← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

مسائل باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة]. عمل الإنسان الذي يطلب به الدرجات عند الله إذا أراد به الدنيا فإنه لا خلاص له، ويكون داخلاً في قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]. والإرادة هنا: المقصود بها الإرادة التي هي عن عمل القلب، ومعلوم أن عمل القلب وإرادته يتبعها عمل الجوارح، ولا يمكن أن يوجد عمل للجارحة إلا وقد سبقته إرادة القلب فهو الباعث إلى الأعمال، ويعبر بالإرادة عن العمل كله، يعني: أن العمل صدر مراداً ومنوياً به هذا الشيء، فإذا صدر العمل من إنسان -مما يتقرب به إلى الله كطلب العلم والحج والصدقة والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك- لا يريد به إلا تحصيل الدنيا ولا يرغب في الآخرة، وإنما رغبته في الدنيا فهو المقصود بهذه الآية. [الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة]. لابد أن يفهم كونه يسمى عبداً للدينار والدرهم والخميصة والخميلة، وعرفنا أن الخميصة كساء، يقول الحافظ ابن حجر: الخميلة كساء معلم فيه أعلام، والأعلام هي النقوش والأهداب التي تكون في الثوب للزينة، أما الخميصة: فهي الكساء المربع، ويشبه الشيء الذي يلتف به كالرداء وما أشبه ذلك، فكيف يكون العاقل عبداً لهذا؟! أما الدينار والدرهم فمعروفان، ولكن ليس المقصود أنه يعمل العمل ويطلب الشيء من الخميلة والخميصة أو الدرهم أو الدينار، ولكن المقصود أنه يريد بعمله الدنيا، ولهذا سمي عبداً لها؛ لأنه جعل عمله من أجلها، فهو يخدم المال يخدم الدينار والدرهم يعمل على تحصيله ويتعب نفسه في ذلك، وهمه جمعه وحياطته وحيازته، وإذا حصل له اجتهد في العمل ورضي، وإن لم يحصل له ذلك ترك العمل وسخط؛ لأنه ليس له مقصد إلا هذا فيكون عبداً له، ويكون مثلما ذكر في الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [هود:١٥]. أما كون المسلم يحب المال ويجمع المال فلا ينافي أنه مسلم ومؤمن؛ لأن هذا شيء لابد منه ولكن لا يجوز أن يكون عمله من أجل ذلك، بل يكون همه وكدحه هو الحصول على رضا ربه، وإذا ذهبت الدنيا فلا يأسف عليها ولا تهمه كثيراً، فيقدم الدين على الدنيا، أما إذا قدم دنياه على دينه فيكون عابداً للدنيا. ومعروف أن العبادة يجب أن تكون لله ولا يجوز أن تكون لأحد غير الله جل وعلا، والعبادة قد يقصد بها شيء محسوس مشاهد كما هو معروف عند الكفار والمشركين: منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشجر والحجر، ومنهم من يعبد القبور كما هو معلوم، وقد تكون العبادة متجهة لشيء معنوي من رئاسة ومنصب ووظيفة أو مال، وكثير من الخلق اليوم يعبدون بطونهم وفروجهم نسأل الله العافية؛ لأنهم يعملون على تحصيل شهواتهم فقط، فهذه أهم ما لديهم، وكذلك كثير من الناس يعبد حبه وإراداته وشهواته كما قال الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، يقول العلماء: من اتخذ إلهه هواه معناه: الذي إذا اشتهى شيئاً فعله بدون مراقبة لله جل وعلا أو خوف منه، أو يرجو ثوابه، بل يقدم هوى نفسه. فالمسلم ليس هذا شأنه وإن حصل على الدنيا وطلبها، ولكن طلبه إياها على وفق أمر الله جل وعلا، فلا يطلبها بفعل محرم، ولا يطلبها من الطريق الذي حرمه الله جل وعلا، ولكنه يطلبها بالطرق التي أباحها الله جل وعلا وأمر بها. ثم هو بالمال يعبد ربه، فيؤدي زكاته، وكذلك يستعين به على عبادة الله، وكذلك يبذله فيما وجب عليه، وكذلك يتقرب به أو بما يسر الله منه في طاعة الله جل وعلا، وترك المال والعزوف عنه ليس من شأن المسلمين وليس من أمر الدين الإسلامي، بل الإسلام يحث على تحصيل المال، ولكن من الطرق الصحيحة المشروعة. ولهذا إذا نظر الإنسان في كتاب الله يجد أن الله جلا وعلا يقدم الجهاد في سبيل الله بالمال على النفس، لا تجد آية في كتاب الله من الآيات التي فيها الأمر بالجهاد في سبيل الله إلا ويذكر الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس، مما يدل على أنه لابد من المال، ولكن يجب أن يكون طيباً حتى يكون مقبولاً ونافعاً، أما إذا كان من الطرق التي حرمها الله، فإنه إن أنفق منه لم يقبل، وإن أكل منه أفسد عليه قلبه، وإن خلفه فتركه خلفه صار عذاباً وحساباً عليه، فلابد أن يكون المسلم متقيداً بأمر الله جل وعلا في طلب المال وفي غيره، فإنه في عبادة إذا كان متقيداً بالشرع، أما الزهد في المال والإعراض عنه نهائياً فإن هذا ليس مطلوباً؛ لأن الإنسان لابد له من شيء يقتات به، ولابد له من شيء يتمتع به، وكونه يستغني بعمله وبما يكسبه لنفسه أمر مطلوب شرعاً، حتى يستغني عما في أيدي الناس، وإذا فعل ذلك قصداً لكف نفسه وإغنائها عن الخلق والقيام على من أوجب الله عليه القيام عليهم، كان في عبادة فكيف إذا بذله في الجهاد في سبيل الله؟! ولهذا السبب ذهب فقراء المهاجرين إلى النبي ﷺ فقالوا:: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويجاهدون كما نجاهد، ولكنهم ينفقون وليس عندنا شيء ننفقه، فقال ﷺ : ألا أدلكم على شيء تسبقون به من لم يعمل به وتلحقون من سبقكم به، تكبرون الله وتسبحونه وتحمدونه دبر كل صلاة: ثلاثاً وثلاثين)، يعني: ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، فذهبوا بهذا المكسب، (فسمع إخوانهم من أهل الدثور فقالوا مثلما يقولون، فرجعوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إخواننا سمعوا ذلك فقالوا مثلنا)، يعني: فهم يحصلون على الأجر مثلما نحصل عليه، فقال ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، يعني: أن الصدقة وبذل المال تفضل الله به على الأغنياء وبذلك فضلوا الفقراء، وعلى هذا يكون أهل الدثور وأهل الأموال أفضل من الفقراء في تحصيل الأعمال إذا قصدوا بها وجه الله واتبعوا فيها الكتاب والسنة. قال المصنف ﵀: [الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله: (تعس وانتكس). السادسة: قوله: (وإذا شيك فلا انتقش). قوله: (تعس وانتكس)، يجوز أن يكون خبراً، وأن الرسول ﷺ يخبر عن حالته أنه له التعاسة والشقاء، وأنه إذا وقع في شدة لا يستطيع أن يتخلص منها، فهو يهلك عند أول أمر يقع فيه من الشدائد، ويجوز أن يكون دعاء من الرسول ﷺ عليه بالتعاسة والشقاوة وعدم الخروج من الورطات التي يقع فيها؛ لأنه عمل أعمالاً لم يقصد بها وجه الله، بل خالف ما جاء به الرسول ﷺ فاستحق الدعاء عليه. [السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات]. يشير إلى تلك الصفات: أشعث رأسه، مغبرة قدماه، آخذ عنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، يعني: أنه قائم أتم القيام في أمر الله وفي محاربة أعداء الله وإعلاء كلمة الله يطلب بذلك مرضاة الله جل وعلا، ولا يهمه كونه إذا شفع لم يشفع وإذا طلب شيئاً لا يناله ولا يعطاه من المسئولين؛ لأن هذا ليس مقصوده، إنما مقصوده مرضاة الله ولهذا قال: (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)، يعني: أن عمله ليس للناس وليس للدنيا، ومعروف أن غالب الناس ينظرون إلى الذي يكون بيده شيء من أمور الدنيا ومن المناصب وغيرها أكثر من غيره، أما هذا فعدل عن ذلك نهائياً، فآثر الخمول وعدم الظهور على كونه يظهر ويبرز ويشار إليه؛ لأنه لا يريد ما في أيدي الناس، وإنما يريد ما عند الله جل وعلا فآثر ذلك، فهذا هو الذي يستحق الثناء؛ لما قال له ﷺ : (طوبى له)، وطوبى: تعني السعادة الطيبة والحياة الطيبة أو الجنة بما فيها.

стр. 1332

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٨] إن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله ﷺ ، وهذا هو معنى الإسلام، فلا يجوز أن تصرف هذه الطاعة المطلقة لأحد غير الله ورسوله؛ لأن الطاعة المطلقة هي العبادة، وعليه؛ فإن طاعة العلماء والأمراء لا تجوز إلا تبعاً لطاعة الله ورسوله، وإن أطيع العلماء والأمراء طاعة مطلقة في تحريم الحلال وتحليل الحرام فقد اتخذوا أرباباً من دون الله جل وعلا.

стр. 1333

طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله]. من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [التوبة:٣١]، وهذه الآية يقصد بها اليهود والنصارى. والأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، وأما المسيح ﵇ فهو رسول الله الذي جاء بالإنجيل وجاء بالرسالة التي فيها التخفيف على بني إسرائيل، ووضع كثيراً من الآصار التي كانت عليهم، وهو من أولي العزم، فاتخذوه إلهاً مع الله؛ لأنه -كما هو معلوم- آية ظاهرة من آيات الله جل وعلا، حيث وجد من أنثى لم يتصل بها ذكر، وإنما خلقه الله جل وعلا من مريم بواسطة نفخة الملك الذي أرسل إليها وهو جبريل ﵇، كما ذكر تفصيل ذلك ربنا جل وعلا في سورة مريم وفي غيرها، فلما كان بهذه المثابة زين الشيطان للناس أنه الله أو ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، يعني: أن الآلهة ثلاثة: الله ومريم وعيسى، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. فالمقصود هنا كونه قرن اتباع الأحبار والرهبان مع العلم بمخالفتهم لأمر الله؛ بعبادة النصارى لعيسى فإنهم عبدوه عبادة واضحة ظاهرة. فكونه قرن الرهبان والأحبار مع عيسى يدلنا على أنه لا فرق بين أن يطيع الإنسان مخلوقاً في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وبين أن يعبده عبادة صريحة واضحة، وقد جاء حديث عن النبي ﷺ أوضح هذا المعنى تمام الإيضاح؛ فإنه ﷺ : (لما قدم عدي بن حاتم وهو نصراني من نصارى العرب كما هو معروف وهو ابن حاتم الجواد المعروف المشهور في أشعار العرب وكلامهم، ولكنه لما جاءت سرايا رسول الله ﷺ إلى بلاد طيء وقد أعد نجائب ليهرب عليها إلى الشام، فأخذت خيل رسول الله ﷺ أخته إلى آخر القصة)، ولكنه جاء بسبب كتابة أخته له: فإنها لما جاءت المدينة في الأسرى، كان إذا مر عليها رسول الله ﷺ تقول له: من علي من الله عليك، فإني كبيرة لا أستطيع الخدمة ولا وافد لي ولا فادي لي، فقد ذهب الوافد وقل الرافد، فقال لها: ومن الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم -أخوها- فقال: ذاك الذي هرب من الله ومن رسوله. ثم أعادت عليه الكلام مرة أخرى فقال لها ﷺ : إذا جاء وفد قومك فأعلمين، فجاء وفد قومها، فمن عليها رسول الله ﷺ وقال لها علي بن أبي طالب ﵁: اسأليه الحملان، فسألته فأعطاها ما سألته. فلما ذهبت كتبت إلى أخيها تؤنبه تقول: كيف تركت عوراتك وهربت؟! ليس هذا فعل أبيك ولا فعل من يهمه أمر أهله؟ ثم قالت: ائت إليه فهو والله خير من أبيك، وهو يعطي العطاء الذي لا يستطيع أبوك أن يعطيه، ائت إليه وضع يدك في يده فلن تجد إلا خيراً وحسناً، فجاء ممتثلاً لأمرها، ودخل على النبي ﷺ في المسجد وهو لا يعرفه، والرسول ﷺ لا يعرفه، وكان ﷺ إذا جلس مع أصحابه لا يتميز عنهم، فليس له مجلس مرتفع لا كرسي ولا غيره، وإنما يجلس معهم في مجلسهم فإذا جاء الغريب لا يعرفه. فوقف فقال: أيكم محمد ﷺ ؟! فقال من عنده للرسول ﷺ : هذا عدي بن حاتم، وكان ﷺ يكرم رؤساء الناس وكبارهم، فقام معه ﷺ وذهب به إلى بيته، يقول عدي: (فصار يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فقلت: يا رسول الله: إننا لم نعبدهم، قال: بلى، ألم يحللوا لكم الحرام فتتبعوهم؟ ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم؟ فقلت: بلى، قال: تلك عبادتهم)، هذا أمر واضح جلي؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الله جل وعلا عبادة له.

стр. 1334

الطاعة المطلقة لا يجوز أن تكون إلا لله ولما كان هذا الكتاب في باب التوحيد الذي يجب على العبد أن يكون عارفاً به وعاملاً به، ولا يجوز أن يجهل مسائل التوحيد أو يترك العمل بها؛ لأنه من أهم الأمور؛ نبه المصنف ﵀ في هذا الباب على أن الطاعة المطلقة يجب أن تكون لله؛ لأنها هي العبادة، وقد فسر العلماء العبادة بأنها: الطاعة بإتباع الأمر واجتناب النهي. فبين في هذا أن الطاعة لا يجوز أن تكون للمخلوق إلا إذا كانت تبعاً لطاعة الله جل وعلا، أما قول الله جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فقد فسر العلماء (أولي الأمر): بأنهم العلماء، وبعضهم يقول: الأمراء، وبين ابن القيم ﵀ أن الأمراء والعلماء كليهما مقصود في الآية، فالعلماء يبينون أمر الله ويوضحونه والأمراء ينفذون أمر الله، فالله أمر بطاعتهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فأولو الأمر هم العلماء والأمراء. وإنما يطاعون إذا كانت طاعتهم تبعاً لطاعة الله، وقد وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ فيها الحث على طاعة الأمراء وولاة الأمر منها قوله ﷺ : (أطيعوا ذوي أمركم وإن تأمر عليكم عبد حبشي مقطع الأطراف يقودكم بكتاب الله فأطيعوه)، وإن جاء أن الأمراء من قريش، إلا أن هذا إذا لم يحصل ذلك. وقال ﷺ : (من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله).

стр. 1335

إنما الطاعة بالمعروف وبين أن الطاعة بالمعروف فقال: (لا طاعة إلا بالمعروف)، والمعروف: هو الدين الذي جاء به الرسول ﷺ . وقد أمر الرسول ﷺ على سرية من السرايا أميراً وحث على طاعته، فقال: (من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني) ثم إنه في أثناء السفر غضب الأمير على من معه، فقال لهم: اجمعوا لي حطباً فجمعوا الحطب، فقال: أججوا فيه ناراً، فأججوا النار فقال: ألم يأمركم الرسول ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى، قال: ادخلوا في النار، قالوا: لا ندخل في النار، من النار فررنا! فبقوا هكذا حتى طفئت النار وذهب غضبه، ثم لما رجعوا إلى النبي ﷺ قالوا له ذلك، فقال: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾. إذاً: فهذه الآية غير مخالفة للآية التي ترجم بها المؤلف ﵀، يعني: أن الطاعة التي أمر بها لذوي الأمر إنما هي في طاعة الله جل وعلا، أما إذا كانت في معصية الله فلا يطاع. إذاً: فكل مخلوق سواء كان والدك أو من هو دونه إذا أطعته في معصية الله فأنت عاصٍ وقد اتخذته إلهاً من دون الله، وإن لم تسجد له وتدعوه؛ لأن من خصائص الله جل وعلا التي لا يجوز أن ينازع فيها: الأمر والنهي والتحليل والتحريم، ولذلك صار من فعل ذلك واتبع عليه صار رباً، وهذا هو سر التعبير بالأرباب في الآية: اتخذوهم أرباباً؛ لأن الرب هو الذي يأمر وينهى وهو الذي يحلل ويحرم، ولا يجوز لمخلوق أن يحلل شيئاً أو يحرم شيئاً فإذا وقع ذلك من مخلوق ثم اتبع عليه فقد اتخذ رباً من دون الله جل وعلا. ومعلوم أن هذا الأمر مناف للتوحيد ولذلك أراد المؤلف ﵀ أن يبين هذا الأمر حتى يكون الإنسان على بينه ولا يقع في الخطأ أو في مناقضة التوحيد.

стр. 1336

لا يقدم قول أحد على قول رسول الله ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!)] قال ابن عباس ﵄ هذا الكلام بمناسبة أنه كان يأمر بالمتعة -متعة الحج- ويقول إنها أفضل؛ لأن الرسول ﷺ أمر بها آخر الأمر وكرر ذلك وأكده وسئل عن ذلك فقيل له: (أهذا لنا خاصة؟ فقال: بل للناس عامة) وكان أبو بكر ﵁ وعمر ﵁ يودان أن الإنسان يأتي بالحج مفرداً وبالعمرة مفردة ويقولان: حتى لا يخلو البيت من طائف وزائر؛ لأنه إذا اجتمعت العمرة والحج في سفرة واحدة قل رواد البيت القاصدين له، مع أنه جاء في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]: أن إتمام الحج وإتمام العمرة أن يأتي بهما في سفرة واحدة من الميقات، هكذا فسروا الآية. فهذه وجهة نظر أبي بكر وعمر ﵄ في النهي عن المتعة، وليس نهياً من باب المنع والتحريم، بل يقولان: هذا أفضل، حتى لا يبقى البيت خالياً من القاصدين والزائرين والطائفين، فكان ابن عباس يخالف ذلك وينهى عن هذا ويقول: بل يؤتى بالحج متمتعاً يعني: بالحج والعمرة معاً، فقالوا له: إنك تأمر بشيء ينهى عنه أبو بكر وعمر فقال: يوشك -يعني: يقرب ويسرع- أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر؟! فهذا من فقهه ﵀ ورضي الله عنه وتعظيم السنة. ومعلوم أنه لا أحد يوازى بـ أبي بكر وعمر من الأمة مع أن قصدهما معروف، ولم ينهيا عن التمتع نهي تحريم، وإنما للفضل والاختيار، ومع ذلك يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ لأنكم فعلتم فعلاً أو قلتم قولاً تستحقون به نزول الحجارة وهو: أني أقول قال رسول الله ﷺ فتعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر وعمر! فدل هذا على أنه لا يجوز أن يعارض قول رسول الله ﷺ أو قول الله جل وعلا بقول أحد من الناس مهما كان، وهذا هو الحق، وقد دل كتاب الله وسيرة رسوله ﷺ وسنته على أنه لا يجوز أن يعارض شيء من أمر الله أو أمر رسوله ﷺ بقول أحد من الناس.

стр. 1337

باب: في طاعة العلماء والأمراء ومتى تكون شركاً قال الشارح رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف ﵀ عند ذكر حديث عدي بن حاتم ﵁]. لما كانت الطاعة الخاصة هي العبادة، والمقصود بالطاعة الخاصة: الطاعة في التحليل والتحريم؛ لأن هذه من خصائص الله جل وعلا، وهي في الواقع أن يأمر بالشيء فيطاع، وينهى عن الشيء فيمتنع منه، فكان الذي يشاركه في هذا ويتبع عليه بمنزلة الرب، ولذلك ذكر الرب هنا؛ لأن الرب جل وعلا هو المالك المتصرف الذي يملك كل شيء ويتصرف فيه، ومن تصرفه الأمر والنهي، فيشرع لعباده شرعاً ويأمرهم أن يفعلوه، ويمنعهم من موانع ويعينها لئلا يقربوها. ولا يجوز أن يشارك الرب جل وعلا في هذا أحد من الخلق فإن شاركه أحد من خلقه فقد نازعه في ربوبيته وملكه، ثم الذي يتبع هذا المخلوق في التحليل والتحريم والتشريع يكون متخذاً لهذا المخلوق رباً من دون الله, ومعلوم أن الحكمة من خلق الخلق هي طاعة الله جل وعلا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، قال: (إلا لآمرهم وأنهاهم)، فيكون الأمر والنهي في التشريع من خصائص الله جل وعلا، ولهذا نص المؤلف على هذا الأمر لأن تركه مضاد للتوحيد، أي أن من أطاع غير الله في التحليل والتحريم فقد وقع في الشرك الأكبر، وقد ذكر الله جل وعلا في آيات كثيرة حال هذا النوع يوم القيامة فقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]، ولكن هذا لا يفيد في شيء؛ لأن التابع والمتبوع يجتمعان في جهنم في عذاب النار، ويا ليت وما أشبه ذلك لا تفيد شيئاً في ذلك اليوم. والمقصود: أن المقلد في هذا لا ينفعه تقليده ولو اعتذر بالجهل أو اعتذر بالغرور، ولذلك فالواجب على العبد أن يخلص نفسه. وقلنا: في الطاعة الخاصة؛ لأن طاعة المخلوق إذا لم تكن في معصية الخالق فإنها غير ممنوعة. والمعصية إما أن تكون في تحليل الحرام أو تحريم الحلال وليس شرطاً أن ينص على هذا بقوله: هذا حلال وهذا حرام، ولكن إذا كان أمره مخالفاً لأمر الله ومصادماً له فهذا هو المحذور والذي لا يجوز أن يقع من الإنسان، وهو الذي يكون فيه الشرك أكبر، ولهذا أمر الله جل وعلا بطاعة أولي الأمر تبعاً لطاعته وطاعة رسوله ﷺ . ولذلك فإن الولاة والعلماء يطاعون إذا أمروا بطاعة الله، أما إذا أمروا بمعصية فلا طاعة، كما قال ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله)، وهذا عام يشمل الوالد ويشمل من هو أبعد منه، فكل مخلوق لا يطاع في معصية الله جل وعلا فإن أطاعه وهو يعلم فقد اتخذه رباً، أما إذا كان جاهلاً ولا يعرف بل يتصور أن طاعته ليست مخالفة لأمر الله فإذا كان هذا الأمر من الأمور الواضحة الجلية فهو داخل فيمن يطيع وهو يعلم، أما إذا كان فيه خفاء فأمره إلى الله وله حكم أهل الجرائم، ولكنه لا يكون كافراً. ثم استدل على هذه المسألة بأدلة كعادته التي سار عليها في هذا الكتاب، أنه يعتمد على آيات من كتاب الله ثم يأتي بأحاديث تكون موضحة لهذه الآيات، وربما تكون بعض هذه الأحاديث التي يأتي بها فيها شيء من الضعف؛ لأنه ليس العمدة عليها، وإنما العمدة على الآيات التي يذكرها، وهذه تأتي من باب البيان والتفسير، وهذه طريقة العلماء.

стр. 1338

وجوب تقديم الأدلة على الآراء والاجتهادات فبدأ أولاً بقول ابن عباس، وهذا ثابت عن ابن عباس في الصحيحين وغيرهما، أنه قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء)، ومعنى (يوشك) يقرب ويسرع، يعني: أنكم تستحقون أن ترموا بحجارة من السماء، وهذا يقوله عن محض الإيمان الذي في قلبه وتعظيماً لله جل وعلا وتقديراً له، حيث أمر الناس باتباع الرسول ﷺ ولا يجوز أن يعتل بقول فلان وفلان ويترك قول رسول الله ﷺ . والسبب في هذا: أن الرسول ﷺ أمر الناس بالتمتع في الحج، يعني: أن الذي أحرم بالحج مفرداً أو أحرم بالعمرة والحج معاً لما وصل إلى مكة قال لهم: (طوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة ثم حلوا)، وكان هذا الأمر مستعظماً في الجاهلية، ويرون أن الإتيان بالعمرة في أيام الحج من أفجر الفجور! فأراد ﷺ أن يبطل هذا الاعتقاد وهذه العادة السيئة بأمره الذي أمرهم به، وأكد ذلك عليهم تأكيداً مكرراً ومبالغاً فيه، حتى إنهم راجعوه وقالوا له: ما بقي بيننا وبين يوم عرفة إلا أربعة أيام أو ثلاثة أيام، فقال: (أقول لكم فافعلوا ما أقول لكم)، فامتثلوا ذلك. وقد فهم كبار الصحابة من هذا أن مقصوده ﷺ الرفق بأمته وأن يأتوا بالنسكين في سفرة واحدة وفي عام واحد، ورأوا أن الفضل أن يكرر الإنسان الإتيان للبيت، وقد صرح بذلك أبو بكر وعمر ﵄ حيث قالا: نكره أن يخلو البيت من طائف فيه وقاصد له، فكانا يأمران أو يفعلان الإفراد في الحج، فحدث في ذلك إشكال على بعض الناس، فلما سئل ابن عباس أخبرهم بقول رسول الله ﷺ فقال له السائل: أبو بكر وعمر ينهيان عن المتعة، فقال هذا القول: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله ﷺ وتقولون لي: قال أبو بكر وعمر!) يعني: أنكم تعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر وعمر، فبذلك تستحقون الرجم من السماء، مع أن قول أبي بكر وعمر خرج عن اجتهاد ودين وقصدا به عبادة الله، وليس فيه مصلحة لهما، فكيف بالذي إذا قيل له: قال الله وقال رسوله، قال: ولكن فلاناً يقول: كذا وكذا! ولكن مذهب فلان كذا وكذا ولكن رأي فلان كذا وكذا يخشى على هذا أن يكون قد نزع منه الإيمان نهائياً يخشى أن يكون خرج من الدين الإسلامي؛ لأنه جعل فلاناً بمنزلة الرسول ﷺ أو حاكماً على قول الرسول ﷺ . وبهذا يتبين أن التقليد في الأمر الواضح لا يجوز، أما الإنسان الجاهل فعليه أن يقلد العلماء الموثوق بعلمهم وتقواهم، فإن هذا هو الذي يستطيعه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه وظيفتهم، فإذا لم يعلم سأل أهل الذكر وأخذ بقولهم، هذا هو الواجب عليه بنص كلام الله جل وعلا، ولكن يجب أن يكون المسئول من أهل الذكر وأهل الذكر: هم الذين يعلمون ويعملون بعلمهم ويتقون الله جل وعلا، وليس أهل الذكر الذين يجانبون الحق وإن كان عندهم علم.

стр. 1339

التفسير النبوي لقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم) ثم ذكر قول الله جل وعلا الذي هو الأصل في هذا ثم فسرها بالتفسير الواضح (وهو التفسير النبوي) كما جاء في حديث عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ [التوبة:٣١] إلى آخره. وكان عدي بن حاتم نصرانياً من نصارى العرب، وعدي هذا هو ابن حاتم الطائي الجواد المشهور الذي يضرب بجوده المثل، ولكن حاتماً مات في الجاهلية كافراً فلا ينفعه جوده ولا ينفعه كرمه؛ لأنه لم يكن مسلماً، وكان عدي كريماً مثل أبيه ورث منه ذلك، ولكنه كان متنصراً وكان في طيء، أي: في حائل، وكان له مال وغلمان، وكان يحذر من دعوة الرسول، فكان يقول لغلمانه إذا رأيتم خيل محمد فأخبروني، وقد أعد له نجائب فأرسل الرسول ﷺ سرية بقيادة علي بن أبي طالب إلى طي فوصلوا إليه فجاء أحد غلمانه وقال: ما كنت صانعاً إذا جاءتك خيل محمد؟ فركب مطاياه وذهب إلى الشام إلى النصارى إلى أهل دينه، وترك أهله وماله فاراً بدينه كما زعم، ولكنه يفر إلى الشيطان، إلا أن الله يمن على من يشاء، فأخذت الخيل أخته مع السبايا التي سبيت، وأخته كانت كبيرة في السن. فلما وصلت إلى المدينة وجاء رسول الله ﷺ ينظر السبايا قالت له: (مُنَّ عليَّ من الله عليك فقد ذهب الوافد وقل الرافد)، يعني: ليس لها شيء تفدى به وليس لها من يطالب بها، فقال لها: (ومن الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم قال: ذاك الذي فر من الله ورسوله)، ثم ذهب وتركها، فلما جاء مرة أخرى أعادت عليه الكلام فقال لها: إذا جاء ركب من قومك فأعلميني، فقال لها علي بن أبي طالب: اسأليه الركوب والمركوب يعني: اسأليه شيئاً تتبلغي به، فصارت تسأل، فلما جاء الركب أخبرته وسألته أن يعطيها ما تتبلغ به فأعطاها ما سألت ﷺ ومن عليها وذهبت إلى بلادها، فلما وصلت إلى بلادها كتبت إلى أخيها تؤنبه تقول: والله إنه أكرم من أبيك فأت إليه. فجاء إلى المدينة والرسول ﷺ ما كان يعرفه، فدخل عليه وهو جالس في المسجد مع أصحابه ﷺ ، وكان الرجل الغريب إذا جاء إليه لا يميزه من أصحابه؛ لأن مجلسه بينهم وليس له مجلس مرتفع عليهم، بل يجلس معهم كأحدهم ولا يدع أحداً يقف، بل إذا جاء وهم جلوس لا يدع أحداً يقوم وينهى عن ذلك أشد النهي، ويقول: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، كان الرجل إذا جاء يقول: أين محمد بن عبد الله؟ أو أين رسول الله ﷺ ؟ فيشيرون إليه. فلما جاء كان في أصحابه من يعرف عدي فقال له: يا سول الله! هذا عدي بن حاتم، وكان صلوات الله وسلامه عليه يكرم كرماء الناس، فلما قالوا له قام معه إلى بيته، وقال: هلم، وكان في رقبة عدي صليب من ذهب، فقال له ﷺ : ألق هذا الوثن عنك، ثم قال له: أتفر أن يقال: لا إله إلا الله! وهل تعلم إلهاً يستحق العبادة غير الله؟! ثم قال: أتفر أن يقال: الله أكبر! وهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟! يدعوه إلى الدخول في الإسلام، يقول عدي: فلقيته امرأة في الطريق قبل أن يصل إلى بيته، فقالت: إن لي إليك حاجة، فترك عدياً وأقبل عليها حتى قضى حاجتها، تستفتيه أو تسأله شيئاً يقول: فعلمت أنه ليس ملكاً، لأن الملك لا يقف مع المرأة الضعيفة في مثل هذا الموقف، يقول: فدخل إلى بيته فألقيت له وسادة فوضعها لي، فقلت: لك! فجعلها بيني وبينه، ثم تلا الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة:٣١]، عند ذلك قال له عدي: (يا رسول الله! إننا لم نعبدهم، فقال له: بلى، ألم يحلوا لكم الحرام فتتبعوهم، ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم؟ فقلت: بلى قال: تلك عبادتهم)، يعني: أن اتباعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال هي العبادة التي قصدت في الآية، عند ذلك قال عدي: إني حنيف مسلم يقول: فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل مسروراً فرحاً بإسلامه حيث أسلم. والمقصود هنا: أن قول الله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، الأحبار: العلماء، أما الرهبان فهم العباد، والأحبار غالباً من اليهود، واليهود يغلب عليهم العلم ولكن تغلب عليهم القساوة والجفاء والعناد والكبر والإباء وعدم العمل بالعلم، ولهذا صاروا أهل غضب الله عليهم ولعنته. أما النصارى فيغلب عليهم الجهل ويكثر فيهم التعبد والترهبن، فالرهبان منهم، والرهبانية هي ترك الدنيا والتخلي للعبادة والتقشف والانعزال عن الخلق، يكون الواحد منهم في صومعة يترهبن وهذا يوجد في النصارى بكثرة، ولكنهم على ضلال وعلى جهل، فالجهل يغلب عليهم، ولكن الناس -غالباً- جبلوا على طاعة العلماء وتعظيمهم وكذلك العباد الذين يتعبدون ويتزهدون، فلهذا قال جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]. وعدي بن حاتم بين أنهم ما كانوا يسجدون لهم وما كانوا يدعونهم في كشف الخطوب وإزالة الكروب وإيهاب المرغوب، وإنما كانوا يطيعونهم إذا أمروهم بأوامر ويعرفون أن هذه الأوامر ليست في التوراة التي نزلت على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام، فأحسنوا الظن بهم فاتبعوهم في ذلك وقالوا: هم الذين يعرفون المعاني ويفسرون كلام الله جل وعلا ونحن نتبعهم ونكتفي بأقوالهم، فصاروا بذلك متبعين لهم عابدين لهم.

стр. 1340

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ومقصود المؤلف من ذلك أن يطبق هذه الآية على هذه الأمة؛ لأن كل ما ذكر في أهل الكتاب يقصد به تحذير المسلمين منه. فالمقصود بالخطاب من يمتثل الخطاب ويؤمن به ويقبله، ولهذا ذكر في المسائل: أن طاعة الفقهاء في كونهم يقولون الحكم كذا وكذا وهو مخالف لقول الله وقول رسوله أنه مثل اتخاذ الأحبار أرباباً، وأن طاعة العباد والزهاد في تشريع ما يقترحونه ويقولونه ويأتون به أنه من عبادتهم. ثم يقول: (ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين) أي: بالمعنى الأول، وهم أناس متعلمون وليسوا علماء، فاتبعوا على ذلك فصار ذلك الاتباع عبادة لهم، وعبد بالمعنى الثاني من ليس من العباد بل هو من الشياطين، يعني: الذين يعلمون أنهم يتعبدون بالبدع ويدعون أنهم أولياء فيضلون الناس، ومقصوده أن يطبق ذلك على الواقع الذي كان في زمنه ولا يزال هذا في بلاد المسلمين، والأمر أعم من هذا وأشمل، فكل من أطاع مخلوقاً في معصية الله جل وعلا وهو يعلم فإنه داخل في هذه الآية وفي هذا الحكم، وإن كان والده أو والدته فضلاً عن غيرهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا. وقد ثبت في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ بعث سرية وأمر عليها رجلاً من الأنصار وحضهم على طاعته فقال: (من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني) فغضب عليهم أميرهم فقال لهم: ألم يقل لكم رسول الله ﷺ : من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني؟ قالوا: بلى، قال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له حطباً كثيراً فلما جمعوه قال: أججوا فيه ناراً فأججوا فيه النار عند ذلك قال: اقتحموا في النار فوقفوا وقالوا: لا نقتحم في النار نحن من النار فررنا، ولما سكن غضبه وطفئت النار وعاد الأمر على ما هو عليه، يعني: ساروا في طريقهم وفي مقصدهم ثم لما رجعوا إلى النبي ﷺ ذكروا له القصة، فقال ﷺ : (لو دخلتموها ما خرجتم منها، لا طاعة لمخلوق في معصية الله إنما الطاعة بالمعروف)، والمعروف هو الشرع الذي جاء به الرسول ﷺ ومن خالف الشرع فقد أتى بمنكر لا بمعروف. إذاً: تكون طاعة المخلوق تبعاً لطاعة الله جل وعلا ولاسيما أولي الأمر فإنهم ينفذون أمر الله والعلماء يبينون أمر الله ويطاعون تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .

стр. 1341

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٩٩] إن من الأصول التي يجب على المسلم تحقيقها: متابعة رسول الله ﷺ ، وتقديم قوله على قول من سواه، والتحاكم إليه عند التنازع، وهذا مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله. وإن في مخالفته ﷺ ، وتقديم قول غيره على قوله من الخطورة بمكان، حتى إنه يخشى على صاحبها زيغ قلبه، وذهاب إيمانه والعياذ بالله.

стр. 1342

الربوبية والألوهية متلازمتان قال الشارح رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله. لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف ﵀ عند ذكر حديث عدي بن حاتم ﵁]. في هذه الآية: أن الربوبية والإلهية متلازمتان، فيلزم من كون الإنسان يتأله ويعبد الله أن يكون هذا المعبود هو المالك المتصرف الذي يملك الأمر والنهي، وإذا لم يكن كذلك فلا يصلح أن تكون الإلهية والتأله له، وكذلك فإن الآمر والناهي هو الذي يجب أن يعبد وأن تكون العبادة له. وكثير من الناس لا يعرف الفرق بين الإلهية والربوبية حتى أنكر بعض الجهلة الذين يتصدرون الناس ويزعمون أنهم علماء تقسيم التوحيد وقال: التوحيد هو توحيد الربوبية، وهذا أجهل من أبي جهل في الواقع؛ لأن أبا جهل يعلم أن الله هو الخالق الرازق المتصرف، ولكنه يقول: أعبد هبل واللات والعزى؛ لأنها تشفع لي وأتخذها واسطة! وهذا جهل، أما هذا المتكلم فاجتمع له الجهل باللغة والجهل بالشرع والجهل بالواقع، فصار جهلاً على جهل على جهل، فهو جهلٌ مركب، وهذه نهاية الجهل وليس وراء ذلك شيء من الجهل. وهذا من علامات الساعة، أعني كون الجاهل جهلاً مركباً يتصدر الناس ويكتب الكتب فتطبع وتنشر في العالم الإسلامي، فقد قال ﷺ : (يوشك أن يرفع العلم ويفشو الجهل)، مع أنه جاء في الحديث: (إن من أشراط الساعة فشو العلم وفشو القلم وفشو الكتابة)، يعني: ظهورها، والكتابة -كما هو معروف- لم تصل في وقت من الأوقات إلى ما وصلت إليه الآن. والمقصود: أن الآية فيها بيان أن الربوبية والإلهية متلازمان، وأن الربوبية غير الإلهية، وهذا كثير جداً في القرآن، وجهله من أعظم الجهل. قال المصنف: [وقال ابن عباس ﵄: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر). قال الشارح: قوله: (يوشك) بضم أوله وكسر الشين المعجمة أي: يقرب ويسرع. وهذا القول من ابن عباس ﵄ جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر ﵄ لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج ويريان أن إفراد الحج أفضل، أو ما هو معنى هذا، وكان ابن عباس ﵄ يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب ويقول: (إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط فقد حل من عمرته شاء أم أبى، لحديث سراقة بن مالك ﵁ حين أمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: (يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد)، والحديث في الصحيحين. ]. يعني: أنه يرى أنه يتحتم على الحاج إذا لم يسق الهدي من الحل إلى الحرم أن يكون متمتعاً ولو لم ينو ذلك، فإذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وجب عليه أن يقصر من رأسه ويلبس ثيابه ويحل الحل كله، ويقول: لا يسعه إلا ذلك؛ لأن هذا أمر رسول الله ﷺ ، وهذا مذهب طائفة من العلماء منهم أهل الظاهر وبعض المحدثين وغيرهم.

стр. 1343

جواز الإتيان بأحد أنساك الحج الثلاثة اتفاقاً ولكن الصواب: أنه يجوز أن يأتي الإنسان بنسك من الأنساك الثلاثة وهذا باتفاق العلماء الذين عليهم مدار الفتوى، فاتفقوا أنه يجوز أن يكون الحاج متمتعاً ويجوز أن يكون قارناً ويجوز أن يكون مفرداً، وأنه ليس حتماً، وإنما أراد الرسول ﷺ اليسر والسهولة بالناس، غير أن الأفضل في الأنساك أن يكون الإنسان متمتعاً لاسيما إذا جاء من بعيد أو كان هذا أول حج يحجه ولم يسق هدياً فالأفضل في حقه أن يكون متمتعاً. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اتفق العلماء على أن الإنسان إذا كان يرتاد مكة في السنة -يعني: قد جاء بالعمرة في هذه السنة التي يحج بها- أن الأفضل في حقه أن يأتي بالحج مفرداً، هذا بالاتفاق، ثم ذكر قول أبي بكر وعمر وأنهم أرادوا أن يأتي الإنسان في السنة نفسها بعمرة، ثم يأتي بالحج مفرداً وذلك حتى يكثر رواد البيت وطوافه، والآن في هذه الأوقات والحمد لله لكثرة الخير والأمن والسعة للناس صار كما هو معلوم. بل إن الإنسان يخشى على نفسه من كثرة الزحام عند البيت في الطواف وغيره، فإذا أتى الإنسان بالحج والعمرة مفرداً فبها، وإن أتى بالحج متمتعاً فهذا أولى وأفضل له، أما إذا كان يعتمر في رمضان أو في غير رمضان من السنة فالأفضل في حقه أن يأتي بالحج مفرداً، وقد قال كثير من المفسرين من الصحابة وغيرهم في قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، قالوا: إتمام الحج والعمرة: أن تأتي بكل واحد منهما بسفرة تامة، فهذا إتمامها.

стр. 1344

وجوب اتباع أدلة الكتاب والسنة قال الشارح: وحينئذ فلا عذر لمن استفتي أن ينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقتدر بها على ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩]]. قوله: (لا عذر لمن استفتي) يعني: أن الإنسان إذا سئل عن مسألة وكان يعرف النص فيها فهذا لا إشكال فيه، ولكن إذا كان لا يعرف النص وإنما يستنبط استنباطاً، ومعلوم أن الحوادث من أفعال الناس لا حصر لها ولا تنتهي، وليس بلازم أن يكون منصوصاً على كل فعل يفعله الناس، وإنما الشرع كليات وجوامع وقواعد يدخل تحتها ما لا حصر له من الأمور، بل يكفي لعمل الناس إلى يوم القيامة، ولكن يحتاج إلى فقه وإلى علم، فإذا سئل الإنسان عن حادثة ما: فإذا كانت لا نص عليها من كتاب الله وسنة رسوله فيجب أن يجتهد في النظر في أقوال العلماء فيها ويبحث عن أقرب قول إلى الدليل وأصوبه، ثم يفتي بذلك مجتهداً، هذا إذا كان أهلاً للاجتهاد، أما إذا كان ليس عنده ملكة، ولا يميز بين الأقوال الصحيحة من غير الصحيحة، فهذا يجب أن يقول: لا أدري، ويسأل غيره.

стр. 1345

خطورة القول على الله بلا علم وليس بلازم أن يفتي إذا سئل، لا سيما إذا كان جاهلاً؛ لأن الذي يفتي كأنه يقول: حكم الله كذا وكذا، وقد يقول الله جل وعلا له: كذبت! ليس هذا حكمي، فما هو موقفه أمام الله جل وعلا إذا كان يقول على الله ما لا يعلم، وهذا أعظم من الشرك بالله نعوذ بالله من ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. فبدأ بالأسهل، ثم بما هو أعظم، ثم بما هو أكبر، وختم الأمر بالقول عليه بلا علم وجعله بعد الشرك، فدل على أن القول عليه بلا علم أعظم من الشرك نسأل الله العافية، فإن كان الشرك عظيماً فهذا أعظم؛ لأنه يتضمن الشرك وزيادة، نسأل الله العافية. قال الشارح: [وللبخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت) هذا لفظ البخاري في حديث عائشة ﵂، ولفظه في حديث جابر: (افعلوا ما أمرتكم به، ولولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم)، في عدة أحاديث تؤيد قول ابن عباس]. قال هذا ﷺ تطييباً لنفوسهم، ولئلا يحتج بالاقتداء به ويقال: إنك ما حللت إنك بقيت على حجك! فأخبر أن المانع له هو سوق الهدي، وأنه لو لم يسق الهدي لحل معهم، فدل هذا على أن الذي يسوق الهدي أي: يأتي به من الحل، أنه يلزمه أن يكون قارناً وأن يبقى محرماً حتى ينتهي من حجه، أما الذي ليس معه هدي فإنه يتعين عليه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه ويتمتع بالحل، والتمتع: هو الحل من الإحرام، وسمي تمتعاً؛ لأنه يترك الإحرام ويصبح حلالاً يتمتع بما أحله الله جل وعلا.

стр. 1346

كلام الأئمة في اتباع الأدلة وترك أقوالهم المخالفة للأدلة قال الشارح: [وبالجملة فلهذا قال ابن عباس لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر ﵄: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء) الحديث. وقال الإمام الشافعي ﵀: أجمع العلماء على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ ، وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير. وما زال العلماء ﵏ يجتهدون في الوقائع، فمن أصاب منهم فله أجران ومن أخطأ فله أجر كما في الحديث، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وأما إذا لم يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي ﷺ عندهم فيه حديث أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد، وفي عصر الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللُقي والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين. ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودونوا الأحاديث ورووها بأسانيد وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها، والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين، فسهل الأمر على طالب العلم، وكل إمام يذكر الأمر بدليله عنده. وفي كلام ابن عباس ﵂ ما يدل على أن من بلغه الدليل فلم يأخذ به تقليداً لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ؛ لمخالفته الدليل. وقال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن عمر البزار قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا أبو عبيدة الحداد عن مالك بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي اله عنهما قال: (ليس منا أحد إلا ويؤخذ من قوله ويدع، غير النبي ﷺ . وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائناً من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب ولا سنة فهذا هو الذي عناه بعض العلماء بقوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه كما قال ابن عباس والشافعي ومالك وأحمد وذلك مجمع عليه كما تقدم في كلام الشافعي رحمه الله تعالى]. معلوم أن مسائل الاجتهاد هي المسائل التي تستنبط من النصوص، وليس فيها نصوص بعينها، أما إذا جاء الدليل فلا اجتهاد فيه، فإذا دل الدليل على مسألة بعينها فلا يجوز الاجتهاد في ذلك، وإنما يجب أن يؤخذ بالدليل، فإن خالف الإنسان ذلك عامداً فهو في الواقع عاص، وإن لم يبلغه الدليل فله عذره حتى يبلغه الدليل.

стр. 1347

إنكار الإمام أحمد لاتباع الرأي مع وجود الحديث قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك]. قول الإمام أحمد ﵀ يشبه قول ابن عباس. يعني: أن الإنسان إذا بلغه الحديث وعرف صحته بالسند فإنه لا يسوغ له تركه لقول أحد من الناس. وسفيان المقصود به: سفيان الثوري الإمام المشهور، فهو من كبار الأئمة وكان له أتباع إلا أنه لم تحفظ أقواله ولم يعتن بها أصحابه فانقرضت أقواله إلا أنها موجودة في الكتب التي تذكر أقوال العلماء، وهو نظير الإمام مالك ونظير الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ﵏. والمقصود أنه قيل له: إن قوماً يعتنون بقوله ويدعون الحديث، فقال: عجبت لهم؛ لأنهم يخالفون مخالفة ظاهرة، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، أي: عن أمر الرسول ﷺ : ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، يقول الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: هي الشرك. لعله إذا رد بعض قوله -يعني: قول الرسول ﷺ أن يزيغ قلبه فيهلك. يعني: أن يرد قوله إما بهواه وإما لقول شخص من الناس يعظمه فيكون في ذلك زيغه وهلاكه؛ لأنه اتخذ هذا الشخص أو الهوى رباً كما في الآية التي استدل بها المصنف، وهذا هلاك ليس بعده هلاك، وأما قوله: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فالمقصود به: أن يعاجله بعذاب في الدنيا؛ لشدة المخالفة، وهذا يوافق قول ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء). فالآية تنص على هذا، وهذا يدلنا على فقه ابن عباس ﵁، وهذا شيء معروف ومعلوم فقد دعا له الرسول ﷺ ولهذا سمي حبر الأمة وترجمان القرآن؛ لأنه دعا له الرسول ﷺ بالفقه في الدين ومعرفة التأويل -أي: التفسير- فالآية تدل على أن من خالف أمر الرسول ﷺ أنه يخاف عليه أن يقع في الشرك، وزيادة على ذلك أن يصاب بعذاب عاجل في الدنيا. قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب قال الفضل عن أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ﷺ في ثلاث وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، الآية، فذكر من قوله: الفتنة الشرك -إلى قوله- فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. وقال أبو طالب عن أحمد: وقيل له: إن قوماً يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره! قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فيدعون الحديث عن رسول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي، ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قوله: (عرفوا الإسناد) أي: اسناد الحديث وصحته، فإذا صح إسناد الحديث فهو صحيح عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء. وسفيان هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور يذكره العلماء ﵏ في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة كالتمهيد لـ ابن عبد البر والاستذكار له وكتاب الإشراف على مذاهب الأشراف لـ ابن المنذر والمحلى لـ ابن حزم والمغني لـ أبي محمد عبد الله بن قدامة الحنبلي وغير هؤلاء. فقول الإمام أحمد ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته إلى آخره إنكار منه لذلك، وأنه يئول إلى زيغ القلوب الذي يكون به المرء كافراً].

стр. 1348

من المنكر ترك الكتاب والسنة والتمسك بآراء الفقهاء قال الشارح: [وقد عمت البلوى بهذا المنكر، خصوصاً لمن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الأخذ بالكتاب والسنة، وصدوا عن متابعة الرسول ﷺ وتعظيم أمره ونهيه، فمن ذلك قولهم: لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد، والاجتهاد قد انقطع. ويقول: هذا الذي قلدته أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك متابعة الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، وغيره من الأئمة يخالفه ويمنع قوله بالدليل، فما من إمام إلا والذي معه بعض العلم لا كله. فواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه ويعمل به وإن خالفه من خالفه، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١]، وقد تقدم حكاية الإجماع على ذلك، وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم، وقد حكى أيضاً أبو عمر بن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك]. يقصد بقوله: (نصبوا الحبائل في الصد عن الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الذين يضعون الكتب في المذاهب ويبنون المسائل على الآراء والأقيسة التي تلقوها عن بعضهم، ومعلوم أن الرأي إذا كان غير مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا يجوز أن ننسبه إلى الشرع؛ لأنه محل للخطأ، وقد يصيب في بعض المسائل، ولكن يوجد فيه خطأ بلا شك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]، فدل هذا على أن كل كلام ليس من الرسول ﷺ ولا من الوحي الذي أوحي إليه أنه لابد أن يكون فيه اختلاف، فالآراء لا يجوز أن تؤخذ مجردة عن الدليل. فيقصد بهذا كتب الفقه التي توضع في المذاهب، فيقال: إن حكم المسألة كذا وكذا وليست معتمدة على الدليل، فإذا جيء بالأدلة وقيل إن الدليل يدل على خلاف هذا، قالوا: أنت خارج عن مذهب المسلمين، وقد يقولون له: أنت جئت بمذهب خامس ويخطئونه ويقولون: لا يجوز للإنسان أن يأخذ فقهه من كتاب الله؛ لأن هذا يحتاج إلى اجتهاد والاجتهاد يزعمون أنه منقطع من زمن الأئمة، وهذه من دسائس الشيطان؛ لأن الاجتهاد لا ينقطع كما قال الإمام أحمد مستدلاً على أن الاجتهاد يبقى إلى يوم القيامة بقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، فهؤلاء فيهم أهل الاجتهاد؛ لأن النصرة وكونهم على الحق دليل على أنهم مجتهدون. ومعلوم أن كتاب الله ميسر للذكر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، يقول العلماء: هل من طالب علم فيعان عليه، يعني: لأنه ميسر. فكل من عرف اللغة العربية وتلقى هذا الكتاب لابد أن يدرك ما يدرك وإن اختلف الناس، فهذا أمر معلوم. ولهذا إذا تأمل الإنسان في القرآن -وإن كان عامياً- فإنه يجد فيه من المعاني ويفهم فيه من الخطاب ولو في العموم، ولكن إذا جاء الإنسان دليل من قول الله وقول رسوله فيجب أن يترك قوله أو قول الآخرين لهذا الدليل، هذا هو المقصود وهذا مراده، يقول: لا يجوز أن نعارض كلام الله أو كلام رسوله برأي الإمام أحمد أو برأي الإمام مالك أو برأي الإمام أبي حنيفة أو الشافعي فضلاً عن غيرهم، بل لا يجوز أن نعارض قول الله وقول رسوله بأقوال الصحابة الذين هم أفضل من هؤلاء، وقد مر معنا قول ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر). فالذين ينصبون الحبائل ويصدون عن كتاب الله، يعني أنهم يعتلون بأن الناس اليوم كلهم أهل تقليد وأنه يجب أن يقلد الإنسان الإمام فلاناً أو الإمام فلاناً، وهذا صد عن تدبر كتاب الله وفهمه والتعلم منه وسد للباب في هذا، وهذا إنما جاء به الشيطان، وأحياناً يذكرون أشياء عجيبة كما هو مذكور الآن في بعض الكتب يقولون: لا يجوز أن يعتمد الإنسان في استنباطه على الكتاب أو السنة إلا بشروط: منها أن يكون عالماً باللغة، عالماً بأسباب النزول، عالماً بالناسخ والمنسوخ، عالماً بالخاص والعام، عالماً بالمقدم والمؤخر، إلى ما يقرب من أربعين شرطاً وسيأتي أن المصنف ﵀ يقول: هذه الشروط لعلها لا تجتمع في أبي بكر يعني: لا توجد مجتمعة في أحد من الناس.

стр. 1349

أقسام الذين منعوا الأخذ من الكتاب والسنة إذاً: المعنى أنه يمتنع الأخذ من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ على هذا! وعلى هذا يكون الناس قسمين: قسم: يقولون ذلك في مسائل الفقه الاجتهادية، فإذا جاء إنسان يستدل على مسأله اجتهادية بالدليل عابوا عليه وقالوا: أنت خالفت الأئمة خالفت قول الفقهاء خالفت الإمام فلاناً ونحن نأخذ بأقواله، مع أن الأقوال التي توجد الآن في كتب الفقه المتأخرة ليست أقوال الأئمة وإنما هي تفريعات عن أقوالهم وتخريجات لأصحابهم وقد يكونون متأخرين. القسم الثاني: ما هو أشد من هذا وأعظم، وهم أصحاب الكلام الذين وضعوا كتباً صدوا بها الناس عن معرفة الله جل وعلا ووصفه بما وصف به نفسه وقالوا: لابد للإنسان أن يأخذ التوحيد من هذه الكتب ويسمونها علم الكلام أو علم التوحيد، وهي مبنية على آراء وقواعد قعدها أناس حسب آرائهم وعقولهم أو حسب المنطق اليوناني الذي أخذوه من كتب اليونان وغيرها، معرضين بذلك عما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ويقولون: إن الذي جاء في الكتاب والسنة نصوص ظاهره لا تدل على يقين وإنما تدل على ظنون، والظن لا يجوز أن يعمل به في مسائل الاعتقاد، بخلاف هذه القواعد التي نقعدها والكتب التي نؤلفها فإنها مبنية على العقليات والقطعيات! ويجعلون العقليات أموراً قطعية وهي في الواقع مبنية على قياس وشبه، ولا تزيد من تعمق فيها إلا شكوكاً وضلالة وبعداً عن الحق. وبهذا صد الشيطان الناس عن الاهتداء بهدى الله جل وعلا الذي أنزله ليهتدي به الناس، وأخبر أنه هدى وشفاء لأمراض الشبهات والشكوك، وهدى لمن عمل به ليصل إلى الحق، أما هذه فهي بضد ذلك، وهذا أعظم مما ذكره المؤلف ولكنه يذكر الشيء الذي انتشر في وقته، فإن الشيخ ﵀ لما دعا الناس إلى الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله إذا بأناس يقولون: أنت خارج عن الإجماع وأنت جئت بمذهب خامس وأنت مخالف للأئمة، فإن هذه كتب الأئمة بيننا فليس فيها شيء مما تقوله، وهو يقول: قال الله وقال رسوله ولم يقل: هذا رأيي أو هذا رأي فلان وفلان. وأما علم الكلام الذي يعتمده أصحابه ويصدون به عن كتاب الله فهذه عافى الله جل وعلا منه من قام بالدعوة فيهم، ولم تصل إليهم شبهات أولئك وإلا فأمرها شديد، ومع ذلك فقد بين أن هذا مما ينافي الإيمان بالله وبرسوله، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا: أنه لابد من تحكيم رسول الله ﷺ في كل ما يطرأ للإنسان من خلاف أو من رأي أو غير ذلك، ولابد أن يرجع إلى حكم رسول الله ﷺ وإلا لم يكن مؤمناً. وهذه المسألة ليست من مسائل الخلاف أو من المسائل الفرعية التي يكون فيها سعة، ولكنها مسألة إيمان وكفر نسأل الله العافية، فإنه لابد من تحيكم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل شيء، هذا بالنسبة لأهل العلم الذين يدركون الدليل ويستطيعون أن يفهموا الأدلة. أما بالنسبة لعامة المسلمين فليس هذا بلازم؛ لأنه لو كلف مثلاً غير طالب العلم أن يستنبط الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله ما استطاع؛ لأن هذا ليس من شأنه، وإنما عليه أن يتابع العلماء وإذا أشكل عليه شيء يسألهم، والدليل على هذا قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فجعل الواجب على الذين لا يعلمون سؤال أهل الذكر، وأهل الذكر: هم العلماء. والكلام الذي ذكره الإمام أحمد يشير إلى هذا؛ لأنه قال: عجبت لقوم عرفوا الاسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ويدعون الحديث، فمعنى ذلك: أن الذي ما عرف الإسناد ولا عرف صحة الإسناد يجوز له أن يذهب إلى قول فلان وفلان من العلماء ولكن العارف الذي عرف الإسناد لا يجوز له.

стр. 1350

مخالفة المقلدة لأئمتهم قال الشارح: [قلت: ولا يخالف في ذلك إلا جهال المقلدة؛ لجهلهم بالكتاب والسنة ورغبتهم عنهما، وهؤلاء وإن ظنوا أنهم قد اتبعوا الأئمة فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم واتبعوا غير سبيلهم كما قدمنا من قول مالك والشافعي وأحمد، ولكن في قول الإمام أحمد ﵀ إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة. وذلك إنما نشأ عن الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على كتب من تأخر والاستغناء بها عن الوحيين، وهذا يشبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، كما سيأتي بيان ذلك في حديث عدي بن حاتم]. وقوله: إنه في الواقع مخالف للأئمة؛ لأن الأئمة حذروا من تقليدهم وترك الدليل، وقد صح عن الأئمة التحذير من ذلك، فـ الشافعي ﵀ يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم الحديث يخالف قولي فدعوا قولي وخذوا بالحديث)، وكذلك الإمام مالك قال: (كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ يعني: أن الحق الكامل مع الرسول ﷺ فقط، أما من عداه فيجوز أن يقع عليه الخطأ وأن يُرد ويَرد، وكذلك قول أبي حنيفة ﵀: (إذا جاء الحديث فعلى الرأس والعين، وإذا جاءت أقوال الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاءت أقوال التابعين فنحن رجال وهم رجال) يعني: لا يلزمنا قول التابعين، ولكن قول الرسول ﷺ لا يجوز أن يعارض برأي، وكذلك قول الإمام أحمد كما سمعنا. فالذي يقلد الأئمة ويترك الحديث مخالف لهم؛ لأن هذه أقوالهم تخالف هذا المذهب، فهو غير متبع لهم في الواقع. قال الشارح: [فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم، أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة، فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لابد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم، فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقاً إلى معرفة المسائل واستحضارها ذهناً وتمييزاً للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه].

стр. 1351

ليس كل مجتهد مصيباً قوله: (إن الحق في المسألة واحد) هذا هو مذهب أهل السنة؛ لأن المصيب واحد من المجتهدين وليس كل مجتهد مصيباً، فالحق لا يتعدد؛ لأن الحكم في المسألة واحد فقط، ولا يمكن أن يفتي في المسألة الواحدة عدد من الناس فتاوى مختلفة ثم يكون كل واحد مصيباً، بل لابد أن يكون المصيب واحداً فقط والبقية مخطئون، ولكن إذا كان للإنسان أهلية اجتهاد واجتهد حسب استطاعته فقال: المسألة كذا وكذا وأخطأ فإنه يغفر له خطؤه ويثاب على اجتهاده، هذا إذا كان أهلاً للاجتهاد، أما إذا كان ليس أهلاً للاجتهاد فهو مخطئ على كل حال وآثم؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر). الأول والأجران هما: أجر الاجتهاد فيثاب على اجتهاده، وأجر الإصابة، فيثاب لكونه أصاب الحق، أما إذا أخطأ فإنه ليس له إلا أجر الاجتهاد والخطأ معفو عنه. أما إذا كان ليس أهلاً للاجتهاد فإنه وإن أصاب فهو مخطئ، مثل الذي يقول في القرآن برأيه فهو مخطئ وإن أصاب، جاء في الحديث: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار). فالمقصود: أن الصواب واحد وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب من المجتهدين واحد والحق لا يتعدد، ولهذا ذكر الله جل وعلا أن صراطه واحد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فجعل غير صراطه سبلاً متعددة كثيرة، وصراطه واحداً في جميع المسائل، وهذا هو قول أهل السنة، أما الذين يقولون كل مجتهد مصيب فهم أهل البدع، وهو خطأ، والأدلة على خلاف ذلك.

стр. 1352

تقديم أدلة الكتاب والسنة على أدلة النظر والاجتهاد قال الشارح: [والأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر من أن تحصر، وفي السنة كذلك كما أخرج أبو داود بسنده عن أناس من أصحاب معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)]. الحديث ضعيف ولا يجوز الاعتماد عليه، بل حكم بعض العلماء بأنه موضوع، ولكن العلماء الذين تكلموا في الأصول قالوا: شهرته تغني عن سنده، فقد علم أن معناه صحيح وقبله العلماء وقالوا به، يعني: بمعناه، فلا التفات إلى سنده وإنما الالتفات إلى المعنى، والمعنى دلت عليه النصوص الأخرى وقد جاء في سنن ابن ماجة أيضاً عكس هذا تماماً، وفيه أنه ﷺ قال: (إذا عرض لك قضاءٌ فلا تقض برأيك حتى تعرف الدليل أو ترفع ذلك إلي)، وهذا عكس هذا، ولكن هذا أيضاً ضعيف؛ لأن في سنده محمد بن سعيد المصلوب قيل: إنه أحد الكذابين الذين عرفوا بوضع الحديث، وإن قال ابن القيم ﵀: هذا أحسن سنداً من الأول، أي: هذا الذي رواه ابن ماجه أحسن سنداً من الأول وأجود سنداً من الأول، ولكن الأول دلت عليه قواعد ونصوص فأغنت كما يقول علماء الأصول؛ لأن هذا يذكر في كتب الأصول، وقبول العلماء له وأخذهم به واتفقاهم على الأخذ به يغني عن البحث في سنده، والاستناد على قواعد الشرع يغني عن إسناده وإن كان إسناده واهياً، فلا اعتماد على السند وإنما الاعتماد على المعنى وعلى القواعد. قال الشارح: [وساق بسنده عن الحارث بن عمر عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ (أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن) بمعناه. والأئمة ﵏ لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئاً لم يعلموه وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير كما لا يخفى على من نظر في أقوال العلماء. قال أبو حنيفة ﵀: (إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة ﵃ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال)]. معنى ذلك: أنه إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فلا يجوز أن يعارض ولا يجوز أن يخالف ويجب أن يؤخذ به ويعمل به، وكذلك إذا جاءت أقوال الصحابة نأخذ بها ولا نعارضها بآرائنا وأفكارنا، بل نقبلها ونسلم لها؛ لأنهم اهتدوا بهدي رسول الله ﷺ وشاهدوا نزول الوحي، وهم أهل اللسان الذين تعلموا عن رسول الله ﷺ وتلقوا عنه، أما إذا جاء عن التابعين الذين بعد الصحابة فيقول: (هم رجال ونحن رجال) يعني: هذا اجتهاد ونحن نجتهد مثلهم. فمعنى ذلك: أنه لا يأخذ أقوال التابعين ونحوهم إذا عارضها دليل من كتاب الله وسنة رسوله، هذا معناه. قال الشارح: [وقال: (إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول رسول الله ﷺ يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول ﷺ ، قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال اتركوا قولي لقول الصحابة). وقال الربيع: سمعت الشافعي ﵀ يقول: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فخذوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت). وقال: (إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط). وقال مالك: (كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وتقدم له مثل ذلك، فلا عذر لمقلد بعد هذا، ولو استقصينا كلام العلماء في هذا لخرج عما قصدناه من الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لطالب الهدى].

стр. 1353

رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب قال الشارح: [قوله: (لعله إذا رد بعض قوله) أي: قول الرسول ﷺ (أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) نبه ﵀ أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]]. معنى زاغوا: عدلوا عن الدليل وعدلوا عن القول الذي قيل لهم ومالوا، فالزيغ: هو الميل والعدول، زاغ عنه: إذا مال عنه وعدل عنه وتركه قصداً، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، يعني: جعلها كارهة للحق قابلة للباطل جزاءً وفاقاً؛ لأن الجزاء من جنس العمل، قال جل وعلا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، أي: جزاء أنهم لم يقبلوه أول مرة، وهذا واضح في أن من ترك الحق من أول وهلة يكون عقابه إزاغة القلب وعدم القبول، ويكون الإنسان ضالاً بذلك نسأل الله العافية وهذا أمر خطير جداً. وعلامة المسلم أن يكون مستسلماً لقول الله جل وعلا ومنقاداً له ومتبرئاً من الشرك وأهله؛ لأن هذا هو الإسلام، فالإسلام: هو الاستسلام والطاعة والانقياد والخلوص من الشرك وتوابعه وأهله، ولا يكون الإنسان ناجياً، حتى يقبل الحق ممن قاله وإن كان عدواً له، فإذا جاء الحق وجب قبوله.

стр. 1354

ليُّ أعناق النصوص لتوافق المذهب مذمومة ولهذا قال: الحق ضالة المسلم إذا وجدها أخذها بغض النظر عن الذي قال ذلك، سواء كان صديقاً أو عدواً فإنه يجب عليه أن يقبل؛ لأن الهدف طاعة الله وطاعة رسوله فقط، فيقبل القول ممن قاله إذا كان موافقاً لأمر الله وأمر رسوله مهما كان القائل، فلا يجوز أن نعتبر القول بقائله، بل يجب أن تتعبر الأقوال وتعرض على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا وافقت قول الله وقول رسوله ﷺ وجب قبولها، وإذا خالفت قول الله وقول رسوله ردت، وإن كان القائل لها صديقاً أو عالماً؛ لأن الإنسان مهما كان يجوز عليه الخطأ وليس أحد معصوماً إلا رسول الله ﷺ وأولياء الله يجوز عليهم الذنب ويجوز أن يقعوا في الخطأ، ولكنهم إذا نبهوا على الخطأ رجعوا، بخلاف الذين يتبعون أهواءهم أو تكون لهم أغراض فإنهم يتعصبون لأقوالهم ويتركون الأدلة ويحاولون أن تأتي موافقة لأقوالهم، فهم يسخرون الأدلة لتتفق مع ما يقولون، مع أن الواجب أن تكون الأقوال تابعة للأدلة، وأما تحريف الأدلة لتوافق الأقوال فهو الذي عابه الله جل وعلا على اليهود الذين يلبسون الحق بالباطل يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يصدون عنه يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ويعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك يلبسون الحق بالباطل! أي: يلبسون على الناس حتى ينطلي عليهم قولهم، ولهذا يقول العلماء: كل من ضل من علماء هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، وكل من ضل من عبادته وزهده ففيه شبه من النصارى. قال الشارح: [قال شيخ الإسلام ﵀ في معنى قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]: فإذا كان المخالف لأمره قد حُذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضياً إلى الكفر والعذاب الأليم. ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الآمر، كما فعل إبليس لعنه الله تعالى ا. هـ]. فإبليس لما أمره الله جل وعلا بالسجود استخف بالأمر وقال: أنا خير منه، وكان الأولى أن تأمره أن يسجد لي! لأنه خلق من النار وأما آدم فخلق من الطين، والنار أفضل من الطين على حد زعمه، فهذا استخفاف بأمر الله جل وعلا، وكذلك إذا رد الإنسان قول الله وقول رسوله ﷺ لقول أحد من الناس صار هذا الإنسان الذي قبل قوله أعظم عنده من الله ومن رسوله ﷺ ، وهذا معنى إفضائه إلى الكفر، فيكون بذلك كافراً نسأل الله العافية. وهذا فيه: أن هذا العمل ليس مجرد معصية؛ لأن الإنسان إذا عصى وهو يعلم أنه عاصٍ فإن هذا لا يكون كفراً، بل مجرد معصية، وإن خالف أمراً صريحاً وارتكب النهي الصريح وهو مقر على نفسه بأنه عاصٍ فمثل هذا يكون مذنباً فقط وليس بكافر، أما إذا كان مستخفاً بأمر الله وليس لأمر الله عنده قيمة فيقول: وإن أمرني الله فلا أبالي! فمثل هذا يخشى عليه أن يكون خارجاً من الدين الإسلامي نسأل الله العافية.

стр. 1355

التحذير من مخالفة أمره ﷺ قال الشارح: [وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عن الضحاك: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، قال: يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه]. أي: يقول الكفر بلسانه فتضرب عنقه وهذا عقابه في الدنيا، وعقاب الدنيا سهل، ولكن المصيبة عقاب الآخرة، وكونه أظهر الكفر يدل على أن الكفر في قلبه فيموت كافراً فيكون خالداً في النار، وهذا أعظم من القتل، وهو المصيبة الكبرى. قال الشارح: [قال أبو جعفر: أدخلت (عن) لأن معنى الكلام: فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين]. ذكر العلماء أن سبب نزول هذه الآية أن بعض الناس الذين كانوا مع النبي ﷺ في غزوة الخندق اعتذروا بأعذار واهية يريدون أن لا يشاركوه في أمره فنزلت هذه الآية، ولهذا جاء فيها: أنه إذا استأذن المؤمنون لبعض شأنهم أمره بأن يأذن لهم ويستغفر لهم. فحذرهم الله جل وعلا من ذلك أن يصيبهم العقاب العاجل قبل عذابه الأليم الذي يكون في الآخرة. وإن كان سببها معيناً فالمقصود عموم اللفظ إلى يوم القيامة، فكل من صد عن قول رسول الله ﷺ أو عن سنته أو حاول ذلك، فإنه يكون داخلاً في هذا الأمر ويخشى عليه أن يقع في هذا العقاب. أي: يخشى أن الله يكره إليه الحق ويزين له الباطل فيصبح من أنصار الباطل ويصبح مضاداً للحق وكارهاً له، ومن كان كذلك فهو منافق النفاق الخالص الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار نسأل الله العافية. قال الشارح ﵀: [قوله: (أو يصيبهم) في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع على خلافهم أمر رسول الله ﷺ ]. قال الصنف رحمه الله تعالى: [عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] (فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت بلى، قال: فتلك عبادتهم)، رواه أحمد والترمذي وحسنه]. قال الشارح: [هذا الحديث قد روي من طرق فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي. قوله: (عن عدي بن حاتم) أي: الطائي المشهور، وحاتم هو: ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج -بفتح الحاء- المشهور بالسخاء والكرم]. قدم عدي على النبي ﷺ في شعبان سنة تسع من الهجرة فأسلم، وعاش مائة وعشرين سنة. إذا أراد الإنسان أن يتكلم عن الحديث فيجب أن يجمع الطرق ويطلع عليها ولا يجوز له أن يحكم على حديث ولم يستقص طرقه، كما يصنعه كثير من طلبة العلم اليوم أو كثير من المتسرعين فإنهم يقعون في الخطأ الفظيع، وهم بذلك على خطر شديد جداً؛ لأنهم يأخذون طريقاً أو طريقين -فقط- فيحكمون عليها ويقولون: هذا الحديث ضعيف أو موضوع! ويوجد هذا بكثرة، قد تجرأ أحدهم وكتب كتاباً سماه: (ضعيف كتاب التوحيد) ذكر فيه أحاديث موضوعة اعتماداً على طريق من الطرق، وهذا من الجهل، بل هذا من الخطر الشديد؛ لأن الواجب على الإنسان إذا أراد أن يحكم على حديث بعينه أن يحيط بالطرق التي روي بها، ولهذا تجد بعض الأئمة يذكرون أحاديث صحيحة عن بعض الرواة الذين ضعفوا، والسبب في ذلك أن هذه الأحاديث صحت عندهم من طرق أخرى، وإن كان هذا الراوي ضعيفاً لو انفرد به فإن ذلك لا يضر لوجود طريق أخرى صحيحة، فأثبتوا الحديث، والشيء الذي أنكر على البخاري وعلى مسلم هو من هذا النوع، ولهذا فالحفاظ الكبار حكموا بأن الحق مع البخاري ومع مسلم رحمهم الله تعالى. وهذا أمر لا يمكن الاجتهاد به الآن، وإنما يذكر كلام العلماء في ذلك، وقد يبلغه شيء وتغيب عنه أشياء كثيرة، فإذا كان لابد أن يحكم فليقل: هكذا تبين لي في هذا، والله أعلم.

стр. 1356

طاعة العلماء والعباد في المعصية عبادة لهم قال الشارح: [وفي الحديث دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]]. ليس هذا خاصاً بالرهبان والأحبار، وسبق أن الأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، ولكن هذا عام مطلق، إلا أنه في التحليل والتحريم، فإذا أطيع المخلوق في كونه أحل حراماً أو حرم حلالاً واتبع في هذا فهذه عبادة له، سواء كان عالماً أو غير عالم، فهو مطلق قيده بالعلم؛ لأن هذا هو الغالب؛ ولأن الناس لا يعتمدون على جاهل في التحليل والتحريم، إنما العلماء هم الذين يعتمد على أقوالهم ويستفتون، ولهذا ذكروا في ذلك وإلا فالمسألة عامة شاملة، ولهذا جاء في الحديث أنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، (إنما الطاعة بالمعروف). قال الشارح: [ويظهر ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]]. أي: أطعتموتهم في المجادلة التي يجادلون فيها، وجاء في سبب ذلك أن المشركين قالوا للمؤمنين: كيف تأكلون مما تذبحون أنتم ولا تأكلون مما يذبحه الله؟! أي: الميتة. فأخبر الله جل وعلا أن هذا من وحي الشيطان وأنه يوحيه إلى أوليائه المشركين ليجادلوا المؤمنين الذين آمنوا بالله، ثم قال: (وإن أطعتموهم) أي: في ذلك (إنكم لمشركون) لأن الواجب اتباع ما حكم الله جل وعلا به وما قاله. قوله: [وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من هذا الشرك، ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل -والحالة هذه- يكره أو يحرم فعظمت الفتنة، ويقول: هم أعلم منا بالأدلة ولا يأخذ بالدليل إلا المجتهد، وربما تفوهوا بذم من يعمل بالدليل! ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام كما قال شيخنا ﵀ في المسائل. فتغيرت الأحوال وآلت إلى هذه الغاية، فصار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقة، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين. وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرع الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديماً وحديثاً في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠]. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁: (هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن وحكم الأئمة المضلين) رواه الدارمي جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون].

стр. 1357

مسائل باب: طاعة العلماء والأمراء في مخالفة أمر الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النور]. وهي قوله جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، معنى الآية: أنه تحذير من الله جل وعلا للذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ في حياته، وأما بعد وفاته ﷺ فالتحذير لمن خالف سنته، فيجب على المسلم أن يحذر وأن لا يقع في هذه المخالفة، فإن وقع فإنه على خطر عظيم، ويخشى أن يزيغ قلبه وقد يكون مشركاً بسبب ذلك، وقد يصاب بالعذاب العاجل؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فالعذاب الأليم في الدنيا كما ذكر ذلك المفسرون، وكذلك أشار إليه ابن عباس بقوله: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء). [الثانية: تفسير آية براءة]. وهي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة:٣١]، وتفسيرها كما مر: أن الرسول ﷺ فسرها وبين معناها في حديث عدي؛ بطاعتهم في معصية الله وطاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فهذه عبادتهم. [الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي]. العبادة التي أنكرها عدي هي ظنه أن العبادة هي السجود لهم ودعوتهم والتعلق بهم وسؤالهم فقال: ما نعبدهم، فبين له الرسول ﷺ أن العبادة أعم من ذلك وأنها ليست مقصورة على هذا، بل لو أطعتهم في معصية الله فتلك عبادة لهم. [الرابعة: تمثيل ابن عباس بـ أبي بكر وعمر وتمثيل أحمد بـ سفيان]. يعني بتمثيل ابن عباس قوله: (إنه يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر) ومقصوده فكيف بالذي يقول: قال الشيخ الفلاني أو قال فلان؟! هل بين هذا الشيخ وبين أبي بكر مقارنة؟! لا مقارنة بينهما، إذاً: فاتباع من دون أبي بكر والتعصب لقوله أعظم وأخطر من قول القائل: نترك متعة الحج؛ لأن أبا بكر يأمر بخلافها، هذا مقصوده. وكذلك قول سفيان الثوري وسفيان من كبار الأئمة المعروفين بالتقى والورع والعلم ومع ذلك يقع في الخطأ، وإن كنا نعلم أنه لا يتعمد الخطأ ولا يتعمد خلاف الحق لكنه يقع في الخطأ، ولذلك لا يجوز أن يأخذ الإنسان بقوله تاركاً قول الله وقول رسوله ﷺ ، فإن فعل ذلك فهو كما قال الإمام أحمد: يوشك أن يقع في الشرك ويصاب بالعذاب الأليم. [الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين]. قصده بالولاية هنا طاعة العباد، وبعضهم قد يزعم أنه عابد وأنه فقيه، وهو في الواقع ليس كذلك وإنما يدعي الولاية وهو ليس بولي، ومع ذلك يطيعونه في المعاصي، وقد يرونه يرتكب معصية فيقولون: ليس عليه إثم في ذلك؛ لأنه ولي والإثم مرفوع عنه، وهذا في الواقع خطر شديد، وهذا شبيه بفعل اليهود الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. أما المعنى الثاني فهو عبادة العلماء، بمعنى: أنه تركت الأدلة لأقوالهم وأخذ بأقوالهم ولم يؤخذ بقول الله وقول رسوله ﷺ ، وهذا واضح في الآية التي ذكرها من سورة براءة، وكذلك الحديث الذي فسرها: حديث عدي وفيه: أن هذا عبادة. قوله: (ثم تغيرت الأحوال) أي: فعبد بالمعنى الأول من ليس من الأولياء، بل هو من الأشقياء، ويشير بهذا إلى ما وقع في زمنه من أناس معينين معروفين مشعوذين يتلبسون بالنجاسات ولا يصلون، ويفعلون الفواحش الظاهرة ومع ذلك يزعمون أنهم أولياء فيخشى الناس مخالفتهم ويخافونهم، فعبدوهم بهذا. وأما المعنى الثاني: وهو عبادة الجهلة، فإن كثيراً من المتأخيرن ليسوا كالمتقدمين علماً ولا عملاً، ويقصد بهذا الفقهاء المتأخرين الذين اعتمدوا على الرأي وعلى تحقيق المسائل من غير رجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإذا جاءت الأدلة من الكتاب والسنة قالوا: لا يلتفت إليها؛ لأننا لا نفهمها ولسنا أهلاً لفهم هذه الأدلة والأخذ بها، ولا يجوز لنا ولا لكم أن تأخذوا ذلك؛ لأن باب الاجتهاد قد انسد وانقطع، فالذي يقول مثل هذا القول ليس من العلماء، بل من الجهلة، ومع ذلك يعتمد على أقوالهم أكثر الناس مع أنها تعرض عليهم الأدلة! هذا مقصوده.

стр. 1358

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٠] الكفر بالطاغوت من أركان التوحيد، ولأهميته قدمه الله على الإيمان به في آية البقرة، فيجب على كل مسلم أن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، ويدخل في ذلك: وجوب التحاكم إلى حكم الله ورسوله، والكفر بما خالفهما، ويجب مع التحاكم إلى الله ورسوله التسليم لحكمه والرضا به، وألا يجد المسلم في صدره حرجاً من حكم الله ورسوله.

стр. 1359

بيان شهادة أن محمداً رسول الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢]. إن التوحيد الذي هو دين الإسلام بل دين الله جل وعلا الذي أرسل به الرسل كلهم هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وهذا يتكون من شيئين: الأول: شهادة ألا إله إلا الله. الثاني: شهادة أن محمد رسول الله، وهما ركن واحد من أركان الإسلام، والإسلام مبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج لمن يستطيع إليه. ولما كان أصل الإسلام شهادة ألا إله إلا الله، فكل إنسان يشهد ألا إله إلا الله ولا يعمل بذلك، لا يفيده هذا ولا يجعله مسلماً، فلابد أن يعمل بهذه الشهادة وينضم إليها شهادة أن محمداً رسول الله، وهذا الكتاب من أوله إلى آخره بني على هذه الشهادة، ومن أول الكتاب إلى هذا الباب كله في بيان شهادة أن لا إله إلا الله. والمؤلف ﵀ بدأ بقوله: [كتاب التوحيد] وبين معنى التوحيد وأنه العبادة، وبين أن العبادة لا يمكن أن تكون عبادة إلا إذا كانت حسب الأمر وخالصة لله جل وعلا، ثم ذكر بعض الأبواب وقال: [باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله]، وذكر النصوص التي توضح هذا وتبينه، ثم قال: [وتفسير هذا الباب ما بعده من الأبواب إلى آخر الكتاب]، وكل ما ذكره بعد هذا الباب من الأبواب فهو تفسير للتوحيد وشهادة ألا إله إلا الله، ولما كان الأمر معلوماً لدى جميع المسلمين الذين يعرفون حقيقة الاسلام أن شهادة ألا إله إلا الله بدون شهادة أن محمداً رسول الله لا تجدي ولا تنفع ولو شهد الإنسان بذلك فإنه لا يكون مسلماً أراد بهذا الباب أن يبين معنى شهادة أن محمداً رسول الله، ومراده بهذا الباب بيان الركن الثاني من الشهادة؛ لأنها ركنان: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

стр. 1360

خطورة التحاكم إلى الطاغوت وذكر الترجمة بالآية كعادته في كثير من أبواب الكتاب فقال: [باب قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠]] إلى آخر الآيات، ومن المعروف في اللغة العربية أن كلمة: (زعم) و (يزعم) تأتي للأمر المشكوك الذي ليس متيقناً، فقوله: (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا) معنى ذلك أنهم يقولون قولاً لم يتحقق بفعلهم ولا بقلوبهم، وإنما هو مجرد قول، ويمكن أن يكون كذباً؛ لأن القول إذا لم يكن صادراً عن القلب ولم يكن معمولاً به فإنه يكون كذباً، ولهذا جاء: (بئس مطية المرء زعموا)؛ لأن الزعم غالباً يطلق على الكذب، وهذا يشعر بأنهم لم يتحققوا الإيمان ولم يدخل الإيمان في قلوبهم. فقوله تعالى: (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) يبين أن ادعاءهم الإيمان مجرد زعم والواقع أنهم لم يؤمنوا. والسبب في كونه كذباً ظاهراً هو أنهم (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)، وقد جاء الأمر في جميع الشرائع بالكفر به، وكونهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت -والإرادة: هي القصد الجازم- يدل على أنهم ليسوا بمؤمنين.

стр. 1361

تعريف الطاغوت قال الإمام مالك: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، وعرفه ابن القيم تعريفاً جامعاً فقال: الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو مطاع أو متبوع. وقوله: (كل ما تجاوز به العبد حده) سبق أن شرحناه وبينا معناه، وحد المخلوق: أن يكون عبداً لله، فإذا تجاوز حد العبودية لله جل وعلا والخضوع له والذل بأن جعل له نصيباً منها، أو تجاوز حد الطاعة التي هي طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وأراد أن يطاع في معصية الله أو في تحليل الحرام أو تحريم الحلال أو ما أشبه ذلك فإنه يكون طاغوتاً أو يكون متبوعاً على الهوى وبدون حق، ولهذا لما ذكر ابن القيم هذا التعريف قال: وهذه طواغيت العالم إذا نظرت إليها وجدت الأرض مملوءة من هذه الطواغيت، ولا يخلو الإنسان الذي يترك شرع الله وعبادة الله واتباع الرسول ﷺ من أن يكون عابداً لهذا الطاغوت. والمقصود هنا بيان معنى شهادة أن محمداً رسول الله على ما أراده المؤلف، وأورد هذه الآية من أجل ذلك، وذلك أن العباد كلفوا بعبادة الله وبطاعته واتباع أمره بواسطة الرسول ﷺ ، فلا يجوز أن يعبدوا الله أو يفعلوا فعلاً يتعبدون به أو يتركون شيئاً يتعبدون به إلا إذا كان الرسول ﷺ قد جاء به وبينه لهم، ومن ذلك التحاكم وفض النزاع والخصومات، وكذلك الخلاف الذي يقع بين الناس يجب أن يرجع فيه إلى ما جاء به الرسول ﷺ وإن لم يفعل الإنسان ذلك فمعنى هذا أنه ما جاء بشهادة أن محمداً رسول الله على الوجه الأكمل والمطلوب الذي ينجو به؛ لأن العبادة وكذلك الطاعة وكذلك الحلال والحرام لا يجوز أن يؤخذ من قول فلان ولا من فعل فلان، وإنما يجب أن يؤخذ مما جاء به الرسول ﷺ . ومعنى هذا أن الإنسان لا اختيار له فيما يفعله تعبداً، وإنما الأمر إلى الله، وأمر الله الذي كلف به الإنسان ما يتبين للإنسان إلا بمجيء الرسول ﷺ ، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] يعني: ما لهم الاختيار ولا يجوز أن يكون لهم اختيار في ذلك، بل يجب عليهم أن ينفذوا ويمتثلوا وإلا لم يكونوا مؤمنين. فعلى هذا يكون معنى (شهادة أن محمداً رسول الله) أنه رسول جاء بالرسالة من الله وفيها العبادة وفيها الأمر والنهي وفيها التكليف، وأنه لا يقدم الإنسان على عبادة أو أمر يصبح فيه ثقل بينه وبين من خالفه أو يكون فيه حكم بينه وبين من خالفه إلا إذا اتبع الرسول ﷺ في ذلك وصار الحاكم هو قوله أو قول ربه الذي جاء به، فهذا هو معناها الحقيقي، وهو الذي أراده المؤلف عند استدلاله بهذه الآية. ومعنى ذلك أنه يجب التحاكم إلى ما جاء به الرسول ﷺ ، والتحاكم أمر عام، سواءً أكان في فض النزاعات التي فيها حقوق، أم إنهاء الخلاف في مسائل العلم أم غيرها مما يحدث فيه خلاف بين الناس -ولابد من الخلاف-، فلابد أن يكون مردوداً إلى ماجاء به الرسول ﷺ ، ثم يكون هو الحاكم، فيرضى المحكوم عليه بهذا ويسلم وينقاد، وإلا فلا يكون مسلماً إن لم يفعل هذا، ولهذا ختم هذه الآيات بقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]، فبين في هذه الآيات أن الذي لا ينقاد إلى ما جاء به الرسول ﷺ إما أنه عابد للطاغوت أو يكون منافقاً يظهر الموافقة ويبطن الكفر ويريد أن يوفق بين الحق وبين الباطل على حد زعمه، وهذا مستحيل لا يمكن، ولكن هكذا يزعمون أنهم يوفقون بين هذا وهذا برأيهم وبعقولهم، وهو ظن بعيد جداً عن الصواب، بل مصدره من الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك، ولهذا أخبر جل وعلا أن الشيطان يريد أن يضلنا ضلالاً بعيداً، وهو حريص على اضلالهم وقد أطاعوه في هذا.

стр. 1362

معنى شهادة أن محمداً رسول الله فالخلاصة أن معنى شهادة أن محمداً رسول الله -بعد العلم اليقيني بأنه بشر أوحي إليه شرع-: طاعته في أمره، وتحيكمه فيه، والانتهاء عما نهى عنه، وأنه جاء بشرع من عند الله، وليس هو رباً يتصرف في الكون، ولا معبوداً يعبد مع الله، وإنما يعبد الله جل وعلا بما جاء به من عند الله جل وعلا، ويكون الذي جاء به مهيمناً على حياة الإنسان كلها في الطاعة والحكم وفض النزاع وغير ذلك، وإلا فلا يكون الإنسان جاء بالشهادة كما ينبغي. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال العماد ابن كثير ﵀: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا. وتقدم ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في حده للطاغوت، وأنه: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكفروا به؛ فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن كان يحكم بها]. هذا الحد قد يحتاج إلى تبيين. وقد سبق أن بيناه في موضعه، ولكن قوله: (الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده) العبد هنا فاعل التجاوز، فهو كل ما تجاوز به العبد حده، والضمير في قوله: (حده) مفعول عائد على الطاغوت الذي حدث به التجاوز. ومعنى ذلك أن الذي اتُبِع أو عُبِد لا يخلو إما أن يكون إنساناً عاقلاً، فإن كان إنساناً عاقلاً فهو مكلف بأن يكون عبداً لله جل وعلا، ولا يجوز أن يخرج عن حد العبودية، فإن خرج عن حد العبودية بأن دعا إلى عبادة نفسه، أو رضي أن يكون مشاركاً لله جل وعلا في شيء من العبادة صار طاغوتاً. والطاغوت: مأخوذ من الطغيان الذي هو التجاوز، فهو طغى على حد العبودية، وخرج منها إلى الربوبية أو الإلهية، أما إذا كان غير عاقل مثل الشجر أو الحجر فالشجر والحجر خلق للانتفاع والعبرة، وليس له تصرف. أي: أن العاقل ينتفع به، ويعتبر في خلقه فقط، وليس عنده نفع ولا ضر يمكن أن يوجده، فإن قصد منه شيء مما هو خارج عما خلق له فإنه قد جعل طاغوتاً، أي: خُرِجَ به عن حده وتجاوز به الذي أخرجه حده الذي حد له، وهو أن يكون مخلوقاً ينتفع به في بناء أو في سدود، أو ما أشبه ذلك إذا كان حجراً، وأما إذا كان شجراً فيكون متاعاً للبهائم، أو وقوداً للنار، وما أشبه ذلك من الانتفاع الذي ينتفع به الإنسان. فإن طلب منه بركة، أو نفعاً غيبياً، أو مستقبلياً، أو جعل له شيئاً من التصرف فقد تجاوز به الحد وجعله طاغوتاً كطواغيت الكفار من الأحجار والأشجار. وإذا كان قبراً فالقبر وضعه مثل وضع الحجارة والأشجار؛ لأن المقبور أصبح رفاتاً وتراباً لا يستطيع أن ينفع نفسه، فإذا اتجه إليه بالدعاء وطلب منه النصر، أو ما أشبه ذلك فقد جعله طاغوتاً. وكذلك إذا جعل مخلوقاً غير رسول الله ﷺ حكماً يتحاكم إليه في فض النزاعات ويرجع فيما اختلف فيه إليه فقد تجاوز به حده؛ لأن حده أن يكون متبعاً لرسول الله ﷺ وهكذا، فهذا معنى قوله: (كل ما تجاوز به العبد حده). ثم فصّل فقال: سواء أكان هذا الذي تجوز به الحد معبوداً، أم كان متبوعاً، أم كان مطاعاً؛ لأن المطاع يجب أن تكون طاعته بأمر الله وأمر رسوله، فيطاع لأنه أمر بأمر الله وأمر رسوله، أما إذا تجاوز إلى غير ذلك فإنه يكون خارجاً عن حد العبودية، وإذا اتبع على ذلك صار المتبع له يتبع طاغوتاً. وسواء أكان معنى أم كان شيئاً قائماً بنفسه مجسداً يلمس وينظر إليه، فلا فرق بين هذا وهذا. قال الشارح ﵀: [فمن حاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عن ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، وأنزله منزلة لا يستحقها، وكذلك من عبد شيئاً دون الله فإنما عبد الطاغوت. فإن كان المعبود صالحاً صارت عبادة العابد له راجعة إلى الشيطان الذي أمره بها، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٢٨ - ٣٠]. وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]]. يعني أن المعبود الذي يعبد من دون الله قد يكون رجلاً مطيعاً صالحاً، فكيف يسمى طاغوتاً؟! فهل يطلق عليه أنه طاغوت؟ لا وإذا كان كذلك فالطاغوت هو من أمر بعبادته وهو الشيطان، وأما الرجل الصالح فلا يمكن أن يرضى بأن يعبد من دون الله أو يأمر بذلك، وقد عيد كثير من الناس الملائكة، والأنبياء والصالحين. فإذا كان يوم القيامة جمعهم الله جل وعلا وسأل المعبودين من الملائكة ومن الأنبياء وغيرهم ويقول لهم أمام العابدين: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]؟ فيتبرءون منهم. فمنهم من يقول: كنا غافلين عن ذلك ما لنا علم؛ لأنهم أموات لا يعرفون ماذا يقع، والملائكة يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١]، والمقصود بالجن الشياطين، فهي التي أمرتهم بعبادة غير الله. ولهذا تكون العبادة للشيطان، وكذلك إذا كان المعبود غير عاقل فإن العبادة للشيطان؛ لأن الله جل وعلا جعل في عقل الإنسان تمييزاً بين من يتصرف ومن لا يتصرف، ولكن الشيطان هو الذي يزين بأن هذا ينفع وأن هذا يشفع وأن هذا ينفع وأن هذا يضر. ولهذا فإن الذين يعبدون الشمس يعبدون الشيطان؛ لأنه هو الذي أمر بعبادتها، فإذا سجدوا لها ذهب ووقع مقارناً للشمس فيقع السجود له، كما في صحيح مسلم من حديث عمرو بن عبسة أنه لما سأله عن الصلاة قال: (صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار). وكذلك إذا غربت تغرب بين قرني الشيطان، فإن الشيطان يقارنها حتى يقع السجود والعبادة له. ولهذا لما لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] جاء أحد الكفار ليخاصم الرسول ﷺ في ذلك، فسأله: أليس عيسى يعبد، وأمه تعبد، والعزير يعبد، والملائكة تعبد؟ فإذاً يكون هؤلاء حصب جهنم! فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢]. والعبادة التي وقعت ممن عبدهم تكون للشيطان. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة الطويل أن الرسول ﷺ إذا شفع الشفاعة الكبرى إلى الله جل وعلا بأن يفصل بين خلقه أن الله يشفعه في ذلك، ثم يأتي الرب جل وعلا فيخاطبهم جميعاً، ويقول لهم: إني أنصت لكم منذ خلقتكم فأسمع كلامكم وأحصي أعمالكم فأنصتوا لي الآن، فلابد من الحساب خضوعاً وذلاً، ويقول جل وعلا: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ ما الجواب؟ الجواب بلى فهو العدل، فيؤتى بكل معبود كان يعبد في الدنيا وينصب أمامهم، سواء أكان المعبود من الأصنام أم من غيرها. أما إذا كان المعبود ملكاً أو نبياً أو رجلاً صالحاً فإنه يؤتى بالشيطان على مثاله، ويقال لعابده: هذا معبودك فاتبعه، فتذهب المعبودات إلى جهنم فيتبعها العابدون، فيكبكبون فيها جميعاً، ويبقى في الموقف المؤمنون فقط، ومعهم المنافقون الذين كانوا يحكم عليهم ظاهراً بأحكام الإسلام، ولكنهم في الباطن كفرة، فيقول الله جل وعلا لهم ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس -أي: ذهبوا إلى جهنم-؟ فيقولون: إنما فارقناهم أشد ما كنا إليهم حاجة. أي: في الدنيا فارقناهم وتركناهم وكنا نحتاج إليهم، واليوم لا نحتاج إليهم، فليس لنا بهم حاجة؛ لأنهم لا يغنون عنا شيئاً. والمقصود أنه يؤتى بالإنسان المعبود إذا كان المعبود رجلاً طائعاً لله جل وعلا من نبي أو ملك، أو رجل صالح، ثم يؤتى بالشيطان على مثاله وصورته التي كان يتخيلها العابد؛ لأن العابد لابد أن يتخيل شيئاً عند عبادته، فيتخيل أن هذا النبي كان كذا وكذا، وهذا النبي كذا وكذا، فيؤتى به على ذلك القوام الذي كان يتخيله، ويقال له: هذا معبودك فاتبعه. والواقع أنه ما عبد إلا الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي أمره بذلك فهو يطيعه، ولهذا إذا استقروا في النار جميعاً وتكاملوا فيها يقوم الشيطان خطيباً فيهم في النار، يقول بعض المفسرين: إنه ينصب له منبر في وسط جهنم والمهم أنه يقوم فيهم خطيباً؛ لأنه رئيسهم وقائدهم وإمامهم، فيقول لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما كان لي حجة ولا برهان في دعوتي إياكم، إنما هي مجرد دعوة: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فيكفر باتباعهم له ويتبرأ منهم، ويقول: أنتم اليوم لا تغنون عني شيئاً.

стр. 1363

التوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبد من دون الله قال الشارح ﵀: [وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه، أو كان شجراً أو حجراً أو قبراً أو غير ذلك مما يتخذه المشركون أصناماً على صور الصالحين والملائكة وغير ذلك فهي من الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده أن يكفروا بعبادته ويتبرءوا منه ومن عبادة كل معبود سوى الله كائناً من كان، وهذا كله من عمل الشيطان وتسويله، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه. قال الإمام مالك ﵀: الطاغوت: ما عبد من دون الله]. أي: ما عبد من دون الله مطلقاً، إلا أن يكون نبياً أو ولياً أو ملكاً، فهو يحتاج إلى قيد: (ما عبد من دون الله وهو راضٍ بهذه العبادة) إذا كان عاقلاً مكلفاً، فلابد أن يقيد بأن يكون راضياً، أما إذا كان غير راض أو غير عالم بذلك فأن العبادة تقع على الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي أمر بذلك. ومع ذلك إذا كان المتوجه إليه بعد موته في قبره فإن هذا القبر يكون وثناً، ويكون طاغوتاً، ولكن المقبور إذا لم يكن راضياً بهذا ولا آمراً به فليس كذلك، ولهذا قال الرسول ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فيدعو أن لا يكون قبره وثناً يعبد، فدل على أنه لو عبد لكان وثناً، ولكن الله جل وعلا حماه من ذلك.

стр. 1364

تحكيم الله ورسوله من مقتضى الإيمان قال الشارح ﵀: [وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول ﷺ ورغب عنه، وجعل لله شريكاً في الطاعة، وخالف ما جاء به رسول الله ﷺ فيما أمره الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩]. وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. ومن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعاً لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن؛ فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله: (يزعمون) من نفي إيمانهم؛ فإن (يزعمون) إنما يقال غالباً لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠]؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحداً]. آية البقرة هي قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، فبدأ أولاً بالكفر بالطاغوت، مما يدل على أنه لابد من الكفر به، والكفر به معناه أن يتبرأ الإنسان منه ويبتعد عنه، ويبتعد عن أهله والذين يحكمون به أو يعملون به ولابد من ذلك، أما كونه يتركه فقط فلا يكفي، بل لابد من تركه وكراهته والتبرؤ منه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة:٥١]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، فلما ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض سواء أكانوا من المهاجرين المقاتلين أم من الذين لم يهاجروا وإنما اشتركوا بالإيمان والطاعة والإتباع ذكر أن بعضهم أولياء بعض، ثم ذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]. يعني: إن لم تحصل موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وكونهم معتزين بأنفسهم معادين للكفار منابذين لهم حصلت الفتنة والفساد الكبير، فهذا هو التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ وكلف كل مكلف به، وليس هذا من الأمور التي فعلها مستحب ومن تركها لا لوم عليه، بل هذا أمر فرض على كل إنسان ولابد أن يعتقده ويعمل به.

стр. 1365

الكفر بالطاغوت من أركان التوحيد قال الشارح ﵀: [فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحداً، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] يبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان ويزينه لمن أطاعه، ويبين أن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال وأبعده عن الهدى. ففي الآية أربعة أمور: الأول: أنه من إرادة الشيطان. والثاني: أنه ضلال. والثالث: تأكيده بالمصدر. الرابع: وصفه بالبعد عن سبيل الحق والهدى. فسبحان الله! ما أعظم هذا القرآن وما أبلغه! وما أدله على أنه كلام رب العالمين أوحاه إلى رسوله الكريم، وبلغه عبده الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليهما.

стр. 1366

التحاكم إلى الطاغوت من صفات المنافقين قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١] بين تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين. قوله: (ويصدون) لازم، وهو بمعنى (يعرضون)؛ لأن مصدره صدوداً]. أي: أنه لازم، ولو كان متعدياً لكان مصدره (صداً)، فإذا كان مصدره (صدوداً) دل على أنه لازم، يعني أن الصدود لازم لهم، أي أنهم هم الذين يصدون ولم يصدهم غيرهم، فهذا هو معنى كونه لازماً؛ لأن الصد وقع من أنفسهم ولم يقع عليهم من غيرهم؛ إذ لو كان واقعاً من غيرهم لكان متعدياً، وكان مصدره (صداً). قال الشارح ﵀: [فما أكثر من اتصف بهذا الوصف، خصوصاً ممن يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلى أقوال من يخطئ كثيراً ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، واعتمادهم على قول من لا يجوز الاعتماد على قوله، ويجعلون قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، هو المعتمد عندهم الذي لا تصح الفتوى إلا به، فصار المتبع لرسول الله ﷺ بين أولئك غريباً، كما تقدم التنبيه على هذا في الباب الذي قبل هذا. فتدبر هذه الآيات وما بعدها يتبين لك ما وقع فيه غالب الناس من الإعراض عن الحق وترك العمل به في أكثر الوقائع، والله المستعان].

стр. 1367

معصية الله ورسوله فساد في الأرض قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]]. هذه الآية يقصد بها أن معصية الرسول ﷺ فساد، وأن صلاح الأرض في طاعة الرسول ﷺ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] يعني: بزعمهم، وهم في الواقع يفسدون في الأرض؛ لأنهم لا يطيعون الله ولا يطيعون رسوله، فكل معصية يعصى الله جل وعلا بها ويخالف الرسول ﷺ فيها أمراً ونهياً، تكون من الفساد في الأرض، ومن ذلك أنهم يتحاكمون إلى غير الرسول ﷺ ، أو يريدون التحاكم إلى غيره، فإنه من الإفساد في الأرض، هذا هو وجه الاستدلال بالآية، فكل معصية وقعت من الناس فهي فساد في الأرض، وكل طاعة تكون من الصلاح، لأن الله أصلح الأرض بالرسالة، والذي يخالف ما جاء به الرسول يكون مفسداً، سواء أكان عالماً بأنه مفسد أم غير عالم فالفساد واقع. ولهذا فإن إخوة يوسف لما سمعوا المؤذن يقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧٢] قالوا بعد ذلك: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٧٣]؛ لأن السرقة إفساد في الأرض، فكل معصية تقع من الناس فهي إفساد في الأرض، وكل طاعة -ولا تكون الطاعة إلا باتباع الرسول ﷺ تكون إصلاحاً للأرض، فالله أصلح الأرض برسالة محمد ﷺ ، وكذلك رسالة الرسل قبله فإنها للإصلاح، ومخالفتها تكون إفساداً، ومن ذلك كون الإنسان يريد أن يفض النزاع وينهي الخلاف بشيء غير الوحي الذي جاء به الرسول بشخص أو غيره، فإنه يكون من الإفساد في الأرض. قال الشارح ﵀: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] قال أبو العالية في الآية: يعني: لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله. وقد أخبر تعالى عن إخوة يوسف ﵇ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧٣] فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض]. وكذلك قصة شعيب ﵇ بمحاجته قومه، فقد أمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان ولا يطففوا، وقال لهم بعد ذلك: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] وهذا يدل على أن تطفيف الميزان وعدم الوفاء به إفساد في الأرض، فدل ذلك على أن كل معصية تكون فساداً في الأرض. قال الشارح ﵀: [ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من الفساد في الأرض. وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأقوال أهل الأهواء وإن زخرفوها بالدعوى، وفيها التحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ].

стр. 1368

الباطل لا ينفق إلا بتحسين الهيئة والمنطق وقلب الحقائق وجه الاستنباط من الآية قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] فجعلوا الإفساد إصلاحاً، ولابد أن يحسنوا أعمالهم ويزينوها أمام الناس، وكذلك أقوالهم حتى يغتر بها من لا يعرف الواقع ويعرف الحقيقة. وهذا يفيدنا أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لأقوال الناس وأعمالهم ويعرف ويميز بين ما هو موافق للكتاب والسنة، وبين ما هو مخالف، فيقبل ما وافق الكتاب ويرد المخالف للكتاب والسنة، ولا يغتر بتزيين الكلام فإنه قد يراد به باطلاً، فقد يكون الإنسان ذو مقدرة على تحسين الكلام، وتزيينه، وإلباسه لباساً يستدعي الاستماع إليه، وقبوله، وهو في الواقع باطل. ولهذا يقول الله جل وعلا في سورة المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني: أنهم لهم المرأى الحسن والمنظر الجميل والطلعة البهية واللباس الفاخر، فإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم -أي: مناظرهم- ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني أن عندهم بلاغة وفصاحة وبياناً يستطع أحدهم أن يلفت النظر إليه بهيئته، ويلفت الأسماع بقوله، وهؤلاء من أضر الخلق على الخلق، ولهذا حذر منهم جل وعلا، فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، فأخبر أنهم هم العدو، وليس معنى ذلك أن العدو محصور فيهم، ولكن لشدة ضررهم وعداوتهم على المسلمين والإسلام حصر العداوة فيهم، وإلا فهناك أعداء غيرهم. قال الشارح ﵀: [فما أكثر من يصدق بالكذب ويكذب بالصدق إذا جاءه، وهذا من الفساد في الأرض، ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة تخرج صاحبها عن الحق وتدخله في الباطل، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. فتدبر تجد ذلك في حال الأكثر إلا من عصمه الله ومَنَّ عليه بقوة داعي الإيمان وأعطاه عقلاً كاملاً عند ورود الشهوات، وبصراً نافذاً عنده ورود الشبهات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]]. سبق أن المعاصي هي التي يقع بها الإفساد في الأرض، فكل معصية تكون فساداً، وإن كانت محصورة على المفسد نفسه؛ لأنه أفسد في نفسه، والأرض خلقها الله جل وعلا لتكون متاعاً لعابديه، ثم قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. والخطاب للمؤمنين الذين يؤمنون به، أما الذين يفسقون -والفسوق: الخروج عن الطاعة- فإنهم لا يستحقون أن يكونوا في أرض الله وفي ملك الله؛ لأنهم خرجوا عن طاعته، والله جل وعلا لا يفوته شيء، وإنما يمهلهم حتى يوافوه فيجازيهم بما يستحقون، فكل معصية وقعت في الأرض فهي من الفساد، ومعروف أن الفساد يتفاوت. وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] المقصود بالإصلاح إصلاحها بالدعوة التي جاءت بها الرسل، وفي هذه الآية جعل الإفساد مطلقاً، فتبين بهذا أن كل خروج عن طاعة الله جل وعلا يكون فساداً في الأرض. والشاهد من الآية أن الخروج عن طاعة الرسول ﷺ وعدم تحكيمه في النزاع وغيره من الفساد في الأرض، بل هو من أعظم الفساد في الأرض، بل ربما يكون أصل الفساد في الأرض عدم الانقياد للأوامر التي جاء بها الرسول ﷺ .

стр. 1369

طاعة الله ورسوله إصلاح في الأرض ومعصيتهما فساد قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال أبو بكر بن عياش في الآية: إن الله بعث محمداً ﷺ إلى أهل الأرض وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمد ﷺ ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض. وقال ابن القيم ﵀: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله. فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ﷺ ، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد أن كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. اهـ. ووجه مطابقة هذه الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]]. معنى قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) يعني: نوكله إلى العمل الذي يعمله والشيء الذي يستند إليه، فإذا كانت المعصية فإنه يتمادى فيها حتى الموت؛ لأنه من جزاء المعصية: المعصية وبعدها، ومن جزاء الحسنة الحسنة وبعدها، وهذا في الغالب، وقد يتوب الله جل وعلا على من يشاء، فتوليته ما تولى إذا كان تولى هواه أو تولى شهواته، أو تولى مخلوقاً يطيعه في معصية الله فإنه يوكل إليه ويتخلى الله جل وعلا عنه. ومن وكل إلى مخلوق أو إلى نفسه فإنه يكون ضائعاً وهالكاً، وقوله: (ونصليه جهنم) هذا في الآخرة، فيولى ما تولى في الدنيا في حياته، ثم بعد موته يصلى جهنم، وهذا من أعظم الوعيد، نسأل الله العافية.

стр. 1370

التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الجاهلية قال المنصف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]]. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) يعني أن كل من طلب أن يتحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ فإنه يطلب حكم الجاهلية ويريده. والله جل علا قد أنزل كتابه حاكماً بين خلقه، وهو خير الحاكمين، وحكمه أحكم الأحكام وأعدلها وأقومها، فمن ابتغى غيره فإنه منتكس في عقله وفي دينه، واعتاض بالجاهلية عن العلم والإيمان والحق وما جاء به الرسول ﷺ ، ويكون ضلال ذلك واضحاً لمن هداه الله جل وعلا وبصره. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير ﵀: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضعه لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير]. هذا يقوله الحافظ ابن كثير ﵀ في وقته، في القرن الثامن الهجري، ولم يكن هناك في ذلك الوقت من الأحكام الوضعية والقوانين الوضعية التي وضعت واعتيض بها عن شرع لله جل وعلا في كثير من البلاد الإسلامية، وإنما هذا وقع من التتار، والذي وقع بعده أعظم مما فعله جنكيز خان وأتباعه بكثير؛ لأنهم جعلوا هذه القوانين حاكمة في البلاد بدل شرع الله مع علمهم أن لله شرعاً، وأن الرسول ﷺ جاء به، وأن الله أوجب أن يحكم به. وهذا مبدأ ظهور ما أخبر به الرسول ﷺ من أن القرآن يرفع في آخر الزمان، فإنه إذا ترك العمل به واعتاض الناس عنه بغيره بآرائهم وأفكارهم وأوضاعهم وما يرونه يناسبهم مع قصور آرائهم -ولا شك أنها قاصرة- إذا اعتاضوا عنه بذلك فانه يرفع فيسرى عليه في ليلة واحدة فيرفع من المصاحف ثم من صدور الرجال فلا يبقى منه حرف واحد، ثم بعد ذلك على هؤلاء الذين رفع منهم القرآن تقوم الساعة، وهم شر خلق الله، كما جاء في صحيح مسلم: (شر الخلق الذين يتخذون القبور مساجد، ومن تقوم عليهم الساعة). وفيه أيضاً أنها تقوم الساعة إذا أصبح لا يقال في الأرض الله الله، وإنما يتهارجون تهارج الحمر، والمقصود أن هذا مبدأ الإعراض ومبدأ رفع القرآن؛ لأن القرآن نزل للعمل ولم ينزل ليتبرك به أو يداوى به المرضى، أو ليجعل في المساجد فقط، وإنما نزل ليكون حاكماً في شئون الناس كلها ويكون حاكماً في حياتهم، وإذا لم يكن كذلك فلا يكون الإنسان مسلماً الإسلام الذين ينجيه، وإنما يكون عاصياً يستحق عقاباً من الله جل وعلا، فلابد أن يحكم كتاب الله جل وعلا في جميع شئونه في الشيء الذي يخصه وفي الشيء الذي بينه وبين الخلق، سواء أكانوا قريبين أم بعيدين. فالواجب المتعين على كل فرد أن يكون الحاكم في نفسه وفيما شجر بينه وبين غيره هو كتاب الله جل وعلا، وهذا أمر لا يخفى وأمر واضح وجلي، ولكن الأمور الضرورية التي تعرف من الدين بالضرورة قد تخفى إذا كثر الباطل، وكثرة المجانبة لها فقد تخفى على بعض الناس.
следующие страницы →