Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
معنى حديث: (من عمل عملاً أشرك فيه غيري)
قال الشارح ﵀: [قوله: (من عمل عملاً أشرك فيه غيري) أي: من قصد بعمله غيري من المخلوقين، (تركته وشركه)، ولـ ابن ماجة: (فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك)، قال الطيبي: الضمير المنصوب في قوله: (تركته) يجوز أن يرجع إلى العمل.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضاً كحال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه].
إذا شاركه في الأصل، أي: كان الباعث عليه من أصل المبدأ أنه يريد المراءاة، فهذا حابط بلا شك.
قال الشارح ﵀: [وذكر أحاديث تدل على ذلك، منها هذا الحديث، وحديث شداد بن أوس مرفوعاً: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئاً فإن جدة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني) رواه أحمد.
وذكر أحاديث بالمعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية].
إذا كان عنده طمع بأن يحصل على غنيمة أو على نفع دنيوي خاص به، فهذا يكون نقصاً في جهاده، أما إذا كان الباعث له على الجهاد أن يحصل على الأموال فقط فهذا من الشرك الذي سيأتي ذكره في الباب الذي بعد هذا، فيقول الله فيه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
ومعنى الآية: أن الذي يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بها الدنيا فجزاؤه بهذه الصفة، ولكن إذا كان الباعث له على العمل طاعة الله وطاعة رسوله، والطمع في ثوابه والنجاة من عقابه، ودخل في هذا أنه يحصل على نفع دنيوي كالغنيمة؛ فهذا لا يحبط عمله، ولكن ينقص أجره، فلا يكون مثل الذي صار عمله كله للآخرة.
стр. 1297
الأجر على قدر النية
قال الشارح ﵀: [قال ابن رجب ﵀: وقال الإمام أحمد ﵀: التاجر والمستأجر والمكري أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم].
المكري هو الأجير الذي يُستأجَر مع دابته ليوصل الحجاج مثلاً؛ لأن الحاج قد لا يكون عنده سيارة مثلاً فيستأجر صاحب السيارة، فيقول: اذهب بنا إلى مكة، فهذا يذهب إلى مكة من أجل أنه مستأجر ثم يحج فلا يكون حجه تاماً، ولكن إذا كانت نيته خالصة فيكون حجه تاماً، وإذا قصد النفع وأخذ الأجرة؛ فله ما قصد.
[ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضاً فيمن يأخذ جعلاً على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس؛ كأن خرج لدينه، فإن أعطي شيئاً أخذه.
وروي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقاً فلا بأس بذلك، وأما إن كان أحدكم إن أعطي دراهم غزا، وإن لم يعط لم يغز؛ فلا خير في ذلك.
وروي عن مجاهد ﵀ أنه قال في حج الجمَّال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجره شيء أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء: فإن كان خاطراً ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا، فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم انتهى ملخصاً.
قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد، إن شاء الله تعالى].
стр. 1298
تعريف الحديث القدسي
هذا الحديث، هو قول الرسول ﷺ عن الله ﵎ وهو حديث قدسي كما سبق، والحديث القدسي: هو ما أضيف إلى الله جل وعلا قولاً ومعنى، فالرسول ﷺ يرويه عن ربه ﵎، بخلاف الحديث الذي يضاف إلى النبي ﷺ ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه يعبر عن المعنى الذي أوحي إليه بالعبارة التي تناسب من قوله صلوات الله وسلامه عليه.
أما المعنى في الحديث فهو كله من الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: أن كل ما تكلم به الرسول ﷺ في أمر الدين أو من الإخبار عما سيكون في المستقبل أو عن الماضي، وكل ما يتعلق بأمر الله وخبره؛ فهو وحي من الله جل وعلا.
قوله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، معلوم عند الخلق كلهم أن الله جل وعلا غني بذاته عن كل ما سواه، فالخلق كلهم لا ينفعونه بطاعتهم، ولا يضرونه بمعصيتهم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، بل العباد هم الفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]، فكل مخلوق فقير إلى الله جل وعلا فقراً لا ينفك عنه، فقير في منشئه ومبدئه، فقير في حاله وما هو عليه، فقير في مآله ومنتهاه، فهو فقير إلى الله دائماً، ويتضح فقر العبد بما يلي: أولاً: خلقه الله جلا وعلا ولم يكن شيئاً.
ثانياً: هو فقير في حياته، فإن تخلى الله جل وعلا عنه تخطفته الشياطين، وتحكمت به الأهواء، وهلك من حيث لا يشعر.
ثالثاً: هو فقير في مآله ومنتهاه إلى الله جل وعلا، فإن لم يتغمده الله جل وعلا برحمته فهو هالك، وكل الخلق إلى الله فقراء، وقد أوجب الله على عباده أن يعبدوه وحده، وأن تكون العبادة له وحده، فإن دخل العبادة شيء من القصد لغير الله فمقتضى غنى الله جل وعلا وكرمه أن يترك هذا العمل للذي قصد، وهذا عام مطلق في كل عمل، فإذا دخل العمل الرياء فإنه يكون داخلاً في هذا النص سواء كان في مبدأ ذلك ومنشئه، أي: نشأ معه في العمل أو طرأ عليه في أثنائه، فإنه يكون قد أشرك فيه غير الله، فيكون الجزاء أن الله يتركه وشركه، والضمير في قوله: (تركته وشركه)، إما أن يعود إلى العمل أو إلى صاحبه.
أما ما ذكر من أنه إذا كان منشأ العمل وأصله ومبعثه لله جل وعلا خالصاً، ولكن طرأ عليه الرياء، ثم ذكر الخلاف فيه، فالحديث نفسه يفصل في هذا، فلا وجه للخلاف في ذلك، فإن الشرك إذا طرأ على عمل أفسده، ولكن إذا كان خاطراً يخطر في نفسه، ثم دفع ذلك الخاطر وأعرض عنه وأصلح نيته وأخلصها، فإن هذا لا يضره؛ لأنه مجرد شيء عرض ولم يتحقق.
أما إذا استدعاه بنفسه بأن عرض له في نفسه ثم طلبه واستدعاه واسترسل معه، فهذا يكون محبطاً للعمل، والعمل الذي يحبط بذلك هو العمل الذي قارنه الشرك فقط، أما شيء قبله أو شيء بعده فهذا له حكمه: إن كان مخلصاً فيه فهو لله جل وعلا، وإن كان فيه شيء من الرياء وإرادة النفس وإرادة الدنيا فهو داخل في ذلك، فيتركهُ الله وشركه.
ومعنى ترك الله جل وعلا له: عدم الاعتداد به، والثواب عليه، بل يترك لصاحبه ويقال له: (اذهب إلى الذي كنت ترائي، فاطلب ثوابك منه)، وقد يأتي الإنسان يوم القيامة بأعمال ظاهرها أنها خالصة لله على ما يرى، ثم تصبح باطلة ومحبطة، ويصبح جزاء صاحبها عذاب الله جل وعلا، فإذا كانت قد خفيت على الملائكة الذين يكتبون ذلك، فإنها لا تخفى على علام الغيوب الذي يعلم نية العبد ومقصده، ويقول الله جل وعلا: إنها عملت لأجل فلان ثم يردها جل وعلا، ولكن الغالب أن المرائي لا يخفى أمره.
стр. 1299
عاجل بشرى المؤمن
ذكر الشارح حديث: (أن النبي ﷺ سئل عن العبد يثنى عليه بالعمل فقال: ذاك عاجل بشرى المؤمن)، هذا في عملٍ عُمِل خالصاً لله جل وعلا، ولم يتعرض العامل فيه لطلب الثناء أو وجوه الناس، ولكنه ظهر وهو لا يريد إظهاره؛ فأثني عليه بذلك.
والمؤمن لا يجوز أن يفرح بالثناء ويطلب المدح، بل يجب أن يخاف أن يكون هذا من حظ النفس، وأن يكون هذا مبطلاً لعمله، ولكن إذا جاء شيء لم يطلبه وهو واقع على عمل معمول لله جل وعلا، فهذا هو الذي جاء فيه الحديث أن ذلك عاجل بشرى المؤمن، والمعنى: أن هذا دليل على أن عمله مقبول وأن الله جل وعلا أثابه عليه وقبله.
стр. 1300
خوف النبي ﵊ على أمته من الرياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد].
هذا الحديث خطاب للصحابة رضوان الله عليهم، والصحابة هم خير هذه الأمة؛ فهم أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأخلصها عملاً، وأعلمها بالله، وأتبعها لرسوله ﷺ ، ولا أحد يصل إلى ما وصلوا إليه، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ : (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من الدجال؟ ومعلوم ما هو الخوف من الدجال فإن الرسول ﷺ حذر أمته منه، وقال: (إذا أحد به الإنسان فلينأ عنه -أي: يبتعد- فإن الرجل يأتيه وهو واثق بدينه فلا يزال به حتى يفتن ويصدقه)، ولهذا أمرنا صلوات الله وسلامه عليه أن نستعيذ بالله من شره ومن فتنته في كل صلاة ومع ذلك يقول: (إن هذا الأمر أخوف عليكم عندي من الدجال، فهذا يدل على أن هذا الأمر يجلب الخوف خصوصاً على الصالحين الذين عندهم كمال، فكيف بضعفاء الإيمان الذين ينظرون إلى الدنيا كثيراً وتستميلهم؟ فلا شك أن هؤلاء يجب أن يكونوا أكثر خوفاً من أولئك.
إذاً: من الشرك كون الرجل يصلي ثم يزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه، وهذا يعني أن الصلاة ليست للرجل بل هي لله جل وعلا، ولكنه يحسنها بإطالتها وآدابها وركوعها وسجودها وقيامها؛ لنظر من يراه معظماً عنده، حتى يكون له وقع في قلبه من أجل ذلك، وهذا من عبادة النفس، فمن عادة النفس حب الثناء عند الناس، ومن المعلوم أن المؤمنين يحبون المؤمن، وكلما كان الإنسان أطوع لله تكون محبته عندهم أكثر، فهو يريد أن يقدم في المجالس أو في الخطابات أو في ما شاء الله من أمور الدنيا التي ينظر إليها، فكل من زين عمله لأجل ذلك فلا خير في عمله، وهذا هو الذي دل عليه هذا الحديث: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
ثم هذا لا يدعو الإنسان لأن يترك تحسين الصلاة وفعل السنن من أجل نظر الناس، فهذا لا يجوز؛ لأن العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجلهم لا يجوز.
فالإنسان يجب أن يكون عمله لله جل وعلا، وأن يكون عبداً لله خالصاً مخلصاً، يخلص نفسه وأعماله من الشوائب التي تتوارد عليها بحظوظ النفس أو إرادات الدنيا وما أشبه ذلك.
والأعمال آفاتها كثيرة، وهذا من أعظم آفاتها، وهذا يدلنا على شدة نصح الرسول ﷺ لأمته، فانظر كيف حذرنا من الآفات التي تكون في النفوس وتدخل القلوب ولا يعلمها إلا علام الغيوب، ولكنه بعث للدعوة إلى الله، وإخلاص الدين له، فكل أمر يخالف الدين وينافي الإخلاص فإنه بينه ووضحه، ويجب أن يكون العمل لله جل وعلا وحده، وذلك هو العمل النافع، فليس الاعتبار بكثرة الأعمال، ولكن بسلامة العمل وخلوصه من الشوائب، فإذا كان العمل خالصاً لله فهو النافع المجدي وإن كان قليلاً، فإن الله جل علا إذا قبل حسنة واحدة بارك فيها حتى ينجو بها الإنسان من النار إن لم يكن له سيئات تأتي عليها.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]، فإذا كان عند الإنسان حسنة ولو صغيرة مقبولة خالصة لله؛ فإن الله جل وعلا يبارك فيها ويعظمها حتى ينجو بها الإنسان، ولكن يجب أن تكون خالصة لله.
стр. 1301
هل يدخل الرياء في الصيام ؟
العلماء يذكرون أن الصيام لا يدخله الرياء، إلا أنه قد يدخله في حالة من يأتي إلى الناس ويبين لهم أنه صائم ويظهر ذلك، ومعنى كلام العلماء أن أصل الصيام في نفسه سر بين العبد وبين ربه، فيمكن أن يخلو الإنسان في بيته فيأكل ويشرب ولا يطلع عليه أحد، فإذا امتنع من ذلك دل على أنه يريد وجه الله جل وعلا، ولكن ذلك لا يمنع أن يدخله الرياء كما ذكرنا، مثل أن يقول: إنه يصوم اليوم الفلاني واليوم الفلاني؛ لأجل أن يثنى عليه ويمدح، أما فلا تسلم من الرياء إذا كانت أمام الناس، والسلامة فيها صعبة.
والإنسان إذا أتى بحسنات كثيرة من هذا القبيل فيها رياء فهي خسارة عليه؛ لأن كل عمل ليس خالصاً لله غير مقبول، فإن الله طيب لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً، والذي يدخله شيء من إرادة النفس وإرادات الدنيا ليس طيباً، بل هو خبيث لا يقبله الله، بل يرده على صاحبه، وهذا أمر مهم جداً يجب أن يُعتنى به كثيراً.
وعلى الإنسان أن يعتني بنفسه، وينظر إلى الناس على أنهم بشر مثله لا ينفعونه ولا يضرونه، ولا يجوز له أن يحتقرهم ويزدريهم، بل يجب أن يعرف لهم حقهم، وعليه أن يعرف قدر نفسه، وأنه ضعيف إن لم يتداركه ربه جلا وعلا برحمته هلك؛ لأن الأعداء تحتوشه من كل جانب، حتى نفسه الأمارة بالسوء عدوة له، وكذلك الشيطان الذي قال ﷺ عنه: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فيعرف ماذا يميل إليه فيزينه له.
فالعبرة بإخلاص العمل، وكذلك المتابعة، وهذان شرطان في كل عمل، فيشترط أن يكون العمل ليس فيه شيء من البدع، وأن يكون خالصاً لوجه الله جل وعلا، وكل عمل لم يشتمل على هذين الأمرين فهو مردود على صاحبه مهما كانت كثرته، ومهما كان وقعه في الناس، فهو لا يفيد إلا إذا كان خالصاً لله جل وعلا، وكان على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1302
شرك السرائر
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وروى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله! وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر)].
سمي شرك السرائر؛ لأنه سر لا يعلمه إلا الله، فهو كامن في نية الإنسان، والنية هي التي تبعث على الأعمال، ومحلها القلب الذي هو منشأ الأعمال؛ لأنه ملك الأعضاء، والعمل يكون مترتباً على النية، فهي سرٌ لا يعلمها إلا من يعلم خفي الأمور جل وعلا، وإن كان الغالب أن الذي يرائي لا يخفى على الناس؛ ولهذا يعرفه كثير من الناس حتى يقال: هذا مراء، ولو لم يقل ذلك أو ينشره، فإن الله جل وعلا يظهره من آثار أعماله وأقواله، ويعرف في لحن القول وفي سيما العمل، وقد لا يظهر إلا قليل منه، والكثير يكون خافياً، ولكن الواجب على الإنسان أن يراقب ربه، ولا يكون للناس في عمله قدر ولا نصيب، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر يدعو ربه ويقول: (اللهم! اجعل عملي لك خالصاً، ولا تجعل لأحد من خلقك منه شيئاً).
الإنسان لا يستطيع أن يكون سالكاً الطريق المرضي إلا بتوفيق الله.
стр. 1303
الرياء قد يكون شركاً أكبر
قال الشارح ﵀: [قوله: (الشرك الخفي) سماه خفياً؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله.
وعن شداد بن أوس ﵁ قال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر)، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب، والطبراني والحاكم وصححه].
في الواقع أن شرك الرياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر، إذا كان الرياء مخالطاً لأصل العمل فهذا لا يكون أصغر بل أكبر، ولهذا وصف الله جل وعلا به الكفار، فقال جل وعلا في قريش لما جاءوا يقاتلون الرسول ﷺ : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، أي: خرجوا يراءون الناس، وكذلك وصف به المنافقين فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢]، وقال جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٦].
أي: يراءون الناس في أعمالهم، فهم يصلون ويعملون أعمالاً ويراءون فيها غير الصلاة، لهذا يقال له: ويل، ولا يقال ويل في الشرك الأصغر لكنه يقال في الشرك الأكبر، فإذا استرسل الإنسان مع الرياء ولم يدافعه فإنه يكون شركاً أكبر لا أصغر، ولكن إذا طرأ على الإنسان أو عرض له الرياء، ثم جاهد نفسه في ذلك وصده، فهذا من الشرك الأصغر، ومعنى ذلك: أنه إذا وجد في العمل أحبطه وأبطله.
стр. 1304
ذكر أفراد للشرك الأصغر
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق والحلف بغير الله].
يسير الرياء شرك؛ لأنه يتزين للناس بالأعمال ليظهرها لهم، وكذلك في الأقوال، فيجب أن يكون عمل الإنسان كله لله جل وعلا، لا يقصد به غيره.
وإذا كان العمل له نفع يتعدى فهذا يحتاج إلى جهاد النفس كثيراً، ويجب أن يكون الجهاد مستمراً، ولا يكون في وقت دون وقت؛ لأن النية تتقلب كتقلب القلب، والإنسان بحاجة إلى أن يستمر في جهاده لنفسه، فإذا كان العمل يتعدى نفعه كالقراءة، أو الدعوة، أو النصح، أو التعلم، فإن الناس قد يثنون على الإنسان به، وقد يستدعي أن يجتهد في ذلك حتى يثنوا عليه، وذلك من حظوظ النفس التي يبطل بها عمل الإنسان نسأل الله العافية! وكذلك إذا عمل عملاً يتعدى نفعه إلى الغير، فإنه يحتاج إلى أن يكون مجاهداً لنفسه في جميع وقته، ومخلصاً لله جل وعلا، ولا يبالي بالذم، بل إذا قوبل بالذم فإنه يرتاح له أكثر من المدح؛ لأنه لا يريد ما عند الناس، بل يريد ما عند الله جل وعلا، والواجب على المؤمن أن يكون بهذه المنزلة؛ ولهذا كانت الأعمال في الخفاء أفضل منها في العلانية كالصدقة مثلاً، فإن فضيلة إخفائها عن الناس ليس من أجل أمر من الأمور، ولكن من أجل أن تكون خالصة لله فقط؛ ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة في فضل صدقه السر، لحديث: (صدقه السر تطفئ غضب الرب)، وذكر رسول الله ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها)، ومن ذلك فضل صلاة التطوع في البيت على الصلاة في المسجد، فإن الإنسان في بيته يكون بعيداً عن رؤية الناس، فلا يكون لهم شيء من عمله، وكلما كان العمل خالصاً لله كان هو المطلوب شرعاً، والإنسان إذا كان في المسجد أو مع الجماعة كان ذلك أنشط له من ناحية أنه لا يود أن يكون غيره سابقاً له، وليس من ناحية أنه يريد أن يريهم أنه نشيط في العمل؛ فإنه إذا كان كذلك دخل في الرياء نسأل الله العافية، ومع ذلك تكون صلاته وحده أفضل، وكذلك غيرها من الأعمال إذا كانت خالصة، والأسباب التي يحصل بها الإخلاص مطلوبة.
[وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا.
وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى].
стр. 1305
لا يوجد ضابط للشرك الأصغر
الشرك يكون في الأعمال ويكون في الألفاظ، ويكون في النيات والمقاصد، وكلها قد تكون شركاً أكبر، وقد تكون شركاً أصغر، حسب ما يقوم في القلب من مقاصد هذه الأعمال، والألفاظ تبع لما في القلب وكذلك الأعمال؛ ولهذا يصعب تعريف الشرك الأصغر، فلا يوجد هناك ضابط يضبطه، ولهذا قال ابن القيم ﵀: (كيسير الرياء وكالتصنع للخلق، وقول الرجل لولا الله وأنت، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا).
فهذا من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر حسب ما يكون في قلب الإنسان.
إذاً: ليس هناك ضابط معين يحدد الشرك الأصغر، ويكون جامعاً مانعاً، وإنما يمثل ويحدد بالأمثلة، لكون الأعمال لا تنضبط في ذلك، أما ضبطه بأنه: كل وسيلة تكون مقربةً أو داعيةً أو موصلة إلى الشرك الأكبر؛ فهذا غير صحيح؛ لأن من الأعمال ما هو وسائل إلى الشرك الأكبر وليست من الشرك الأصغر كالصلاة عند القبر، فكون الإنسان يصلي لله عند القبر مخلصاً، هذه وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهي ليست من الأصغر، وغير ذلك من الأعمال المعروفة.
стр. 1306
الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله
قال الشارح ﵀: [ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة.
وفي الحديث من الفوائد: شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، فإذا كان النبي ﷺ يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أصغره وأكبره].
قوله: (سادات الأولياء) يعني بهم الصحابة، فهم سادات وأولياء هذه الأمة على الإطلاق، لا يكون مثلهم في الأمة أحد، وقد أخبر الرسول ﷺ بذلك فقال: (خير الناس قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وكلمة (ثم) للترتيب: (ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) يعني: أنه يكثر فيهم الكذب، ويكثر فيهم التصنع، قال: (ويظهر فيهم السمن)؛ لأن الدنيا تكون همهم التي يركنون إليها ويميلون إليها.
ولما حصلت مشاجرة بين بعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم وبين بعض السابقين قال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالله! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا الخطاب قيل للصحابة الذين أسلموا بعد الفتح أو قريباً منه، وقد أخبر الله جل وعلا أن الذين أسلموا قبل الفتح وأنفقوا وجاهدوا ليسوا كالذين أسلموا بعد الفتح وأنفقوا وجاهدوا، وأخبر أن كلاً وعد الله الحسنى، ولكن بعضهم أرفع من بعض.
والمقصود أن صحابة رسول ﷺ هم أفضل الأمة بإجماع العلماء الذين هم أهل العلم، أما أهل البدع وأهل الجهل فإنه لا عبرة بخلافهم ولا ينظر إليهم، وقد حذر الرسول ﷺ من الوقوع فيهم، وأخبر أن من أحبهم فإنه أحبهم لحبه، ومن أبغضهم فإن الذي دعاه إلى ذلك بغضه للرسول ﷺ ، والذي يقع فيهم كأنه واقع في رسول الله ﷺ ؛ وذلك أنهم هم الذين جاهدوا معه، وقاموا بامتثال أوامره، والدعوة إلى الله، والتنفيذ لما أمرهم به، ثم قاموا نقل أقواله وما أنزل عليه إلى الناس، فهم خير الناس وهم الأمناء، وهم الذين عدّلهم الله جل وعلا في كتابه، وأثنى عليهم.
فالذي يطعن فيهم فإنما يطعن في الإسلام نفسه، وفي الرسول ﷺ ، وليس في أعراضهم فحسب؛ لأنهم هم الواسطة بين الأمة وبين رسولها صلوات الله وسلامه عليه في نقل الدين، فإذا قدح فيهم فقيل: إنهم مرتدون أو إنهم منافقون؛ أصبحت الأمة تعتمد في دينها على من لا يجوز الاعتماد عليه؛ فيكون دينها غير صحيح، بل يكون مبنياً على كذب وعلى زور وعلى عدم ثقة.
فتجب محبة صحابة الرسول ﷺ ، والدعاء لهم والاستغفار؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وهؤلاء هم الذين يشهد لهم بالإيمان، أما من كان في قلوبهم غل للذين سبقوهم بالإيمان فليسوا من هذا الصنف، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فإذا كان الله جل وعلا يخبر بأنه رضي عنهم فهل يجوز أن يأتي دجال ويقول: هؤلاء مغضوب عليهم، هؤلاء منافقون، هؤلاء كفروا؟ وكيف كفروا بعد أن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿﵃﴾؟ فالله علام الغيوب، إذا أخبر عن أحد من خلقه أنه مرضي عنه، فلا يمكن أنه يطرأ عليه كفر؛ لأنه يعلم كيف يكون تعالى الله وتقدس.
стр. 1307
مسائل باب ما جاء في الرياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف].
آية الكهف هي قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، وهي آخر آية في سورة الكهف، وقد سبق تفسيرها، وفيها الرد على طوائف المبتدعة وطوائف الغلاة والطوائف المشركة، وفيها رد على الصوفية الغلاة الذين يزعمون أن الرسول ﷺ نور، وأنه ليس من جنس بني آدم.
يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، أي: مثلكم في البشرية يجوز عليه ما يجوز عليهم صلوات الله وسلامه عليه، وإنما فضل بقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، ففضله جل وعلا بالوحي الذي أوحاه إليه، ثم كأن غرض الوحي محصور في قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ لأن المقصد الأعظم من الوحي هو أن يكون التأله لله والعبادة له وحده جل وعلا.
[المسألة الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله].
هذا عظيم؛ لأنه في الواقع كثير ويخفى على كثير من الناس، فصار عظيماً لذلك، وإلا فليس عظيماً بالنسبة لله جل وعلا، فإنه طيب لا يقبل من العمل إلا ما كان طيباً خالصاً له، فإذا داخله شيء من الخبث -كأن: قصد به غيره- فإنه يرده ويبطله.
[الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى].
أي: كمال الرب جل وعلا، فهو أغنى الشركاء عن الشرك.
[الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء].
الله خير الشركاء؛ لأنه غني تعالى وتقدس، وغناه يأبى الشركه، ومع أن الشرك أعظم الذنوب فهو أعظم الظلم؛ لأنه وضع للعمل في غير موضعه؛ لأن موضعه أن يكون لله، فإذا قصد به الإنسان مخلوقاً ضعيفاً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً؛ فهذا أعظم الظلم، فرتب على ذلك أن يُترَكَ.
[الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه].
أي: أن يزيد في صفة العمل والأصل أنه لله، فيأتي في العمل وصفٌ طرأ عليه، ولكن هذا الوصف الطارئ يجعل العمل باطلاً؛ لأن الباعث لهذا الوصف هو المخلوق، وهذا واضح في أن الرياء إذا داخل العمل فإن العمل يصير مردوداً.
стр. 1308
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٦]
لا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، فإذا عمل المرء عملاً يريد به الدنيا غير ملتفت إلى الله، فهو عمل باطل، وصاحبه آثم، وقد يجزيه الله عليه في الدنيا، ويكون في الآخرة من الخاسرين.
стр. 1309
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا].
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ ف
الجواب
بينهما عموم وخصوص، فإرادة الدنيا أعم من الرياء، فقد يعمل الإنسان أعمالاً خالصة لله ولكنه يريد بها حماية نفسه بالصحة وحماية ماله بالتنمية، فيعمل لأجل هذا ويقطع نظره عن كونه يطلب بهذا العمل الجنة والهرب من النار، وكذلك يدخل فيه ما إذا عمل أعمالاً من القرب مثل الأذان وتعلم القرآن وتعلم العلم لأجل الوظيفة وحتى تكون مصدر رزق له، فإذا عمل العمل من أجل ذلك فقد أراد الدنيا بعمله، وهو داخل في الوعيد الذي يأتي ذكره في الآية.
وقد يعمل أعمالاً ظاهرها الإخلاص وفيها شيء من إرادة الدنيا وإرادة وجوه الناس، مثل الحج، فيحج لأجل أن يحصل على مال يدفع له من أجل الحج، كأن يعطيه أحد الناس مالاً ويقول: لتحج عن فلان، فهو يحج لأجل هذا المال فقط ولو لم يأته المال ما حج، فهذا عمله من أجل الدنيا ولا خير فيه.
ولهذا يقول العلماء في مثل هذا: إذا كان الإنسان يحج ليأخذ المال فهذا لا خير في عمله، أما إذا كان يأخذ المال ليحج، أي أنه يتقوى به على الحج؛ لأنه لا يستطيع أن يحج بلا مال، فهذا هو الذي يجوز فعله، أما إذا كان يحج لأجل أن يتاجر بالحج فيأخذ المال من أجل ذلك، فهذا عمل للدنيا وهو داخل في الوعيد، وغير ذلك من الأمور التي سيذكرها الشارح في هذا الباب.
قال المصنف: [باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)].
قوله ﵀: (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا): المقصود بالعمل العمل الذي يكون للآخرة، فمن عمل عملاً للآخرة مثل الصلاة والصوم والحج والصدقة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك من القربات التي رتب الله عليها الجزاء وهو يريد به الدنيا، فإنه داخل في وعيد هذه الآية.
стр. 1310
إرادة الدنيا أنواع
وإرادة الدنيا أنواع: فقد يريد بها أن يجزيه الله مقابل عمله جزاءً عاجلاً في هذه الدنيا فقط، ويقطع النظر عن الآخرة، فلا تهمه الآخرة وإنما يريد الدنيا فقط، فمثل هذا يجزى بعمله الذي عمله إذا كان صالحاً في هذه الدنيا، ولكن الجزاء في الآخرة حابط والعمل باطل فهو من الخاسرين.
وقد يعمل عملاً من الأعمال التي وضعت قربات يتقرب بها إلى الله، ولكنه يريد وجوه الناس مراءاة حتى يُحبُّوه أو يثنوا عليه أو يمدحوه وما أشبه ذلك، فهذا أيضاً أراد الدنيا، ولكن الذي قبله أعقل منه؛ لأن الذي قبله أراد نفعاً خاصاً به، أما هذا فيريد خيالاً ليس له حقيقة، وقد يعمل الذي يريد الدنيا أعمالاً يتقرب بها، ولكنه على عمل يكفره، أو على بدعة تخرجه من الدين الإسلامي كاليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، فإنهم قد يتصدقون ويحسنون إلى الناس حباً للإحسان وطلباً للجزاء.
ومعلوم أن اليهود النصارى يؤمنون بالله جل وعلا ويؤمنون بالبعث؛ ولكنهم يعتقدون أنهم على دين صحيح وهو الدين الذي جاء به موسى وجاء به عيسى صلى الله عليهما وسلم؛ فهؤلاء إذا عملوا أعمالاً صالحة من صدقة وإحسان وما أشبه ذلك، يجزون بأعمالهم في الدنيا فقط، أما الآخرة فحابط عملهم وباطل.
وقد يعمل العامل للدنيا عملاً صالحاً مثل طلب العلم وحفظ القرآن وإتقانه، ولكنه يريد بذلك وظيفة من الوظائف التي يتعيش بها، فقصده من التعلم والحفظ والتلاوة هو هذه الوظيفة، فهذا أيضاً داخل في الآية.
وقد يحج الإنسان عن غيره فيكون بالنسبة له تطوعاً، ولكن يكون في مقابل ذلك مال فيكون حجه لأجل أخذه المال وليس لأجل أنه يذهب إلى المشاعر المعظمة ويطوف ويدعو الله، ويعمل ما يعمله الحجاج الذين يتعرضون لنفحات الله وكرمه وجوده؛ وإنما يفعل ذلك لأجل المال فقط، ولو لم يحصل له مال ما حج ولا طلب الحج، فمثل هذا ليس له من عمله ومن حجه إلا هذا المال الذي أخذه، وأعماله حابطة نسأل الله العافية.
هؤلاء كلهم يدخلون في هذه الآية، وقد ذكر السلف من المفسرين ﵏ هذه الأنواع، وذكروا غيرها عند هذه الآية.
стр. 1311
تفسير آية هود: (من كان يريد الحياة الدنيا)
ثم إن معنى قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: ينويها ويقصدها بعمله ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نجزيهم جزاء أعمالهم في هذه الدنيا إما بصحة أبدان أو وفرة مال وكثرته أو ما أشبه ذلك من مقاصدهم التي يريدها الله؛ لأنه ليس كل من صنع هذا يلقى جزاءه تماماً، قد يكون خسران فلا تتحصل له الدنيا ولا الآخرة؛ وتكون هذه الآية مقيدة بقوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، فقيد المعجل بالشيء الذي يشاؤه جل وعلا ولمن يريده من هؤلاء وليس كل واحد ولا هو كل شيء، ولهذا يقول المفسرون: إن هذه الآية مقيدة بآية سورة الإسراء فيكون التعجيل لما يشاء الرب جل وعلا من الجزاء، ويكون لمن يريده ممن يعمل هذه الأعمال فليس كل واحد وليس كل عمل يكون مجزياً به في الدنيا.
وبعض المفسرين يقول: إنها منسوخة بآية الإسراء ومقصوده بالنسخ التقييد؛ لأن النسخ في لسان السلف لم يكن معناه أن يزال الحكم بحكم متأخر عنه كما هو اصطلاح المتأخرين، بل يطلقون النسخ على التقييد وعلى البيان كما قالوا في قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، نزلت هكذا ثم نسخت بقوله: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وهذا إيضاح وليس نسخاً، ولكنهم يجعلونه نوعاً من النسخ، أي: أن تقييد المطلق وتفسير المبهم وما أشبه ذلك يدخل في النسخ عند السلف.
ثم بعد ذلك يتوعدهم جل وعلا في الآخرة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) أي: جزاء أعمالهم (فيها)، أي: في الدنيا: (وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ)، أي: لا يظلمون شيئاً من عملهم فالله يجزيهم إياه في هذه الحياة، إما بصحة أبدانهم أو بإعطائهم مالاً أو بإعطائهم أولاداً أو بإعطائهم مناصب أو ما أشبه ذلك، فيكون هذا جزاء أعمالهم، وقد يعطيهم فوق أعمالهم ثم يعاقبهم الله جل وعلا يوم القيامة، مع أن كل نعمة في الإنسان من الإيجاد والحياة والسمع والبصر والأيدي والأرجل والأكل والشرب وغير ذلك، كلها من الله جل وعلا، فالإنسان لا يستطيع شيئاً بدون تسخير الله جل وعلا وإقباله عليه، ولهذا يحاسب الإنسان على ذلك يوم القيامة كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
فيسأل الإنسان عن سمعه وعن بصره وعن نياته وأعماله ومراداته وعزائمه وفؤاده وهو القلب، وفي الحديث الذي عند الترمذي وصححه وكذلك صححه الحاكم في المستدرك عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه هل عمل به).
فالساعات التي يعيشها قد يضيعها وقد يحفظها، فيسأل عنها: هل استعملها في طاعة الله جل وعلا، أو استعملها في المعاصي، أو أنها ضاعت عليه سدى، وإضاعة الوقت معصية يسأل عنها الإنسان.
وكذلك قوته التي أعطاها الله جل وعلا إياه في شبابه يجب أن تستغل فيما ينفع، ولا يجوز أن تضيع، لهذا فإنه يسأل عنها يوم القيامة.
وكذلك المال يسأل عنه: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وكذلك هل عمل بما علم؟ هذه المسائل الأربع كل واحدة يسأل عنها يوم القيامة، والسؤالات تختلف يوم القيامة ففي موقف يسأل عن هذه، وفي موقف يسأل فيقال: ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا كنتم تعبدون من دون الله؟ ولابد للسؤال من جواب، فإذا كان الإنسان حافظاً نعم الله عليه، وإلا فسوف يعاقب يوم القيامة؛ لأن الله جل وعلا أمره أن يستعملها في الطاعة.
стр. 1312
الأعمال سبب للثواب وليست موجبة للجنة بذاتها
جاء في مستدرك الحاكم وصححه هو وغيره عن النبي ﷺ ، (أنه ذكر له جبريل ﵇: رجلاً ممن كان في الأمم قبلنا كان في جزيرة عمرها خمسمائة سنة وهو يعبد الله منعزلاً لا يشتغل بالناس ولا يشتغل بالدنيا ولا بغيرها، فأخرج الله جل وعلا له من البحر عيناً عذبة، وشجرةً تخرج له كل يوم عذقاً يأكله ويشرب من الماء ويعبد ربه، فسأل ربه أن يقبضه ساجداً فقبضه الله جل وعلا وهو ساجد، وإذا كان يوم القيامة، يؤتى به بين يدي الله فيقول الله جل وعلا لملائكته: اذهبوا بعبدي وأدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: لا يا رب! بل أدخل الجنة بعملي! فيقول الله جل وعلا: ردوه، فيحاسبه الله جل وعلا؛ يقول له: من الذي أوجدك ولم تكن شيئاً؟ من الذي أعطاك السمع؟ ومن الذي أعطاك البصر؟ ومن الذي أعطاك الأيدي والأرجل؟ ومن الذي أخرج لك عيناً عذبة من الماء المالح؟ ومن الذي أخرج لك من الشجرة كل يوم عذقاً وهي لا تثمر في السنة إلا مرة؟ ومن الذي قواك على عبادة خمسمائة سنه؟ وهو يقول: أنت يا رب.
عند ذلك يقول جل وعلا: حاسبوه على النعم مقابل عبادتي، فتوزن نعمة البصر أو قال نعمة السمع خمسمائة سنه، ثم يقول الله جل وعلا: اذهبوا به إلى جهنم، فيصيح: يا رب أدخلني الجنة برحمتك يا رب أدخلني الجنة برحمتك، فيقول الله جل وعلا: ردوه وأدخلوه الجنة برحمتي).
ولا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله جل وعلا، فيجب على الإنسان أن يعرف نعم الله عليه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فكل ما يعمله الإنسان في هذه الدنيا فإنه لا يقابل شيئاً من نعم الله! ثم إنه يجزى بذلك، ولو لم يكن الأمر ظاهراً للناس جلياً، فهو في الواقع مجزي به، وهكذا كل عامل لا يريد بعمله الآخرة، يعجل له جزاء عمله في الدنيا، ثم يوافي يوم القيامة ربه مفلساً، ليس له حسنة يقابل بها ربه فيجزيه عليها، فلهذا يقول جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
ثم قد سبق أن الفرق بين هذا الباب وباب الرياء الذي قبله أن هذا أعم، فذاك خاص بالرياء والسمعة فقط، أما هذا فهو عام يدخل فيه الرياء ويدخل فيه الأعمال التي يراد بها جزاء عاجل وهي من القربات التي لا يجوز أن يطلب بها شيء من أمور الدنيا، وإنما يطلب بها الثواب من الله جل وعلا والنجاة من عذابه يوم القيامة والفوز بثوابه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قلت: بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء كما تقدم بيانه، كحال المنافقين، وهو أيضاً إرادة للدنيا بالتصنع عند الناس وطلب المدحة عندهم والإكرام، ويفارق الرياء بكونه عمل عملاً صالحاًُ أراد به عرضاً من الدنيا كمن يجاهد ليأخذ مالاً، كما في حديث: (تعس عبد الدينار)] أي: أنه لا يرائي، ولكنه يأخذ شيئاً عاجلاً ولا يريد التظاهر بالعمل، ولكن يريد الدنيا، فبهذا خالط الرياء، فصار هذا أعم من الرياء، كذلك الأمثلة التي ذكرنا تفارق الرياء ولكنها شرك بالله؛ لأنه قصد الدنيا وما قصد وجه الله حتى يثيبه الله جل وعلا، بخلاف المؤمن المخلص فإنه يقصد بالعمل الصالح وجه الله، وإن حصل له شيء من الدنيا فإنما هو تبع لا يريده قصداً، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا جاهد أو عمل أعمالاً ترتب عليها منافع دنيوية، أن هذا داخل في الرياء أو داخل في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥]؛ لأن العمل الذي عمله المؤمن عمله لله جل وعلا، وإذا جاءه شيء من الدنيا فهي تبع، وليس مقصود العمل من أجلها وإنما تأتي تبعاً لذلك العمل، وإذا جاءت تبعاً فلا بأس بها، فقد يتفضل الله جل وعلا على عبده المؤمن بنعمة في الدنيا، من مال وصحة وغير ذلك، ولكن أجره محفوظ له في الآخرة.
المقصود هنا من يقطع رجاءه في الآخرة فلا يريد ثواب الآخرة إنما يريد بعمله الدنيا، فهذا يكون مشركاً، ومعلوم أن مثل هذا هو المتوعد بجهنم، وأن عمله يكون حابطاً، ولا يكون هذا شركاً أصغر غير مخرج من الدين الإسلامي.
стр. 1313
طلب الدنيا بالقربات شرك موجب لجهنم
قال الشارح: [أو يجاهد للمغنم، أو لغير ذلك من الأمور التي ذكرها شيخنا عن ابن عباس ﵄، وغيره من المفسرين في معنى قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]].
المقصود بقوله: (شيخنا) جده محمد بن عبد الوهاب؛ لأن صاحب الكتاب عبد الرحمن بن حسن، تلميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو حفيد الشيخ ابن ابنه، وهو يقول (شيخنا) لأنه أدرك شيئاً من أيامه، ولو قال: والدنا وإمامنا لكان أفضل، ولكن هكذا عادة العلماء، ثم إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سئل عن معنى هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥]؟ فأجاب جواباً خاصاً وذكر تحته أربعة أقسام، مما ذكر الصحابة والمفسرون أنه يدخل في هذه الآية وقد أطال الجواب، وسيذكره الشارح ملخصاً عن جواب الشيخ.
قال الشارح: [وأراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة وما بعدها، أن العمل لأجل الدنيا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذراً من هذا وهذا.
قال المصنف: (وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]).
ذكر في معنى هذه الآية حديث أبي هريرة المشهور وهو حديث صحيح، عن شفي بن ماتع قال: (قدمت المدينة فإذا الناس مجتمعون على رجل، وسألت من هذا؟ فقيل لي: هذا أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه، حتى إذا ذهب الناس وانصرفوا، أقسمت عليه بحقي -يعني: حق المسلم على المسلم- أن يحدثني حديثاً سمعه عن رسول ﷺ ، فقال: نعم سوف أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ في هذا البيت، ليس فيه غيري وغيره، ثم نشج نشجة ثم مال وكاد يغمى عليه، ثم قال: لأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ في هذا البيت ليس فيه غير وغيره، ثم نشج نشجة ثم مال وغشي عليه طويلاً، ثم لما أفاق قال: سأحدثك، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى يوم القيامة بثلاثة، مجاهد ومتعلم ومتصدق، فيقال للمتصدق: ماذا عملت؟ بعد ما يقرر بنعم الله عليه فيقر بها فيقول: بذلت المال في كل وجه تحبه، فيقول الله: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك بذلته ليقال هو جواد وقد قيل، ثم يأمر به إلى النار.
ثم يؤتى بالمتعلم أو قال: بالقارئ فيقرر بنعم الله جل وعلا فيقر بها، فيقول الله جل وعلا: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله جل وعلا: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقد قيل، يعني أنك قد لقيت جزاءك من قول الناس هذا الذي قصدت، ثم يؤمر به إلى النار.
ثم يؤتى بالمجاهد الذي قتل في سبيل الله في الظاهر، فيقرر بنعم الله فيقر بها فيقول الله: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب! بذلت نفسي حتى قتلت في سبيلك، فيقول الله: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال هو شجاع، هو جريء، وقد قيل، ثم يؤمر به إلى النار.
قال رسول الله ﷺ لـ أبي هريرة: هؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم النار، فيقول شفي: قدمت الشام، فدخلت على معاوية وحدثته بهذا الحديث فبكى بكاءً شديد حتى أشفقوا عليه وقال من عنده: لقد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم بعد ذلك مسح دموعه وقال صدق الله وصدق رسوله ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥]، وأكمل الآيتين).
يعني الشارح أن هذا الحديث مطابق للآيتين؛ لأن هؤلاء الثلاثة ليسوا ثلاثة نفر فقط، ولكن المقصود ثلاثة أصناف من الناس، فكل من كان هذا صنيعه وهذا عمله فهذا مصيره وتلك نهايته، وهي مصيبة كبرى، فهو في الظاهر يعمل أعمالاً صالحة من أفضل الأعمال، لأنها إما صدقة وإما علم وتعليم، وإما جهاد في سبيل الله، ثم كانت النتيجة أنهم أول من توقد بهم النار، نسأل الله السلامة! في الظاهر أنه يعمل أعمالاً صالحة من أفضل الأعمال: فإنها إما صدقة، أو علم تعلمه وعلمه، وإما جهاد في سبيل الله, ثم بعد تلك النتيجة أنه تسعر به النار قبل عباد الأوثان والمشركين, نسأل الله العافية, لماذا؟ لأن هؤلاء مشركون في الواقع, وهم يريدون أعراضاً لا طائل تحتها, يريدون مدح الناس وثناءهم، ففي الواقع هم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.
فهذه يخشى منها كثيراً, وهي أن يعمل الإنسان العمل وهو يريد النفع الخاص, بأن يكون مقدماً في الناس، محبوباً لديهم، مثنىً عليه، وهذه مكانة تكون هي جزاء عمله، سواء يثني عليه بأنه شجاع ومقدام أو أنه يفعل ويفعل أو أثني عليه بأنه جواد متصدق، يحب الخير ويرغب فيه, أو أثني عليه بأنه عالم، وأنه يستطيع أن يرد على فلان ويعمل ويعمل وما أشبه ذلك، فهذا الشيء الذي ناله وتحصل عليه هو جزاؤه، وأعماله في الآخرة حابطة وفاسدة, ويكون من أهل جهنم نسأل الله العافية! وفي الحديث الآخر الصحيح: (أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في جهنم فتندلق أقتابه -أي: تخرج أمعاؤه- فيدور حولها في جهنم كما يدور الحمار بالرحى، ويصيح حتى يتأذى به أهل النار, فيجتمعون عليه ويقولون: يا فلان مالك؟! ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) يعني: هذا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أمام الناس، ولكنه إذا غاب واختفى فعل المنكر وترك المعروف، وإنما: يرائي الناس فقط والعياذ بالله.
والأحاديث واضحة في أن الله جل وعلا خلق عباده ليعبدوه وحده، وتكون أعمالهم مقصوداً بها وجه الله والخلاص من اليوم العسير الذي ينتظرنا، بل هو أمامنا ونحن سائرون إليه، بلا شك أن كل يوم يقربنا إلى هذا اليوم، وإن كان الإنسان قد لا يهتم بهذا كثيراً بسبب الغفلة وطول الأمل وحب الدنيا، ولكنه في الواقع إذا رجع إلى نفسه وعقله علم أنه لابد من ذلك اليوم، فيجب أن يكون مقصود الإنسان أنه عبد لله جل وعلا، يعمل الأعمال حسب أمر الله ومرضاته، وأنه سائر إلى ربه يرجو أن يثيبه ربه جل وعلا، ويعفو ويتجاوز عن الخطأ، وما فعله مخالفاً لأمر الله، فيثيبه بالعمل القليل الجزاء الكثير، هذا شأن المؤمن أنه يكون بهذه الصفة، أما إذا قصر همته ومقصده على الدنيا، فالدنيا ستنتهي ثم تكون العاقبة الوخيمة السيئة، نسأل الله العافية.
стр. 1314
عاقبة من أحب الدنيا وقدمها على مرضاة الله
قال الشارح ﵀: [قال ابن عباس ﵄: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: ثوابها ﴿وَزِينَتَهَا﴾ أي: مالها: ﴿نُوَفِّ﴾ نوفر إليهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في المال والأهل والولد ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] أي: لا ينقصون، ثم نسختها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] الآيتين رواه النحاس في ناسخه].
معنى نسختها: قيدتها، والمقصود بالنسخ هنا التقييد؛ لأن هذه التي في سورة هود مطلقة عامة، والآية التي في سورة الإسراء قيدها جل وعلا بإرادته، وبمن يريد أن يعجل له، فصارت أخص منها، والخاص يقيد العام.
[قوله: ثم نسختها أي: قيدتها، فلم تبق الآية على إطلاقها.
وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاءً، وأمَّا المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.
ذكره ابن جرير بسنده].
إذا جوزي في الدنيا نقص جزاؤه في الآخرة, كما نصت على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ : (الغزاة إذا غنموا تعجلوا الشيء من جزائهم, وإذا لم يغنموا شيئاً وفر لهم جزاء غزوتهم كاملاً يوم القيامة) , ليس معنى ذلك: أنهم يدخلون فيمن يريدون الدنيا، ولكن الله يجزيهم، فقد يكون الجزاء معجلاً أو بعضه معجلاً وبعضه مؤجلاً.
стр. 1315
حديث أبي هريرة في أول من تسعر بهم النار
قال الشارح: [ثم ساق حديث أبي هريرة عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح.
قال: حدثني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان، أن عقبة ابن مسلم حدثه, أن شفي بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس, فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس, فلما سكت وخلا, قلت: أنشدك بحقي وبحق الله لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما فيه أحد غيري وغيره, ثم نشغ أبو هريرة ﵁ نشغة, ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره, ثم نشغ أبو هريرة ﵁ نشغةً أخرى، ثم مال خاراً على وجهه, واشتد به طويلا، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ﷺ : (أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية, فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال, فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب! قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار, فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب! قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق, فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت, ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك! ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله, فيقال له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت, فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت, ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك, ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة).
].
نشغ أبو هريرة، وغشي عليه ﵁ خوفاً من أن يدخل في عمله شيء كهؤلاء؛ لأنه أبو هريرة ﵁ وصاحب رسول الله ﷺ , فخاف على نفسه حتى صار يغشى عليه من شدة الخوف, وذلك لأن آفات الأعمال والعوارض التي تعرض للعبد كثيرة, فيجب أن يحرص الإنسان على تطهير عمله من إرادة وجوه الناس وإرادة الدنيا، وأن يكون خالصاً لله جل وعلا, وكل إنسان مهما كانت حالته يريد من الآخر نفع نفسه فقط, بصرف النظر عن نفعك.
كل الناس يريدونك لهم ولكن الله جل وعلا يريدك لك, إذا عملت عملاً وفاك إياه وزادك, فإن الله لا تنفعه الطاعة كما أنه لا تضره المعصية جل وعلا, فإذا أمر عبده بشيء فهو لمصلحة العبد فقط، وليس لمصلحة الله, الله جل وعلا لا مصلحة له من طاعة الناس، ولا من أمرهم ولا من معصيتهم، فإذا تعدوا حرمات الله فلن يعجزوه جل وعلا, وسوف يأخذهم في الوقت المناسب الذي يريده جل وعلا، ويلقيهم في جهنم ولا يبالي؛ لأنهم عبيده وملكه، يتصرف فيهم كيف يشاء، ولأنهم عصوه, فما أهون أهل النار على الله جل وعلا؟! لأنهم يتضاغون فيها، ويصيحون حتى تنقطع بهم نفوسهم, ولكن لا يفيد الصياح شيئاً.
جاء في التفسير عند قوله جل وعلا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]: أن الجواب يأتي بعد آلاف السنين, ويقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، وكذلك الآية الأخرى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، إلى قوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، أخرجنا منها فإن عدنا يعني: أخرجنا إلى الدنيا مرةً أخرى لنعمل الأعمال الصالحة ونطيع, وبعد فتره طويلة جداً يأتيهم الجواب، يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، عند ذلك انقطع الرجاء نهائياً, وتصبح ليس فيها إلا زفير وشهيق دائماً, فأي هوان أهون من هؤلاء على الله جل وعلا؟ قد هانوا غاية الهوان, ومقتهم الله جل وعلا وعذبهم.
أما يخشى الإنسان من هؤلاء؟ لهذا كان بعض السلف يبكي بكاءً شديداً؛ ثم إذا لامه أهله, قال: كيف تلوموني وقد توعدني ربي جل وعلا إن عصيته أن يلقيني في جهنم؟ والله لو توعدني أن يسجنني في حمام لحق لي أن أبكي ولا تبقى لي دمعة! ولكن الناس يغفلونَ عن ذلك, ولهذا إذا حضر الإنسان الموت يتغير حاله تغيراً عظيماً جداً, وقد يجزع جزعاً هائلاً، ولكن الناس لا يعرفون عنه شيئاً، والإنسان ما دام صحيحاً فإن أمامه المجال والفسحة, وعليه أن يستعتب ربه ويطلب العتبى من ربه -يعني: يتوب عليه- ويعتذر إلى ربه ويعمل؛ لأنه لا يدري متى يبغته الموت، فإنه يأتيه الموت في أي وقت, فالإنسان ما عنده ضمان في أنه يعيش عشر سنوات أو عشرين سنة أو سنة أو يوماً، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، هل غداً يكون مريضاً أو يكون صحيحاً؟ أو يكون في عداد الأموات؟ فإذا قيل: فلان مات, انتهى وانقطع العمل والأمل، وأهل الدنيا ينسونه, يعني: آخر خبر به يوم صلي عليه ودفن، يذكرونه أياماً ثم ينسى، وانتهت القضية, من الذي يصلي له؟ من الذي يصوم له؟ قد طبع على عمله وانتهى, إن كان عمل صالحاً فيرتبط بالعمل ويفرح, وإن كانت أعماله فاسدة فما أكثر الحسرات؟! فالإنسان إذا شاهد هذه القبور يراها ساكنة وفيها البلاء, وفيها أمور هائلة جداً, والإنسان سيصير عما قريب إلى ما صار إليه أولئك الذين تقدموه, وهذا في كل وقت، وإلى الآن يصلى على عدد من الجنائز, فالناس الذين تراهم الآن معك لن يبقى بعد مائة سنة منهم على وجه الأرض عين تطرف, كلهم يكونون تحت الأرض، ويأتي آخرون مكانهم وهكذا إلى أن ينتهوا.
فالأمور سائرة بسرعة، ولكن شأن الإنسان وأمره قصير؛ لأن كل الوقت الذي يكون مزرعة له هو عمرهُ فقط، والعمر -كما هو معلوم- أكثره ضائع, بعضه في المجالس قيل وقال, وبعضه في الأكل، وبعضه في النوم، وبعضه في المشي وإضاعة الوقت والتفرج, والذي يعمل فيه لله جل وعلا هو القليل، فلو تبصر الإنسان حق التبصر لطرأ له حالة أخرى غير هذه الحالة، والله المستعان.
стр. 1316
أنواع الأعمال التي يفعلها الناس من العبادات
قال الشارح: [وقد سئل شيخنا المصنف ﵀ عن هذه الآية فأجاب بما حاصله: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه, فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله, من صدقة، وصلاة، وصلة، وإحسان إلى الناس، وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصاً لله, لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله, أو إدامة النعم عليهم, ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار, فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب, وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف, وهو الذي ذكره مجاهد في الآية: أنها نزلت فيه، وهو أنه يعمل أعمالاً صالحةً ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة].
صالحة يعني فيما يظهر للناس، وإلا فهي في الباطن فاسدة؛ لأن النية فاسدة.
[النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحةً يقصد بها مالاً, مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها, أو يجاهد لأجل المغنم, فقد ذكر أيضاً هذا النوع في تفسير هذه الآية].
هذا إشارة إلى سبب الحديث الذي قاله الرسول ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يقول العلماء: سبب هذا القول أن رجلاً خطب امرأة في مكة يقال لها: أم قيس , فأبت وقالت: ما أثيبك إلا أن تهاجر، فإن هاجرت فلا بأس، فهاجر من أجل ذلك, فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: (إنما الإعمال بالنيات إلى آخره)، يقولون: هذا سببه, وإن كان هذا السبب فيه ضعف، كما قاله ابن رجب أنه ضعيف, ولكن يكفي قوله: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها -أو قال: يتزوجها- فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: ليس له من الهجرة إلا ذلك, ومعروف أن الهجرة من أفضل الأعمال, ولهذا حق للمهاجرين أن يقدموا على غيرهم بالفضل لهجرتهم؛ لأن الهجرة هي هجر البلد الذي عاش فيه, وفيه ماله وأهله؛ إلى بلد آخر يكون فيه الإسلام ظاهراً وعزيزاً، ومحارباً للكفر والفساد.
[وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيراً.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله، مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له, لكنه على عمل يكفره كفراً يخرجه عن الإسلام, مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة].
مثل الذي يكون من المسلمين في العمل ولكنه على بدعة تكفره, كأن يعبد أصحاب القبور ويدعوهم، ويطوف عليها، ويتقرب إليهم, وهو يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويصوم, فمثل هذا أعماله فاسدة باطلة؛ لأنه لم يخلص في العبادة ولم يعبد الله وحده، بل عبد معه صاحب القبر، فإن هذا عمله يجزى به في الدنيا فقط.
[ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة, لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم, فهذا النوع أيضاً قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره, وكان السلف يخافون منه.
قال: بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج ابتغاء وجه الله, طالباً ثواب الآخرة, ثم بعد ذلك عمل أعمالاً قاصداً بها الدنيا, مثل: أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا, كما هو واقع فهو لما غلب عليه منهما, وقد قال بعضهم: القرآن كثيراً ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين: وهو هذا وأمثاله].
يعني: إذا كان الغالب عليه الإخلاص والتقى, فيكون ناجياً بإخلاصه وتقاه, وإذا كان الغالب عليه المراءاة وإرادة الدنيا, فيكون هالكاً، فهو خاضع لما غلب عليه بالعمل، وهو ما يختم له به؛ لأنه قد يختم للإنسان بعمل صالح يكفر عنه ما سبق, كما قال الرسول ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم)، وقد ينعكس الأمر فيختم للإنسان بأعمال سيئة يموت عليها، وتكون خاتمته أنه مات على أسوأ أعماله, نسأل الله العافية!
стр. 1317
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٧]
قد تطغى شهوات الدنيا على قلب عبد، فيعمل لها حتى يصير عبداً لشهواته، تسيره كما تشاء، وقد حذر النبي ﷺ من ذلك، ووصف فاعل ذلك بأنه عبد لغير الله، ودعا عليه بالتعاسة والشقاء.
стр. 1318
حديث أبي هريرة: (تعس عبد الدينار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار, تعس عبد الدرهم, تعس عبد الخميصة, تعس عبد الخميلة, إن أُعطي رضي, وإن لم يعط سخط, تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش.
طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله, أشعث رأسه، مغبرة قدماه, إن كان في الحراسة كان في الحراسة, وإن كان في الساقة كان في الساقة, إن استأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع)].
قوله: (في الصحيح) يعني: في صحيح البخاري، وذكره في موضعين في الجهاد وفي الرقاق.
стр. 1319
معنى قوله: (تعس عبد الدينار)
قوله: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم, تعس عبد الخميلة, تعس عبد الخميصة).
الدينار: هو قطعه من الذهب كما هو معروف, سواء كان مضروباً أم لم يكن, والدرهم: قطعة من الفضة, أما الخملية فهي كساء له خمل، أي: له أهداب، وأما الخميصة فهي كساء مربع.
وسماه عبداً لهذه الأشياء؛ لأنه يعمل لها, ويجتهد ويكد لأجلها, وكأن عمله للدينار والدرهم والأقمشة والأكسية وغيرها مما يقتنى.
المقصود: أن عمله إنما هو للدنيا، ومعنى قوله: (تعس) سقط وهلك، وقيل: معناه انتكس عليه أمره، يعني أنه لم يفلح, وهذا قد يكون دعاء وقد يكون خبراً, إذا كان دعاءً فالرسول ﷺ دعاؤه مستجاب, فهو يدعو عليه بالتعاسة, والتعاسة هي الشقاء كما قال جل وعلا: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ [محمد:٨]، أي: يعني شقاءً لهم, وقد يكون خبراً يخبر عنه أن هذه حالته؛ لأنه لا يخرج عن هذه الحالة, إذا كان الإنسان يعمل للدنيا فإنه يكون تعساً, ولا يلزم أن يكون في نظر العامل أنه تعس, وأشد التعاسة وأعظمها أن يكون في عمله بعيداً عن ربه جل وعلا وعما يسعده, فكلما تمادى في ذلك -وإن كان يظن أنه في سعادة- فهو يتمادى في التعاسة.
وقوله: (وانتكس) الانتكاس مثل أن يشفى المريض ثم يعود إلى مرضه, انتكس في مرضه يعني: عاد إلى أسوأ ما كان, وهنا كأنه دعاء يقرر عليه, يكون تعساً ثم ينتكس في أمره أشد مما كان عليه.
وقوله: (وإذا شيك فلا انتقش)، أي: إذا أصابته الشوكة فلا انتقش, والانتقاش: هو إخراج الشوكة بالمنقاش، والمعنى: أنه إذا وقع في شدة فإنه لا يخرج منها؛ لأن الذي إذا شيك ولا ينتقش لا يجد من ينقشه ومعناه: أنه قد هلك فلا يستطيع الخلاص مما وقع فيه.
والمعنى: أن الرسول ﷺ يخبر أن من كانت هذه حالته, فقد وصل إلى الغاية في الهلاك, وهو عدم الخروج مما وقع فيه من المآزق وهي عبادة الدنيا؛ لأن هذا يتمادى حتى يغطي على قلبه، فيصبح عنده الباطل كأنه حق, ويكره الحق ويبغضه، ويحب الباطل, وهذه غاية التعاسة والشقاء, فخروجه من هذا صعب إن لم تداركه رحمة من ربه جل وعلا، وإلا فإنه لا يخرج من ذلك ولا يجد من يخرجه.
стр. 1320
معنى كونه عبداً للدينار والدرهم
ثم كونه سماه عبداً للدينار وعبداً للدرهم وعبداً للكساء الملبوس، أو الموضوع المفروش, ليس معنى ذلك أنه يسجد لهذه الأشياء ويدعوها ويصلي لها, ولكن المعنى أنه يعمل لأجلها ولا يعمل لآخرته, ولهذا وضح ذلك بقوله ﷺ : (إن أعطي رضي, وإن منع سخط) يعني: أنه إذا حصل له ما يعمل له استمر في عمله ومضى فيه, أما إذا لم يحصل له الشيء الذي يعمل له وهو الدينار والدرهم والأقمشة والأكسية وغيرها مما يكون مراداً له, فإنه يتوقف ويسخط العمل ويتركه.
(إن أعطي رضي وإن منع سخط): فهذا واضح في أنه يعمل لأجل الدنيا، لأنه لو عمل لله جل وعلا ما نظر إلى هذه الحالة, كونه إذا منع ترك العمل، وإذا أعطي استمر فيه, فهذا تفسير لقوله: (عبد الدينار وعبد الدرهم).
стр. 1321
العبد المخلص المقابل لعبد الدنيا
ثم ذكر العبد الذي يكون مقابلاً لهذا, وهو الذي يكون عبداً لله جل وعلا, هذا عبد الدنيا والذي يقابله هو عبد الله, فقال: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله)، وطوبى: كلمة يراد بها الفعل الطيب أو الخير الذي يصل إليه, يعني: أنه يحصل على الجزاء الطيب المتناهي في الطيب، وقيل: إن (طوبى) هي الجنة، وقيل: إن (طوبى) شجرة في الجنة, وهذه أقوال متلازمة.
والمعنى واضح في أنه ﷺ يدعو لهذا العبد الذي هذه صفته أن يكون من أهل الجنة أو أنه يخبر عنه بأنه من أهل الجنة.
والعنان معروف، وهو الحبل الذي يكون في رأس الفرس، يقوده به، وهو الزمام الذي يمسكه، ومعنى ذلك: أنه مجتهد في سبيل الله.
وقال: (أشعث رأسه، مغبرة قدماه)، والمقصود بذلك: أنه لا يعتني بنفسه، قد شغل عن ترجيل رأسه وتسريحه وتنظيفه, شغله الجهاد في سبيل الله عن ذلك.
وكذلك الغبرة التي تلحقه، فهي تعني أنه لا يعتني ببدنه بالتنظيف والغسل؛ لأنه مشغول عن ذلك، ويعمل عملاً يرى أنه لا يجوز التساهل فيه أو الغفلة عنه، فهو في أمر مهم؛ لأنه يطلب رضا الله جل وعلا، والوصول إلى أعلى الدرجات.
ثم قال: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة) هذا الشرط اتحد مع الجواب، يعني: أنه إن كان في الحراسة قام بما يلزم ولم يكن مقصراًَ فيها, فهو في الاجتهاد والعمل غير مقصر، (وإن كان في الساقة كان في الساقة)، والحراسة والساقة كلاهما من أشد المواقف.
فذكر هذين الموقفين ليدل على أنه قائم بما يلزمه طاعةً لله جل وعلا، وطلباً لمرضاته, وأنه مجتهد غاية الاجتهاد لا يفتر ولا يقصر في ذلك.
ثم قال: (إن استأذن لم يؤذن له, وإن شفع لم يشفع)، يعني: أنه يعمل عملاً لله، ولا يقصد به وجوه الناس ولا يقصد به الدنيا, فلهذا يكون غير معروف عند ذوي المناصب والمسئولين, لأنه لا يظهر نفسه حتى يعرفوه, بل يعمل لربه جل وعلا, فلهذا إذا طلب شيئاً لا يعطاه، وإذا شفع لأحد لم تقبل شفاعته.
إن استأذن على الكبراء لم يؤذن له لأن عمله ليس للدنيا, فهو يحرص على أن يكون عمله خافياً, وألا يكون مطلوباً به وجوه الناس ورضاهم.
وإن شفع لأحد لم تقبل شفاعته؛ لأنه لا قيمة له عندهم, فهذا معناه أنه مغمور عند الناس, وليس له ذكر ولا نباهة عندهم ولا وجه, ولكنه عند ربه رفيع القدر وعظيم الجزاء؛ لأن قصده وجه الله جل وعلا؛ ولأنه عبد لله، فهذا يقابل الأول, فالأول عبد الدنيا وهذا عبد ربه جل وعلا.
وهذا مثلما يأتي في القرآن, فإن الله جل وعلا يذكر المتقابلين، يذكر مرة الصالحين ثم يتبعهم الفاسدين الكافرين، أو يذكر الجنة ثم يتبع ذلك ذكر النار.
فهنا في هذا الحديث ذكر عابد الدنيا، ثم ذكر عابد ربه الذي يقصد بعمله وجه الله جل وعلا، ويتقرب به إلى الله, والشاهد في هذا واضح, أنه سمى الذي يعمل للدنيا عبداً للدينار، وعبداً للدرهم، وعبداً للخميلة، وعبداً للخميصة.
فدل على أن من عمل عملاً يقصد به الدنيا, فإنه عند الله من الخاسرين, فالحديث مطابق للآية التي ترجم بها المؤلف الباب، وهي قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، فمعلوم أن الأول باطل عمله في الآخرة، وأنه ممن يستحق النار، ويكون خالداً فيها؛ لأنه عبدٌ للدنيا ويعمل لأجلها, ولهذا يرضى لها ويسخط من أجلها.
أما الثاني: فهو يقابل هذا تماماً, فالدنيا ما أهمته، ولا يلتفت إليها، ولا يعيرها أي اهتمام, ولهذا كان عمله عظيماً, إذا وقف في المواقف وقف موقف الرجال, ولم يؤت من قبله, ولكنه لا يظهر ذلك بل يخفيه؛ لأنه يريد وجه الله جل وعلا, ولهذا لا يتحصل له جاه عند الناس, بل يكون مطموراً مغموراً، لا يؤتى به ولا يلتفت إليه؛ لأن عمله لله جل وعلا، وهذا هو المقصود.
стр. 1322
شرح ألفاظ الحديث
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله (في الصحيح): أي: صحيح البخاري.
قوله: (تعس) وهو بكسر العين، ويجوز الفتح, أي: سقط, والمراد هنا هلك، قاله: الحافظ.
وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد أي: شقي, وقال أبو السعادات: يقال: تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه, وهو دعاء عليه بالهلاك.
قوله: (عبد الدينار) هو المعروف من الذهب، كالمثقال في الوزن.
قوله: (تعس عبد الدرهم) وهو من الفضة، قدره الفقهاء بالشعير وزناً, وعندنا منه درهم من ضرب بني أمية, وهو زنة خمسين حبة شعير, وخمسا حبة، سماه عبداً له، لكونه هو المقصود بعمله].
يعني: في القرن الثالث عشر يقولون: عندنا درهم من ضرب بني أمية يعني: بقي إلى ذلك الوقت، ولا يزال عند بعض الناس, واشترى أحد التلاميذ درهماً من أول الإسلام وهو محتفظ به, وهذا يترتب عليه أحكام من أحكام الشرع, كمعرفة المكاييل والموازين، وهو أمر مهم؛ لأن فيها الزكاة وفيها الكفارات وفيها الأحكام التي تتعلق بها كثيراً, فمعرفتها مهمة، فإذا وجد مثل ذلك دينار أو درهم فشيء جيد؛ لأن هذا هو الذي كان في زمن الرسول ﷺ ، فإنه يعينه كثيراً على معرفة المقادير والموازين.
قال الشارح: [فكل من توجه بقصده لغير الله, فقد جعله شريكاً في عبوديته, كما هو حال الأكثر.
قوله: (تعس عبد الخميصة) قال أبو السعادات: هو ثوب خز أو صوف معلم, وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة, وتجمع على خمائص, والخميلة بفتح الخاء المعجمة, وقال أبو السعادات: ذات الخُمل: ثياب لها خُمل من أي شيء كان.
قوله: (تعس وانتكس): قال الحافظ: هو بالمهملة أي: عاوده المرض.
وقال أبو السعادات: أي: انقلب على رأسه؟ وهو دعاء عليه بالخيبة، قال الطيبي: فيه الترقي بالدعاء عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط.
قوله: (وإذا شيك): أي: أصابته شوكة.
(فلا انتقش) أي: فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش، قاله أبو السعادات.
والمراد: أن من كانت هذه حاله فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوءه في العواقب، ومن كانت هذه حاله فلابد أن يجد أثر هذه الدعوات في الواقع فيما يضره في عاجل دنياه وآجل أخراه].
стр. 1323
كلام ابن تيمية على منزلة المال عند المسلم
قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فسماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء عليه بلفظ الخبر، وهو قوله: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه.
وهذا حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه: (إن أعطي رضي، وإن منع سخط)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]، فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله.
وهكذا حال من كان متعلقاً منها برئاسة أو بصورة، ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة: هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده - إلى أن قال: وهكذا أيضاً طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: فمنها ما يحتاج إليه العبد، كما يحتاج إلى طعامه وشرابه، ومنكحه ومسكنه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن يستعبده فيكون هلوعاً.
ومنها ما لا يحتاج إليه العبد، فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبداً لها، وربما صار مستعبداً ومعتمداً على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله.
وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله: من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي استكمل الإيمان انتهى ملخصاً].
هذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العبودية، وكلامه في منزلة المال عند الإنسان، يقول: المال يكون عند الإنسان على قسمين: أحدهما: الشيء الذي لابد له منه مثل المسكن والطعام -المأكل والمشرب- والملبس ونفقة الزوجة وما أشبه ذلك.
فهذه يجب أن تكون مطلوبة من الله جل وعلا، ولا يتعلق قلبه بها، وإنما تكون لأجل الحاجة؛ لأنه محتاج إلى ذلك، ولكن لا تشغله ولا تصده عن عبادة ربه، وكون قلبه خالصاً لربه لا تأخذ شيئاً منه، فتكون هذه بمنزلة الحمار الذي يركبه، ولو قلنا السيارة فإنه يمكن أن يتعلق قلبه بها، وتجده إذا كانت مثلاً جميلة ينظفها، بل ينبغي أن يكون المال بمنزلة الحمار الذي يركبه.
ثم يقول بعد هذا: بل يجب أن يكون المال عند المؤمن بمنزلة المحل الذي يقضي فيه حاجته ولا يتعلق به قلبه نهائياً؛ لأنه إذا تعلق به القلب لابد أن يعمل من أجله، ثم يأخذ شعبة من قلبه فيصبح عنده شيء من العبودية لغير الله جل وعلا، فالعبودية الخالصة أن تكون لله وحده، وهذا هو الذي يكون كامل الإيمان، وهو الذي إذا بعث يوم القيامة يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، أما إذا كان قلبه قد تشعب شعبة للمال، وشعبة للعمل، وشعبة للرئاسة، وما أشبه ذلك من الأمور التي يتعلق بها، فإنه ينطبق عليه قوله ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)، إلى آخره.
يعني: عنده عبادة لغير الله جل وعلا، وهذه تختلف: إما أن تكون عبادة كاملة فيصبح ممن تشمله الآية ويدخل فيها أو تكون عنده خصلة من خصال العبادة، فقد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، فالناس يتفاوتون في هذا، فهذا الشيء الذي يحتاجه ينبغي أن يكون بهذه المنزلة، والأمور الضرورية ينبغي أن تكون للمؤمن بهذه المنزلة، أما الأمور التي لا يحتاجها وهي فضلة زائدة، فهذه يقول: إنها عذاب يعذب بها الإنسان، وكونه يعمل ويجمع لها فإنه يصير خادماً لها -يعني: عبداً لها- ويصبح أقل ما يقال فيه إنه صد عن عبادة الله وأعرض عنها إلى عبادة ما يضره ولا ينفعه، وسوف يخدمه ويتعب نفسه وبدنه في جمعه وحراسته ثم يأكله غيره وينتفع به غيره.
وقد يسعد به غيره فتكون عليه الحسرات، إذا وجد من سعد بالشيء الذي شقي هو فيه تصبح عليه الحسرة فقط، وقد يشقى فيه غيره أكثر من شقائه، وذلك بأن يعصي الله جل وعلا فيه، فيكون عليه شيء من التبعات، فهو لا ينفك عن المسئولية، لماذا؟ لأنه في الواقع خرج عن الشيء الذي طلب منه، وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يجوز أن يعمل على وجود المال، وإنما لا يجوز أن يطلبه من الأمور المحرمة، وألا يمنعه المال من أداء الواجبات، ويجب ألا يدعوه المال إلى ارتكاب المحرمات، فإذا لم يكن يدخل في ذلك -يعني: ما منعه جمع المال من ترك واجب، ولا حمله على فعل محرم- فإنه يكون سالماً وليس مذموماً، ولكن الغالب في صاحب المال أنه لا يسلم من أحد شيئين: إما ترك واجب، وإما فعل محرم من أجل المال.
وهذا أمر مشاهد، حتى إن كثيراً من الناس يثقل عليه كثيراً إخراج الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام لمحبة المال، وبعضهم قد لا يخرجها؛ لأنه قد يستكثرها مثلاً مع أنها ليست كثيرة، فيمنعه حب المال من إخراج الزكاة، وهذا في الواقع قد أخذ المال شعبة كبيرة من قلبه، فأصبح القلب متعبداً له، وكذلك قد يبخل في أداء الواجب من المال ويعجز، وإن لم يكن مثل الذي منع الزكاة، ولكنه يكون عليه من إثم ذلك بحسب ما منعه من الواجب، سواء كان الواجب يتعلق بمن يجب عليه نفقته أو يتعلق بغيره، فإذا كان الإنسان عبداً لله جل وعلا خالصاً فيكون المال عنده بمنزلة الشيء الذي لا يؤبه له، ولا يتعلق قلبه به؛ لأنه يعمل في هذه الدنيا للدار التي سيسكنها سكنىً لا تنقطع، فهو يعمل على عمارة تلك الدار بكل وسيلة، بالبدن وبالمال الذي يكون بعض الناس خادماً له وعبداً له، فهو إذا كان عبداً لله يستخدم المال ويوظفه لأعماله التي تكون مرضية لربه جل وعلا.
فالإنسان لا ينفك إما أن يكون بهذه الصفة أو يكون بالصفة الأخرى، وكل إنسان يجد من نفسه شيئاً من ذلك، ولابد من المجاهدة والعمل والكدح، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، والكدح: إما أن يكون في الخير أو يكون في الشر، ولابد من ملاقاة الله جل وعلا، ثم محاسبته وجزاؤه على الكدح الذي كدحه الإنسان.
стр. 1324
معنى كلمة (طوبى)
قال الشارح ﵀: [قوله: (طوبى لعبد)، قال أبو السعادات: طوبى: اسم الجنة.
وقيل: هي شجرة فيها، ويؤيد هذا ما رواه ابن وهب بسنده عن أبي سعيد ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! وما طوبى؟ قال شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها).
وروى الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، سمعت ابن لهيعة قال حدثنا دراج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني، قال له رجل: وما طوبى؟ قال شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) وله شواهد في الصحيحين وغيرهما].
ذكر البخاري في صحيحه أن طوبى هذه كلمة تقال لكل عمل طيب، ولكل جزاء طيب، وهي على وزن فعلى، وكلامه هذا يدل على أن الحديث لم يصح عنده، ولو كان الحديث صحيحاً لبين ذلك في الترجمة كعادته، وإن كان الحديث ليس على شرطه، فإنه إذا لم يكن على شرطه -يذكر ذلك في ترجمة ولا يرويه- يذكر معناه، وذكره هذا يدل على أن هذا الحديث غير صحيح عنده.
стр. 1325
أثر وهب بن منبه في وصف بعض نعيم الجنة
قال الشارح ﵀: [وقد روى ابن جرير، عن وهب بن منبه هاهنا أثراً غريباً عجيباً.
قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرةً يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم الملائكة من ربهم يقودون نجباً مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح من حسنها، ووبرها كخز المزعري من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت ورفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه، قال: فيركبونها، قال: فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجباً من غير مهنة، يسير الراكب إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، ولا ترك راحلة ترك صاحبتها، حتى إن الشجرة لتنتحي عن طريقهم؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه.
قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول ﵎ عند ذلك: أنا السلام، ومني السلام، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب، وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا بالسجود قدامك، قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في ديناهم فتضايقوا، رب فآتني من كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك اليوم أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني وسأتحفك بمنزلتي؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد.
قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرض عليهم: براذين مقرنة على أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له.
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه وزاد: فانظروا إلى مواهب ربكم الذي وهب لكم، فإذا بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، وأبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء.
وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهوها نورها، فلولا أنه مسخر إذاً لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان منها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مزودة بالزمرد الأخضر، والذهب الأحمر، والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان.
فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تحتها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق.
فانطلقت بهم تلك البراذين تزف بهم، ينظرون رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعوداً على منابر من نور، ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم، ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على كل باب قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام.
لما تبوءوا منازلهم، واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ قالوا: نعم وربنا، قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا، قال: فبرضاي عنكم أحللتكم داري، ونظرتم إلى وجهي، فعند ذلك قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥]، وهذا سياق غريب، وأثر عجيب، ولبعضه شواهد في الصحيحين].
هذا الأثر من كلام وهب بن منبه، وقصارى الأمر أن يكون منقولاً عن بني إسرائيل، فلا يجوز إثباته واعتقاد ما فيه، وفيه أشياء منكرة، وهو كما وصفه بأنه أثر عجيب غريب، فالعجيب والغريب ينبغي أن لا يثبت، ولكن أورده لما فيه من الترغيب في الجنة، وفيه أشياء تحرك القلوب للعمل، ولكن خير من ذلك وأفضل ما في كتاب الله جل وعلا.
ولا شك أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، وأعظم مما ذكر هنا بكثير، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]، (فلا تعلم نفس) هذه نكرة تشمل الملائكة وغيرهم، فهي لا تعلم الشيء الذي أخفي لهم.
ثم إن هناك شيئاً فيه نكارة، والحديث الذي في الصحيحين يقول فيه الرسول ﷺ : (إذا سألتم الله جل وعلا الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، ووسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فعرش الرحمن فوق ما يذهبون إليه أي: أنهم يسيرون، وتتفرق الشجر عنهم، فيزورون الله جل وعلا، الله أكبر من كل شيء وأعظم، فإذا أراد جل وعلا النظر إليهم أزاح الحجاب فنظر إليهم في أماكنهم، وكلموه وكلمهم تعالى وتقدس، ولا يحتاج أنهم يركبون ويذهبون يمشون بين الشجر كما يذكر هنا؛ لأنه يقول: (وسقفه عرش الرحمن) ولكن في الجنة الفردوس وهو أعلى ما في السماء، وليس فوقه إلا عرش الرحمن تعالى وتقدس.
كذلك ما يذكر من وجود براذين من كذا وكذا هذا ليس بعجيب على قدرة الله جل وعلا، ولكن يحتاج إلى أن يثبت ذلك عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، أو عن قول الله جل وعلا، أما إذا كان منقولاً عن كتب بني إسرائيل فبيننا وبينهم مفاوز تنقطع دونها أعناق الإبل، فلا يجوز أن نثبت ذلك إلا بشيء ثبت من كتاب الله أو من أحاديث رسوله ﷺ ، وإن كان ذلك في الفضائل والترغيب متسامحاً فيه، لكن نكتفي بما صح وثبت في كتاب الله جل وعلا، وفي هذا غنية وخير كثير.
وكم من النقص دخل على المسلمين بسبب ما يذكره كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما من أحبار اليهود الذين أسلموا وصاروا يذكرون هذه الأشياء في أمور كثيرة، بعضها قد يخالف ما في كتاب الله، ولهذا في صحيح البخاري عن أمير المؤمنين معاوية ﵁ أنه قال: (لا تسألوا أهل الكتاب، فإن كتابكم هو أحدث كتاب نزل، فو الله ما رأينا واحداً منهم أتى يسأل، وإن من أصدق هؤلاء كعب الأحبار، وإننا لنبلو عليه الكذب).
هكذا يقول: يعني: أنه قد يظهر من بعض ما يخبر شيء فيه مخالفة لما في كتاب الله ولما قاله رسول الله ﷺ .
والمقصود: أن هذا لا يعتمد عليه في مثل هذا الأثر الطويل الذي فيه هذه الأمور التي ذكر؛ لأنه ليس له مستند ثابت صحيح، لا من كتاب الله، ولا من قول رسوله ﷺ ، وإنما قاله وهب ﵀ وعفا الله عنا وعنه، نقلاً عن الكتب السابقة، والله أعلم به، ومعلوم أن الذي ينقل عن بني إسرائيل على أقسام ثلاثة: قسم يكون موافقاً لما جاء به رسولنا ﷺ ، فهذا حق يجب تصديقه والإيمان به.
وقسم بعكس ذلك، يكون مخالفاً له، فهذا يجب تكذيبه.
وقسم ثالث ليس عندنا شيء يدل على أنه صحيح ولا أنه باطل، فمثل هذا لا يصدق ولا يكذب، بل يوقف فيه ويقال: الله أعلم، ونقول: آمنا بما أنزل الله في كتابه.
стр. 1326
هل الجنة فيها صبيان
قال الشارح ﵀: [وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ضروع كلها، ترضع صبيان أهل الجنة].
الجنة فيها صبيان، هذا يحتاج إلى دليل، قد اختلف العلماء: هل أهل الجنة يولد لهم صبيان أو لا يولد؟ وأكثر قول العلماء أنه لا يولد لهم، إنما هم في نعيم فقط، ولا يحتاجون إلى الولدان، ثم إن في الحديث الصحيح: أن كل من يدخل الجنة على شكل واحد، وعلى صورة أبيهم آدم، طوله ستون ذراعاً في السماء، كلهم على هذه الصفة، وكذلك يكونون مرداً، كما قال الرسول ﷺ ما فيهم كهل واحد، فإذا كان لهم صبيان يرضعون فإنه يحتاج إلى دليل يثبت.
[وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة.
رواه ابن أبي حاتم].
السقط يكون في الدنيا وليس في الجنة، يعني: إذا أسقطت في الدنيا من المؤمن، أما الجنة فليس فيها سقط، ولا فيها حمل، ولا فيها أولاد على القول الصحيح وإذا أثبت شيء من ذلك يجب أن يكون على دليل جلي.
стр. 1327
فضل الجهاد في سبيل الله
قال الشارح ﵀: [قوله: (آخذ بعنان فرسه في سبيل الله): أي: في جهاد المشركين.
قوله: (أشعث) مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل، و (رأسه) مرفوع على الفاعلية، وهو طائر الشعر، أشغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالادهان وتسريح الشعر.
قوله: (مغبرة قدماه) هو بالجر، صفة ثانية لعبد].
يجب أن يكون (عبدٌ) مرفوعاً، ويكون (مغبرة قدماه) صفة للعبد، أقول: هذا هو الأقرب.
[قوله: (إن كان في الحراسة) هو بكسر الحاء أي: حماية الجيش عن أن يهجم العدو عليهم.
قوله: (كان في الحراسة) أي: غير مقصر فيها، ولا غافل، وهذا اللفظ يستعمل في حق من قام بالأمر على وجه الكمال.
قوله: (وإن كان في الساقة كان في الساقة): أي: في مؤخرة الجيش، أي: يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه إن كان ليلاً أو نهاراً؛ رغبة في ثواب الله وطلباً لمرضاته، ومحبة لطاعته.
قال ابن الجوزي: وهو خامل الذكر لا يقصد السمو.
وقال الخلخالي: المعنى: ائتماره لما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يفقد من مقامه، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة.
انتهى.
وفيه: فضل الحراسة في سبيل الله].
قد ورد في فضل الحراسة في سبيل الله أحاديث، ولكنها ليست على شرط الصحيحين منها: أن من حرس ليلة في سبيل الله فهي خير من ألف ليلة يقوم ليلها ويصوم نهارها، ويقول الحافظ: إن هذا الحديث رجاله ثقات إلا فلاناً وذكره.
وكذلك ورد: أن من حرس في سبيل الله لا تمسه النار، كذلك جاء نحو هذا في الرباط في سبيل الله، والمرابطة: هي لزوم الثغور في الأماكن المخوفة التي يتوقع أن يأتي منها العدو، ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله مثلما قال الرسول ﷺ : (ذروة سنام الإسلام)، يعني: هو أرفع شيء في الأعمال، وإذا ترك الجهاد في سبيل الله عطل أموراً كثيرة، وأصبح دليلاً على ضعف المسلمين، بل وضعف الإسلام أيضاً كما هو الواقع اليوم، فإن المسلمين صاروا أكلة لأعدائهم، يريدون أن يأخذوا منهم ما أرادوا بدون خوف، ولا يردهم شيء عن ذلك، والسبب في هذا تقاعس المسلمين عما أمرهم الله جل وعلا به، وما حضهم عليه رسوله ﷺ .
وقد سبق في الدرس الماضي الحديث الذي ذكره الرسول ﷺ : أنهم إذا تركوا الجهاد سلط الله عليهم ذلاً لا يرفع عنهم حتى يراجعوا دينهم وبهذا يتبين أن عز المسلمين في الجهاد، وفي التمسك بدينهم، وأنهم إذا أعرضوا عن دينهم ذلوا، ولابد أن يذلوا، والواقع شاهد بهذا، الواقع الذي ينظر إليه الإنسان من أول الإسلام إلى اليوم يشهد بهذا الأمر.
قال الشارح ﵀: [قوله: (إن استأذن لم يؤذن له)، أي: إذا استأذن على الأمراء ونحوهم لم يأذنوا له؛ لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة؛ لأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله، لا يقصد بعمله سواه.
قوله: (وإن شفع) بفتح أوله وثانيه، (لم يشفع) بفتح الفاء مشددة يعني: لو ألجأته الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)].
ليس معنى ذلك أنه يفعل ما يشاء، وأنه يقسم على الله ثم يطيعه الله، ولكن هذا عبد مطيع لله جل وعلا ممتثل لأمره، فإذا طلب من الله أعطاه، وطلبه لا يكون من باب الإدلال على الله، ولكنه من باب أنه عبده حقاً، فيطلبه من باب العبودية والذل والتعلق به وحده، فيعطيه مع ذله وخضوعه لربه جل وعلا واستكانته له، وليس الإقسام معناه: أنه الذي يأمر أمراً ملزماً فيعطيه ذلك، كما هو الواقع بين الخلق، هذا ليس المراد، بل المراد أنه مطيع لله، وإذا طلب من ربه شيئاً من باب الجزم والعزم فإنه يطلبه من باب الذل والخضوع والاستكانة لربه جل وعلا، فمعلوم أن الله جل وعلا إذا ذل له عبده وخضع له أعطاه ما يريد ولكن حسب مشيئته، فما أحد يلزم الله جل بشيء، لهذا يقول ﷺ : (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، فإن الله لا مكره له)، أي: لا أحد يكرهه على شيء، والأمر كله بيده جل وعلا، يتصرف بخلقه كيف يشاء.
قال الشارح ﵀: [قال الحافظ: فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول والتواضع.
انتهى].
هذا العبد الذي ذكر أنه أشعث رأسه إلى آخره، هذا من باب الثناء والمدح، فصار دليلاً على أن هذا أمر مطلوب، ينبغي للإنسان أن يطلب هذه الصفات حتى يتصف بها، فيكون عبداً لله جل وعلا.
стр. 1328
فضل الحراسة في سبيل الله
قال الشارح ﵀: [وروى الإمام أحمد أيضاً عن مصعب بن ثابت أن عبد الله بن الزبير قال: عثمان ﵁ -وهو يخطب على منبره-: إني محدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها)].
هذا الحديث الذي قال الحافظ ابن حجر ﵀: إن رواته ثقات وهذا شيء عجيب! لأن هذا أتى في ليلة القدر، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣]، ألف شهر أي: قرابة ثلاثة وثمانين سنة، أي أن الإنسان يعمل هذه الليلة عملاً صالحاً خير وأكثر من عمر إنسان فيه صلاة وصيام.
قال الشارح ﵀: [وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك قال: قال عبد الله بن محمد، قاضي نصيبين، حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة أنه أملى عليه عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، ووعده الخروج، وأنفذها معه إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة قال: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب قال: فلقيت الفضيل بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأ ذرفت عيناه فقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم، قال لي: اكتب هذا الحديث: وأملى علي الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله! أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ : فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهدين ليستن في طوله فيكتب له بذلك حسنات؟).
معروف أن عبد الله بن المبارك ﵀ من العلماء العاملين المجاهدين الذين كانوا يلازمون الثغور وهذه الأبيات أرسلها إلى الفضيل بن عياض وسماه عابد الحرمين؛ لأن الفضيل كان في مكة، وفيها إشارة إلى أحاديث رسول الله ﷺ منها أنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يجتمع غبار في سبيل الله في منخر عبد ودخان جهنم)، يعني: أن الذي يقاتل في سبيل الله ويدخل في أنفه غبار لا يرى النار أبداً، وكذلك هذا الغبار في سبيل الله أطيب من ريح العبير، والعبير هو طيب الطيب، وهذا أيضاً جاء فيه حديث عن النبي ﷺ .
وفيه أيضاً أنه يقول: جاء مع نبينا أن الشهيد حي، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] أي: وإن كانت قد فارقت روحه بدنه في القتل، فهو حي حياة الله أعلم ما هي، ولكنها حياة أكمل من حياة الدنيا.
стр. 1329
المجاهدون أحياء عند ربهم يرزقون
وفي آية أخرى يقول جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ومعنى يرزقون: أنهم يتنعمون بالأكل والشرب وغيره، وهذا شأن الحي.
وليست الحياة بالروح كما يتصور بعض الناس: أن حياة الشهيد حياة بالروح؛ لأن الروح لا تموت، فحياة الروح يستوي فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، وروح كل إنسان لا تموت وإنما تفارق البدن، ولابد أن تكون الحياة التي ذكرها الله جل وعلا للشهداء غير حياة الروح، ولهذا يبقى بدن الشهيد طرياً ولا تأكله الأرض ولا يكون كغيره، وهذا قد شوهد كثيراً، ومن المعروف أن أرض المدينة ليست كالأراضي الأخرى؛ لأنها سبخة وتأكل ما وضع فيها بسرعة، ومع ذلك فإن شهداء أحد وجدوا بعد أربعين سنة أو بعد ستين سنة في مناسبات معروفة، ومرة أخرج السيل بعضهم، ومرة حُفر ليزالوا عن طريق عين أجريت من هناك فوجدوا كما هم ودماؤهم طرية كما هي، وهذا من معاني كونهم أحياء، وليست الحياة على البدن فقط، وأنه لا تأكله الأرض، بل هي أعم من هذا، فهم كما قال جل وعلا: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
وقد ذكر العلماء أشياء عجيبة غريبة من هذا القبيل.
والشيخ العالم المجاهد ابن النحاس ﵀ في كتابه مصارع العشاق في ذكره للجهاد في سبيل الله، ذكر قصصاً من هذا القبيل فيها مشاهدة لعلماء كبار مما يدل على أن حياة الشهيد محسوسة وليست معنوية.
стр. 1330
تمني الشهداء العودة إلى الدنيا
ثم إنه قد علم أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث معاذ بن جبل لما قال: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وذروة سنام الشيء: أعلاه.
وليس هناك ميت من المؤمنين المتقين يموت ويفارق الدنيا ويرى ما أعد الله جل وعلا له من الفضل والسعادة والخير، فيتمنى العودة إلى الدنيا إلا الشهيد، لما يرى من فضل ما أعد الله له، فإنه يتمنى أن يعود إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى! وقد جاء في الصحيح في قصة عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله: (لما قتل في أحد، يقول جابر: جيء به -يعني: والده- وهو ميت، يقول: فصرت أبكي، فينهاني الناس ورسول الله ﷺ لا ينهاني، ثم بعد ذلك قال له: إن الله جل وعلا قد كلم أباك كفاحاً، فقال له: يا عبدي تمن، فقال: أتمنى أن تعيدني إلى الحياة مرة أخرى فأقتل في سبيلك، قال الله جل وعلا: إني كتبت: ألا يعودوا إليها مرة أخرى).
وهكذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل في سبيل الله)، وهذا الذي يوده الرسول ﷺ هو أعلى ما يمكن أن يطلب في مرضاة الله جل وعلا، والآثار والأحاديث في هذا واضحة وجلية وظاهرة.
وكذلك نوه الله جل وعلا به في كتابه، فإنه أخبر أنه: ﴿اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] ثم يقول بعد هذا: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]، هل يوجد أحد أوفى من الله جل وعلا؟! ثم يقول: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١]، فهذا عقد مبايعة؛ لأن الإنسان المؤمن يبذل نفسه وماله في سبيل الله، وهذه المبايعة وجدت في أفضل كتب الله التي أنزلها: التوراة والإنجيل والقرآن، وعقد المبايعة وقع على يدي رسل الله جل وعلا جبريل ومحمد وموسى وعيسى، فأكد هذا وبينه كأنه حاصل وموجود؛ لأنه موثوق به تمام الثقة.
وجاء أيضاً في الحديث الصحيح: (أن الصحابة تذاكروا فيما بينهم: أي الأعمال أفضل؟ فانتهى الأمر إلى أن سألوا النبي ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا في ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١]) إلى آخر الآيات، فهذا فصل للنزاع،
و
الجواب
أن هذا هو أفضل الأعمال.
ولهذا أملى الفضيل بن عياض على الذي جاءه بكتاب أخيه عبد الله بن المبارك بعدما قال إنه نصح جزاه الله خيراً؛ لأنه في هذه الأبيات يحضه على العمل الفاضل، وهو الجهاد في سبيل الله، ويقول: إن هذا لا يستوي مع عبادتك، وإن كنت تبكي وتسيل الدموع على خديك من خشية الله جل وعلا، فغبار في سبيل الله أفضل من هذا، فلهذا قال: نصحني جزاه الله خيراً، ثم أملى عليه الحديث الذي رواه، وفيه: أن المجاهد في سبيل الله لا يعدل فضله عمل من الأعمال، وأنه سئل الرسول ﷺ عن عمل يعدل الجهاد في سبيل؟ فقال: لا أجده، والشيء الذي لا يجده الرسول ﷺ لا وجود له، ثم قال له: هل تستطيع أن تصوم النهار ولا تفطر -يعني: جميع حياتك- وتقوم الليل ولا تنام -يعني: صلاة التهجد طوال حياتك- قال: لا يستطيع ذلك أحد، قال: إن المجاهد في سبيل الله كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر.
ثم ذكر أنه تكتب له الأعمال التي لا يعملها هو، إذا ربط فرسه بحبل طوله، الطول: هو الحبل الذي يوضع في يد الفرس، ويطول له حتى إنه يمتد فيرعى من حول مربطه الذي يوضع فيه الحبل، هذا يسمى طول الفرس، وإذا مشى فيه فإنه يكتب له حسنات، وإذا أكل يكتب له حسنات، وإذا بال يكتب له حسنات، وإذا راث يكتب له حسنات، يكتب ذلك للمجاهد الذي أمسك هذا الفرس في سبيل الله، وكذلك لو رجع ووضعه في بيته فإنه تكتب له الأجور دائماً ما دام أعده للجهاد في سبيل الله، فتكتب له خطواته وما يأكله وما يخلفه.
كذلك الشيء الذي يعده مثل العدة التي يعدها، فقد جاء: أن السهم يدخل فيه الجنة ثلاثة: صانعه ومعده محتسباً ذلك في سبيل الله ولجهاد أعداء الله، والذي يناوله من يرمي به، والرامي به، ثلاثة يدخلون الجنة بسهم، فكيف الذي يراق دمه ويكون مقبلاً غير مدبر؟! ومن الخصائص التي يختص بها الشهيد في سبيل الله أنه لا يجد ألماً للموت إلا مثل عضة القراد الذي يكون في الدابة، وأنه يأمن من فتنة القبر، وأنه يزوج سبعين من الحور العين، وغير ذلك مما ذكر في الأحاديث، ويكفي في هذا ما قاله الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
стр. 1331
مسائل باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة].
عمل الإنسان الذي يطلب به الدرجات عند الله إذا أراد به الدنيا فإنه لا خلاص له، ويكون داخلاً في قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
والإرادة هنا: المقصود بها الإرادة التي هي عن عمل القلب، ومعلوم أن عمل القلب وإرادته يتبعها عمل الجوارح، ولا يمكن أن يوجد عمل للجارحة إلا وقد سبقته إرادة القلب فهو الباعث إلى الأعمال، ويعبر بالإرادة عن العمل كله، يعني: أن العمل صدر مراداً ومنوياً به هذا الشيء، فإذا صدر العمل من إنسان -مما يتقرب به إلى الله كطلب العلم والحج والصدقة والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك- لا يريد به إلا تحصيل الدنيا ولا يرغب في الآخرة، وإنما رغبته في الدنيا فهو المقصود بهذه الآية.
[الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة].
لابد أن يفهم كونه يسمى عبداً للدينار والدرهم والخميصة والخميلة، وعرفنا أن الخميصة كساء، يقول الحافظ ابن حجر: الخميلة كساء معلم فيه أعلام، والأعلام هي النقوش والأهداب التي تكون في الثوب للزينة، أما الخميصة: فهي الكساء المربع، ويشبه الشيء الذي يلتف به كالرداء وما أشبه ذلك، فكيف يكون العاقل عبداً لهذا؟! أما الدينار والدرهم فمعروفان، ولكن ليس المقصود أنه يعمل العمل ويطلب الشيء من الخميلة والخميصة أو الدرهم أو الدينار، ولكن المقصود أنه يريد بعمله الدنيا، ولهذا سمي عبداً لها؛ لأنه جعل عمله من أجلها، فهو يخدم المال يخدم الدينار والدرهم يعمل على تحصيله ويتعب نفسه في ذلك، وهمه جمعه وحياطته وحيازته، وإذا حصل له اجتهد في العمل ورضي، وإن لم يحصل له ذلك ترك العمل وسخط؛ لأنه ليس له مقصد إلا هذا فيكون عبداً له، ويكون مثلما ذكر في الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥].
أما كون المسلم يحب المال ويجمع المال فلا ينافي أنه مسلم ومؤمن؛ لأن هذا شيء لابد منه ولكن لا يجوز أن يكون عمله من أجل ذلك، بل يكون همه وكدحه هو الحصول على رضا ربه، وإذا ذهبت الدنيا فلا يأسف عليها ولا تهمه كثيراً، فيقدم الدين على الدنيا، أما إذا قدم دنياه على دينه فيكون عابداً للدنيا.
ومعروف أن العبادة يجب أن تكون لله ولا يجوز أن تكون لأحد غير الله جل وعلا، والعبادة قد يقصد بها شيء محسوس مشاهد كما هو معروف عند الكفار والمشركين: منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشجر والحجر، ومنهم من يعبد القبور كما هو معلوم، وقد تكون العبادة متجهة لشيء معنوي من رئاسة ومنصب ووظيفة أو مال، وكثير من الخلق اليوم يعبدون بطونهم وفروجهم نسأل الله العافية؛ لأنهم يعملون على تحصيل شهواتهم فقط، فهذه أهم ما لديهم، وكذلك كثير من الناس يعبد حبه وإراداته وشهواته كما قال الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول العلماء: من اتخذ إلهه هواه معناه: الذي إذا اشتهى شيئاً فعله بدون مراقبة لله جل وعلا أو خوف منه، أو يرجو ثوابه، بل يقدم هوى نفسه.
فالمسلم ليس هذا شأنه وإن حصل على الدنيا وطلبها، ولكن طلبه إياها على وفق أمر الله جل وعلا، فلا يطلبها بفعل محرم، ولا يطلبها من الطريق الذي حرمه الله جل وعلا، ولكنه يطلبها بالطرق التي أباحها الله جل وعلا وأمر بها.
ثم هو بالمال يعبد ربه، فيؤدي زكاته، وكذلك يستعين به على عبادة الله، وكذلك يبذله فيما وجب عليه، وكذلك يتقرب به أو بما يسر الله منه في طاعة الله جل وعلا، وترك المال والعزوف عنه ليس من شأن المسلمين وليس من أمر الدين الإسلامي، بل الإسلام يحث على تحصيل المال، ولكن من الطرق الصحيحة المشروعة.
ولهذا إذا نظر الإنسان في كتاب الله يجد أن الله جلا وعلا يقدم الجهاد في سبيل الله بالمال على النفس، لا تجد آية في كتاب الله من الآيات التي فيها الأمر بالجهاد في سبيل الله إلا ويذكر الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس، مما يدل على أنه لابد من المال، ولكن يجب أن يكون طيباً حتى يكون مقبولاً ونافعاً، أما إذا كان من الطرق التي حرمها الله، فإنه إن أنفق منه لم يقبل، وإن أكل منه أفسد عليه قلبه، وإن خلفه فتركه خلفه صار عذاباً وحساباً عليه، فلابد أن يكون المسلم متقيداً بأمر الله جل وعلا في طلب المال وفي غيره، فإنه في عبادة إذا كان متقيداً بالشرع، أما الزهد في المال والإعراض عنه نهائياً فإن هذا ليس مطلوباً؛ لأن الإنسان لابد له من شيء يقتات به، ولابد له من شيء يتمتع به، وكونه يستغني بعمله وبما يكسبه لنفسه أمر مطلوب شرعاً، حتى يستغني عما في أيدي الناس، وإذا فعل ذلك قصداً لكف نفسه وإغنائها عن الخلق والقيام على من أوجب الله عليه القيام عليهم، كان في عبادة فكيف إذا بذله في الجهاد في سبيل الله؟! ولهذا السبب ذهب فقراء المهاجرين إلى النبي ﷺ فقالوا:: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويجاهدون كما نجاهد، ولكنهم ينفقون وليس عندنا شيء ننفقه، فقال ﷺ : ألا أدلكم على شيء تسبقون به من لم يعمل به وتلحقون من سبقكم به، تكبرون الله وتسبحونه وتحمدونه دبر كل صلاة: ثلاثاً وثلاثين)، يعني: ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، فذهبوا بهذا المكسب، (فسمع إخوانهم من أهل الدثور فقالوا مثلما يقولون، فرجعوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إخواننا سمعوا ذلك فقالوا مثلنا)، يعني: فهم يحصلون على الأجر مثلما نحصل عليه، فقال ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، يعني: أن الصدقة وبذل المال تفضل الله به على الأغنياء وبذلك فضلوا الفقراء، وعلى هذا يكون أهل الدثور وأهل الأموال أفضل من الفقراء في تحصيل الأعمال إذا قصدوا بها وجه الله واتبعوا فيها الكتاب والسنة.
قال المصنف ﵀: [الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط.
الخامسة: قوله: (تعس وانتكس).
السادسة: قوله: (وإذا شيك فلا انتقش).
قوله: (تعس وانتكس)، يجوز أن يكون خبراً، وأن الرسول ﷺ يخبر عن حالته أنه له التعاسة والشقاء، وأنه إذا وقع في شدة لا يستطيع أن يتخلص منها، فهو يهلك عند أول أمر يقع فيه من الشدائد، ويجوز أن يكون دعاء من الرسول ﷺ عليه بالتعاسة والشقاوة وعدم الخروج من الورطات التي يقع فيها؛ لأنه عمل أعمالاً لم يقصد بها وجه الله، بل خالف ما جاء به الرسول ﷺ فاستحق الدعاء عليه.
[السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات].
يشير إلى تلك الصفات: أشعث رأسه، مغبرة قدماه، آخذ عنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، يعني: أنه قائم أتم القيام في أمر الله وفي محاربة أعداء الله وإعلاء كلمة الله يطلب بذلك مرضاة الله جل وعلا، ولا يهمه كونه إذا شفع لم يشفع وإذا طلب شيئاً لا يناله ولا يعطاه من المسئولين؛ لأن هذا ليس مقصوده، إنما مقصوده مرضاة الله ولهذا قال: (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)، يعني: أن عمله ليس للناس وليس للدنيا، ومعروف أن غالب الناس ينظرون إلى الذي يكون بيده شيء من أمور الدنيا ومن المناصب وغيرها أكثر من غيره، أما هذا فعدل عن ذلك نهائياً، فآثر الخمول وعدم الظهور على كونه يظهر ويبرز ويشار إليه؛ لأنه لا يريد ما في أيدي الناس، وإنما يريد ما عند الله جل وعلا فآثر ذلك، فهذا هو الذي يستحق الثناء؛ لما قال له ﷺ : (طوبى له)، وطوبى: تعني السعادة الطيبة والحياة الطيبة أو الجنة بما فيها.
стр. 1332
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٨]
إن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله ﷺ ، وهذا هو معنى الإسلام، فلا يجوز أن تصرف هذه الطاعة المطلقة لأحد غير الله ورسوله؛ لأن الطاعة المطلقة هي العبادة، وعليه؛ فإن طاعة العلماء والأمراء لا تجوز إلا تبعاً لطاعة الله ورسوله، وإن أطيع العلماء والأمراء طاعة مطلقة في تحريم الحلال وتحليل الحرام فقد اتخذوا أرباباً من دون الله جل وعلا.
стр. 1333
طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله].
من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [التوبة:٣١]، وهذه الآية يقصد بها اليهود والنصارى.
والأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، وأما المسيح ﵇ فهو رسول الله الذي جاء بالإنجيل وجاء بالرسالة التي فيها التخفيف على بني إسرائيل، ووضع كثيراً من الآصار التي كانت عليهم، وهو من أولي العزم، فاتخذوه إلهاً مع الله؛ لأنه -كما هو معلوم- آية ظاهرة من آيات الله جل وعلا، حيث وجد من أنثى لم يتصل بها ذكر، وإنما خلقه الله جل وعلا من مريم بواسطة نفخة الملك الذي أرسل إليها وهو جبريل ﵇، كما ذكر تفصيل ذلك ربنا جل وعلا في سورة مريم وفي غيرها، فلما كان بهذه المثابة زين الشيطان للناس أنه الله أو ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، يعني: أن الآلهة ثلاثة: الله ومريم وعيسى، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
فالمقصود هنا كونه قرن اتباع الأحبار والرهبان مع العلم بمخالفتهم لأمر الله؛ بعبادة النصارى لعيسى فإنهم عبدوه عبادة واضحة ظاهرة.
فكونه قرن الرهبان والأحبار مع عيسى يدلنا على أنه لا فرق بين أن يطيع الإنسان مخلوقاً في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وبين أن يعبده عبادة صريحة واضحة، وقد جاء حديث عن النبي ﷺ أوضح هذا المعنى تمام الإيضاح؛ فإنه ﷺ : (لما قدم عدي بن حاتم وهو نصراني من نصارى العرب كما هو معروف وهو ابن حاتم الجواد المعروف المشهور في أشعار العرب وكلامهم، ولكنه لما جاءت سرايا رسول الله ﷺ إلى بلاد طيء وقد أعد نجائب ليهرب عليها إلى الشام، فأخذت خيل رسول الله ﷺ أخته إلى آخر القصة)، ولكنه جاء بسبب كتابة أخته له: فإنها لما جاءت المدينة في الأسرى، كان إذا مر عليها رسول الله ﷺ تقول له: من علي من الله عليك، فإني كبيرة لا أستطيع الخدمة ولا وافد لي ولا فادي لي، فقد ذهب الوافد وقل الرافد، فقال لها: ومن الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم -أخوها- فقال: ذاك الذي هرب من الله ومن رسوله.
ثم أعادت عليه الكلام مرة أخرى فقال لها ﷺ : إذا جاء وفد قومك فأعلمين، فجاء وفد قومها، فمن عليها رسول الله ﷺ وقال لها علي بن أبي طالب ﵁: اسأليه الحملان، فسألته فأعطاها ما سألته.
فلما ذهبت كتبت إلى أخيها تؤنبه تقول: كيف تركت عوراتك وهربت؟! ليس هذا فعل أبيك ولا فعل من يهمه أمر أهله؟ ثم قالت: ائت إليه فهو والله خير من أبيك، وهو يعطي العطاء الذي لا يستطيع أبوك أن يعطيه، ائت إليه وضع يدك في يده فلن تجد إلا خيراً وحسناً، فجاء ممتثلاً لأمرها، ودخل على النبي ﷺ في المسجد وهو لا يعرفه، والرسول ﷺ لا يعرفه، وكان ﷺ إذا جلس مع أصحابه لا يتميز عنهم، فليس له مجلس مرتفع لا كرسي ولا غيره، وإنما يجلس معهم في مجلسهم فإذا جاء الغريب لا يعرفه.
فوقف فقال: أيكم محمد ﷺ ؟! فقال من عنده للرسول ﷺ : هذا عدي بن حاتم، وكان ﷺ يكرم رؤساء الناس وكبارهم، فقام معه ﷺ وذهب به إلى بيته، يقول عدي: (فصار يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فقلت: يا رسول الله: إننا لم نعبدهم، قال: بلى، ألم يحللوا لكم الحرام فتتبعوهم؟ ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم؟ فقلت: بلى، قال: تلك عبادتهم)، هذا أمر واضح جلي؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الله جل وعلا عبادة له.
стр. 1334
الطاعة المطلقة لا يجوز أن تكون إلا لله
ولما كان هذا الكتاب في باب التوحيد الذي يجب على العبد أن يكون عارفاً به وعاملاً به، ولا يجوز أن يجهل مسائل التوحيد أو يترك العمل بها؛ لأنه من أهم الأمور؛ نبه المصنف ﵀ في هذا الباب على أن الطاعة المطلقة يجب أن تكون لله؛ لأنها هي العبادة، وقد فسر العلماء العبادة بأنها: الطاعة بإتباع الأمر واجتناب النهي.
فبين في هذا أن الطاعة لا يجوز أن تكون للمخلوق إلا إذا كانت تبعاً لطاعة الله جل وعلا، أما قول الله جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فقد فسر العلماء (أولي الأمر): بأنهم العلماء، وبعضهم يقول: الأمراء، وبين ابن القيم ﵀ أن الأمراء والعلماء كليهما مقصود في الآية، فالعلماء يبينون أمر الله ويوضحونه والأمراء ينفذون أمر الله، فالله أمر بطاعتهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فأولو الأمر هم العلماء والأمراء.
وإنما يطاعون إذا كانت طاعتهم تبعاً لطاعة الله، وقد وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ فيها الحث على طاعة الأمراء وولاة الأمر منها قوله ﷺ : (أطيعوا ذوي أمركم وإن تأمر عليكم عبد حبشي مقطع الأطراف يقودكم بكتاب الله فأطيعوه)، وإن جاء أن الأمراء من قريش، إلا أن هذا إذا لم يحصل ذلك.
وقال ﷺ : (من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله).
стр. 1335
إنما الطاعة بالمعروف
وبين أن الطاعة بالمعروف فقال: (لا طاعة إلا بالمعروف)، والمعروف: هو الدين الذي جاء به الرسول ﷺ .
وقد أمر الرسول ﷺ على سرية من السرايا أميراً وحث على طاعته، فقال: (من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني) ثم إنه في أثناء السفر غضب الأمير على من معه، فقال لهم: اجمعوا لي حطباً فجمعوا الحطب، فقال: أججوا فيه ناراً، فأججوا النار فقال: ألم يأمركم الرسول ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى، قال: ادخلوا في النار، قالوا: لا ندخل في النار، من النار فررنا! فبقوا هكذا حتى طفئت النار وذهب غضبه، ثم لما رجعوا إلى النبي ﷺ قالوا له ذلك، فقال: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾.
إذاً: فهذه الآية غير مخالفة للآية التي ترجم بها المؤلف ﵀، يعني: أن الطاعة التي أمر بها لذوي الأمر إنما هي في طاعة الله جل وعلا، أما إذا كانت في معصية الله فلا يطاع.
إذاً: فكل مخلوق سواء كان والدك أو من هو دونه إذا أطعته في معصية الله فأنت عاصٍ وقد اتخذته إلهاً من دون الله، وإن لم تسجد له وتدعوه؛ لأن من خصائص الله جل وعلا التي لا يجوز أن ينازع فيها: الأمر والنهي والتحليل والتحريم، ولذلك صار من فعل ذلك واتبع عليه صار رباً، وهذا هو سر التعبير بالأرباب في الآية: اتخذوهم أرباباً؛ لأن الرب هو الذي يأمر وينهى وهو الذي يحلل ويحرم، ولا يجوز لمخلوق أن يحلل شيئاً أو يحرم شيئاً فإذا وقع ذلك من مخلوق ثم اتبع عليه فقد اتخذ رباً من دون الله جل وعلا.
ومعلوم أن هذا الأمر مناف للتوحيد ولذلك أراد المؤلف ﵀ أن يبين هذا الأمر حتى يكون الإنسان على بينه ولا يقع في الخطأ أو في مناقضة التوحيد.
следующие страницы →