← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أجر الصيام قال: (وآمركم بالصوم)، وذكر مثل الصوم: أنه كمثل رجل في جماعة معه صرة من مسك، وكلهم يجد رائحة المسك الطيب، فالصوم جعل لصاحبه رائحة طيبة؛ لأنه في الواقع سر بين العبد وربه، وقد جاء نظير ذلك في الحديث الصحيح: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، ومعنى الخلوف: هو الآثار التي تخلفها المعدة وتتصاعد منها الأبخرة عند خلو الطعام، ومعلوم أنها رائحة عند الناس كريهة مستكرهة ولكنها عند الله طيبة، حيث إنها أثر الطاعة التي حبس نفسه عليها، والصوم صبر، والصبر ليس له جزاء إلا الجنة.

стр. 1437

تحصن العبد بذكر الله قال: (وآمركم أن تذكروا الله كثيراً)، وضرب لذلك مثلاً، وقال: مثل الذكر كمثل رجل طلبه العدو، ثم تحصن بحصن منيع، فلم يستطع الوصول إليه، ومعنى ذلك: أن الذكر حصن يتحصن به الإنسان من الشيطان. وقد ذكر الله ذلك في القرآن أن العدو قسمان: قسم مشاهد يواجه ويرى. فهذا يمكن أن يدافع، وقسم غير مرئي وغير مشاهد، فقال للمشاهد: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فهذا العدو المشاهد الإنسان، يعني: أن علاجه أنك تدفعه بالإحسان إليه إذا أساء إليك، فإن هذا يجعله لك صديقاً حميماً حبك وتذهب العداوة، هذا علاج ولكن هذا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] أي: حظ من العلم والحلم والدين والتوفيق من الله جل وعلا؛ لأنه صعب على النفوس أن تحسن إلى من أساء إليها، ولكن أثره حسن جيد جميل؛ لأنه يجعل العدو صديقاً. القسم الثاني: ذكره جل وعلا في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فهذه طريقة التحصن من الشيطان فالاستعاذة من الشيطان بذكر أسماء الله وصفاته والتحرز بها منه، وهذا كثير جداً في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ . وهذه الخمس التي أمر بها يحيى ﵇ قومه، نحن مأمورون بها أيضاً، ولم تأت هذه مجرد حكاية وإنما لنعمل به؛ لأنه جاء على لسان رسولنا محمد ﷺ أنه يأمر بهذه الخمس التي هي: عبادة الله وحده. وهي دين الرسل كلهم، وكذلك الصدقة، والصوم، وذكر الله جل وعلا، والصلاة وعدم الالتفات فيها، وهذه كلها نحن مأمورن بها.

стр. 1438

من وصايا الرسول لأمته أضاف الرسول ﷺ زيادة على تلك الوصايا خمساً فقال: (وأنا آمركم بخمس: بالجماعة) هذه واحدة، والجماعة معناها: الاجتماع على الحق، وأن يعتصم المسلمون بما جاء به الرسول ﷺ ، والجماعة ما كان هو الحق ولو كان عليه فرد واحد، أما إذا كان الناس على خلاف الحق فليسوا جماعة وإن كثروا، كما قال الصحابة رضوان الله عليهم: الجماعة من كان على الحق وإن كان وحده. إذ قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً﴾ [النحل:١٢٠]. الثانية: السمع. الثالثة: الطاعة لولي الأمر، وولاة الأمور هم العلماء والأمراء، فالعلماء يبينون الحق والشرع والأمراء ينفذونه. هؤلاء هم الذين يسمع لهم ويطاع ما أطاعوا الله جل وعلا، أما إذا أمروا بشيء فيه معصية فقد جاءت الأحاديث الصحيحة أنه لا سمع لهم ولا طاعة، فالسمع والطاعة فيما وافق الحق، وفيما جاء به الرسول ﷺ ، فإن كان السمع والطاعة في الحق موافقاً له وجب على كل مأمور أن يقوم به وإن كان الآمر ظالماً، وإن كان يعتدي على الإنسان ويضربه ويأخذ ماله، فيجب أن يسمع له ويطيع ما دام أنه يأمر بما أمر الله به وأمر به رسوله وإن منع حقه؛ لأنه يطاع في أمر الله وأمر رسوله، أما الحق الذي منعه فهو يطلب من الله وسوف يحاسبه الله جل وعلا على ذلك، فأمره إلى الله كما بين الرسول ﷺ هذا. الرابعة: الهجرة، قال: (وآمركم بالهجرة) والهجرة هنا معناها: هجر المعاصي سواء كانت المعاصي مقاربة الكفار والمكوث معهم في ديارهم أو في أعمالهم فيجب أن تهجرهم، أو كانت غير ذلك. و (تهجرها) أي: تتركها، فهي تشمل الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الحق والإسلام، وتشمل ترك المعاصي مطلقاً، فهذه كلها يأمر بها الرسول ﷺ . الخامسة: الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فهو مما أمر به ﷺ ، وهذا الأمر به كثير في كتاب الله جل وعلا. ثم نهى عن دعوى الجاهلية، ودعوى الجاهلية هي كل دعوى تخالف الإسلام، فالدعوة التي تكون ضد الخصلة الأولى -الجماعة- والتي تدعو إلى التفرق، كأن يكون هناك أحزاب أو جماعات، فيكون بينهم معاداة، وكل جماعة تعادي الأخرى، فهذا من أمر الجاهلية. وكذلك كون الإنسان يجعل أسماء للمؤمنين والمسلمين ليست مما جاء به الرسول ﷺ ، أو يسميهم بأسماء تدل على سلوكهم ونهجهم وأعمالهم، فإن هذا أيضاً من دعوى الجاهلية؛ ولهذا قال: (فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله : المسلمين، المؤمنين، عباد الله)، ثم أخبر أن من صنع ذلك فإنه من جُثى جهنم، يعني: أنه يجثى ويلقى فيها، فقالوا له: (وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم). فهذا حديث عظيم والشاهد فيه: قول يحيى بن زكريا ﵇: (آمركم أن تعبدوا الله وحده)، وهذه الخصلة هي دين الله جل وعلا منذ بعث الرسل إلى قيام الساعة وهم متفقون على هذا، وعلى وجوب عبادة الله وحده، وأن المشرك خارج على أمر الله، وعلى العقل والفطرة. [وهذا حديث حسن]. الحديث صحيح ثابت رواه الإمام أحمد، ورواه أبو يعلى في المسند، والحاكم في المستدرك، وهذا الحديث من الأحاديث التي استدركها الدارقطني على مسلم، يعني: ألزمه بها؛ لأن الدارقطني رحمه الله تعالى له كتاب الإلزامات التي يقول: إنه يلزم الإمام مسلماً أن يخرجها؛ لأنها على شرطه، فهذا منها، وهذا الحديث التي من هذه الأحاديث ذكرها الدارقطني، والحديث ثابت لا شك فيه.

стр. 1439

آيات الله في الآفاق والأنفس دليل على وجوده قال الشارح: [والشاهد منه في هذه الآية قوله: (إن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)، وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات الدالة على هذا المقال في القرآن كثيرة جداً، وسئل أبو نواس عن ذلك؛ فأنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لُجين ناظرات بأحداق هي الذهب السبيك على قُضُب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك] مقصوده في هذا أن النبات دليل من دلائل وجود الله جل وعلا، والعيون الناظرات أي: الأزهار التي تختلف ألوانها، وروائحها وطعومها والتربة واحدة والماء والهواء واحد، فكيف خرجت هذه الزهور من هذا التراب؟ من الذي أخرجها؟ هذه كلها تدل على أن الله جل وعلا هو الذي خلقها، وهذه جزئية، وإلا ففي كل شيء دليل يشهد أن الله جل وعلا هو الخالق وحده وليس معه مشارك في ذلك؛ حتى لو أن الإنسان تأمل في نفسه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، لوجد ذلك. وكذا لو نظر الإنسان في العالم كله لا يجد شخصاً يمكن أن يكون مشتبهاً بالآخر من كل وجه بحيث لا يميز عنه أبداً، هذا مع كثرتهم، وكذلك أصواتهم لا يوجد من يشبه صوته صوت الآخر، إذ الرجل صوته متميز عن الآخر وعن المرأة، والمرأة صوتها متميز عن الأخرى، وكذلك أبدانهم، مثل الأنامل التي لا يمكن أن تكون واحدة مطابقة للأخرى في كل الناس على كثرتهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ١٩]. ماء مهين فكيف خرج منه هذا العاقل؟! كيف صار له السمع والبصر واللسان والأمعاء والفم والأيدي والأرجل؟! هل يستطيع أحد أنه يأتي بهذا من هذا الماء؟ ولو وضع على منضدة أمام طب العالم فلا يمكن أن يستخرجوا منه عظمة أو لحمة، والله جل وعلا خلق منه الذكر والأنثى بهذه الصفة العجيبة. المقصود: أن الآيات في الأنفس والآفاق الدالة على الله جل وعلا لا حصر لها. قال الشارح: [وقال ابن المعتز: فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد؟! وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد].

стр. 1440

شرك الألفاظ وأنواعه قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم]. هذه ثلاثة أنواع تقع كثيراً من الناس، وجعلها أهل العلم من اتخاذ الأنداد:

стр. 1441

النوع الأول: الحلف بغير الله تعالى فلا يجوز أن يحلف الإنسان بغير الله جل وعلا؛ فإن حلفه هذا يجعله مشركاً، وهذا الشرك قد يكون أصغر لا يخرجه من الدين الإسلامي، وقد يكون أكبر؛ على حسب ما يكون في نفسه من تعظيم المحلوف به، فإن جعله مثل ما يجعله كثير من الجهلة وعبدة القبور؛ حيث إنه إذا طلب منه الحلف بالله حلف بلا مبالاة في كل ما يطلب منه، وإذا طلب منه أن يحلف بـ أحمد البدوي أو بـ الحسين أو بـ عبد القادر يتأذى ويرتعد، ويصفر لونه ويأبى أن يحلف، فمثل هذا شركه أكبر يجعله خارجاً من الدين الإسلامي؛ لأنه جعل المخلوق أعظم من الله، وأقدر من الله في عقابه، أما إذا كان شيء يجري على لسانه عادة، فهذا من شرك الألفاظ التي يجب أن يتنزه ويستغفر منه، والشرك وإن كان صغيراً فهو في الواقع أكبر من الكبائر.

стр. 1442

النوع الثاني: إضافة الأسباب إلى غير خالقها أن تضاف الأمور إلى أسبابها أو إلى جزء سببها، فهذا شرك، فقوله: (لولا البط في الدار لأتانا اللصوص، لولا كليبة فلان لأتانا اللصوص)، يعني: البط قد ينبه صاحب البيت حتى يتنبه للسارق، وكذلك الكلب ينبح ويتنبه الإنسان لما يأتيه، فيكون هذا جزءاً من السبب في الحراسة، فإذا أضيف الأمر الذي أوقعه الله جل وعلا إلى هذا الجزء أو إلى هذا السبب صار تنديداً وشركاً.

стр. 1443

النوع الثالث: إشراك الخالق والمخلوق في إيجاد شيء لا يجوز أن يشرك الرب جل وعلا مع المخلوق في إيجاد شيء، وقولك: (ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان لصار كذا وكذا). فجعل هذه الأمور كلها من التنديد؛ ولهذا قال: (لا تجعل فيها فلاناً) أي: قل: لولا الله. واترك فلاناً، هذا كله شرك بالله جل وعلا. فيجب أن ينزه الإنسان ألفاظه ولسانه وأعماله من الشرك وإن كان صغيراً؛ لأن هذا من الشرك الأصغر الذي لا يجعل الإنسان كافراً، وإنما يكون مرتكباً كبيرة بل أكبر من الكبيرة كما سيأتي في قول ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً).

стр. 1444

حكم الحلف بغير الله قال الشارح: [بين ابن عباس ﵄ أن هذا كله من الشرك، وهو الواقع اليوم على ألسنة كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك؛ فتنبه لهذه الأمور، فإنها من المنكر العظيم الذي يجب النهي عنه والتغليظ فيه؛ لكونه من أكبر الكبائر، وهذا من ابن عباس ﵄ تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى].

стр. 1445

أجوبة العلماء عن حلف النبي بأبيه قد يحتج بعض الناس بما ثبت في صحيح مسلم وغيره: (أنه جاء أعربي إلى النبي ﷺ فسأله عن شرائع الإسلام فقال: أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤدى الزكاة، فصار يقبضها بيده، ثم قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تتطوع، فذهب وقال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها. فقال: أفلح وأبيه إن صدق). واختلف العلماء في الجواب على هذا الحديث، منها ما قاله ابن عبد البر، قال: هذا غلط من الراوي، والصواب: أفلح والله إن صدق، وقد جاء هذا في إحدى الروايات: (أفلح والله إن صدق)، فيكون قوله: (وأبيه) غلطاً من الراوي، ولكن هذا الجواب لا يتأتى إلا في هذا الحديث فقط, وقد جاءت أحاديث أُخرى غير هذا ولا يتأتى عليها هذا الجواب، ثم تغليط الراوي لا يصار إليه؛ لأنه لو كانت كل لفظة فيها مخالفة قلنا: غلط الراوي؛ لكان كل إنسان يقول ذلك إذا لم ترق له بعض الألفاظ. الجواب الثاني: ما قاله الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن هذا كان يجري على ألسنتهم من دون قصد، وليس مقصوداً به الحلف. والواقع أن هذا كلام باطل، فلا يجوز أن يكون ذلك جرى على لسان رسول الله ﷺ على عادة الذين يحلفون بغير الله، فالله يحمي رسوله ﷺ أن يجري على لسانه شيء من الباطل أو الشرك. وهذا جواب باطل. الجواب الثالث: أجاب بعض العلماء بأن هذا يراد به تأكيد الخبر ولا يراد به الحلف، كما كان على عادة العرب، وهذا أفسد مما قاله النووي، فهو أيضاً باطل، فلا يجوز أن يكون جرى على لسان رسول لله ﷺ شيء من هذا القبيل، ومعروف أن الحلف يراد به التأكيد بذكر المعظم الذي يستطيع أن يعاقب الكاذب إذا كان كاذباً، هذا هو مقصود الحلف. الجواب الرابع -وهو الصواب الذي يجب أن يعتمد-: أن هذا الحديث وأمثاله منسوخ بالأحاديث التي ثبتت في الصحيحين: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقد جاء كثيراً أنهم كانوا يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي عن ذلك، فصار النهي ناسخاً؛ فقد ثبت أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يحلف بأبيه، فقال ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، فقال عمر: (والله ما حلفت بعدها بأبي لا ذاكراً ولا آثراً)، وكذلك جاء عن غيره، فهذا يدل على أنها منسوخة. وهذا هو الصواب.

стр. 1446

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٧] لا يجوز الحلف بغير الله؛ لما في ذلك من الغلو في المحلوف به، ومنازعة الله فيما هو من خصائصه، ومن الغلو المحرم أيضاً: الغلو في النبي ﷺ ، ورفعه فوق مكانته التي أعطاه الله إياها.

стр. 1447

من أحكام الحلف بغير الله

стр. 1448

كفر من حلف بغير الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف بغير لله فقد كفر أو أشرك)، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم]. قوله في هذا الحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، الحلف يراد به: تأكيد المحلوف عليه بذكر اسم الله العظيم الذي يعاقب الكاذب إذا كان كاذباً، ويثيب الصادق ويعلم صدقه ويطلع على ذلك ويثيب عليه، ولا يجوز الحلف بغير الله جل وعلا أو بصفة من صفاته؛ لقوله ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وفي هذا: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) قيل: إن (أو) هنا للشك، يعني: شك الصحابي هل قال النبي ﷺ : كفر، أو قال: أشرك، وقيل: إنها بمعنى الواو. يعني: أنه وقع في الكفر والشرك؛ لأن الشرك يكون كفراً، وإن كان من الشرك الأصغر فهو من الكفر الأصغر، أما إذا كان من الشرك الأكبر فهو من الكفر الأكبر. والعلماء قسموا الكفر إلى أقسام خمسة: أحدها: الشرك، والشرك قسم إلى أقسام منها: شرك الدعوة، وشرك المحبة، وشرك الطاعة. وفي هذا نص على أن الحلف بغير الله لا يجوز؛ لأنه محرم، وهو من التنديد الداخل تحت قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. والحلف قد يدخل في شرك الربوبية، وقد يدخل في شرك العبادة، ومعلوم أن التنديد بواحد من أنواع التوحيد هو من أعظم الذنوب كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: (قلت: يا رسول الله! أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، والند هو الشبيه والنظير ولو في صفة من الصفات، أو بحق من الحقوق، أو بفعل من الأفعال، وسيأتي قوله ﷺ في الرجل الذي قال: ما شاء الله وشئت، أنه قال له: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، وفي هذا أن الحلف بغير لله يكون تنديداً وشركاً، وتختلف درجته باختلاف الحالف، فإن كان الحالف جرى ذلك على لسانه من غير قصد، أو أنه تكلم بهذا وهو لا يريد تعظيم المحلوف به التعظيم الذي يوصله إلى العبادة؛ أو أنه ناسٍ أو ساهٍ، فهذا يكون من الشرك الأصغر؛ شرك الألفاظ التي يجب أن يطهر المسلم لسانه منها. أما إذا كان يقصد بذلك تعظيم المحلوف به، واقترن مع ذلك عقيدته في أنه يطلع على حاله، وأنه قد يعاقبه؛ فإن هذا يكون من الشرك الأكبر الذي يخرج من الدين الإسلامي. ثم الحلف بغير الله لا يجوز بأي شيء كان: لا بالأمانة، ولا بالذمة، ولا بالكعبة، ولا بالنبي، ولا بالملائكة، ولا بالسماء، ولا بغير ذلك من مخلوقات الله، وما قاله بعض العلماء من أنه استثنى من ذلك الحلف بالنبي ﷺ أنه جائز؛ فهذا باطل لا دليل عليه؛ فالرسول ﷺ إنما جاء بإخلاص الدين لله جل وعلا، فلا يجوز أن يشرك بالله جل وعلا في شيء من الأشياء: لا بالحلف ولا بالفعل الذي قد يضاف مثلاً إلى سببه كما سيأتي، ولا التصرف، ولا في التأله، ولا الحب والتعظيم، ولا الابتلاء، ولا في شيء من خصائص الله جل وعلا. ثم إن الشرك وإن كان في الألفاظ وإن كان غير مقصود فإنه عظيم، حتى كان يجري على اللسان من غير قصد فإنه أعظم من الكبائر، فيجب على المسلم أن يتوب من ذلك.

стр. 1449

تعظيم الصحابة للحلف بغير الله قال المصنف ﵀: [وقال ابن مسعود ﵁: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أحلف بغيره صادقاً]. معلوم أن الكذب محرم في جميع الأديان، ولا يجوز للمؤمن أن يكذب، كما سئل رسول الله ﷺ ، وقيل له: (أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيزني المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيكذب المؤمن؟ قال: لا)، وأخبر أن الكذب لا يصلح في شيء، ولكن رخص فيه في ثلاثة مواضع: في الحرب، والرجل لزوجه أو المرأة لزوجها، ولا يتضمن ذلك إبطال حق أو إغفاله أو إحقاق باطل، أو الرجل يصلح بين المتخاصمين، وفي الواقع أن هذه الأمور الثلاثة هي من المعاريض وليست من الكذب. يأتي إنسان مثلاً إلى المتخاصمين يقول: أنتم إخوة فلان يحبك ويريد لك الخير والفلاح ونحو هذا الكلام يريد به أن يصلح ما بينهما. وكذلك كلامه مع زوجه، وكذلك في الحرب أن يوري إما في القول أو الفعل خلاف ما يقصد، وما عدا ذلك فلا يجوز الكذب في شيء من الأشياء. والصدق حسنة وهو من صفات المؤمنين، والله يحض عليه ويأمر به، ويقول: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، ومع هذا يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً) والسبب في هذا: أن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وهو ﵁ لا يحب هذا ولا هذا، ولكن يريد أن يبين المفاضلة بين الكذب فيما هو توحيد وعبادة لله وما هو شرك. قوله (لأن الحلف بالله كاذباً) قيل: إنها هي اليمين الغموس، وقد جاء عَدُّ ذلك في الموبقات التي توبق صاحبها في النار وتهلكه إذا حلف بالله كاذباً، وقال آخرون: إن اليمين الغموس هي أن يحلف كاذباً على حق لغيره ليقتطعه بيمينه. والمقصود بهذا: أن حسنة الصدق لا تساوي ولا تقاوم سيئة الشرك في أي وجه من الوجوه، وسيئة الشرك أعظم من الكذب، بل الشرك هو أعظم الذنوب، وقد جاء ذلك صريحاً عن النبي ﷺ ، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، والند هو الشريك، ويشمل أن يكون نداً في العبادة أو الصفات أو الأفعال التي يفعلها الله جل وعلا، فإذا جعل الإنسان لله نداً في ذلك فقد وقع في الشرك الذي هو أعظم الذنوب، والحلف من هذا. وهذا يدلنا على عظم الشرك عند الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم عرفوا عظمه، بخلاف الذين يأتون بالمتناقضات، يقول: لا إله إلا الله وهو يدعو ميتاً رميماً تحت التراب يستغيث به ويناديه، وقد يطوف بقبره أو يسجد عليه، أو يأخذ من ترابه، أو يقدم له نذراً، وما أشبه ذلك. وهذا كله من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان يكون خالداً في النار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ويقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]. وليس الشرك هو الاعتقاد أن فلاناً شارك الله في خلق السموات والأرض، أو أنه شاركه في إنزال المطر، أو الإحياء والإماتة والتصرف، فإن هذا لا يعتقده عاقل، وإنما كان شرك المشركين الذين بعثت إليهم الرسل هو من طريق طلب الوساطة: أنهم يطلبون من المخلوق أن يكون واسطة لهم عند الله يقربهم إلى الله ويشفع لهم، هذا هو الشرك الأكبر الذي كثر ذكره في كتاب الله جل وعلا حتى نعلم أن فئاماً من المسلمين لا يعلمون الشرك، ولا يعرفون حقيقة الشرك، ولا يعرفون حقيقة التأله والعبادة مع أن هذا لا يعذر في جهله أحد؛ لأنه من الأمور الضرورية التي جاء بها النبي ﷺ . على كل حال هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود يبين لنا خطر الشرك، وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد عرفوا قدر التوحيد، وأن الشرك أكبر من جميع الذنوب.

стр. 1450

مقارنة بين مشركي زماننا ومشركي العرب قال الشارح ﵀ رحمة واسعة: [قوله: (فقد كفر أو أشرك) يحتمل أن يكون شكاً من الراوي، ويحتمل أن تكون (أو) بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما هو من الشرك الأصغر، وورد مثل هذا عن ابن مسعود بهذا اللفظ. قال المصنف ﵀: (وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً). ومن المعلوم من أن الحلف بالله كاذباً كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر كما تقدم بيان ذلك، فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود في النار؟ كدعوة غير الله والاستغاثة، به والرغبة إليه، وإنزال حوائجه به، كما هو حال الأكثر من هذه الأمة في هذه الأزمان وما قبلها من تعظيم القبور، واتخاذها أوثاناً، والبناء عليها، واتخاذها مساجد، وبناء المشاهد باسم الميت لعبادة من بنيت باسمه وتعظيمه، والإقبال عليه بالقلوب والأعمال والأقوال. وقد عظمت البلوى بهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وتركوا ما دل عليه القرآن العظيم من النهي عن هذا الشرك وما يوصل إليه، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٣٧] كفرهم الله تعالى بدعوتهم من كانوا يدعونه من دونه في دار الدنيا]. هذا إقرار بأنهم كفرة، وقوله جل وعلا في هذه الآية لما سألهم: (أين الذين كنتم تدعونهم)، يعني: كنتم تستغيثون بهم وتنزلون بهم حاجاتكم، أو تجعلونهم وسطاء بينكم وبين الله؟ (قالوا ضلوا عنا) أي: ذهبوا عنا فلا نراهم؛ لأنها دعوى باطلة، ولو كانوا أمامهم لكفروا بهم وتبرءوا منهم، ثم قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]. ويقول جل وعلا في آية أخرى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]؛ فالأسباب التي تقطعت بهم هي الوسائل التي يزعمون أنها توصلهم وتقربهم بقولهم: إنا نتوسل بهم، أو قولهم: نتشفع بهم، ويجعلون التشفع الذي هو من قبيل الشرك الأكبر، تشفعاً، أو توسلاً، وقد يسمونه تعظيماً للصالحين، وإحسان الظن بهم، وإذا نهوا عن ذلك قالوا: هذا لا يحب الصالحين، ويجعلون التوحيد منكراً والشرك معروفاً؛ لأنهم عاشوا على هذا وتربوا عليه ووجدوا كبراءهم كذلك، وربما علماء يجدونهم على هذا، ثم هم يستبعدون أن يكون هذا شرك أبي لهب، وأبي جهل وأضرابهما، مع أنه أعظم من شركهما. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧]، يعني: أن كل واحد من الداعي والمدعو يتبرأ من الآخر، وتصبح الدعوى في ذلك المكان حسرة على الداعي، وكذلك يكون المدعو عدواً له متبرئاً منه، كما قال الله جل وعلا عن إبراهيم ﵇ وهو يخاطب قومه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت:٢٥]، هكذا يكفر الداعي بالمدعو، والمدعو بالداعي، ويلعن المدعو الداعي، وكذلك الداعي؛ لأنها كلها ضلالات، وذلك لأن الحسرات والعذاب كله بحذافيره يجري على المشرك يوم القيامة يتحسر على فعله حيث فعل فعلاً أوبقه وأوجب له النار، ثم لا يغني عنه هذا التحسر وهذه الندامة شيئاً، فلا بد له من العذاب الأليم. أما في هذه الدنيا فيمكنه أن يتوب، ويطلب من ربه العتبى، ويراجع نفسه، ويعلم ما أوجب الله عليه من توحيده والكفر بالطاغوت، وكل معبود من دون الله فهو طاغوت، سواء كان معبوداً حقيقة أو معنىً، وسواء كان من أجل الدعوة والتوسل، أو من أجل الحكم واتخاذه قانوناً أو دستوراً غير الشرع، فهو طاغوت يجب أن يكفر به، والكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله يجب أولاً، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، فالتوحيد ليس مجرد صلاة وصوم فقط، بل مبني على شيئين: عبادة الله والإخلاص له، والكفر بالطواغيت عموماً والبراءة منها، وإلا كان الإنسان من الهالكين. والمقصود أن الوقوع في الشرك كثير جداً، فالإنسان لا يستبعد ذلك، فإن الشرك أنواع شتى، وسيأتي أنه أخفى من دبيب النملة على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهذا يكون في شرك النيات والمقاصد، وقد يكون في شرك الأقوال. أما الشرك الذي هو مخرج من الدين الإسلامي فهو واضح في كتاب الله وجلي، لأن الرسول ﷺ أوضحه، والله جل وعلا أوضحه.

стр. 1451

غلو الصوفية قال الشارح ﵀: [وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] [الجن:٢٠]]. المساجد قد تطلق على جميع ما يسجد فيه لله تعالى، فكل مكان سجد الإنسان فيه فهو مسجد، فيكون المعنى أن السجود لله جل وعلا. ولا يجوز أن يدعى مع الله في ذلك أحد؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، الأرض كلها جعلت له مسجداً وطهوراً صلوات الله وسلامه عليه، فاحتمل أن المقصود أن البيوت التي بنيت لله جل وعلا، فيجب أن تكون العبادة التي تقام فيها خالصة لله جل وعلا كما يجب أن يكون بناؤها خالصاً لله جل وعلا، ومعلوم أن الآية إذا جاءت تشمل المعاني الصحيحة كلها أولى من أن تقصر على معنى واحد.

стр. 1452

الغلو في تعظيم النبي ﷺ قال الشارح ﵀: [وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر، فخالفوا ما بلغ به الرسول الأمة، وأخبر به عن نفسه ﷺ ، فعاملوه بما نهاهم عنه من الشرك بالله، والتعلق على غير الله، حتى قال قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم فإن من جودك الدنيا وخيرتها ومن علومك علوم اللوح والقلم]. هذه يقولها البوصيري في قصيدته التي تسمى البردة، والتي يغلو فيها كثير من الناس، ويجعلها أفضل من آية الكرسي، ويجعلها ورداً له، يحفظها ويقرؤها مساء صباح، وهذا في الواقع من الشرك الذي أخبر الرسول ﷺ أن هذه الأمة تفعله كما فعلته اليهود والنصارى. ومعلوم أن قائل هذه الأبيات هو ممن كان يكتب التفسير والحديث، وهذا دليل على أنه لا يجوز الاغترار بالإنسان وإن كان من العلماء؛ لأن الواجب أن ينظر في فعل الإنسان هل هو موافق لما جاء به الرسول ﷺ ، أو أنه مخالف، أما بعض الذين يدافعون عنه فيقولون: هذا كله من باب الشفاعة، فألفاظها لا تساعده، بل هي صريحة في الشرك، خصوصاً عند قوله: ما لي من ألوذ به). وأين الله؟ مع أنه يستعيذ بالرسول ﷺ من الله، ووجود مخلوق يستعاذ به من الله هذا أمر جلل، تعالى الله وتقدس! (ما لي من ألوذ به سواك)، يخاطب الرسول ﷺ فيقول: أنت وحدك الذي ألوذ به؛ فنسي رب العالمين، وهو الملاذ والمعاذ الذي يجب أن يلاذ ويستعاذ به. وقوله: (عند حلول الحادث العمم) الحادث العمم الذي يعم الخلق كلهم إذا جمعوا في صعيد واحد، وقاموا لرب العالمين، ولهذا قال في البيت الثاني يخاطب الرسول أيضاً: إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم يعني: إن لم تتفضل يا رسول الله وتأخذ بيدي، وتنقذني من عذاب الله وغضبه، فقد زلت قدمي، وهويت بالعذاب، وهذا صريح في أنه يلوذ برسول الله ﷺ من الله، ومن عذابه تعالى الله وتقدس. ولهذا قال: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم يقول: إذا غضب الله جل وعلا يوم القيامة على خلقه فأنا مستجير بكرمك، ولا يضيق كرمك بي أن تحميني من غضب الله، نعوذ بالله من الخذلان. ويقول في البيت الآخر: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم إذاً: ما الذي تركه لله تعالى إذا كانت الدنيا والآخرة من جملة جود النبي ﷺ ، فماذا بقي فوق هذا من غلو النصارى نسأل الله العافية. ومع ذلك يأتي من هو واقع في الشرك، وفي عبادة الأشخاص، ويعتبر أن هذا الشرك من التشفع ويقول: هذا تشفع. مع أن الشفاعة لا تطلب من الرسول ﷺ ، وإذا طلبت منه فهو الشرك؛ لأن الشفاعة تطلب من الله مالكها، كما قال جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، ويقول جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ولا يوجد أحد يشفع بدون إذنه. ولما ذكر الرسول ﷺ شفاعته التي يكرمه الله جل وعلا بها في الموقف، ذكر أنه يسجد لله أولاً، ثم يدعه الله جل وعلا ما شاء، ثم يأمره برفع رأسه، ويقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فقبل أن يقول له: اشفع. لا يمكن أن يشفع. وفي رواية: أنه يحد له حداً هذا في الشفاعة الأخرى، أما الشفاعة الكبرى فلا حد فيها، لأنها شفاعة في أن يحاسب الله خلقه فقط، وإنما الحد في الشفاعة في الذين دخلوا النار، فإنه إذا شفع يحد الله جل وعلا له حداً معيناً، لأن الشفاعة لله جل وعلا. وحقيقة الشفاعة: هي أن الله جل وعلا يريد رحمة هذا المشفوع له، وإكرام الشافع وإظهار كرامته فقط، وإلا فلا أحد يملك مع الله شيئا، وكل هذه المزاعم مزاعم شركية وثنية لا تعدو أن تكون من دين أبي جهل وأبي لهب وغيرهم بل هي فوقه. وكم وقع الناس في هذا البلاء والشرك العظيم باسم مدح الرسول ﷺ ؛ مع أنه ﷺ لما قيل له: (يا سيدنا وابن سيدنا، ويا خيرنا وابن خيرنا، قال لهم: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، فأنا عبد الله ورسوله لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا)، وفي حديث آخر يقول: (ولا يستجرينكم الشيطان)، يعني: لا يتخذكم مراكز له ويجريكم في الباطل، وترتكبوا ما نهيتكم عنه. فقد بين صلوات الله وسلامه عليه الحق الذي يجب اتباعه، وحمى حق الله جل وعلا خير حماية، وسد طرق الشرك التي يمكن أن يدخل الشيطان منها، ولكن يأبى كثير من الناس إلا أن يخالف رسول الله ﷺ صراحة، ويزين له الشيطان أن هذا من حبه مع أنه من بغضه؛ فالذي يفعل ذلك يبغضه رسول الله ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. فحبه ﷺ في طاعته، واتباع أمره؛ فمن كان محباً له أطاع أمره، واستن بسنته، وانتهى عما نهى عنه، وإلا فهو كاذب في دعواه.

стр. 1453

مقام النبي ﷺ عند ربه جل وعلا قال الشارح ﵀: [فانظر إلى هذا الجهل العظيم؛ حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله، وانظر إلى هذا الإطراء العظيم الذي تجاوز الحد في الإطراء الذي نهى ﷺ عنه بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله)، رواه مالك وغيره. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]]. هو عبد، والعبد هو العابد. هذا هو العبد الممدوح الذي يعبد ربه، وقد أثنى الله جل وعلا عليه بلفظ العبودية في أشرف المقامات؛ لأن أشرف مقام الإنسان أن يحقق عبادة ربه؛ قال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وأثنى عليه جل وعلا في مقام الدعوة فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، وأثنى عليه جل وعلا في مقام الإسراء فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، وأثنى عليه جل وعلا في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة:٢٣]. هذه المقامات الأربع هي أشرف مقامات الرسول ﷺ ؛ فذكره الله جل وعلا فيها بلفظ العبودية؛ وذلك أنه ليس شريكاً لله جل وعلا في الإلهية، أو الربوبية، أو له شيء من الإلهية، بل هو عبد يتأله ربه، وكان يصيبه ما يصيبه فيلجأ إلى ربه جل وعلا، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كان يمد يديه إلى ربه مفتقراً إليه يسأله متضرعاً خاشعاً، وهو أعلم خلق الله جل وعلا. ومع ذلك قد يصيبه الكفار بالأذى، كما جرحوا وجهه صلوات الله وسلامه عليه يوم أحد، وكسروا ثنيته فصار الدم يسيل على وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)، وهو يدعوهم إلى الله جل وعلا، فينزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨] يعني: أنك عبدي فامتثل أمري، وامض في الدعوة التي كلفتك بها، أما هؤلاء فهم عبادي إن شئت عذبتهم، وإن شئت عفوت عنهم؛ فهو ليس له من الأمر شيء صلوات الله وسلامه عليه. أما دعوى الأفاكين المبطلين فهي مخالفة لكتاب الله جل وعلا، ولسنة رسول الله ﷺ ولدعوته، ولنهج السلف الذين عرفوا الحق، وميزوا بين الحق والباطل، لكن الشيطان يأتي إلى الإنسان في صورة تعظيم الرسول صلى لله عليه وسلم فيزين له الشرك، ويجعل هذا الشرك من تعظيم الرسول ﷺ ، ويجعل له ما هو من خصائص الله جل وعلا حتى يخرج به من الدين الإسلامي إلى الكفر، والله أعلم. ثم هذا الكلام وهذه الأبيات للبوصيري صاحب البردة نقول: هذه الأبيات شرك صراح، ولكن الرجل لا يجوز أن نحكم عليه بأنه مشرك؛ لأننا لا ندري ما الذي مات عليه، فربما هداه الله وتبرأ من ذلك وتاب منه، أما إذا علم أنه مات على هذه العقيدة فهو مشرك، ولكن هذا لا يعلم؛ فالحكم على الكلام ليس على الشخص، أما الشخص فأمره إلى الله، فلربما أنه تاب، وعرف الحق ورجع عن الباطل. قال الشارح ﵀: [فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة، والمحادة لله ورسوله. وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير، خصوصاً ممن يدعون العلم والمعرفة، ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك، وتعظيمها من القربات، فإنا لله وإنا إليه راجعون]. ولا يزال هذا الأمر له من ينميه، ومن ينشره بين الناس، ويدعو إليه، ويروون في هذا حكايات باطلة، أو منامات قد يريهم إياها الشيطان ليضلهم بها، أو أحاديث مكذوبة لا أصل لها، أو دعاوي هي تلبيس للحق بالباطل، وليس لهم دليل على هذه الأمور أبداً، وأدلتهم لا تخرج عن كونها مرائي يريهم إياها الشيطان، أو حكايات تحكى عن بعض الناس قد يكون لها أصل، وأصلها الشيطان، وقد لا يكون لها أصل وإنما هي مكذوبة؛ لأن الحكايات لا يجوز أن يعتمد عليها إلا ما كان من كتاب ربنا وسنة رسولنا ﷺ ، أو أحاديث مكذوبة يريدون أن يجعلوا الحق يدل على الباطل فيها؛ هذه هي أدلتهم لا تخرج عن ذلك.

стр. 1454

النهي عن قول: ما شاء الله وشاء فلان قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان)، رواه أبو داود بسند صحيح. ] هذا من حماية التوحيد؛ فإن الرسول ﷺ حمى جناب التوحيد من كل جانب، وقوله: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان)، وذلك أن الواو تقتضي الجمع والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد يكون فيها مساواة، وقد لا يكون فيها مساواة، بخلاف (ثم) فإنها تدل على الترتيب مع التراخي، فإذا وجد الترتيب مع التراخي زال المحظور أي: لم يكن هناك تشريك، (ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان)؛ فإن (ثم) هذه ليست كالواو للمعنى الذي ذكرنا. وهذا فيما يكون فيه لله مشيئة وللعبد مشيئة، أما الأمور التي يختص بها الله جل وعلا فلا يجوز أن يقال فيها مثل هذا، حتى ما كان له سبب، فالأسباب قد يقوم بها إنسان، ومعلوم أن الأسباب لا تقتضي وجود المسبب بالسبب نفسه، فإن السبب قد يجعل الله جل وعلا له موانع تمنع من حصول المسبب، والأمور كلها بيد الله جل وعلا؛ لأنه هو المالك المتصرف في كل شيء. المقصود بهذا أن نبين أن الله جل وعلا هو الذي يملك كل شيء ويتصرف فيه، وإذا كان هناك سبب جعله الله لمخلوق فلا يجوز أن يساوى فيه بين الخالق والمخلوق، بل لابد من التمييز بكلمة (ثم). قال الشارح: [وذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساوياً للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيباً، ولا تعقيباً، وتسمية المخلوق بالخالق شرك إن كان في الأصغر -مثل هذا- فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، كما قال الله عنه في الدار الآخرة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، بخلاف المعطوف بثم؛ فإن المعطوف بها يكون متراخياً عن المعطوف عليه بمهلة، فلا محظور لكونه صار تابعاً]. يجب أن يعلم أن هذا القسم الذي صدر من الكفار وهم في النار ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٨] يخاطبون فيها من كانوا يعبدونهم، ويتوجهون إليهم، ومعلوم أن هذه التسمية ما سموهم بها ويقصدون فيها خلق السموات والأرض، هذا لا يقوله عاقل، ولا في إيجاد الجنة والنار ولا التصرف في الكون، وإنما التسوية التي سووهم فيها إما الحكم والتعظيم، أو التعلق القلبي التي تعلقوا بها فقط، هذا الذي سووهم فيه، فقولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٨]، أي: وقت تسويتنا لكم برب العالمين وإن سووهم به في الحكم، أوالدعاء، أو التعلق القلبي حيث يقولون: نرجوهم أن ينفعونا ويشفعوا لنا. هذا أمر واضح وضحته الآيات الأخرى، وكذلك الواقع يوضحه. قال المصنف رحمة الله تعالى: [وجاء عن إبراهيم النخعي ﵀ أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا يقول: لولا الله وفلان]. أي: يجوز أن يتعوذ بمخلوق إذا كان المخلوق حياً حاضراً قادراً على أن يعيذك بهذا الشيء؛ لأنه استعاذ بالله أولاً، والاستعاذة بالله من التوحيد بلا شك، ولا ينافي ذلك كون الإنسان يستعيذ بحي حاضر بشيء يمكله هو، أما إذا كان ميتاً أو غائباً أو لا يملك هذا الشيء، فالاستعاذة به تكون شركاً. قوله: (أعوذ بالله ثم بك)، ولا يقول: (أعوذ بالله وبك)؛ لأن الأمر كما مضى أن الواو تجعل المعطوف مساوياً للمعطوف عليه بالشيء الذي ذكر، فهذا من الشرك بالله. والمقصود في هذا أن الموحد المؤمن يتنزه في ألفاظه التي يتلفظ بها أن يقع في الشرك، والألفاظ قد تجري عادة بدون قصد، ومع ذلك لا يجوز ذلك، كما يجري على ألسنة كثير من الناس الحلف بالنبي، وهذا حلف بغير الله جل وعلا وهو من الشرك؛ فيجب أن يتنزه عن ذلك، وأن يستغفر الله من ذلك؛ لأنه لا يجوز الحلف إلا بالله جل وعلا أو بصفة من صفاته، وكذلك الاستعاذة، وكذلك اللياذ، وكل ذلك من أنواع العبادة. وكذلك لا يجوز أن يضاف الأمر إلى سببه، كأن يقول: لولا الله وأنت ما صار كذا وكذا، فإن هذا تشريك ممنوع من جهتين: - الجهة الأولى: التشريك. - والثانية: أنه لا يجوز أن يضاف الفعل إلى فلان الذي قد يكون هو السبب، أو جزءاً من السبب، بل يجب أن يضاف إلى الله جل وعلا. قال الشارح: [وقد تقدم الفرق بين ما يجوز، وما لا يجوز من ذلك، وهذا إنما هو في الحي الحاضر الذي له قدرة وسبب في الشيء، وهو الذي يجري في حقه مثل ذلك، وأما في حق الأموات الذين لا إحساس لهم بمن يدعوهم، ولا قدرة لهم على نفع ولا ضر، فلا يقال في حقهم شيء من ذلك، فلا يجوز التعلق عليه بشيء ما بوجه من الوجوه، والقرآن يبين ذلك وينادي بأنه يجعلهم آلهة إذا سئُلوا شيئاً من ذلك، أو رغب إليهم أحد بقوله، أو عمله الباطن أو الظاهر، فمن تدبر القرآن، ورزق فهمه صار على بصيرة من دينه، وبالله التوفيق]. يجب على كل مؤمن أن يتدبر القرآن؛ لأن الله أمر به؛ فإن من لم يتدبره فهو مرتكب لمحرم وسوف يحاسبه الله على ذلك، وبالنسبة للميت كالغائب فلا يجوز أن يستعاذ به، وإنما يستعاذ بالحي الحاضر القادر. قال الشارح ﵀: [والعلم لا يؤخذ قسراً وإنما يؤخذ بأسباب ذكرها بعضهم في قوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وإرشاد أستاذ وطول زمان]. هذه الأسباب كلها إذا فعلها الإنسان قد ينال العلم وقد لا يناله، وإنما الذي سبب الأسباب هو الله جل وعلا؛ فإذا أراد بعبده خيراً فإنه ييسر له هذه الأسباب. قال الشارح ﵀ [وأعظم من هذه الستة: من رزقه الله تعالى الفهم والحفظ، وأتعب نفسه في تحصيله، فهو الموفق لمن شاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]. ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران بالتنفيذ متفقان نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني والعلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالقرآن والله ما قال امرؤ متحذلق بسواهما إلا من الهذيان]. يعني: أن العلم لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وهو العلم بالله بأسمائه وصفاته، والعلم بأمره وخبره، يعني: أخباره التي يخبر بها، وأمره الذي يأمر به عباده. وهذا هو العلم النافع وما عدا ذلك لا خير فيه.

стр. 1455

ذكر المسائل التي اشتمل عليها الباب قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: - الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد]. آية البقرة هي قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وهي في سياق قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]. أي: يعلمون أن ما ذكر يختص بالله الذي خلقهم، وخلق من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض على هذه الصفة، وجعل السماء فوق الأرض مبنية، وهو الذي ينزل من السماء ماء فينبت به النبات الذي يأكلون منه وتأكل منه أنعامهم يعلمون أنه لا يشاركه في ذلك شيء، وإذا كانوا يعلمون أنه لا مشارك له في هذه الأفعال فيجب أن تكون العبادة له وحده، ولا يجوز أن يتوجه إلى شيء من المخلوقات، سواء كانت من الأحياء المتصرفة أو الجمادات بأن يجعلوها وسائط بينهم وبين الله يدعونها ويزعمون أنها تقربهم، فإن هذا من الضلال. هذه إقامة الحجة عليهم بالشيء الذي يقرون به وبالشيء الذي يرتكبونه وينكرونه. ثم يدخل في هذا ما ذكر بعد ذلك كله من قول: لولا الله وفلان؛ هذا بحسب الألفاظ، وكذلك بالحلف بغير الله، وكذلك التشريك في الشيء الصغير والكبير حتى بالألفاظ التي تدخل في التنديد، كما بين ذلك رسول الله ﷺ ، وكما ذكره ابن عباس صريحاً. [المسألة الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة بالشرك الأكبر أنها تعم الأصغر]. يعني: أنها تعم الشرك عموماً صغيره وكبيره، وإن قصد بها في الأصل الشرك الأكبر، ولكن الأصغر يدخل فيها، فإن الشرك كله منهي عنه. [المسألة الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك]. لحديث: (فقد كفر أو أشرك) ووجه كونه شركاً: ما سبق أنه يذكر اسم المحلوف عليه تعظيماً له، وتصديقاً للخبر، فهو كأنه يقول: إن كنت كاذباً فهذا الذي ذكرته يعاقبني، وإن كنت صادقاً فهو يثيبني، وأن هذا المذكور يطلع على ما أقوله، وإذا كان بهذا المعنى فقد دخل في الشرك الأكبر، وليس الأصغر، وإنما يكون من الشرك الأصغر إذا جرى على اللسان مجرداً عن هذا المعنى فقط بدون أن يكون في نيته أنه يعاقب، أو يطلع، أو يثيب. [المسألة الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقاً فهو أكبر من اليمين الغموس]. اليمين الغموس: هي أن يحلف الإنسان عند الحاكم على مال لغيره كاذباً فيقتطعه بيمينه، وقد جاء في خطبة الرسول ﷺ يوم الحج الأكبر أنه قال: (من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان). والحلف بغير الله صادقاً أكبر من هذا، وذلك أن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم الذنوب، وأما اليمين الغموس فهي من الجرائم، والموبقات، ولكنها لا تصل إلى الشرك. [المسألة الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ]. الفرق: أن الواو تقتضي مطلق الجمع، والتسوية بين المعطوف عليه والمعطوف. أما (ثم) فإنها تدل على التراخي مع الترتيب فيختلف الحكم في العطف بها، ولهذا أذن ﷺ بأن يقول: لولا الله ثم أنت، ولا يقول: لولا الله وأنت، وما أشبه ذلك، فثم تختلف عنها؛ لأن هذا وضعها في اللغة العربية، وهذا لمن يفهم اللغة، أما الذي لا يفهمها، ويقول (ثم) ومقصده التسوية أو المشاركة، فالحكم واحد وهو آثم، وواقع في الشرك.

стр. 1456

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٨] حمى النبي ﷺ جناب التوحيد من كل جانب، وسعى لسد كل ثغرة قد يدخل منها الشرك، حتى لو كان ذلك من قبل النطق باللسان دون الاعتقاد بالجنان، ومن حمايته ﷺ لكمال جناب التوحيد: أمره من حُلِف له بالله أن يصدق الحالف.

стр. 1457

باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله [قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله]. الحلف بالله هو منتهى الاجتهاد في إثبات صدق الخبر، وقد أخبر الله جل وعلا عن الكفار والمشركين أنهم إذا اجتهدوا في أيمانهم أقسموا بالله، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩]، فأصبح القسم بالله هو جهد اليمين، يعني: ليس وراءه شيء، وكذلك: مقتضى الوضع أن الذي يحلف بالله جل وعلا وهو صادق فمعناه أنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأن الله يثيبه على صدقه. أما الكاذب فبخلاف ذلك، يعني: إما أنه مستهتر بالله جل وعلا ومتهاون به، أو أنه لا يعتقد أن الله يعلم ما في قلبه، وأن الله يعاقب على ذلك، وكل هذا خلاف كمال التوحيد، ومن تعظيم اسم الله جل وعلا ألا يذكر إلا على حق، ثم إذا ذكر له فإنه يقتنع ويرضى به، ولكن هذا ليس في كل موطن، وإنما يكون ذلك في الأيمان الشرعية عندما يكون هناك حكم شرعي؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (البينة على المدعي، وعلى المنكر اليمين)، فالمدعى عليه يقسم بالله، ويبرأ، فإذا حصل الحلف بالله يجب على المحلوف له أن يرضى؛ لأن هذا حكم شرعي شرعه الرسول ﷺ ، ووجب أن يرضى به، والذي لا يرضى يكون إما ناقص التوحيد؛ لأنه ارتكب محرماً، أو لأنه لم يقدر الله جل وعلا حق قدره، أما في مخاطبات الناس ومحاوراتهم فإن هذا لا يلزم؛ لأن كثيراً من الناس يحلف بالله إما على ظن ضعيف، وإما على غير ظن. فإذا كان الإنسان يعلم أن الأمر في الواقع بخلاف حلفه لم يلزمه أن يرضى بذلك؛ غير أن المؤمن يجب أن يحفظ أيمانه، وكذلك عند الاعتذارات: إذا اعتذر أخ لأخيه، أو عند التهم: إذا اتهم بشيء فحلف بالله أنه ما صار كذا، وأنه ما وقع مني كذا، أو حلف بالله يعتذر له، ويقول: إنه صادق، فإنه ينبغي عليه أن يرضى بذلك، ويصدق ويحمل أخاه على المحمل الطيب الحسن، فإن هذا من حق المسلم على المسلم، ومن لم يفعل ذلك فإنه آثم وتوحيده ناقص، أي أنه لم يأت بكمال التوحيد، فهذا هو وجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد من هذا الوجه. والذي لا يرضى بما حلف له على وجه الاعتذار أو رفع التهمة من أخيه يكون مذنباً، ويكون ذلك نقصاً في توحيده، أما الحلف بغير الله جل وعلا فإنه مضى أنه من الشرك، وقد يكون شركاً أكبر وقد يكون أصغر على حسب ما يقوم في نفس الحالف. قال المصنف: [وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحلفوا بآبائكم؛ من حُلف له بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله)، رواه ابن ماجة بسند حسن]. أما قوله ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم) فقد سبق بيانه، وأن الحلف بغير الله جل وعلا شرك أو كفر، سواء كان بالآباء، أو بالأمانات، أو بالبيت، أو بالنبي، أو بأي مخلوق من المخلوقات فإنه لا يجوز أن يحلف بغير الله جل وعلا، أو بصفة من صفاته؛ لأننا منعنا من غير ذلك. وأخبرنا رسولنا ﷺ أن الحلف بغير الله شرك؛ فلا يجوز أن يرتكب هذا النهي، ولو كان ذلك يجري على لسانه مجرد كلام لا يقصد به حقيقته فإنه محرم، ويكون من الشرك اللفظي الذي يكون من الشرك الأصغر، أما إذا كان يقصد الحقيقة، فهذا قد يرقى عن الشرك الأصغر إلى الأكبر. وأما قوله: (ومن حلف بالله فليصدق)، فهذا من حفظ الأيمان، والإنسان يحفظ يمينه والصدق مأمور به مطلقاً، فالله أمرنا أن نكون مع الصادقين، وأمر بالصدق ونهى عن الكذب، فالصدق من الحسنات، والكذب من صفات المنافقين، والمؤمن لا يكذب كما قال الرسول ﷺ لما سئل: (أيزني المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قيل: أيكذب المؤمن؟ قال: لا)، فالكذب محرم قليله وكثيره، ولا يصلح منه شيء إلا ما استثني في الحديث من الأمور الثلاثة، وفي الواقع أنها من المعاريض وليست كذباً صريحاً، ولكن الأخبار التي يخبر بها تحمل على فهم السامع، فإذا كان الخبر على خلاف ظاهره فإنه يحتمل أن يكون مراداً ويحتمل أن لا يكون مراداً، وإذا كان له غرض صحيح فلا بأس بذلك، ولهذا جاء في الحديث: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)، يعني: فيها مجال ومتسع يغني عن أن يكذب الإنسان، فالكذب لا يجوز منه شيء، والصدق واجب، فكيف إذا كان مع الخبر يمين فإن الكذب يكون أكبر وأعظم جرماً مما لو كذب بلا حلف، لهذا قال: (ومن حلف بالله فليصدق)، وهذا أمر يقتضي الوجوب. ثم قال: (ومن حلف له بالله فليرض)، أي: أذا أخبرك مخبر ثم أقسم على خبره بالله أن هذا هو الواقع، فيجب عليك أن ترضى إن لم يكن المخبر معروفاً بانتهاك الدين وبكونه لا دين له؛ لأنه جاء في قصة محيصة وحويصة اللذين قتل أخوهما في خيبر ولا يدرى من قتله، ومعلوم أن الذي قتله اليهود؛ لأنهم أعداء المسلمين في ذلك اليوم، فلما جاء إلى النبي ﷺ وأخبره قال: (تبرئكم يهود بخمسين يميناً، قال: إنهم لا أيمان لهم)، يعني: كيف نرضى بهذا؟! فلم ينكر عليه النبي ﷺ عدم الرضا؛ لأن هؤلاء لا دين لهم، وقد يحلفون وهم كذبة. وكذلك الرجل الذي جاء يخاصم آخر في أرض قد استولى عليها أحدهم، قال له: (ألك بينة؟ قال: لا. قال: إذاً لك يمينه، فقال: إذاً يأكل مالي)؛ لأنه رجل فاجر، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، ولا قال: يلزمك أن ترضى بهذا، بل قال: (ليس لك إلا يمينه)، فدل هذا على أن المتهم في دينه لا يلزم أن يصدق يمينه إذا حلف. غير أن الحكم الشرعي إذا حكم الحاكم باليمين يلزم المحكوم عليه أن يرضى بهذا الحكم ويسلم بذلك؛ لأن هذا هو حكم الشرع. (ومن لم يرض فليس من الله في شيء): هذا كقوله جل وعلا: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨]، يعني: ليس له نصيب في الآخرة؛ فهو من الوعيد الشديد الذي يقتضي وجوب الرضا بالحلف بالله جل وعلا في الحكم، قال بعض العلماء: إن الحديث خاص بالحكم؛ لأنه يجب الرضا به، ويظهر أنه عام فيما إذا جاء إليك أخوك معتذراً من أمر قد بدر منه، ويحلف لك أنه صادق، وأنه ليس لديه إلا النصح لك والمودة، فإنه يجب عليك أن ترضى بهذا. وكذلك إذا اتهم في شيء وعوتب في ذلك، ثم حلف أنه على خلاف هذا، فإنه يجب أيضاً عليك أن ترضى، ومن لم يرض فإنه داخل في هذا الوعيد. ومناسبة الحديث للباب: أن الذي لا يرضى بالحلف بالله متوعد بقوله: ((فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء))، وهذا يدل على نقص توحيده: إما ذهابه كله، وإما ذهاب كماله.

стр. 1458

آثار تصديق الحالف في اليمين قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (لا تحلفوا بآبائكم) تقدم النهي عن الحلف بغير الله عموماً. قوله: (من حلف بالله فليصدق) هذا مما أوجبه الله على عباده، وحضهم عليه في كتابه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقال: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وقال: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]، وهو حال أهل البر، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]]. قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) يعني: كل الخصال التي ذكرت في أهل البر صدقوا فيها، فهذا يدلنا على أن الصدق يجمع خصال الخير كلها، فهو وصف أهل الإيمان، وأهل التقى والبر، أما خلاف الصدق فهو الكذب، فهو صفة أهل النفاق. [وقوله: (من حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله)، أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين فأحلفه، فلا ريب أنه يجب عليه الرضا، وأما إذا كان فيما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك؛ فهذا من حق المسلم على المسلم أن يقبل منه إذا حلف له معتذراً أو متبرئاً من تهمة. ومن حقه عليه أن يحسن به الظن إذا لم يتبين خلافه، كما في الأثر عن عمر ﵁: (ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأنت تجد لها من الخير محملاً). وفيه من التواضع والألفة والمحبة وغير ذلك من المصالح التي يحبها الله ما لا يخفى على من له فهم؛ وذلك من أسباب اجتماع القلوب على طاعة الله، ثم إنه يدخل في حسن الخلق الذي هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد، كما في الحديث، وهو من مكارم الأخلاق. فتأمل أيها الناصح لنفسه ما يصلحك مع الله من القيام بحقوقه، وحقوق عباده، وإدخال السرور على المسلمين، وترك الانقباض عنهم، والترفع عليهم؛ فإن فيه من الضرر ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، وبسط هذه الأمور، وذكر ما ورد فيها مذكور في كتب الأدب وغيرها. فمن رزق ذلك والعمل بما ينبغي العمل به منه، وترك ما يجب تركه من ذلك؛ دل على وفور دينه وكمال عقله، والله الموفق والمعين لعبده الضعيف المسكين. والله أعلم]. يعني: هذا من حق المسلم على المسلم، ومما يجب أن يعتنى به ولا يتهاون به؛ لأن هذا مقتضى الإيمان، والرسول ﷺ يقول: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا؛ أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام فيما بينكم). فقوله: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)، هذا أمر من ضروريات الشرع وأن الإيمان لابد منه، وأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وقوله: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) المقصود به التحاب في الدين وعلى العقيدة، فتحبه لأنه يعبد الله، ولأنه شاركك في الإيمان بالله، وفي طاعة الله جل وعلا، فتود له ما تود لنفسك، وهذا يجب على جميع المسلمين، ومن أخل به فإنه ناقص الإيمان إن لم يكن إيمانه زائلاً بالكلية، كما قال الرسول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، كذلك يمثلهم بأنهم كالبنيان يشد بعضهم بعضاً، يعني: أنه يجب التعاون فيما بينهم، ويجب أن يتراحموا، ويكون بينهم ألفة الإيمان، ويكون المؤمن مرآة المؤمن، والمرآة ينظر فيها حتى يزيل الأذى من وجهه وبدنه، فالمؤمن يزيل الأذى عن أخيه، ويبعده عنه، هذا معناه: أنه لا يكون إلا جالباً للخير لأخيه. أما إذا انعكست الأمور وصار يجلب له الأذى والشر، فمعنى ذلك إما أن يكون الإيمان زائلاً بالكلية، وأنه لا أثر له في أعماله فهذا إيمانه ضعيف وغير مؤثر، وقد يزول في وقت ما. والذي ينظر إلى حالة المسلمين ولاسيما في المشاعر والطواف مثل رمي الجمار ويرى بعضهم يدوس بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً يعرف أن الإيمان عندهم إما معدوم، وإما ضعيف وإلا لو كانوا يتحلون بما قاله الرسول ﷺ فلا يمكن أن يقتل مؤمناً مؤمن برجليه يدوسه وهو يؤدي فريضة من فرائض الله جل وعلا، وليس الأمر لأن هذه الأماكن تقتضي ذلك، كلا. ولكن الواقع أن الفعل يصدر مهم لجهلهم وعدم مراعاة حقوق إخوانهم بعضهم لبعض. وهكذا في جميع المجالات يجب أن يراعى حق المؤمن لأمر لله جل وعلا واتباعاً لشرعه، وكذلك عندما يبدو منه بادرة تدل على المخالفة؛ فإنه يجب نصحه أولاً فربما يكون ذلك لأنه جاهل ولو عرف الحق لم يفعل ذلك، ولا يجوز أن تعنف عليه بالكلام، أو السب والشتم، بل يجب أن يكون ذلك برفق وبلين يقصد به هدايته، وإذا اعتذر يجب أن يقبل عذره في جميع المجالات التي يمكن أن يسعه الاعتذار فيها في أمور الدين، أما أمور الدنيا فلا تساوي شيئاً كلها ولا يجوز أن يتعادى عليها أو يتباغض من أجلها، فإن حصل ذلك فهذا من الظلم.

стр. 1459

المسائل التي اشتمل عليها الباب قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. المسألة الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. المسألة الثالثة: وعيد من لم يرض].

стр. 1460

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٠٩] لا يجوز أن يشرك مع الله أحد من خلقه في مشيئته وإرادته سبحانه، أو صفاته وأفعاله؛ ولذا أنكر النبي ﷺ على قول الرجل: (ما شاء الله وشئت)، وقال: (أجعلتني لله نداً؟!).

стр. 1461

باب قول: ما شاء الله وشئت وأمثالها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول: (ما شاء الله وشئت): عن قتيلة: (أن يهودياً أتى النبي ﷺ وقال: إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله وشئت) رواه النسائي وصححه]. يعني: ما حكم هذا القول هل هو جائز، أو أنه ممنوع، وإذا كان ممنوعاً فهل هو معصية أو شرك؟ فإن كان معصية؛ فإنه يكون ذاهباً بكمال التوحيد لمن وقع منه، وإن كان شركاً؛ فإنه إما أن يكون ذاهباً بالكمال أو بالكل، على حسب ما يقوم بقلب القائل، وحسب ما يصدر منه. والجواب عن هذا: أن هذا لا يجوز، وأن قول: (ما شاء الله وشئت) من الشرك، ولكنه من الشرك الأصغر، وقد يكون من شرك الألفاظ، وإذا وافق القلب اللسان في ذلك فإنه أيضاً يكون من شرك الاعتقاد؛ فربما وصل إلى الشرك الأكبر. وقوله في هذا في حديث قتيلة: أن الرسول ﷺ نهاهم أن يقولوا ذلك، وأن يقولوا: (ما شاء الله ثم شئت) يعني: منع من الشرك وأباح الشيء الذي يعوض عنه، وهو الإتيان بلفظ لا يدل على مساواة المعطوف بالمعطوف عليه، والمعطوف يكون مخلوقاً والمعطوف عليه هو الخالق جل وعلا. سبق أن قلنا إن هذا لمن يفهم اللغة، أما الذي لا يفهم اللغة ويأتي بثم ومقصوده التسوية، والتشريك فيكون بذلك واقعاً في الشرك، غير أنه يجب أن يفهم الإنسان ما يتكلم به ويفهم كلام الله وكلام رسوله، وهو لا يفهم ذلك إلا إذا عرف اللغة العربية. وهذا يدلنا على لطف الرسول ﷺ ، وشفقته على أمته، وحمايته جناب التوحيد وكل الطرق التي تفضي إليه، حتى في مثل هذه الألفاظ نهى عنها ومنع منها، فكيف لو حصلت استغاثة بمخلوق أو دعاء له، أو حصل ذبح له، أو نذر ماذا يكون؟ يكون مضاداً لدعوته ﷺ ، ومنافياً لها، ولهذا كانوا يعرفون هذه الأمور تماماً، ولم يقع منهم شيء من ذلك وإنما يقع شيء فيه خفاء لا يعرفه إلا الخواص، مثل هذا اللفظ.

стр. 1462

الجواب عما ورد في القرآن من الجمع بين فعل الله ورسوله بالواو قد يقول قائل: إنه جاء في القرآن ما يدل على جواز مثل هذا، أي: جواز العطف بالواو، مثل قوله جل وعلا: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فعطف بالواو على ما فعله الله جل وعلا يقصد به الرسول، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٧٤]، فعطف الرسول على الله، وقد يحتج محتج بمثل هذا، ويقول: هذا يدل على الجواز. فالجواب عن هذا: أن يقال: كلام الله وكلام رسوله ﷺ لا يتضاربان ولا يتعارضان بل كلاهما حق وكلاهما يدل على التوحيد، ولا يمكن أن أحدهما يدل على خلاف التوحيد. أما الجواب المفصل فنقول: هذا من الله، والله جل وعلا يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، وقد أخبرنا جل وعلا أنه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما نحن فممنوعون من مثل هذا، فيكون هذا مثل القسم الذي أقسم الله جل وعلا به في قوله جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٣] إلى آخر الأقسام الكثيرة التي تقسم بالمخلوقات والتي تدل على عظمتها، وأنها آية من آيات الله. الجواب الثاني: أن يوجد فرق بين ما في هذه الآيتين، وما في الحديث، فالحديث فيه: أن الفعل واحد (ما شاء الله وشئت)، أما هذه فأفعال مختلفة؛ وفعل الله غير فعل رسوله؛ فالله أغناهم من فضله ورسوله ﷺ أغناهم بفعله حقيقة، ولكنه داخل تحت قدرته، وهو من نعم الله جل وعلا، وكذلك بالنسبة إلى زيد فالله أنعم عليه بالإسلام والهداية، والرسول ﷺ أنعم عليه بأن أعتقه، فالفعل هنا متغاير وليس مثل ما في الحديث.

стр. 1463

ما يستفاد من حديث قتيلة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن قتيلة: (أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون: تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) رواه النسائي وصححه]. في هذا الحديث من الاعتبارات: أولاً: كيف أن اليهود يعرفون مثل هذه الدقائق وينكرونها على المسلمين، وهم يقولون: (عزير ابن الله)، (يد الله مغلولة)، (نحن أغنياء والله فقير)، ويفعلون الأفعال التي تنافي وحدانية الله جل وعلا، ثم ينكرون على المسلمين مثل هذا الشيء الدقيق، فهذا يدل على أن صاحب الهوى قد يفهم شيئاً دقيقاً لأجل هواه لا من أجل الحق. ثانياً: أن الحق إذا جاء -وإن كان من عدو- يجب أن يقبل، لأن الرسول ﷺ قبل ذلك ونهى عنه، وهو إنما جاء من اليهود وهم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المسلمين، والحق ضالة المؤمن فيجب أن يقبله ويقول به، وإن كان صادراً من عدو. ثالثاً: أن الإنسان ظلوم جهول قد يعرض عن الأمور العظائم التي يفعلها، وينتقد الأمور الدقيقة الضعيفة على غيره. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (عن قتيلة) بمثناة، مصغرة، قتيلة بنت صيفي الأنصارية صحابية مهاجرة، لها حديث في سنن النسائي وهو المذكور في الباب، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي. وفيه: قبول الحق ممن جاء به كائناً من كان. وفيه: بيان النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة فريضة. وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه. وأنت ترى ما وقع من الناس اليوم من الحلف بالكعبة، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله، ومن المعلوم أن الكعبة لا تضر ولا تنفع؛ وإنما شرع الله لعباده الطواف بها والعبادة عندها وجعلها للأمة قبلة، فالطواف بها مشروع، والحلف بها ودعاؤها ممنوع، فميز أيها المكلف بين ما يشرع وما يمنع، وإن خالفك من خالفك من جهلة الناس الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً]. شبيه بقول هذا اليهودي ما سمعناه من بعض النصارى، فإنهم يقولون في هذه المسألة: إن المسلمين عندهم بقايا وثنية حيث يذهبون إلى الكعبة ويتمسحون بها ويطوفون عليها. وهذا غريب من هؤلاء المشركين الذين يجعلون المسيح بن مريم ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة ويعبدونه، فهم يعبدون رجلاً كان في بطن امرأة حملاً، ثم وضع فصار رضيعاً ضعيفاً، إلى أن جاءت عليه الأطوار التي تأتي على الإنسان، ثم يقولون: هو ربهم، وأنه هو الذي يتصرف، ثم ينتقدون هذا الانتقاد، هذا من أعجب العجب. والجاهل الذي لا يعرف حكم الإسلام، ولا يعرف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قد ينطلي عليه مثل هذا الكلام؛ لأن القائل نفسه يعلم أنه باطل، وأن مقصوده به التشويه، وكذلك يقصد به أن ينفر عن الإسلام من لا يعرفه، وإلا فإن أهل الإسلام يعلمون أن الكعبة مبنية من الحجر والطين، وأنها لا تضر ولا تنفع أحداً، وإنما يمتثلون أمر ربهم حيث أمرهم بقصدها والطواف عليها وبالتوجه إليها بالصلاة والدعاء. فهذا مثلما ذكر الله جل وعلا أنه أمر الملائكة بأن يسجدوا لآدم فسجدوا طاعة لله وليس عبادة لآدم، فكذلك المسلمون يذهبون إلى الكعبة ويطوفون بها طاعة لله جل وعلا، ويعبدون رب الكعبة وليست الكعبة هي المعبودة، وإنما المعبود ربها الذي أمر بتعظيمها وبقصدها وبالطواف عليها. أما التمسح بها فليس مشروعاً بل لا يجوز وهو من المحرمات، وإذا وقع فإنما يقع من الجهلة الذين لا يعرفون الحكمة، وإنما الذي يمسح هو الحجر الأسود والركن اليماني فقط، وأما غير ذلك فلا يجوز التمسح كما يقول هؤلاء الأعداء، وإنما يفعلون ما أمروا تعبداً لله جل وعلا وتقرباً. وأما الوقوف بعرفات فهو عبادة أمروا بها تعبداً لله، وكذلك المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار وسائر مواقف الحج والمشاعر، كلها عبودية للقلب وللبدن؛ فالقلب أولاً يخضع لله جل وعلا ممتثلاً أمره وليس لهذه المظاهر التي يزعم الأعداء أنها من بقايا الوثنية، إذ إنهم إما جاهلون بالحكم وبالواقع، أو أنهم عرفوا الحكم فكذبوا على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى المسلمين، فعليهم جريمة الكذب وجريمة معاداة الحق.

стр. 1464

مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى قال الشارح ﵀: [قوله: (إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت)، والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئاً إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩] وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]))]. ومعلوم أن الذي يقول هذا القول ليس قصده أن مشيئة المخلوق كمشيئة الخالق؛ هذا لا يخطر ببال عاقل من العقلاء، وإنما الذي ينكر مجرد الجمع بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق؛ لأن الجمع يقتضي تشريكاً فقط، يعني: أن مشيئة المخلوق تشارك مشيئة الخالق ولو مشاركة ضعيفة، فنهي عن هذا وجعل ذلك من الشرك، هذا هو الذي دل عليه الحديث. أما كون الإنسان له مشيئة ومشيئته جعلها الله جل وعلا مملوكة له، فهذا لا ينكر وهذا معلوم، ولكن هذه المشيئة ضعيفة تناسب ضعف المخلوق، فلا يجوز أن يجمع بينها وبين مشيئة القادر على كل شيء رب العباد جل وعلا، يجب أن يكون العبد عبداً لله موحداً منزهاً لله عن جميع المشاركة حتى في الألفاظ التي توهم مجرد مشاركة ولو ضعيفة حتى يكون عبداً لله حقاً. والرسول ﷺ جاء بكمال التوحيد فبين جميع ما يجب على العبد أن يفعله أو يقوله، وكذلك جميع ما يجب أن يمتنع منه.

стр. 1465

الرد على نفاة المشيئة من القدرية والمعتزلة قال الشارح ﵀: [وفي هذه الآيات والحديث: الرد على القدرية والمعتزلة نفاة القدر، الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه، وسيأتي ما يبطل قولهم في: (باب ما جاء في منكري القدر) إن شاء الله تعالى، وأنهم مجوس هذه الأمة]. القدرية ما قالوا ذلك لأنهم يقدسون الإنسان، ولا لأنهم يجعلونه مشاركاً لله جل وعلا في ذلك قصداً، وإنما قالوه من باب الجهل والفرار من باطل اعتقدوه فوقعوا في باطل آخر أكبر منه، وهو أنهم قالوا: لو قلنا إن مشيئة الله جل وعلا عامة شاملة، وأن العبد ليس له مشيئة إلا بعد مشيئة الله؛ فهي داخلة في مشيئته؛ فلو قلنا هذا للزم من ذلك أن نقول إن الله يشاء الكفر من العبد ثم يعذبه عليه، ويكون ذلك ظلماً. هذا الذي دعاهم إلى قولهم: إن العبد له مشيئة غير داخلة في مشيئة الله، ومعلوم أن مثل هؤلاء مثل الذي استجار من الرمضاء بالنار، فهم فروا من شيء متوهم يريدون تنزيه لله ووقعوا في الشرك في الربوبية؛ حيث جعلوا هناك أشياء مخلوقة لغير الله جل وعلا. فإذاً: يكون المخلوق مشاركاً لله جل وعلا في الخلق، وهذا أعظم وأكبر مما فروا منه، فإن الله جل وعلا خلق الإنسان وجعل له قدرة واختياراً فخلق له القدرة على اختيار الفعل التي هي المشيئة، وخلق له قدرة التي هي مناط القيام بالفعل، وبها يفعل، وخلق له أيضاً إرادة التي هي المشيئة فجعلها ملكاً له، وأمره بما يستطيع، فإذا فعل ذلك فإنه يفعله بإرادته وقدرته، وإذا تركه فإنه يتركه بإرادته وقدرته، وعلى ذلك يستحق العبد إذا ترك ما أمر به وفعل ما نهي عنه يستحق الثواب إذا امتثل الأمر واجتنب النهي؛ لأنه وقع بإرادته وقدرته.

стр. 1466

عقيدة أهل السنة في القدر قال الشارح ﵀: [وأما أهل السنة والجماعة فتمسكوا بالكتاب والسنة في هذا الباب وغيره، واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما يوافق ما شرعه الله، وما يخالفه من أفعال العباد وأقوالهم؛ فالكل بمشيئة الله وإرادته، فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]. وفيه: بيان أن الحلف بالكعبة شرك؛ فإن النبي ﷺ أقر اليهودي على قوله: إنكم تشركون]. أقره على تسميته ذلك شركاً ونهى عنه، وليس معنى هذا أن اليهودي ينبه رسول الله ﷺ ويعلمه، ولكن هذا يكون من الأمور المسموح بها أولاً، ثم بعد ذلك نهي عنها، وقد جاء أنه كان يجوز أن يحلفوا بغير الله أولاً ثم نسخ ذلك ونهوا عنه، قال رسول الله ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وقال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). قال المصنف رحمه الله تعالى: [وله أيضاً عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً، ما شاء الله وحده)]. قوله: (أجعلتني لله نداً)، الند: هو المثيل والنظير الذي يكون مناظراً لنده، يقال: (هذا ند) إذا كان مثله، ونديده إذا كان مساوياً له، ولا يلزم أن تكون المساواة من كل وجه بل ولو في صفة من الصفات. قوله: (أجعلتني لله نداً)، هذا من باب الإنكار عليه وأن هذا من الشرك، كما قال صراحة: (أجعلتني لله نداً؟) فدل على أن هذا شرك، وهو من الشرك الأصغر الذي يجب أن يتنزه عنه، ووجوده يكون منقصاً لتوحيد الإنسان. ثم أرشده إلى التوحيد الخالص فقال: (بل ما شاء الله وحده)، أي: قل: ما شاء الله وحده ولا تعطف عليه أي شيء، وهذا أكمل مما لو قال: (ما شاء الله ثم شئت)، مع أنه جائز ولكن قوله: (ما شاء الله وحده) أكمل وأبعد عن المشاركة عن الشرك في الوجود؛ وأرشد إلى ذلك رسول الله ﷺ مع أن الأمر الذي وقع هو بمشيئة الرسول ﷺ ، أعني: المشيئة المقدور له فعلها بنفسه، ولكن لا يقع شيء في الكون إلا بمشيئة الله. فالله هو الذي أقدر المخلوق على أن يفعل هذا الشيء؛ فإنه لا تكون له حركة ولا سكون إلا بإرادة الله جل وعلا: ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فالله جل وعلا أراد ذلك وشاءه، والشيء الذي لا يريده ولا يشاؤه لا يمكن أن يقع؛ غير أن الله جل وعلا جعل لكل شيء سبباً، والسبب لا يجوز أن يكون هو المعتمد عليه، والمنظور إليه، بل ينظر إليه على أن الله جعله سبباً، فترجع الأمور كلها إلى الله جل وعلا، وهذا منها، فإذا فعل مخلوق فعلاً يجب أن يُنظر إلى أنه وقع بإرادة الله، والله هو الذي أقدر هذا المخلوق عليه، وقد شاء الله وقوعه، ولولا مشيئته ما وقع؛ لأنه وإن كان السبب تاماً فإن له موانع جعلها الله جل وعلا فإذا أراد أن لا يقع لم يقع. قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا يقرر ما تقدم: من أن هذا شرك لوجود التسوية في العطف بالواو. وقوله: (أجعلتني لله نداً)، فيه بيان أن من سوى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله نداً لله، شاء أم أبى، خلافاً لما يقوله الجاهلون بما يختص بالله تعالى من عبادته، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه و (من يرد به الله خيراً يفقه في الدين).

стр. 1467

حديث الطفيل (إنكم لأنتم القوم) قال المصنف رحمه الله تعالى: ولـ ابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: (رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفرٍ من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: هل أخبرت بها أحداً؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)].

стр. 1468

وجوب تمييز أفعال الله عن أفعال خلقه إن من أعظم الذنوب التي توعد الله جل وعلا عليها العقاب الشرك، والشرك يكون بالفعل ويكون بالاعتقاد، ويكون بالقول بالألفاظ، والألفاظ قد لا يعتقد الإنسان معانيها، ومع ذلك تكون شركاً. وهذا الحديث من هذا النوع، أي: من نوع الشرك بالألفاظ؛ لأن الذي يقول: ما شاء الله وشئت لا يعتقد أن مشيئة المخلوق مساوية لمشيئة الخالق جل وعلا، ولا أنه يوجد بها ما يوجد بمشيئة الله جل وعلا، هذا لا يعتقده عاقل، ولكن مجرد الجمع بين المشيئتين في اللفظ يجعل ذلك شركاً؛ لأنه يجب أن تميز أفعال الله جل وعلا عن أفعال خلقه؛ لأن الله جل وعلا لا شريك له في ذاته، ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، ولا في حقوقه التي يستحقها على عباده، كل هذه يجب أن يكون مفرداً بها لا يشرك فيها معه أحد. والرسول ﷺ جاء بالدين الخالص، وجاء في بيان حق الله جل وعلا على عباده بأنواعه؛ لهذا أنكر مثل هذا الشيء الدقيق.

стр. 1469

الرؤيا قد تكون سبباً في حكم شرعي وهذه رؤيا رآها أحد المسلمين وهو الطفيل، ولكن الرؤيا قد تكون سبباً لأمرٍ يشرعه الله، كما صارت الرؤيا سبباً في مشروعية الأذان، ففي حديث عبد الله بن زيد (أنه انصرف من عند النبي ﷺ وهو مهتم بأمر الصلاة كيف يتحينون لها وقتاً! ولا كان ينادى لها، فمنهم من يقترح أن يكون هناك ناقوس يضرب به أو نار، لكن النبي ﷺ كره هذه الأمور، فذهب ورأى في منامه أنه جاءه آت ومعه بوق فقال له: ألا تبيع هذا؟ قال: وماذا تصنع به؟ قال: أنادي به للصلاة، قال: أولا أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى، فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم ذكر له الإقامة، فذهب وأخبر النبي ﷺ ، فقال: إنها رؤيا حق، ألقها على بلال فإنه أندى منك صوتاً). فكان هذا سبب مشروعية الأذان، وهذه الرؤيا سبب النهي عن مثل هذا القول، أن يجمع الإنسان بين ما هو من فعل الله وما هو من فعل المخلوق في كلمة واحدة وذلك (بالواو) كقول: ما شاء الله وشئت، أو: هذا بك وبالله، أو أن هذا فعلك وفعل الله، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا يكون من الشرك بالألفاظ؛ لأنه جمع بينه وبين فعل الله جل وعلا. وهذه المحاورة التي حصلت في الرؤيا بين الطفيل وبين جماعة من اليهود وجماعة من النصارى تدل على أن الرؤيا ليست خيالية، بل هي أمور واقعية، وتدل كذلك على تعصب أهل العقيدة الباطلة، فإنهم يتعصبون لعقيدتهم، وتدل على فهم أصحاب الباطل، فإنهم يفهمون الدقائق ومع ذلك لا ينفعهم. وهنا لما قال لهم: (إنكم لأنتم القوم) يعني: إنكم عندكم كمال غير أن فيكم عيباً، وهو: أنكم تقولون: عزير ابن الله، وعزير رجل صالح جعلوه ابن لله، لأن الله جل وعلا علمه التوراة، فهذا من أعظم الشرك بالله جل وعلا، ومن أعظم التنقيص من المخلوق لله جل وعلا، فإنه جهول ظلوم، جهل عظمة الله ولم يقدره حق قدره، فعدلوا عن هذا الإنكار وهذا العيب العظيم إلى شيء يسير ولكنه من نوعه، قالوا: (وأنتم لأنتم القوم) يعني: عندكم من الكمال والاستعداد (لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد) يعني: أن هذا هو عيبكم حيث لم تخلصوا لله جل وعلا. وكذلك قال النصارى لما قال لهم: (إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله) وهذا من جنس قول اليهود، ومن أعظم الشرك والتنقص لله جل وعلا، كيف يكون الرب جل وعلا له ابن وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد؟ تعالى الله وتقدس، هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] هو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل الخلق فقراء، وكانوا عدماً فأوجدهم، ولابد أن يصيروا إلى العدم فهم فقراء، فهذا من جهل الإنسان وظلمه، وإذا اجتمع الجهل والظلم فإنه يتحتم ويجتمع البلاء كله، نسأل الله العافية. فلما قص الرؤيا على الرسول ﷺ بادر إلى إنكار هذا القول الذي يصدر منهم، فقال: (إنكم تقولون كلمة كنت أعرفها، ولكن كان يمنعني من إنكارها كذا وكذا)، وجاء في رواية: (يمنعني من إنكارها الحياء) ومعنى ذلك: أنه كان يمنعه من إنكارها أن الله لم يوح إليه فيها شيئاً، وإلا فمجرد الحياء لا يمنع رسول الله ﷺ من إنكار المنكر، غير أنه لا يقول إلا بأمر الله جل وعلا، وهذه الرؤيا من أقسام الوحي، وقد جاء أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وإذا كانت صالحة فهي حق، ولكن هذا في عهد رسول الله ﷺ ، أعني أن تكون الرؤيا سبباً لتشريع أمر من الأمور، أما بعد ذلك فلا يجوز أن يثبت بالرؤيا حكم من الأحكام، وإنما تكون الرؤيا إما بشارة وإما نذارة، يعني: تبشر الإنسان إذا كان من أهل الخير المحبين، أو تنذره إذا كان من أهل المعاصي، وقد فسر قول الله جل وعلا: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٤] بالرؤيا الصحيحة الصادقة، والرؤيا إذا كانت من إنسان صالح ويصدق الحديث فغالباً ما تكون صادقة، أما إذا كان لا يصدق ويكذب في الحديث فرؤياه لا تصدق ولا تكون صحيحة.

стр. 1470

أقسام الرؤيا والرؤيا التي تقع للناس على أقسام ثلاثة: - قسم يكون مما يزاوله الإنسان في حياته ويعيش عليه، فتكون روحه مشدودة به، ونفسه مشغولة به، فإذا نام صارت النفس تشتغل بهذه الأمور التي كان قلبه عاكفاً عليها، ومتعلقاً بها، وهذه الأمور يجب أن يستغفر الإنسان ويتوب منها، فقد يكون ممن يزاول التجارة فيراها في المنام، وهكذا ويخشى على من كان بهذه المثابة أنه إذا حضره الموت، واشتد مرضه، أن يصبح هذا أمامه يشتغل به، ويخشى أن يموت على ذلك، لهذا نقول: يجب أن يستغفر من هذه الأمور، ويتوب منها؛ لأن الإنسان خلق لعبادة الله جل وعلا، ما خلق لعبادة الدنيا. النوع الثاني: أمور من الشيطان يخوف بها الإنسان، وهذه ذكرها الرسول ﷺ ، وذكر العلاج فيها: أن الإنسان إذا رأى شيئاً يزعجه ويخيفه أنه ينفث عن يساره ثلاثاً، ثم يتعوذ بالله من الشيطان، ثم يغير حالته التي كان عليها في النوم، فإذا كان على جنب يتحول للجنب الثاني، ثم لا يذكر ذلك لأحد، ولا يحدث به أحداً فإنه لا يضره؛ لأن هذا من كيد الشيطان وأعماله. القسم الثالث: الرؤيا، وهي عبارة عن أمثال يضربها الملك الموكل بالرؤيا، حيث يأتي إلى روح النائم ويضرب لها أمثالاً، وقد يكون فيها كلام، وقد يكون فيها أمور يعرفها، وقد يكون فيها أمور لا يعرفها، وهذه هي الرؤيا التي تكون إما بشارة وإما نذارة، ومع ذلك لا يعتمد عليها، ولكنها قد تكون بشارة يستبشر بها الإنسان ولا يعتمد عليها، وإنما الاعتماد على أمر الله وأمر رسوله ﷺ ؛ لأن الله كمل لنا الدين على لسان رسول الله ﷺ ، فلا يحتاج إلى رؤيا ولا إلى غيرها.

стр. 1471

مكانة النبي ﷺ التي أنزله الله إياها وفي هذا الحديث: أن هذا الكلام إذا قيل حتى لأشرف الخلق الذي هو رسول الله صلى عليه وسلم فإنه يكون شركاً، يعني: إذا شركت المشيئة أو الفعل مع الله جل وعلا في كلمة واحدة وعطفت بالواو فإنه يكون شركاً، ولا فرق بين كونه مع رسول الله ﷺ أو مع غيره من الخلق، يجب أن يتنزه منه، ويبتعد عنه. وفي هذا دليل واضح على أن الله جل وعلا هو وحده الذي يملك كل شيء، وهو وحده المتصرف في كل شيء، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئاً، وإنما هو رسول كلفه الله جل وعلا بإبلاغ الرسالة إلى عباد الله، هذه هي مهمته أكرمه الله جل وعلا بطاعته، ولهذا كان يناله الأذى من الناس، ويناله كذلك المرض، ويناله ما ينال غيره من المؤذيات الطبيعية، وهو كذلك يأخذ بالأسباب التي أمر الله جل وعلا بها، يلبس الدرع ويأخذ السلاح، ويقاتل العدو بالسلاح، ويستعد لذلك، حتى إنه مرة ظاهر بين درعين، أي: لبس درعاً على درع، وفي يوم أحد أصيب ﷺ بما أصيب به، فكسرت البيضة على رأسه، ودخلت حلقة المغفر في وجنته وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وكسرت رباعيته، وصار الدم يسيل على وجهه وهو يسلته بيده ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟!) فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وكذلك يوم خيبر حصل ما حصل عليه وعلى صحابته من الجوع، وكذلك المرض الذي سببه الحمى ووباء المنطقة؛ لأنها كانت وبيئة بالحمى وغير ذلك من الأمور التي تحصل. فإذاً: النبي ﷺ ليس إلهاً ولا رباً، وإنما هو بشر مكلف بعبادة الله جل وعلا، وإبلاغ الرسالة، ولهذا يخاطبه الله جل وعلا ويقول له: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] ويقول له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ويقول له: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] في آيات كثيرة يأمره الله جل وعلا أن يخبر بالواقع الذي هو فيه. فإذا كان ليس له مع الله شيء فكذلك غيره من الملائكة والرسل ومن هو دون الرسل والأنبياء كالأولياء، فإنهم دونهم لا يصلون إلى مقام الأنبياء، فإذاً: لا يملكون شيئاً مع الله، فلا يجوز أن يدعوا، ولا يجوز أن ينادوا ويقال لهم: بحسبكم أو إننا نستغيث بكم أو نسألكم كذا وكذا من الأمور التي هي بيد الله جل وعلا، ولا يكونون واسطة بين العباد وبين ربهم جل وعلا؛ لأن الله علام الغيوب، وهو قريب ممن دعاه، ولم يجعل بينه وبين عباده واسطة، بل قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فهو قريب من عبده، وأقرب ما يكون الرب جل وعلا من عبده وهو ساجد، كما قال الرسول ﷺ ، أي: أقرب ما يكون الرب إلى عبده إذا ظهر منه الذل والانكسار والخضوع لله جل وعلا، فإن السجود مظهر للذل والخضوع، وكلما كان متذللاً لربه خاضعاً له فإن الله جل وعلا يكون قريباً منه. المقصود أن هذا حق الله؛ فيجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، الدعوة وطلب النفع والضر، وكذلك التصرف في الكون كله الدقيق والجليل فإنه لا يكون شيء في المخلوقات كلها إلا بإذن الله جل وعلا بعد إرادته ومشيئته.

стр. 1472

متى تثبت الأحكام الشرعية بالرؤى قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله (عن الطفيل أخي عائشة لأمها) هو الطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخو عائشة لأمها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكره المصنف في الباب، وهذه الرؤيا حق، أقرها رسول الله ﷺ ، وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله وحده، وهذا الحديث والذي قبله: أمرهم فيه أن يقولوا: ما شاء الله وحده، ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: ثم شاء فلان؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص. قوله: (كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها) ورد في بعض الطرق: أنه كان يمنعه الحياء منهم، وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه، خطبهم ﷺ فنهاهم عن ذلك نهياً بليغاً، فما زال ﷺ يبلغهم حتى أكمل الله له الدين، وأتم له به النعمة، وبلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. وفيه معنى قوله ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمراً ونهيا، والله أعلم]. فلا يثبت بالرؤيا حكم إلا إذا كانت من النبي ﷺ أو عرضت قصة الرؤيا عليه مثل هذه، ثم أثبت بها شيئاً، أما من غيره فلا يثبت بها حكم أصلاً، وهذا باتفاق العلماء، وإنما قد تكون الرؤيا قرينة من القرائن التي يثبت بها الدليل فتكون من جملة الأدلة، وهناك أدلة غيرها فتكون مرجحة فقط كما في رؤيا ثابت بن قيس بن شماس خطيب رسول الله ﷺ ، كان إذا جاءت الوفود يقدمه النبي ﷺ فيخطب، ولما كان القتال مع مسيلمة الكذاب وأصحابه تحنط، ثم تقدم وصمد حتى قتل ﵁، ثم في الليل رآه أحد أصحابه فقال له: اذهب إلى أمير الجيش خالد بن الوليد فقل له: إن درعي عند فلان قد ألقى عليها برمة، وتجدون عند خبائه فرساً تستن برباطه، ثم قل له إذا قدم على أبي بكر: إن عليّ كذا لفلان من الدين، وإن عبدي الفلاني عتيق، وإياك أن تقول هذه أضغاث أحلام! فلما أصبح غدا على خالد وأخبره، فذهبوا إلى المكان الذي وصفه فوجدوا درعه كما وصفه ملقىً عليها برمة فأخذها، ولما أتى خالد إلى أبي بكر أخبره بذلك فنفذ وصيته، وليس هذا عمل بالرؤيا، وإنما لأنها صارت هناك قرينة وأدلة يعتمد عليها، وفي جميع الأوقات لا يثبت فيها حكم من الأحكام، وإنما تكون دليلاً على شيء، إما بشارة أو نذارة أو غير ذلك. أما الرؤيا من رسول الله ﷺ فهي وحي، واختلف العلماء في معنى قوله: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فقالوا: إن معنى هذا أنه بدئ ﷺ بالرؤيا الصادقة قبل أن يأتيه الوحي، لما كان يخلو في غار حراء ويتحنث، يعني: يتعبد، فكان إذا رأى رؤيا جاءت كمثل فلق الصبح، كأنها شيء واقعي يراه عياناً، وكانت هذه المدة ستة شهور، ثم جاء بالوحي بعد ذلك، فهذه الستة الشهور إذا نسبت إلى ثلاث وعشرين سنة صارت جزءاً من ستة وأربعين جزءاً، وهذه بالنسبة إليه ﷺ ، وهذا هو أظهر الأقوال في هذا الحديث، أنها (جزء من ستة وأربعين جزءاً) والله أعلم.

стр. 1473

مسائل باب: قول ما شاء الله وشئت

стр. 1474

معرفة اليهود بالشرك الأصغر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر]. معرفة اليهود بالشرك الأصغر وكذلك النصارى مع أنهم يقعون في الشرك الأكبر، فكيف يعرفون الأصغر ويوجد منهم الأكبر؟ بسبب الهوى وإتباع شهوات الأنفس، فالإنسان إذا كان له هوى فإنه يفهم الدقائق وهو مرتكب للعظائم، وهذا في اليهود وفي المسلمين.

стр. 1475

قوله ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟! فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ؟ [الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. الثالثة: قوله ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟) فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك والبيتين بعده؟!]. رجلٌ يحدث رسول الله ﷺ في أمر من الأمور، فأخبره الرسول ﷺ بالشيء الذي يوافقه فقال الرجل: ما شاء الله وشئت، فقال رسول الله ﷺ : (أجعلني لله نداً؟) وذلك أنه قرن مشيئة الرسول ﷺ مع مشيئة الله، فصار مقتضى ذلك أنها مشاركة لها بهذا اللفظ، يعني: مشاركة بمقتضى العطف واللفظ، والمشاركة تدل على الشرك. وهذا مجرد اللفظ فقط وإلا فالمعنى لا يعتقده هذا، ومع ذلك أنكره الرسول ﷺ وجعله تنديداً ونوعاً من الشرك؛ لأن الند هو المثل والنظير، فإذا كان كذلك فكيف بالذي يقول: (ما لي من ألوذ به سواك) يخاطب الرسول ﷺ ، ويقصد بها صاحب البردة البوصيري حينما يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علوم اللوح والقلم إلى آخر ما يقول: فإن هذا أمر عظيم جداً! فإنه جعل ما لله جل وعلا للرسول ﷺ ، بل صار يستغيث بالرسول من الله: (ما لي من ألوذ به سواك)، أين الله؟! (إذا الكريم تحلى باسم منتقم)، يعني يقول: إذا غضب الله يوم القيامة فما لي إلا أنت ألوذ به، وهذا من أعظم الشرك، بل ما كان المشركون يقولون هذا ولا قريباً منه. وكذلك قوله: (ولن يضيق رسول الله جاهك بي) يعني: هو يناديه يقول: لا يضيق جاهك يا رسول الله بي يوم القيامة! فأنا أحتمي به! فمعنى ذلك أنه يطلب من الرسول ﷺ من دون الله، وهذا هو الشرك الأعظم. وقوله: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) هذا كذب واضح، الدنيا وضرتها التي هي الآخرة كلها لله، ما لأحد فيها شيء، لا للرسول ولا لغيره. وهذه المنظومة كثير من الناس اتخذها له شبه الورد الذي يتقرب بقراءته وتلاوته إلى الله، مع أنها شرك أكبر، وليس معنى ذلك أن نحكم على الرجل الذي قالها - البوصيري - بأنه مشرك؛ لأننا لا ندري ماذا مات عليه، فيقول: أمره إلى الله، ولكن هذا القول وهذا الكلام الذي يقوله هو شرك، فإن كان مات عليه فإنه مات مشركاً، ولكن يرجى أنه تاب ورجع إلى ربه جل وعلا، وليس المقصود إنساناً بعينه أو كلاماً بعينه، وإنما المقصود الموازنة بين قول الرسول ﷺ لهذا الرجل الذي قال له: (ما شاء الله وشئت) وبين قول الذين يزعمون أنهم يحبون رسول الله ﷺ ، ثم يصبحون ينادونه ويستغيثون به ويجعلونه هو ملاذهم وعياذهم من دون الله جل وعلا، فإن الرسول ﷺ جاء بخلاف ذلك، ودينه يبطل هذا. فلا يجتمع هذا الاعتقاد مع اعتقاد أن محمداً رسول الله، فإن معنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته في أمره، واتباعه على شرعه، وأن الدين ليس إلا ما جاء به فقط، هذا هو معناه، فمن اعتقد غير ذلك فهو ضال.
следующие страницы →