع القول فنتبع أحسنه، وننظر إلى الأعمال ونفعل الأعمال الحسنة ونجتنب الأعمال السيئة، فنرجو الجنة ونخاف من النار.
стр. 1246
كيفية تحصيل النعم ودفع الألم
هناك أمر -كل إنسان يدركه- وهو أن كل حي يسعى إلى تحصيل الملذات والنعم، ويسعى إلى إبعاد كل مؤلم عنه، هذا في الأمور المحسوسة المشاهدة، ولا يمكن أن يخالف في هذا إلا من ليس عنده عقل، ولكن إذا كان في أمور موعود بها وهي غائبة فقد يستبعد الإنسان هذا الشيء، وتسول له نفسه حتى يستولي عليه الشيطان، إلا إذا كان عنده الإيمان الكامل الذي يمنعه من اقتراف المعاصي، فخاف أن يقترف هذه الملذات الزائلة فتفوته الملذات الدائمة، ولكن كثيراً من الناس إيمانهم غير كامل.
ثم إن تحصيل النعم واجتناب الألم له أسباب، فلابد من تحصيل سبب هذا وتوقي سبب ذاك، فهذه أمور أربعة: طلب الخير والنعيم، ودفع الشر والألم، وسبب هذا وسبب هذا، وهذه كلها بيد الله جل وعلا، والإنسان لا يملكها، فإذا آمن بالله واتبع أمره واجتنب نهيه فإن الله يوصله إلى مراده، ويسهل عليه الطريق، فيتحصل على النعيم، أولاً: نعيم الأنس بالله وبطاعته، ثم بعد ذلك إذا فارق هذه الدنيا يكون ذلك هو خير أيامه التي مرت عليه، ويكون خير يوم يمر عليه يوم يلاقي الله جل وعلا، ثم إن أعظم الشدائد التي يلاقيها وأصعبها هو الموت فقط، أما بعد ذلك فهو ينتقل من خير، إلى ما هو أخير إلى أن يستقر في دار القرار في جنة رب العالمين التي أعدها لعباده، أما إن كان بالعكس فالأمور بالعكس: فأسهل الشدائد التي تمر عليه الموت وما بعد الموت أشد منه، ثم ينتقل من شدة إلى ما هو أشد، إلى أن تجتمع الشدائد كلها والآلام كلها في جهنم.
هذا هو المصير الذي ينتهي إليه الناس جميعاً، إما هذا وإما هذا، ومن المعلوم أن الناس فيهم المجتهد في هذا والمجتهد في هذا، فيهم من يجتهد في تحصيل الملذات والنعيم من الطريق الصحيح، ويجتهد في إبعاد المؤلم والمؤذي بفعل الأسباب، ومنهم من يكون أقل، ومنهم من يكون بالعكس، ولهذا تفاوتت جزاءاتهم وعقاباتهم تفاوتاً عظيماً، حتى إن من المؤمنين من يدخل النار، وذلك إذا لم تكن المصائب والشدائد كافية في تطهيره، فإن الموت والمرض والمصائب والمؤلمات التي تمر بالمؤمن قد تكون كفارات له من الذنوب، ولا يلزم أن يكون هذا لكل أحد، ثم بعد الموت يكون عذاب في القبر، وعذاب القبر بلا شك أنه أطول بكثير مما يلاقيه الإنسان في حياته من نعيم أو ألم؛ لأن بقاءه في القبر أكثر من بقائه على ظهر هذه الأرض، ثم قد لا يكفي كل هذا، فيلاقي الصعوبات والشدائد في الموقف في يوم القيامة، حتى إن من الناس في الموقف من يتمنى أن يذهب به إلى النار حتى يرتاح من الموقف، وهذه طبيعة الإنسان: أنه كلما وقع في شيء مؤلم يتمنى أن ينتقل منه إلى غيره ولو كان ذلك أشد؛ لأنه لا يتصور أن الذي بعده أشد، ثم قد ينتقل من ذلك إلى جهنم -وإن كان عنده إيمان- ثم بعد ذلك إذا لقي جزاءه يرحمه الله جل وعلا برحمته إذا كان عنده أصل الإيمان فيخرجه منها، ولكن هل يخاف الإنسان من كونه يلاقي هذه الشدائد وهذا العذاب؟! فالعاقل هو الذي يبحث عن النعيم الذي يتنعم به دائماً، ويبحث عن وقاية من المؤلم دائمةً.
стр. 1247
الأمور التي تدفع الإنسان إلى فعل الخير لينال النعيم
إذا استشعر الإنسان هذا بحقيقته وعرفه فإنه يحدوه إلى العمل؛ وذلك لأنه أولاً يؤمن بأن الله يعذب العصاة، فإذا وقع في المعصية يجب عليه أن يخاف فيحترز من ذلك، ويحدث توبة وأعمالاً يرجو أن يقبلها الله منه ويعفو عما سلف.
فأولاً: يكون مؤمناً بأن الله لما توعد ووعد أنه لابد من وقوع ذلك، فيجتنب الأعمال التي يترتب عليها الوعيد، ويفعل الأعمال التي يترتب عليها الوعد.
ثانياً: من الأمور التي تدفع الإنسان إلى أنه يجتهد: أنه لا يدري هل قبلت أعماله أو ردت؛ لأن الأعمال لها آفات كثيرة، والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه وكان على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾: يعني على السنة، أما إذا كان على غير السنة فهو ليس بصالح: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ أي: يجب أن يكون العمل خالصاً لله جل وعلا لا يقصد به غير الله.
الأمر الثالث: أنه لا يدري على ماذا يموت، فيجوز أن يموت على غير ما عاش عليه، والأمور كلها بيد الله يتصرف فبها كيف يشاء، فمن شاء أن يهديه هداه ومن شاء أن يضله أضله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فيخاف من سوء الخاتمة فقد يؤخذ الإنسان بغتة على أسوأ أعماله، وهذا مشاهد، فقد يكون الإنسان في أسوأ حالة ثم يموت على ذلك، نسأل الله العافية.
فهذه الأمور تجعل الإنسان يجتهد، وإذا اجتهد فيجب أن يكون اجتهاده على وفق أمر الله، فيكون بين هذا وهذا خائفاً راجياً، فذكر الجنة والنار سيكون حادياً للعمال الذين يعملون للجنة ومانعاً لهم عن العمل الذي يقرب إلى النار، أما رب العالمين جل وعلا فإنه غني بذاته عن عمل عباده كلهم، فلا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي، ولو أن عباده كلهم صاروا على أكفر قلب رجل واحد منهم ما ضره ذلك بشيء، وإنما يضرون أنفسهم فقط، ولهذا جاء في الحديث القدسي أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ثم قال: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله؛ -لأن ذلك بتوفيقه وبنعمته وفضله- ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) , النفس هي الملومة؛ لأنها هي التي اكتسبت ذلك، ولا يدخل أحد النار إلا بعمله، كما أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بالأسباب التي جعلها الله سبباً لذلك، وقد كان الرسول ﷺ يأمر منادياً بالمجامع أن ينادي: (إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)؛ ليكون ذلك معلوماً، ويكون ذلك بلاغاً بلغ به الرسول ﷺ عن ربه جل وعلا، فعلى الإنسان أن يسعى لخلاص نفسه على وفق إرشاد الله لنا وتوجيهه لنا، فنخاف ذنوبنا ونرجو رحمة ربنا دائماً، مع فعل الأوامر واجتناب النواهي.
стр. 1248
القنوط من رحمة الله ضلال وهلكة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]].
القنوط: هو اليأس وفقد الأمل، كأن يعمل عملاً يستعظمه فيقول: هلكت ولن تنفعني توبة ولا عمل صالح، فكونه يستبعد المغفرة ويغلق الباب أمامه هذا من أعظم الكبائر، وهذا أيضاً من الأمور التي تذهب بكمال التوحيد، ولهذا ذكره، فقد ذكر الآية الأولى التي فيها التحذير من الأمن من مكر الله، وهو أن يعمل الإنسان المعاصي ولا يخاف من عقاب الله، فهذا هو الأمن من مكر الله، ثم ذكر هذه الآية وفيها التحذير من القنوط، وهو: أن الإنسان إذا عمل معصية يقنط ويقول: لست أهلاً للمغفرة، ولن يغفر لي، ويستبعد أن يغفر الله له ويتوب عليه، فيكون بهذا القنوط قد انتقل من ذنب إلى ما هو أكبر منه، وهذا هو الذي يريده الشيطان.
فيجب على الإنسان مهما كان ذنبه أن يعلم أنه إذا تاب صادقاً فإن الله يتوب عليه، وأن رحمته وسعت كل شيء، فيخاف من ذنبه ويتعلق برحمة ربه، وهذا يدلنا على أن الإنسان يجب أن يكون دائماً بين الخوف والرجاء، كما أرشد إلى ذلك كتاب الله جل وعلا في كثير من الآيات قال الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فبدأ أولاً بالمغفرة وأنه غفور رحيم، ثم ذكر أن عذابه عذابٌ أليم، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨]، والتوبة النصوح: هي التي تتضمن الصدق، فيصدق فيها ويندم على وقوعه في الذنب، ويعزم عزماً صادقاً على أن لا يعاود الذنب، ثم لو قدر أنه عاد إلى ذنب فعليه أن يتوب وهكذا، ولو تكرر ذلك في اليوم فلا يجوز أن يقنط من رحمة الله ويقول: كثرت ذنوبي وأصبحت لا أستحق أن يغفر الله لي، فإن الشيطان حريص على أن يوصل الإنسان إلى هذه المرحلة حتى يجعله هالكاً.
стр. 1249
سعة رحمة الله وحبه الخير لعبده وفرحه بتوبته
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده التائب من أحدكم يفقد راحلته عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة، فيطلبها فييأس من وجودها، ثم يضع رأسه تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة، فبينما هو كذلك في انتظار الموت إذا راحلته قائمة على رأسه، فيأخذ بخطامها فيقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) , ففرح الله وجوده وكرمه عظيم، وهذا غاية ما يتصور من الفرح، فهذا إنسان فقد الحياة وأيس منها، ثم تعود إليه في لحظة ينتظر فيها الموت! فإنه يفرح فرحاً عظيماً وهو غاية ما يصل إليه الفرح: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده)، هل لأن الله جل وعلا يحتاج إلى عبده؟ كلا! ولكن لكرمه وجوده وفضله وحبه للخير تعالى وتقدس، فيحب أن يكون عبده ممن يفعل الخير ويريده ويتعرض له، ويكره أن يكون عبده معذباً، ولكن يأبى العبد إلا أن يقع في الأذى كما قال الرسول ﷺ : (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فالأمر يتعلق بالإنسان نفسه وبطاعته ومعصيته.
وفي الصحيح أيضاً أن الرسول ﷺ ذكر رجلاً مسرفاً على نفسه، قتالاً سفاكاً للدماء، قد قتل تسعاً وتسعين نفساً بغير حق، ثم بعد ذلك ألقى الله جل وعلا في قلبه الندم وطلب التوبة، وصار يبحث ويسأل ويقول: دلوني على عالم أسأله، فدل على رجل عابد فسأله فقال: إنه لا توبة لك؛ لأن الذي يقتل النفس الواحدة كأنما قتل الناس جميعاً، فكيف وقد قتلت تسعاً وتسعين نفساً؟ فعند ذلك قتله وكمل به المائة! ومع ذلك عاد على نفسه باللوم وقال: كيف هذا التمادي؟! فأصبح يسأل، فدل على رجل عالم فسأله هل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أهل بلد فساد وإسراف، وتوجد هناك بلد خير وأهله أهل خير وطاعة فهاجر إليها وتب صادقاً، فامتثل ذلك وهاجر صادقاً تائباً مقبلاً على ربه جل وعلا، وفي أثناء الطريق أدركه الموت، فجاءته ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه إلى جهنم، وجاءت ملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه إلى رحمة الله؛ لأنه جاء تائباً، فأصبحوا يتخاصمون عنده كل فريق يقول: نحن أولى به، فهؤلاء يقولون: هذا مسرف قتال ما عمل خيراً قط، وهؤلاء يقولون: جاء تائباً منيباً صادقاً، والتوبة هي نهايته وآخر عمله فنحن أولى به، فاختصموا، وعند ذلك أرسل الله جل وعلا إليهم ملكاً ليكون حكماً بينهم، فقال: قيسوا ما بينه وبين البلدين، فأيهما كان إليها أقرب فهو من أهلها، فوجدوه إلى بلد الخير أقرب بشبر أو ذراع فقبضته ملائكة الرحمة.
وفي رواية -وهي تدل على صدقه- (أنه كان ينوء بصدره -وهو يكابد الموت- يعجز أن يسير فينوء بصدره ليقرب من البلد الصالح).
وفي رواية: (أن الله أوحى إلى البلد الخير أن تقاربي، وإلى البلد الشر أن تباعدي).
والمقصود: أن هذا يدل على عظم رحمة الله جل وعلا، وأنه لا يهلك إلا الهالكون، غير أنه يجب أن يعلم أن هناك أموراً تقتضي رحمة الله: أولاً: أن يكون الإنسان على الإيمان.
الثاني: أن يكون على السنة، فلا يكون على بدعة وضلال، فيعمل أعمالاً على خلاف ما جاء به الرسول ﷺ وإن كانت كثيرة، فإنه إن كان بهذه المثابة فهو ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤] , وقال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥]، فذكر أنهم يخشعون ويعملون وينصبون، والنتيجة: أنهم يصلون النار الحامية؛ لأنهم على ضلال وبدع، فإذا كان الإنسان على السنة، وإن كان عمله قليلاً وإن كان عنده إسراف، فيجب أن لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من روح الله، مع أنه يجب أن يخاف حتى يكون الخوف حاملاً له على العمل وداعياً له إلى اجتناب المعاصي، ويكون الرجاء مرغباً له في فعل الطاعة.
стр. 1250
الخوف والرجاء
قال الشارح رحمه الله تعالى: [القنوط استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله وكلاهما ذنب عظيم وتقدم ما فيه لمنافاته لكمال التوحيد.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذه الآية مع التي قبلها تنبيهاً على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته؛ بل يكون خائفاً راجياً، يخاف ذنوبه ويعمل بطاعته ويرجو رحمته، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]].
يقول بعض العلماء: ينبغي للإنسان ما دام في صحته وقوته أن يكون الخوف أغلب عليه حتى يكون العمل أمامه، أي: يعمل لأجل ذلك، أما إذا كان في المرض والضعف فإنه ينبغي أن يعكس القضية ويكون الرجاء أغلب عنده من الخوف؛ لقول الرسول ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بربه) , وفي الحديث الآخر أن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ظن خيراً وجده وإن ظن شراً وجده) , فيقدم الرجاء، وينبغي إذا كان في المرض أن يذكر بأعماله الطيبة الصالحة حتى يكون ذلك داعياً لرجائه فيغلب الرجاء، وذلك لأنه في هذه الحالة أصبح لا يستطيع أن يعمل، وبقي معه عمل القلب فقط، فيأتي بعمل القلب وهو الرجاء حتى يغلب الخوف فيكون ممن ظن ظناً حسناً؛ ليكون الله عند ظنه هذا الذي ذكره بعض العلماء، وبعضهم يقول: بل يكون بين الخوف والرجاء دائماً، فإنه إذا غلب أحدهما الآخر فسد القلب، فالذي يغلبه الخوف يقع في طريقة الخوارج والحرورية وأهل الوعيد مثل المعتزلة، والذي يغلبه الرجاء قد يدعوه ذلك إلى أن يقع في طريقة المرجئة الذين تركوا الأعمال وأصبحوا يرون أن الإيمان يكفي فيه عمل القلب الذي يقولونه، وإلا فليس هو عمل قلب في الواقع، وإنما هي أمور وتصورات خاطئة، ويجب أن يكون الإنسان بين هذا وهذا بين الخوف والرجاء دائماً.
قوله: [الرجاء مع المعصية وترك الطاعة غرور من الشيطان؛ ليوقع العبد في المخاوف مع ترك الأسباب المنجية من المهالك، بخلاف حال أهل الإيمان الذين أخذوا بأسباب النجاة خوفاً من الله تعالى وهرباً من عقابه وطمعاً في المغفرة ورجاءً لثوابه.
والمعنى: أن الله تعالى حكى قول خليله إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر:٥٤]؛ لأن العادة أن الرجل إذا كبر سنه وسن زوجته استبعد أن يولد له منها، والله على كل شيء قدير، فقالت الملائكة: (بشرناك بالحق) الذي لا ريب فيه، فإن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، (فلا تكن من القانطين) أي: من الآيسين، فقال ﵊: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه -والله أعلم- قال ذلك على وجه التعجب!].
هو على وجه التعجب؛ لأن العادة التي أجرى الله جل وعلا عليها خلقه أن المرأة إذا كبرت وتعدت الخمسين لا يولد لها، فهذا شيء اعتاد عليه الخلق، فإذا خرج عن ذلك شيء فهو من آيات الله، وإلا فإن إبراهيم ﵇ يعلم أن الله على كل شيء قدير، فهو الذي خلق آدم من التراب، وخلق عيسى من امرأة من دون ذكر، وخلق حواء من ذكر بلا امرأة، فهو قادر على أن يخلق ما يشاء، فخلق بني آدم وجعلهم جل وعلا على أصناف أربعة؛ ليبين قدرته: فآدم خلق من تراب، فهو إنسان حي سميع بصير يعلم ويتكلم ومع ذلك خلق من تراب ميت يابس! فهذا من تراب بقدرة الله جل وعلا.
هذا قسم.
القسم الثاني: المرأة التي خلقت من آدم -حواء- فإنها خلقت من ضلعه فهي بضعة منه.
والقسم الثالث: عكس القسم الثاني: رجل خلق من امرأة فقط بدون أن يتصل بها ذكر وهو عيسى ﵇ فقط.
والقسم الرابع: العادة التي أجراها الله أن المولود يكون من بين ذكر وأنثى، ولهذا لا يستغرب الناس ذلك مع أنه غريب في الواقع، ولهذا يأمر الله جل وعلا بالتفكر فيه، كيف يخلق هذا الحي العجيب من نطفة؟! ولهذا كثيراً ما يذكر الله جل وعلا هذا لنتعجب ولنتفكر فيقول جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، يعني فيها آيات ولكنكم معرضون عنها: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، ينظر ويتعجب من أين خلق؟! ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢].
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب التفكر في هذا الخلق.
فإبراهيم ﵇ نظراً للعادة التي عليها الخلق، لما بشروه بإسحاق وقد بلغ من السن عتياً هو وزوجته ولماذا إسحاق وليس إسماعيل؟ لأن ولده الكبير إسماعيل ليس من زوجته بل من أمته هاجر، وهي أمة وهبتها له زوجته سارة، فلما ولدت غارت منها، فهاجر بها إبراهيم إلى مكة ووضعها هي وابنها هناك، وتركهما وليس معهما أحد، كما هو معروف في القصة، وهذه البشارة جاءت بعد ذلك حينما جاءت الملائكة لإهلاك قوم لوط، كما ذكر الله جل وعلا ذلك في سورة الذاريات: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٣] , يعني: قوم لوط، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت:٣٢].
فالمقصود: أن هذه البشارة كانت متأخرة عن مولد إسماعيل، ولهذا فإن إسحاق هو أبو الأنبياء، فإن الذين جاءوا من بعده كلهم من ولد إسحاق إلا محمداً ﷺ فقط فهو من ولد إسماعيل، أما البقية فمن ولد إسحاق، والله جل وعلا ما أرسل نبياً بعد إبراهيم إلا من ذريته، فكل الأنبياء الذين أرسلوا بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم.
المقصود: أنه قال هذا لما قَالُوا: بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ, أي: بالشيء الواقع الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل: ﴿فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥ - ٥٦]، أي: لست من القانطين، ولكن هذا أمر خرج عن العادة، فقوله: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) كأنه ظنهم من آحاد الناس فقال: كيف تبشرونني بهذا وأنا في هذا السن وزوجتي عجوز -كما قالت هي: عجوز عقيم- يعني: كيف تلد وهي بهذه الصفة؟ فأخبروه أنهم رسل الله وأنها بشارة من الله جل وعلا، فلما كان كذلك لم يكن هناك مجال للقنوط.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، الضال: هو الذي ترك الحق وارتكب غيره -أضاع طريقه- فصار طريقه ليس الطريق السليم المنجي بل هو المهلك، ولهذا فسره بعض العلماء بالهالكين، فالذي ضل يهلك، والذي يقنط من رحمة ربه يكون هالكاً.
قال ﵀: [قوله: (إِلاَّ الضَّالُّونَ)، قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب أو إلا الكافرون، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]].
стр. 1251
الفرق بين اليأس والقنوط
اختلف في الفرق بين اليأس والقنوط، فمن العلماء من يقول: القنوط شدة اليأس، فيكون الفرق بينهما مثل الفرق بين الدعاء والاستغاثة، فالاستغاثة دعاء خاص في حالة خاصة وهي داخلة في الدعاء، فيكون القنوط يأساً ولكنه أعظم اليأس وأشده، وقد أخبر جل وعلا في قصة يوسف ويعقوب حفيد إبراهيم أن يعقوب قال لبنيه: ﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فالذي ييأس يكون كافراً.
стр. 1252
اليأس من روح الله والأمن من مكر الله
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله)].
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فقال: ابن معين ﵀: ثقة، ولينه أبو حاتم.
وقال: ابن كثير: في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً.
قوله: (الشرك بالله) هو أكبر الكبائر، قال: ابن القيم رحمه الله تعالى: الشرك بالله هضم للربوبية وتنقص للإلهية وسوء ظن برب العالمين.
انتهى.
ولقد صدق ونصح، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ولهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
قوله: (واليأس من روح الله) أي: قطع الرجاء والأمل من الله فيما يخافه ويرجوه؛ وذلك إساءة ظن بالله وجهل به وبسعة رحمته وجوده ومغفرته.
قوله: (والأمن من مكر الله) أي: من استدراجه للعبد وسلبه ما أعطاه من الإيمان، نعوذ بالله من ذلك! وذلك جهل بالله وبقدرته وثقة بالنفس وعجب بها.
стр. 1253
الكلام على الكبائر والصغائر
قال الشارح ﵀: واعلم أن هذا الحديث لم يرد به حصر الكبائر في الثلاث، بل الكبائر كثيرة، وهذه الثلاث من أكبر الكبائر المذكورة في الكتاب والسنة، وضابطها: ما قاله المحققون من العلماء: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، زاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أو نفي الإيمان.
قلت: ومن برئ منه رسول الله ﷺ ، أو قال: (ليس منا من فعل كذا وكذا)، وعن ابن عباس ﵄: (هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة من الاستغفار ولا صغيرة من الإصرار)].
من الكبائر: الإشراك بالله والأمن من مكر الله واليأس من روح الله.
ومعلوم أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: قسم كبير وقسم صغير، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فاشترط جل وعلا لتكفير السيئات اجتناب الكبائر، فدل هذا على أن الذنوب منها ما هو كبير ومنها ما هو صغير، وبعض العلماء ينكر هذا ويقول: الذنوب كلها كبيرة، وهذا بالنظر إلى من عُصي؛ لأن الرب جل وعلا شأنه عظيم، ومجرد المعصية كبيرة وإن كان الذنب صغيراً في نظر العاصي إلا أنه كبير، ولكن ما دلت عليه الأدلة أولى، والأدلة دلت على أن الذنوب منها الكبير ومنها الصغير، وفي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ يذكر الكبائر ويقول: الكبائر كذا، وجاء أنه صلوات الله وسلامه عليه ذكر أن: (الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا لم تغش الكبائر)، ومن هنا قال العلماء: إن الكبائر لابد فيها من التوبة، أما الصغائر فتكفر بمجرد اجتناب الكبائر، ثم اختلفوا في الفرق بين الصغيرة والكبيرة بعد الاتفاق على أن هناك ذنوباً منصوصاً عليها بأنها من الكبائر.
ومعلوم أن الشرك هو أعظمها؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فجعل ما دون الشرك داخلاً تحت مشيئته جل وعلا، إذا شاء أن يغفره غفره وإن شاء أن يؤاخذ به آخذ به، أما إذا مات الإنسان على الشرك فهو غير مغفور له، والشرك ليس متساوياً بل بعضه أكبر من بعض، ففيه ما هو صغير وما هو كبير، وإن كان الذي يلحق بالصغائر ليس داخلاً فيه؛ لأنه لا يخرج من الدين الإسلامي يسير الرياء؛ كالحلف بغير الله الذي يجري على اللسان بدون قصد تعظيم المحلوف به، وما أشبه ذلك، فمثل هذا وإن كان من الكبائر فإنه لا يدخل في الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة؛ لأنه لا يخرج من الدين الإسلامي، أما الشرك الأكبر فإنه يخرج من الدين الإسلامي، وهو أعظم الذنوب؛ وذلك لأن المشرك تنقص الله جل وعلا وصرف حقه لمخلوق مثله لا يستطيع أن ينفع نفسه ويجلب لها النفع ولا أن يدفع عنها الضرر فكيف بغيره! وهذا عام في المخلوقين كلهم، وهو أن يجعل شيئاً من العبادة لمخلوق أو يشركه فيها، كأن يتوجه إليه بالدعاء فيدعوه ويقول: يا فلان أغثني أصلح قلبي ارزقني اشفع لي عند الله، وما أشبه ذلك، أو ينذر له نذراً سواء كان ذبيحة أو طعاماً أو غير ذلك، ويعتقد أن الميت يقبل هذا النذر ويثيبه عليه! أو يتبرك به أو بقبره ويطوف عليه أو يجلس عنده؛ لأن الجلوس والعكوف عبادة، ولهذا أثنى الله جل وعلا وأمر أن يطهر بيته للعاكفين وللقائمين والساجدين، فالعكوف عبادة، وكذلك سائر العبادات، مثل الخوف كأن يخافه الخوف الغيبي، أو الرجاء كأن يرجوه أن ينفعه نفعاً غير قائم على سبب، وأنواعه كثيرة جداً، وضابطها: أن تكون عبادة لله جل وعلا يثيب عليها أو يعاقب عليها ثم يجعلها للمخلوق أو يجعل بعضها للمخلوق، فيشرك بينه وبين الرب جل وعلا، فهذا من الشرك الأكبر وهو أعظم الكبائر.
أما بقية الكبائر فمن العلماء من حاول عدها وذكرها بأعيانها، فمنهم من ألف فيها مؤلفات في سردها، كالحافظ ابن القيم ﵀ فله مؤلف في الكبائر (كتاب الكبائر)، وكذلك الذهبي له كتابان في هذا: كتاب كبير وكتاب صغير، وكذلك ابن حجر الهيثمي له كتاب: (الزواجر في اقتراف الكبائر)، وهو أوسع الكتب التي ألفت في هذا الباب، وقد ذكر فيه كبائر كثيرة وقسمها إلى: كبائر تفعل بالجوارح الظاهرة وكبائر تفعل بالقلب كالحسد والغل وما أشبه ذلك.
ومعلوم أنه ﷺ لم يرد حصر الكبائر بهذا الحديث؛ لأنه سبق أن مر معنا: (اجتنبوا السبع الموبقات) فجعلها سبعاً وهنا ثلاثاً، وفي بعض الأحاديث أكثر وبعضها أقل، ولهذا اختلفوا في ضابطها ما الذي يفرق بينها وبين غيرها؟ ومنهم من ضبطها بأنها: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار أو بالغضب أو بالعذاب فإنه يكون من الكبائر، بل بعضهم قال: إذا توعد فاعلها، أو قيل في حقه: إنه ليس منا أو ليس على ملتنا، أو تبرأ منه رسول الله ﷺ فقال: (أنا بريء ممن فعل كذا وكذا) مثل ما جاء في الاستنجاء بالعظم والروث، فيكون هذا منها؛ لأن الرسول ﷺ تبرأ ممن فعل ذلك.
وهذا التفريق حتى تتميز الذنوب الكبيرة من الذنوب الصغيرة، ويعرف الإنسان الشيء الذي وقع فيه وأنه يجب عليه أن يبادر للتوبة ويتوب؛ لأنه إذا مات بدون توبة فإنه يكون مؤاخذاً بذلك إلا أن يشاء الله فيعفو عنه، مع أن التوبة تجب حتى من الصغائر؛ لأن الصغائر إذا اجتمعت تكون كبيرة، وقد ضرب الرسول ﷺ مثلاً لذلك بقوله: (وإياكم ومحقرات الذنوب)، سميت محقرات: لكون الإنسان يحقرها ويستصغرها، ثم لا يبالي بها فتكثر، فضرب لذلك مثلاً فقال: (فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا منزلاً فصاروا يجمعون حطباً هذا يأتي بعود وهذا يأتي بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم) فهذا مثلها، فإذا اجتمعت أحرقت الإنسان وأهلكته، وقول ابن عباس: إنها إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع أو قال إلى السبعين، يعني: أنها كثيرة غير محصورة.
стр. 1254
التوبة النصوح وشروطها
ولكن يقول: (لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار) يعني: أن الإنسان إذا وقع في الكبائر وتاب فإنها تمحى ويُعفى عنها؛ لأن المقصود بالاستغفار التوبة، والتوبة: هي التوبة النصوح، ولها شروط ثلاثة أو أربعة: أولاً: أن يقلع عن الذنب، ولا يصر عليه.
الثاني: أن يندم على وقوعه فيه.
الثالث: أن يعزم عزماً جازماً أنه لا يعاوده، فإذا فعل ذلك فتكون التوبة مقبولة بإذن الله، ولو عاد فعليه أن يتوب مرة أخرى، بشرط أن لا تكون عنده نية بأنه سيعود، فإن كانت عنده نية فهو مصر.
فإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي فإنه يضاف إلى ما تقدم هذا الشرط: أن يستسمح ممن أذنب في حقه ويرد له مظلمته.
يقول العلماء: هذه هي التوبة النصوح المقبولة عند الله، وهي التي أمر الله بها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨]، يعني: أن تكون صادقةً توفرت فيها الشروط السابقة يرجو بها ثواب الله، وأعظم الذنوب الشرك بالله جل وعلا، وسواء كان شركاً في الربوبية، وأمره واضح وظاهر، ولكن قد يقع فيه بعض الناس، أو كان شركاً في العبادة، أي: العبادةِ التي تصدر من الإنسان؛ لأن الإنسان عبدٌ لله جل وعلا، وقد كلف بأوامر وكلف بأن ينكف عن نواهي نهي عنها، فيجب أن يكون دائماً بين أمر الله فاعلاً له وتاركاً لما نهاه عنه مراقباً لهذا النهي لا يقربه، وبذلك تستقيم عبوديته لله جل وعلا.
فهذه العبادة يجب أن تكون لله خالصة، وضدها الشرك وهو: أن يقصد بعمله مخلوقاً من خلق الله جل وعلا، أو يقصد بعبادته أمراً دنيوياً ومصلحة عاجلة يتحصل عليها، سواء كانت رفعة أو ثناء يثني عليه الناس ويمدحونه فإن هذا نوع من عبادة النفس؛ لأنه يريد أن يكون هو الذي ينظر إليه ويشار إليه، ولكن يجب أن يعرف قدره عند الله بالنظر إلى عمله، فيعرض عمله على كتاب الله فربما يكون ممقوتاً عند الله، فلو كان كذلك فماذا يفيده لو أشار الناس إليه أو أثنوا عليه؟ لا يفيده ذلك شيئاً.
كذلك من الأمور التي قد تكون كبيرة والإنسان لا يشعر بها: العجب، فكونه يعجبه عمله ويرى أنه أفضل من غيره، أو أن يكون عنده من الحسد والحقد والبغضاء والكراهية للحق، فإن هذا أمره عظيم وقد يدخل في الشرك؛ لأن الذي يحمله على ذلك إما حب النفس أو حب أمر من أمور الدنيا، سواء كان من الأشخاص أو من المعاني.
ثم الأمن من مكر الله ومعناه: أن يتهاون بأمر الله ويستصغره ولا يهتم به، ولا يخاف من عقاب الله جل وعلا لو فعل ما نهى عنه، ولهذا يقال: إذا رأيت الإنسان مقيماً على المعصية وهو معافى فهذا هو الأمن من مكر الله، فيجب أن يكون الإنسان خائفاً مراقباً لربه جل وعلا، وإذا أمن مكره وقع في الكبيرة، وعكس هذا القنوط من رحمة الله وهو من الكبائر، وهو أنه يخاف خوفاً كبيراً ويقول: لا يغفر لي؛ لأني فعلت ذنوباً عظيمةً، فييأس ويقنط من رحمة الله، وهذا من إساءة الظن بالله جل وعلا، والله قد أخبر بأنه يغفر الذنوب جميعاً، وأنه إذا أراد أن يفعل شيئاً فلا يمنعه أحد، ولا يتعاظم الإنسان ذنباً من الذنوب فيبقى الباب أمامه موصداً، وهذا من تزيين الشيطان له ليهلكه، فيجب أن يرجع إلى ربه جل وعلا دائماً، ويعلم أن رحمة الله واسعة وسعت كل شيء، فيكون خائفاً من ذنوبه مراقباً لنفسه ألا تستمر على معصية وتتمادى عليها، ويكون عارفاً بفضل الله العظيم ورحمته وسعة مغفرته، فيكون بين هذا وهذا، ولا يصر على الصغيرة؛ لأن الاستمرار على الصغيرة يصيرها من الكبائر؛ لأن الله جل وعلا نهاه عن الذنوب مطلقاً، واستمراره على الذنب -وإن كان صغيراً- هو استسهالٌ للأمر واحتقار له فلذلك يصير كبيراً عند الله، أو أن الذنوب تتكاثر فإذا كثرت صارت كبيرة كما مثل الرسول ﷺ لذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله)، رواه عبد الرزاق].
قوله: (أكبر الكبائر الإشراك بالله) أي: في ربوبيته أو عبادته وهذا بالإجماع.
قوله: (والقنوط من رحمة الله) قال أبو السعادات: هو أشد اليأس.
وفيه التنبيه عن الرجاء والخوف فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله، وكان السلف يستحبون أن يقوي في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء، وهذه طريقة أبي سليمان الداراني وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، وقال : ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠ - ٦١] , وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقدم الحذر على الرجاء في هذه الآية].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف.
الثانية: تفسير آية الحجر.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط].
стр. 1255
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٢]
الإنسان معرض للبلايا والمصائب، وأقدار الله تعالى نازلة على كل أحد، فيجب على المسلم تجاهها أن يتسلح بسلاح الصبر، وأن يعلم أنه عبد لله تعالى، يتصرف فيه كيف يشاء، وأن الدنيا فانية، فمن صبر ورضي فله الرضا والأجر والمثوبة من الله تعالى، ومن سخط فله السخط، والصبر أمر واجب، فمن تركه كان ناقص التوحيد، وهو معرض لعذاب الله تعالى.
стр. 1256
باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله].
وجه مطابقة هذا الباب للكتاب: أن الصبر على القدر مأمور به وواجب، فمن تركه يكون ناقص التوحيد، فيبقى معرضاً لعذاب الله جل وعلا؛ لأن الذي ينقص كمال توحيده الواجب يكون قد ارتكب كبيرة.
فمن لم يصبر على قدر الله فإنه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد يتمادى في هذا حتى يخرجه ذلك من التوحيد مطلقاً، كما يحصل لبعض الناس إذا أصيب بمصيبة: بفقر أو مرض أو موت قريب أو ذهاب مال أو ما أشبه ذلك، فيحمله ذلك على السخط على الله، وربما دعاه إلى السب والشتم، كما يقع من بعض ضعاف الإيمان الذين يستولي عليهم الشيطان فيخرجهم بذلك إلى الكفر، نسأل الله العافية.
стр. 1257
توطين النفس على الصبر
الإنسان في هذه الحياة معرض للبلايا والمصائب، ولابد لكل حي أن يصاب بمصائب, وكل حي سيموت ومن حوله، فيجب أن يوطن نفسه على أنه أولاً: عبدٌ لله جل وعلا يتصرف به كيف يشاء، وليس له من نفسه في نفسه تصرف فالتصرف لله.
الثاني: أن يعلم أن هذه الدنيا لا قرار لها وأنها ستنتهي، وأن الشيء الذي يرضى به ويفرح به إما أن يذهب عنه ويزول، أو هو يتركه لغيره ولابد من ذلك، فهذا أمر عام, فيوطن نفسه على الصبر والاحتساب، وأن الشيء الذي كتبه الله لا بد أن يقع رضي أم سخط، فإن رضي أجر، والقدر سائر وماض، وإن سخط فله السخط وقدر الله جل وعلا لا بد من نفاذه.
стр. 1258
أنواع الصبر ومعناه
الصبر أقسام ثلاثة: قسم يكون على الطاعة، فيصبر الإنسان على الطاعة؛ لأن النفس قد تكون غير منقادة للطاعة، وقد تشق عليها بعض الطاعات فيحملها على هذا بالصبر.
القسم الثاني: صبر عن المعصية؛ لأن المعاصي كثير منها تهواه النفوس وتريدها، فيحمل نفسه على الصبر فيصبر ويحبسها عن هذا الشيء، ويرجو بذلك الأجر من الله، فيصبر خوفاً من الله ورجاءً في ثوابه.
القسم الثالث: الصبر على أقدار الله.
إذاً: فالأقسام ثلاثة: صبرٌ على مأمور، وصبر عن محظور، وصبر على مقدور، ولا بد أن يقع الإنسان في هذه الأمور، فإن صبر فله الأجر والثواب، وإن لم يصبر فقدر الله ماض وعليه الوزر والعقاب.
ثم الصبر مأخوذ من الحبس والمنع، ومنه الذي يقتل وهو محبوس -يحبس ثم يقتل- أو يمسك ثم يقتل، فيقال: قتل صبراً، أي: محبوس ليس له تصرف في نفسه.
فالصبر معناه: الحبس على الشيء ومنع النفس منه، فيمنع نفسه من التفلت من الطاعة ويحملها عليها ويصبر على ذلك، أو يصبر نفسه عن المعصية ويمنعها.
ويكون الصبر للقلب واللسان والجوارح، فالقلب لا يبغض ولا يكره بل يرضى ويسلم بقدر الله، واللسان لا يشتكي ولا يتكلم بالشيء الذي يسخط الله جل وعلا، والجوارح لا تلطم ولا تشق ولا تحثو التراب ولا تفعل فعلاً ينافي الصبر, فكل هذا يحملها على التسليم والطاعة والانقياد والرضا لله جل وعلا.
والإنسان إما أن يفعل طاعة مأموراً بها، أو ينهى عن معصية، أو أن عنده نعمة ثم قد يفقد شيئاً منها، فيجب أن يصبر على الطاعة، ويصبر عن المعصية، ويصبر على ما قدر عليه.
стр. 1259
جزاء الصبر
بالصبر ينال الأجر العظيم فإن الله جل وعلا يوفي الصابر أجره بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]؛ لأنه ليس كالحسنات الأخرى، فإنه قد ذكر الله جل وعلا أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وهذا عام، وفي بعض المواطن يكون له بالحسنة الواحدة سبعمائة حسنة، كما قال جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، فهذه حبة واحدة أصبحت سبعمائة حبة، حسنة واحدة تصبح سبعمائة حسنة، وهذا في الإنفاق في سبيل الله، وكذلك سائر الحسنات تكون الحسنة فيه بسبعمائة، ولكن الصبر ليس فيه عدد، وإنما يعطى الصابر أجره بلا حساب، مما يدل على عظمه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، لا سبعمائة ولا ألف ولا ألفين وليس هناك عدد محصور.
فإذا كان الله جل وعلا يقول: بغير حساب، فهو أمر عظيم جداً، فدل هذا على عظم الصبر وأنه جل وعلا يوفي الصابر جزاءه عظيماً بلا تقدير وعد, وهذا يجعل الإنسان يعرف أن أمر الصبر ليس سهلاً بل عظيم جداً، والسبب في هذا: أن الصبر يشق على النفوس مشقة لا يتحملها إلا من استشعر أمر الله وعرف قدر الله وقدر ثوابه وقدر عقابه، فرضي بأن يكون عبداً لله صادقاً، فيصبر ويعلم أنه بصبره ذلك في عبادة عظيمة، ولو لم يصبر لخسر ولا يؤثر عدم صبره في شيء, ثم إن الله جل وعلا أثنى على الصابرين في مواطن كثيرة من كتابه, جاء عن الإمام أحمد أن الله جل وعلا ذكر الصبر في تسعين موضعاً من كتابه، وجاء عن علي ﵁ أنه قال: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد) فإذا ذهب الرأس فما الفائدة من الجسم؟! وقال عمر ﵁: (وجدنا أطيب عيشنا بالصبر) والواقع أن الصابر يكون معه ربه جل وعلا, ويدرك مراده بالصبر.
وقد أخبر الله جل وعلا أن الإمامة تنال بالصبر: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤]، صاروا أئمة يقتدى بهم بالصبر، وكثيراً ما يقرن الصابر بأن الله معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]، ومن كان الله معه فلا يضره شيء, ولكن الصبر يجب أن يكون لله جل وعلا وبالله ولن يحصل صبر إلا بالله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧].
стр. 1260
أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بالصبر
الرسول ﷺ يؤمر بالصبر من أول الأمر، فإن أول ما أنزل عليه في تكليف الرسالة قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]، فأمره بالصبر في أول الأمر؛ لأن الإنسان معرض لكل شيء ولاسيما الذي يحتاج إليه الناس، فإنه لابد أن يناله شيء ولاسيما الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلابد أن يؤذى ولابد أن يتكلم فيه ولابد أن يعادى، فأمر بالصبر والتحمل لله جل وعلا, وليس لأجل الناس، ولهذا قال له: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٦]، وكثير من الآيات التي نزلت في مكة تأمره بالصبر، قال جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥]، والصبر الجميل: هو الصبر بلا شكاية، يصبر ولا يشكو مما وقع فيه، أما إذا حصلت الشكوى والتوجع فليس صبراً جميلاً وإن كان صبراً ولكنه ليس بجميل، فيجب على العبد أن يقتدي بنبيه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه امتثل أمر ربه جل وعلا.
стр. 1261
لا إيمان لمن لا صبر له
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله.
قال الإمام أحمد ﵀: ذكر الله الصبر في تسعين موضعاً من كتابه، وفي الحديث الصحيح: (الصبر ضياء) , رواه أحمد ومسلم.
وللبخاري ومسلم مرفوعاً: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).
قال: عمر ﵁: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) رواه البخاري.
قال علي ﵁: (إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له].
قوله: (ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) هذا واضح، وذلك أن الطاعة تحتاج إلى صبر، والمعصية تحتاج إلى صبر، والمصائب تحتاج إلى صبر، فإذا كان الإنسان ليس عنده صبر خرج من الدين لأول وهلة، فلا بد أن يصبر ويكون صبره لله، أي: يحتسب صبره أنه طاعة لله جل وعلا يثيبه عليه، ولا يكون صبره كصبر البهائم لا يقصد من ورائه شيئاً، بل يصبر طاعة لله جل وعلا ورجاءً لثوابه، لا لأجل الدنيا ولا لنيل مراد معجل بل لله جل وعلا، فيصبر على طاعة ويصبر عن معصية ويصبر على أمر مقدر أصيب به، ومع صبره على المقدر عليه أن يعلم أنه من عند الله جل وعلا أن الله قدر ذلك عليه وأنه لا بد أن يمضي, ثم يسلم ويحتسب ولا يتضجر ولا يشكو ربه لمخلوق؛ فإنه إذا شكا لمخلوق وقال: لقد أصبت بكذا وكذا فمعنى ذلك أنه يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه، يشكو من بيده أزمة الأمور كلها إلى ضعيف مسكين ليس عنده شيء، وهذا دليل على عدم الصبر ودليل على عدم الرضا، وإن كان عنده صبر فإنه ناقص وليس صبراً كاملاً, أما إذا خرج من ذلك إلى التسخط ووجدته يقول: أنا ما عملت عملاً أستحق به هذا الواقع الذي أنا فيه! فإن معنى ذلك أنه يرى أن ربه ظلمه وأن حكمه جائر، فيكون بذلك خارجاً من الدين الإسلامي نهائياً، نسأل الله العافية.
فيضحك عليه الشيطان ويخرجه من الدين الإسلامي بكلمات يسيرة، أو يزين له في قلبه سخط القضاء والتضجر منه وبغضه وكراهته، وإن كان يتكلم به بينه وبين نفسه ولم يكلم الناس بذلك.
стр. 1262
أقسام الناس عند المصائب
ولهذا فإن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: قسم تزيده قوة وإيماناً وخيراً وحسنات، وهو الذي يعلم أنها بقدر الله ثم يصبر ويرضى بذلك ويسلم، هذا يزداد بها خيراً وتكون المصيبة خيراً له من عدمها.
الثاني: من يخرج بالمصيبة إلى كفر أو إلى معصية عظيمة، بأن يسخطها ولا يصبر ويتضجر، أو أن يسخط ذلك ويعترض على ربه جل وعلا، ومعلوم أن أفعال الله جل وعلا كلها خير، ولا يجوز أن ينسب إلى الله شر بحال من الأحوال، كما قال الرسول ﷺ : (والشر ليس إليك) , فكل مصيبة يصاب بها الإنسان فهي من جراء فعله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وأما قول الله جل وعلا عن الكفار: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] , ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، المقصود هنا بالسيئة: الشيء الذي يسوء الإنسان: من فقده لولدٍ أو فقده مالاً أو انتصار عدو عليه أو ما أشبه ذلك, والمقصود بالحسنة هنا: الشيء الذي ينفعه عاجلاً، كرزق عاجل أو صحة في بدنه أو يرزق ولداً أو نصراً وتأييداً، أو ما أشبه ذلك من الأمور الظاهرة، هذا هو المقصود بالحسنة والسيئة في الآية.
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، لا يعارض قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]؛ لأن قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، أي: كله مقدر من الله جل وعلا تقديراً وجزاءً، وأما سببها فهو إما طاعة وإما معصية، إن كانت حسنة فسببها الطاعة، والله جل وعلا هو الذي تفضل على العبد وزين في قلبه الإيمان وكره إليه المعصية فعمل الطاعة فكان فضلاً، ثم جاء جزاؤها فصار فضلاً آخر، وهذا كله من الله، وأما إذا كانت سيئة (مصيبة) فإن سببها المعصية وهي من الله جزاءً، وجزاء السيئة عدل، فكون المسيء يجزى على سيئته هذا عدل وحكم حق.
وأما إذا كانت مصائب لا دخل للإنسان في ظاهر نظره فيها، فإنها لابد أن يكون لها أسباب، فإن لم يكن لها أسباب ظاهرة فلها أسباب الله يعلمها، والإنسان قد يخفى عليه، فإن قدر أن الإنسان مطيع فأصيب بمصائب، فإنه لا يخلو إما أن تكون له درجة عند الله رفيعة لا يصلها بعمله، فيصاب بهذه المصيبة حتى ترفع درجته بذلك إذا رضي وسلم واحتسب، أو يكون هو من الجاهلين الذين لا يعرفون ما للمعاصي وما حق الله جل وعلا.
ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي حق الله على الوجه الأتم المطلوب، مهما أوتي من المقدرة والعبادة والقوة، ولكن الله جل وعلا يقبل اليسير إذا صدق العبد، ويعفو عن الذنب الكبير، فإذا استشعر الإنسان هذه الأمور يهون عليه الأمر ويتسلى بالصبر، فالله جل وعلا جعل الصبر مسلاة لعباده المؤمنين، يصبرون حتى يجعل الله جل وعلا لهم الفرج مما هم فيه، وقد أخبر جل وعلا أن الصبر فيه خير كثير، وأنه ما صبر وصابر إنسان إلا حمد عاقبة صبره، وأن مع العسر يسرين؛ لأنه قال جل وعلا: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]، فجاء بالعسر معرفاً بـ (أل)، واليسر منكراً مرتين، فالمعرف هو واحد، أما اليسر فإنه يسران، ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يغلب عسر يسرين) وهذا في كل الأمور.
قال ﵀: [واشتقاقه من صبر: إذا حبس ومنع، والصبر: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، ذكره ابن القيم ﵀.
واعلم أن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى عنه، وصبر على ما قدره من المصائب].
стр. 1263
أقدار الله جل وعلا تقع بمشيئته وحكمته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١]].
قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قبلها أول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١] يعني: بأمره ومشيئته، كل مصيبة تقع فقد شاءها الله جل وعلا وقدرها وكتبها، فمن آمن بأنها من عند الله وبقدره ثم صبر وسلم، ولم يعترض على المقدور، بل رضي بفعل ربه وقال: أنا عبد لله جل وعلا وإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنه يهدي قبله، يعوضه هداية القلب، وهداية القلب بأن يجعل قلبه يحب الخير ويطلبه ويكره الشر ويبغضه ويبتعد عنه، فيزداد إيماناً مع إيمانه وعملاً صالحاً يكتسب به رضا ربه جل وعلا.
ومعنى ذلك: أن الإيمان هنا ذكر بفضل العمل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، و (من مصيبة) هنا نكرة تعم أي مصيبة: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ)، يؤمن أن هذه المصيبة من عند الله تقديراً ومشيئةً وإرادةً، وأنه لابد منها، (يهدِ قلبه) فسر ذلك بالرضا والصبر، والرضا والصبر عمل، فدخل العمل في الإيمان، وهذا أمر واضح، ولهذا فإن هذه الآية من أظهر ما استدل به العلماء على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١] قال ابن عباس بأمر الله.
يعني: عن قدره ومشيئته، أي: بمشيئته وإرادته وحكمته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]].
هذه الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: أن هذا شيء مكتوب ومفروغ منه، والضمير هنا في (نبرأها) يعود على النفس المصابة، أي: قبل أن تخلق وتوجد كتب عليها ذلك، ولابد من وقوعه، فإذا علم الإنسان ذلك يتسلى به ويصبر ويحتسب.
ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب، وفي الحديث الصحيح: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وهذا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (كتب الله مقادير الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، فكل شيء يقع صغيراً أو كبيراً حتى سقوط القلم من يد الإنسان، بل حركة أصابعه، بل حركة عروقه ونبضها مكتوب ومقدر، فكل شيء مكتوب قبل وجوده، وكل شيء فإنه مكتوب ومفروغ منه، والإيمان بهذا من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان الإنسان إلا بها، ولابد منه.
ثم يضاف إلى هذا أن الإنسان يجب أن يؤمن بأن الله هو الخالق وحده، وليس معه متصرف لا العبد ولا غيره، فهو الذي يصرف العبد، ويقدر عليه ما يشاء، وهو الذي كل كائنة تقع في الكون فبإذنه وأمره، ويضاف إلى هذا أيضاً أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لابد أن يعلم هذا، ويضاف إلى هذا أيضاً: أن العبد عبدٌ لله، يجب أن يكون ممتثلاً، وأنه تجب عليه أحكامه وأقداره، وليس خارجاً عن ذلك، إما أن يكون عبداً طوعاً أو يكون عبداً قهراً، حتى وإن تمرد وأبى فلا يخرجه ذلك عن كونه عبداً، كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣]، يعني: ذليلاً خاضعاً مقهوراً ليس له من نفسه تصرف، فإذا عرف هذا واستسلم وانقاد طائعاً صار عبداً حقيقة؛ لأن العبد ينقسم إلى قسمين: عبد بمعنى عابد أي: صدرت منه العبودية، وهذا هو الذي ينفع ويفيد، وعبد بمعنى معبّد مقهور مذلل مسخر، وهذا على الخلق كلهم الكافر والمؤمن والبر والفاجر، فيختار الإنسان أحدهما: إما أن يكون ممن تجري عليه الأقدار وهو مأزور ومقهور، أو ممن تجري عليه الأقدار وهو مأجور ويكون مطيعاً عبداً لله جل وعلا.
стр. 1264
الرضا والتسليم بأقدار الله تعالى
قال المصنف ﵀: [وقال: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، أي: من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب جازاه الله بهدايته قلبه التي هي أصل كل سعادة وخير في الدنيا والآخرة، وقد يخلف الله عليه في الدنيا ما كان أخذه، أو خيراً منه.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١]، تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته؛ وذلك يوجب الصبر والرضا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين.
قوله: (هو الرجل تصيبه المصيبة إلخ)، هذا الأثر رواه الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرئ عليه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
هذا سياق ابن جرير وفي هذا دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
قال سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، يعني: يسترجع يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الآية بيان أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأنها من ثواب الصابر].
في قول الله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قوله: (ما أصاب من مصيبة) عموم، أي: ما يخرج عنه من شيء صغيراً أو كبيراً، كل مصيبة تقع للإنسان فهي بإذن الله، أي: بمشيئته وإرادته وتقديره، بمعنى: من الإيمان أن يؤمن أنه شيء مقدر، وأنه لا محيد للإنسان عنه، وأن الله جل وعلا قد كتبه قبل وجود هذا المخلوق الذي أصيب بالمصيبة.
وقوله: (فيرضى ويسلم) يعني: يرضى بالمقدر له، والرضا عند كثير من العلماء ليس واجباً، وإنما الواجب التسليم والصبر، أن يسلم ويصبر، دون الرضا، فهذا صعب، كأن يكون الإنسان في مرض أو أصيب بمصائب فيرضى بتلك المصائب، فكونه يلزم بالرضا هذا لا يصل إليه إلا أفذاذ من الناس، ولهذا الذي جاء في النصوص الثواب على الرضي وليس على العمل، بخلاف الصبر فإن الصبر جاء الأمر به، مما يدل على أنه واجب لابد منه، أما كون الإنسان يرضى بالمصيبة فهذه درجة فوق الصبر، وهي درجة لا يصل إليها إلا الكمل من عباد الله جل وعلا.
أما التسليم فكونه لا يعترض ولا يتسخط، بل يعلم أنه ملك لله، وأنه ما أصيب بشيء إلا بذنب اقترفه من جراء ذنوبه، وأن المصيبة رحمةٌ من الله جل وعلا يشكره عليها، حيث إنه يكفر عنه بها من خطاياه، كما سيأتي: (إن الله إذا أراد بعبده خيراً عجل له العقوبة حتى يخفف عنه، وإذا أراد به شراً أخر عنه العقوبة حتى يوافي يوم القيامة بجميع ذنوبه، فيكون جزاؤه في ذلك اليوم).
معلوم أن كل قضية تقع وتنتهي الصبر فيها سهل، ليس كأمر الآخرة، والله جل وعلا لن يرضى أن تكون الدنيا محلاً لعقاب أعدائه، فإنه يؤخرهم، ولن يرضى أن تكون الدنيا محلاً لجزاء أوليائه، بل تصيب منهم ويبتلون، وأشد منهم بلوى الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل، كما جاء نص ذلك عن رسول الله ﷺ ، فإنه إذا كان الإنسان في دينه صلابة زيد من بلائه، فلهذا إذا تأمل الإنسان ماذا حدث للرسل ولأولياء الله يتبين له أن المصائب لا يصبر الإنسان عليها فحسب، بل ينبغي أنه إذا أصيب بشيء أن يفرح به؛ لأنه إما عقوبة لذنب معجلة وتنتهي، ويكون كفارة له، أو يجزى عليه الثواب وثواب الله يصل إليه.
وقد اختلف العلماء هل يوجد جزاء في المصائب؟ أم أنها مجرد كفارات لما يقع منه؟ ويكفي أن تكون كفارة.
فكونه يرضى ويسلم أمر قد لا يتحصل عليه، وقد لا يصل إليه أكثر الناس لصعوبته؛ إذ كيف يرضى بالمصيبة؟ لأن الرضا قد يكون مرتبطاً بالشيء الذي هو فيه إما مرض وإما مصيبة أو غير ذلك، ولكن الصبر لابد منه، والتسليم كذلك، وهو أن لا يعترض على القضاء والقدر.
стр. 1265
الحزن عند المصائب لا ينافي الرضا والتسليم
وليس الرضا كونه إذا مات له ميت أو أصيب بمصيبة يفرح بهذا ويضحك لذلك، فبكاء العين وحزن القلب هذا أفضل من كونه لا يبكي ولا يحزن، فإن الرسول ﷺ لما توفي ابنه إبراهيم بكى ودمعت عيناه، فالبكاء يكون في العين لا من الصوت فقيل له: ما هذا؟ فقال: (هذه رحمة جعلها الله جل وعلا في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
وكذلك ما ثبت في الحديث الذي في الصحيحين: لما ذهب إلى إحدى بناته وعندها ابن في سكرات الموت، وقد شخصت عيناه ونفسه تقعقع -كأنها شن يقلبه الهواء من شدة جلبه لنفسه- ففاضت عيناه ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فمعنى (فاضت) صارت تذرف دمعاً، وقد سمع أنه ينهى عن البكاء، قال: ما هذا؟ يعني: أنك كنت تنهانا عن البكاء، فقال: (هذه رحمة جعلها الله جل وعلا في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وجاء في الحديث الآخر: (إنما نهيت عن صوتين فاجرين أحمقين: صوت عند مصيبة، وصوت عند نعمة)، فصوت اللسان ندب أو دعوى الويل، وكذلك ضرب شيء من البدن إما الوجه أو الفخذ أو الصدر، وكذلك شق الثياب ونحوه، فهذا هو المنهي عنه الذي هو من عمل الشيطان، أما كون الإنسان يحزن قلبه، وتذرف عيناه، فهذا لا ينافي الصبر، ولا ينافي التسليم، وإنما يفعل ذلك لأن هذا المسكين الذي وقع في شدة حالة الموت، ثم يستقبله القبر بظلمته ووحشته وسؤاله وفتنته، فيرحم الإنسان من أجل ذلك، ويبكي عليه من أجل هذا، وتذرف العين من أجل ذلك، وليس لحظ فاته منه، فإن كان يبكيه لأجل حظ نفسه فإن هذا منهي عنه، وإنما يبكى عليه رحمةً له.
وكذلك كونه يحزن عليه القلب، والحزن هذا شيء فات وانتهى، أما الخوف فهو في أمور مستقبلة، ولهذا فإن الملائكة إذا حضروا عند المؤمن لوفاته يقولون: لا تخف ولا تحزن، فالشيء الذي أمامك لا تخف منه فإنك آمن، يطمئنونه في ذلك؛ لأن الحزن يكون على الشيء الذي فات وهو في أمور الدنيا، فيقولون: الشيء الذي تركته وخلفته من مال وأولاد ومشاكل وغيره لا تحزن عليه، فإن أمامك ما هو خير.
والمقصود: أن الصبر أمر واجب، وحق لابد منه، فرض على الإنسان أن يصبر عند المصائب، فإن لم يصبر فإنه آثم، وسوف تمضي المصيبة وإن كان جازعاً، ولا يفيد جزعه شيئاً، وإنما يكتسب بجزعه العقاب ويفوته الثواب، وإن صبر وسلم واحتسب اكتسب الأجر، واكتسب رضا ربه جل وعلا، وانقاد لأمره، وربما يخلف الله جل وعلا عليه أفضل مما ذهب.
لما مات أبو سلمة كانت زوجته أم سلمة قد سمعت الرسول ﷺ يقول: (من أصيب بمصيبة فاسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها) سمعته يقول هذا فقالت هذا القول، ثم قالت في نفسها: ومن يكون خيراً من أبي سلمة؟ فجاءها رسول الله ﷺ ، الذي هو خير من أبي سلمة ومن غيره، فهكذا الإنسان إذا سلم وانقاد وصبر، وامتثل أمر الرسول ﷺ ، ربما يخلف عليه ما هو خير، وسلم من الشيء الذي أصيب به.
следующие страницы →