← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

التحاكم إلى الطاغوت من صفات المنافقين قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١] بين تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين. قوله: (ويصدون) لازم، وهو بمعنى (يعرضون)؛ لأن مصدره صدوداً]. أي: أنه لازم، ولو كان متعدياً لكان مصدره (صداً)، فإذا كان مصدره (صدوداً) دل على أنه لازم، يعني أن الصدود لازم لهم، أي أنهم هم الذين يصدون ولم يصدهم غيرهم، فهذا هو معنى كونه لازماً؛ لأن الصد وقع من أنفسهم ولم يقع عليهم من غيرهم؛ إذ لو كان واقعاً من غيرهم لكان متعدياً، وكان مصدره (صداً). قال الشارح ﵀: [فما أكثر من اتصف بهذا الوصف، خصوصاً ممن يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلى أقوال من يخطئ كثيراً ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، واعتمادهم على قول من لا يجوز الاعتماد على قوله، ويجعلون قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، هو المعتمد عندهم الذي لا تصح الفتوى إلا به، فصار المتبع لرسول الله ﷺ بين أولئك غريباً، كما تقدم التنبيه على هذا في الباب الذي قبل هذا. فتدبر هذه الآيات وما بعدها يتبين لك ما وقع فيه غالب الناس من الإعراض عن الحق وترك العمل به في أكثر الوقائع، والله المستعان].

стр. 1367

معصية الله ورسوله فساد في الأرض قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]]. هذه الآية يقصد بها أن معصية الرسول ﷺ فساد، وأن صلاح الأرض في طاعة الرسول ﷺ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] يعني: بزعمهم، وهم في الواقع يفسدون في الأرض؛ لأنهم لا يطيعون الله ولا يطيعون رسوله، فكل معصية يعصى الله جل وعلا بها ويخالف الرسول ﷺ فيها أمراً ونهياً، تكون من الفساد في الأرض، ومن ذلك أنهم يتحاكمون إلى غير الرسول ﷺ ، أو يريدون التحاكم إلى غيره، فإنه من الإفساد في الأرض، هذا هو وجه الاستدلال بالآية، فكل معصية وقعت من الناس فهي فساد في الأرض، وكل طاعة تكون من الصلاح، لأن الله أصلح الأرض بالرسالة، والذي يخالف ما جاء به الرسول يكون مفسداً، سواء أكان عالماً بأنه مفسد أم غير عالم فالفساد واقع. ولهذا فإن إخوة يوسف لما سمعوا المؤذن يقول: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧٢] قالوا بعد ذلك: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٧٣]؛ لأن السرقة إفساد في الأرض، فكل معصية تقع من الناس فهي إفساد في الأرض، وكل طاعة -ولا تكون الطاعة إلا باتباع الرسول ﷺ تكون إصلاحاً للأرض، فالله أصلح الأرض برسالة محمد ﷺ ، وكذلك رسالة الرسل قبله فإنها للإصلاح، ومخالفتها تكون إفساداً، ومن ذلك كون الإنسان يريد أن يفض النزاع وينهي الخلاف بشيء غير الوحي الذي جاء به الرسول بشخص أو غيره، فإنه يكون من الإفساد في الأرض. قال الشارح ﵀: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] قال أبو العالية في الآية: يعني: لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله. وقد أخبر تعالى عن إخوة يوسف ﵇ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧٣] فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض]. وكذلك قصة شعيب ﵇ بمحاجته قومه، فقد أمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان ولا يطففوا، وقال لهم بعد ذلك: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] وهذا يدل على أن تطفيف الميزان وعدم الوفاء به إفساد في الأرض، فدل ذلك على أن كل معصية تكون فساداً في الأرض. قال الشارح ﵀: [ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من الفساد في الأرض. وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأقوال أهل الأهواء وإن زخرفوها بالدعوى، وفيها التحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ].

стр. 1368

الباطل لا ينفق إلا بتحسين الهيئة والمنطق وقلب الحقائق وجه الاستنباط من الآية قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] فجعلوا الإفساد إصلاحاً، ولابد أن يحسنوا أعمالهم ويزينوها أمام الناس، وكذلك أقوالهم حتى يغتر بها من لا يعرف الواقع ويعرف الحقيقة. وهذا يفيدنا أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لأقوال الناس وأعمالهم ويعرف ويميز بين ما هو موافق للكتاب والسنة، وبين ما هو مخالف، فيقبل ما وافق الكتاب ويرد المخالف للكتاب والسنة، ولا يغتر بتزيين الكلام فإنه قد يراد به باطلاً، فقد يكون الإنسان ذو مقدرة على تحسين الكلام، وتزيينه، وإلباسه لباساً يستدعي الاستماع إليه، وقبوله، وهو في الواقع باطل. ولهذا يقول الله جل وعلا في سورة المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني: أنهم لهم المرأى الحسن والمنظر الجميل والطلعة البهية واللباس الفاخر، فإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم -أي: مناظرهم- ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني أن عندهم بلاغة وفصاحة وبياناً يستطع أحدهم أن يلفت النظر إليه بهيئته، ويلفت الأسماع بقوله، وهؤلاء من أضر الخلق على الخلق، ولهذا حذر منهم جل وعلا، فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، فأخبر أنهم هم العدو، وليس معنى ذلك أن العدو محصور فيهم، ولكن لشدة ضررهم وعداوتهم على المسلمين والإسلام حصر العداوة فيهم، وإلا فهناك أعداء غيرهم. قال الشارح ﵀: [فما أكثر من يصدق بالكذب ويكذب بالصدق إذا جاءه، وهذا من الفساد في الأرض، ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة تخرج صاحبها عن الحق وتدخله في الباطل، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. فتدبر تجد ذلك في حال الأكثر إلا من عصمه الله ومَنَّ عليه بقوة داعي الإيمان وأعطاه عقلاً كاملاً عند ورود الشهوات، وبصراً نافذاً عنده ورود الشبهات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]]. سبق أن المعاصي هي التي يقع بها الإفساد في الأرض، فكل معصية تكون فساداً، وإن كانت محصورة على المفسد نفسه؛ لأنه أفسد في نفسه، والأرض خلقها الله جل وعلا لتكون متاعاً لعابديه، ثم قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. والخطاب للمؤمنين الذين يؤمنون به، أما الذين يفسقون -والفسوق: الخروج عن الطاعة- فإنهم لا يستحقون أن يكونوا في أرض الله وفي ملك الله؛ لأنهم خرجوا عن طاعته، والله جل وعلا لا يفوته شيء، وإنما يمهلهم حتى يوافوه فيجازيهم بما يستحقون، فكل معصية وقعت في الأرض فهي من الفساد، ومعروف أن الفساد يتفاوت. وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] المقصود بالإصلاح إصلاحها بالدعوة التي جاءت بها الرسل، وفي هذه الآية جعل الإفساد مطلقاً، فتبين بهذا أن كل خروج عن طاعة الله جل وعلا يكون فساداً في الأرض. والشاهد من الآية أن الخروج عن طاعة الرسول ﷺ وعدم تحكيمه في النزاع وغيره من الفساد في الأرض، بل هو من أعظم الفساد في الأرض، بل ربما يكون أصل الفساد في الأرض عدم الانقياد للأوامر التي جاء بها الرسول ﷺ .

стр. 1369

طاعة الله ورسوله إصلاح في الأرض ومعصيتهما فساد قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال أبو بكر بن عياش في الآية: إن الله بعث محمداً ﷺ إلى أهل الأرض وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمد ﷺ ، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ﷺ فهو من المفسدين في الأرض. وقال ابن القيم ﵀: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله. فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ﷺ ، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد أن كل صلاح في الأرض سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. اهـ. ووجه مطابقة هذه الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]]. معنى قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) يعني: نوكله إلى العمل الذي يعمله والشيء الذي يستند إليه، فإذا كانت المعصية فإنه يتمادى فيها حتى الموت؛ لأنه من جزاء المعصية: المعصية وبعدها، ومن جزاء الحسنة الحسنة وبعدها، وهذا في الغالب، وقد يتوب الله جل وعلا على من يشاء، فتوليته ما تولى إذا كان تولى هواه أو تولى شهواته، أو تولى مخلوقاً يطيعه في معصية الله فإنه يوكل إليه ويتخلى الله جل وعلا عنه. ومن وكل إلى مخلوق أو إلى نفسه فإنه يكون ضائعاً وهالكاً، وقوله: (ونصليه جهنم) هذا في الآخرة، فيولى ما تولى في الدنيا في حياته، ثم بعد موته يصلى جهنم، وهذا من أعظم الوعيد، نسأل الله العافية.

стр. 1370

التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الجاهلية قال المنصف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]]. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) يعني أن كل من طلب أن يتحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ فإنه يطلب حكم الجاهلية ويريده. والله جل علا قد أنزل كتابه حاكماً بين خلقه، وهو خير الحاكمين، وحكمه أحكم الأحكام وأعدلها وأقومها، فمن ابتغى غيره فإنه منتكس في عقله وفي دينه، واعتاض بالجاهلية عن العلم والإيمان والحق وما جاء به الرسول ﷺ ، ويكون ضلال ذلك واضحاً لمن هداه الله جل وعلا وبصره. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير ﵀: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضعه لهم (الياسق)، وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير]. هذا يقوله الحافظ ابن كثير ﵀ في وقته، في القرن الثامن الهجري، ولم يكن هناك في ذلك الوقت من الأحكام الوضعية والقوانين الوضعية التي وضعت واعتيض بها عن شرع لله جل وعلا في كثير من البلاد الإسلامية، وإنما هذا وقع من التتار، والذي وقع بعده أعظم مما فعله جنكيز خان وأتباعه بكثير؛ لأنهم جعلوا هذه القوانين حاكمة في البلاد بدل شرع الله مع علمهم أن لله شرعاً، وأن الرسول ﷺ جاء به، وأن الله أوجب أن يحكم به. وهذا مبدأ ظهور ما أخبر به الرسول ﷺ من أن القرآن يرفع في آخر الزمان، فإنه إذا ترك العمل به واعتاض الناس عنه بغيره بآرائهم وأفكارهم وأوضاعهم وما يرونه يناسبهم مع قصور آرائهم -ولا شك أنها قاصرة- إذا اعتاضوا عنه بذلك فانه يرفع فيسرى عليه في ليلة واحدة فيرفع من المصاحف ثم من صدور الرجال فلا يبقى منه حرف واحد، ثم بعد ذلك على هؤلاء الذين رفع منهم القرآن تقوم الساعة، وهم شر خلق الله، كما جاء في صحيح مسلم: (شر الخلق الذين يتخذون القبور مساجد، ومن تقوم عليهم الساعة). وفيه أيضاً أنها تقوم الساعة إذا أصبح لا يقال في الأرض الله الله، وإنما يتهارجون تهارج الحمر، والمقصود أن هذا مبدأ الإعراض ومبدأ رفع القرآن؛ لأن القرآن نزل للعمل ولم ينزل ليتبرك به أو يداوى به المرضى، أو ليجعل في المساجد فقط، وإنما نزل ليكون حاكماً في شئون الناس كلها ويكون حاكماً في حياتهم، وإذا لم يكن كذلك فلا يكون الإنسان مسلماً الإسلام الذين ينجيه، وإنما يكون عاصياً يستحق عقاباً من الله جل وعلا، فلابد أن يحكم كتاب الله جل وعلا في جميع شئونه في الشيء الذي يخصه وفي الشيء الذي بينه وبين الخلق، سواء أكانوا قريبين أم بعيدين. فالواجب المتعين على كل فرد أن يكون الحاكم في نفسه وفيما شجر بينه وبين غيره هو كتاب الله جل وعلا، وهذا أمر لا يخفى وأمر واضح وجلي، ولكن الأمور الضرورية التي تعرف من الدين بالضرورة قد تخفى إذا كثر الباطل، وكثرة المجانبة لها فقد تخفى على بعض الناس.

стр. 1371

حكم الله أحسن الأحكام قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] استفهام إنكار، أي: لا حكم أحسن من حكمه تعالى، وهذا من باب استعمال (أفعل) التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي: ومن أعدل من الله حكماً لمن عقل عن الله شرعه وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده، القادر على كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره؟ وفي الآية التحذير من حكم الجاهلية واختياره على حكم الله ورسوله، فمن فعل ذلك فقد عرض عن الأحسن -وهو الحق- إلى ضده من الباطل]. قوله: [من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك]. يعني أن أفعل التفضيل إذا جاء في اللغة العربية فلابد أن يكون له مشارك يقابله، تقول: فلان أفضل من فلان ولابد أن يكون بينهما شيء من الاتصاف والعمل الذي يتصفون به ويعملون به، ولا يصح أن تقول: الإنسان أفضل من هذا الحجر. فلابد أن يكون الذي فضل عليه مشاركاً له في الأوصاف، وفي الأعمال، ومعلوم أن الإنسان لا يشارك الرب جل وعلا في حكمه، وفي علمه، وفي أحكامه، وفي عدله، وفي غير ذلك من صفاته وأفعاله، فقال: إنه استعمل فيما لا مقابل له؛ لأن هذا حكم الله. وهذا كثيراً ما يأتي، كقول الله جل وعلا: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]، وليس هنا أحد ممن يعقل يقول: إن الأوثان نظير الله أو مماثلة لله جل وعلا، فضلاً عن أن يقول: إنها خير منه تعالى الله وتقدس. وكذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، فهل بين الجنة، وبين النار شيء من الاشتراك حتى يقال: إنها أفضل؟ وإنما هذا يستعمل في الشيء الذي لا يكون له مقابل يشاركه فيه، وهذا مثله. والمقصود أن هذا أسلوب جاء به القرآن، وهو أسلوب عربي، ويفهم من هذا الخطاب أن المقابل لا يشارك من فضل عليه بشيء. أما الجاهلية فهي كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ ، سواء أكان قبل مجيء الإسلام، أم بعده، ولا يلزم أن تكون سابقة، بل قد تكون الجاهلية اللاحقة أسوأ من الجاهلية السابقة.

стр. 1372

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠١] إن مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه يتفاوت بين الناس، فمنهم من يكون إيمانه كاملاً، ومنهم من يكون إيمانه ناقصاً، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل الذي لا يطلق إلا على من أتى بالواجبات وترك المنهيات، مع ما قام في قلبه من معرفة الله جل وعلا وتعظيمه وخوفه والذل له. ومن كان هواه خلاف ما جاء به نبينا ﷺ فلن يكون من أهل الإيمان الكامل، وإنما يكون في درجة أهل الإساءة والمعاصي من أهل الإسلام.

стр. 1373

الكلام على حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن سول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح]. هكذا قال النووي ﵀: إنه حديث صحيح، وقوله (رويناه في كتاب الحجة) الحجة هو: كتاب (الحجة على تارك المحجة) لـ أبي نصر الشافعي ﵀، وهو كتاب متداول معروف، وموضوعه في بيان العقائد على طريقة المحدثين. ومعنى قوله: (رويناه) أنه روى الكتاب عن مشايخه بسنده إلى المؤلف، وكل ما فيه يكون مروياً بهذه الطريقة، وهكذا الكتب التي يرويها العلماء بهذا المعنى، وهذا الحديث جعله النووي ﵀ في كتابه (الأربعون النووية) الذي اشترط أنه لا يدخل فيه إلا حديثاً صحيحاً. فجمع أربعين حديثاً يدور عليها دين الإسلام، ولكن الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث قال: تصحيحه بعيد جداً يعني: كون الحديث صحيحاً بعيد جداً من وجوه، ثم ذكر الوجوه التي فيها ضعفه وأن الحديث ضعيف فضعفه، ومعلوم أن العلماء تختلف أنظارهم في مثل هذا، فقد يصحح عالم من علماء الحديث، ويأتي غيره ويضعفه، وقد يكون العكس، وهذا حسب الاجتهاد. ولكن الحديث معناه صحيح؛ لأن القرآن دل على ذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] يعني: أنه لابد أن يكون المؤمن متبعاً أمر الله جل وعلا، ولابد أن يكون الاتباع ليس عن طريق المجاملة، أو طريق الموافقة بل لابد أن يكون عن طريق الاتباع والحب والإرادة وطلب الثواب والهرب من العذاب لابد أن يكون بهذا المعنى، وإلا فلا يفيد، ويقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فأخبر الرب جل وعلا أنه لا يحصل لأحدهم الإيمان حتى يحكم الرسول ﷺ في الشجار الذي يحصل بينه وبين غيره. ومن ذلك الشجار مع نفسه، كونه يكون عنده تردد أو شك أو ريب، فلابد أن يحكم كتاب الله الذي جاء به الرسول ﷺ ، ثم مجرد التحكيم لا يكفي في الإيمان بل لابد أن يسلم، والتسليم معناه: ألا تكون هناك منازعة، وألا يكون هناك طلب لحكم غير الرسول ﷺ . ثم أيضاً لابد من الرضا بهذا، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] يعني: ما يكون في نفسه ضيق من هذا، فيتمنى أن يكون الحكم على خلاف ما هو عليه، بل لابد أن يرضى به، وهذا معنى أن يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، فالرضا بأحكام الرسول ﷺ متعين، وهذا الحديث يتفق مع مثل هذه الآية والآيات في هذا كثيرة. قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب (الحجة على تارك المحجة) بإسناد صحيح، كما قاله المصنف ﵀ عن النووي. ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم والحافظ أبو نعيم في (الأربعين) التي شرط لها أن تكون من صحيح الأخبار، وشاهده في القرآن قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] ونحو هذه الآيات]. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] فكراهة ما أنزل الله جل وعلا محبطة للعمل، ومعنى ذلك أنه لابد من الرضا به، ويرتبط به ويصبح ارتباطه به أكثر من ارتباطه بكل شيء، ولابد من هذا، والآيات في هذا كثيرة. قال الشارح ﵀: [قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكون من أهل كمال الإيمان الواجب الذي وعد الله أهله عليه بدخول الجنة والنجاة من النار، وقد يكون في درجة أهل الإساءة والمعاصي من أهل الإسلام]. يعني أن الإيمان الذي يجب أن يكون كاملاً هو الإيمان الواجب على كل أحد، وهو الإيمان الذي يدعو الإنسان للانقياد لأمر الله، والانتهاء عن نهيه، ويكون راغباً في ذلك وراهباً، فهذا إذا كان بهذه المنزلة كان إيمانه كاملاً، فيصبح ليس عليه خوف فيما يستقبله، ولا يخاف أن يقع في العذاب. أما إذا انتقص مما وجب عليه من الإيمان الذي يقتضي فعل المأمور، وترك المحظور المنهي عنه المحرم انتقص من ذلك شيئاً فقد انتقص من الإيمان، أو انتقص من مقتضاه، ومقتضاه أنه يفعل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه فقد يرتكب منهياً عنه وقد يترك واجباً عليه، فيكون عاصياً بذلك، ويكون إيمانه ناقصاً؛ لأنه ترك الإيمان الواجب الكامل الذي ينجو به، ويأمن به من العذاب، ويبقى معه مطلق الإيمان الذي يجعله مسلماً ولا يخرج من دائرة الإسلام، ولكنه يكون من أهل الوعيد، أي: ممن يعرض للعذاب، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وقد يكون عذاب الدنيا غير كاف، فيعذب في الآخرة.

стр. 1374

الذنوب سبب للمصائب معلوم أن كل ما يصيب الإنسان من ألم وعذاب في حياته، وبعد موته هو من جراء فعله، وبسبب ذنوبه، وإلا فلو أطاع الله وأطاع رسوله ﷺ لم يصبه إلا ألم الموت ومرض الموت الذي لابد منه، والذي كتب عليه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]. ويقول جل وعلا في آية أخرى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف:٥٨]. وفي آية أخرى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] يعني: إذا أخذهم بذنوبهم ما بقي على الأرض حي إلا أهلكه، ولكن سعة حلمه وعدم تعجيله بالعقاب يبقيهم وإن كانوا يعصونه، بل ويعافيهم ويرزقهم. ولهذا ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ يجعلون له ولداً ويعافيهم ويرزقهم). يعني الكفار الذين ينسبون الولد لله جل وعلا، وهذا غاية المسبة وغاية التنقص لله جل وعلا، حيث جعلوه نظيرهم، تعالى الله وتقدس عن قول الظالمين والمشركين. والمقصود أن الإنسان لو أطاع الله الطاعة الواجبة عليه لسلم من المؤاخذات ومن تسليط العدو، ومن المصائب التي تصيبه، إلا أن مقتضى حكمة الله جل وعلا أن جعلهم يذنبون، ثم منهم من يتمادى في ذنوبه ويأتي العصيان كاملاً، ومنهم من يكون عنده شيء من الإيمان لا يخرج به عن كونه من جملة المؤمنين، ولكنه يكون معذباً بحسب ما ترك من الواجب وما فعل من المحرمات. وهذا هو مذهب أهل السنة، أن الإيمان يتفاوت بين الناس، فمنهم من يكون إيمانه كاملاً، ومنهم من يكون إيمانه ناقصاً، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، ولا يطلق الإيمان الكامل فيقال: (المؤمن فلان)، إلا لمن كمل في فعل الواجبات واجتنب فعل المنكرات مع ما قام بنفسه وفي قلبه من معرفة الله جل وعلا، وتعظيمه، وخوفه والذل له. وإذا انتقص من ذلك شيئاً فإنه ينقص من الإيمان الواجب الذي عليه فيكون إيمانه ناقصاً، ولا يجوز أن يطلق عليه الإيمان المطلق، بل يقال: مؤمن عاص، فلابد أن يقيد فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته ولهذا ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). ومعلوم أن الزاني والسارق لا يخرجان من دائرة الإيمان، ولكن الإيمان الذي نفي عنهما هو الإيمان الكامل أي: الواجب الذي يتعين عليه أن يفعله حتى يمتنع من ارتكاب المحرمات، فترك ذلك فترتب على ذلك أنه من أهل الوعيد، أي: ممن يستحق العذاب إلا أن يعفو الله جل وعلا عنه، ولكنه لا يخرج بفعله هذا عن مطلق الإيمان، ولا يخرج من دائرة الإيمان، بل يبقى معه إيمان يبقيه مسلماً، والإيمان يتجزأ فيكون الإنسان عنده جزء منه، وآخر عنده أكبر منه، والآخر يكون عنده إيمان كامل، وهكذا.

стр. 1375

ضلال أهل البدع في باب الإيمان أما أهل البدع فأنهم ما استطاعوا أن يستوعبوا هذا وقالوا: الشيء الذي يتجزأ إذا ذهب جزؤه ذهب كله، فإذاً إذا وقع شيء من مقتضيات الكفر يكون كافراً، مثل فعل الزنا والسرقة وشرب الخمر وغيرها، فجعلوه كافراً بارتكاب الكبيرة، وهؤلاء هم الخوارج الذين خرجوا عن الحق إلى الباطل، فأخرجوا المسلمين العصاة من الدين الإسلامي وجعلوهم كفرة، وحكموا عليهم بأنهم يجب أن يقتلوا وتسلب أموالهم، وإذا ماتوا كانوا في النار خالدين فيها، هذا هو مذهبهم الذي يعملون به. فصاروا يقتلون المسلمين ويدعون الكافرين، ولا يوجد أحد من الخوارج قاتل الكافرين، وإنما قاتلوا المسلمين، أما إخوانهم من أهل البدع كالمعتزلة فإنهم خالفوهم في التسمية. قالوا: لا نسميه كافراً، كما أننا لا نسميه مؤمناً أي: أن الإنسان إذا شرب الخمر فقد خرج من الإيمان ولكنه لم يدخل في الكفر، فصار بين الإيمان والكفر، وهذا شيء استحدثوه ولم يسبقوا إليه، وجعلوا هذا أصلاً من أصول دين الإسلام عندهم، فقالوا: الدين الإسلامي مبني على خمسة أركان هذا أحدها، وهو المنزلة بين المنزلتين، وهذه الأركان مخالفة لما جاء به الرسول ﷺ . أما بعد الموت فإنهم وافقوا إخوانهم الخوارج فقالوا: إذا مات فهو في النار خالداً فيها لا تنفعه شفاعة الشافعين. إذاً فما الفائدة من هذه التفرقة في الاسم وقد وافقوا الخوارج في الحكم في الآخرة، وخالفوهم في التسمية فقط، وكذلك الحكم عليه بأنه كافر في الدنيا، وهذا كله مخالف لما جاء به الرسول ﷺ ، وهو خروج عن الكتاب والسنة، وهذه الأقوال من الفساد بل من أعظم الفساد في الأرض. ولهذا ترتب على ذلك القتال والخلاف والمنابذة والمعاداة، بل وقعت حروب كلامية بين أهل السنة وبين هؤلاء من المعتزلة ومن نحا نحوهم، فأضعفت المسلمين، وذهبت بريحهم، وسلطت عليهم الأعداء، ولا يزالون في آثار ذلك من جراء هذا، فهذا من أعظم الفساد في الأرض، نسأل الله العافية.

стр. 1376

المعاصي تذهب كمال الإيمان الواجب قال الشارح ﵀: [قوله: (حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) الهوى -بالقصر- أي: ما يهواه وتحبه نفسه وتميل إليه. فإن كان الذي تحبه وتميل إليه نفسه ويعمل به تابعاً لما جاء به رسول الله ﷺ لا يخرج عنه إلى ما يخالفه فهذه صفة أهل الإيمان المطلق، وإن كان بخلاف ذلك. أو في بعض أحواله أو أكثرها انتفى عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث أبي هريرة ﵁: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). يعني أنه بالمعصية ينتفي كمال الإيمان الواجب، وينزل عنه إلى درجة الإسلام، وينقص إيمانه فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية، أو الفسوق، فيقال: مؤمن عاصٍ، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، فيكون معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، كما قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. والأدلة على ما عليه سلف الأمة وأئمتها أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ أكثر من أن تحصر. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، وقول النبي ﷺ لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله) الحديث وهو وفي الصحيحين والسنن]. بيان هذا: أن الإيمان مركب من أمور ثلاثة، وليس الإيمان جزءاً كما تزعمه المرجئة ومن نحا نحوهم من أهل البدع، وأنه مجرد التصديق أو القول وما أشبه ذلك، أو أنه إذا ذهب بعضه ذهب كله، فلا زيادة ولا نقصان، فهذا باطل، بنص كلام الله جل وعلا؛ فإنه أخبر جل وعلا أن المؤمنين ﴿إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] في آيات كثيرة متعددة. وهذا شأن أهل البدع يتركون النصوص الجلية الواضحة التي لا إشكال فيها، ويتعلقون بما يوافق أهواءهم من المتشابه، ويتركون الواضح، وقد حذرنا الله جل وعلا ورسوله منهم، فأخبر أنه أنزل الكتاب، وأن الكتاب يشتمل على آيات محكمات وأخر متشابهات، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧]، يعني: يتبعون المتشابه طالبين الفتنة التي وقعوا فيها وهي الانحراف، ثم يؤولونه ويحرفونه بالتأويل الذي يتفق مع مرادهم، ومن فعل ذلك لا يكون راضياً بما جاء به الرسول ﷺ ، بل يكون غير راض به، ويكون متبعاً لمراده وهواه. وهذا قد يكون خارجاً عن دين الإسلام -نسأل الله العافية-؛ لأنه لم يرض بحكم الله، ولم يتابع الرسول ﷺ ، فالإيمان يكون في القلب، ويكون في اللسان يكون بالعمل بالأعمال. أما القلب فلابد أن يعلم الإنسان يقيناً أن الله ربه وإلهه، وأنه لا يستحق العبادة غيره، وأن رسول الله ﷺ رسول الحق جاء من عند الله بالهدى، وأن ما جاء به هو الذي ينجي من اتبعه، ومن لم يتبعه فهو ضال وهالك.

стр. 1377

التلازم بين إيمان القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح والأركان وكذلك لابد أن يقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ فلابد أن يشهد بهذا، وهذا قول اللسان، وقد اتفق العلماء على أن الإنسان لو علم في قلبه، وأيقن في قلبه أن الله الإله الحق، وأنه هو القهار المتفرد في كل شيء، وأنه هو الذي يجب أن يعبد ولا يجوز أن يعبد غيره، وأن رسول الله ﷺ حق جاء بالرسالة من عند اللهـ لو علم الإنسان هذا يقيناً في قلبه، ولم ينطق بالشهادتين -شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله- ومات على ذلك فهو خالد في النار وكافر بالله جل وعلا وبرسوله، فلابد من النطق بالشهادتين، وهذا اتفق عليه العلماء وقد نقل إجماعهم النووي ﵀ وغيره. وكذلك اتفقوا على أن الإنسان لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، وكان هذا العلم يقيناً، ثم أحجم عن العمل فلم يصل، ولم يؤد الزكاة الواجبة عليه، ولم يصم، ولم يفعل الأفعال فإنه يكون كافراً وليس بمسلم، فإذاً لابد من اجتماع الأمور الثلاثة: أن يعلم في قلبه، ويوقن، وأن ينطق بلسانه بالشهادتين، وأن يعمل بجوارحه فيقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان، وهذا هو معنى قولهم: إن الإيمان مركب من أمور ثلاثة: من عقيدة القلب، ومن قول اللسان ونطقه، ومن عمل الأركان وعمل الجوارح من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها مما أوجبه الله جل وعلا. وكل هذه الوجوه إيمان، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وأنها تسمى إيماناً، ثم ذكر الدليل، والأدلة كثيرة جداً كما قال، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم والآية في نقل التوجه بالصلاة إلى الشام نحو بيت المقدس إلى مكة، فإن الرسول ﷺ لما كان في مكة كان يتجه إلى الشام، ويجعل الكعبة أمامه ويصلي، ولكن لما جاء إلى المدينة لا يمكنه أن يفعل ذلك، فكان يستدبر الكعبة ويستقبل الشام، فبقي على هذا ما يقرب من ستة عشرة شهراً، أو ثمانية عشر شهراً، وهو يرجو من ربه أن يصرفه إلى قبلة إبراهيم، ولكنه لم يفعل إلا ما أمره الله جل وعلا به، فنزلت آيات كثيرة، وفيها توطئة بأن لله المشرق والمغرب، وأن المتوجه أينما توجه فإنه ثم وجه لله، فأينما يمم بالصلاة فثم وجه الله. يعني أن الله جل وعلا محيط بكل شيء، ثم نزل التصريح: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، وأخبر أن اليهود يعرفون أن هذا هو الحق، وأنه جاء من عند الله؛ لأن عندهم في كتابهم أن قبلة هذا النبي هي قبلة إبراهيم الكعبة، ولما نزلت هذه الآية والآيات التي بعدها قال الصحابة للرسول ﷺ : كيف بصلاتنا التي صليناها إلى بيت المقدس؟ أي: هل بطلت؟ فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]. يعني: صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس فهذا واضح في أن الصلاة تسمى إيماناً، وكذلك الحديث الذي ذكر من حديث وفد عبد القيس، قال الرسول ﷺ : (آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وأن تؤتوا الخمس من المغنم) فذكر هذا الشيء، وهذا واضح جلي بأن القول والعمل داخل في الإيمان، والأدلة على هذا كثيرة جداً، والمخالف في هذا ليس عنده دليل إلا مجرد الأوهام، فالذي يذهب إليه أهل السنة أن الإيمان مركب من أمور ثلاثة: من العقيدة والعلم، ومن القول والنطق، والعمل، وأنه يزيد وينقص، فإذا عمل الإنسان وكثر عمله زاد إيمانه، والزيادة ليست في العمل فقط، فقد تكون الزيادة في اليقين، فقد يكون الإنسان في وقت أكثر يقيناً منه في وقت آخر، وكذلك القول قد يكون القول مطابقاً لما في القلب ومطابقاً لما في الواقع، وقد يكون مجرد قول قاله ولم يعرف معناه، ومعلوم أن مثل هذا يتفاوت، وكذلك الأعمال تتفاوت، فالزيادة والنقص في الجميع، في العلم وفي القول وفي العمل.

стр. 1378

زيادة الإيمان ونقصانه وزيادة الإيمان جاءت في كتاب الله في مواضع كثيرة صريحة، وأن كل ما أنزل الله جل وعلا شيئاً ازداد الذين آمنوا إيماناً، ولكن النقص هل جاء صريحاً؟ الواقع أنه جاء شبه الصريح، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ومعلوم أن الذي كمل كان قبل الكمال ناقصاً، ولهذا استدل البخاري ﵀ في صحيحه بهذه الآية على نقصان الإيمان وأنه ينقص، ولا يلزم من هذا أن الصحابة الذين كانوا قبل نزول هذه الآية كانوا ناقصي الإيمان؛ لأنهم آمنوا بما وجب عليهم. ولأن نفس الدين الذي هو الإيمان ما كمل، ومعلوم أن الذي يأخذه كله ليس كالذي يأخذ بعضه، وكذلك قول الرسول ﷺ الذي في الصحيح وهو يخاطب النساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) خاطبهن بأنهن ناقصات عقل ودين، وكذلك في الحديث الآخر لما خطب النساء صلوات الله وسلامه عليه وأمرهن بالصدقة قال: (إني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة وقالت: لماذا نحن أكثر أهل النار؟ فقال: لأنكن ناقصات عقل ودين، أما نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان الدين فإن إحداكن تبقى شطر الدهر لا تصلي) يعني: زمن العادة. وإن كان هذا بغير اختيارها، ولكن هذا دليل على أن الذي يعمل أكثر يكون إيمانه أكمل، فهو دليل على نقصان الدين، وإلا فليس واجباً عليها أن تصلي في وقت العادة. فالمقصود أن هذا نقص من الإيمان؛ لأن كل ما قبل الزيادة فهو يقبل النقص، فكل شيء يقبل الزيادة بمقتضى العقل فإنه يقبل النقص. فالأدلة التي تدل على زيادة الإيمان هي دليل على نقصانه، فيكون الذي لم يزدد إيماناً يكون ناقصاً.

стр. 1379

ذكر بعض الأدلة على زيادة الإيمان قال الشارح ﵀: [والدليل على أن الإيمان يزيد قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] خلافاً لمن قال: إن الإيمان هو القول -وهم المرجئة-، ولمن قال: إن الإيمان هو التصديق، كالأشاعرة. ومن المعلوم عقلاً وشرعاً أن نية الحق تصديق، والعمل به تصديق، وقول العقل تصديق، وليس مع أهل البدع ما ينافي قول أهل السنة والجماعة، ولله الحمد والمنة. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة:١٧٧] أي: فيما عملوا به في هذه الآية من الأعمال الظاهرة والباطنة، وشاهده في كلام العرب قولهم: حملة صادقة]. يعني أن هذه الأمور المذكورة في الآية كلها إيمان، والبر والتقوى والإحسان والإيمان كلها مترادفة، فبعضها يدل على بعض، وقوله: (لَيْسَ الْبِرَّ) يعني: الإيمان، (أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إلى آخر الآيات، فجعل المجموع هو البر. وكذلك قال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى آخر الآية. والآيات في هذا كثيرة، وكلها تجعل الأعمال إيماناً، ولم يأتِ في كتاب الله -في الغالب الكثير- ذكر الإيمان أو ذكر (الذين آمنوا) إلا ويقرن بالعمل الصالح لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]، فلابد من التصديق، وإذا قيل: إن التصديق هو الإيمان فلابد من العمل معه، فمجرد التصديق لا يكفي ولا يفي، ولا يجعل مجرد التصديق الإنسان مؤمناً. والأشاعرة ونحوهم الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق استدلوا بقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] يعني: بمصدق قولنا. فقالوا: دلت الآية على أن الإيمان هو التصديق، ولكن لو قدر أن هذا صحيح وسلم لهم أن التصديق يسمى إيماناً فيقال: إن كان هذا الإيمان في اللغة فليس هذا هو الإيمان الشرعي الذي جاء به الرسول ﷺ ، فإنه جاء بوجوب القول ووجوب العمل، وهو كله إيمان، والأمر في هذا لا إشكال فيه، ولكن إذا كان الإنسان له هوى أو كان مقيداً بمذهب معين لا يريد الخروج عنه فإن هذا هو الذي يمنعه من اتباع الحق، فيجعل ذلك عقبات أمامه.

стр. 1380

وجوب محبة الله جل وعلا ومحبة شرعه، وبغض ما نهى عنه قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقد سمى الله تعالى الهوى المخالف لما جاء به الرسول ﷺ إلهاً فقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] قال بعض المفسرين: لا يهوى شيئاً إلا ركبه. قال ابن رجب ﵀: أما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أُمر به، ويكره ما نُهي عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كره الله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]. فالواجب على كل مؤمنٍ أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما أوجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما نُدب إليه منه كان ذلك فضلاً، وأن يكره ما يكره الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكرهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهاً كان ذلك فضلاً. فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحب الله ورسوله، ويكره ما يكره الله ورسوله، فيرضى بما يرضى به الله ورسوله ويسخط ما يسخط الله ورسوله، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله وترك ما يحب الله ورسوله، مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة التي هي ركن العبادة إذا كملت، فجميع المعاصي تنشأ عن تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله]. محبة الله جل وعلا هي عبادته، ومحبته هي محبة ذل وخضوع واستكانة وتعظيم، وهذا لا يجوز أن يكون لمخلوق؛ لأن هذا هو التأله الذي بنيت عليه العبادة، وأنه هو إله الخلق، وهنا إذا كملت المحبة هذه وتمت صار يحب أمره، ويحب أن يبتعد عن نهيه، وكل ما أحبه الله جل وعلا من العباد الذين يعبدون الله ويحبونه يحبهم من أجل الله، ويحبهم في الله. وكذلك من خالف ذلك فهو يبغضه لله، وبهذا تكمل العبادة، وليس هذا من الأمور التي تكون مستحبه إذا فعلها الإنسان أثيب على فعلها وإن لم يفعلها لم يعاقب، بل هذا أمر لازم لابد منه، فلابد أن يحب الله جل وعلا ويحب رسوله ﷺ ؛ لأن محبته من محبة الله جل وعلا، فيحبه لأن الله أحبه، وأمر بمحبته، ولأنه هو الذي جاء ببيان وجوب محبة الله جل وعلا ودل عليه. وكذلك عباد الله الذين يحبهم الله من الملائكة والرسل وبني آدم، وفي مقابل ذلك يبغض من يبغضهم الله ورسوله، لهذا يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] فمن عادى أولياء الله فإنه يعادي الله جل وعلا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (من عادى لي ولياءً فقد آذنته بالحرب) أي: بالمحاربة ومن الذي يقوم لمحاربة الله جل وعلا. والمقصود: أن الذي يُحب للذل والخضوع ويُحب لذاته هو الله جل وعلا وحده، أما المخلوقات فتحب للصفات التي فيها، فالمخلوق يُحب لما يتصف به من محبة الله وطاعته فقط، ولا يحب لأنه لحم ودم ولأنه على هذا الشكل، وإنما يُحب لما يتصف به، وإنما الذي يُحب لذاته هو الله وحده، ولا يشاركه في ذلك شيء، فيجب أن يُحب الحب الذي يكون خاصاً به، ولا يُشارك في حبه نبي ولا ولي؛ فإن حبه حب عبادة، أما حب العباد فهو حب لأنهم يحبون الله ويقومون بأمره، ويجتنبون نهيه، فهو حب لله وفي الله، فكل مخلوق إذا كان يُحب الله ويقوم بأمره فهو يُحب لله وفي الله، ولا يحب لذاته، وإنما الذي يحب لذاته هو الله وحده فقط. وفي هذا الحديث يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) يعني: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به، هنا نفى الإيمان، والإيمان المنفي هنا ليس هو الإيمان من أصله؛ لأن هذا يوجد في أهل المعاصي الذين يرتكبون المعاصي ويحبون المعصية، ولولا أنهم يحبون المعصية ما ارتكبوها، وكذلك منهم من يكره نوعاً من الكراهة فعل الطاعة وتثقل عليه، ومع ذلك لا يكون بهذا خارجاً من الدين الإسلامي، بل عنده شيء من الإيمان يصح به إسلامه؛ لأنه يؤمن بالله أنه هو الذي خلقه، وهو الذي إليه مصيره، وهو الذي كلفه بالعبادة، ولكنه يتساهل، فمثل هذا ناقص الإيمان، وقد ترك من الإيمان ما هو واجب عليه، فيعاقب على تركه إن لم يتب من ذلك ويرجع إلى ربه عوقب على هذا الترك، وإنما يستكمل الإنسان الإيمان إذا كان يحب الطاعات، وتكون هذه موافقة لما في نفسه، فلا يكون عنده تضجر ولا إباء، ولا عنده أيضاً تردد في ذلك أو كرهيه له، بل يرى أن الطاعة فيها سعادته، بل هي أحب إليه من الأكل والشرب، ويكون فيها قرة عينه، فإذا كان كذلك فقد استكمل الإيمان، كما قال الرسول ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فقرة عينه صلوات الله وسلامه عليه كانت في الصلاة، والذي يكون له نصيب من اتباعه لابد أن يرث شيئاً من ذلك، والإنسان قد يكون مستقلاً وقد يكون مستكثراً. وكذلك يكون كارهاً ومبغضاً لما نهى الله عنه من المعاصي، وتزداد الكراهة كلما عظمت المعصية، حتى إذا وصل الأمر إلى الكفر يود أنه تُمزق أشلاؤه ويُحرق في النار ولا يدخل في الكفر، فإذا كان كذلك فإن هذا من تمام الإيمان ومن كماله الواجب الذي يجب أن يفعله الإنسان، وإذا رأيت الإنسان يرتكب المعاصي ويتهاون بالطاعات والأوامر فهو ناقص الإيمان، وليس عنده الإيمان الذي يجب أن يحمله على الفعل أو الترك، ولهذا جاء في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن). فقوله: (وهو مؤمن) هنا الواو حالية، يعني: حالة كونه يفعل هذه الأفعال يكون ليس مؤمناً. وليس معنى هذا أنه يكون كافراً، لا، ولكن ليس عنده الإيمان الكامل الذي يمنعه من ارتكاب هذه الجرائم؛ لأن الإيمان الكامل يمنع الإنسان أن يفعل هذه الأفعال، فإذا نقص إيمانه صح أن ينفى عنه الإيمان، فإذا ذهب ركن أو جزء من الإيمان الواجب صح أن ينفى عنه، كما يقال: لا صلاة لمن لم يتوضأ، فيصح هنا نفي الصلاة، وكذلك: لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة؛ لأن إقامة الصلب ركن من إقامة الصلاة، فهذا هو المذهب الذي عليه أهل السنة، خلافاً للخوارج الذين يأخذون بظاهر مثل هذه النصوص، ويطبقونها على المسلمين، ويجعلونهم كفاراً خارجين من الدين الإسلامي، وهذا ضلال ظاهر؛ فإن الرسول ﷺ لما زنت المرأة رجمها وصلى عليها. وكذلك لما شتم إنسان أو سب شارب الخمر نهاه عن ذلك وقال: (إنه يحب الله ورسوله)، والله جل وعلا يقول في القاتل الذي يقتل مسلماً: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسماه أخاً، يعني أن القاتل أخ للمقتول، وهذه الأخوة ليست أخوة النسب، وإنما هي أخوة في الإيمان. والنصوص في هذا كثيرة، ومعلوم أن أقوال الله جل وعلا وأخبار الرسول ﷺ وأقواله لا تتضارب، ولا يناقض بعضها بعضاً، بل يجب أن يجمع بينها، وأن يصدق بعضها بعضاً، كما فعله أهل السنة، خلافاً للخوارج والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع.

стр. 1381

وجوب بغض المشركين وتحريم موالاتهم قال الشارح ﵀: [وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، ويجب على المؤمن محبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموماً، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحب إلا لله، فتحرم موالاة أعداء الله ومن يكرههم الله عموماً، وبهذا يكون الدين كله لله، ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصاً في إيمانه الواجب، فتجب التوبة من ذلك. انتهى ملخصاً]. بغض أعداء الله من واجبات الإيمان، وليس بغضهم فقط هو بغض في النفس، بل بغضهم ومعاداتهم وإظهار ذلك لهم لابد منه، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]. ويقول جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]. وفي آيات كثيرة جداً ينهى الله عن موالاتهم، وعن مودتهم وعن توليهم، بل نهى عن الركون إليهم، وأن من ركن إليهم تمسه النار ولو قليلاً، بل نهى رسوله ﷺ عن الركون إلى ذلك وتوعد عليه، وهذا أمر من لوازم الدين الإسلامي. وكذلك المبادأة لهم بالعداوة، كما قال الله جل وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه﴾ [الممتحنة:٤]. وهل المراد هنا أنهم صارحوا قومهم وواجهوهم بالقول وأظهروه لهم، أو أنهم قالوا: (نبغضكم) في نفوسهم ويكفي، وقالوا: لسنا مكلفين بأن نواجههم؟ الجواب الإنسان المسلم مكلف بأن يظهر أنه عدو للكافر، وأنه عدو لعدو الله جل وعلا، ويبغضه في الله جل وعلا، ولا يتم الدين الإسلامي إلا بهذا، فإن الله جل وعلا جعل الإسلام مبنياً على تأله الله، وفعل الطاعة، وموالاة المؤمنين، وأخبر أنه إن لم يكن هذا حصل الفساد العريض والكبير في الأرض، ولما ختم سورة الأنفال بأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]. فكذلك يحرم كون الإنسان يكون مكثراً لسوادهم أو يبيت معهم، كما قال الرسول ﷺ : (أنا بريء من مسلم بات بين ظهراني المشركين)، ثم قال: (لا تتراءى ناراهما) يعني: نار المسلم ونار المشرك في القتال إلا في سبيل الله، أي: إذا كان يواجهه بالقتال.

стр. 1382

الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق قال الشارح ﵀: [ومناسبة الحديث للترجمة بيان الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق والمعاصي في أقولهم وأفعالهم وإراداتهم]. يعني: أن الترجمة هي: باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]. يعني أن طاعة الله ومحبته علامة المؤمنين، وطاعة الطاغوت واتباعه علامة النفاق والكفر، ومن الطاغوت الهوى، فإنه من المعبودات من دون الله، كما قال جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، فجعل الهوى إلهاً، يقول المفسرون: معناها: أنه إذا هوي شيئاً أو اشتهى شيئاً فعله بغير مبالاة أنه معصية.

стр. 1383

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٢] الواجب على كل مؤمن أن يحب ما يحبه الله ورسوله، وأن يبغض ما يبغضه الله ورسوله، وأن يوالي من والاه الله ورسوله، ويعادي من عاداه الله ورسوله: كالمنافقين واليهود والنصارى، فإن خبثهم ودسائسهم على الإسلام والمسلمين معروفة على مر التاريخ.

стр. 1384

بيان خبث المنافقين واليهود ونقضهم للعهود قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومه، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً من جهينة، فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] الآية. وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر ﵁، فذكر له أحدهما القصة فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله]. هذا الأثر مشهور ذكره المفسرون في تفسيرهم في بيان سبب النزول، ومن المعلوم المتقرر عند العلماء أنه لا يُعتبر بسبب النزول، وإنما العبرة بعموم اللفظ، أي: أن اللفظ يكون عاماً للأمة كلها من أولها إلى آخرها، وإن كانت الآية نزلت في رجل أو رجلين أو جماعة، فإن هذا لا يُقصر عليهم، وإنما كل من فعل فعلاً يدخل تحت هذا العموم فهو داخل في ذلك، وكون اليهود يعرفون أن الرسول ﷺ يقضي بالحق ويقوله هذا أمر يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولهذا كانوا يتحاكمون إليه؛ لأنهم يعلمون أنه يقول الحق ويحكم به، ولكن المنافق هو الذي يأبى هذا، والمنافقون هم الذين يأبون ذلك لأنهم نفعيون يريدون أن تحصلوا على ما ينفع نفوسهم وعلى الأمور العاجلة، ويبذلون في سبيل ذلك الرشاوي وغيرها حتى يحصل لهم مرادهم، أما أهل الحق فلا يُقبل ذلك عندهم. وكذلك إذا كان التحاكم إلى الطاغوت وإلى الكهنة فهو داخل في هذا، فلما أرادا التحاكم إلى كاهن في جهينة كان أيضاً داخلاً فيه، ومن ذلك أيضاً التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ لأنه من الطواغيت، وقد عرف بمعاداته لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، وانتقض عهده في ذلك، وأمر الرسول ﷺ بقتله، فإنه لما جاء البشير من وقعة بدر بأن النصر وقع للرسول ﷺ وللصحابة، وأن صناديد قريش قد قتلوا، وأنه أُسر منهم من أُسر طار عقله وصار يقول: أحق هذا؟ لئن كان هذا حقاً لبطن الأرض خير من ظهرها، ثم لما تأكد ذلك اغتم غماً شديداً، وذهب إلى قريش وصار يؤلبهم، وكان شاعراً، فجعل يقول الشعر يحضهم على قتال رسول الله ﷺ ، ويرثي قتلاهم، ويخبرهم بأنهم خير من محمد ﷺ ، وأن دينهم أفضل، وببعض هذا ينتقض عهده. ثم العجيب أنه لما نزل على امرأة من قريش جعل رحله عندها وصار يتكلم بمثل هذا الكلام، فأخبر الرسول ﷺ حسان بن ثابت وقال له: إنه نزل عند فلانة. فقال حسان فيها شعراً، فلما بلغها ذلك أخذت رحله ورمته، وقالت: هذا يهودي يهجونا حسان بسببه. ثم كلما نزل عند قوم أرسل إليهم حسان أشعاراً يهجوهم بها، حتى تبرءوا منه وطردوه، فجاء إلى المدينة، فصار يقول الأشعار، ويشبب بنساء المسلمين، ويهجو رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: من لي بـ كعب بن الأشرف فقد آذى الله وآذى رسوله؟ فقال له محمد بن مسلمة: أنا له، أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، فقال: ائذن لي أن أقول، فقال: قل، فذهب إليه هو وجماعة من إخوانه، فأروه بأنهم كرهوا ما عليه الرسول ﷺ ، فقالوا له: أمرنا هذا الرجل بالصدقة، واحتجنا وجئنا إليك لتسلفنا أو تبيعنا إلى أجل، وقد عنانا فلما سمع مثل هذه الكلمة فرح وقال: أجل، والله! لتملنه، فقالوا: إنا نكره أن نتركه حتى نرى ماذا يصير إليه، ولكن نريد أن تعطينا ونرهنك رهينة، قال: ماذا ترهنوني؟ ارهنوني أبناءكم، فقالوا: تعيرهم العرب، فيقال لأحدهم: رهن بكذا من الطعام، فقال: ارهنوني نساءكم، فقالوا: هذا عار علينا، وأنت أجمل العرب، ولا يمكن أن نرهنك نساءنا فيفتن بك، ولكن نرهنك السلاح، فقال: نعم، فوعدوه أن يأتوا إليه، ويأتوا أيضاً بغيرهم. فجاءوه ليلاً، وكان مع زوجته في حصنه، فدعاه محمد بن مسلمة وهو عند زوجته، فقام فأمسكت ثوبه فقالت: والله إني لأسمع صوتاً كأن الدم يقطر منه، فقال: دعيني؛ فإن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب، هذا محمد بن مسلمة ورضيعه أبو نائلة، فكان محمد بن مسلمة قد اتفق معهم فقال: إذا نزل سوف أمسك رأسه ثم عليكم به، فلما نزل قال له محمد بن مسلمة: ما رأيت كالليلة طيباً أحسن منك، فقال: أجل! فعندي أعطر نساء العرب، فقال: أتأذن لي أن أشم؟ فقال: نعم، فأخذ رأسه فشمه ثم أرسله ليأمن، ثم قال: أتأذن لي أن أعود قال: نعم، فأمسك رأسه وقال: دونكم الخبيث، فضربوه حتى قتلوه. فأتوا إلى رسول ﷺ وأخبروه بذلك. فالمقصود أنه انتقض عهده لكونه صار يسب رسول الله ﷺ ، وكذلك يهجوه ويهجو المسلمين، ولهذا أخذ العلماء من هذه القصة أن كل من سب الرسول ﷺ يجب أن يقتل سواء أكان له عهد أم ليس له عهد. قال رجل عند علي بن أبي طالب ﵁: لم يكن قتل كعب بن الأشرف إلا خديعة -أو قال: خيانة- فأمر به فقتل؛ لأنه قتل بأمر رسول الله ﷺ وليس ذلك خديعة ولا خيانة، وإنما لأنه خبيث صار يسب رسول الله ﷺ ويهجو المسلمين، وكذلك يشبب بنسائهم، والمعاهدة التي وقعت بين الرسول ﷺ وبين اليهود على المناصرة على كل من قصد المدينة، فإذا فعلوا شيئاً مما يخلف ذلك ينتقض عهدهم. وهذه الواقعة كانت في السنة الثالثة من الهجرة، وقتله كان في ربيع الثاني في ليلة أربع عشرة منه كما ذكره المؤرخون وأهل السير، وقد فرح الرسول ﷺ بذلك، والصحابة كانوا يتسابقون على قتل من يؤذي رسول الله ﷺ كما هو معروف، وكما ذكر قصصهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (الصارم المسلول على من سب الرسول ﷺ .

стр. 1385

ترجمة الشعبي قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: وقال الشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي عالم أهل زمانه، وكان حافظاً علامة ذا فنون، كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، وأدرك خلقاً كثيراً من الصحابة، وعاش بضعاً وثمانين سنة. قاله الذهبي]. وكان رحمه الله تعالى من نوادر الحفاظ، ما يسمع شيئاً إلا حفظه، حتى إنه كان إذا دخل السوق يضع في أذنيه كرسفاً -أي: قطناً- ويقول: حتى لا أسمع أقوال الناس فأحفظها؛ لأنه كان كلما سمع شيئاً حفظه، ولهذا لم يكن يكتب، ولا يحتاج إلى الكتابة؛ لأنه كان يستمع الشيء فيحفظه، وهذا من النوادر التي يقل وجودها في الناس، أي: الحافظة الخارقة، وله نظراء من الحفاظ المعروفين.

стр. 1386

بيان صفات المنافقين، وأنهم أخبث من اليهود والنصارى قال الشارح ﵀: [وفي ما قاله الشعبي ما يبين أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، ويكون أشد عداوة منهم لأهل الإيمان، كما هو الواقع في هذه الأزمان وقبلها من إعانة المنافقين العدو على المسلمين، وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان]. المنافقون في هذه الأزمنة والأزمنة الآتية والموجودة والماضية هم العدو، كما سماهم الله جل وعلا العدو فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. والنفاق: هو إبطان الكفر وإظهار الوفاق؛ أي: أنه مع المسلمين، ثم هو يعمل على اجتثاث الإسلام وإبطاله وإذلال أهله، ويكون مع الكفار في كل مناسبة وفرصة، وهم كثيرون وأنواع، والله جل وعلا جلى صفاتهم في سورة (براءة) فكثيراً ما يقول: (ومنهم) فيصفهم بأن منهم كذا، ومنهم كذا حتى افتضحوا، وكذلك في سورة (المنافقون)، كما يقول جل وعلا فيها: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) يعني: لهم مناظر جميلة وحسنة وثياب نظيفة وأبهات ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني: أنهم عندهم فصاحة وبلاغة يلفتون النظر والأسماع إلى ما يقولون، يقول جل وعلا: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. ومن علامة ذلك أنهم لا يبالون بالشيء الذي يفعلونه، وأنهم يرون المعاصي -كما يقولون-: حرية، وأن الإنسان حر يفعل ما يشاء، وأنها مباحة لا بأس بفعلها، بل يتنقصون الإنسان إذا نهاهم عن ذلك، ويقولون: أنت لم تطلع على ما عليه المدنية وما عليه الناس، ولا تزال متحجراً. وأوصافهم كثيرة جداً، وينبغي للإنسان أن يعرفهم؛ لأنهم لا يخلو منهم مكان، نسأل الله السلامة والمعافاة من ذلك، ومع ذلك الإنسان قد يكون عنده صفة من هذه الصفات، وقد يخفى عليه ذلك؛ لأن صفات النفاق مثلما قال الرسول ﷺ : (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)، فهذه أمور ظاهرة، فمن اتصف بشيء منها فعنده شيء من النفاق العملي الظاهر، وهناك شيء باطن لا يظهر يكون في القلب، ولكن العمل يكون دليلاً عليه، وهو بغض الحق وبغض أهله، وهذا من أعظم الصفات، إذا كان الإنسان مبغضاً للحق ومبغضاً لأهل الحق، ومحباً للباطل ومحباً لأهل الباطل، فهذا من أعظم صفات النفاق الاعتقادي الذي يكون صاحبه خالداً في جهنم، بل يكون في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار، نسأل الله العافية.

стр. 1387

قتل المنافق المغموس في النفاق قال الشارح ﵀: [ومن تدبر ما في التاريخ وما وقع منهم من الوقائع عرف أن هذا حال المنافقين قديماً وحديثاً، وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعتهم والقرب منهم، وحضهم على جهاد في مواضع من كتابه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، وفي قصة عمر ﵁ وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق. وكان كعب بن الأشرف هذا شديد العداوة للنبي ﷺ والأذى له والإظهار لعداوته، فانتقض به عهده وحل به قتله، وروى مسلم في صحيحه عن عمرو قال سمعت جابراً يقول: قال رسول الله ﷺ : (من لـ كعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله، قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: ائذن لي فلأقل، قال: قل)، فأتاه وقال له وذكر ما بينهم، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضاً والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم، قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟! قال: ترهنوني أولادكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة -يعني: السلاح- قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بـ الحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، قال: فجاءوا ليلاً فدعوه فنزل إليهم، قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني اسمع صوتاً كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل وهو متوشح قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم، فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه). وفي قصة عمر ﵁ بيان أن المنافق المغموس بالنفاق إذا أظهر نفاقه قتل، كما في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ إنما ترك من أظهر نفاقه منهم تأليفاً للناس؛ فإنه قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فصلوات الله وسلامه عليه]. معنى قوله: [المغموس بالنفاق]: المتهم الذي يظن أنه منافق، وليس معنى المغموس الذي غاص فيه وعلم؛ فإن هذا أمره ظاهر، ولكن المتهم في النفاق إذا أظهر نفاقه وظهر وبان فإنه يقتل.

стр. 1388

فوائد ومسائل الباب

стр. 1389

فهم قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا) يعين على فهم معنى الطاغوت قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء، وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت]. قوله: [ما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت] يعني: أنه جل وعلا قال فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] يعني: أن هؤلاء ذهبوا إلى إما إلى كعب أو إلى الكاهن، وهذا هو الطاغوت، فإذاً: يكون التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ طاغوتاً أياً كان المتحاكم إليه، والآية يجب أن تفهم على ما أرادها ربنا جل وعلا، يقول: وهذا مما يعين على فهمها. يعني: هذه القصة وسبب النزول، ومعلوم أن سبب النزول يعين على فهم الكلام، ولهذا يقول العلماء: المفسر يجب عليه أن يعرف ويعتني بأسباب النزول.

стр. 1390

معنى قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال المصنف ﵀: [الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] الآية]. هذه الآية أيضاً في المنافقين؛ لأن سورة البقرة قسمت الناس في أولها إلى ثلاثة أقسام: المؤمنون الذين: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٤] ثم ثلاث آيات ذكرت في المؤمنين، ثم بعد ذلك ذكر الله الكافرين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، فهذه في الكافرين. ثم ذكر المنافقين فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:٨ - ١٠] يعني: مرض النفاق ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١٠ - ١١]. يعني: إذا قيل لهم: لا تفعلوا هذه الأفعال التي تفعلونها فإنها فساد في الأرض وطاعة الكفار، وكذلك هي من موالاة الكفار، ومن محبتهم وبغض المؤمنين وبغض الحق وأهله، قالوا: إنما نحن مصلحون، يعني: يقصدون أنهم يصلحون الأوضاع والسياسات، فيقولون: نحن نجاري هؤلاء وهؤلاء، وبذلك تصلح أحوالنا وتصلح أوضاعنا، وتكون هذه في زعمهم سياسة وعقلانية، فجعلوا ذلك صلاحاً. فأخبر الله جل وعلا أنه فساد في الأرض؛ لأن كون الإنسان يكون مع المؤمنين في الظاهر ومع الكافرين في الباطن هذا من أعظم الإفساد. ثم كل معصية يُعصى الله جل وعلا بها فهي فساد، والمعاصي لا تكون إلا على الأرض، أما السماء فالذي في السماء خلقهم الله جل وعلا لطاعته، فهم لا يعصون ما أمرهم الله جل وعلا به، ولكن الفساد إنما يكون في الأرض في برها وبحرها، ويكون الفساد فيها بالمعاصي. فإذاً قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] بمعنى: لا تعصوا ولا تخالفوا أمر الله، ولا تخالفوا أمر رسوله ﷺ .

стр. 1391

معنى قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) قال المصنف ﵀: [الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]]. يعني أنها مثل آية البقرة، إلا أن آية الأعراف أعم؛ لأن آية البقرة في المنافقين، وأما تلك فهي عامة، بل جاءت في خطاب المؤمنين، فإن الله جل وعلا يقول فيها: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٦]. فهي عامة، والخطاب فيها للمؤمنين، فتبين بذلك أن كل معصية يُعصى الله بها جل وعلا بها فهي فساد في الأرض، والصلاح في الأرض يكون بالأنبياء؛ لأن الأنبياء هم الذين يأتون بصلاح الأرض، وهم الذين يأمرون بالطاعة ويدلون عليها ويزينونها ويذكرون وعد الله عليها، ويكونون أدلاء على الله، والذين يعبدون الله جل وعلا إنما هم بسببهم، وكل خلاف يقع لهم فهو فساد في الأرض.

стр. 1392

معنى قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]]. معروف أن الجاهلية -كما سبق- هي كل ما خالف الإسلام، فكل ما خالف الإسلام فهو جاهلية، سواء أكان قديماً أم حديثاً، فمن طلب حكم الجاهلية فمعناه أنه ترك حكم الله ورغب عنه، فالذي يرغب عن حكم الله ويتركه فإنه يطلب حكم الجاهلية، وحكم الله هو الأحسن، وهو العدل الصواب، ولكن لمن كان يوقن ويؤمن بالله ويخافه، أما الذي يكون في قلبه مرض فإنه يرى أنه ليس حسناً.

стр. 1393

معنى الإيمان الصادق قال المصنف رحمه الله تعالى: [الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب]. الإيمان الصادق هو في الذي يكون صاحبه مطيعاً لله جل وعلا، ويكون في قوله صادقاً، وليس الذي يكون عاصياً ويكون في قوله كاذباً، فإذا أخفى في قلبه شيئاً خلاف العمل الذي يعمله فإنه يكون كاذباً؛ لأن الصدق هو مطابقة الشيء في الواقع، والكذب أن يختلف عن الواقع.

стр. 1394

من كان هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ فقد حقق الإيمان الكامل قال المصنف رحمه الله تعالى: [السابعة: قصة عمر مع المنافق. الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون تبعاً لما جاء به رسول الله ﷺ ]. المقصود بالإيمان هنا الإيمان الواجب، وليس المقصود أصل الإيمان؛ فإن أصل الإيمان يوجد عند من تكون هذه صفته، ولا يكون بذلك خارجاً من الدين الإسلامي، ولكن يكون من أهل الوعيد، من الذين يجوز أن يعذبوا إن لم يعف الله جل وعلا عنهم.

стр. 1395

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٣] أساس الإيمان بالله جل وعلا هو معرفة أسمائه وصفاته، فمن عرف أسماء الله وصفاته فقد عرف الله ربه، ومن جحدها وقع في الكفر والعياذ بالله، وهذا ما وقع فيه كثير من المشركين، فالواجب أن نعرف الله بأسمائه وصفاته، ونؤمن بها من غير جحود أو تأويل.

стр. 1396

حكم من جحد شيئاً من الأسماء والصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات. وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠]]. قوله: [باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات] يعني: ما حكمه؟ وهل يكون مسلماً أو كافراً؟ والأسماء المقصود بها أسماء الله جل وعلا وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، أي: بعد ثبوتها وورودها في النص، فالذي يجحدها يكون قد وقع في الكفر؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، وسبب النزول كما ذكر المفسرون أن الرسول ﷺ لما صالح كفار قريش يوم الحديبية أمر علي بن أبي طالب ﵁ بكتابة الصلح، فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال مفوضهم سهيل بن عمرو: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ما نعرف الرحمان إلا رحمان اليمامة -يقصد بذلك مسيلمة الكذاب لعنه الله، فإنه كان يسمي نفسه رحماناً-، ولكن اكتب كما كنا نكتب: (باسمك اللهم)؛ لأن أهل الجاهلية هكذا كانوا يكتبون، فقال له أصحابه ﵃: نقاتلهم؟ فقال: لا. أكتب (باسمك اللهم)، ثم لما كتب (باسمك اللهم) قال: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله قريشاً. فقال: لا. لئن كنت رسولاً لله وصددناك عن البيت فقد ظلمناك، -أو لقد ظلمنا-، ولكن أكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً، فقال الصحابة: نقاتلهم؟ قال: لا، الله يعلم أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله فكتب كما أرادوا، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] يعني: ينكرون هذا الاسم، وقيل أيضاً في سبب النزول غير هذا، وقد ذكر المفسرون أن الرسول ﷺ كان يصلي عند الكعبة ويدعو فيقول: يا الله يا رحمن! فسمعه أبو جهل أو غيره فقال: يدعونا إلى أن نعبد إلهاً واحد وهو يدعو إلهين يقول: يا الله يا رحمن! فنزلت هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد:٣٠] ونزل قوله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]. وجاء قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٦٠] هنا الاستفهام استفهام إنكار ((وما الرحمن)) والإنكار هذا إنكار جحود، وهو كفر، وهذا الإنكار هو في طائفة منهم فقط، وإلا فقد وردت أشعار من أشعار الجاهلية فيها ذكر الرحمن والإقرار به وتسميته سبحانه به. فإذاً يكون هذا إما من باب العناد؛ لأنهم ما كانوا يكتبونه، أو يكون أنكره طائفة منهم فقط، وغيرهم لا ينكره بل يقر به. ومن المعلوم أن كفرهم أنواع، ولكن أعظمه في العبادة، أي: في كونهم يجعلون وسائط بينهم وبين الله جل وعلا يدعونها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ومعنى (أنها تقربهم إلى الله زلفى) كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: ليشفعوا لهم، فإنهم يقولون: إنا ندعوهم ونتقرب إليهم ونطوف عليهم ونجلس عندهم لأجل أن يشفعوا لنا، كما يقول ذلك عباد القبور اليوم، فإنهم يذهبون ويستنجدون بالموتى ويطلبون منهم تفريج الكربات وإزالة الملمات وإغاثة اللهفات، بل يطلبون أعظم مما كان يطلبه كفار قريش وغيرهم من العرب، يطلبون منهم رفع الدرجات في الجنات، وهم أموات رميم قد أكل الدود لحومهم، بل وأصبحت عظامهم نخرة، وأصبحت تراباً، لا يستطيعون أن يجيبوهم، بل هم غافلون عن دعوتهم، وهم يزعمون أنهم يسمعون ويعقلون ويجيبون. ولهذا يأتون إليهم بالقربات، ويجعلون لهم من أموالهم وأولادهم نصيباً، كما كان الكفار يفعلون وينذرون لهم النذور، ويغويهم الطواغيت الذين يجلسون عند صناديق النذور، ويحضونهم على تقديم الأموال فيها حتى يأخذوها ويأكلوها.

стр. 1397

شرك الأولين وقع فيه المتأخرون وزادوا عليه والعجيب أن هذه الأمور تقع في بلاد المسلمين، وربما كان معهم ممن معه أعلى الشهادات التي يأخذها من الجامعات الكبيرة، مثل جامعة الأزهر وغيرها، فيكون معهم، ويقرهم على هذا الشرك الأكبر الذي يكون صاحبه قد تجاوز الشرك بدرجاته بجهله، ثم مع ذلك يزعمون أنهم مسلمون. فهذا من الأمور العجيبة، وقد سمعت كلمات عند قبر أحمد البدوي الطاغوت الكبير من بعضهم يسأل رفيقه فقال: أيهما خير: الله أو السيد أحمد البدوي؟ فقال مجيباً له: السيد أحمد البدوي خير من الله؛ سيدي يجيب ويعطي، والله لا يعطي ولا يجيب! فمثل هذا الطغيان وهذا العمى في القلب وفي العمل وفي العقل يقع في بلاد المسلمين -وللأسف- على مسمع ومرأى من كثير من العلماء، وهذا يوجد في جميع البلاد، نسأل الله العافية، ففي أكثر البلاد توجد عبادة القبور والاستنجاد بهم ودعاؤهم صراحة، بل إن أحدهم يستقبل القبر ويدعوه: يا فلان! أريد كذا وكذا يا فلان! أنا وقعت في كذا وكذا ويقول: يا سيدي! أعطني كذا وكذا! وربما يأتي ثم يكشف رأسه ويطأطئه ويقبل العتبات، وربما وضع خده على القبر وصار يتمرغ عليه ويذل له، يسأله سؤالاً لا يسأل بمثله الفرد الصمد رب السماوات والأرض، وكل هذا من الجهل الفظيع، ولكن لا يجوز أن يقع هذا الجهل، فالإنسان إذا وقع في مثل هذا فليس معذوراً، ولا يقال: إنه جاهل؛ لأن هذا لا يجوز أن يقع ممن عنده شيء من العقل؛ لأن المقبور الذي وضع تحت التراب كيف يجيب الدعاء؟! وكيف يسمع؟! ولو قدر أنه يسمع كيف يغيث؟! وكيف يجير؟! وهو إما معذب في قبره يكون عليه ناراً، وإما منعم إذا كان ولياً، ومع ذلك كله هو غافل عمن يدعوه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، وقوله: (إلى يوم القيامة) يعني أنه لا يستجيب له أبداً. ثم ذكر ماذا يكون يوم القيامة فقال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: هؤلاء الذين يدعون وهم في الدنيا غافلون لأنهم في قبورهم إذا حشروا وجمعوا مع من عبدهم كفروا بهم وعادوهم ولعنوهم وتبرءوا منهم إلى الله وقالوا: أنت ولينا من دونهم. فهذا هو الواقع كما ذكره الله جل وعلا، وهذا العمل هو شرك المشركين الذين كانوا في زمن الرسول ﷺ ، بل المشركون الأوائل جعلوهم وسائط وشفعاء، ولم يصلوا إلى هذا الحد، فقد كانوا إذا أرادوا أن يسألوا المطر سألوه من الله، وإذا أرادوا أن يسألوا الرزق أو الولد سألوه من الله، ويقولون: اللات والعزى لا تفيد، وإنما تكون شافعة فقط وإذا وقعوا في كرب وفي شدة أخلصوا دعاءهم لله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] أي: يدعون الله فقط، ويتركون شركهم، ولكن إذا نجوا وجاء الرخاء عادوا إلى الشرك: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] بخلاف هؤلاء؛ لأن أولئك أصح عقولاً وأتم أفكاراً، وكذلك نظرهم أحسن من نظر هؤلاء، فهؤلاء لا عقول ولا أفكار ولا أنظار، وإنما وقعوا في التقليد الأعمى، وجدوا آباؤهم يفعلون ذلك ففعلوا، حتى صار هذا الشيء متوارثاً، ولا أحد يجرأ على أن ينكر ذلك، وأمور عجيبة، يذكر أحد العلماء الذين كتبوا عن شيء من ذلك قصة وقعت له، فيقول: إنه كان عند شيخ في طنطا يدرس عليه في مسجد أحمد البدوي الذي يسمونه السيد، والحقيقة أنه كان جاسوساً لدولة الرافضة، هذا الذي عرف عنه، وما عُرف أنه سيد، وذكر أحد المؤرخين أنه زاره بعض من يعظمه يوم جمعة في بيته، فلما قربت الصلاة والخطبة قال: الصلاة، فذهب معه، فجلس في المسجد ولم يصل، وإنما بال فيه وخرج، والعجيب أن هذه جعلت منقبة له، كونه بال في المسجد وخرج، يقول: فما أحد جرؤ أن ينكر عليه؛ لأنه ولي من الأولياء. والمقصود أن هذا الذي يذكر عن شيخه أنه كان يدرسه، يقول: فجاء وقت المولد واجتمع الناس الفلاحون وغيرهم، وكأن الناس في عرفات من كثرتهم، وهم مع أطفالهم ونسائهم، ولهم ضجيج وصخب، يقول: فأصبح الماء الذي يُتوضأ به مختلطاً مع القاذورات من كثرة الأوساخ والأشياء التي ترمى فيه، يقول: فلما أراد هذا الشيخ أن يصلي أتى وتوضأ بهذا الماء، فقلت له: كيف تتوضأ بهذا؟! قال: اسكت، ثم أراد أن يكون إماماً لي في الصلاة، فقلت: لا. ولن أصلي معك، فقال: يا بني! والله لو كنت استسيغه لشربته، هؤلاء جاءوا إلى السيد أحمد البدوي وهو يرفع كل السيئات عنهم، يقول: وإني أخشى عليك أن يصيبك، كل هذا لأنه أنكر عليه أن يتوضأ بهذا الماء القذر الخبيث النجس نجاسة ظاهرة، وهذا في حوض السيد أحمد البدوي. يقول: وبعد أيام مرض مرضاً شديداً، فأتيت إليه وقلت له: ها أنا في صحة وعافية وأنت في مرض تقاسي الحمى تكاد تموت، فأين نفع السيد أحمد البدوي؟! ولكنهم لا يعقلون، نسأل الله العافية! وإلا فهذا شيء لا يحتاج إلى مثل هذه الأمور؛ لأنه أمر ظاهر. والإنسان يجب أن يكون متميزاً بعقله عن الحيوانات وعن غيرها، ويعرف من الذي خلق، ويعرف من الذي تجب العبادة له، فكيف يعبد إنساناً مثله؟! بل ليس مثله؛ لأن الميت ليس مثل الحي، الحي ينفع ويتصرف، والميت لا ينفع ولا يتصرف، بل هو مرتهن بعمله، ولكن إذا جاءت الفتنة وجاء البلاء وجاء التقليد الأعمى زال العقل وذهب، ويصبح الإنسان كأنه لا عقل له.

стр. 1398

شرك المشركين ليس خاصاً في نفس الأسماء والصفات شرك المشركين ليس في نفي الصفات والأسماء، بل كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المالك لكل شيء الذي يحيي ويميت، وكانوا يؤمنون بهذا، وهذا من الأسماء والصفات، وإن كان يُسمى توحيد الربوبية؛ لأنه مرتبط به تماماً، وإنما أنكروا هذا الاسم إما عناداً وتكبراً، وإما لأنهم ما كانوا يعرفونه، ولكن غيرهم من العرب كانوا يعرفونه كما جاء في أشعارهم وفي خطاباتهم وكلامهم، مما يدل على أنهم يقرون بهذا الاسم. وأما المنكرين له وكفرهم به بقولهم: لا نعرف الرحمن، فسمى الله جل وعلا هذا كفراً فقال: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] فعلى هذا إذا أنكر إنسان المعنى الذي أخذ منه الاسم وهو الصفة يدخل في هذا. فمثلاً: أنكر أن تكون لله رحمة يتصف بها، أو أنكر أن تكون لله عزة أو أن تكون لله حكمة أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون داخلاً في هذا. ثم إذا ورد في القرآن شيء من ذلك أو في حديث الرسول ﷺ صار يؤوله تأويلاً غريباً على اللغة وغريباً على الوحي الذي نزل ليعمل به، فيقول -مثلاً-: الرحمة رقة تكون في القلب تعتري الراحم يحدث منها الميل إلى المرحوم، وهذه الرقة فيها ضعف، ولا يجوز أن نصف الله بذلك، هكذا يعلل، أما الحكمة فهي العمل لغرض من الأغراض، والله لا يجوز أن يعمل لغرض؛ لأنه تعالى غني عن ذلك، وهذه من صفات الأجسام، فمن وصفه بالرحمة أو الحكمة أو ما أشبه ذلك فإنه يكون مشبهاً. فيكون هذا الإنكار بُني على أصل فاسد خبيث، وهو أنه لا يعرف أن من هذه الأسماء أو من هذه الصفات إلا ما يعرف من المخلوق، فصار أساس ذلك التشبيه؛ لأنهم شبهوا أولاً ثم كفروا ثانياً بالتعطيل والنفي، ثم شبهوا ثالثاً في كونهم ألحقوه بالناقصات، تعالى الله وتقدس. وهذا بلاء أصاب الأمة على أيدي أناس مدسوسين فيها مشبوهين لا يعرف أصلهم، بل يجوز أنهم من اليهود أو من المجوس أو من النصارى أو من الماسونية الخبيثة التي تريد أن تفسد الأديان أو من غيرهم، وهذا هو الواقع، فيكونون يجتهدون ويدرسون هذه الأفكار ثم ينظرون إنساناً جريئاً ويأمرونه بإخراجها، ثم تنسب هذه الأفكار إلى هذا الرجل، والواقع أن خلفه مؤسسات وجمعيات، وليس هذا من ابتكار هذا الرجل، فإذا قيل -مثلاً-: (جهمية) فالجهمية ينكرون الأسماء والصفات، ويُنسبون إلى جهم بن صفوان رجل من أهل ترمذ، وهل هذه أفكاره فقط أو أنه ظهر بها من جمعيات ومؤسسات تريد بذلك إفساد الإسلام؟! وكذلك أيضاً الذين تبنوا غير ذلك من الأفكار مثل الرافضة ومثل الخوارج ومثل المعتزلة والقدرية وغيرهم، ولا ينكر أن يكون هناك رجل له دور كبير في هذا الشيء المعروف، والذي يتتبع الحوادث وكتب التاريخ يجد من ذلك شيئاً واضحاً، فمثلاً: إنكار القدر، المشهور في الكتب أن أول من تكلم في القدر رجل يقال له: معبد الجهني من جهينة من العرب، ولكن تقرأ -مثلاً- في تاريخ ابن جرير فنجده يقول: أول من تكلم بإنكار القدر رجل يقال له: سيسويه رجل مجوسي من الأسوار ونقرأ في كتاب آخر ونجد أنه يقول: أول من تكلم بالقدر رجل يقال له كذا نصراني من النصارى. وقد عُرف أن أول من قال: إن الرسول ﷺ له وصي، وإنه ما مات نبي إلا وله وصي هو عبد الله بن سبأ، وهذا رجل يهودي جاء من صنعاء، يقال له: عبد الله بن وهب بن سبأ فجاء وألب الجهال والطغام حتى قاموا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فقتلوه -كما هو معروف-، وكل هذا بإغرائه وإغوائه، وقد صار إلى جهات متعددة، من أجل ذلك ذهب إلى العراق، وذهب إلى الشام، وذهب إلى مصر، ولم يعدم أنصاراً من هذه البلدان، فكون له أنصاراً، ثم كان مثل الشيطان يوقعهم في البلاء، ثم كان يفر ويذهب ولا يعرف إلى أين كان يذهب، وإذا ذهب إلى مكان أفسد فيه. والغريب أنه لما قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ للخلافة قام أيضاً بتأليب الطغام والجهلة اتباع كل ناعق، وصار يقول لهم: إن علياً هو الإله، أو أن الله حل فيه، أو إن فيه جزءاً من الإلهية، فهو إلهنا، فكون جماعة من هؤلاء، فبعضهم ذهب وقابل علي بن أبي طالب، فلما خرج من بيته قاصداً المسجد قالوا له: أنت هو، قال: ومن أنا؟ قالوا: أنت إلهنا، قال: ويلكم! هذا الكفر، إن لم ترجعوا عن ذلك قتلتكم. وفي اليوم الثاني قابلوه كذلك وقالوا له ذلك، وفي اليوم الثالث كذلك، ثم لما أوقعهم في هذه الواقعة فر وذهب إلى بلاد أخرى، وأمير المؤمنين ﵁ غضب لله جل وعلا حماية للتوحيد ولعبادة الله، فأمسكهم وحفر حفراً وأوقد فيها النيران ثم قذفهم فيها غضباً لله جل وعلا، ومع ذلك ما رجعوا، بل تحملوا أن تأكلهم النار وهم أحياء ليبقوا على هذا الكفر، وهذا بإغراء هذا الرجل الخبيث وغيره، ويجوز أن يكون معه آخرون ممن هم من المفسدين. وابن حزم ﵀ يقول في (الفصل) لما جاء إلى ذكر هذه الطائفة قال: هذا أمر معروف سببه، وهو أن العرب كانت عند الفرس وعند الروم -خصوصاً الفرس- من أحقر الأمم وأضعف الأمم، فكانوا يحقرونهم مع ما عندهم من تعظيم أنفسهم، فكانوا يرون أن الناس عبيد كلهم وهم الأحرار السادة. وذكر على هذا شواهد من التاريخ، يقول: فلما ابتلوا على أيدي هذه الأمة الضعيفة التي كانوا يعتقدون ضعفها وحقارتها ابتلوا بإزالة ملكهم على أيديهم، وكثير منهم ما استساغ أنه يقبل هذا الدين، بل حنق حنقاً عظيماً، وأصبح يجتهد طاقته في مواجهة هذا الدين، ولكنهم عجزوا عن المواجهة بالقوة، ولم تبق إلا الحيل، فأسسوا المؤسسات التي يريدون بها إفساد العقائد. كل هذا هو السبب في إنكار أسماء الله وصفاته؛ لأنهم عرفوا أن المسلمين ما داموا متمسكين بالوحي وبما جاء به الرسول ﷺ فلن يقوم أمامهم قوة؛ لأن الله جل وعلا معهم، عرفوا هذا وتيقنوه وقالوا: ليس أمامنا إلا إفساد العقيدة، والطريقة أن يدخل جماعات من هؤلاء الإسلام في الظاهر وهم في الباطن ليسوا مسلمين بل أعداء للمسلمين حتى يتمكنوا من إفساد العقائد، ومعروف أن الداعية إذا جاء يدعو إلى مبدأ لا يُعدم من مجيب، ثم قد تكون الدعوة بأمور تظهر على حسب ما عند الداعية من قوة البيان والقدرة على الإغواء والضلال ولبس الحق بالباطل، كما هو معلوم، وهي سنة الله جل وعلا. ثم هذه الأمور لابد من وجودها؛ لأن العداوة لابد منها، فالله جل وعلا لما أمر آدم ﵇ بأن يهبط هو وزوجته من الجنة لما أكلا من الشجرة قال في إهباطهم: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦] أي: الذرية التي تخرج من آدم وزوجه يكون بعضها لبعض عدواً، وهذا إلى يوم القيامة؛ لأن الحق ما كلٌ يقبله، والذي يقبل الحق لابد أن يعادي صاحب الباطل، وكثير من الناس لا يعجبه أن يعبد الله، ولا أن يقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولذا فهو يسعى ويبذل جهده وأمواله في إفساد ذلك. فبدأ الإفساد بأصل عقيدة المسلمين في الله، فصاروا يبدءون بإخفاء أشياء قد تخفي على بعض العوام ولا تخفى على العلماء، ولهذا لما قيل لأحد العلماء: إن قوماً ينكرون أن الله يتكلم فقال: من اليهود؟ قيل: لا. قال: من النصارى؟ قيل: لا، قال: من المجوس؟ قيل: لا، بل من المسلمين قال: كلا، المسلمون لا ينكرون أن الله يتكلم؛ لأن الله يرسل الرسل، وينزل الكتب، ويأمر وينهى، وهذا المسلمون لا ينكرونه، ولكن هؤلاء مدسوسون في المسلمين، فكان العلماء يعرفون هذا ولا يخفى عليهم. فالمؤلف هنا عندما أردا أن يبين أن الأيمان بالأسماء والصفات أمر لازم للمسلم حتى يكون مؤمناً، وأن إنكار شيء من ذلك كفر بالله جل وعلا ذكر هذه الآية بعد ما ذكر الترجمة وإن كانت مجملة. وقوله: [باب: من جحد شيئاً من الأسماء والصفات] يعني أن فعله يكون كفراً، وإن لم يحكم على إنسان بعينه بأنه كافر إذا فعل ذلك، ولكن هذا الفعل كفر، أما إذا وقع إنسان في شيء من ذلك فأنكر -مثلاً- أن يكون الله موصوفاً بالرحمة أو موصوفاً بالعلو أو موصوفاً بأنه ينزل إلى السماء الدنيا أو ما أشبه ذلك فقد يكون عنده شبه، فيجب أن تزال الشبه عنه، فإذا أزيلت الشبه عنه وأصر على الإنكار فله حكم آخر، غير أننا نقول: إن فعلك أو قولك هذا كفر، فإذا تبين له الحق وأقر به يكون كافراً، نسأل الله العافية. فمراده هو هذا، أنه يجب أن يجمع المؤمن بين أقسام التوحيد: توحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية؛ لأن ربنا جل وعلا تعرف إلينا بأسمائه وصفاته، وأسماؤه وصفاته تبع لذاته، ولا يدل على أنه إذا أخبرنا أنه رحمان وأنه رحيم وأنه عزيز وأنه حكيم وأنه عليم وغير ذلك أن يكون المخلوق الذي يشارك في هذه والصفات وهذه الأسماء مشابهاً له، تعالى الله وتقدس. بل أسماء الله وصفاته تليق به، وتابعة لذاته، وأسماء المخلوق وصفات المخلوق تليق به، فإذا أضيف الاسم إلى الله أصبح المخلوق لا يشارك الله فيه، وكذالك إذا أضيفت الصفة إلى الرب جل وعلا مثل الرحمة وغيرها فالمخلوق لا يشارك الرب جل وعلا في صفته، وكذالك إذا أضيفت إلى المخلوق فقيل: فلان ذو رحمة، وفلان يرحم، وفلان رحيم، فإن هذا خاص بهذا المخلوق، والله لا يشاركه في هذه الرحمة؛ لأن المخلوق رحمته تناسبه وتليق به، وتناسب ضعفه وتليق بضعفه، ولا يمكن أن يكون الرب جل وعلا مشاركاً له، فيجب أن يُفرق بين هذا وهذا، ولا يكون مثلما يقول هؤلاء: إذا وصفنا الله جل وعلا بأنه له رحمة أو له يد، أو أن له حكمة أو ما أشبه ذلك يلزمنا أن نكون مشبهين؛ لأن المخلوق له رحمة وله يد، ويقولون: إذا قلنا: إنه سبحانه يكون فوق ويكون المخلوق تحته فإن المخلوق يوصف بهذا، فلا يجوز أن نصف الرب جل وعلا بأنه فوق عرشه، أو أنه ينزل إلى السماء الدنيا؛ لأن من كان فوق شيء يكون محتاجاً إلى ذلك الشيء، مثل الذي يكون راكباً على الطائرة أو على السطح أو على السفينة، فإنها إذا سقطت سقط، ولو سقط المركوب لسقط الراكب، وعلى هذا يكون محتاجا

стр. 1399

سبب نزول قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) الآية، والرد على من ينكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام قال الشارح رحمه الله تعالى: [سبب نزول هذه الآية معلوم مذكور في كتب التفسير وغيرها، وهو أن مشركي قريش جحدوا اسم الرحمن عناداً، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]]. والآن في الوقت الحاضر وجد من ينكر أن يكون التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وأصبح يكتب الكتب وينشرها، وهذا الرجل له تلاميذ، وله مؤيدون في كثير من البلاد، وكتبه انتشرت، ويقول: إن أول من قال: إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام ابن تيمية وهو ضال مضل، ثم تبعه على ذلك ابن عبد الوهاب وهو كذلك ضال مضل هكذا يقول، ثم يلبس بأشياء ما تنطوي إلا على الجهال، ويقول: أين الدليل من كتاب الله أو من أحاديث رسوله ﷺ على أن الله قال: التوحيد ثلاثة أقسام، أو أن الرسول ﷺ قال: التوحيد ثلاثة أقسام، أو أن الصحابة قالوا: التوحيد ثلاثة أقسام؟ ائتونا بشيء من ذلك، فيلبس على الناس بهذا الكلام. فيقال لمثل هذا الجاهل: إن الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم ما كانوا بحاجة إلى أن يقولوا: التوحيد ثلاثة أقسام؛ لأنهم يعرفون ويعلمون ما خوطبوا به تمام المعرفة، ولو سأل سائل عن ذلك لعدوه جاهلاً لا يعرف شيئاً، بل العجائز لا يحتجن إلى هذا التقسيم، ولكن لما كثرت العجمة في الناس وفسدت ألسنتهم واختلطت اللغة العربية بغيرها أصبحوا لا يفهمون كلام الله إلا بقراءة كتب التفسير وقراءة كتب اللغة، لذلك وضعوا هذه التقسيمات، وإلا فالأمر واضح موجود في القرآن، فمثلاً الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فيقال لهذا الجاهل: أخبرنا عن إيمانهم ما هو الإيمان الذي أخبرنا الله جل وعلا أنهم ما يؤمنون إلا وهم مشركون؟ أخبرنا عن إيمانهم وشركهم ما هو؟ يؤمنون بماذا؟ ولأنه جاهل لن يعرف، ولكن يجب أن يرجع إلى كلام السلف، فالسلف بينوا أن إيمانهم هو قولهم: إن الله ربنا، وإن الله خالقنا ورازقنا فإنك إذا سألتهم من خلق السموات والأرض قالوا: الله، وإذا سألتهم من أنزل من السماء ماءً فأحيا بها الأرض بعد موتها قالوا: الله، هذا إيمانهم، وشركهم أنهم يدعون مع الله غيره. فإذاً دعوتهم مع الله غيره هذا توحيد الدعوة وتوحيد العبادة الذي كفروا به، وإيمانهم هو توحيد الربوبية؛ لأنهم أقروا بأن الرب هو الذي يربي الخلق ويعطيهم ما يحتاجون إليه، ويملكهم ويتصرف فيهم، ليس فيهم أحد ينكر هذا المعنى. وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] يعني: هل أنكروا أن الله خلقهم أو خلق من قبلهم؟ الجواب كلا، ولهذا صار حجة عليهم: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. فيقال لهذا الجاهل: فهل إقرارهم بأن الله خلقهم وخلق من قبلهم، وأن الله خلق الأرض وجعلها على هذه الصفة، وأن الله أنزل من السماء ماءً فأنبت به النبات الذين يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم هل هذا هو التوحيد المطلوب؟ وهل هذا هو المطلوب منهم؟ إن كان المطلوب منهم فقد جاءوا به فما معنى كونهم مشركين؟ وما معنى كونهم يجعلون لله أنداداً؟ وما هي الأنداد؟ وهم جعلوا لله أنداداً في الدعوة وفي الدعاء؛ لأنهم قالوا -مثلاً-: اللات إذا دعوناها تشفع لنا، وكذلك العزى وغيرها. فالدعاء والعبادة والفعل الذي يصدر منهم يرجون به نفعاً غيبياً، ويرجون من الذي يدعونه نفعاً أو دفعاً، وهذه هي العبادة التي يجب أن تخلص لله، أما الإقرار بأفعال الله التي يفعلها فهذا هو الذي يسمى توحيد الربوبية. والحقيقة أن هذا الذي يقول هذا القول ما عرف الإسلام، هذه هي الحقيقة الواقعة، فيجب أن يتوب إلى الله وأن يسلم من جديد، ويعرف الإسلام، وإلا فأمامه مصير -أعوذ بالله من ذلك- الكفار، نسأل الله العافية، والآيات في هذا لا حصر لها، بل كل كتاب الله على هذا الطريق، فالله جل وعلا جعل توحيد الربوبية حجة على وجوب توحيد الإلهية في آيات كثيرة ألزم الكفار بذلك، ويقول الله جل وعلا في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] فهل رب الناس وملك الناس وإله الناس معنا واحد؟ ما أحد قال هذا إلا هذا الجاهل المركب. فالمقصود أن الأمر كما قال عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ لما رد على أشباه هذا الرجل، بل هم أكثر منه علماً، يقول: ما كنا نتصور أننا نحتاج إلى ذكر مثل هذه الأشياء؛ لأن الصبيان الذين يلعبون في الشارع والعجائز يعرفون ذلك تمام المعرفة، فكيف يخفى ذلك على العلماء أو على طلبة العلم؟! ولكن الفتن والدعوات المضللة هكذا تصنع بالناس، نسأل الله العافية.

стр. 1400

حكم من أنكر الأسماء والصفات قال الشارح ﵀: [والرحمن هو اسمه وصفته، دل هذا الاسم على أن الرحمة صفته سبحانه، وهي من صفات الكمال، وإذا كان المشركون جحدوا اسماً من أسمائه تعالى وهو من الأسماء التي دلت على كماله سبحانه وبحمده فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك، فإن جهم بن صفوان ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولهذا كفرهم كثيرون من أهل السنة، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي حكاه الإمام حكاه عنـ ـهم بل حكاه قبله الطبراني]. فقوله: خمسون في عشر يعني: خمسمائة عالم، يقول: إنهم حكموا بأنهم كفار، ويقول: إن هذا حكاه ونقله الطبراني في كتاب (السنة)، وكتاب (السنة) للطبراني مفقود الآن لا وجود له؛ لأن هذا من الكتب التي أغاضت هؤلاء، فصاروا يتتبعون الكتب التي تؤلف في الرد عليهم ويحرقونها، بل يشترونها بغالي الإثمان ويحرقونها حتى لا توجد في الناس؛ لأنها تفضحهم. وكذلك حكى هذا القول ونقله اللالكائي في كتابه (شرح أصول أهل السنة)، وهذا الكتاب موجود ومطبوع والحمد لله، فهو ذكر هذا القول، وذكر أن خمسمائة من كبار العلماء حكموا بأن الجهمية كفار؛ لإنكارهم الأسماء والصفات.

стр. 1401

الرد على أهل التعطيل والتشبيه قال الشارح رحمه الله تعالى: [فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنو هذا التعطيل على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام، فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسماً هذا منشأ ضلال عقولهم لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموا من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء أرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه عن صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوه أولاً وعطلوه ثانياً، وشبهوه ثالثاً بكل ناقص ومعدود. فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، فإنهم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام عن الذات يحتذي حذوه، فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون لله ذاتاً لا تشبه الذوات فأهل السنة يقولون ذلك، ويثبتون ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله ونعوت جلاله، لا تشبه صفاته صفات خلقه، فإنهم آمنوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم يتناقضوا، وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك، وتناقضوا، فبطل قول المعطلين بالعقل والنقل -ولله الحمد والمنة- وإجماع أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين. وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم في إبطال هذه البدع وما فيها من التناقض والتهافت، كالإمام أحمد في رده المشهور، وكتاب (السنة) لابنه عبد الله، وصاحب (الحيدة) عبد العزيز الكناني في رده على بشر المريسي، وكتاب (السنة) لـ أبي عبد الله المروزي، و (رد عثمان بن سعيد على الكافر العنيد) وهو بشر المريسي، وكتاب (التوحيد) لإمام الأئمة محمد بن خزيمة الشافعي، وكتاب (السنة) لـ أبي بكر الخلال، وأبي عثمان الصابوني الشافعي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبي عمر بن عبد البر النمري، وخلق كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وأتباعهم وأهل الحديث، ومن متأخريهم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه، وشيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه، وغيرهم رحمهم الله تعالى، فلله الحمد والمنة على بقاء السنة وأهلها مع تفرق الأهواء وتشعب الآراء. والله أعلم]. من المعلوم أن كتاب الله جل وعلا هو وحيه وقوله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد جل وعلا، يعلم ما يكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الكائنات السابقة، وعلمه سابق لكل شيء، ولا يفوته شيء، هو محيط بكل شيء جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، وهو الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهو كامل بذاته وبصفاته وبأفعاله لا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، تعالى الله وتقدس. ولكن من حكمة الله جل وعلا أنه جعل لعباده أموراً يختبرهم ويبتليهم بها، وهي أمور غيبية يخبرهم بها حتى يتبين من يصدق في إيمانه واتباعه ممن يتبع هواه أو يتبع من يعظمه من المخلوقين، وبذلك يتميز الصادق من الكاذب، ويتميز الذي يستحق الثواب ممن يستحق العقاب، وإن كان الله عالماً بكل شيء يعلم من الذي سيصدق قبل وجوده، ويعلم من الذي ينحرف ويلحد قبل وجوده، وقد كتب ذلك جل وعلا في كتاب لا يضل ولا ينسى، كتاب لا يغادر شيئاً، ولا يقع إلا ما في هذا الكتاب، وذلك من كمال علمه. ولما كان جل وعلا رحيماً بعباده صار كل شيء يحتاج إليه العباد وجوده أكثر وأعم وأشهر، ولهذا صار الناس بحاجة ضرورية ماسة جداً إلى الماء، وصار وجوده كثيراً جداً، وكذلك الهواء، وكذلك الملح وغير ذلك، ومن ذلك معرفته جل وعلا، فطرق معرفته جل وعلا كثيرة جداً لا حصر لها، تعرف إلى خلقه بأمور كثيرة، حتى قال القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تعالى الله وتقدس. فالدلائل عليه من أفعاله ومن خلقه ومن آياته الكونية والمنزلة التي نزلها على رسوله ﷺ كثيرة جداً. أما الخلقية فهي كثيرة جداً، وهي قريبة جداً، حتى قال جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] أي: وفي أنفسكم آيات تدلكم على الله جل وعلا، فذكر صفات الله جل وعلا وأسمائه في كتاب الله جل وعلا كثير جداً، حتى قل آية إلا وتجد فيها اسماً من أسماء الله أو صفة من صفاته، وهذا له حكمة، ذلك أن الله جل وعلا بعلمه الأزلي علم أن الناس يحتاجون إلى هذا، وعلم بوجود الذين يحاولون إضلالهم وإخراجهم من دينهم. وهذا حدث بعد الرسول ﷺ ، وإلا ففي وقته لم يكن أحد ينكر أسماء الله جل وعلا إلا نوادر وشواذ، كما ذكر في هذا الباب في سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] ذكر أن طائفة من قريش وليسوا كلهم -عناداً وتكبراً- أنكروا أن يكتب الرسول ﷺ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقالوا: الرحمان ما نعرفه، وإنما نكتب كما كان آباؤنا يكتبون، وهذا مثل قولهم: لا نعبد إلهاً واحد وإنما نعبد ما كان آباؤنا يعبدون، وليس معنى ذلك أنهم ينكرون ويلحدون في صفات الله جل وعلا مطلقاً، وإنما ذلك للعناد والتكبر، ومع ذلك بيّن ربنا جل وعلا أن هذا كفر، فإذا كانوا قالوا: ما نعرف أن الرحمن من أسماء الله، وإنما نكتب (باسمك اللهم) كما كان آباؤنا يكتبون فإن هذا عده الله جل وعلا كفراً فقال: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] فكيف بالذي ينكر معاني الأسماء؟! لأن الأسماء أخذت من المعاني، فالرحمان أخذ من الرحمة، والعزيز من العزة، والحكيم من الحكمة، والعليم من العلم، وهكذا كل اسم اشتق من الصفة، والصفات هي المعاني التي دلت الأسماء عليها؛ لأنها أخذت منها، فالذي ينكر الصفات أعظم جرماً وإثماً وكفراً من الذين أنكروا مجرد الأسماء، فالصفات أهل البدع لا يؤمنون بها بل ينكرونها، حتى سرى هذا الوباء وهذا المرض إلى أكثر المسلمين وللأسف، وأقصد بالمسلمين طلبة العلم، أما العوام فالله جل وعلا فطرهم على الحق فهم لا ينكرون ذلك بل يقرون به، وإذا جاءهم الخبر من الله صار مطابقاً لما في فطرهم فأقروا وآمنوا به، ولكن المقصود الذين تغيرت فطرهم بالتعليم، الذين تلقوا عن شيوخهم الكفر بالصفات وجحدها. وهذا الكفر بالصفات أنواع، فمنه جحود وإنكار مطلقاً، ومنه طرق ملتوية، كالذين لا يجحدون النصوص ولكن يؤولونها تأويلاً يؤول بهم إلى إنكارها، وهؤلاء هم الأشاعرة، وأما الذين أنكروها رأساً فهم المعتزلة ومن سلك طريقهم من الطوائف، وربما يقول قائل: هؤلاء -والحمد لله- لا وجود لهم، فلماذا يُذكرون؟ ولماذا تنبش القبور وتذكر بشيء كان فبان ولا داعي إلى ذلك، وإنما الواجب أن يذكر الشيء الذين ينفع المسلمين ويفيد السامعين مما هم فيه وما يُحذر ويخشى عليهم منه؟ فنقول: إن لكل قوم وارثاً ولاشك، وأولئك لم يذهبوا، فقد ورثهم من ورثهم، وإن اختلفت الأسماء واختلفت الأنظار والطرق حسب اختلاف الزمن، وإلا فالمسألة واحدة فيما تؤول إليه. والواقع أن أصل الملاحدة الذين ينكرون الآخرة، وينكرون وجود الله، وينكرون أن يكون بعد هذه الحياة حياة تكون حياة جزاء أصلهم مأخوذ من أولئك؛ لأن الإنسان العاقل إذا سمع أولئك يقولون -مثلاً-: إن الله ليس فوق وليس تحت، وليس يميناً وليس شمالاً، وليس داخل العالم ولا خارج العالم، وليس في مكان ولا يجري عليه زمان، إذا سمع الإنسان مثل هذا القول ماذا يتصور في ذهنه؟ يقول: لا وجود له، وهذا هو العدم تماماً، وهذه هي العقيدة الفاسدة الخبيثة التي سلكها أولئك، فينكر وجود الله جل وعلا ثم بناءً على ذلك ينكر الجزاء، وينكر الإعادة، وينكر الجنة النار، ويقول: إنما هي حياة مادة فقط، وليس بعد ذلك شيء، وإنما تبقى هذه الأيام وهذه العوالم على ما هي عليه دائماً قوم يموتون ثم يرثهم آخرون وهكذا، فيقال لهم: هؤلاء الذين يموتون من أين أتوا؟ ومن الذي جاء بهم؟ وما أصلهم؟ والعجيب أنهم يقولون: إن أصل هؤلاء حيوانات أو نبات من الأرض، ثم تطورت شيئاً فشيء إلى أن صارت بهذا الشكل، فإذا كان يتطور فلماذا هذا التطور؟! ولماذا لا يستمر هذا التطور؟! وما الذي يمنعه إذا كان كذلك؟ وكل ما يمكن أن يقولوه فهو باطل بالعقل، ولا يمكن أن يقتنع به عاقل أبداً، ولابد أن ينتهي وجود خلق إلى خالق، فالإنسان لا يمكن أن يستوعب في عقله أنه توجد سيارة بغير صانع أبداً، فسيارة بدون صانع وجدت بهذه الدقة وبهذا النظام وبهذا الشكل هذا لا يمكن، ولا يمكن أن يوجد كتاب مرتب على معانٍ وبكلمات وحروف بغير كاتب أبداً، هذا مستحيل، فالمخلوقات هذه لابد لها من موجد، ولابد لها من خالق، ثم هذه المخلوقات لا يمكن أن يوجدها مخلوق مثلها؛ لأن المخلوق نفسه عاجز عن إيجاد نفسه، فكيف يوجد غيره؟! فلابد أن ينتهي الأمر إلى موجدٍ قادرٍ عليمٍ كامل بنفسه غني بذاته عن كل ما سواه، وهو الله جل وعلا. ولهذا جاء أن جبير بن مطعم لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] يقول: أحسست بقلبي كأنه أنخلع، وكأنه شيء مجذوب ثم لم يتمالك أن ذهب إلى الرسول ﷺ وأسلم، بسبب تأثره بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] يعني: هل وجدوا بلا موجود؟ هذا لا يقبله العقل، فإذا كان هذا باطل جاء التقدير الثاني: هل هم خلقوا أنفسهم؟ وهذا أيضاً

стр. 1402

الهدى والخير في امتثال أمر الله ورسوله، ومن خالفها وقع في الحيرة والشك والانحراف وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] أي: أن هدي الرسول ﷺ بالوحي، فإذا كان هداه بالوحي فكيف يهتدي غيره بغير الوحي؟! هذا مستحيل لا يمكن. فإذاً أصل القول بأن الواجب أن ينظر في مثل هذه الأمور إلى العقول قول باطل، ويسمون نظرهم وعقيدتهم وقواعدهم الكلامية يسمونها براهين قطعية، مع أنها في الواقع شكوك وسراب بقيعة إذا رآه الإنسان يحسبه شيئاً فإذا وجده لم تحصل على شيء، هذا هو الواقع. ولهذا عند النهاية إذا كان الإنسان ذكياً من هؤلاء يحار، ويصبح يتمنى أن يكون مثل أمه، ومثل العجائز، ويقول: يا ليتني على دين العجائز مثل ما حصل لكثير من هؤلاء، حتى إن أحدهم يقول: إني إذا أمسيت أضع الملحفة على وجهي وأتفكر في دليل فلان ودليل فلان فيأتي الصباح وأنا لم أهتد إلى شيء، فالنوم يذهب عنه، والأكل يذهب عنه؛ لأنه في حيرة، وعند الموت يتمنى أنه على دين العجائز، كما قال الجويني عفا الله عنا وعنه لما حضره الموت قال يوصي أصحابه: لا تشتغلوا بالكلام، والله لو كنت أعرف أنه يصل بي إلى ما وصل ما اشتغلت به، وقد تركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي. هكذا كان يقول، ثم يقول: وهأنذا لم أعرف شيئاً، بل أموت على عقيدة عجائز نيسابور. وهل هذا صحيح؟ الشيء الذي في القلب لا يمكن يزول. وكان يقرر عقيدته الفاسدة ويقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، فأين كان؟ وأين هو الآن؟ هكذا يقول. فقام رجل من المسلمين أمامه وكان على كرسي فقال له: دعنا من هذا الكلام، ولكن أخبرنا عن شيء نجده في أنفسنا وأنت تجده في نفسك ضرورة، ما قال قائل: يا الله إلا وجد دافعاً من نفسه يدفعه إلى أن يطلب ربه من فوق، وما يطلبه من أسفل، ولا يمين ولا شمال، ولا تحت، فأخبرنا كيف نزيل هذه الضرورة؟ كيف نصدها من نفوسنا؟ فسكت، وصار يفكر في نفسه، ثم وضع يده على رأسه ونزل وصار يبكي، ويقول: حيرني الرجل حيرني! حيره لأنه لم تكن عقيدته على أساس فحار. ودخل رجل آخر على عالم من هؤلاء من كبرائهم وعظمائهم، دخل عليه في بيته فوجده مستغرقاً في الفكر، فسلم عليه فلم يرد ﵇، ثم أعاد ﵇ ولم يرد ﵇، ثم أعاد السلام فلم يرد عليه؛ لأنه مشغول في فكره، عند ذلك قال الرجل المسلِّم: لابد أن هذا الرجل زال عقله فلماذا أجلس؟ أراد أن ينصرف، عند ذلك تنبه له فرفع رأسه وقال: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك به ساخراً، وقال: أعتقد ما يعتقده المسلمون، والحمد لله، فأطرق رأسه وجعل يبكي ويقول: ولكني -والله- ما أدري ماذا أعتقد فهذا رجل له من العمر ستون سنة، وهو يدرس ويناظر ويكتب ويتكلم، وبعد ذلك يقول: ولكني -والله- ما أدري ماذا اعتقد فكيف ذهب العمر وذهب التعب؟! وما السبب؟ السبب هو الإعراض عن كتاب الله، هذا هو السبب، أعرض عن كتاب الله وعن سنة رسوله ﷺ فصار هذا جزاءه. إذاً لا هدي ولا طمأنينة وإيمان إلا بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فمن اعترض على ذلك فلابد أن يضل، ولابد أن يحار، وإذا كان ذكياً وأصبحت الأدلة تتكافأ أمامه، ويجد دليل فلان يقابله دليل فلان، وكلما جاء بدليل أبطله الآخر فالنتيجة أنه سيحار ويصبح حائراً، أما كتاب الله فلا يمكن أن يبطل؛ لأنه حق، ولأنه من لدن حكيم عليم جل وعلا، وهو يخبر عن الواقع، فإذا اكتفى الإنسان وتحصن به فهو في طمأنينة وفي سكون وفي إيمان وفي عافية من هذا البلاء. وقد سبق أن قلت: إن مبدأ هذا الشيء جاء من اليهود ومن النصارى ومن المجوس لأجل إفساد عقائد المسلمين، وليس عن أمور مقنعة، فأدخلوا هذه الأمور على المسلمين حتى يحصل الخلاف بينهم وتذهب ريحهم وتضعف قوتهم، هذا هو المقصود فقط؛ لأنهم ما استطاعوا أن يقابلوا المسلمين بالقوة ففي كل موطن يقابلونهم بالقوة يهزمهم الله جل وعلا ويجعل أموالهم غنيمة للمسلمين وأكتافهم ممنوحة لهم، فعند ذلك قالوا: لابد من الحيلة، ولابد من أن يقاتلوا في عقائدهم؛ لأن هذه العقيدة التي جاءوا بها لا يمكن أن تقاوم بالقوة المادية، حتى إذا فسدت أمكن ضعفهم، وهذا هو الواقع، ولا يزال هذا الأثر إلى الآن، وسيستمر إلى أن يشاء الله جل وعلا. وسنة الله جل وعلا أنه جعل بين الحق وبين الباطل صراعاً يتصارع الحق مع الباطل دائماً، ولا يمكن أن يكون الباطل مصاحباً الحق، فهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، ومن وقف مع كتاب الله جل وعلا ومع سنة رسوله ﷺ فسوف يكون له النصر في نفسه، وقد يكون النصر متعدياً في نفسه ظاهراً حسب إرادة الله جل وعلا.

стр. 1403

أساس الإيمان معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أساس الأيمان هو معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، وهذا هو السبب الذي ذكر المؤلف هذا الباب من أجله، فيبيّن أنه لابد للمسلم من أن يؤمن بأسماء الله وصفاته على ما جاء في كتاب الله من غير التحريف الذي يقول أصحابه: إنه تأويل، أي: أنه تفسير، وهو في الحقيقة تأويل، فيجعلون ظاهر الكلام غير مراد، ويقولون: والمراد شيء آخر، دلنا على هذا المراد العقل والقرائن. ونقول: كيف يكون العقل دالاً على خلاف كلام الله جل وعلا وعلى خلاف ظاهره؟! هذا لا يمكن. وكما ذكرت فهم يقولون -مثلاً-: الرحمة رقة تكون في قلب الراحم يحدث منها ميله إلى المرحوم، فيحدث العطف عليه والإحسان إليه، والله يجب أن ينزه عن مثل هذا؛ لأن هذا فيه نقص. ونقول: هذه يقال فيها: هذه رحمة النساء، ورحمة الضعفاء، ورحمة المخلوق الضعيف التي تليق به، أما رحمة الله فهي رحمة لا تشبه رحمة المخلوق، وكما أنه جل وعلا لا يشبه المخلوق، فكذلك صفاته، هكذا يجب أن يكون الجواب عليهم، وكلما قالوا شيئاً يجابون بهذا. ولهذا لما جاء رجل إلى الأمام مالك وقال له: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال له الأمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان بالاستواء واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، ولا أراك إلا رجل سوء)، ثم أمر به أن يطرد من المجلس لأنه أساء. فالكيفية هي الحالة التي يكون عليها الموصوف، وهذه الحالة تحتاج إلى المشاهدة، ولا أحد يشاهد الله جل وعلا، وأما معنى الاستواء فهو معلوم، ففي اللغة معناه واضح، وهو العلو على الشيء والارتفاع والصعود عليه، هذا معنى الاستواء. وهكذا يقال في السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والإرادة، والنزول، وغير ذلك من صفات الله كلها يقال فيها: المعنى الذي خوطبنا به معلوم نعرفه، وكيفية اتصاف الرب جل وعلا في ذلك أمر مجهول لا يمكن أن يُوصل إليه؛ لأن هذا لابد له من أحد شيئين: إما المشاهدة، وإما أن يكون الموصوف له نظير مثله يشاهد فنقيسه عليه، وكلا الأمرين مستحيل في هذه الدنيا. والله لا مثل له، ولا أحد يشاهده جل وعلا. ثم ذكر المؤلف أن منشأ التعطيل هو التشبيه؛ لأنهم شبهوا فقالوا: إننا لا نعرف من هذه الصفات إلا ما نعرفه من نفوسنا فصاروا ينفونها لئلا يقعوا في التشبيه إذا أثبتوها، ثم إنهم عطلوه، وألحقوه بالمعدومات أو بالجمادات، فصاروا مشبهين له بالناقصات، فصار التشبيه الأخير أشر من التشبيه الأول؛ لأن المعطل يلزمه أن يكون مشبهاً ولا ينفك عن التشبيه؛ إذ كل معطل مشبه؛ لأنه يشبه بالناقصات أو المعدومات، تعالى الله وتقدس.

стр. 1404

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٤] الواجب على المسلم التسليم للشرع في كل ما جاء به، والإيمان بمحكم النصوص ومتشابهها، وقد اختلفت آراء السلف في تعيين المتشابه، إلا أن جميع ما قالوه لا يدخل فيه أسماء الله وصفاته.

стр. 1405

شرح أثر علي بن أبي طالب ﵁: (حدثوا الناس بما يعقلون) قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [وفي صحيح البخاري قال علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)]. ذكر المصنف هنا أثر علي: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله). وذكر العلماء أن سبب هذا القول من علي بن أبي طالب ﵁ أن في وقته كثر القصاص، والذين يذكرون الحكايات التي يكون فيها غرابة، بل قد يكون فيها أمور غير معروفة، وقد تكون هذه الأمور الغريبة مأخوذة إما من التوراة أو من الإنجيل أو من الكتب الأخرى التي جاءت من عند الله ويكون أصلها حقا، ولكن عقول السامعين لا تحتملها، فنهاهم أن يحدثوهم إلا بالشيء الذي ينفعهم، والشيء الذي يعرفونه، وليس معنى هذا أنه يقول: لا تحدثوا الناس بصفات الله حتى لا يقعوا بالإنكار في الكفر، فإن هذا لا يقوله عالم يعرف الحق فضلاً عن أن يقوله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وكتاب الله مملوء من صفات الله جل وعلا، وكذلك أحاديث رسوله ﷺ ، فقد كان يحدث في المجامع بأحاديث الصفات، ولم يُحك أنه أنكر ذلك. أما ما يروى عن الإمام مالك أنه كره أن تذكر الصفات عند عامة الناس فهذا لا يصح عنه كما قال العلماء؛ لأن الكتاب والسنة على خلاف هذا، وإنما المقصود في هذا الأمور الغريبة، مثل الذي يحدث في صفات الملائكة التي قد لا تستوعبها عقول كثير من الناس العوام، فلا ينبغي أن يُحَّدث في مثل هذه الأمور التي يستنكرونها؛ لأنهم إذا استنكروها وقعوا في محظور إنكار الحق إذا كان حقاً، ويكون ذلك نقصاً عليهم، وإذا تركوا على ما هم عليه وحدِّثوا بالشيء الذي يلزمهم من معرفة الله جل وعلا ومعرفة دينه فهذا هو الواجب، وهذا هو المقصود في الحديث، وليس معنى ذلك أن صفات الله جل وعلا تنكرها العقول، بل العقول تقر بها، وهي موافقة لما في الفطر، إلا أنه جل وعلا أعظم من كل شيء، وكلما يقدر الإنسان في نفسه من شيء فالله أعظم منه، قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. وكلما حدث للإنسان شيء من الأمور التي يستعظمها يجب أن يذكر هذا الآية، فإذا كانت المخلوقات كلها الأرض، والسموات، ومن فيهما يقبضها الله جل وعلا بيده وتكون صغيره بالنسبة إليه فكيف يمكن أن يوصف بشيء من أوصاف المخلوق؟! تعالى الله وتقدس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
следующие страницы →