Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
لا إيمان لمن لا صبر له
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله.
قال الإمام أحمد ﵀: ذكر الله الصبر في تسعين موضعاً من كتابه، وفي الحديث الصحيح: (الصبر ضياء) , رواه أحمد ومسلم.
وللبخاري ومسلم مرفوعاً: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).
قال: عمر ﵁: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) رواه البخاري.
قال علي ﵁: (إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له].
قوله: (ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له) هذا واضح، وذلك أن الطاعة تحتاج إلى صبر، والمعصية تحتاج إلى صبر، والمصائب تحتاج إلى صبر، فإذا كان الإنسان ليس عنده صبر خرج من الدين لأول وهلة، فلا بد أن يصبر ويكون صبره لله، أي: يحتسب صبره أنه طاعة لله جل وعلا يثيبه عليه، ولا يكون صبره كصبر البهائم لا يقصد من ورائه شيئاً، بل يصبر طاعة لله جل وعلا ورجاءً لثوابه، لا لأجل الدنيا ولا لنيل مراد معجل بل لله جل وعلا، فيصبر على طاعة ويصبر عن معصية ويصبر على أمر مقدر أصيب به، ومع صبره على المقدر عليه أن يعلم أنه من عند الله جل وعلا أن الله قدر ذلك عليه وأنه لا بد أن يمضي, ثم يسلم ويحتسب ولا يتضجر ولا يشكو ربه لمخلوق؛ فإنه إذا شكا لمخلوق وقال: لقد أصبت بكذا وكذا فمعنى ذلك أنه يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه، يشكو من بيده أزمة الأمور كلها إلى ضعيف مسكين ليس عنده شيء، وهذا دليل على عدم الصبر ودليل على عدم الرضا، وإن كان عنده صبر فإنه ناقص وليس صبراً كاملاً, أما إذا خرج من ذلك إلى التسخط ووجدته يقول: أنا ما عملت عملاً أستحق به هذا الواقع الذي أنا فيه! فإن معنى ذلك أنه يرى أن ربه ظلمه وأن حكمه جائر، فيكون بذلك خارجاً من الدين الإسلامي نهائياً، نسأل الله العافية.
فيضحك عليه الشيطان ويخرجه من الدين الإسلامي بكلمات يسيرة، أو يزين له في قلبه سخط القضاء والتضجر منه وبغضه وكراهته، وإن كان يتكلم به بينه وبين نفسه ولم يكلم الناس بذلك.
стр. 1262
أقسام الناس عند المصائب
ولهذا فإن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: قسم تزيده قوة وإيماناً وخيراً وحسنات، وهو الذي يعلم أنها بقدر الله ثم يصبر ويرضى بذلك ويسلم، هذا يزداد بها خيراً وتكون المصيبة خيراً له من عدمها.
الثاني: من يخرج بالمصيبة إلى كفر أو إلى معصية عظيمة، بأن يسخطها ولا يصبر ويتضجر، أو أن يسخط ذلك ويعترض على ربه جل وعلا، ومعلوم أن أفعال الله جل وعلا كلها خير، ولا يجوز أن ينسب إلى الله شر بحال من الأحوال، كما قال الرسول ﷺ : (والشر ليس إليك) , فكل مصيبة يصاب بها الإنسان فهي من جراء فعله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وأما قول الله جل وعلا عن الكفار: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] , ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، ثم قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، المقصود هنا بالسيئة: الشيء الذي يسوء الإنسان: من فقده لولدٍ أو فقده مالاً أو انتصار عدو عليه أو ما أشبه ذلك, والمقصود بالحسنة هنا: الشيء الذي ينفعه عاجلاً، كرزق عاجل أو صحة في بدنه أو يرزق ولداً أو نصراً وتأييداً، أو ما أشبه ذلك من الأمور الظاهرة، هذا هو المقصود بالحسنة والسيئة في الآية.
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، لا يعارض قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]؛ لأن قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، أي: كله مقدر من الله جل وعلا تقديراً وجزاءً، وأما سببها فهو إما طاعة وإما معصية، إن كانت حسنة فسببها الطاعة، والله جل وعلا هو الذي تفضل على العبد وزين في قلبه الإيمان وكره إليه المعصية فعمل الطاعة فكان فضلاً، ثم جاء جزاؤها فصار فضلاً آخر، وهذا كله من الله، وأما إذا كانت سيئة (مصيبة) فإن سببها المعصية وهي من الله جزاءً، وجزاء السيئة عدل، فكون المسيء يجزى على سيئته هذا عدل وحكم حق.
وأما إذا كانت مصائب لا دخل للإنسان في ظاهر نظره فيها، فإنها لابد أن يكون لها أسباب، فإن لم يكن لها أسباب ظاهرة فلها أسباب الله يعلمها، والإنسان قد يخفى عليه، فإن قدر أن الإنسان مطيع فأصيب بمصائب، فإنه لا يخلو إما أن تكون له درجة عند الله رفيعة لا يصلها بعمله، فيصاب بهذه المصيبة حتى ترفع درجته بذلك إذا رضي وسلم واحتسب، أو يكون هو من الجاهلين الذين لا يعرفون ما للمعاصي وما حق الله جل وعلا.
ومعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي حق الله على الوجه الأتم المطلوب، مهما أوتي من المقدرة والعبادة والقوة، ولكن الله جل وعلا يقبل اليسير إذا صدق العبد، ويعفو عن الذنب الكبير، فإذا استشعر الإنسان هذه الأمور يهون عليه الأمر ويتسلى بالصبر، فالله جل وعلا جعل الصبر مسلاة لعباده المؤمنين، يصبرون حتى يجعل الله جل وعلا لهم الفرج مما هم فيه، وقد أخبر جل وعلا أن الصبر فيه خير كثير، وأنه ما صبر وصابر إنسان إلا حمد عاقبة صبره، وأن مع العسر يسرين؛ لأنه قال جل وعلا: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]، فجاء بالعسر معرفاً بـ (أل)، واليسر منكراً مرتين، فالمعرف هو واحد، أما اليسر فإنه يسران، ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يغلب عسر يسرين) وهذا في كل الأمور.
قال ﵀: [واشتقاقه من صبر: إذا حبس ومنع، والصبر: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، ذكره ابن القيم ﵀.
واعلم أن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى عنه، وصبر على ما قدره من المصائب].
стр. 1263
أقدار الله جل وعلا تقع بمشيئته وحكمته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١]].
قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قبلها أول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١] يعني: بأمره ومشيئته، كل مصيبة تقع فقد شاءها الله جل وعلا وقدرها وكتبها، فمن آمن بأنها من عند الله وبقدره ثم صبر وسلم، ولم يعترض على المقدور، بل رضي بفعل ربه وقال: أنا عبد لله جل وعلا وإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنه يهدي قبله، يعوضه هداية القلب، وهداية القلب بأن يجعل قلبه يحب الخير ويطلبه ويكره الشر ويبغضه ويبتعد عنه، فيزداد إيماناً مع إيمانه وعملاً صالحاً يكتسب به رضا ربه جل وعلا.
ومعنى ذلك: أن الإيمان هنا ذكر بفضل العمل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، و (من مصيبة) هنا نكرة تعم أي مصيبة: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ)، يؤمن أن هذه المصيبة من عند الله تقديراً ومشيئةً وإرادةً، وأنه لابد منها، (يهدِ قلبه) فسر ذلك بالرضا والصبر، والرضا والصبر عمل، فدخل العمل في الإيمان، وهذا أمر واضح، ولهذا فإن هذه الآية من أظهر ما استدل به العلماء على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١] قال ابن عباس بأمر الله.
يعني: عن قدره ومشيئته، أي: بمشيئته وإرادته وحكمته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]].
هذه الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: أن هذا شيء مكتوب ومفروغ منه، والضمير هنا في (نبرأها) يعود على النفس المصابة، أي: قبل أن تخلق وتوجد كتب عليها ذلك، ولابد من وقوعه، فإذا علم الإنسان ذلك يتسلى به ويصبر ويحتسب.
ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب، وفي الحديث الصحيح: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وهذا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (كتب الله مقادير الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، فكل شيء يقع صغيراً أو كبيراً حتى سقوط القلم من يد الإنسان، بل حركة أصابعه، بل حركة عروقه ونبضها مكتوب ومقدر، فكل شيء مكتوب قبل وجوده، وكل شيء فإنه مكتوب ومفروغ منه، والإيمان بهذا من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان الإنسان إلا بها، ولابد منه.
ثم يضاف إلى هذا أن الإنسان يجب أن يؤمن بأن الله هو الخالق وحده، وليس معه متصرف لا العبد ولا غيره، فهو الذي يصرف العبد، ويقدر عليه ما يشاء، وهو الذي كل كائنة تقع في الكون فبإذنه وأمره، ويضاف إلى هذا أيضاً أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لابد أن يعلم هذا، ويضاف إلى هذا أيضاً: أن العبد عبدٌ لله، يجب أن يكون ممتثلاً، وأنه تجب عليه أحكامه وأقداره، وليس خارجاً عن ذلك، إما أن يكون عبداً طوعاً أو يكون عبداً قهراً، حتى وإن تمرد وأبى فلا يخرجه ذلك عن كونه عبداً، كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣]، يعني: ذليلاً خاضعاً مقهوراً ليس له من نفسه تصرف، فإذا عرف هذا واستسلم وانقاد طائعاً صار عبداً حقيقة؛ لأن العبد ينقسم إلى قسمين: عبد بمعنى عابد أي: صدرت منه العبودية، وهذا هو الذي ينفع ويفيد، وعبد بمعنى معبّد مقهور مذلل مسخر، وهذا على الخلق كلهم الكافر والمؤمن والبر والفاجر، فيختار الإنسان أحدهما: إما أن يكون ممن تجري عليه الأقدار وهو مأزور ومقهور، أو ممن تجري عليه الأقدار وهو مأجور ويكون مطيعاً عبداً لله جل وعلا.
стр. 1264
الرضا والتسليم بأقدار الله تعالى
قال المصنف ﵀: [وقال: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، أي: من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب جازاه الله بهدايته قلبه التي هي أصل كل سعادة وخير في الدنيا والآخرة، وقد يخلف الله عليه في الدنيا ما كان أخذه، أو خيراً منه.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١]، تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته؛ وذلك يوجب الصبر والرضا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين.
قوله: (هو الرجل تصيبه المصيبة إلخ)، هذا الأثر رواه الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرئ عليه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
هذا سياق ابن جرير وفي هذا دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
قال سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، يعني: يسترجع يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الآية بيان أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأنها من ثواب الصابر].
في قول الله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قوله: (ما أصاب من مصيبة) عموم، أي: ما يخرج عنه من شيء صغيراً أو كبيراً، كل مصيبة تقع للإنسان فهي بإذن الله، أي: بمشيئته وإرادته وتقديره، بمعنى: من الإيمان أن يؤمن أنه شيء مقدر، وأنه لا محيد للإنسان عنه، وأن الله جل وعلا قد كتبه قبل وجود هذا المخلوق الذي أصيب بالمصيبة.
وقوله: (فيرضى ويسلم) يعني: يرضى بالمقدر له، والرضا عند كثير من العلماء ليس واجباً، وإنما الواجب التسليم والصبر، أن يسلم ويصبر، دون الرضا، فهذا صعب، كأن يكون الإنسان في مرض أو أصيب بمصائب فيرضى بتلك المصائب، فكونه يلزم بالرضا هذا لا يصل إليه إلا أفذاذ من الناس، ولهذا الذي جاء في النصوص الثواب على الرضي وليس على العمل، بخلاف الصبر فإن الصبر جاء الأمر به، مما يدل على أنه واجب لابد منه، أما كون الإنسان يرضى بالمصيبة فهذه درجة فوق الصبر، وهي درجة لا يصل إليها إلا الكمل من عباد الله جل وعلا.
أما التسليم فكونه لا يعترض ولا يتسخط، بل يعلم أنه ملك لله، وأنه ما أصيب بشيء إلا بذنب اقترفه من جراء ذنوبه، وأن المصيبة رحمةٌ من الله جل وعلا يشكره عليها، حيث إنه يكفر عنه بها من خطاياه، كما سيأتي: (إن الله إذا أراد بعبده خيراً عجل له العقوبة حتى يخفف عنه، وإذا أراد به شراً أخر عنه العقوبة حتى يوافي يوم القيامة بجميع ذنوبه، فيكون جزاؤه في ذلك اليوم).
معلوم أن كل قضية تقع وتنتهي الصبر فيها سهل، ليس كأمر الآخرة، والله جل وعلا لن يرضى أن تكون الدنيا محلاً لعقاب أعدائه، فإنه يؤخرهم، ولن يرضى أن تكون الدنيا محلاً لجزاء أوليائه، بل تصيب منهم ويبتلون، وأشد منهم بلوى الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل، كما جاء نص ذلك عن رسول الله ﷺ ، فإنه إذا كان الإنسان في دينه صلابة زيد من بلائه، فلهذا إذا تأمل الإنسان ماذا حدث للرسل ولأولياء الله يتبين له أن المصائب لا يصبر الإنسان عليها فحسب، بل ينبغي أنه إذا أصيب بشيء أن يفرح به؛ لأنه إما عقوبة لذنب معجلة وتنتهي، ويكون كفارة له، أو يجزى عليه الثواب وثواب الله يصل إليه.
وقد اختلف العلماء هل يوجد جزاء في المصائب؟ أم أنها مجرد كفارات لما يقع منه؟ ويكفي أن تكون كفارة.
فكونه يرضى ويسلم أمر قد لا يتحصل عليه، وقد لا يصل إليه أكثر الناس لصعوبته؛ إذ كيف يرضى بالمصيبة؟ لأن الرضا قد يكون مرتبطاً بالشيء الذي هو فيه إما مرض وإما مصيبة أو غير ذلك، ولكن الصبر لابد منه، والتسليم كذلك، وهو أن لا يعترض على القضاء والقدر.
стр. 1265
الحزن عند المصائب لا ينافي الرضا والتسليم
وليس الرضا كونه إذا مات له ميت أو أصيب بمصيبة يفرح بهذا ويضحك لذلك، فبكاء العين وحزن القلب هذا أفضل من كونه لا يبكي ولا يحزن، فإن الرسول ﷺ لما توفي ابنه إبراهيم بكى ودمعت عيناه، فالبكاء يكون في العين لا من الصوت فقيل له: ما هذا؟ فقال: (هذه رحمة جعلها الله جل وعلا في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
وكذلك ما ثبت في الحديث الذي في الصحيحين: لما ذهب إلى إحدى بناته وعندها ابن في سكرات الموت، وقد شخصت عيناه ونفسه تقعقع -كأنها شن يقلبه الهواء من شدة جلبه لنفسه- ففاضت عيناه ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فمعنى (فاضت) صارت تذرف دمعاً، وقد سمع أنه ينهى عن البكاء، قال: ما هذا؟ يعني: أنك كنت تنهانا عن البكاء، فقال: (هذه رحمة جعلها الله جل وعلا في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وجاء في الحديث الآخر: (إنما نهيت عن صوتين فاجرين أحمقين: صوت عند مصيبة، وصوت عند نعمة)، فصوت اللسان ندب أو دعوى الويل، وكذلك ضرب شيء من البدن إما الوجه أو الفخذ أو الصدر، وكذلك شق الثياب ونحوه، فهذا هو المنهي عنه الذي هو من عمل الشيطان، أما كون الإنسان يحزن قلبه، وتذرف عيناه، فهذا لا ينافي الصبر، ولا ينافي التسليم، وإنما يفعل ذلك لأن هذا المسكين الذي وقع في شدة حالة الموت، ثم يستقبله القبر بظلمته ووحشته وسؤاله وفتنته، فيرحم الإنسان من أجل ذلك، ويبكي عليه من أجل هذا، وتذرف العين من أجل ذلك، وليس لحظ فاته منه، فإن كان يبكيه لأجل حظ نفسه فإن هذا منهي عنه، وإنما يبكى عليه رحمةً له.
وكذلك كونه يحزن عليه القلب، والحزن هذا شيء فات وانتهى، أما الخوف فهو في أمور مستقبلة، ولهذا فإن الملائكة إذا حضروا عند المؤمن لوفاته يقولون: لا تخف ولا تحزن، فالشيء الذي أمامك لا تخف منه فإنك آمن، يطمئنونه في ذلك؛ لأن الحزن يكون على الشيء الذي فات وهو في أمور الدنيا، فيقولون: الشيء الذي تركته وخلفته من مال وأولاد ومشاكل وغيره لا تحزن عليه، فإن أمامك ما هو خير.
والمقصود: أن الصبر أمر واجب، وحق لابد منه، فرض على الإنسان أن يصبر عند المصائب، فإن لم يصبر فإنه آثم، وسوف تمضي المصيبة وإن كان جازعاً، ولا يفيد جزعه شيئاً، وإنما يكتسب بجزعه العقاب ويفوته الثواب، وإن صبر وسلم واحتسب اكتسب الأجر، واكتسب رضا ربه جل وعلا، وانقاد لأمره، وربما يخلف الله جل وعلا عليه أفضل مما ذهب.
لما مات أبو سلمة كانت زوجته أم سلمة قد سمعت الرسول ﷺ يقول: (من أصيب بمصيبة فاسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أؤجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها) سمعته يقول هذا فقالت هذا القول، ثم قالت في نفسها: ومن يكون خيراً من أبي سلمة؟ فجاءها رسول الله ﷺ ، الذي هو خير من أبي سلمة ومن غيره، فهكذا الإنسان إذا سلم وانقاد وصبر، وامتثل أمر الرسول ﷺ ، ربما يخلف عليه ما هو خير، وسلم من الشيء الذي أصيب به.
стр. 1266
الأمر بالصبر والرضا يدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان
قوله: (إن هذا يدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان) وذلك لأن الصبر والتسليم عمل، فيحبس لسانه عن التشكي وجوارحه عن اللطم أو الشق أو ما أشبه ذلك، فهذه من أعمال الجوارح لا من عمل القلب، فهذا دليل واضح على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لأنه قال: (فمن يؤمن) يعني: يؤمن بالصبر ويسلم، وكذلك إذا أمكن أن يرضى فهو صبر عظيم، وعلى كل: الرضا ليس واجباً على القول الصحيح.
وكذلك قول سعيد بن جبير أنه قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا أيضاً دليل على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان؛ لأنه قال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، فهو يقول: الإيمان بأنه قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويفسره بأنه الرضا والصبر والتسليم، وسواء قلنا هذا أو هذا.
والصواب أن كله داخل في هذا، فيكون دليلاً واضحاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، بمعنى: أن الإيمان يكون تصديقاً وعلماً وقولاً وعملاً، ومجموع هذه هو الإيمان.
وبعبارة أخرى نقول: يكون الإيمان مركباً من أمور ثلاثة: من التصديق والعلم، ومن القول الذي هو قول اللسان، ومن العمل الذي هو عمل الجوارح، فالمجموع كله هو الإيمان، فيكون الإيمان مركباً من أجزاء ثلاثة، وكل واحد من هذه الأجزاء ركن من هذه الأركان، وليس هذا -مثلاً- من لوازم الإيمان كما يقوله بعض العلماء؛ لأن اللازم غير الركن.
هذا هو قول أهل السنة وهو الصواب، خلافاً لقول أهل البدع: أن الإيمان إما عقيدة قلب -تصديقه- أو أنه العلم، أو أنه مجرد التصديق.
وعلى كل: لا يجوز أن يكون هذا هو تعريف الإيمان؛ لأن الإيمان دخل فيه كل الأعمال التي أمر بها، كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها، فهذه من الإيمان، فقد دخل فيه كل عمل يعمله الإنسان يرجو به ثواب الله جل وعلا، وكل ترك يتركه الإنسان خوفاً من الله ومن عواقبه، فالدين كله هو الإيمان.
ومعلوم أن الدين فيه أعمال القلوب التي منها: الخوف والخشية والإنابة والرجاء وما أشبه ذلك، وهذا كثير، وعمل اللسان مثل: الذكر والتلاوة والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه عمل الأركان، مثل كونه يصلي أو يبذل المال، أو يعين أخاه المسلم على عمل من الأعمال، أو يزيح شيئاً يؤذي المسلمين من الطرق أو غيرها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، ومعلوم أن قول لا إله إلا الله هو عمل اللسان، وإماطة الأذى عن الطريق فعل الجوارح، ومعلوم أن الخشية والإنابة والرجاء والخوف داخل في ذلك الإيمان، والتصديق بما جاء عن الله ورسوله، وهذا هو الذي يتبعه أهل السنة دون أهل البدع، وهو الذي دلت عليه النصوص من القرآن ومن أحاديث الرسول ﷺ ، وسيرته ودعوته، والأمر واضح وجلي والحمد لله، وليس فيه خفاء.
стр. 1267
شرح حديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)].
стр. 1268
معنى الكفر الوارد في الحديث
معنى الحديث: أن هاتين الخصلتين قائمتان في الناس، وأنهم لا يتركونهما، وهما من خصال الكفر، وقوله: (هما بهم كفر)، يعني: أن هذا الشيء من خصال الكفر، ومن قامت به خصلة منها ففيه خصلة من خصال الكفر، ومن قامت به الثنتان ففيه خصلتان من خصال الكفر، ولا يلزم أن يكون كافراً؛ لأن الذي يكون عنده خصلة من خصال الكفر أو فصلتان لا يلزم أن يكون كافراً خارجاً عن الدين الإسلامي، وإذا قيل: (كفر) بالتنكير فهذا يدل على أن هذا الفعل نفسه يسمى كفراً وليس الذي قام به يسمى كافراً، بل فعل هذا الشيء كفر، أي: أنه من خصال الكفر، بخلاف ما إذا قال الكفر، فإن هذا يدل على أنه كافر خارج عن الدين الإسلامي، كقوله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، فإذا ترك الصلاة يكون كافراً، هذا الكفر الذي يخرج من الدين الإسلامي، فإذا ورد بـ (أل) فمعنى ذلك أنه كفر حقيقي مخرج من الدين الإسلامي، أما إذا جاء لفظ الكفر منكراً، فمعنى ذلك أنه قام به شيء من أمور الكفر فقط وليس كافراً.
ويجب أن يترك هذا الشيء، ولا يقتضي ذلك أنه يكون معذباً على ذلك، بل يجوز أن يثاب عليه، وأن تكون له حسنات تمحو هذا الكفر، ويجوز أن الله يعفو عنه بدون توبة؛ لأنه من الأمور التي تعترض الناس، ولكنه كبيرة.
стр. 1269
الطعن في النسب
أما الطعن في النسب فمثل أن يقول: فلان ليس أبوه فلاناً، أو أن يقول مثلاً: فلان وضيع النسب، وفيه كذا، فطعن في نسبه؛ لأن هذا من أمور الجاهلية، والإسلام جاء بالتعاليم التي ترضي الجميع، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] بغض النظر عن الشعوب والقبائل والأصحاب، فلان من قبيلة كذا وفلان من قبيلة كذا فمن كان أتقى لله فهو الكريم عند الله، بغض النظر عن النسب واللون، وعن الانتماء إلى طائفة معينة أو غيرها.
وكذلك الطعن في الأشخاص أنفسهم هو من أمر الجاهلية الذي هو كفر، كونه يطعن فيه بأنه قصير أو دقيق أو بأن فيه آفة أو ما أشبه ذلك، هذا لا يجوز، وهو داخل في النهي الوارد في الحديث.
وكذلك في أي شيء لا دخل للإنسان فيه، فإنه في الواقع يعيب ربه ولا يعيب الإنسان؛ لأن الإنسان لا دخل له في ذلك، فمثلاً إذا قال: هذا وجهه طويل، وهذا وجهه دقيق، وهذا وجهه عريض، أو خشمه طويل أو أعور أو فيه كذا فإن هذا عيب لمن أوقع ذلك به تعالى وتقدس، فلا يجوز، بخلاف ما إذا كان هذا من باب التعريف فقط، كأن لا يعرف إلا بذلك، كقولهم: الأعمش أو الأعرج للذي يعرف بهذا الشيء، ويؤتى ذلك للتعريف لا للعيب، أما إذا ذكر للعيب فهو ذنب، وقد يكون كبيراً حتى وإن كان إنساناً مثلاً مستقيماً، وفيه ميول إلى المعاصي، فإنه لا يطلق التهم والعيب على البناء، وإنما يوجه العيب على من بناه.
كذلك ابن آدم هو من مخلوقات الله جل وعلا، فهو الذي خلقه وأوجد فيه هذه الأمور، ولا يجوز الطعن على الناس في هذه الأمور، وإنما يطعن عليهم في أعمالهم التي يفعلونها باختيارهم وبإرادتهم ومقدراتهم، فلابد أن يحاسب الإنسان على عمله وفعله، فيطعن عليه بذلك أو يثنى، إما أن يمدح ويثنى عليه، أو يعاب عليه بعمله الذي يصدر منه، أما خلْقه فلا دخل له فيه، فهذا من الله جل وعلا.
وكذلك النسب: الأصل أن كل الناس أبناء رجل واحد، وهذا الرجل خلق من تراب كما أخبر الله جل وعلا، ومعلوم أنهم يتفاوتون بالأعمال، فمن كان عمله أحسن وأتقى لله فهذا هو الكريم عند الله جل وعلا، وإلا ففيهم المؤمن والكافر والشيطان وفيهم النبي، والإنس فيهم شياطين كثيرون، ففيهم دعاة جهنم الذين جندهم الشيطان للدعوة إلى أن يكونوا معه في جهنم، وفيهم ضيوف الرحمن الدعاة إلى الخير والإيمان، وإلى عبادة الله، وإلى الجنة إلى جواره جل وعلا، فالتفاوت بالأعمال فقط وليس بالخلْق؛ لأن الخلق إلى الله.
стр. 1270
النياحة على الميبت
أما النياحة فهي النياحة على الميت، كرفع الصوت، وتعداد محاسن الميت؛ تأسفاً على الشيء الذي فاته منه، وهذا الأمر معروف في الجاهلية وعند العرب، وقد يكون عن غيرهم أيضاً معلوماً، وهو مضاف إلى أنه من الكفر؛ لأنه في الواقع تسخط لقضاء الله، ولأنه رد لحكمه؛ لأنه رد الشيء الذي حكم الله به وقضاه، فيكون هذا جوراً وظلماً.
وأحياناً يضيف الناس هذا الجور إلى الزمن والدهر، وإلى الأيام والليالي؛ وذلك لأنهم لا يستطيعون أن يضيفوه إلى رب العالمين؛ لأنه كفر ظاهر جلي، فذهبوا يضيفونه إلى الزمن، والنتيجة واحدة، ولهذا ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: (يقول الله جل وعلا: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره)، يسب الدهر كأن يقول: إن الدهر أصابنا بكذا وكذا فالحقيقة أن الدهر ظرف لما يقع فيه فقط، فهو مدبر مخلوق مصرف، وإذا سُبَّ المخلوق المأمور فإن السب يرجع إلى خالقه وآمره، ولهذا سماه أذية فقال: (يؤذيني ابن آدم)، فلا يجوز للعبد أن يؤذي ربه تعالى وتقدس، والله جل وعلا يتأذى من أفعال الناس؛ لأن الأذى هو الشيء الخفيف الذي لا يضر، مثل أن يسمع كلاماً سيئاً فهذا يؤذي ولكن لا يضر، ولهذا أخبر الله جل وعلا أن الكفار إذا سبوا المؤمنين وشتموهم أنه لا يضرهم ذلك، وإنما هو أذى يسمعونهم أذية فقط، والأذى هو ما خف أثره وضعف، أي: يكون أثره ضعيفاً وخفيفاً بخلاف الضر؛ لأنه لا أحد يضر الله جل وعلا مهما عمل من الأعمال، ومهما عمل من الكفر والمعاصي.
فالنياحة صارت كفراً من أجل أنها تسخط لقضاء الله، ورد لحكمه؛ ولأجل أنه تضاف النعم التي يسديها الله جل وعلا إلى ضعيف لا يتصرف ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، فهم يقولون: وا جذلاه! وا عضداه! وا ناصراه! وا كذا وا كذا يقولونه للميت، وليس هو كذلك فيكون هذا هو النياحة.
كذلك كونه يفعل شيئاً مع رفع الصوت، وكله من عمل الشيطان، ولهذا سماه كفراً، وهو كما سبق إذا كان هذا فيه فلا يدل على أنه كافر، فإن الكافر قد يوجد فيه خصلة من خصال المؤمنين ولا يكون مؤمناً، أو يوجد فيه أكثر من خصلة كخصلتين أو ثلاث أو أكثر من خصال الإيمان مثل الصدق والإحسان إلى الغير، وكذلك المؤمن إذا وجد فيه شيء من خصال الكفر فلا يلزم أن يكون كافراً.
فهذا معنى قوله ﷺ : (هما بهم كفر)، يعني: كفر قائم بهم، ولا يخرجهم هذا الكفر عن دينهم، ولكن يضرهم ذلك؛ لأنهم يعاقبون عليه.
قال المصنف ﵀: [أي: هما بالناس كفر، حيث كانتا من أعمال الجاهلية، وهما قائمتان بالناس، ولا يسلم منها إلا من سلمه الله تعالى، ورزقه علماً وإيماناً يستضيء به، ولكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافراً الكفر المطلق، كما أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمناً الإيمان المطلق].
إذا قال العلماء: الإيمان المطلق، فيقصدون جميع الإيمان الكامل، بخلاف ما إذا قالوا: مطلق الإيمان، فمطلق الإيمان يعني: مسماه فقط، ولا يلزم أن يكون كاملاً، بل قد يكون ناقصاً، فالإيمان المطلق هو الذي من قام به منعه من فعل المعاصي ومنعه من ترك الواجبات، فلا يقترف كبائر ولا يترك واجبات إذا كان إيمانه الإيمان المطلق أي: الكامل؛ لأن إيمانه يمنعه من ذلك، وهذا هو الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فيقصد بالإيمان المطلق: الكامل، أما إذا قال: مطلق الإيمان، فهذا لا يلزم أن يكون كاملاً، بل إيمانه ناقص يصاحبه ذنوب، ويصاحبه ترك واجبات.
قال: [وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله: (ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة)، وبين كفر منكر في الإثبات.
قوله: (الطعن في النسب) أي: عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه.
قوله: (والنياحة على الميت) أي: رفع الصوت بالندب، وتعداد فضائل الميت؛ لما فيه من التسخط على القدر المنافي للصبر، كقول النائحة: وا عضداه! وا ناصراه! ونحو ذلك.
وفيه دليل على أن الصبر واجب، وأن من الكفر ما لا ينقل عن الملة].
стр. 1271
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٣]
الصبر على المصائب والأقدار أمر واجب، ومن لم يصبر فقد ترك واجباً من الواجبات، وهناك أعمال تنافي الصبر، ومن فعلها فهو غير صابر، منها: ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية عند حلول المصائب، أما البكاء والحزن الذي لا يصاحبه شيء من ذلك فلا بأس به، ومن فعله فهو غير آثم.
стр. 1272
قوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)].
هذا من الصيغ التي تدل على أن هذا الفعل كبيرة من كبائر الذنوب، وهو قوله ﷺ : (ليس منا)، والمقصود: منا نحن المسلمين، ثم لا يدل هذا على أن من فعل هذا الفعل يكون خارجاً من المسلمين، ويكون كافراً؛ لأن هذا من باب الوعيد، ونصوص الوعيد يجب أن تبقى على ما هي عليه دون تأويل؛ لأن التأويل يضعف من شأنها، ويقلل مما وضعت له، كما يفعله أكثر الشراح، فيؤولونها ويقولون: لابد من تأويلها، ولكن معلوم أن الرسول ﷺ ما أراد بمثل هذا أنه يكون كافراً، إنما أراد الوعيد على ذلك، فهذا يدل على أن من فعل ذلك مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب يجب أن يتوب منها.
стр. 1273
ضرب الخدود عند المصيبة
قوله: (ليس منا من ضرب الخدود)، هذا عند المصيبة، والعادة أن أهل الجاهلية إذا أصيب أحدهم بمصيبة أنه يلطم وجهه، وقد يكون الخد، وقد يكون الرأس، وقد يكون الصدر، وقد يكون غير ذلك، وهذا كله داخل في هذا، إذا أصبح يضرب وجهه أو رقبته أو ظهره أو بطنه أو رأسه عند المصيبة فإن هذا يدل على الجزع والتسخط، وهذا من الكبائر، فإن الإنسان مأمور بالصبر في مثل هذا، فيمنع يده عن الضرب، ويمنع لسانه عن الكلام الذي لا يرضي الله، وكذلك يمنع قلبه أن يتسخط على ربه جل وعلا، بل يصبر ويعلم أنه ملك لله، وأن الذي أخذه الله منه هو الذي أعطاه، ولهذا كان السلف الصالح يعملون هذه الأعمال؛ لأنه جاء عن أبي طلحة ﵁ أنه كان له ابن مريض، فكان يشتد به المرض، وكان له زوجة صالحة، فخرج وهو مريض، وعند خروجه مات، فجاء إلى بيته فسأل زوجته: ما فعل ولدي؟ قالت: هو أهدأ مما كان، وهيأت له الطعام، وتعرضت له حتى أصاب منها، فلما رأته قد اطمأن قلبه قالت: أرأيت لو كان عندك وديعة لإنسان أودعك إياها، ثم طلبها منك هل تمنعه؟ قال: لا، لا يجوز ذلك، فقالت: إذاً احتسب ولدك، فقال: فعلت كذا وفعلت كذا ولما رأيتيني تلطخت بك أخبرتني! فلما علم الرسول ﷺ بذلك قال: (بارك الله لكما في ليلتكما)، إلى آخر القصة.
المقصود: أن الرضا بالمصائب والتسليم بذلك شأن المؤمن، وليس شأن المؤمن أن يلطم وجهه أو يقول قولاً لا يرضي الله، أو يتسخط قلبه، وليس الحزن والبكاء داخلاً في هذا، فإن البكاء قد لا يملكه، وحزن القلب قد لا يملكه الإنسان فهو غير ملوم عليه، بل قد يثاب على دموع عينه، وكذلك حزن قلبه يثاب عليه، ولكن الذي يعاقب عليه هو الصوت والندب والتسخط، والأفعال التي تدل على الاعتراض والتسخط والتوجع من هذا الشيء.
стр. 1274
شق الجيوب عند المصيبة
وكذلك شق الجيوب، والجيب: هو الفتحة التي يدخل منها الرأس كما هو معروف، والعادة عن الجاهلية أن أحدهم إذا أصيب بمصيبة شق جيبه حتى ينشق ثوبه، وسواء فتحه فتحة كاملة أو بعضه فكله داخل في هذا، داخل في أنه ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب.
وكذلك لو شق غير الجيب جزعاً من ثوب أو غيره مما كان يلبسه، أو رمى به في الأرض جزعاً من هذا، فإنه يكون داخلاً في ذلك.
والمقصود: أنه لا يجوز أن يفعل فعلاً يدل على التسخط، سواء فعله في بدنه، أو فعله في ثيابه أو في غير ذلك، فإنه إذا فعل فعلاً يدل على سخطه، وعلى أنه يرى أن هذا الشيء وقع عليه وهو لا يستحقه، فإنه داخل في قوله: (ليس منا) وهو معترض على الله جل وعلا، ومتسخط في قضائه وقدره، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب التي يجب أن يتوب منها.
стр. 1275
دعوى الجاهلية
وأما دعوى الجاهلية فهي الدعوة بالويل والثبور، كقول: وا ويلاه! وا ثبوراه! أو كونه يضيق ويذكر الشيء الذي افتقده، أو يزعم أنه كان ناصره ورازقه، وكأنه يعبده، وكأنه هو المعطي وما أشبه ذلك، فإن هذا من دعوى الجاهلية.
ويدخل أيضاً في دعوى الجاهلية كون الإنسان يعمل أي عمل من أعمال الجاهلية التي أضيفت إليهم، وذمهم عليها الرسول ﷺ ، وكتاب الله الذي جاء به، مثل التعصب، كونه يتعصب له ويرد الحق الذي يأتي من غيره، أو يناصره على باطل ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس من كونه يتعصب لشيخ معين، ويرى أن غيره ضال، بدون دليل، وبدون مبرر، فإن هذا من عمل الجاهلية، فيفرق بين المسلمين، ويوغر صدور بعضهم على بعض، فهو من أمر الجاهلية الذي يجب أن يفارق ويترك، وهو معصية؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فالاعتصام بحبل الله هو دينه أو كتابه أو رسوله، كل ذلك سواء، والاعتصام به أن يعمل بما جاء به، وأن يجتمعوا على ذلك ولا يتفرقوا، فإن حصل التفرق فأسباب التفرق محرمة، والذي يدعو إليها ويفعلها مرتكب كبيرة، وقد تكون كبيرة أعظم مما لو كانت كبيرة تقتصر عليه هو؛ لأن العمل إذا تعدى إلى الغير يكون عظيماً وليس سهلاً، ولهذا جاء أن كل نفس تقتل فعلى ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل، وقد قال الله جل وعلا فيمن يقتل النفس: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢]، وأعظم من القتل كونه يضل عن الهدى وعن الطريق، وترك كتاب الله ومعصية أمره من الضلال.
والمقصود: أن أمر الجاهلية كثير، وليس مقتصراًَ على كونهم يدعون بالويل والثبور عند المصيبة فقط، أو كونهم يندبون المصاب، أو يندبون الميت، وقد يقع ذلك من الإنسان على غير اعتياد منه، فإن كان يسيراً فهو معفو عنه، كما وقع لـ أبي بكر ﵁ عندما دخل على النبي ﷺ وقد توفي، فقبله ثم قال: وا نبياه! وا خليلاه! وكذلك ما وقع لـ فاطمة أنها قالت شيئاً من ذلك، فمثل هذا الشيء القليل يعفى عنه إذا كان بصدق، أما إذا كان غير صحيح ما يقولون فيه فإنه يؤاخذ به، ويكون مرتكباً أمراً عظيماً، ومع ذلك يكون الميت يعذب بهذا الشيء الذي يقال له، يعذب به إذا نيح عليه؛ لما جاءت به الأحاديث الصحيحة: (أن الميت يعذب بالبكاء عليه)، والمقصود بالبكاء النياحة والندب، وهذا لا ينافي قوله جل وعلا: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؛ لأن الإنسان يجب أن ينهى أهله إذا كان يخاف من هذا، أن يقول لهم: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ فقد جاء أن رسول الله ﷺ برىء: (من الصالقة والحالقة والشاقة).
الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة.
فيجب أن يتقدم إليهم بذلك، فإن لم ينصحهم ويتقدم إليهم بالنصيحة صار مؤاخذاً بما يقال عليه ويعذب به.
стр. 1276
إمرار نصوص الوعيد على ظاهرها وعدم تأويلها
قال الشارح ﵀: [هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد: كراهة تأويلها، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب].
التأويل الذي يقصده الإمام أحمد وغيره من أئمة العلم والحديث: ما يفعله أكثر الشراح إذا جاء عند قوله: (ليس منا)، فيشرحه ويقول: أي: ليس على طريقتنا المثلى ليس على طريقتنا الكاملة ليس على سنتنا الكاملة الحسنة، فيهون الأمر في هذا، ويكون الأمر هيناً، وهذا خلاف ما أراده الرسول ﷺ ؛ لأنه أراد بهذا الزجر والابتعاد عن هذه الأعمال، فيجب أن يبقى كلامه على ما هو عليه، ولكن يجب أن يعتقد أنه لا يخرج به الإنسان إلى الكفر؛ لأن المسلم لا يخرج من الإيمان إلا بما ينافي الإيمان.
وكذلك بقية النصوص مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] هذا شيء صعب جداً، ومع ذلك كثير من المفسرين أولوه، فقالوا: هذا جزاؤه إذا استحله، لماذا قالوا ذلك؟ قالوا: لأنه يوجد دليل على أن المسلم لا يخرج من الدين الإسلامي إلا بالكفر، وليس هذا من الكفر، ولأن الله جل وعلا أخبر عن القاتل أنه أخ للمقتول وأخ لوليه فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فجعله أخاً له، وهذه الأخوة قطعاً هي أخوة الإيمان، وليست أخوة النسب، فدل على أنه لا يخرج من الدين الإسلامي، ولكن مع هذا كله لا يجوز أن نقول هذا، ولا يجوز أن نتأوله لأمرين: الأمر الأول: ما ذكر من أن هذا يكون تركه على ظاهره، أي: يمر على ظاهره بدون تأويل، مع اعتقاد أن الفاعل لا يكفر؛ لأنه أدعى للانزجار والابتعاد، وأبلغ في ذلك.
الأمر الثاني: أن المتأول على خطر؛ لأنه لا يدري هل هذا مراد الرسول ﷺ أو غيره؟ فيجوز أن يتقول على الرسول ﷺ قولاً لم يرده، فإذا تركه بدون تأويل يكون أسلم.
قال الشارح ﵀: [قوله: (من ضرب الخدود) قال الحافظ: خص الخد لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله].
بقية البدن ليس الوجه، البدن كله، فلو ضرب فخذه أو ضرب صدره، أو أي موضع منه عند المصيبة، فإنه يكون داخلاً في ذلك، ولكن العادة جرت أنه يضرب الوجه والخد.
стр. 1277
خلاف العلماء في حكم البكاء على الميت
قال الشارح ﵀: [قوله: (وشق الجيوب) هو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وذلك من عادة أهل الجاهلية حزناً على الميت.
قوله: (ودعا بدعوى الجاهلية) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هو ندب الميت.
وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور.
وقال ابن القيم ﵀: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه ويعادي، فكل هذا من دعوى الجاهلية.
وعند ابن ماجة وصححه ابن حبان عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور)، وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وقد يعفى عن الشيء اليسير من ذلك إذا كان صدقاً وليس على وجه النوح والتسخط نص عليه أحمد ﵀؛ لما وقع لـ أبي بكر الصديق ﵁ وفاطمة ﵄ لما توفي رسول ﷺ .
وليس في هذه الأحاديث ما يدل على النهي عن البكاء؛ لما في الصحيح أن رسول ﷺ لما مات ابنه إبراهيم قال: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون)، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁: (أن رسول ﷺ : انطلق إلى إحدى بناته ولها صبي في الموت، فرفع إليه ونفسه تقعقع كأنها شن؛ ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟! قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)].
اختلف العلماء في حكم البكاء على الميت، فمنهم من قال: يجوز البكاء على الميت قبل أن يموت الميت، أما إذا مات فلا يجوز، فيكون البكاء الذي ورد منسوخاً؛ لأنه جاء في غزوة أحد: (أنه لما رجع النبي ﷺ سمع نساءً من بني عبد الأشهل يبكين على قتلاهن، فقال ﷺ : (ولكن حمزة لا بواكي له، فجاء نساء من الأنصار فصرن يبكين على حمزة، فلما خرج قال: لا يبكين بعد اليوم على ميت)، فقالوا: هذا ناسخ، والصواب: أنه ليس هناك نسخ؛ لأن هناك أحاديث كثيرة جاءت بعد هذا النهي، منها قصة وقعت في مؤتة، فإن الرسول ﷺ كان ينهاهم وعيناه تذرفان بالدمع صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك قصة موت عثمان بن مظعون، وكذلك قصته لما زار قبر أمه ﷺ ، وهذا في السنة الثامنة من الهجرة، فإنه بكى وأبكى من عنده، وقال ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته بزيارة قبرها فأذن لي أن أزور قبرها)، والأحاديث كثيرة، وهي تدل صراحة على أن البكاء -يعني: دمع العين- جائز، بل جاء أنه رحمة، كما في هذا الحديث.
стр. 1278
قوله ﷺ : (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة)].
هذا الحديث المقصود بالخير والشر فيه: الجزاء، وإلا فأفعال الله جل وعلا كلها خير، ولكن الشر يكون إضافياً، أي: يكون بالنسبة إلى المجزي به شراً عقاباً له، وهو جزاء أعماله، ولكن بالنسبة لله جل وعلا فهو خير وأمن؛ لأن الله لا يفعل إلا خيراً.
стр. 1279
معنى إرادة الخير للعبد في تعجيل العقوبة له
فقوله: (إذا أراد الله بعبده الخير)، إرادة الخير هنا رحمته والإحسان إليه حتى يكون يوم القيامة ناجياً من النار، فيعجل له جزاء أعماله التي عصى الله بها، ويكون ذلك عقاباً له وكفارة يكفر عنه بالعقوبة التي تصيبه، سواء كانت العقوبة في بدنه من مرض أو ما أشبه ذلك، أو في ماله أو في أهله، فكل ما يتصل به من المصائب يكون عقوبة لما فعل، وهذا مطلق، فكل إنسان لا يصاب بشيء إلا بما عمل من جراء عمله، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، يعني: لو أن الناس يؤاخذون بجراء أعمالهم لأهلكوا عاجلاً.
وقد جاء في الأثر: (أن رجلاً من الأنصار أثر عليه المرض حتى صار كالفرخ، فعاده رسول الله ﷺ فسأله: هل كنت تدعو بشيء؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما أردت أن تعاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، قال: سبحان الله! أنت لا تستطيع ذلك، ولكن اسأل ربك العافية)، وهذا يدلنا على أن الإنسان لا ينفك من المعاصي، ولا ينفك من التقصير دائماً، وعفو الله أعم وأشمل، ولكن هناك ذنوب كثيرة، وبعضها يكون عن جرأة وعمد لابد أن يعاقب عليها، وإذا أريد بالعبد خيراً عجل عقابه، سواء كان العقاب إقامة حد من الحدود التي يرتكبها -لأن إقامة الحد كفارة- أو كان مصيبة تصيبه في بدنه أو في ماله أو غير ذلك.
стр. 1280
معنى إرادة الله بعبده الشر في تأخير العقوبة عنه
وإذا أراد الله أن يوقع بعبده الشر عافاه في الدنيا حتى يوافي بذنوبه كاملة يوم القيامة، فيكون عقابه أشد وأنكى وأبقى، فالعقاب الحقيقي هو العقاب في الآخرة، أما في الدنيا فكل من كان فيها سواء مر بأزمات وشدائد أو بنعم فإنها تنتهي، وهذا لقصرها وحقارتها، والله جل وعلا لن يرضى أن تكون الدنيا محلاً لعقاب أعدائه، فكيف تكون جزاءً لأوليائه؟ إنها لا تساوي عند الله شيئاً، وهي زائلة: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً)، فالشيء الذي يراد به الدنيا مبعد، أما الذي يراد به الله جل وعلا فيها فهو الذي ينفع.
ومعنى (أراد به الشر) أي: جازاه بالشر الذي هو عمله، فيؤخر جزاءه إلى أن يلقاه يوم القيامة، فيجازيه بهذا العذاب الباقي الشديد، نسأل الله العافية.
стр. 1281
أحوال الناس تجاه المصائب وأقدار الله
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الترمذي، وأخرجه الطبراني، والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة والطبراني عن عمار بن ياسر.
قوله: (إذا أراد الله بعده الخير عجل له العقوبة في الدنيا) أي: يصب عليه البلاء والمصائب؛ لما فرط من الذنوب منه فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شراً عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو وجع حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب أو الكفر الظاهر، أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضرراً في دينه، فهذا كانت العافية خيراً له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة نفس المصيبة، كما أن من أوجبت له المصيبة صبراً وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب ورحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها].
ظاهر قول الشيخ ﵀ أنه يرى أن المصائب تكفر الذنوب، وهذا هو الظاهر، أما حصول الثواب والأجر فهو بأسباب أخرى، كأن يكون بالصبر عليها، وكونه تحدث للإنسان إنابة إلى الله، وذل وتعلق به، ودعاء إليه، فهذا أمر آخر، أما المصيبة نفسها فهي كفارة فقط، تكفر ما وقع منه، وليس فيها أنه يكتب له فيها الثواب، وإنما يكفر عنه بها ما وقع من المعاصي، وترك الطاعات الواجبة عليه إذا اتصل بها شيء سواء كان مما يدعو إلى الإنابة والتوبة والاستغفار والدعاء فهذا أمر آخر يثاب عليه، أما إذا كانت سبباً للإعراض والتضجر والاعتراض على الله جل وعلا والسخط مما قضاه عليه، فإنها تكون مصيبة أخرى ليس له فيها كفارة، وربما وقعت منه مصيبة أكبر من المصيبة التي أصيب بها، فهذا يقع كثير من الناس.
وبعض الناس يكون المرض الذي يقع فيه غير منبه له، بل يبقى على حالته التي هو عليها حتى تجده يترك الصلاة؛ لأن كونه مريضاً لا يستطيع أن يتوضأ ولا يستطيع أن يصلي، وهذا يوجد في كثير من المرضى، وهذا خطر عظيم ومعصية كبيرة، بل قد تكون كفراً، نسأل الله العافية.
فالصلاة لا تسقط عن الإنسان بحال من الأحوال، وإذا مرض الإنسان فينبغي له أن يحرص على أداء الصلاة على حسب حاله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولكن لا يترك الصلاة، وإن استطاع أن يتوضأ توضأ، وإن استطاع أن يصلي قائماً صلى قائماً، وإن لم يستطيع الوضوء تيمم، فالتيمم ليس صعباً، فإذا لم يكن عنده من يوضئه ويعينه على وضوئه تيمم، فإن كان عنده من يفعل ذلك فإنه يجب عليه ذلك، أما إذا كان لا يستطيع أن يخرج فيوضع له قليل من التراب في إناء ويتيمم فيمسح وجه ويديه، وإذا لم يستطع هو ذلك فالذي عنده يفعل به ذلك وييممه، فيأخذ بيديه ويضعها على التراب، ثم يسمح بها وجهه وكفيه، ثم يقول له: صل، فيصلي على حسب حاله ولو بالإشارة يشير برأسه، فإذا لم يستطع يومئ بعينيه، فمادام العقل عنده صاحياً فلا تسقط عنه الصلاة بحال، ولا يجوز أن يترك الصلاة، فقد يموت قبل أن يشفى فيكون موته وهو تارك للصلاة، نسأل الله العافية، فهذا خطر عظيم يجب أن ينبه عليه الناس، فمثل هذا يكون المرض -وهو مصيبة- قد سبب مصيبة أخرى أكبر منها، نسأل الله العافية.
فالمسألة: الناس يختلفون في البلاء الذي يصيبهم، فمنهم من يرجع إلى الله بسببه وينيب، ومنهم من يبتعد عن الله جل وعلا ويكون سبباً في تضجره وتسخطه على الله، ويقول: أنا لا أستحق هذا الشيء -يعني: أن الله ظلمه عياذاً بالله- وأنا ما عملت شيئاً، أنا أصلي وأنا أفعل كذا، وأنا وأنا ولكن ما أدري من أين جاءت هذه المصيبة؟! هكذا نسمع بعضهم يقول! والذي لا يقول هذا بلسانه يمكن أن يقول في قلبه شيئاً من ذلك، وإذا كان في قلب الإنسان شيء من ذلك فإنه يكفي في هلاكه؛ لأن الله جل وعلا يحكم بالعدل، ولا يصاب من مصاب إلا بسبب أمر تركه أو ذنب ارتكبه، كما أخبر الله جل وعلا.
ويجب أن يتعظ الإنسان بالمصائب، فتكون المصيبة موعظة له، فيتعظ ويحاسب نفسه، ويبتعد عن المعائب التي يعاب عليها ديناً، فيبتعد عنها ويستغفر ربه منها، فمثل هذا تكون المصيبة قد طهرته من الذنب، وكفرت عنه ذنبه، ولهذا يوجد من الناس من إذا وقع في مصيبة يخرج منها كأنه ليس عليه شيء، كأن لم يعمل ذنباً، كيوم ولدته أمه، وهذا من فضل الله ورحمته بالعبد، فلهذا العبد لا يسوؤه أنه يصاب بشيء، لا ينبغي أن تكون هذه السيئة تسوؤه، فليعلم أن هذا فضل من الله وعدل، ثم لينزجر ويتعظ، ويكثر الرجوع إلى الله، وليجعل ذلك سبباً لرجوعه وتعلقه بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان ضعيف، فلو جوزي مثلاً بما يعمل أو جمع كل ما يعمله حتى يوافى به يوم القيامة فقد يهلك، يمكن أن ترجح سيئاته على حسناته فيكون من الخاسرين.
فيجب على الإنسان أن يحمد ربه، وهذه صفة المؤمن، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (عجباً للمؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)، أما المنافق والكافر فهو مثل البعير الذي يعقل ثم يطلق عقاله ولا يدري لماذا عقل، ولا يدري لماذا أطلق عقاله؟! فالمؤمن ينبغي أن يكون بهذه الصفة: إذا أصيب بشيء يكره صبر واحتسب، وصار هذا سبباً في خضوعه وذله ورجوعه إلى الله واستغفاره، وإن أصيب بنعم حمد الله وشكره وأوجب ذلك له زيادة طاعة لله جل وعلا، حيث أحدث له نعماً فيحدث لله طاعة.
قال الشارح ﵀: [فمن ابتلي فرزق الصبر، كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعدما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك.
انتهى ملخصاً].
أي: أنه يمتثل الآية، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ومعنى: (إنا لله) أي: نحن ملك له وعبيد له يتصرف فينا كيف يشاء، لا نملك لأنفسنا شيئاً، فإذا أصابنا بشيء فهو إليه جل وعلا، ولا يجوز لنا أن نعترض على شيء من ذلك، إنا لله ملكاً وعبيداً، يفعل بنا ما يشاء، (وإنا إليه راجعون)، أي: مرجعنا إليه فيجازينا على أعمالنا، فإن كان الإنسان شاكراً جازاه خيراً، وإن كان كافراً لا يلقى إلا جزاء عمله فقط، ولا يظلم شيئاً، والشاكرون هم الذين يقول جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، وصلاة الله على عبده أن يثني عليه عند الملائكة، ومن أثنى الله عليه عند ملائكته أحبته الملائكة وصارت تدعو له بسبب بذلك، ملائكة الله جل وعلا الذين في السماء يستغفرون له ويدعون الله له، فيكتسب عملاً ما كان يعمله هو استغفار الملائكة، وهذه الصلوات صلوات الله، وأما الرحمة فأمر آخر: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧]، ثم ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه العبد إذا أصيب بشيء أن يقول هذا، لعله يتحصل على هذا الفضل العظيم، وهو صلاة الله ورحمته جل وعلا، ولو لم يكن في المصيبة إلا هذا لكفى أن يرتبط الإنسان به، وكون الإنسان يكون معافىً دائماً ينبغي أن لا يفرح، فقد يكون دليلاً على أن الله لا ينظر إليه، وأنه معرض عنه، نسأل الله العافية! قال الشارح ﵀: [قوله: (وإذا أراد بعبده شراً أمسك عنه بذنبه) أي: أخر عنه العقوبة بذنبه.
(حتى يوافي به يوم القيامة) وهو بضم الياء وكسر الفاء منصوباً بـ (حتى) مبنياً للفاعل، قال العزيزي: أي: لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العقاب، وهذه الجملة هي آخر الحديث.
فأما قوله: (وقال النبي ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) إلى آخره، فهو أول حديث آخر، لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد وصحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد.
وفيه التنبيه على حسن الرجاء وحسن الظن بالله فيما يقضيه لك، كما قال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
]
стр. 1282
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٤]
الابتلاء سنة ماضية، يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن قل دينه قل بلاؤه، وأشد الناس ابتلاء هم الأنبياء ﵈، والواجب عند نزول البلاء هو الصبر والرضا وعدم التسخط، فمن صبر ورضي أجر على مصيبته، وكفر بها من سيئاته، ومن سخط وقعت عليه مصيبته، ولم يؤجر عليها، وليعلم أن عظم الجزاء مع عظم البلاء.
стр. 1283
عظم الجزاء مع عظم البلاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) حسنه الترمذي].
هذا الحديث ظاهره هو أصل المسألة التي ذكرنا: أن البلاء والمصائب عليها جزاء؛ لقوله: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء) يعني: إذا كان الإنسان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم وأكبر، فيدل على أن المصيبة يجزى بها الإنسان.
وقد جاء صريحاً في حديث ابن مسعود: لما دخل على النبي ﷺ وهو مريض، قال له: (إنك لتوعك وعكاً شديداً، قال: نعم، أو قال: أجل، كما يوعك اثنان منكم، وقال: ألأن لك أجرين؟ قال: نعم) يعني: إذا كان هذا مرضه أشد فيكون أجره أكثر، وهذا الحديث صريح في ذلك، وهذا هو الصواب أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة إن كان له ذنوب كفرت بها، مقابل ذلك، ولا يخلو أحد من الذنوب أبداً.
(كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وفي الحديث الصحيح: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم)؛ لأن الله جل وعلا من أسمائه الغفار والعفو والرحيم والتواب، فلابد أن تظهر آثار أسمائه جل وعلا على خلقه، فهذا مقتضى خلقه وأسمائه وصفاته تعالى وتقدس، فكل بني آدم والجن -وهم المكلفون- يقعون في أخطاء كثيرة، وخيرهم الذي إذا أخطأ تاب، ثم الملائكة خلقوا للعبادة، أي أنه: خلص خلقهم للعبادة وكلفوا بذلك، ولهذا لا يوجد عندهم ما عند بني آدم من العصيان: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، دائماً وأبداً فهم جنس آخر من غير جنس بني آدم.
فإذا كان الإنسان خطؤه عظيماً فتكون المصيبة مقابل الخطأ، فإن كانت أكبر وأشد من خطئه صار منها ما هو مكفر ومنها ما هو في رفعة درجاته عند الله، وفي الأثر: أن الإنسان تكون له درجة عند الله لا يبلغها بعمله، فيبتليه الله جل وعلا بالمصائب حتى يبلغ تلك الدرجة.
وهذا القول هو الصواب من أقوال العلماء: أنه يختلف الناس فيها، إذا اشتد البلاء والإنسان ليس له من الذنوب ما يقابل ذلك فإن هذا رفعة لدرجاته، وزيادة في حسناته، ولهذا فإن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم يبتلونَ بتكذيب قومهم وبأذيتهم وربما بقتلهم.
ومعلوم أنهم خير الخلق، فخير بني آدم هم الأنبياء والرسل: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الإنسان على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف في بلائه) فتكون بلواه على حسب ما عنده من الدين، وهذا من رحمة الله جل وعلا، لأنه لو زيد في بلاء الإنسان الذي دينه ضعيف لقدم دينه دون عرضه حتى يسلم، فالله جل وعلا لطيف بعباده، وهو حسب مصالحهم، فإنه إذا أراد الخير بعبده هيأ له أسباب ذلك بفعله هو، وإن لم يكن من فعله ما يصل به إلى الدرجة العالية وقد أراد الله له تلك الدرجة ابتلاه بالمصائب، سواء كانت مصائب قدرية أو مصائب بسبب الناس، وإن كانت كلها بالقدر، فما يقع شيء إلا بقدر الله جل وعلا، ولكن الأسباب قد تكون أثراً من آثار الناس الذين يفعلون ذلك وهم مسئولون عن أفعالهم، وإن كان أمرهم مقدراً؛ لأن العاقل والمكلف لابد أن يطالب بأعماله، وليس لأحد حجة بالقدر، فيقول: هذا مقدر علي أنا فعلت الشيء المقدر علي لأن الإنسان مكلف بأعمال محددة من الطاعات، ومنهي عن أعمال محددة من المعاصي يستطيع أن يتركها، والطاعات يستطيع أن يفعلها، وقد علم بذلك وقيل له: هذا طريق الخير فاسلكه، وهذا طريق الشر فاجتنبه.
فإذا ارتكب شيئاً من المناهي بعد ذلك فاللوم عليه، وليس له أن يقول: إن الله قدر علي ذلك، فهو الذي فعله، وما يدريك أنه قدر عليك قبل أن تفعل ذلك، فعليك أن تجتهد، فإذا وقعت في ذنب فلا تقل: هذا مقدر، ولكن قل: أستغفر الله وأتوب إليه، فاستغفر واسترجع، وعد على نفسك باللوم، أما إذا قال الإنسان: أنا وقعت في القدر، فمعنى ذلك: أن أجعل اللوم على القدر لا على نفسي، يبرئ نفسه من ذلك، ويجعل اللوم على ربه، فهذا يكون مقتدياً بإبليس عندما قال لربه: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] الله أغواه أك هو الذي أغوى نفسه؟ هو الذي اختار الغواية، ولما قيل له: اسجد، أبى وقال: أنا خير منه وهناك سجدت الملائكة، ولكنه أبى هو باختياره، فهو الذي غوى بفعله.
فلا يحتج بأن الله قدر ذلك، الله جل وعلا قدر كل شيء؛ لأنه هو المالك لكل شيء، ولكن أعطاك المقدرة على الفعل الذي كلفك به، وأعطاك المقدرة على ترك الأفعال التي حرمها عليك، فإذا امتثلت الأمر كنت موافقاً للقدر وموافقاً للشرع، وإذا لم تمتثل الأمر كنت عاصياً، وإن كنت لا تخرج عن مقدور الله جل وعلا، فلا أحد يخرج عن مقدور الله، ولكن العقلاء كلفوا بعدما أعطوا العقل بالشيء الذي يستطيعونه.
стр. 1284
إذا أحب الله قوماً ابتلاهم
قال الشارح ﵀: [قال الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس، وذكر الحديث السابق، ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: (إن عظم الجزاء) الحديث، ثم وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ورواه ابن ماجة.
ورواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد رفعه: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع)، قال المنذري: رواته ثقات.
قوله: (إن عظم الجزاء) بكسر العين وفتح الظاء فيها، ويجوز ضمها مع سكون الظاء، أي: من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفية.
وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن المصائب يثاب عليها مع تكفير الخطايا، ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سبباً لعمل صالح كالصبر والرضا والتوبة والاستغفار، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها، وعلى هذا يقال في معنى الحديث: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء إذا صبر واحتسب].
على كلٍ الحديث مطلق، والأحاديث التي ذكرنا مطلقة، فكوننا نقيد الأحاديث بشيء لم يقيدها به رسول الله ﷺ هذا ليس وارداً، والمفهوم شيء والمنطوق شيء آخر.
ومعلوم أن النصوص يجب أن يؤخذ بظاهرها إلا إذا جاءت نصوص أخرى تخالفها؛ لأن النصوص من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله ﷺ لا تتعارض، بل يصدق بعضها بعضاً.
стр. 1285
ابتلاء الأنبياء والأولياء دليل على أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا دفعاً
قال الشارح ﵀: [قوله: (وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم)، ولهذا ورد في حديث سعد: سئل النبي ﷺ : (أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي في الأرض وما عليه خطيئة)، رواه الدارمي وابن ماجة والترمذي وصححه.
وهذا الحديث ونحوه من أدلة التوحيد، فإذا عرف العبد أن الأنبياء والأولياء يصيبهم البلاء في أنفسهم الذي هو في الحقيقة رحمة، ولا يدفعه عنهم إلا الله؛ عرف أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا دفعاً، فلأن لا يملكوه لغيرهم أولى وأحرى، فيحرم قصدهم والرغبة إليهم لقضاء حاجة أو تفريج كربة، وفي وقوع الابتلاء بالأنبياء والصالحين من الأسرار والحكم والمصالح وحسن العاقبة ما لا يحصى].
هذا واضح وجلي، فقد ابتلي بعض الناس -نسأل الله العافية- بالتعلق بدعاء المخلوق والشرك به ويوجد كثير من الناس يعبد رسول الله ﷺ ، ويعبد الأولياء، ويتلمس لذلك الأدلة، مع أن كتاب الله جل وعلا ودعوة الرسل كلها جاءت بوجوب إخلاص العبادة لله وحده، وأن الإلهية له وحده، ولكن الشيطان لا يزال بالإنسان حتى يحرف الأمور الواضحة الجلية، فيجعل العبادة غير العبادة، ويجعل التعلق في قالب آخر، فإذا جاء الشر صريحاً صار يؤوله.
والمعروف أن كثيراً من الناس يتعلقون بمن يسمونهم أولياء، مع أن الولاية أمرها خفي، فقد يظهر للإنسان أن فلاناً صالح أمام الناس، وهو في نفسه فاسد ليس صالحاً، وليست المسألة مسألة ما يظهر للناس، وإنما هو الشيء الذي يكون عند الله للإنسان، فقد يري الناس مثلاً أنه مطيع ومن الفضلاء، فإذا توارى عن الناس تجرأ على الله جل وعلا في المعاصي، وهذا يوجد بكثرة، وقد يكون هذا المرض واضحاً عند كثير من الناس.
فكون هذا ولياً أمر لا يعلمه إلا الله، إلا أن يخبرنا الرسول ﷺ عن إنسان بعينه، وكونهم مثلاً يتعلقون به أمر محرم.
هذا أمر.
الأمر الثاني: أن الدين الإسلامي جاء بوجوب الإخلاص لله وحده، ووجوب متابعة الرسول ﷺ في مثل هذين الأمرين، فكون العبادة كلها لله خالصة ليس فيها شيء لغيره، وكون العبادة جاء بها رسول الله ﷺ لا تكون بالاختيار أو بالنظر أو بالاستحسان، أو بما يتعارف عليه الناس ويصطلحون عليه كالموالد وما أشبه ذلك من الأمور التي يفعلونها ثم يبحثون عن الأدلة من بعيد، ويتعلقون بأشياء عجيبة، فيقولون: إنها مشروعة، كيف كانت مشروعة وهي أول ما أحدثت في القرن السادس؟! هل احتفل الرسول ﷺ بمولده؟ وهل احتفل به أحد من صحابته؟ هذا لا يثبته إلا كذاب مكابر، فكيف يكون بعد ذلك عبادة وفيها هوى النفوس واستيلاء الجهل عليها؟! وأشياء كثيرة من هذا القبيل، وهذا مثال فقط.
ثم كون العمل مقصود به وجه الله وحده فقط، ثم إذا دخله شيء من الإرادات والمقاصد فإنه إما أن يفسد فيصبح حابطاً، وإما أن يكون ناقصاً على الأقل كما سيأتي.
وإن ذهب بعضه وبقي بعضه إذا كان شيئاً واحداً فالله لا يقبل إلا ما كان خالصاً له، وبعد هذا كله كيف يكون مخلوق مكلف خلقه الله ليتعبده كيف يكون شريكاً لله في الإلهية أو في العبادة؟ والأمور في هذا واضحة، ولكن الذين يحبون الشرك ويدعون إليه يغالطون.
الله جل وعلا لما أخبر عن الملائكة أنهم عباد مكرمون، وأنهم يفعلون ما يؤمرون ولا يعصون الله ما أمرهم قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنبياء:٢٩]، ماذا يكون؟ ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، يصلى جهنم.
فالقرآن كله ودعوات الرسل كلها تصب في هذا الأصل العظيم الذي ضل عنه كثير من الناس، وصار يغالط ولا يعتمد إلا على رؤيا كقولهم: رأيت كذا وفلان رأى كذا أو على حكايات وقصص خرافية، كقولهم: إن فلاناً دعا الولي الفلاني أو تعلق به فحصل له كذا وحصل له كذا أو على أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ ، أو على تحريفات كتحريفات اليهود الذين حرفوا النصوص تحريفات واضحة، ثم يستاء بعد ذلك أن يقال: إن بلوى الرسل وما يصابون به دليل على أنهم عباد، وأنهم ليس لهم من الربوبية مع الله شيء، وليس لهم من الإلهية مع الله شيء! احتج على القول لشدة الجهل والعناد، وشدة ترك ما جاء به الرسول ﷺ من بعض الناس.
ومعلوم ما وقع فيه سيد الخلق رسول الله ﷺ من أعدائه، لقد أخرج من مكة ثم لم يستطع الدخول إلا بجوار رجل مشرك، وذهب إلى الطائف فرموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه صلوات الله وسلامه عليه، وردوا عليه رداً من أسوأ ما يكون لو كنت نبي أحد الناس ما قبلك ثم قال جاهل من ثلاثة من كبارهم وساداتهم كانوا مجتمعين فعرض عليهم أمر الله ودعاهم فقال أحدهم: ما وجد الله أحداً غيرك حتى أرسلك؟! بهذه السخرية والتهكم، والآخر قال: إنه يسرق كسوة الكعبة إن كنت رسولاً، وهذا استهزاء صريح، والآخر قال: لا أكلمك كلمة، لئن كنت صادقاً فلأنت أعظم من أن أرد عليك، ولئن كنت كاذباً فلأنت أحقر من أن أكلمك أهذا جواب الذي جاء بالبينات والهدى الواضحات؟! ثم بعد ذلك يغرى به السفهاء والصبيان، فيرمونه بالحجارة ويضربون عقبيه حتى يخرج منه الدم صلوات الله وسلامه عليه، ثم يخرج ولا يدري إلى أين يتجه صلوات الله وسلامه عليه، قد ذهب فكره، فلم يفق إلا وهو بقرن الثعالب الذي يسمى: السيل العالي من الطائف، وهناك رجع إلى فكره ودعا بالدعوة المعروفة المشهورة وقال فيها: (إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي)، فيقول: إلا مصيبة تصيبني بها لا أبالي ما دام أنه بأمرك ولطاعتك، فيحمد الله على ذلك.
ثم كذلك يوم بدر قالت له عائشة ﵂: (يا رسول الله! هل مر بك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: يا عائشة! لقد لقيت من قومك) وذكر يوم الطائف.
ويوم أحد شج في وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وجعل الدم يسيل على وجهه وهو يقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟!)، ثم بعد ذلك أنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالأمر كله لله، فامتثل أمر سيدك، وامض حيث أمرت وكلفت، ثم بعد هذا يأتي قائل ويقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً فقل يا زلة القدم ولم يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم يقول: إذا غضب الله يوم القيامة فأنا أستجير بك من الله! -نسأل الله العافية- ثم يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إذا كان من جملة جود النبي ﷺ الدنيا والآخرة، ومن جملة علومه علم اللوح الذي كتب فيه كل شيء، والقلم الذي كتب كل شيء، فماذا بقي لله؟ ما أبقى لله شيئاً، نسأل الله العافية! ثم يصبح هذا الكلام نصاً، ويصبح يحفظ كما تحفظ الفاتحة؛ بل بعض الناس يقرؤه مساءً وصباحاً ويجعله ورداً كآية الكرسي والمعوذتين وما أشبه ذلك.
وليس هذا إلا انحرافاً واضحاً، وتعلقاً بالمخلوق وتركاً للخالق جل وعلا الذي بيده أزمة الأمور وكل شيء، ومن الذي يزين هذه الأمور؟ يزينها شياطين الجن والإنس، ويحسنونها ويجعلونها بقالب تعظيم النبي ﷺ ومعرفة حقوقه.
يؤخذ خالص حق الله جل وعلا ويوضع في المخلوق، فإنه لو كان رسول الله ﷺ مواجهاً لهم لقاتلهم أشد من قتاله لكفار قريش؛ لأنهم خالفوه صراحة، وجاءوا بما لم يأت به مشرك من المشركين، نسأل الله العافية.
стр. 1286
الرضا صفة من صفات الله تعالى
قال الشارح ﵀: [قوله: (فمن رضي فله الرضا)، أي: من الله تعالى، والرضا قد وصف الله تعالى به نفسه في مواضع من كتابه، كقول الله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨]، ومذهب السلف وأتباعهم من أهل السنة إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فإذا رضي الله تعالى عنه حصل له كل خير، وسلم من كل شر].
أي: أنه لا يجوز أن تفسر صفة الله جل وعلا بلازمها ولا بأثرها، لا بأثر الصفة ولا بلازم الصفة.
بل يجب أن يوصف الله جل وعلا بها، فإذا أخبر أنه يسخط فيثبت هذا له، فإنه يسخط على من يشاء من أهل المعاصي والكفر، وليس سخطه هذا ظلماً، وكذلك ليس سخطه المصائب التي يصاب بها الإنسان، وكذلك الرضا فإنه جل وعلا يرضى عمن يشاء من عباده، ورضاه صفة له، ولا يجوز أن يفسر الرضا بأثره أو بلازمه من محبة الطاعة أو الإثابة، فإن كونه يثيب هذا من لازم صفة الرضا، وكذلك الطاعة سبب من أسباب رضا الله جل وعلا.
فيجب أن تثبت الصفات لله جل وعلا كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، والتحريف: يقصد به التأويل الباطل الذي يفعله أهل الكلام كالأشاعرة ونحوهم، أنهم يحرفون تحريفاً يذهب بالمراد نهائياً، الله جل وعلا يخبر أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فلا يجوز للإنسان إذا قيل له: إن الله يسخط، وإن الله يرضى ويغضب ويضحك ويفرح ويعجب -أن يجعل هذا من جنس الشيء الذي يعرفه من نفسه، لا يجوز ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، في ذاته تعالى، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في حقوقه، الحق الذي له لا يجوز أن يكون مثله للمخلوق، وقوله وفعله لا يجوز أن يكون مثل قول المخلوق وفعله ووصفه، كما أن نفسه تعالى وتقدس ليست كالمخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فيجب أن تكون هذه قاعدة نسير عليها، وهذا الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وكان عليه أتباعهم إلى اليوم على هذا الشيء، ومن خالف في هذا فهو ضال قد ضل في دينه.
стр. 1287
رضا العبد بأقدار الله تعالى وعدم تسخطه
قال الشارح ﵀: [قال: والرضا: هو أن يسلم العبد أمره إلى الله].
يعني: رضا المخلوق، كونه يرضى بالقضاء وبالقدر أن يسلم أمره لله، ولا يعترض ولا يتضجر، بل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أصابنا شيء إلا بإذن ربنا، وله الحمد على ذلك، فيكون عبداً صحيحاً، فيسلم وينقاد، لا يعترض ولا يتضجر، ولا يتوجع، ولا ينافي هذا كونه يتعالج إذا كان مريضاً، أو كونه يصف المرض ويقول: أنا عندي كذا وكذا وأجد كذا وكذا لمن يكون عنده شيء من العلاج، فهذا لا ينافي كونه يسلم وينقاد لعدم الاعتراض، كما أنه لا ينافي التسليم كونه يئنّ في مرضه، وبعض العلماء يقول: الأنين شكاية، كما روي عن طاوس ﵀، ولهذا لما بلغ ذلك الإمام أحمد وهو في مرضه صار لا يئنّ حتى مات ﵀، ولكن كون المريض يجد في أنينه شيئاً من الراحة فلا بأس، وليس معناه أنه يشتكي أو يتوجع.
فالمقصود: التسليم والرضا، وهو أن يسلم وينقاد، وألا يكون قلبه متسخطاً أو متوجعاً من ربه، فإذا تعالج أو وصف مرضه فإنه لا يكون منافياً لذلك؛ لأن العلاج سبب من الأسباب التي وضعها رب العالمين، والأسباب أمر الله جل وعلا أن نبذلها كما جاء في الحديث: لما قالوا للنبي ﷺ : (هل نتداوى؟ قال: نعم.
تداووا عباد الله، فإن الله ما وضع داءً إلا ووضع له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا داءً واحداً وهو الهرم، وفي رواية: الموت)؛ لأن هذه الحياة لابد أن تنتهي.
قال الشارح ﵀: [ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه، وقد يجد لذلك راحة وانبساطاً، محبةً لله وثقة به، كما قال ابن مسعود ﵁: (إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح باليقين والرضا، وجعل الهم والحزن بالشك والسخط).
قوله: (ومن سخط): هو بكسر الخاء، قال أبو السعادات: السخط الكراهية للشيء وعدم الرضا به.
أي: من سخط على الله فيما دبره فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة، وقد يستدل به على وجوب الرضا، وهو اختيار ابن عقيل، واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم].
الإلزام بهذه المنزلة صعب، أي: كون الإنسان يرضى بالشيء الذي وقع له من المصائب؛ لأن الرضا معناه أن يغتبط بهذا الشيء ويفرح به، فهذا لا يستطيعه إلا الأفذاذ، ولكن الواجب هو الصبر وعدم الاعتراض، أما الرضا فإذا وصل إليه الإنسان فهو فضل عظيم، وإن لم يصل إليه فلا يكلف به.
قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء ثناؤه على أصحابه.
قال: وأما ما يروى: (من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ رباً سواي)، فهذا خبر إسرائيلي لم يصح عن النبي ﷺ .
قال شيخ الإسلام: وأعلى من ذلك -أي: من الرضا- أن يشكر الله على المصيبة؛ لما يرى من إنعام الله عليه بها.
انتهى، والله أعلم.
стр. 1288
مسائل باب: من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية التغابن.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
الثالثة: في الطعن في النسب.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
السادسة: إرادة الله به الشر].
هذه خلاصة الباب الذي سبق، وهي: تفسير الآية التي في سورة التغابن، وهي قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١]، يعني: أن الإنسان يعرف معناها، يعرف ما أراد الله جل وعلا بها، وهنا (ما أصاب من مصيبة) عامة، لا يخرج عنه شيء، أي شيء يسمى مصيبة، (إلا بإذن الله): بقدره وكتابته وأمره القدري، وأنه خالق لذلك، فلابد أن يعلم، ثم يسلم له وينقاد، فمن فعل ذلك جازاه الله جل وعلا بهداية القلب؛ بأن الله يهدي قلبه، وهداية القلب: أن يكون متبعاً للحق، معرضاً عن الباطل، محباً للخير، مبغضاً للشر، ويستمر على ذلك، فمن فعل ذلك جوزي بحسنات يعملها، ويكتسب بها الأعمال التي توصله إلى رضا الله، وهو أمر عظيم، وقد سبق أن هذا يدل على أن العمل من الإيمان.
أما الطعن في النسب فهو من شأن الجاهلية، وهو أيضاً يقدح في دين الإنسان، إذا فعله فإنه معصية يقدح في دينه؛ لأن الواجب على العبد المؤمن أن يزن الإنسان بعمله، وإنما يوزن الناس بأعمالهم وليس بأنسابهم.
والإنسان ليس له دخل في والده ولا أمه من ناحية الجزاء والعقاب، فلا تزر وازرة وزر أخرى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، ولا يؤخذ الإنسان بجريرة غيره في حكم الإسلام، فكونه يطعن في نسبه هذا قادح في دينه، وهو معصية يقدح في توحيده.
وكذلك النياحة على الميت، وقد سبق أنها: رفع الصوت وتعداد المحاسن، أي: أنه يأسف أنه فاته حظه من هذا الميت، فإنه يبكي حظه ولا يبكي الميت ﵀.
стр. 1289
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٥]
الرياء آفة خطيرة يفسد العمل ويحبط الأجر، وهو أخوف ما يخاف على الصالحين؛ لأنه أخفى من دبيب النمل؛ ولذا كثر التحذير منه في كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، فيجب على المسلم أن يراقب قلبه، وأن يكثر الاستعاذة بالله منه.
стр. 1290
ما جاء في ذم الرياء والتحذير منه
قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في الرياء.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]].
الرياء: مأخوذ من الرؤية، والأصل في هذا أن الإنسان يعمل لنفسه، وكأنه يعبد نفسه، فيعمل العمل الذي يمدح به ويثنى عليه به بين الناس، يريد أن يرى مكانه ويتبوأ في قلوب الناس مكاناً عظيماً، فالأصل فيه أن عمله لنفسه، فكأنه عبد نفسه، وهذا من الشرك، فإذا كان قصده من العمل الذي فعله ليمدح ويثنى عليه ويقال: إنه عابد، أو إنه جواد، أو إنه عالم أو إنه متكلم، أو ما أشبه ذلك؛ فهو مشرك لا يشك فيه، وهو ممقوت عند الله، وصاحبه مستحق لعقابه جل وعلا، فضلاً عن أن يقال: إن عمله يمكن أن يقبل أو إنه لا يعاقب عليه.
فإن كان العمل من الأشياء التي تسمع كالذكر والقراءة وما أشبه ذلك، فهذا يسمى سمعة، فالسمعة أن الإنسان يتحدث عند الناس بأنه عمل كذا وعمل كذا في عمل قد خفي على الناس؛ فيظهره لهم لأجل أن يمدحوه ويثنوا عليه، أو يتبوأ عندهم مقاماً مرموقاً، فهذا رياء إلا أن مصدره سماع القول، سواء صدر منه أو أذاعه ونشره ليذكر به.
وهذا يختلف الناس فيه: فمنهم من يكون رياؤه شركاً أكبر! ومنهم من يكون رياؤه محبطاً للعمل الذي يقارنه، ومستحقاً عقاب الله عليه، وهو من الشرك، ولكنه لا يكون من الشرك الأكبر، ومنهم من يطرأ عليه ذلك في أثناء العمل، ثم يدفعه ويصلح نيته، ويجعلها خالصة لله جل وعلا، ويطرد ما يقع في نفسه من ذلك، ويعرض عنه، ويستحضر عظمة الله، وأن الناس لا ينفعونه، فمثل هذا لا يضره ذلك، وإن كان هذا ليس كالعمل الذي يكون خالصاً لله جل وعلا من أصله.
والناس يتفاوتون عند الله جل وعلا في الإخلاص، ومن هذا الباب أن يعمل الإنسان لأجل الدنيا، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا أنه يجب أن يكون عمله الصالح الذي عمله لأجل تحصيل الجنة، أو لأن الله أمر به؛ أما إن عمله من أجل الدنيا فهذا نوع من الشرك كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، ولكن في هذا الباب ذكر مجرد المراءاة، والسبب في هذا أن الإنسان يحب أن يكون فوق غيره، ولا يريد أن يكون أحد من الناس متقدماً عليه في الفضل، ويريد أن يتقدم هو من عدة نواح.
فهذا من حظوظ النفس العاجلة، وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] يعني: أنه يهوى هذه الأشياء ويحبها، ويريد أن يحظى بها في الدنيا، وفي الواقع أن هذا يحصل من الإنسان الذي نظره قصير، وعقله ضعيف، وإيمانه قليل، ومراقبته لربه جل وعلا ليست تامة، بل غائبة عنه.
والعلاج أن يعلم أنه عبد لله جل وعلا يجب أن يخلص عمله لربه، وأنه إذا لم يكن عمله خالصاً فإن الله غني عنه، وهو يتركه كما سيأتي.
ومع ذلك الترك فإنه يعاقبه ويعذبه، وعذاب الله جل وعلا لا يشبه عذاب الناس، ولا يقابله منفعة يتمتع بها في الدنيا، المنافع هذه بعضها خيال قد يصل إليه شيء، وقد لا يصل إليه شيء، وسنة الله جل وعلا في خلقه أن المرائي تنعكس عليه أموره، ويتبين للناس من خلال سيرته وعمله أنه مراء، ثم يمقت على هذا، وتصبح مراداته معكوسة، أراد أن يحب ويمدح ويثنى عليه لكنه يبغض ويكره ويمقت، وإن لم يصرح للناس بذلك؛ لأن الأمور لا تخفى على الذي له عقل ومعرفة بأحوال الناس، يعرف ذلك من خلال أعمالهم وأقوالهم مع أن المرائي يكون ليناً في مقالته مع الناس؛ ليصرف وجوههم إليه، ويكون ألين ممن يريد وجه الله ولا يبالي بمدح أو ذم، بل كونه لا يمدح أحب إليه من أن يمدح ويثنى عليه؛ لأنه لا يقصد بهذا العمل إلا وجه الله.
والإخلاص لابد منه في صحة العمل، فكل عمل يعمله الإنسان إن لم يكن خالصاً فهو مردود عليه.
ومعروف أن الإنسان كلف بأمر الله جل وعلا امتثالاً، وبنهي الله جل وعلا اجتناباً، والأمر لا يكون إلا عن طريق الرسول ﷺ ، وكذلك النهي لابد أن يأتي عن الرسول ﷺ ، فهو الذي جاء به؛ لأنه أمر الله، وأمر الله يأتي بالوحي، والوحي لا ينزل إلا على رسول، فالله يرسل الرسول خاصة للأمم، وآخر الرسل صار عاماً للناس كلهم، وهو محمد ﷺ ، فلابد أن يبين ذلك ويوضحه.
ثم العمل الذي يعمله الإنسان، والاجتناب الذي يجتنبه، يجب أن يكون من أجل الله جل وعلا فقط، خوفاً منه، ورجاءً لثوابه فقط، ولا يكون لأمر آخر من أمور الناس والدنيا، فإن دخله شيء من المنافع سواء كانت معنوية كالمدح والمحبة والثناء وما أشبه ذلك أو حسية كأن يتوصل بهذا العمل إذا أظهره إلى نفع من منافع الدنيا -وظيفة أو غير ذلك- فإن عمله يكون حابطاً، ويكون عابداً لنفسه في الحقيقة مع ربه، أو عابداً للدنيا مع ربه، وهذا أمر خطير جداً؛ لأن الرسول ﷺ خافه على صحابته وقال: إنه يخافه عليهم أكثر من خوفه عليهم من المسيح الدجال كما سيأتي.
والسبب في هذا أن الدافع والداعي له أمر موجود في النفوس، وهو كامن في النفس، وكل نفس موجود فيها هذا الشيء، فإذا لم تهذب النفس بخوف الله ومراقبته فلابد من وقوعها في ذلك.
إذاً: الرياء يخاف منه على الصالحين فكيف بمن ليس منهم؟ فالخوف عليهم أشد.
والشأن في الإخلاص عظيم، وإن كان العمل الخالص قليلاً فهو في الواقع كثير، أما إذا كان العمل كثيراً وهو غير خالص فهو في الواقع قليل، وقد يحبط ويكون وبالاً على صاحبه كما سيأتي تفسير ذلك في النصوص.
واسم هذا الكتاب الذي وضعه المؤلف: (كتاب التوحيد)، والتوحيد هو: أن يكون العمل لله وحده فقط، لا يكون لغيره، فإن دخله شيء من مقاصد الناس لم يكن توحيداً، وصار موزعاً بين الرب جل وعلا وبين المقاصد الأخرى، وهذا هو الشرك؛ لأنه لا يوجد في بني آدم من يعبد الصنم فقط، وإنما يعبد الصنم ويعبد الله، كل الذين يعبدون غير الله يشركون، أما أن يوجد قوم لا يعبدون إلا الصنم فهذا لا وجود له؛ لظهور الأدلة الواضحة في وجوب عبادة الله جل وعلا، ولو من جهة الربوبية، وهذا أمر الإنسان مضطر إليه، فإذا خلص الإنسان من هذه البلية فهو من المخلصين الذين خلصهم الله جل وعلا من بين الخلق.
والأمور تختلف في هذا، فهناك أعمال يكون الإخلاص فيها سهلاً كالصوم مثلاً، وهناك أعمال الإخلاص فيها عزيزٌ جداً، ولا يوجد إلا عند من كان إيمانه قوياً كالصدقة الظاهرة، وغيرها من الأعمال الظاهرة التي تكون أمام مرأى الناس ومسمعهم، فإن هذه تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج إلى أن تتجدد النية، وكلما عرض له شيء يجدد نيته من جديد، فيجعلها خالصة لله، وإلا قد لا يسلم له شيء؛ لأن العمل الذي يخالطه الرياء يكون حابطاً.
стр. 1291
قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)
واستدل المؤلف هنا في أول الباب بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].
معلوم أن الآية الواحدة (من كتاب الله جل وعلا تشتمل على معان كثيرة جداً، فالله يأمر نبيه ﷺ أن يقول للناس هذا الكلام فقال: (قل)، فهذا أمرٌ من الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾: يعني لست برب ولا إله، أنا بشر مخلوق، ولكن الله جل وعلا خصه بالرسالة، وكلفه بأعبائها وتبليغها، هذا الذي خص به من دون الناس، أما في خلقه وخصائصه من الأكل والشرب والنوم وما أشبه ذلك، وكونه خلق من ذكر وأنثى؛ فهو مثل الناس تماماً، ليس كما يزعم أهل البدع والانحرافات أنه خلق من النور، وأنه أصل المخلوقات، وأنه لولاه ما خلق شيء، وغير ذلك من أنواع الغلو التي تئول بصاحبها إلى الشرك بالله جل وعلا في الربوبية.
يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والذي أتميز به عنكم ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، تميز بالوحي فقط، أن الله يوحي إليه أمره ونهيه الذي كلفه أن يبلغه إلى الناس، كلفه به ليقوم بأعبائه، ثم جعل الوحي في شيء واحد؛ لأن هذا هو الأصل: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ لأن هذا الذي يدور عليه جميع العمل الذي كلف به بنو آدم.
والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب حباً وخوفاً، ورجاءً وإنابة، وتوكلاً وخشية، فيجب أن يكون هو المألوه في أداء الأعمال، وتؤدى له فقط: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهو الله جل وعلا.
ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، الرجاء: يقصد به الاعتقاد والإيمان، واللقاء: يتضمن الرؤية والمعاينة.
والمقصود الحساب، فمن كان عنده إيمان بأن الله سيميته، ثم يبعثه، ثم يوقفه بين يديه ويحاسبه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾، من كان يرجو ذلك فليكن عمله صالحاً، أما الصلاح فيقصد به أن يكون موافقاً لأمر الله جل وعلا ونهيه، وإذا لم يكن موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ فهو فاسد غير صالح.
(فليعمل عملاً صالحاً) فليعمل بما جاء به الرسول ﷺ فقط، لا بهوى نفسه، ولا بما وجد عليه الناس، ولا بمقتضى عقله، ولا بغير ذلك من الأمور التي تكون مصدراً للعمل، وإنما يتعرف على أمر الله الذي جاء به الرسول ﷺ ، ويجتهد في معرفته ثم يعمل به: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾، ولا: هنا ناهية.
والشرك هنا يقصد به صغيره وكبيره، ولهذا قال: (أَحَداً) نكرة في سياق النهي، وهذا من العمومات التي لا يخرج عنها شيء، فدخل فيه الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ومن ذلك الرياء، ولا يلزم أن يكون شركاً صغيراً فقد يكون كبيراً؛ لأن الرياء إذا كان في أصل العمل فهذا من شأن الكفار والمنافقين، فالله جل وعلا أخبر عنهم أنهم: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، مراءاة للناس، أما المنافقون فيقول جل وعلا أنهم ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، والرياء في الأعمال بالباطنة لا يصدر من مسلم، أما في الأعمال الظاهرة التي ترى فقد يصدر منه الرياء ويقع فيه، مثل الحج، والصلاة وما أشبه ذلك، يريد أن يذكر، وربما يشهر نفسه، حتى إن بعض الناس إذا حج سمى نفسه: الحاجُّ فلان، لماذا الحاج فلان؟ حتى يعرفوه أنه قد حج! فيجب أن يكون العمل لله وحده، ولا يذكره للناس حتى يثنوا عليه به أو يسموه به، فهذا من أقل ما يقال، وإلا فالأمور التي تقدح في العمل كثيرة جداً، ولكن هذا واضح يجب على العبد أن يجتنبه حتى يكون عمله صالحاً خالصاً لله، ويكون ممن امتثل أمر الله في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، يعمل عملاً صالحاً إن كان يرجو لقاء ربه.
ولقاء الله جاء كثيراً في القرآن يقصد به المواجهة والمحاسبة، وفي ضمن ذلك رؤية الله جل وعلا، قال السلف: كل لقاء في القرآن يتضمن الرؤية؛ لأن لقاء الرؤية يكون بعد الكدح والعمل كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فاللقاء يكون بعد كدح العمل.
ومعلوم أن كل إنسان عامل، وعمله إما له أو عليه، فإذا كان عليه فاللقاء بمعنى الجزاء للكفار ونحوهم؛ لأنهم لا يرون ربهم، وإن كان مؤمناً فإن لقاءه يتضمن معاينة ربه وكلامه، ومحاسبته، وقد يكون فيه تهديد، وقد يكون فيه تقرير له على أعماله السيئة، ثم يعفو عنه جل وعلا كما في حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيح لما قيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ يعني: مناجاة الرب جل وعلا لعبده، وهذا مما يجب أن نؤمن به، فإن الله يكلم عباده جهاراً، ويكلم عبده بينه وبينه، والنجوى لغة: أن يكلم شخص آخر ولا يسمعه من بجواره، فلما سئل: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: (يدني الله عبده المؤمن فيضع عليه كنفه)، والكنف: هو الستر، يستره لئلا يراه أهل الموقف فيفتضح أمامهم، فيقرره بذنوبه يقول: عملت كذا في وقت كذا في يوم كذا في مكان كذا، وما يستطيع أن ينكر، ويقول: بلى، وكلما قال له: عملت كذا وكذا عملت كذا وكذا يتغير لونه، ويظن أنه هلك، وأن الله سوف يأخذه ويعذبه بذلك، وهذا سبب كونه يضع عليه الستر، قال: (فإذا قرره بذنوبه قال الله جل وعلا له: أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتابه بيمينه)، عند ذلك يفرح الفرح الكبير، ويتصور أن أهل الموقف كلهم يهمهم أمره، فيرفع كتابه بيده ويقول: هاؤم اقرءوا كتابيه، يعني: يا هؤلاء! اقرءوا كتابيه، انظروا أعطيت الكتاب باليمين، وهذا هو عنوان السعادة، فمن شدة الفرح واستيلاء السرور عليه يقول هذا الكلام.
أما الكافر أو الفاجر فإنه يقال للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]، هكذا يكون جزاؤه.
يجب أن يحسب الإنسان اللقاء حساباً، فإن كان عنده له حساب فليكن عمله صالحاً موافقاً للسنة، وليكن خالصاً لله جل وعلا، وليس للناس فيه شيء، لا ينظر إليهم، ولا يهمونه، ويعلم أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء ما استطاعوا إلا بشيء قدره الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء ما استطاعوا إلا بشيء قدره الله عليه، ولا يكون ذلك إلا من جراء ذنوبه.
стр. 1292
نهي النبي ﷺ عن مدح الشخص أمام وجهه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله (باب ما جاء في الرياء).
أي: من النهي عنه والتحذير، قال الحافظ: هو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدون صاحبها، والفرق بينه وبين السمعة: أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة، والسمعة لما يسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث بما عمله].
قوله: (يحمدونه) أي: يثنون عليه ويمدحونه ويحبونه، ويثقون به، وربما يريد أن يقبلوا يداه ورأسه أو ما أشبه ذلك، حتى يكون له مقام عند الناس، وهذا من عبادة النفس التي يجب أن يكون الإنسان كارهاً لها، مبغضاً لها، دافعاً لها لا يريدها، ولكون النفس تحب هذا الشيء نهى الرسول ﷺ عن مدح الشخص أمامه، لا يجوز أن تأتي إلى أخيك وتمدحه وتقول: أنت فيك وفيك وأنت كذا وكذا؛ لأن نفسه ضعيفة قد تغلبه؛ وذلك أنه إذا سمع بالمدح -وإن كان هو أعلم بنفسه من المادح- فقد تغالطه نفسه ويقول: لعلي كذلك، وإن كانت هذه مغالطة في الواقع، لكن قد يكون الدافع لهذا قوياً، وهو حب الإنسان أن يكون مقدماً عند الناس، ومحبوباً لهم، ومثنىً عليه، وهذا شيء قوي تريده النفوس، وكل إنسان يريد أن يكون فوق أبناء جنسه، ولا يريد أن يكون دونهم؛ لهذا تجد كل إنسان معجباً بنفسه وعمله، وربما يزدري الآخرين من باب الإعجاب، فلهذا نهى الرسول ﷺ عن ذلك، ولما سمع إنساناً يمدح آخر قال: (ويلك قطعت عنقه)، كيف قطع عنقه؟ يعني: أنه يسلط عليه نفسه.
فيترك ما أمر به من الإخلاص، وازدراء النفس، وقد لا يعرف قدره إذا مدح، فإذا لم يعرف قدره فإنه يهلك، وإذا أراد أن يعرف قدره فليعرض عمله على كتاب الله إن كان من الذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٩]، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٤] إلى آخر ما ذكر الله جل وعلا من صفات الذين يثني عليهم، فإذا كان من هؤلاء فهو عند الله جل وعلا محبوب وله الجزاء، وإن لم يكن وصفه هكذا فليراجع عمله ونفسه، ويجتهد لعله يصل إلى شيء من ذلك، وإلا أصبح مثلما قال الرسول ﷺ : (لينتهين أقوامٌ عن فخرهم بأناس هم فحمٌ من فحم جهنم أو ليكونن أهون عند الله من الجعلال الذي يدهده النتن بأنفه)، فهو أهون عند الله من هذه الدابة التي تختار النتن القذر وتدهدهه بأنفها؛ لأن الإنسان ما له قيمة إلا بعمله، وإذا كان يعمل لأجل نفسه فهو ممقوت عند الله مكروه، ومن مقته الله جل وعلا فإنه يفضحه ويخزيه ويعذبه، نسأل الله العافية.
стр. 1293
وجوب توحيد الله بالعبادة
قال الشارح ﵀: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك كله له وحده لا شريك له، أوحاه إلي: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يخافه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].
قوله (أحداً): نكرة في سياق النهي تعمه، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته يوم القيامة، وذكر الأدلة على ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الآية: أي: كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو: الخالص من الرياء، المقيد بالسنة].
والدليل على هذا أن الله جل وعلا تفرد بالخلق والإيجاد والتصرف، فهذا الدليل لا ينكره أحد، ويقر به كل أحد، لا أحد يقول: إن فلاناً هو الذي خلق السموات مع الله، أو ما أشبه ذلك، كل الناس يقرون بأن الله هو الخالق وحده، وهو الذي يملك الكون كله وحده.
فهذا دليل على وجوب عبادته وحده، فإذا كان هو المتفرد بالخلق والإيجاد والتصرف فإنه يجب أن يفرد بالتأله والقصد والإرادة، وأن يكون العمل له وحده خالصاً، وهذا هو الذي استدل الله جل وعلا به على الكفار في آيات كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] يعني: أنتم تقرون وتعترفون أنه هو الذي خلقكم، وخلق من قبلكم، ويخلق من بعدكم، ولا يشاركه في ذلك أحد، فكيف تجعلون له أنداداً وأنتم تقرون بهذا؟ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] فهم يعلمون أن الله هو الخالق لهم وحده، ولمن قبلهم وبعدهم، ويقرون بأنه هو الذي جعل الأرض على هذه الصفة التي يمكن للإنسان الانتفاع منها، كالفراش الذي يتمكن من الجلوس عليه والانتفاع به.
والسماء جعلها بناءً مرفوعة يشاهدونها، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الأرض ما يأكلونه وتأكله بهائمهم التي ينتفعون بها، فقد كانوا يقولون: إن الله هو المتفرد بهذا، وليس معه أحد، وهذا معنى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
إذاً: الأنداد التي يجعلونها ليست في الخلق، وإنما هي في التوجه والقصد والعبادة، فصار توحيد الربوبية دليلاً على توحيد الإلهية والعبادة، وهذا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية؛ لأن الكفار أقروا بالأول، وجعله الله دليلاً عليهم موجباً لهم أن يعبدوا هذا الذي أقروا بأنه تفرد بالإيجاد والخلق والرزق: ﴿أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ هذا لله وحده، هل يوجد أحد يقول: إن عبد القادر الجيلاني هو الذي ينزل المطر وينبت النبات أو أحمد البدوي أو غيرهما؟ لا يوجد، ولكن الشيطان يأتيهم بقالب آخر يقول: هؤلاء أولياء، ومحبوبون عند الله، فإذا توجهنا إليهم وطلبنا منهم، فهم بدورهم يطلبون من الله لنا؛ فيكون هذا أقرب إلى الإجابة، وتكون وساطة قياساً على أمور الدنيا، فإن الإنسان إذا كان له حاجة عند رئيس أو معظم يذهب أولاً إلى من يعرفه أو إلى من يكون قريباً منه، فيطلب منه التوسط حتى تنجح مسألته، فقاسوا الخالق جل وعلا بالمخلوق تعالى الله وتقدس، مع أن الواجب أن يكون الفعل الذي يفعله الإنسان متقرباً به إلى الله على ما جاء به الرسول ﷺ فقط، وهذا الشرك ما جاء به الرسول ﷺ بل نهى عنه، وهو الذي كان المشركون يفعلونه فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، يعني: يشفعوا لنا.
стр. 1294
سبب الشرك الذي وقع فيه المشركون
الشرك الذي وقع فيه جميع المشركين هو من باب الشفاعة فقط، ادعوا أنهم يشفعون لهم، فقال الله جل وعلا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] (أم) إذا جاءت في القرآن فالمفسرون يقولون: معناها: بلِ اتخذوا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣]، كثيرٌ منهم لا يعقل؛ لأنه إما ميت وإما جماد كشجر أو حجر أو غير ذلك، فهو لا يعقل كلامك وما تقصده منه، لأنه لا يسمع، وقد تكون قريباً منه ولكنه لا يعقل؛ لأنه جماد.
ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤] الشفاعة لله فاطلبها منه فقل: اللهم! شفع فيَّ نبيك، اللهم! إني أسألك أن تشفع فيَّ نبيك، فهذا هو الطريق لها، أما إذا ذهبت تطلبها من المخلوق فهذا سبب في منعك إياها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ومعلوم أن الشفعاء الذين ذكرهم الله جل وعلا لا يشفعون إلا لمن يرضى الله جل وعلا عنه، والله لا يرضى إلا بالتوحيد والإخلاص له، أما إذا كان مشركاً فالشرك سبب منع الشفاعة، فيأتيه المنع والحرمان من حيث ظن أنه يحصل له النفع والشفاعة، فانعكست عليه القضية تماماً، وهكذا المخالفون لأمر الله جل وعلا تنعكس عليهم يوم القيامة، وإذا مات الإنسان انتهت القضية، وختم على عمله، وأصبح لا ينفعه شيء ولو ندم أو تحسر.
قال الشارح ﵀: [قال: وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ والمرسلين قبله هو إفراده تعالى بأنواع العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته، ويدعو الناس إلى عبادته، أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها، أو شاك في التوحيد، أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله، وهذا هو الغالب على أكثر العوام؛ لجهلهم وتقليدهم من قبلهم، لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين.
стр. 1295
ترك الله لعمل ابن آدم إذا أشرك فيه معه غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، رواه مسلم].
أحاديث الرسول ﷺ تنقسم إلى قسمين: قسم يقوله ﷺ آمراً به وناهياً، حسب تكليف الله له جل وعلا، ويقول ذلك عن وحي أيضاً.
وقسم يضيفه إلى ربه جل وعلا يقول: قال الله تعالى يقول الله تعالى وهذا القسم يسمى قدسياً، فالقدسي نسبه إلى الطهارة والنزاهة والرفعة يعني: أنه قول الله.
والحديث القدسي لفظه ومعناه من الله، والرسول ﷺ يبلغه، ولكنه ليس كالقرآن من ناحية التحدي به، والتعبد بتلاوته، وصحة الصلاة به، وما أشبه ذلك من الأمور التي يتميز بها القرآن عن الحديث القدسي.
أما القسم الأول: فالعبارة من الرسول ﷺ ، ولكن المعنى من الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: كل ما يتكلم به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وحي من الله.
فعلى هذا؛ يكون هذا الحديث من القسم الثاني، يقول الله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، وغناه جل وعلا أمر ظاهر، وكذلك كرمه وجوده يقتضي أنه لا يقبل العمل إذا كان فيه شرك؛ لأنه يتركه لغناه وكرمه، ولكونه جل وعلا لا يقبل إلا الطيب الطاهر الخالص.
قوله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، يعني: لا يمكن أن يكون الشريك مقارباً لله جل وعلا في الغنى، ومعروف من الأمور البديهية في أمر الدين الإسلامي أن الله غني بذاته عن كل ما سواه، وليس عمل الإنسان وإخلاصه ينفع الله جل وعلا وتعالى وتقدس، بل عمله لنفسه فقط: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:٤٦] فالله غني عن عمله، ولكنه كلف عبده أن يعمل أعمالاً صالحة خالصة، كلفه بهذا حتى يتميز من يكون عبداً لله جل وعلا ومن يكون عبداً لغير الله، وكل من لم يعبد ربه لابد أن يعبد الشيطان بمظاهره المختلفة، فإن الشيطان يظهر بمظاهر كثيرة، فقد يكون في مظهر حب النفس، ومظهر الشهوة، وقد يكون في مظهر أمور يحبها الإنسان وتغلب عليه كلعبة معينة يترك بسببها أمر الله ونهيه ولا يبالي بذلك، فكل من لم يعبد الله لابد أن يعبد غيره، حتى الملاحدة الذين يقولون: الحياة مادة، ولا يوجد جنة ولا نار ولا بعث، ولا يوجد إلا هذه الحياة فقط، فهم في الواقع يعبدون شهواتهم، ويعبدون رؤساءهم وساداتهم وكبراءهم.
فهم لما لم يعبدوا الله جعلهم الله جل وعلا يعبدون نظراءهم، أو من هو أخس منهم وأحقر؛ جزاءً وفاقاً، فكل إنسان لابد أن يعبد ربه، فإن لم يعبد ربه فإنه سيعبد شيئاً آخر من مظاهر الكون والمخلوقات، وفي النهاية تكون العبادة للشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بعبادة غير الله، ويزين الشرك والكفر والإلحاد والفسوق والعصيان في أعين الناس.
يقول جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، ولا شك أن غناه تام وكامل، فهو غني بذاته عن كل ما سواه، فصار من مقتضى غناه أنه إذا وقع عمل وصار هذا العمل مشتركاً بين الله وبين غيره؛ أن يترك هذا العمل لهذا الشريك، لهذا قال: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) قوله: (تركته) الضمير يعود على العمل، أي: تركت العمل فيكون حابطاً باطلاً، ويجوز أن يعود على صاحبه، أي: تركت صاحبه وشركه، يعني: أن الشريك هو الذي يتولى جزاءه ويتولى ثوابه، فإذا كان يوم القيامة يقول الله جل وعلا: انظر إلى من أشركته في عملك فاطلب جزاءك عنده، والنتيجة خسارة وعذاب في جهنم.
стр. 1296
معنى حديث: (من عمل عملاً أشرك فيه غيري)
قال الشارح ﵀: [قوله: (من عمل عملاً أشرك فيه غيري) أي: من قصد بعمله غيري من المخلوقين، (تركته وشركه)، ولـ ابن ماجة: (فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك)، قال الطيبي: الضمير المنصوب في قوله: (تركته) يجوز أن يرجع إلى العمل.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضاً كحال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه].
إذا شاركه في الأصل، أي: كان الباعث عليه من أصل المبدأ أنه يريد المراءاة، فهذا حابط بلا شك.
قال الشارح ﵀: [وذكر أحاديث تدل على ذلك، منها هذا الحديث، وحديث شداد بن أوس مرفوعاً: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئاً فإن جدة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني) رواه أحمد.
وذكر أحاديث بالمعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية].
إذا كان عنده طمع بأن يحصل على غنيمة أو على نفع دنيوي خاص به، فهذا يكون نقصاً في جهاده، أما إذا كان الباعث له على الجهاد أن يحصل على الأموال فقط فهذا من الشرك الذي سيأتي ذكره في الباب الذي بعد هذا، فيقول الله فيه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
ومعنى الآية: أن الذي يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بها الدنيا فجزاؤه بهذه الصفة، ولكن إذا كان الباعث له على العمل طاعة الله وطاعة رسوله، والطمع في ثوابه والنجاة من عقابه، ودخل في هذا أنه يحصل على نفع دنيوي كالغنيمة؛ فهذا لا يحبط عمله، ولكن ينقص أجره، فلا يكون مثل الذي صار عمله كله للآخرة.
стр. 1297
الأجر على قدر النية
قال الشارح ﵀: [قال ابن رجب ﵀: وقال الإمام أحمد ﵀: التاجر والمستأجر والمكري أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم].
المكري هو الأجير الذي يُستأجَر مع دابته ليوصل الحجاج مثلاً؛ لأن الحاج قد لا يكون عنده سيارة مثلاً فيستأجر صاحب السيارة، فيقول: اذهب بنا إلى مكة، فهذا يذهب إلى مكة من أجل أنه مستأجر ثم يحج فلا يكون حجه تاماً، ولكن إذا كانت نيته خالصة فيكون حجه تاماً، وإذا قصد النفع وأخذ الأجرة؛ فله ما قصد.
[ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضاً فيمن يأخذ جعلاً على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس؛ كأن خرج لدينه، فإن أعطي شيئاً أخذه.
وروي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقاً فلا بأس بذلك، وأما إن كان أحدكم إن أعطي دراهم غزا، وإن لم يعط لم يغز؛ فلا خير في ذلك.
وروي عن مجاهد ﵀ أنه قال في حج الجمَّال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجره شيء أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء: فإن كان خاطراً ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا، فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم انتهى ملخصاً.
قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد، إن شاء الله تعالى].
стр. 1298
تعريف الحديث القدسي
هذا الحديث، هو قول الرسول ﷺ عن الله ﵎ وهو حديث قدسي كما سبق، والحديث القدسي: هو ما أضيف إلى الله جل وعلا قولاً ومعنى، فالرسول ﷺ يرويه عن ربه ﵎، بخلاف الحديث الذي يضاف إلى النبي ﷺ ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه يعبر عن المعنى الذي أوحي إليه بالعبارة التي تناسب من قوله صلوات الله وسلامه عليه.
أما المعنى في الحديث فهو كله من الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: أن كل ما تكلم به الرسول ﷺ في أمر الدين أو من الإخبار عما سيكون في المستقبل أو عن الماضي، وكل ما يتعلق بأمر الله وخبره؛ فهو وحي من الله جل وعلا.
قوله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، معلوم عند الخلق كلهم أن الله جل وعلا غني بذاته عن كل ما سواه، فالخلق كلهم لا ينفعونه بطاعتهم، ولا يضرونه بمعصيتهم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، بل العباد هم الفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]، فكل مخلوق فقير إلى الله جل وعلا فقراً لا ينفك عنه، فقير في منشئه ومبدئه، فقير في حاله وما هو عليه، فقير في مآله ومنتهاه، فهو فقير إلى الله دائماً، ويتضح فقر العبد بما يلي: أولاً: خلقه الله جلا وعلا ولم يكن شيئاً.
ثانياً: هو فقير في حياته، فإن تخلى الله جل وعلا عنه تخطفته الشياطين، وتحكمت به الأهواء، وهلك من حيث لا يشعر.
ثالثاً: هو فقير في مآله ومنتهاه إلى الله جل وعلا، فإن لم يتغمده الله جل وعلا برحمته فهو هالك، وكل الخلق إلى الله فقراء، وقد أوجب الله على عباده أن يعبدوه وحده، وأن تكون العبادة له وحده، فإن دخل العبادة شيء من القصد لغير الله فمقتضى غنى الله جل وعلا وكرمه أن يترك هذا العمل للذي قصد، وهذا عام مطلق في كل عمل، فإذا دخل العمل الرياء فإنه يكون داخلاً في هذا النص سواء كان في مبدأ ذلك ومنشئه، أي: نشأ معه في العمل أو طرأ عليه في أثنائه، فإنه يكون قد أشرك فيه غير الله، فيكون الجزاء أن الله يتركه وشركه، والضمير في قوله: (تركته وشركه)، إما أن يعود إلى العمل أو إلى صاحبه.
أما ما ذكر من أنه إذا كان منشأ العمل وأصله ومبعثه لله جل وعلا خالصاً، ولكن طرأ عليه الرياء، ثم ذكر الخلاف فيه، فالحديث نفسه يفصل في هذا، فلا وجه للخلاف في ذلك، فإن الشرك إذا طرأ على عمل أفسده، ولكن إذا كان خاطراً يخطر في نفسه، ثم دفع ذلك الخاطر وأعرض عنه وأصلح نيته وأخلصها، فإن هذا لا يضره؛ لأنه مجرد شيء عرض ولم يتحقق.
أما إذا استدعاه بنفسه بأن عرض له في نفسه ثم طلبه واستدعاه واسترسل معه، فهذا يكون محبطاً للعمل، والعمل الذي يحبط بذلك هو العمل الذي قارنه الشرك فقط، أما شيء قبله أو شيء بعده فهذا له حكمه: إن كان مخلصاً فيه فهو لله جل وعلا، وإن كان فيه شيء من الرياء وإرادة النفس وإرادة الدنيا فهو داخل في ذلك، فيتركهُ الله وشركه.
ومعنى ترك الله جل وعلا له: عدم الاعتداد به، والثواب عليه، بل يترك لصاحبه ويقال له: (اذهب إلى الذي كنت ترائي، فاطلب ثوابك منه)، وقد يأتي الإنسان يوم القيامة بأعمال ظاهرها أنها خالصة لله على ما يرى، ثم تصبح باطلة ومحبطة، ويصبح جزاء صاحبها عذاب الله جل وعلا، فإذا كانت قد خفيت على الملائكة الذين يكتبون ذلك، فإنها لا تخفى على علام الغيوب الذي يعلم نية العبد ومقصده، ويقول الله جل وعلا: إنها عملت لأجل فلان ثم يردها جل وعلا، ولكن الغالب أن المرائي لا يخفى أمره.
стр. 1299
عاجل بشرى المؤمن
ذكر الشارح حديث: (أن النبي ﷺ سئل عن العبد يثنى عليه بالعمل فقال: ذاك عاجل بشرى المؤمن)، هذا في عملٍ عُمِل خالصاً لله جل وعلا، ولم يتعرض العامل فيه لطلب الثناء أو وجوه الناس، ولكنه ظهر وهو لا يريد إظهاره؛ فأثني عليه بذلك.
والمؤمن لا يجوز أن يفرح بالثناء ويطلب المدح، بل يجب أن يخاف أن يكون هذا من حظ النفس، وأن يكون هذا مبطلاً لعمله، ولكن إذا جاء شيء لم يطلبه وهو واقع على عمل معمول لله جل وعلا، فهذا هو الذي جاء فيه الحديث أن ذلك عاجل بشرى المؤمن، والمعنى: أن هذا دليل على أن عمله مقبول وأن الله جل وعلا أثابه عليه وقبله.
стр. 1300
خوف النبي ﵊ على أمته من الرياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد].
هذا الحديث خطاب للصحابة رضوان الله عليهم، والصحابة هم خير هذه الأمة؛ فهم أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأخلصها عملاً، وأعلمها بالله، وأتبعها لرسوله ﷺ ، ولا أحد يصل إلى ما وصلوا إليه، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من الدجال؟ ومعلوم ما هو الخوف من الدجال فإن الرسول ﷺ حذر أمته منه، وقال: (إذا أحد به الإنسان فلينأ عنه -أي: يبتعد- فإن الرجل يأتيه وهو واثق بدينه فلا يزال به حتى يفتن ويصدقه)، ولهذا أمرنا صلوات الله وسلامه عليه أن نستعيذ بالله من شره ومن فتنته في كل صلاة ومع ذلك يقول: (إن هذا الأمر أخوف عليكم عندي من الدجال، فهذا يدل على أن هذا الأمر يجلب الخوف خصوصاً على الصالحين الذين عندهم كمال، فكيف بضعفاء الإيمان الذين ينظرون إلى الدنيا كثيراً وتستميلهم؟ فلا شك أن هؤلاء يجب أن يكونوا أكثر خوفاً من أولئك.
إذاً: من الشرك كون الرجل يصلي ثم يزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه، وهذا يعني أن الصلاة ليست للرجل بل هي لله جل وعلا، ولكنه يحسنها بإطالتها وآدابها وركوعها وسجودها وقيامها؛ لنظر من يراه معظماً عنده، حتى يكون له وقع في قلبه من أجل ذلك، وهذا من عبادة النفس، فمن عادة النفس حب الثناء عند الناس، ومن المعلوم أن المؤمنين يحبون المؤمن، وكلما كان الإنسان أطوع لله تكون محبته عندهم أكثر، فهو يريد أن يقدم في المجالس أو في الخطابات أو في ما شاء الله من أمور الدنيا التي ينظر إليها، فكل من زين عمله لأجل ذلك فلا خير في عمله، وهذا هو الذي دل عليه هذا الحديث: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
ثم هذا لا يدعو الإنسان لأن يترك تحسين الصلاة وفعل السنن من أجل نظر الناس، فهذا لا يجوز؛ لأن العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجلهم لا يجوز.
فالإنسان يجب أن يكون عمله لله جل وعلا، وأن يكون عبداً لله خالصاً مخلصاً، يخلص نفسه وأعماله من الشوائب التي تتوارد عليها بحظوظ النفس أو إرادات الدنيا وما أشبه ذلك.
والأعمال آفاتها كثيرة، وهذا من أعظم آفاتها، وهذا يدلنا على شدة نصح الرسول ﷺ لأمته، فانظر كيف حذرنا من الآفات التي تكون في النفوس وتدخل القلوب ولا يعلمها إلا علام الغيوب، ولكنه بعث للدعوة إلى الله، وإخلاص الدين له، فكل أمر يخالف الدين وينافي الإخلاص فإنه بينه ووضحه، ويجب أن يكون العمل لله جل وعلا وحده، وذلك هو العمل النافع، فليس الاعتبار بكثرة الأعمال، ولكن بسلامة العمل وخلوصه من الشوائب، فإذا كان العمل خالصاً لله فهو النافع المجدي وإن كان قليلاً، فإن الله جل علا إذا قبل حسنة واحدة بارك فيها حتى ينجو بها الإنسان من النار إن لم يكن له سيئات تأتي عليها.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]، فإذا كان عند الإنسان حسنة ولو صغيرة مقبولة خالصة لله؛ فإن الله جل وعلا يبارك فيها ويعظمها حتى ينجو بها الإنسان، ولكن يجب أن تكون خالصة لله.
следующие страницы →