Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الرد على أهل التعطيل والتشبيه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنو هذا التعطيل على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام، فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسماً هذا منشأ ضلال عقولهم لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموا من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء أرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه عن صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوه أولاً وعطلوه ثانياً، وشبهوه ثالثاً بكل ناقص ومعدود.
فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، فإنهم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام عن الذات يحتذي حذوه، فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون لله ذاتاً لا تشبه الذوات فأهل السنة يقولون ذلك، ويثبتون ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات كماله ونعوت جلاله، لا تشبه صفاته صفات خلقه، فإنهم آمنوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولم يتناقضوا، وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك، وتناقضوا، فبطل قول المعطلين بالعقل والنقل -ولله الحمد والمنة- وإجماع أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين.
وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم في إبطال هذه البدع وما فيها من التناقض والتهافت، كالإمام أحمد في رده المشهور، وكتاب (السنة) لابنه عبد الله، وصاحب (الحيدة) عبد العزيز الكناني في رده على بشر المريسي، وكتاب (السنة) لـ أبي عبد الله المروزي، و (رد عثمان بن سعيد على الكافر العنيد) وهو بشر المريسي، وكتاب (التوحيد) لإمام الأئمة محمد بن خزيمة الشافعي، وكتاب (السنة) لـ أبي بكر الخلال، وأبي عثمان الصابوني الشافعي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبي عمر بن عبد البر النمري، وخلق كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وأتباعهم وأهل الحديث، ومن متأخريهم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه، وشيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه، وغيرهم رحمهم الله تعالى، فلله الحمد والمنة على بقاء السنة وأهلها مع تفرق الأهواء وتشعب الآراء.
والله أعلم].
من المعلوم أن كتاب الله جل وعلا هو وحيه وقوله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد جل وعلا، يعلم ما يكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم الكائنات السابقة، وعلمه سابق لكل شيء، ولا يفوته شيء، هو محيط بكل شيء جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، وهو الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهو كامل بذاته وبصفاته وبأفعاله لا يتطرق إليه نقص بوجه من الوجوه، تعالى الله وتقدس.
ولكن من حكمة الله جل وعلا أنه جعل لعباده أموراً يختبرهم ويبتليهم بها، وهي أمور غيبية يخبرهم بها حتى يتبين من يصدق في إيمانه واتباعه ممن يتبع هواه أو يتبع من يعظمه من المخلوقين، وبذلك يتميز الصادق من الكاذب، ويتميز الذي يستحق الثواب ممن يستحق العقاب، وإن كان الله عالماً بكل شيء يعلم من الذي سيصدق قبل وجوده، ويعلم من الذي ينحرف ويلحد قبل وجوده، وقد كتب ذلك جل وعلا في كتاب لا يضل ولا ينسى، كتاب لا يغادر شيئاً، ولا يقع إلا ما في هذا الكتاب، وذلك من كمال علمه.
ولما كان جل وعلا رحيماً بعباده صار كل شيء يحتاج إليه العباد وجوده أكثر وأعم وأشهر، ولهذا صار الناس بحاجة ضرورية ماسة جداً إلى الماء، وصار وجوده كثيراً جداً، وكذلك الهواء، وكذلك الملح وغير ذلك، ومن ذلك معرفته جل وعلا، فطرق معرفته جل وعلا كثيرة جداً لا حصر لها، تعرف إلى خلقه بأمور كثيرة، حتى قال القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تعالى الله وتقدس.
فالدلائل عليه من أفعاله ومن خلقه ومن آياته الكونية والمنزلة التي نزلها على رسوله ﷺ كثيرة جداً.
أما الخلقية فهي كثيرة جداً، وهي قريبة جداً، حتى قال جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] أي: وفي أنفسكم آيات تدلكم على الله جل وعلا، فذكر صفات الله جل وعلا وأسمائه في كتاب الله جل وعلا كثير جداً، حتى قل آية إلا وتجد فيها اسماً من أسماء الله أو صفة من صفاته، وهذا له حكمة، ذلك أن الله جل وعلا بعلمه الأزلي علم أن الناس يحتاجون إلى هذا، وعلم بوجود الذين يحاولون إضلالهم وإخراجهم من دينهم.
وهذا حدث بعد الرسول ﷺ ، وإلا ففي وقته لم يكن أحد ينكر أسماء الله جل وعلا إلا نوادر وشواذ، كما ذكر في هذا الباب في سبب نزول قوله جل وعلا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] ذكر أن طائفة من قريش وليسوا كلهم -عناداً وتكبراً- أنكروا أن يكتب الرسول ﷺ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقالوا: الرحمان ما نعرفه، وإنما نكتب كما كان آباؤنا يكتبون، وهذا مثل قولهم: لا نعبد إلهاً واحد وإنما نعبد ما كان آباؤنا يعبدون، وليس معنى ذلك أنهم ينكرون ويلحدون في صفات الله جل وعلا مطلقاً، وإنما ذلك للعناد والتكبر، ومع ذلك بيّن ربنا جل وعلا أن هذا كفر، فإذا كانوا قالوا: ما نعرف أن الرحمن من أسماء الله، وإنما نكتب (باسمك اللهم) كما كان آباؤنا يكتبون فإن هذا عده الله جل وعلا كفراً فقال: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] فكيف بالذي ينكر معاني الأسماء؟! لأن الأسماء أخذت من المعاني، فالرحمان أخذ من الرحمة، والعزيز من العزة، والحكيم من الحكمة، والعليم من العلم، وهكذا كل اسم اشتق من الصفة، والصفات هي المعاني التي دلت الأسماء عليها؛ لأنها أخذت منها، فالذي ينكر الصفات أعظم جرماً وإثماً وكفراً من الذين أنكروا مجرد الأسماء، فالصفات أهل البدع لا يؤمنون بها بل ينكرونها، حتى سرى هذا الوباء وهذا المرض إلى أكثر المسلمين وللأسف، وأقصد بالمسلمين طلبة العلم، أما العوام فالله جل وعلا فطرهم على الحق فهم لا ينكرون ذلك بل يقرون به، وإذا جاءهم الخبر من الله صار مطابقاً لما في فطرهم فأقروا وآمنوا به، ولكن المقصود الذين تغيرت فطرهم بالتعليم، الذين تلقوا عن شيوخهم الكفر بالصفات وجحدها.
وهذا الكفر بالصفات أنواع، فمنه جحود وإنكار مطلقاً، ومنه طرق ملتوية، كالذين لا يجحدون النصوص ولكن يؤولونها تأويلاً يؤول بهم إلى إنكارها، وهؤلاء هم الأشاعرة، وأما الذين أنكروها رأساً فهم المعتزلة ومن سلك طريقهم من الطوائف، وربما يقول قائل: هؤلاء -والحمد لله- لا وجود لهم، فلماذا يُذكرون؟ ولماذا تنبش القبور وتذكر بشيء كان فبان ولا داعي إلى ذلك، وإنما الواجب أن يذكر الشيء الذين ينفع المسلمين ويفيد السامعين مما هم فيه وما يُحذر ويخشى عليهم منه؟ فنقول: إن لكل قوم وارثاً ولاشك، وأولئك لم يذهبوا، فقد ورثهم من ورثهم، وإن اختلفت الأسماء واختلفت الأنظار والطرق حسب اختلاف الزمن، وإلا فالمسألة واحدة فيما تؤول إليه.
والواقع أن أصل الملاحدة الذين ينكرون الآخرة، وينكرون وجود الله، وينكرون أن يكون بعد هذه الحياة حياة تكون حياة جزاء أصلهم مأخوذ من أولئك؛ لأن الإنسان العاقل إذا سمع أولئك يقولون -مثلاً-: إن الله ليس فوق وليس تحت، وليس يميناً وليس شمالاً، وليس داخل العالم ولا خارج العالم، وليس في مكان ولا يجري عليه زمان، إذا سمع الإنسان مثل هذا القول ماذا يتصور في ذهنه؟ يقول: لا وجود له، وهذا هو العدم تماماً، وهذه هي العقيدة الفاسدة الخبيثة التي سلكها أولئك، فينكر وجود الله جل وعلا ثم بناءً على ذلك ينكر الجزاء، وينكر الإعادة، وينكر الجنة النار، ويقول: إنما هي حياة مادة فقط، وليس بعد ذلك شيء، وإنما تبقى هذه الأيام وهذه العوالم على ما هي عليه دائماً قوم يموتون ثم يرثهم آخرون وهكذا، فيقال لهم: هؤلاء الذين يموتون من أين أتوا؟ ومن الذي جاء بهم؟ وما أصلهم؟ والعجيب أنهم يقولون: إن أصل هؤلاء حيوانات أو نبات من الأرض، ثم تطورت شيئاً فشيء إلى أن صارت بهذا الشكل، فإذا كان يتطور فلماذا هذا التطور؟! ولماذا لا يستمر هذا التطور؟! وما الذي يمنعه إذا كان كذلك؟ وكل ما يمكن أن يقولوه فهو باطل بالعقل، ولا يمكن أن يقتنع به عاقل أبداً، ولابد أن ينتهي وجود خلق إلى خالق، فالإنسان لا يمكن أن يستوعب في عقله أنه توجد سيارة بغير صانع أبداً، فسيارة بدون صانع وجدت بهذه الدقة وبهذا النظام وبهذا الشكل هذا لا يمكن، ولا يمكن أن يوجد كتاب مرتب على معانٍ وبكلمات وحروف بغير كاتب أبداً، هذا مستحيل، فالمخلوقات هذه لابد لها من موجد، ولابد لها من خالق، ثم هذه المخلوقات لا يمكن أن يوجدها مخلوق مثلها؛ لأن المخلوق نفسه عاجز عن إيجاد نفسه، فكيف يوجد غيره؟! فلابد أن ينتهي الأمر إلى موجدٍ قادرٍ عليمٍ كامل بنفسه غني بذاته عن كل ما سواه، وهو الله جل وعلا.
ولهذا جاء أن جبير بن مطعم لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] يقول: أحسست بقلبي كأنه أنخلع، وكأنه شيء مجذوب ثم لم يتمالك أن ذهب إلى الرسول ﷺ وأسلم، بسبب تأثره بقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] يعني: هل وجدوا بلا موجود؟ هذا لا يقبله العقل، فإذا كان هذا باطل جاء التقدير الثاني: هل هم خلقوا أنفسهم؟ وهذا أيضاً
стр. 1402
الهدى والخير في امتثال أمر الله ورسوله، ومن خالفها وقع في الحيرة والشك والانحراف
وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يقول: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] أي: أن هدي الرسول ﷺ بالوحي، فإذا كان هداه بالوحي فكيف يهتدي غيره بغير الوحي؟! هذا مستحيل لا يمكن.
فإذاً أصل القول بأن الواجب أن ينظر في مثل هذه الأمور إلى العقول قول باطل، ويسمون نظرهم وعقيدتهم وقواعدهم الكلامية يسمونها براهين قطعية، مع أنها في الواقع شكوك وسراب بقيعة إذا رآه الإنسان يحسبه شيئاً فإذا وجده لم تحصل على شيء، هذا هو الواقع.
ولهذا عند النهاية إذا كان الإنسان ذكياً من هؤلاء يحار، ويصبح يتمنى أن يكون مثل أمه، ومثل العجائز، ويقول: يا ليتني على دين العجائز مثل ما حصل لكثير من هؤلاء، حتى إن أحدهم يقول: إني إذا أمسيت أضع الملحفة على وجهي وأتفكر في دليل فلان ودليل فلان فيأتي الصباح وأنا لم أهتد إلى شيء، فالنوم يذهب عنه، والأكل يذهب عنه؛ لأنه في حيرة، وعند الموت يتمنى أنه على دين العجائز، كما قال الجويني عفا الله عنا وعنه لما حضره الموت قال يوصي أصحابه: لا تشتغلوا بالكلام، والله لو كنت أعرف أنه يصل بي إلى ما وصل ما اشتغلت به، وقد تركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي.
هكذا كان يقول، ثم يقول: وهأنذا لم أعرف شيئاً، بل أموت على عقيدة عجائز نيسابور.
وهل هذا صحيح؟ الشيء الذي في القلب لا يمكن يزول.
وكان يقرر عقيدته الفاسدة ويقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، فأين كان؟ وأين هو الآن؟ هكذا يقول.
فقام رجل من المسلمين أمامه وكان على كرسي فقال له: دعنا من هذا الكلام، ولكن أخبرنا عن شيء نجده في أنفسنا وأنت تجده في نفسك ضرورة، ما قال قائل: يا الله إلا وجد دافعاً من نفسه يدفعه إلى أن يطلب ربه من فوق، وما يطلبه من أسفل، ولا يمين ولا شمال، ولا تحت، فأخبرنا كيف نزيل هذه الضرورة؟ كيف نصدها من نفوسنا؟ فسكت، وصار يفكر في نفسه، ثم وضع يده على رأسه ونزل وصار يبكي، ويقول: حيرني الرجل حيرني! حيره لأنه لم تكن عقيدته على أساس فحار.
ودخل رجل آخر على عالم من هؤلاء من كبرائهم وعظمائهم، دخل عليه في بيته فوجده مستغرقاً في الفكر، فسلم عليه فلم يرد ﵇، ثم أعاد ﵇ ولم يرد ﵇، ثم أعاد السلام فلم يرد عليه؛ لأنه مشغول في فكره، عند ذلك قال الرجل المسلِّم: لابد أن هذا الرجل زال عقله فلماذا أجلس؟ أراد أن ينصرف، عند ذلك تنبه له فرفع رأسه وقال: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك به ساخراً، وقال: أعتقد ما يعتقده المسلمون، والحمد لله، فأطرق رأسه وجعل يبكي ويقول: ولكني -والله- ما أدري ماذا أعتقد فهذا رجل له من العمر ستون سنة، وهو يدرس ويناظر ويكتب ويتكلم، وبعد ذلك يقول: ولكني -والله- ما أدري ماذا اعتقد فكيف ذهب العمر وذهب التعب؟! وما السبب؟ السبب هو الإعراض عن كتاب الله، هذا هو السبب، أعرض عن كتاب الله وعن سنة رسوله ﷺ فصار هذا جزاءه.
إذاً لا هدي ولا طمأنينة وإيمان إلا بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فمن اعترض على ذلك فلابد أن يضل، ولابد أن يحار، وإذا كان ذكياً وأصبحت الأدلة تتكافأ أمامه، ويجد دليل فلان يقابله دليل فلان، وكلما جاء بدليل أبطله الآخر فالنتيجة أنه سيحار ويصبح حائراً، أما كتاب الله فلا يمكن أن يبطل؛ لأنه حق، ولأنه من لدن حكيم عليم جل وعلا، وهو يخبر عن الواقع، فإذا اكتفى الإنسان وتحصن به فهو في طمأنينة وفي سكون وفي إيمان وفي عافية من هذا البلاء.
وقد سبق أن قلت: إن مبدأ هذا الشيء جاء من اليهود ومن النصارى ومن المجوس لأجل إفساد عقائد المسلمين، وليس عن أمور مقنعة، فأدخلوا هذه الأمور على المسلمين حتى يحصل الخلاف بينهم وتذهب ريحهم وتضعف قوتهم، هذا هو المقصود فقط؛ لأنهم ما استطاعوا أن يقابلوا المسلمين بالقوة ففي كل موطن يقابلونهم بالقوة يهزمهم الله جل وعلا ويجعل أموالهم غنيمة للمسلمين وأكتافهم ممنوحة لهم، فعند ذلك قالوا: لابد من الحيلة، ولابد من أن يقاتلوا في عقائدهم؛ لأن هذه العقيدة التي جاءوا بها لا يمكن أن تقاوم بالقوة المادية، حتى إذا فسدت أمكن ضعفهم، وهذا هو الواقع، ولا يزال هذا الأثر إلى الآن، وسيستمر إلى أن يشاء الله جل وعلا.
وسنة الله جل وعلا أنه جعل بين الحق وبين الباطل صراعاً يتصارع الحق مع الباطل دائماً، ولا يمكن أن يكون الباطل مصاحباً الحق، فهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، ومن وقف مع كتاب الله جل وعلا ومع سنة رسوله ﷺ فسوف يكون له النصر في نفسه، وقد يكون النصر متعدياً في نفسه ظاهراً حسب إرادة الله جل وعلا.
стр. 1403
أساس الإيمان معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته
أساس الأيمان هو معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، وهذا هو السبب الذي ذكر المؤلف هذا الباب من أجله، فيبيّن أنه لابد للمسلم من أن يؤمن بأسماء الله وصفاته على ما جاء في كتاب الله من غير التحريف الذي يقول أصحابه: إنه تأويل، أي: أنه تفسير، وهو في الحقيقة تأويل، فيجعلون ظاهر الكلام غير مراد، ويقولون: والمراد شيء آخر، دلنا على هذا المراد العقل والقرائن.
ونقول: كيف يكون العقل دالاً على خلاف كلام الله جل وعلا وعلى خلاف ظاهره؟! هذا لا يمكن.
وكما ذكرت فهم يقولون -مثلاً-: الرحمة رقة تكون في قلب الراحم يحدث منها ميله إلى المرحوم، فيحدث العطف عليه والإحسان إليه، والله يجب أن ينزه عن مثل هذا؛ لأن هذا فيه نقص.
ونقول: هذه يقال فيها: هذه رحمة النساء، ورحمة الضعفاء، ورحمة المخلوق الضعيف التي تليق به، أما رحمة الله فهي رحمة لا تشبه رحمة المخلوق، وكما أنه جل وعلا لا يشبه المخلوق، فكذلك صفاته، هكذا يجب أن يكون الجواب عليهم، وكلما قالوا شيئاً يجابون بهذا.
ولهذا لما جاء رجل إلى الأمام مالك وقال له: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال له الأمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان بالاستواء واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، ولا أراك إلا رجل سوء)، ثم أمر به أن يطرد من المجلس لأنه أساء.
فالكيفية هي الحالة التي يكون عليها الموصوف، وهذه الحالة تحتاج إلى المشاهدة، ولا أحد يشاهد الله جل وعلا، وأما معنى الاستواء فهو معلوم، ففي اللغة معناه واضح، وهو العلو على الشيء والارتفاع والصعود عليه، هذا معنى الاستواء.
وهكذا يقال في السمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والإرادة، والنزول، وغير ذلك من صفات الله كلها يقال فيها: المعنى الذي خوطبنا به معلوم نعرفه، وكيفية اتصاف الرب جل وعلا في ذلك أمر مجهول لا يمكن أن يُوصل إليه؛ لأن هذا لابد له من أحد شيئين: إما المشاهدة، وإما أن يكون الموصوف له نظير مثله يشاهد فنقيسه عليه، وكلا الأمرين مستحيل في هذه الدنيا.
والله لا مثل له، ولا أحد يشاهده جل وعلا.
ثم ذكر المؤلف أن منشأ التعطيل هو التشبيه؛ لأنهم شبهوا فقالوا: إننا لا نعرف من هذه الصفات إلا ما نعرفه من نفوسنا فصاروا ينفونها لئلا يقعوا في التشبيه إذا أثبتوها، ثم إنهم عطلوه، وألحقوه بالمعدومات أو بالجمادات، فصاروا مشبهين له بالناقصات، فصار التشبيه الأخير أشر من التشبيه الأول؛ لأن المعطل يلزمه أن يكون مشبهاً ولا ينفك عن التشبيه؛ إذ كل معطل مشبه؛ لأنه يشبه بالناقصات أو المعدومات، تعالى الله وتقدس.
стр. 1404
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٤]
الواجب على المسلم التسليم للشرع في كل ما جاء به، والإيمان بمحكم النصوص ومتشابهها، وقد اختلفت آراء السلف في تعيين المتشابه، إلا أن جميع ما قالوه لا يدخل فيه أسماء الله وصفاته.
стр. 1405
شرح أثر علي بن أبي طالب ﵁: (حدثوا الناس بما يعقلون)
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [وفي صحيح البخاري قال علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)].
ذكر المصنف هنا أثر علي: (حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله).
وذكر العلماء أن سبب هذا القول من علي بن أبي طالب ﵁ أن في وقته كثر القصاص، والذين يذكرون الحكايات التي يكون فيها غرابة، بل قد يكون فيها أمور غير معروفة، وقد تكون هذه الأمور الغريبة مأخوذة إما من التوراة أو من الإنجيل أو من الكتب الأخرى التي جاءت من عند الله ويكون أصلها حقا، ولكن عقول السامعين لا تحتملها، فنهاهم أن يحدثوهم إلا بالشيء الذي ينفعهم، والشيء الذي يعرفونه، وليس معنى هذا أنه يقول: لا تحدثوا الناس بصفات الله حتى لا يقعوا بالإنكار في الكفر، فإن هذا لا يقوله عالم يعرف الحق فضلاً عن أن يقوله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وكتاب الله مملوء من صفات الله جل وعلا، وكذلك أحاديث رسوله ﷺ ، فقد كان يحدث في المجامع بأحاديث الصفات، ولم يُحك أنه أنكر ذلك.
أما ما يروى عن الإمام مالك أنه كره أن تذكر الصفات عند عامة الناس فهذا لا يصح عنه كما قال العلماء؛ لأن الكتاب والسنة على خلاف هذا، وإنما المقصود في هذا الأمور الغريبة، مثل الذي يحدث في صفات الملائكة التي قد لا تستوعبها عقول كثير من الناس العوام، فلا ينبغي أن يُحَّدث في مثل هذه الأمور التي يستنكرونها؛ لأنهم إذا استنكروها وقعوا في محظور إنكار الحق إذا كان حقاً، ويكون ذلك نقصاً عليهم، وإذا تركوا على ما هم عليه وحدِّثوا بالشيء الذي يلزمهم من معرفة الله جل وعلا ومعرفة دينه فهذا هو الواجب، وهذا هو المقصود في الحديث، وليس معنى ذلك أن صفات الله جل وعلا تنكرها العقول، بل العقول تقر بها، وهي موافقة لما في الفطر، إلا أنه جل وعلا أعظم من كل شيء، وكلما يقدر الإنسان في نفسه من شيء فالله أعظم منه، قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وكلما حدث للإنسان شيء من الأمور التي يستعظمها يجب أن يذكر هذا الآية، فإذا كانت المخلوقات كلها الأرض، والسموات، ومن فيهما يقبضها الله جل وعلا بيده وتكون صغيره بالنسبة إليه فكيف يمكن أن يوصف بشيء من أوصاف المخلوق؟! تعالى الله وتقدس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
стр. 1406
النهي عن أحاديث القصاص التي لا فائدة منها، وبيان بعض المبالغات التي فيها
قال الشارح ﵀: [علي هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب، وأحد الخلفاء الراشدين، وسبب هذا القول -والله أعلم- ما حدث في خلافته من كثرة إقبال الناس على الحديث، وكثرة القصاص وأهل الوعظ، فيأتون في قصصهم بأحاديث لا تعرف من هذا القبيل، فربما أستنكرها بعض الناس وردها، وقد يكون لبعضها أصل أو معنىً صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك، فأرشدهم أمير المؤمنين ﵁ إلى أنهم لا يحدثون عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه؛ من بيان الحلال من الحرام الذي كلفوا به علماً وعملاً، دون ما يشغل عن ذلك مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله فيفضي بهم إلى التكذيب، ولاسيما مع اختلاف الناس في وقته وكثرة خوضهم وجدلهم.
وقد كان شيخنا المصنف ﵀ لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم وعباداتهم ومعاملتهم الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزي كـ (المنعش) و (المرعش) و (التبصرة) لما في ذلك من الإعراض عما هو أوجب وأنفع، وفيها ما الله به أعلم مما لا ينبغي اعتقاده، والمعصوم من عصمه الله].
(المنعش) و (المرعش) و (التبصرة) من كتب ابن الجوزي، وهي مطبوعة ومعروفة، ولكن فيها حكايات وفيها كلام يحتاج إلى نظر في الواقع، والعادة التي جرى عليها الناس أن هذه الكتب تُقرأ على العوام، وهذه تقرأ على العوام وفيها شيء قد لا يكون له أصل، مثلما ذكر أن آدم ﵇ لما أهبط نزل في وادي (صرمديد) فبكى حتى جرى ذلك الوادي من دموعه، ونبت على دموعه الدرافين والفلفل، وصار من طير ذلك الوادي الطاووس، ومثل هذا لا يجوز أن يعتقد ولا أساس له، وكما يذكر أيضاً أن فلاناً بكى حتى نبت من دموعه العشب على الأرض، وهكذا، فمثل هذه الأشياء تكون باطلة ولا تعقل.
فلا ينبغي أن يحدث بها الناس الذين إذا سمعوها صدقوا بها وآمنوا بها وجعلوا يتناقلونها وربما اعتقدوها، وهذه وأمثالها كثيرة توجد في مثل هذه الكتب، فلهذا كره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن تُقرأ على العوام، أما كون الإنسان إذا كان طالب العلم يقرأ فيها ويميز بين الحق والباطل ويستفيد منها فلا بأس، أما أن تقرأ على عوام المسلمين الذين لا يميزون بين الحق والباطل فهذا لا ينبغي، فهذا الذي كرهه من هذه الناحية.
فلا ينبغي في مثل هذا أن يعتقد أن آدم نزل يبكي، بل آدم ﷺ نزل ليعمر الأرض بالطاعة والعبادة، وليس بمجرد البكاء، فهو مثل ما قال الله جل وعلا: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فالخليفة هو الذي يخلف من سبقه، وليس معنى ذلك أنه خليفة لله كما يقوله كثير من الناس، فالله ليس له خليفة تعالى الله وتقدس، وإنما هو خليفة لمن سبقه في الأرض، وقد قال المفسرون: إن آدم سبقه الجن إلى الأرض وأفسدوا فيها فقاتلتهم الملائكة، ولهذا قالت الملائكة لما قال جل وعلا: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠] أي: كما حدث ممن كان قبله، قالوا ذلك لأنه حدث مثل هذا ممن كان قبله.
فالمقصود: أن آدم ﵇ ونوح وداود وأنبياء الله حياتهم كانت ليست لأجل البكاء فقط، فهم يبكون من خشية الله ومن خوفه، لكن لم يجلسوا يبكون حتى سالت الأودية من دموعهم، بل لا يعقل أن آدمياً يسيل من دموعه الوادي ثم تنبت عليه الأشجار ويكون من طيوره الطاووس وما أشبه ذلك، فهذه كلها حكايات وكلام لا يجوز أن يُصدق، وليس عليها دليل، حتى ذكر في هذه الكتب وغيرها ما هو من وصف نبينا محمد الله ﷺ وأصحابه، وهي كلها غير صحيحة.
ومثل أمورٍ يذكرونها عن عمر ﵁ أنه كان يقرأ الآية ثم يمرض ويبقى أياماً يعوده الناس من جراء قراءته للآية، وهذا كله غير صحيح، بل كان ﵁ يقرأ الآية ويبكي، ثم بعد أن ينتهي من صلاته يدبر أمر الجيش الذي يرسله، وقد يفكر فيه في نفسه ويدبره، فيجمع في قلبه بين خشية الله وتدبر القرآن والبكاء وبين الأعمال الصالحة من الجهاد في سبيل الله وتدبير الأمور، وهكذا كل الكتب الذي ذكرها الشيخ وغيره فيها من هذا النوع شيء كثير، وأكثرها باطل لا يجوز اعتقاده.
стр. 1407
نهي السلف للقُصاص عن القص، وسبب ذلك
قال الشارح ﵀: [وقد كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁ ينهى القصاص عن القصص؛ لما في قصصهم من الغرائب والتساهل في النقل وغير ذلك، ويقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور)، وكل هذا محافظة على لزوم الثبات على الصراط المستقيم علماً وعملاً ونية وقصداً، وترك كل ما كان وسيلة إلى الخروج عنه من البدع ووسائلها، والله الموفق للصواب ولا حول ولا قوة إلا بالله].
قال المصنف ﵀ رحمةً واسعة: [وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: ما فَرَق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه! انتهى].
المقصود بالقصص الذي ذكر بأنه يُنهى عنه وأنه لا يقصه إلا أمير أو مأمور مثل الخطب والمحاورات التي تُلقى على العامة؛ لأن هذه يكون فيها تساهل في ذكر الأشياء والنقل، وقد يُقصد بها الأمور التي تعجز الناس ويكون ليس لها أصل، وهذا غالب على الوعاظ؛ فإنهم يذكرون الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ويذكرون القصص عن الأولين وما فيها من الغرائب، مثل المنامات والحكايات التي تكون فيها مخالفة لما ثبت في كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، ثم يترتب على ذلك اعتقاد ما في هذه القصص؛ لأن السامع لا يفرق بين ما هو ثابت وما ليس بثابت، ولهذا ينهى عن مثل هذه الأشياء حفاظاً على عقائد المسلمين أن تتغير بهذه الأمور، وإذا كان الذي يقص غير مأمور فمعنى ذلك أنه مختار، وأنه يستطيع أن يميز بين الضار والنافع، فإذا كان هذا الذي يقص من قبل نفسه غير أهل لهذا الأمر فإنه ينهى عنه.
أما إذا كان مأموراً من قبل المسئول ولي الأمر فإن في الغالب أن يكون أهلاً لذلك، فيعرف كيف يقص، ويعرف الذي يكون ثابتاً من الذي يكون غير ثابت، وكذلك إذا كان أميراً فهو كذلك من هذا القبيل يكون عارفاً بالأمور التي يقصها والتي تنفع من التي لا تنفع، هذه هي صفة الوضع في الزمن المتقدم، ومثل ذلك الكتب التي تؤلف في المواعظ والقصص والحكايات، فإن فيها كثيراً مما لا يجوز اعتقاده؛ لهذا لا ينبغي أن يقرأها الذي لا يميز بين الصحيح من غيره، ولا يجوز أن يقرأها، وإذا قرأها فيجب أن يكون عنده من يميز ذلك لئلا يعتقد باطلاً.
أما الحديث الذي ذكره عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه ذكر حديثاً فانتفض رجل عنده فقال: (ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه!) فقوله: (ما فَرَقُ) هكذا جاء من باب الاستفهام، و (الفَرَقُ) هنا معناه: الخوف والجزع، وجاء في رواية: (ما فرّق هؤلاء) فتكون (ما) نافية، ويجوز في الراء أن تكون مشددة ويجوز أن تكون مخففة: (ما فرَق هؤلاء؟) و (ما فرَّق هؤلاء)، وعلى الرواية الأولى تكون (ما) استفهامية، وعلى الثانية تكون (ما) نافية، والمعنى على الأولى أنه استفهام من باب النهي، وأن هؤلاء إذا جاءهم من النصوص ما هو محكم وواضح يجدون رقه في قلوبهم ويجدون خشوعاً، أما إذا جاء منها شيء متشابه عليهم فإنهم يهلكون، ومعنى (يهلكون) أنهم يكذبون بها أو يردونها؛ لأن هذا الذي انتفض انتفض إنكاراً لما سمع وهو حق؛ لأنه استعظم إما لأنه لم يألفه أو أن قلبه لم يستوعبه ويدرك معناه، فصار كبيراً عنده، ففرق منه، أي: خاف وحصل له ما حصل.
وبذلك يكون رد حقاً فيهلك في هذا، والمعنى على الرواية الثانية: أنهم ما فرقوا بين الحق والباطل، وبين الذي يجب أن يُقبل وبين الذي يجب أن يُرد، والذي يكون عنده فرقان هو الذي يعلم ويتعلم ويعرف ويسلك الطريق الحق، وليس معنى هذا أن هناك في النصوص شيء متشابه لا يفهم ولا يعرف؛ لأنه لم يرد في كتاب الله جل وعلا إلا ما هو معلوم للمخاطب، حيث خاطبنا ربنا جل وعلا بقرآن عربي مبين وواضح، وليس فيه شيء لا يُفهم.
стр. 1408
تعريف المحكم والمتشابه
وقد اختلف العلماء: ما هو المتشابه؟ وما هو المحكم؟ فمنهم من قال: المتشابه: هو ما ورد ثم نسخ، والمحكم هو: الناسخ الذي نسخ ما سبقه.
ومنهم من قال: المتشابه مثل فواتح السور التي بدأت بالحروف المقطعة (ألم، حم، طس، طه) وما أشبه ذلك، فهذه متشابهة؛ لأن هذه الحروف لا يعرف معناها، والمحكم ما عدا ذلك.
ومنهم من قال: المتشابه: هو ما احتمل معناه حقاً موافقاً للمحكم.
ومنهم من قال: المحكم: هو الأوامر والنواهي الواضحة الجلية من الأحكام كالأمر بالتوحيد والعبادة، وأما المتشابه فهو: الإخبارات بالأمور المغيبة التي لا يدرك كنهها ولا حقيقتها إلا بالمشاهدة، والوقوف عليها، فإذا جاء تأويله يوم القيامة عرفت.
وفي كل هذه الأقوال ليس فيها أن آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتشابه، كما يقوله من يقوله من المتأخرين من علماء الأشعرية وغيرهم، فإنهم جعلوا آيات الصفات متشابهه، مثل قوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة، وهذا باطل قطعاً لم يقل أحد من السلف: إنه من المتشابه، وإنما قال به هؤلاء الذين سلكوا غير طريق السلف فضلوا في ذلك.
فالصفات محكمة وظاهرة وواضحة، كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) أي أن كيفية الصفة مجهولة؛ لأن الكيفية هي الحالة التي يكون الموصوف عليها، هذه هي الكيفية، وهذه تتطلب المشاهدة، ولا أحد يشاهد الرب جل وعلا، فصارت مجهولة، ولكن المعنى الذي خوطبنا به واضح وجلي وليس فيه أي تشابه.
والصواب أن التشابه في كتاب الله جل وعلا نسبي، ومعنى أنه نسبي أنه قد يكون عند شخص متشابهاً وعند غيره واضحاً جلياً محكماً ظاهراً ليس فيه تشابه، ولهذا اختلف العلماء في الوقف على قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فمنهم من يقف هنا ويقول: هنا وقف لازم (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)، ومنهم من لا يقف، ويقرأها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ويقف هنا، يعني أن الراسخين في العلم يعرفون تأويله، وهذا قول ابن عباس ﵁ وغيره من علماء الصحابة وغيرهم أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعلم -كما يعتقده من يعتقده- لأنه واضح، وإن كان بعض الناس قد يشتبه عليه، ولكن عند الرجوع إلى المحكمات أو إلى العلماء يزول هذا التشابه، ويصبح ليس فيه متشابه، ويصبح واضحاً محكماً جلياً، وهذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء.
وكل ذلك لا يدل على أن الصفات متشابهة، بل هي محكمة ظاهرة جلية وواضحة، ونحن خوطبنا بشيء نفهمه ونعرفه، أما الكيفيات والحقائق فهذه لم تطلب منا، وإنما طلب منا أن نكلها إلى عالمها.
والآية تدل على هذا، وقوله جل وعلا: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: هن أصل الكتاب، فإذا رددت الذي فيه تشابه إليها تبين ووضح وزال التشابه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] تُردُّ إلى هذا الذي هو أم الكتاب فيزول التشابه.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] يدل على أن الزيغ الذي في قلوب هؤلاء يدعوهم إلى أن يتركوا المحكم الجلي ويتبعوا الشيء الذي فيه تعلق لهم طلباً للفتنة، يطلبون الفتنة التي هي زيغ القلوب والضلال، أما إذا كان الإنسان خالياً من هذه الصفة ليس في قلبه زيغ ولا يطلب الفتنة فإنه لا يحدث له ذلك، ولا يحدث عنده تشابه، فإذاً التشابه عند قوم معينين يطلبون الفتنة، والزيغ موجود في قلوبهم، وهو الذي يدعوهم إلى ذلك، والفتنة هي أن يوافق الأمر الذي يريدونه ما في قلوبهم مخالفاً للحق الذي أريد، فيكون هذا أيضاً زيادة فتنة لهم، نسأل الله العافية، والواقع شاهد بهذا، فكل مبتلى يمكن أن يتعلق بشيء من القرآن ولو من بعيد، حتى إن الدجالين الكذابين الذي كذبهم ظاهر جلي مثل البهائية والبابية والأحمدية وغيرهم ممن كذبهم لا يخفى على العقلاء فضلاً عن الذين عندهم علم، حاولوا أن يتعلقوا بشيء من القرآن ويزعموا أنه يدل على باطلهم، مع أن القرآن فيه قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وهم زعموا أنهم أنبياء، فكيف القرآن يدل على زعمهم؟ هذا من أمحل المحال، ولكن المقصود أن كل ضال يمكنه أن يتعلق بشيء ولو من بعيد، ويلبس على الجهال، ويزعم أن القرآن يدل على مقصوده وقوله.
ومن العجائب التي تكون مضحكة في الواقع أن الرسول ﷺ نص نصوصاً بلغت حد التواتر أنه خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، فقال: (لا نبي بعدي)، وعلى أمته تقوم الساعة، ثم يأتي كذاب دجال أشر ويقول: أنا اسمي (لا) حتى يلبس على الناس ويقول: أنا الذي قال في الرسول ﷺ : (لا نبي بعدي) يحرف الكلام الذي يكون نصاً على إبطال دعواه ليدل على دعواه، ولهذا النصارى منهم من زعم أن القرآن يدل على التثليث، وهذا أيضاً من هذا الجنس من العجائب، فقالوا: إنا نجد في القرآن (إنا) و (نحن) ضمائر الجمع، وهذا يدل على أن المعبودين جماعة.
وهذه أدلة للمبطلين الذين باطلهم ظاهر لكل أحد، يتعلقون بشيء من النصوص بالتدليس والكذب والتغطية-تغطية الباطل الواضح-حتى يمكن أن ينطلي على الجهال، فكيف بالذي أعطي منطقاً وأوتي علماً وأعطي كذلك فصاحة وبياناً؟ إنه يستطيع أن يدلس، ويستطيع أن يلبس فيضل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل في كتاب الله)، فإن هذا يكون فتنة لكل مفتون، نسأل الله العافية، يفتن الناس بهذا السبب.
والخلاصة أن العبد عليه إذا ورد شيء من النصوص في كتاب الله أو في حديث رسوله ﷺ وصح ذلك أنه يقبله ويقول: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ ولو لم يفهم، ثم معرفة معناه إذا أمكن، وإذا لم يمكن يكفيه ذلك، وأن يعرف أنه حق وإن لم يدرك معناه ويكتفى بهذا، ويكفيه ذلك في النجاة، فإذا عرف معناه وأرجعه إلى الواضح الجلي فهذا هو المطلوب، وهذا الذي يكون به زوال الشك إذا قُدِّر أنه يرد على القلب.
أما إذا لم يستطع ذلك فليسلم ولينقد وليؤمن بالله وبما جاء عن الله تعالى، ويؤمن برسول الله ﷺ كما جاء عن رسول الله ﷺ ، كما قال الإمام الشافعي ﵀: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله جل وعلا، وآمنت برسول الله ﷺ وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ .
يعني أنه يسلم وينقاد، وهذا هو الواجب.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: وروى عبد الرزاق.
هو ابن همام الصنعاني المحدث، محدث اليمن، صاحب التصانيف، أكثر الرواية عن معمر بن راشد صاحب الزهري، وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيراً، ومعمر -بفتح الميمين وسكون العين- أبو عروة بن أبي عمرو راشد الأزدي الحراني ثم اليماني، أحد الأعلام من أصحاب محمد بن شهاب الزهري يروي عنه كثيراً].
معمر بن راشد ليس من اليمن، وإنما هو من أهل البصرة، وتعلم في البصرة وأخذ العلم عن البصرة، وكان عالماً كبيراً وحافظاً مشكوراً، فذهب إلى اليمن على عادة العلماء في الرحلة، ولكنه لما أتى إلى اليمن أعجب أهل اليمن بكثرة روايته وغزارة علمه، ولم يكن ذا أهل باليمن ولا بغيرها، فأراد أن يرجع من اليمن، فاجتمعوا وتشاوروا كيف يصنعون، فقال أحدهم: قيدوه.
قالوا: كيف نقيده؟ قال: زوجوه فزوجوه وقيدوه بالزوجة، فصار من أعظم من نشر العلم هناك، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق شيخ الإمام أحمد وغيره من الأئمة الكبار الذين أخذوا عنه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: عن ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس اليماني، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، وقال ابن عيينة: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: عن أبيه هو طاوس بن كيسان الجندي -بفتح الجيم والنون- الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان.
قاله ابن الجوزي.
قلت: وهو من أئمة التفسير ومن أوعية العلم، قال في تهذيب الكمال: عن الوليد الموقري عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة.
قال: ومن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: فبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية.
قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.
قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء.
قال: إنه لينبغي ذلك.
قال: فمن ي
стр. 1409
دلالات نصوص الصفات
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: عن ابن عباس قد تقدم، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، ودعا له النبي ﷺ وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وروى عنه أصحابه أئمة التفسير، كـ مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس وغيرهم.
قوله: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يستفهم من أصحابه يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، فإذا سمعوا شيئاً من محكم القرآن ومعناه حصل لهم فرق -أي: خوف-، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين].
يقول هذا لأنه ورد في رواية أنه ذكر الحديث: (إذا جلس الله على عرشه يوم القيامة) فانتفض رجل، ولهذا قال هذا القول، فقال: إنه إذا ورد شيء من هذه الصفات -بناء على هذه الرواية- انتفضوا كالمنكرين.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الذهبي: حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: (إذا جلس الرب على الكرسي) فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها.
أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية].
كلمة (جلس) هذه لم يرد فيها حديث صحيح، أعني (جلس على الكرسي) أو (على العرش)، وإنما الذي ورد الاستواء، وهو أن الله استوى على عرشه، ويجب أن يقف الإنسان في الصفات على الوارد فقط ولا يتعداه، وإن كان اللفظ الثاني بالمعنى، إلا أن يكون ذلك تفسيراً له، فيفسره بلفظ مرادف له فهذا لا بأس به، فيكون هذا من باب التفسير إذا سأل إنسان: ما معنى الاستواء؟ لأن بعض الناس يجهل معنى الاستواء، فيقال له: معنى الاستواء: الارتفاع عن الشيء، أو العلو عليه، أو الاستقرار عليه، أو الصعود فوقه وكل هذه بمعنى واحد، فليس معنى هذا أنها نصوص يجب أن تقال، ولكن نقول: هذا تفسير للاستواء، فهذا معناه المفهوم في اللغة.
وهكذا إذا قال إنسان: ما معنى السمع؟ تقول: السمع هو إدراك المسموعات وإن دقت.
يدركها جل وعلا ولا تفوته، كما أن البصر إدارك المبصرات، وهكذا، فالسؤال عن معنى الصفة ليس ممنوعاً إذا كان الإنسان لا يعرفها، ولكن الممنوع السؤال عن الكيفية، فالكيفية مجهولة، أما المعنى فهو معروف في اللغة التي خوطبنا بها، ومن جهل المعنى يوضح له ويبين.
ثم إنه لا يجوز أن يثبت شيء لله جل وعلا لم يثبت بالنص، لهذا عند العلماء أن الصفات مأخوذة من القواعد التي قعدوها أخذاً من الكتاب والسنة، وما قعدوا شيئاً من عند أنفسهم، بل قالوا: إنها توقيفية.
أي: إننا نقف معها على النص فقط، فلا نقيس، ولا نبني على العقل ولا على النظر، وإنما نقف على النص فقط.
فهذا هو الطريق، فإذا جاء في كتاب الله جل وعلا أو صح عن النبي ﷺ وجب أن نقول به ونصف الله به ونضيفه إلى الله جل وعلا صفة أو اسما، أما إذا لم يصح الحديث فلا يجوز أن نصفه بما في الحديث الضعيف، ولا يجوز أن نثبت به صفة من صفات الله جل وعلا، وكما أنه لا يثبت به حكم من الأحكام التي تتعلق بأفعال المكلفين فكيف يثبت به صفة من صفات الله جل وعلا؟!
стр. 1410
أسباب لانحراف أهل البدع
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به، فتشبه حالهم حال من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، فلا يسلم من الكفر إلا من عمل بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يفهم منه غير المراد من المعنى الذي أراد الله فيحمله على غير معناه، كما جرى لأهل البدع كالخوارج والرافضة والقدرية ونحوهم ممن يتأول بعض آيات القرآن على بدعته، وقد وقع منهم الابتداع والخروج عن الصراط المستقيم، فإن الواقع من أهل البدع وتحريفهم لمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس ﵄، وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا ورد المتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه].
وقد يكون هناك سبب غير هذا، وهو الظاهر، فهناك أسباب متعددة، وليس ما ذكره هو السبب الوحيد لانحراف أهل البدع، بل من أعظم الأسباب اتباع الهوى، فهذا من أعظم أسباب انحرافهم؛ لأنهم يتبعون أهواءهم، ولهذا يسميهم أهل السنة (أهل الأهواء)؛ لأنهم يتبعون ما يهوونه وما يشتهونه، وقد يكون أيضاً هناك سبب آخر، وهو أن يكون يريد إفساد الدين، فهو زنديق منافق يدخل مع المسلمين في الظاهر وهو في الباطن يريد حربهم وإفساد دينهم، وهذا وجد وصار له تأثير.
فالمقصود أن البدع صار لها أسباب متعددة ليست مقصورة على الجهل فقط.
стр. 1411
تفسير المتشابه عند السلف
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه.
قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم -وصححه- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا)].
التشابه على هذا القول هو الذي يشتبه معناه على السامع، فيصبح معناه مشتبهاً، فما يدري أمعناه كذا أو معناه كذا.
ومثل هذا يجب عليه أن يقول: آمنت به فهو من عند الله.
وليست هذه صفة القرآن في الواقع، فالقرآن بين واضح، وقد أخبر الله جل وعلا أنه كله محكم، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:١]، فكل آياته محكمة ومفصلة من لدن حكيم خبير جل وعلا.
أما ما جاء في وصفه بأنه كله متشابه كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] فكونه متشابه هنا يعني أن معناه يشبه بعضه بعضا، لا أنه متشابه على السامع يختلف عليه، بل معناه أنه يصدق بعضه بعضا، ويشبه بعضه بعضاً لكونه من الله جل وعلا وحده، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]، فوصف مرة بأنه كله محكم، ووصف أخرى بأنه كله متشابه، والإحكام واضح بأنه محكم مفصل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يأتيه نقص، ولا يأتيه تناقض، وليس فيه تفاوت، بل هو محكم مفصل -أي: مبين-، ومحكم ليس فيه شيء يناقض شيئاً، ولا يمكن أن يدخله تعارض.
وأما كونه كله متشابهاً فهو أنه يشبه بعضه بعضاً في الإحكام والتفصيل والإعجاز والبيان والإيضاح وكونه أعظم كتاب لا أحد يستطيع أن يأتي بشيء مثله.
وليس في هذا يشتبه على السامعين فلا يعرفون معانيه، ليس هذا المقصود، بل التشابه يكون في بعض الآيات نسبياً، ومعنى أنه بالنسبة لبعض الناس يكون متشابهاً، أما العلماء فليس عندهم بمتشابه، بل هو واضح وجلي، ولهذا جاء عن ابن عباس وصفه لكتاب الله أنه على أقسام: قسم تعرفه العرب من كلامها، وقسم يعرفه العلماء، وقسم لا يجهله أحد، بل العامة تعرفه، فإذا قال الله: (أقيموا الصلاة)، و (اعبدوا الله) فما هناك أحد يعرف اللغة العربية إلا وهو يعرف هذا المعنى، ولم يجعل فيه شيء لا يعرفه إلا الله.
نعم.
بعض العلماء قال: إن هناك أشياء لا يعلمها إلا الله، وهي حقائق الأمور المخبر عنها، مثل حقائق ما أخبر عنه جل وعلا في الموقف، أو في الجنة أو في النار، فهذا شيء معلوم في الجملة أنه له نظير، ولكن ليس مثله ولا قريباً منه، فالله أخبرنا أن في الجنة عنباً ونخلاً وفواكه، وأنَّ فيها زوجات، وأن فيها أنهاراً، ولو قيل لإنسان: هناك نهر من لبن فلن يصدق، فالمقصود أن اللبن والخمر والعسل نعرفه عندنا، ولكن هل هو الذي في الجنة؟ لا ولا بقريب منه، وإنما يتفق معه في الاسم فقط، أما في اللون وفي الرائحة وفي الطعم وفي الحقيقة فهو لا يعرفه إلا من كان فيه وأكله أو شربه أو نظر إليه.
والله جل وعلا يقول في المؤمنين: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] و (نفس) نكرة، يعني: لا يعلم ذلك ملك، ولا رسول، ولا بشر، ولا أحد يعرف ذلك وابن عباس يقول: ليس عندكم مما في الجنة إلا الأسماء، أما حقائق الأشياء فليست معروفة.
وكذلك النار -نسأل الله السلامة والعافية-، فعذابها وأغلالها وعقاربها وحياتها ومقارعها وزقومها وكل ما فيها ما يعرفه على الحقيقة إلا من كان فيه، وإن كان في الجملة له نظير نفهم بواسطة ما خوطبنا به، ولهذا استدل العلماء بهذه الأمور على أن الواجب على الإنسان إذا سمع صفات الله جل وعلا أن يؤمن بها على ظاهرها مع مخالفة الحقائق لما يعرفه، فحقائقها مختلفة، فإذا كانت الحقائق للمخلوقات لا تتفق فكيف بين الخالق والمخلوق جل وعلا.
ولهذا كان رجل ممن عنده انحراف أو من المتسرعين يتكلم في آيات الصفات، فبلغ شيخه أنه يتكلم، فاستدعاه لينصحه، فقال له: يا بني! أخبرني عن مخلوق من مخلوقات الله صغير له ستمائة جناح، جناحان في جنبيه، فالبقية أين تكون؟ فقال: كيف أصفه لك؟ لا أعرف.
قال: كيف لا تعرف مخلوقاً من مخلوقات الله، ولا تعرف وصفه وتذهب تتكلم في الله جل وعلا الذي هو أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء؟! فصارت هذه موعظة له وانتهى عما كان فيه.
فالمقصود أن التشابه ليس كما يدعي بعض الناس ويقول: إن صفات الله متشابهة ويجب ألا نخوض فيها.
فهذا معناه أنه يجب ألا نعتقد ظاهرها، ولهذا إذا ذكر الاستواء وما أشبه ذلك قالوا: هذا من المتشابه الذي لا يجوز أن نعتقد ظاهره.
ثم يذهب القائل يؤول، فكيف يكون متشابهاً ثم يذهب يأوله ويقول: معناه كذا ومعناه كذا؟ تناقض دعاه إليه ما في قلبه من الزيغ، نسأل الله العافية.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] الآية قال: طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] قال: منهن قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] إلى ثلاث آيات، ومنهن: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخر الآيات].
يعني الآيات التي فيها الأوامر الواضحة الجلية من المحكمات، وهي كثيرة جداً.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﵃: المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات].
هذا قول ثالث ولا يخالف ما سبق.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧]، فقال أبو فاختة: هن فواتح السور منها يستخرج القرآن.
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢] منها استخرجت البقرة، و ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران:١ - ٢] منها استخرجت آل عمران.
وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود وعماد الدين.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، وأخر متشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق].
وفي هذا قول رابع، وهو أن المحكم هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، والمتشابه هو الذي يحتمل عدة معانٍ، أما المحكم فهو يكون واضحاً معناه لا يحتمل إلا معنى، كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦]، وكذلك (أقيموا الصلاة) وما أشبه ذلك، وهذا يعود إلى القول الثالث.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان أنه قال: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) لأنه ليس من أهل دين لا يرضي بهن، (وأخر متشابهات) يعني -فيما بلغنا- (الم) و (المص) و (المر).
].
من أشهر ما ذكر أن من المتشابه فواتح السور التي فتحت بالحروف المقطعة، ولهذا كثير من المفسرين إذا جاء إليها قال: الله أعلم بمراده.
فيقفون ولا يتكلمون فيها، ويرون أنها من المتشابه، ويقولون: الله أعلم بمراده؛ لأنها حروف مقطعة، ولكن بعض العلماء تكلم فيها وبين معانيها وقال: إنها تدل على التحدي.
فالله جل وعلا يقول: هذا الكتاب الذي يتلى عليكم هو من الحروف التي تنطقون بها التسعة والعشرين حرفاً، فإذا كنتم تزعمون أن رسول الله ﷺ غير مرسل أو أنه ساحر أو أنه كاهن فأتوا بشيء نظير ما جاء به وهو من كلامكم الذي تنطقون به وتتحدثون به.
ولهذا يقول: ما جاء حرف من هذه الحروف إلا وذكر بعده القرآن، كما قال الله جل وعلا: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]، فهو إشارة إلى التحدي وإعجازهم بذلك.
أما ما ورد من أنها عبارة عن عمر الدنيا وبقاء هذه الأمة فليس صحيحاً، وليس عليه من دليل؛ لأنهم جعلوها من حروف (الأبجد) التي يتكلمون فيها في الأعداد، فالَألِفُ واحد، والباء اثنان، والجيم ثلاثة، وإذا رجعت مرة أخرى تضاعفت الأعداد إلى آخره، فهذا غير صحيح، فعمر الأمة أو عمر الدنيا لا يعلمه إلا الله، وليس هذا إشارة إليها.
стр. 1412
إنكار قريش لاسم الرحمن وأسبابه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال النفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان].
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]].
قال الشارح ﵀: [روى ابن جرير عن قتادة: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]: ذكر لنا أن النبي ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب: (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله.
فقال مشركوا قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.
فقال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! دعنا نقاتلهم.
فقال: لا اكتبوا كما يريدون؛ إني محمد بن عبد الله، فلما كتب الكاتب (بسم الله الرحمن الرحيم) قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه.
وكان أهل الجاهلية يكتبون (باسمك اللهم)، فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم.
قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون).
وروي أيضا عن مجاهد قال: قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠] قال: هذا ما كاتب عليه رسول الله ﷺ قريشاً في الحديبية، كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) قالوا: لا تكتب الرحمن؛ لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا (باسمك اللهم) قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] الآية.
وروي أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو ساجداً: يا رحمن يا رحيم.
فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى! فأنزل الله: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] الآية)].
في هذه الآية تعدد الأسباب والمعنى واحد، ولكن سبق أن هذا ليس من قريش كلها، وإنما من طائفة منهم، كما أنه عرف في أشعارهم ذكر (الرحمن) وأنهم يؤمنون به جاء في أشعارهم أشعار الجاهلية، وهذا من باب العناد والتكبر وإباء الحق، فأبوا، ومع ذلك وصفوا بأنهم كفرة: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] أي: ينكرونه لأن أصل الكفر هو الإنكار والجحود والتغطية، غطوه بجحودهم فعرف بأنه كفر، وعلى ذلك فالذي ينكر اسماً من أسماء الله جل وعلا يجوز أن يقال: إنه كافر كفر بهذا الاسم وجحده.
أما تعدد الأسباب في آية واحدة فهذا يقع، فيكون أكثر من سبب والمعنى واحد، ويكون المقصود المعنى، وكل سبب يكون داخلاً في هذا المعنى، وقد قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان:٦٠]، فهذا كفر به وإنكار، وهذا يكون لبعضهم، ويجوز أن يكون ذلك أيضاً سبباً، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠].
стр. 1413
مسائل وفوائد الباب
стр. 1414
جحد اسم أو صفة خروج عن الإيمان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات].
يعني أن الإنسان إذا جحد اسماً من أسماء الله وصفة من صفاته يجوز أن نصفه بأنه غير مؤمن، ويكون المعنى أنه غير مؤمن بهذا الاسم وبهذه الصفة، ويجوز أن يكون كافراً كفراً مخرجاً من الدين، ويجوز أن يكون كافراً كفراً دون كفر.
قال المصنف ﵀: [المسألةالثانية: تفسير آية الرعد].
هي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠].
стр. 1415
لا يحدث بما لا يفهم السامع، وليس ذلك في صفات الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المسألة الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع].
يعني أن الشيء الذي يشكل على السامع ويكون فتنة له لا ينبغي أن يحدث به، وليس معنى ذلك أن صفات الله جل وعلا لا يحدث بها الناس، بل كان الرسول ﷺ يحدث بها ويذكرها على المنبر، ويخطب بها في المجامع، لهذا جاء في السنن أن الرسول ﷺ قال: (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، فقام رجل من الحاضرين أعرابي وقال: يا رسول الله! أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، فقال: إذاً لا نعدم خيراً من ربنا إذا ضحك).
فالمقصود: أنه ﷺ كان يخطب بصفاته جل وعلا ويبينها، وإذا سئل عنها بينها ووضحها وأقرها.
стр. 1416
وجوب القبول لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ
قال المصنف ﵀: [المسألة الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد المنكر] يعني: أنه إذا رد الشيء من الحق يكون ذلك تكذيباً له، وهذا يدلنا على أنه يجب على كل من عرف شيئاً مما قاله الله أو قاله الرسول ﷺ أن يقبله ويسلم له وينقاد له ولو لم يعرف معناه؛ لئلا يقع في التكذيب.
قال المصنف ﵀: [المسألة الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه].
стр. 1417
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٥]
قد يسدي البعض نعماً على بعض عباد الله، فينسى المنعم الحقيقي الذي هو الله، ومن ثم تصرف عبادة الشكر لغيره، وهذا قدح في التوحيد.
стр. 1418
باب قول الله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها)
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]].
المقصود بهذا الباب بيان أن ما يحصل للإنسان من نعم يجب إضافتها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز إضافتها إلى السبب؛ فإن الأسباب خلقها الله جل وعلا، وهو الذي رتب عليها المسببات، وجعلها جزءاً مما يترتب عليه وجود النعم، فإضافتها إلى غير مسديها وموليها يكون من باب الكفر الذي هو كفر النعمة، ويكون أيضاً شركاً، من الشرك الخفي الذي يكون ذاهباً بكمال التوحيد؛ لأن كمال التوحيد أن يكون الإنسان عبداً لله في جميع تصرفاته أفعاله وأقواله، وأن يضيف جميع ما يحدث إلى الله جل وعلا، ولكن هذا في الشيء الذي يكون فيه ثناء على الله جل وعلا فهو نعمة.
стр. 1419
معنى الكفر بنعمة الله تعالى بعد معرفتها
ومن باب التأدب مع الرب جل وعلا ألا يضيف الإنسان ما أنعم به على عبده إلى غيره، ولو كان ذلك سبباً لوجود تلك النعمة، فإنه لا يجوز إضافتها إلى ذلك السبب؛ لأن السبب مخلوق، والمخلوق ليس له في نفسه تصرف فضلاً عن أن يوجد له على غيره نعمة ولهذا عاب الله جل وعلا على الكفار أنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وسواءٌ أكانت المعرفة جزئية أم كانت عامة، كما سيأتي في أقوال المفسرين في الآية، والصواب أنها عامة في جميع ما يكون فيه خير ونفع للإنسان، فيجب أن يكون مردها إلى الله، ثم يشكر الله جل وعلا عليها، وبذلك يكون الإنسان قد جاء بالمطلوب منه في مثل هذه الجزئية، ولا يكون داخلاً عليه النقص في إضافة النعم إلى غير الله جل وعلا فيكون كافراً بنعم الله ويدخل عليه الشرك الأصغر، وقد جاء في الحديث: (الشرك أخفى في هذه الأمة من دبيب النملة على الصخرة السوداء في ليلة ظلماء).
قال رحمه الله تعالى: [قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان ما كان كذا.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا].
هذه الأقوال متقاربة ومعناها واحد، وهو أن الإنسان إذا كان عنده مال قال: هذا مالي ورثته عن آبائي.
أو يقول: حصلت عليه بكسبي، أو بقوتي، أو بمعرفتي، أو بكوني أستطيع أن أتصرف أو ما أشبه ذلك.
أي: أن يضيف المال أو النعمة إلى غير الله فإنه يكون كافراً بنعمة الله بعد معرفته بأن الله هو الذي خلقه، وبأنه هو الذي يتصرف في الكون كله، فهذا معنى المعرفة، فمعناها أنه يعترف بأن الله هو المتصرف في كل شيء، والكفر معناه أن يضيف النعمة إلى السبب، بأن يقول: هذا بسبب كسبي أو بسبب معرفتي.
أو ورثته عن آبائي.
ويضيف المال إليه فيقول: مالي ورثته.
سواءٌ أقال: ورثته عن آبائي أم قال: حصلته بكسبي أو بمعرفتي.
وكذلك قولهم: إنها بشفاعة آلهتنا، كما قال ابن قتيبة.
يعني أن النعم حصلت بشفاعة الآلهة.
والآلهة صماء عمياء ليس لها تصرف، ولا تملك مع الله شيئاً، بل هو كفر بنعمة الله جل وعلا، بل هذا يكون من الكفر الأكبر؛ لأنهم أضافوا شفاعة الآلهة إلى الله جل وعلا مع أنه أبطلها، ومع أنه أخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى وتقدس، والآلهة هذه لا تشفع، فشفاعتها باطلة.
والمقصود بالآلهة كل ما عبد من دون الله، وكل ما أله من دون الله، سواءٌ أكانت أصناماً، أم كانت قبور أولياء أم غير ذلك.
وكذلك قوله: لولا فلان لكان كذا.
ولولا فلان لحصل كذا وكذا، فإن هذا أيضاً من الشرك الخفي، وهو أيضاً من إضافة الشيء إلى غير الله جل وعلا.
كذلك كونه يجعل حصول الشيء بالسبب الذي عمله هو، فيقول مثلاً: ركبت سيارة جديدة وجئت بسرعة لأجل ذلك.
فيضيف النعمة التي أنعم الله عليه بها من السلامة والوصول بسرعة إلى السيارة وإتقانها، فهذا أيضاً من هذا النوع.
فيجب أن يضاف كل شيء يحصل له فيه نعمة إلى الله، وإن كان هناك سبب فالله جل وعلا هو الذي أوجده، ولو شاء لأبطل ذلك السبب وإن كان متقناً.
стр. 1420
تفسير النعمة في آية النحل
في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [النحل:٨٣] أقوال غير ما ذكر للمفسرين في تفسير النعمة.
منها: أن النعمة الرسول ﷺ ، يعرفون أنه مرسل من عند الله ثم يكذبون ويعرضون عن دعوته، ويكون معنى ذلك أن هذا من الكفر الأكبر.
ومنها: أن النعمة الإسلام، يعرفون أنه دين الحق ثم يعرضون عنه، ويكون أيضاً هذا من الكفر الأكبر المخرج من الدين الإسلامي.
ومما لا شك فيه أن الإسلام هو أكبر نعمة على العبد، فأكبر ما أنعم الله جل وعلا على عبده بعد أن خلقه وأوجده أن جعله مسلماً، فيجب أن يشكر الله جل وعلا على ذلك، وألا يضيف إلى المخلوق شيئاً أنعم الله جل وعلا به عليه، وإن كان ذلك المخلوق سبباً، ولا ينافي هذا أن الإنسان يحمد من حصل على يده خير له، بل قد جاء في الحديث: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ولكن ليس معنى هذا أنه يضيف النعمة إليهم، بل معناه أنه يكافئهم، أو يدعو لهم إن لم يجد ما يكافئهم به، فهذا هو شكرهم، وليس شكرهم إضافة النعم إليهم وأنهم هم الذين صنعوها أو أوجدوها، لهذا جاء الإرشاد إلى ذلك، قال ﷺ : (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، فجعل المكافأة أن يعطى مقابل المعروف، فإن لم يكن الإنسان في يده شيء من ذلك فإنه يدعو له، والدعاء يكون مكافأة له.
أما إضافة الشيء إليه فيقول: أنت الذي جئت بهذا الشيء لي، وأنت الذي كنت، وأنت الذي صنعت وعملت فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من كفر النعمة؛ لأنها كلها بيد الله، والناس كلهم لو اجتمعوا على أن يعطوا الإنسان شيئاً لم يكتبه الله له لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء كتب الله جل وعلا أنه لا يحدث له لم يستطيعوا ذلك، فالأمور كلها بيد الله جل وعلا، فيجب أن يكون العبد عبداً لله جل وعلا وينظر إلى الناس أنهم كلهم عبيد لله، فمن أطاع الله أحبه لطاعته لله، ومن عصى الله كرهه وأبغضه لمعصيته لله جل وعلا، وأن كل نعمة تحدث للإنسان فهي من الله جل وعلا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر المصنف ﵀ ما ذكر بعض العلماء في معناها، وقال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا بالمعني بالنعمة فذكر عن سفيان عن السدي: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣] قال: محمد ﷺ ، وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.
وأخرج عن مجاهد: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣] قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه.
وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك شفاعة آلهتنا.
وذكر المصنف مثل هذا عن ابن قتيبة، وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر، النحوي اللغوي، صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة، اشتغل ببغداد، وسمع الحديث على إسحاق بن راهويه وطبقته، توفي سنة ست وسبعين ومائتين].
النعمة الصواب أنها عامة ليست خاصة في معرفة الرسول ﷺ ، أو فيما عدده الله جل وعلا في سورة النحل، فإنه عدد نعماً كثيرة، وكذلك ما ذكر ابن عباس أنها البيوت، أو أنها اللباس، أو أنها ما يقي من الحرب من الحديد وغيره فإن هذه أمثلة فقط، ولا يقصد بها أنها تجمع النعم، فكل ما أنعم الله به على عباده يجب أن يشكروه عليها، وأن يضيفوها إليه معترفين له بالفضل والكرم والجود، ولا يجوز أن تضاف إلى غيره.
فالآية عامة، ولكن من أعظم النعم إرسال الرسول ﷺ ، فمن أعظم نعم الله أن أرسل محمداً ﷺ إلى الناس يعرفهم بالله جل وعلا ويدعوهم إلى دار السلام، فإذا اعتنق الإنسان دعوته فهذه من أكبر نعم الله عليه، فعليه أن يحمد ربه جل وعلا على ذلك، ويرتبط بهذه النعمة، ويسأل الله جل وعلا أن يثبته عليها حتى يلقاه، وليس هناك نعمة أكبر من هذه.
قال رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: ما ذكره المصنف عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي الزاهد -عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين، قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة- ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣] قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا.
واختار ابن جرير القول الأول، واختار غيره أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها، وهو الصواب والله أعلم.
قوله: (قال مجاهد): هو شيخ التفسير الإمام الرباني مجاهد بن جبر المكي مولى بني مخزوم، قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهداً يقول: عرضت المصحف على ابن عباس مرات أقفه عند كل آية وأسأله: فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ وكيف معناها؟ توفي سنة اثنتين ومائة وله ثلاث وثمانون سنة ﵀].
стр. 1421
الذم لمن يضيف النعمة إلى غير الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [قال: وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: (أصبح اليوم من عبادي مؤمن بي وكافر) الحديث.
وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير].
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وقال أبو العباس) -هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الإمام الجليل ﵀.
(بعد حديث زيد بن خالد) - وقد تقدم في باب الاستسقاء بالأنواء.
قال: (وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير) انتهى].
الحديث تقدم، وهو حديث ثابت في صحيح مسلم وفي غيره عن زيد بن خالد في قصة غزوة الحديبية: (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ما قال ربكم البارحة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب ومؤمن بالكوكب كافر بي.
أما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، وسبق أن معنى الإيمان هنا الاعتراف بالفضل ونسبة النعمة إلى الله جل وعلا، أما الكفر فمعناه جحد النعمة وإضافتها إلى غيره.
والإيمان بالكوكب هو كونه نسب إليه نزول المطر، فيقال: مطرنا بنوء كذا، ومن المعلوم -كما سبق- أنه ليس المقصود أن الكوكب هو الذي يخلق المطر وهو الذي ينزله، فما كانوا يعتقدون هذا، وإنما كانوا يقولون: إن المطر جاء بسبب هذا الكوكب في طلوعه، لهذا يضيفون إليه ذلك، فيقولون: النوء الفلاني محمود وغزير المطر وكثيره، والنوء في الواقع ليس عنده مطرْ وليس عنده قحط، وليس عنده شيء من التصرفات، إنما هو مسخر مدبر يسير حيث سيره الله، فنسبة المطر إليه أو غير المطر من أعظم جحود النعم، ومن الخطأ الواضح، ومن ذلك ما يحدث اليوم كثيراً في بعض الصحف وفي بعض المجلات، وقد يوجد في بعض الإذاعات أن الطالع الفلاني يكون فيه كذا وكذا، وأن من كان طالعه كذا فسيصيبه كذا وكذا، وأنك في هذا اليوم أو في هذا الشهر ستصنع كذا ويصيبك كذا ويحدث لك كذا، وهذا كله من الكفر بالله جل وعلا، وإذا كان اعتقد الإنسان أن هذا حقيقة فهو كفر أكبر، أما إذا أضافه مجرد إضافة مع اعتقاده بأن الله جل وعلا هو المصرف لكل شيء والمدبر لكل شيء، وإنما جعل هذه أسباباً، فهذا من الكفر الذي لا يخرج من الدين الإسلامي، ولكنه كفر، وهو مذهب لكمال التوحيد، فيجب على الإنسان أن يتنبه لهذه الأمور، والأفعال سواءٌ أكانت في الأجرام السماوية، أو في الأرض مثل هبوب الرياح، أو كون الإنسان يوفق إلى عمل معين وأنه يحدث له شيء وإن كان هو الذي يقوم بالسبب كلها بتيسير الله جل وعلا وبتقديره وبتفضله على العبد، فلا يجوز أن يضيفه إلى غير الله جل وعلا.
أما الأمور التي وقعت وانتهت مثل شيء عمله فإنها أيضا يجب أن تكون إضافتها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز أن تضاف إلى مخلوق من المخلوقات أو جزء ممن جعل سبباً لها.
والطريق في هذا أنه إذا أراد أن يضيف إلى سبب أو شيء يقول: إن هذا حدث من الله ثم من فلان، ومع ذلك لا يجوز أن يكون هذا على الحقيقة، فهو سبب فقط، بل الذي أوجد كل شيء وتصرف في كل شيء هو الله جل وعلا، والمخلوق ليس له دخل في هذه الأشياء، وربنا جل وعلا يخبرنا أنه جعل لكل شيء سببا، ولكن السبب لا يكون سبباً واحداً مستقلاً، وقد تكون هناك موانع كثيرة، فيكون جزءاً من السبب، وقد تكون هناك أسباب عدة يكون واحداً منها، فلو شاء لعطل الأسباب كلها أو بعضها ولم يحدث شيء.
وكم يصنع الإنسان من أشياء يقدر في نفسه أنه مهيمن عليها ثم لا يستطيع ذلك وإن وجدت الأسباب التي معه؛ لأن الأمور كلها بيد الله، ولهذا لما قيل لبعض العرب: كيف عرفت الله؟ قال: بنقض العزائم.
لأن الإنسان يعزم على الشيء ثم في لحظة يبدو له غير ذلك، فمن أين جاءه هذا؟ فالأمور كلها بيد الله جل وعلا يصرفها.
فإذا حدث للإنسان حادث هو سبب فيه أو غيره سبب فيه فإنه يجب أن يضاف ذلك إلى محدثه، ولا يمنع هذا من أن الإنسان يؤاخذ بأعماله، ويؤاخذ بما كان سبباً في وجوده؛ لأنه يجب أن يتصرف على وفق الشرع، ولا يكون سبباً في إتلاف شيء أو في منع شيء مما هو لغيره، فإن حصل ذلك فهو مؤاخذ بما كان هو السبب فيه، ومع ذلك كل الأمور بيد الله جل وعلا.
стр. 1422
إضافة النعمة إلى غير الله تعالى سبب لدخول الكفر مع الإيمان
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وكلام شيخ الإسلام يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها وأسند أسبابها إلى غيره، كما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا.
قال شيخنا ﵀: وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة].
قصده باجتماع الضدين الإيمان والكفر؛ لأنه قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]، فيجتمع في القلب ضدان، المعرفة وضدها الإنكار، والإيمان وضده الكفر، فكونه أخبر أنهم يعرفون النعمة لا ينافي أنهم ينكرونها، وكونه أخبر أنهم يؤمنون لا ينافي أنهم يكفرون، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وقد سبق أن معناها أنك إذا سألتهم: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله.
فهو إيمان بالربوبية، وأما الشرك فكونهم يعبدون مع الله غيره.
وكذلك النعم يقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق وهو المتصرف في كل شيء، وهو الذي ينزل المطر، ولكن يضيفون نزول المطر إلى الكوكب، وقد يضيفونه إلى ما هو سبب، لهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: يشركون بكل شيء حتى بالكلب فيقولون: لولا كلبة فلان لأتى اللصوص، أو: لولا الكلب مع الغنم لعدا عليها الذئب أو لأكل منها الذئب.
فكل هذا يكون من جعل الند مع الله جل وعلا؛ لأن النعم يجب أن تضاف إلى الله جل وعلا؛ فهو مسديها، وهو الذي جعل هذه أسباباً وسخرها للعباد.
وقد أخبر جل وعلا أنه خلق لنا ما في السموات والأرض جميعاً منه، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وسخر لنا البحار والأنهار، وسخر لنا الشمس والقمر، وسخر لنا كل ما فيه نفعنا من ملائكة ومن مخلوقات وغيرها، فهي كلها بتسخير الله جل وعلا، وعلى ذلك لا يجوز أن تضاف إلى غيره جل وعلا، فهو المتصرف وهو المنعم، ثم تضاف إلى مخلوق مربوب مقهور ليس له من التصرف شيء.
стр. 1423
مسائل باب قول الله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها)
стр. 1424
تفسير معرفة النعمة وإنكارها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها].
المعرفة: هي الإقرار بأن الله هو الموجد لها وهو المتصرف في الكون، هذه هي المعرفة، أما إنكارها فإن تضاف إلى غيره جل وعلا؛ فيقول مثلاًً: هذا المال أنا استطعت أن أكسبه وأتصرف فيه.
أو أنه جاء به فلان.
أو يقول: الريح طيبة والملاح حاذق، وهذا لما كانت السفن تجري بالرياح وليس فيها ما يجريها من المحركات النارية كانوا يضيفون حسن جريها إلى الريح وإلى حذق الملاح الذي يصرفها، وهذا كفر بالله جل وعلا.
وهكذا السيارة والطيارة وغيرهما، وكل ما هو نعمة أنعم بها على المخلوق يجب أن يعترف أنها من الله؛ لأن الله جل وعلا هو الذي جعل في الإنسان العقل والفكر والقوة على إيجاد الأشياء، ثم هو الذي سخر له ما في الأرض كما هو مشاهد لمن تأمل ونظر، فيجب أن تضاف إليه جل وعلا.
стр. 1425
إنكار النعمة وجريانه على ألسنة كثير من الناس
[المسألة الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير].
المقصود: كثير من الناس، ليس الكفار فقط، بل حتى المسلمين، فهذا شيء يجري على ألسنة أكثر الناس، فيقولون: لولا فلان ما صار كذا ولولا كذا صار كذا بالإثبات والنفي، فيجب أن يتنبه الإنسان لمثل هذه الأشياء.
[المسألة الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكاراً للنعمة].
[المسألة الرابعة: اجتماع الضدين في القلب].
стр. 1426
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٦]
يخطئ كثير من الناس عندما يظنون أن الشرك مقصور على الإشراك في عبودية الأفعال، والصواب: أن الشرك داخل في جميع أنواع العبادة: القلبية واللسانية والقائمة على الجوارح، وقد جاء النهي عن اتخاذ الأنداد والشفعاء من دون الله في كل ذلك.
стр. 1427
باب قول الله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]].
سبق أن التوحيد هو إخلاص العمل لله جل وعلا، وأن الإخلاص هو أن يكون العمل خالصاً ليس فيه شيء لغير الله جل وعلا، وأن تحقيق التوحيد أن يكون لله وحده، وتحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك ومن الذنوب ومن البدع، فجميع الأعمال تصفى وتخلص من شوائب الشرك فلا يكون لأحد فيها شيء.
وأن يجتنب الإنسان البدع كلها والذنوب، فإذا كان بهذه الصفة فهو من المحققين للتوحيد، وإذا مات على ذلك دخل الجنة بلا حساب.
والند هو المثيل والنظير، ولا يلزم أن يكون مماثلاً من جميع الوجوه، فإذا كان مماثلاً ولو بوجه من الوجوه، في صفة من الصفات، أو مماثلاً في فعل من الأفعال صح أن يقال: إنه ند، وقول الله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] هذا جاء بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فهنا جعل الخطاب عاماً (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، فأمر بالعبادة، (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ)، ومعلوم أنه ليس هناك أحد ينفك عن عبادة الله، فجميع الخلق لا ينفكون عن العبادة ولو جزئياً بأن يعترفوا بأن الله هو خالقهم، ولكن هذه العبادة لا تكون عبادة شرعية، وإنما تكون شرعية إذا كانت على وفق أمر الله وليس فيها شيء من الشرك، فهنا تكون عبادة مفيدة ومثمرة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، فبدأ بأنه خلقهم لأنهم يعترفون بهذا، وهذا يدل على أن المعبود يجب أن يكون الخالق الذي خلق، وأن الخالق هو الذي يستحق العبادة، أما الذي لا يخلق ولا يرزق فلا يستحق العبادة؛ لأنه مخلوق.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ والذين مِنْ قَبْلِكُمْ) يعني: ليس الخلق خاصاً بكم أنتم، بل خلق كل شيء، فهو الخالق لكل شيء، وهم يعترفون بهذا ولا ينكرونه، وهذا معناه أنهم يقرون بتوحيد الأفعال، أو إن شئت فقل: بتوحيد الربوبية.
فالأفعال التي تصدر من العبد يؤمر فيها أن تكون أفعاله خالصة لله، وعبادته خالصة لله، وإلا كان هناك تناقض، فلو كان التوحيد شيئاً واحداً لصار هذا الكلام متناقضاً؛ فكيف يقول: اعبدوا ربكم.
ثم يقول: الذي خلقكم والذين من قبلكم؟ فيقال: العبادة موجودة؛ لأنهم يعترفون أن الله هو الذي خلقهم، فهذا هو التوحيد، ولكن لما جعل هذا موجباً للعبادة الصادرة منهم دل على أنهم لو استمروا على الاعتراف بأن الله هو الذي خلقهم والذين من قبلهم وهو الذي أوجد لهم النعم فهذا لا يجدي شيئاً، وأنهم على الكفر، فهم كفار وإن اعترفوا بهذا، ولهذا قال بعد ذلك: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) عطفاً على قوله: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: يبين لكم هذا الأمر لعلكم تجعلوا بينكم وبين عذاب الله شيئاً واقياً وذلك بامتثال أمره، وليس معنى ذلك أن الله لا يعلم ما يحدث منهم.
فالتعليل الذي يذكره الله جل وعلا لا يدل على أنه يخفى عليه شيء، بل هو عالم بكل شيء، وعالم بما سيكون منهم، ولكن التعليل بالنسبة لما يُذكرهم به علَّهم أن يحدث لهم اتعاظ وخوف ورجوع إلى الحق، قال الله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة:٢٢] أي: جعلها ممهدة تطمئنون فيها بالاستقرار عليها والمسير فيها والانتفاع بها، ولم تكن مضطربة لا تستطيعون الاستقرار عليها، بل جعلها كالفراش الذي تجلس عليه وتنام.
قوله: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)، أي: جعلها فوقكم تشاهدونها، ولا يعتقد أحد أن مخلوقاً ما هو الذي سوى الأرض بهذا الشكل، أو أنه هو الذي رفع السماء وجعلها فوق الأرض، أو أنه شارك الله في ذلك، بل كلهم يعترفون بأن الله جل وعلا هو الخالق لكل شيء.
(وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) المقصود بالسماء العلو، أي: أنه أنزل من فوق رءوسكم ماء خلقه في الجو، بل جبال من المياه تحملها السحب، ولو شاء لأغرقكم بذلك، ولكنه برحمته جعل نزولها على صفة لا يضر من نزل عليه رحمة منه بكم، من الذي يتصرف هذا التصرف؟ هل الماء نفسه يتصرف بذلك؟ لا يمكن.
﴿وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] ثمرات الأرض: كل شيء تأكلونه وتأكله أنعامكم، وهو الذي أنزل الماء، وفتق الأرض له فخرجت منها أنواع متعددة.
التراب واحد والماء واحد، ولكن الخارج متنوع الطعوم والألوان كل هذا دليل على أن الله جل وعلا هو المتصرف في كل شيء.
стр. 1428
إبطال اتخاذ الأنداد في الشرع
قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] أي: لا تجعلوا له نظراء في الحق تصرفون لهم العبادة، مثل الأصنام وغيرها.
وكونهم يعلمون، أي: أنهم يعلمون أنه جل وعلا هو الفاعل لما ذكر من الخلق وفرش الأرض ورفع السماء وإنزال المطر وإنبات النبات، فإذا كانوا يعلمون هذا كيف يعبدون معه غيره؟ هذا ضلال في الواقع.
إذاً: المعرفة ليست معرفة العبادة، وإنما هي المعرفة في الأفعال التي يفعلها الله جل وعلا، وبهذا يتضح أن توحيد الأفعال الصادرة من الله وكونها تضاف إليه وحده ولا يشرك معه فيها غيره؛ أنها لا تفيد في إسلام الإنسان وفي نجاته حتى يضم إليها توحيد العبادة الصادرة من العبد لله وحده.
أما الأمور التي تصدر من الله فهو يعتقد أنه هو المتوحد في إيجادها، وهذا دليل على وجوب أن تكون العبادة له، وهذا كثير في القرآن جداً، وبهذا يتبين أن توحيد العبادة غير توحيد الربوبية؛ فعلى هذا قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً) هو الذي له المثل أو النظير ولو في جزئية من الجزئيات، ولا يلزم أن يفعل الند كفعل الله، ولكن إذا جعل له شيء مما هو لله صار نداً له.
стр. 1429
شرك الألفاظ
يبين هذا ويوضحه أن الرسول ﷺ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟)، ومن المعروف أن العبد له مشيئة يتصرف فيها، ولكن هذه المشيئة مخلوقة لله، وهو الذي وهبها للإنسان، ولما قال له: ما شاء الله وشئت في شيء فعله، قال: (أجعلتني لله نداً؟)، فلما جمع مشيئة الله ومشيئة الرسول ﷺ بالواو كان الإشراك واقعاً، ثم قال ﵊: (قل: ما شاء الله ثم شئت)؛ لأن (ثم) تأتي للترتيب ولا تدل على الجمع والاشتراك، فهذا يدل على أن الشرك يحصل ولو في اللفظ، مع أن الذي قال له هذا القول لا يعتقد أنه شريك لله جل وعلا في أفعاله، لكنه لما جمع بين مشيئة الله ومشيئة الرسول ﷺ بالواو قال: (أجعلتني لله نداً).
وكذلك لو قال الإنسان: لولا الله وفلان.
فيكون جاعلاً له نداً لما جمع بين الله جل وعلا وبين فلان في الفعل.
فهذه التنديدات تكون شركاً بالألفاظ، وهي قادحة في التوحيد ومنقصة له، ومثل ذلك ما سبق من إضافة النعم إلى أسبابها، فإنه يكون أيضاً من التنديد.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [الند: المثل والنظير، وجعل الند لله هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله؛ كحال عبدة الأوثان الذين يعتقدون فيمن يدعونه ويرجونه أنه ينفعهم ويدفع عنهم ويشفع لهم.
وهذه الآية في سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، قال العماد بن كثير ﵀ في تفسيره: قال أبو العالية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾، أي: عدلاء شركاء.
وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد وقال ابن عباس: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله شيئاً من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه ربكم لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
وكذلك قال قتادة.
وعن قتادة ومجاهد: ((فلا تجعلوا لله أنداداً)) قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
وقال ابن زيد: الأنداد هي الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
وعن ابن عباس: ((فلا تجعلوا لله أنداداً)): أشباهاً.
وقال مجاهد ﵀: ((فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون)) قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
стр. 1430
شرك الأوثان والأصنام
ومن عادة السلف في تفسير القرآن: أن أحدهم يذكر الجزئية من المعنى الكلي للآية بحسب حاجة السامع، وإلا فالمعلوم أن خطاب الله جل وعلا في كتابه يشمل جميع أفراد ما دخل تحت هذا المعنى، والند ليس من اللازم أن يكون شبيهاً لله جل وعلا، فالله جل وعلا ليس له شبيه ومثيل تعالى وتقدس، ولكنه يدعى ذلك في شيء من الأشياء التي تجب أن تكون لله، وهذه الأشياء التي يمكن أن تكون لله هي الأفعال التي تصدر من المخلوق فقط، أما أفعال الله جل وعلا مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة ومحاسبة الخلق وجزائهم وعقابهم وغير ذلك، فهذا لا يمكن أن يكون له ند فيه، ولا أحد يدعي أن الله جل وعلا يشاركه أحد في شيء من ذلك إلا إذا كان مكابراً أو في عقله آفة، فمثل هذا لا يلتفت إليه.
وإنما الأنداد التي تقع من العباد هي في أفعالهم التي تصدر منهم من التأله والدعاء والتعبد وما أشبه ذلك، وذلك كما إذا دعا الله ودعا معه مخلوقاً من المخلوقات سواء كان نبياً أو ملكاً أو ولياً أو غير ذلك فقد جعل لله نداً، وإن زعم أنه بذلك يتعلق بالوسيلة التي يزعم أنها تقربه إلى الله، فإن هذا ند لله جل وعلا؛ لأنه جل وعلا حكم أن لا يكون بينه وبين عبده وساطة في الدعاء والتعبد، بل يجب أن يتجه العبد إلى ربه في كل ما يهمه ولا يطلب من العبد أن يفعله؛ فإذا التفت إلى غير الله جل وعلا ولو في جزئية من الجزئيات فقد جعل لله نداً.
فهذا المقصود بالند الذي يصدر من العبد نفسه في اعتقاده وفعله، فلو أنه نذر للولي الفلاني أو القبر الفلاني وهو يعتقد أنه يقبل ذلك ويثيب عليه أو يعاقب عليه إذا لم يفعله، فهذا قد جعله نداً لله؛ لأن النذر عبادة يجب أن تكون لله خالصة.
وكذلك إذا جلس عند القبر يطلب البركة، أو طاف به، أو التمس البركة منه بأن يتمسح بجدرانه أو ما أشبه ذلك مما يفعله الجهال، أو أشباههم ممن هو محسوب على أهل العلم إذا فعل ذلك فقد جعل لله نداً؛ لأن التبرك وكذلك العكوف عبادة يجب أن تكون مطلوبة من الله جل وعلا لا من غيره.
وكذلك في الألفاظ كما سيأتي، فإن الألفاظ التي تضاف إلى الأفعال الصادرة من الله أو الواقعة في قوله، يجب أن تكون لله وحده، ولا تضاف إلى سبب ولا جزء السبب؛ فإذا قال الإنسان: لولا الله وفلان، شاء الله وشاء فلان، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التنديد، وكل هذه أمور جزئية، وهي من الأقوال التي تدخل في قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾، مع أن ظاهر الآية أنها نزلت في العبادة التي وقعت من الكفار لأصنامهم، ولكن كثيراً من الناس اليوم لا يعرف العبادة التي تصدر من المشركين، ويظن أنها إنما كانت سجوداً وركوعاً، وأنهم يعتقدون أن هذه الأصنام شريكة لله في التصرف، وهذا ظن بعيد عن الواقع جداً؛ إذ كانوا يعبدون أشجاراً وأحجاراً والملائكة والجن والأنبياء وغيرهم، فكل عبادتهم لهم جميعاً يطلبون بها وساطة لهم عند الله ويطلبون شفاعتها، كما أخبر الله جل وعلا عنهم في ذلك فقال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وهم يعلمون أنهم ليس لهم من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، ولكنهم قاسوا ما يطلبونه من الله على ما يقع بينهم عند المعظمين من بني آدم، فقالوا: إذا كان لك حاجة عند الملك وأردت أن تحصل لك فاذهب إلى من هو قريب منه من وزير أو أمير أو ما أشبه ذلك، فتجعله وساطة لك حتى تلبى حاجتك، وزعموا أنك إذا جعلت وساطة بينك وبين الله أن هذا من باب التعظيم، لكنه قياس فاسد، وذلك أن الله جل وعلا ليس دونه حجب، وليس له أعوان، ولا يخفى عليه شيء، ولا يمكن أن تخفى عليه بعض حاجات العباد حتى يوصلها بعضهم إليه ويعلمه بها تعالى الله وتقدس عن ذلك.
فكل الشرك جاء من باب القياس الفاسد، قياس الخالق على المخلوق.
والمقصود: أن عبادة الكفار كانت طلب الشفاعة ممن يتوجهون إليهم، سواء كانت أشجاراً أو أحجاراً أو أولياء أو ملائكة أو أنبياء أو غيرهم، فهم يدعون من يدعونه ويقولون: (حتى يقربنا إلى الله زلفى)، يعني: يتوسط لنا فيشفع لنا؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا الشفاعة في أماكن متعددة في الكتاب، وأن الشفاعة التي يطلبها الكفار غير واقعة.
стр. 1431
إبطال اتخاذ الشفعاء من دون الله
ثم قال جل وعلا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] المقصود بها (بل اتخذوا من دون لله شفعاء)، وهي العبادة التي يتعبدون بها، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شيئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣]، أي: كيف تتخذونهم شفعاء وهم لا يملكون شيئاً؟ ثم كثير منهم لا عقل عنده؛ لأن ما يعبده إما حجر أو شجر أو ميت لا يدري ماذا يدور للأحياء، ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شيئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، وفي هذا إبطال دعوة المشركين، المتقدمين منهم والمتأخرين حيث يقولون: نحن نتوسل بالأولياء نحن نجعلهم وسيلة لنا، والتوسل معناه: الدعاء، ثم يزعمون أن الأولياء بدورهم يدعون الله لهم، وهذا هو شرك المشركين بعينه.
وقد يربو شرك هؤلاء المتأخرين على شرك القدماء بأن يزعموا أن الأموات أو الأولياء يتصرفون في المطلوبات منهم بدون أن يأذن الله جل وعلا في شيء من ذلك، وهذا شرك ما بلغه شرك المشركين الأوائل؛ لأنهم أتم عقولاً من هؤلاء، فلم يصلوا إلى مثل هذا.
والمقصود: أن الأنداد التي يمكن أن يجعلها العباد لله جل وعلا هي في الأفعال التي تصدر منهم من الدعاء أو الاعتقاد، أو النذور، أو الذبح، أو بغير لله ، ومن حلف بغير لله فقد جعل ذلك المحلوف به نداً لله جل وعلا كما سيأتي.
стр. 1432
شرح حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات)
قال الشارح ﵀ [وذكر حديثاً في معنى هذه الآية الكريمة، وهو ما في مسند الإمام أحمد، عن الحارث الأشعري: أن نبي الله ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلمات: أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن؛ فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي! إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي.
قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقُعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن لله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله خلقكم ورزقكم؛ فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً.
وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده مالم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.
وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خَلوف فم الصائم أطيب عند الله من المسك.
وآمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدّوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي بالقليل والكثير حتى فَكَّ نفسه.
وآمركم بذكر الله كثيراً؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصيناً فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله.
قال: وقال رسول الله ﷺ : وأنا آمركم بخمسٍٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل لله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم.
قالوا: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله : المسلمين المؤمنين عباد الله)]
стр. 1433
الأمر بتوحيد الله دين كل الأمم
هذا حديث عظيم يجب أن يتأمل ثم يعمل به، ولا شك أنه خرج من مشكاة النبوة وقاله رسول الله ﷺ ، ثم فيه من العبر: أن التوحيد دين الأنبياء كلهم، فالله جل وعلا أوحى إلى زكريا -وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل- بهذه الأمور الخمسة، وأمره أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وزكريا وعيسى ﵉ كلاهما كان في وقت واحد، وهما أبناء خالة، ومعلوم كثرة أنبياء بني إسرائيل؛ وقد يبعث فيهم في وقت واحد عدد منهم.
وقد علم عيسى ﵇ أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بهذه الكلمات وأنه تأخر قليلاً عن إبلاغها، فقال له عيسى: إما أن تبلغهن أو أبلغهن، فقال له: يا أخي! والله لو سبقتني-يعني: في إبلاغهن- أخشى أن يعذبني ربي جل وعلا عذاباً عظيماً، فجمع بني إسرائيل في المسجد الأقصى حتى لم يتسع لهم فجلسوا فوق الجدران، ثم أمرهم بهن، فقال: (الأولى: أن الله جل وعلا أمركم أن تعبدوه وحده لا شريك له)، وضرب لهم مثلاً في ذلك، فقال: مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله، ثم أعطاه عملاً يعمل فيه وينتج، وقال: إذا أنتجت شيئاً فهذا مالي، فصار هذا العبد إذا أنتج شيئاً ذهب به إلى غير سيده، وهذا مثل المشرك، فالله خلق الناس ولم يشاركه في خلقهم أحد، ورزقهم وعافاهم وأنعم عليهم بسائر النعم، ثم كثير منهم يعبد غيره، فمثالهم مثل العبد الذي أساء المعاملة لسيده، اشتراه بخالص ماله، فصار يأخذ غلة عمله ويذهب بها إلى غير سيده، من الذي يرضى مثل هذا؟ لهذا قال: (أيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟)، لا أحد يرضى هذا لنفسه فكيف يرضاه لربه جل وعلا؟! والمقصود: أن الخلق كلهم عبيد لله جل وعلا: فلا يسوغ للعبد أن يخضع لعبد مثله، وأن يصرف العبادة إلى عبد فقير محتاج مثله، فإن فعل ذلك فهو ضال في دينه وعقله.
стр. 1434
الصلاة وعظم قدرها في الشرع
قال: (وآمركم بالصلاة)، وهذا دليل على أن الصلاة كانت مفروضة على بني إسرائيل، ولكنها ليست على مثل هذه الصفة التي فرضت علينا، ثم قال: (فإن الله ينصب وجهه لوجه المصلي مالم يلتفت)، ومعنى ذلك: أن المصلي إذا قام في الصلاة أن الله يستقبله وينظر إليه، وقوله: (ما لم يلتفت)، يعني: أنه إذا التفت انصرف الله عنه وتركه، ومن يرضى بأن ينصرف الرب جل وعلا عنه في صلاته؟ ثم الالتفات هنا يقصد به شيئان: الالتفات بالبدن عن القبلة ولو التفت تكون صلاته باطلة، ويعرض الله جل وعلا عنه، والالتفات إذا كان بالبدن جميعاً بحيث صارت القبلة عن يساره أو يمينه أو خلفه فإن الصلاة تكون باطلة، أما إذا التفت برأسه وبدنه مستقبل القبلة؛ فمثل هذا يكون مكروهاً، وهو اختلاس من الشيطان يختلسه به من صلاة العبد، وينقصها، وإما أن يكون شيئاً يسيراً لحاجة؛ فلا بأس به.
القسم الثاني: التفات القلب، وهو أعظم من التفات البدن، ويظهر أنه هو المقصود في الحديث؛ لأن روح الصلاة حضور القلب وخشوعه، فإذا التفت الإنسان بقلبه إلى غير ما هو فيه من صلاته؛ فإن الله يعرض عنه، ويكله إلى ما اشتغل به من أفكار الدنيا وغيرها.
وعلى هذا يجب على العبد أن يحرس قلبه عن الاشتغال في الصلاة بغير صلاته، والتفكر فيما يقوله ويسمعه ويفعله، فإنه إذا دخل في الصلاة ورفع يديه وكبر كأن معنى ذلك: أن الحجاب رفع بينه وبين ربه، فهو يقابل ربه فليفكر ماذا يقول له، وهل هناك شيء أكبر من الله؟ يجب أن يكون في قلبه تقدير لله جل وعلا، وأنه أكبر من كل شيء؛ فلا يلتفت إلى غير ربه جل وعلا، ثم يفكر بما يقول ويتأمله، ويجاهد الوساوس والشيطان، وأحرص ما يكون الشيطان على إفساد صلاة العبد؛ ولهذا جاء: (أنه إذا سمع النداء ذهب وله ضراط)؛ لأنه الذكر يطرده، فإذا انقطع صوت المؤذن جاء مسرعاً إلى المصلي، ويقول: له اذكر كذا اذكر كذا، ويذكره بالأشياء التي لم يكن يذكرها.
ثم هو يعرف قلب الإنسان ويدرك ميوله إلى أي شيء يكون؛ فيذكر له الأشياء التي يميل قلبه إليها، فيذكره بها ليشتغل بها عن الصلاة، فيجب أن يجاهد الإنسان نفسه ويجاهد الشيطان في هذه الدقائق القصيرة، حتى لا ينصرف الرب جل وعلا عنه ويعرض عنه، وهذا من الأمور المهمة جداً والتي ينبغي للإنسان أن يتفطن لها وأن يعمل عليها، عله يكون ممن يستمع له ربه وينظر إليه في صلاته حتى ينتهي؛ فتكون صلاته محفوظة، ويكون من الذين أقاموا الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة هي أن يأتي بها كاملة على الوجه المطلوب.
стр. 1435
الصدقة وتكفيرها لذنوب العباد
قال: (وآمركم بالصدقة)، والظاهر أنها صدقة التطوع لا الفرض، وذكر مثالاً لها قال: مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو في أثره سراعاً حتى أدركوه، يريدون قتله، فصار يفتدي منهم بكل ما معه من قليل وكثير حتى فك نفسه من ذلك ونجا.
ومعنى ذلك: أن الصدقة تكفر الذنوب؛ لأن الذنوب هي عدو الإنسان، وهي التي تطلبه حتى تهلكه، فإذا بذل الصدقة فإنه يفك نفسه من عدوه بالصدقات، فيصبح طليقاً حراً بعد أن كان مأسوراً يراد قتله.
стр. 1436
أجر الصيام
قال: (وآمركم بالصوم)، وذكر مثل الصوم: أنه كمثل رجل في جماعة معه صرة من مسك، وكلهم يجد رائحة المسك الطيب، فالصوم جعل لصاحبه رائحة طيبة؛ لأنه في الواقع سر بين العبد وربه، وقد جاء نظير ذلك في الحديث الصحيح: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، ومعنى الخلوف: هو الآثار التي تخلفها المعدة وتتصاعد منها الأبخرة عند خلو الطعام، ومعلوم أنها رائحة عند الناس كريهة مستكرهة ولكنها عند الله طيبة، حيث إنها أثر الطاعة التي حبس نفسه عليها، والصوم صبر، والصبر ليس له جزاء إلا الجنة.
стр. 1437
تحصن العبد بذكر الله
قال: (وآمركم أن تذكروا الله كثيراً)، وضرب لذلك مثلاً، وقال: مثل الذكر كمثل رجل طلبه العدو، ثم تحصن بحصن منيع، فلم يستطع الوصول إليه، ومعنى ذلك: أن الذكر حصن يتحصن به الإنسان من الشيطان.
وقد ذكر الله ذلك في القرآن أن العدو قسمان: قسم مشاهد يواجه ويرى.
فهذا يمكن أن يدافع، وقسم غير مرئي وغير مشاهد، فقال للمشاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فهذا العدو المشاهد الإنسان، يعني: أن علاجه أنك تدفعه بالإحسان إليه إذا أساء إليك، فإن هذا يجعله لك صديقاً حميماً حبك وتذهب العداوة، هذا علاج ولكن هذا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] أي: حظ من العلم والحلم والدين والتوفيق من الله جل وعلا؛ لأنه صعب على النفوس أن تحسن إلى من أساء إليها، ولكن أثره حسن جيد جميل؛ لأنه يجعل العدو صديقاً.
القسم الثاني: ذكره جل وعلا في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فهذه طريقة التحصن من الشيطان فالاستعاذة من الشيطان بذكر أسماء الله وصفاته والتحرز بها منه، وهذا كثير جداً في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ .
وهذه الخمس التي أمر بها يحيى ﵇ قومه، نحن مأمورون بها أيضاً، ولم تأت هذه مجرد حكاية وإنما لنعمل به؛ لأنه جاء على لسان رسولنا محمد ﷺ أنه يأمر بهذه الخمس التي هي: عبادة الله وحده.
وهي دين الرسل كلهم، وكذلك الصدقة، والصوم، وذكر الله جل وعلا، والصلاة وعدم الالتفات فيها، وهذه كلها نحن مأمورن بها.
стр. 1438
من وصايا الرسول لأمته
أضاف الرسول ﷺ زيادة على تلك الوصايا خمساً فقال: (وأنا آمركم بخمس: بالجماعة) هذه واحدة، والجماعة معناها: الاجتماع على الحق، وأن يعتصم المسلمون بما جاء به الرسول ﷺ ، والجماعة ما كان هو الحق ولو كان عليه فرد واحد، أما إذا كان الناس على خلاف الحق فليسوا جماعة وإن كثروا، كما قال الصحابة رضوان الله عليهم: الجماعة من كان على الحق وإن كان وحده.
إذ قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً﴾ [النحل:١٢٠].
الثانية: السمع.
الثالثة: الطاعة لولي الأمر، وولاة الأمور هم العلماء والأمراء، فالعلماء يبينون الحق والشرع والأمراء ينفذونه.
هؤلاء هم الذين يسمع لهم ويطاع ما أطاعوا الله جل وعلا، أما إذا أمروا بشيء فيه معصية فقد جاءت الأحاديث الصحيحة أنه لا سمع لهم ولا طاعة، فالسمع والطاعة فيما وافق الحق، وفيما جاء به الرسول ﷺ ، فإن كان السمع والطاعة في الحق موافقاً له وجب على كل مأمور أن يقوم به وإن كان الآمر ظالماً، وإن كان يعتدي على الإنسان ويضربه ويأخذ ماله، فيجب أن يسمع له ويطيع ما دام أنه يأمر بما أمر الله به وأمر به رسوله وإن منع حقه؛ لأنه يطاع في أمر الله وأمر رسوله، أما الحق الذي منعه فهو يطلب من الله وسوف يحاسبه الله جل وعلا على ذلك، فأمره إلى الله كما بين الرسول ﷺ هذا.
الرابعة: الهجرة، قال: (وآمركم بالهجرة) والهجرة هنا معناها: هجر المعاصي سواء كانت المعاصي مقاربة الكفار والمكوث معهم في ديارهم أو في أعمالهم فيجب أن تهجرهم، أو كانت غير ذلك.
و (تهجرها) أي: تتركها، فهي تشمل الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الحق والإسلام، وتشمل ترك المعاصي مطلقاً، فهذه كلها يأمر بها الرسول ﷺ .
الخامسة: الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فهو مما أمر به ﷺ ، وهذا الأمر به كثير في كتاب الله جل وعلا.
ثم نهى عن دعوى الجاهلية، ودعوى الجاهلية هي كل دعوى تخالف الإسلام، فالدعوة التي تكون ضد الخصلة الأولى -الجماعة- والتي تدعو إلى التفرق، كأن يكون هناك أحزاب أو جماعات، فيكون بينهم معاداة، وكل جماعة تعادي الأخرى، فهذا من أمر الجاهلية.
وكذلك كون الإنسان يجعل أسماء للمؤمنين والمسلمين ليست مما جاء به الرسول ﷺ ، أو يسميهم بأسماء تدل على سلوكهم ونهجهم وأعمالهم، فإن هذا أيضاً من دعوى الجاهلية؛ ولهذا قال: (فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله : المسلمين، المؤمنين، عباد الله)، ثم أخبر أن من صنع ذلك فإنه من جُثى جهنم، يعني: أنه يجثى ويلقى فيها، فقالوا له: (وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم).
فهذا حديث عظيم والشاهد فيه: قول يحيى بن زكريا ﵇: (آمركم أن تعبدوا الله وحده)، وهذه الخصلة هي دين الله جل وعلا منذ بعث الرسل إلى قيام الساعة وهم متفقون على هذا، وعلى وجوب عبادة الله وحده، وأن المشرك خارج على أمر الله، وعلى العقل والفطرة.
[وهذا حديث حسن].
الحديث صحيح ثابت رواه الإمام أحمد، ورواه أبو يعلى في المسند، والحاكم في المستدرك، وهذا الحديث من الأحاديث التي استدركها الدارقطني على مسلم، يعني: ألزمه بها؛ لأن الدارقطني رحمه الله تعالى له كتاب الإلزامات التي يقول: إنه يلزم الإمام مسلماً أن يخرجها؛ لأنها على شرطه، فهذا منها، وهذا الحديث التي من هذه الأحاديث ذكرها الدارقطني، والحديث ثابت لا شك فيه.
стр. 1439
آيات الله في الآفاق والأنفس دليل على وجوده
قال الشارح: [والشاهد منه في هذه الآية قوله: (إن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)، وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات الدالة على هذا المقال في القرآن كثيرة جداً، وسئل أبو نواس عن ذلك؛ فأنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لُجين ناظرات بأحداق هي الذهب السبيك على قُضُب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك] مقصوده في هذا أن النبات دليل من دلائل وجود الله جل وعلا، والعيون الناظرات أي: الأزهار التي تختلف ألوانها، وروائحها وطعومها والتربة واحدة والماء والهواء واحد، فكيف خرجت هذه الزهور من هذا التراب؟ من الذي أخرجها؟ هذه كلها تدل على أن الله جل وعلا هو الذي خلقها، وهذه جزئية، وإلا ففي كل شيء دليل يشهد أن الله جل وعلا هو الخالق وحده وليس معه مشارك في ذلك؛ حتى لو أن الإنسان تأمل في نفسه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، لوجد ذلك.
وكذا لو نظر الإنسان في العالم كله لا يجد شخصاً يمكن أن يكون مشتبهاً بالآخر من كل وجه بحيث لا يميز عنه أبداً، هذا مع كثرتهم، وكذلك أصواتهم لا يوجد من يشبه صوته صوت الآخر، إذ الرجل صوته متميز عن الآخر وعن المرأة، والمرأة صوتها متميز عن الأخرى، وكذلك أبدانهم، مثل الأنامل التي لا يمكن أن تكون واحدة مطابقة للأخرى في كل الناس على كثرتهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ١٩].
ماء مهين فكيف خرج منه هذا العاقل؟! كيف صار له السمع والبصر واللسان والأمعاء والفم والأيدي والأرجل؟! هل يستطيع أحد أنه يأتي بهذا من هذا الماء؟ ولو وضع على منضدة أمام طب العالم فلا يمكن أن يستخرجوا منه عظمة أو لحمة، والله جل وعلا خلق منه الذكر والأنثى بهذه الصفة العجيبة.
المقصود: أن الآيات في الأنفس والآفاق الدالة على الله جل وعلا لا حصر لها.
قال الشارح: [وقال ابن المعتز: فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟! وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد].
стр. 1440
شرك الألفاظ وأنواعه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي.
وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص.
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت.
وقول الرجل: لولا الله وفلان.
لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك.
رواه ابن أبي حاتم].
هذه ثلاثة أنواع تقع كثيراً من الناس، وجعلها أهل العلم من اتخاذ الأنداد:
следующие страницы →