← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

مكانة النبي ﷺ التي أنزله الله إياها وفي هذا الحديث: أن هذا الكلام إذا قيل حتى لأشرف الخلق الذي هو رسول الله صلى عليه وسلم فإنه يكون شركاً، يعني: إذا شركت المشيئة أو الفعل مع الله جل وعلا في كلمة واحدة وعطفت بالواو فإنه يكون شركاً، ولا فرق بين كونه مع رسول الله ﷺ أو مع غيره من الخلق، يجب أن يتنزه منه، ويبتعد عنه. وفي هذا دليل واضح على أن الله جل وعلا هو وحده الذي يملك كل شيء، وهو وحده المتصرف في كل شيء، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئاً، وإنما هو رسول كلفه الله جل وعلا بإبلاغ الرسالة إلى عباد الله، هذه هي مهمته أكرمه الله جل وعلا بطاعته، ولهذا كان يناله الأذى من الناس، ويناله كذلك المرض، ويناله ما ينال غيره من المؤذيات الطبيعية، وهو كذلك يأخذ بالأسباب التي أمر الله جل وعلا بها، يلبس الدرع ويأخذ السلاح، ويقاتل العدو بالسلاح، ويستعد لذلك، حتى إنه مرة ظاهر بين درعين، أي: لبس درعاً على درع، وفي يوم أحد أصيب ﷺ بما أصيب به، فكسرت البيضة على رأسه، ودخلت حلقة المغفر في وجنته وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وكسرت رباعيته، وصار الدم يسيل على وجهه وهو يسلته بيده ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟!) فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وكذلك يوم خيبر حصل ما حصل عليه وعلى صحابته من الجوع، وكذلك المرض الذي سببه الحمى ووباء المنطقة؛ لأنها كانت وبيئة بالحمى وغير ذلك من الأمور التي تحصل. فإذاً: النبي ﷺ ليس إلهاً ولا رباً، وإنما هو بشر مكلف بعبادة الله جل وعلا، وإبلاغ الرسالة، ولهذا يخاطبه الله جل وعلا ويقول له: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ [الجن:٢١] ويقول له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ويقول له: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] في آيات كثيرة يأمره الله جل وعلا أن يخبر بالواقع الذي هو فيه. فإذا كان ليس له مع الله شيء فكذلك غيره من الملائكة والرسل ومن هو دون الرسل والأنبياء كالأولياء، فإنهم دونهم لا يصلون إلى مقام الأنبياء، فإذاً: لا يملكون شيئاً مع الله، فلا يجوز أن يدعوا، ولا يجوز أن ينادوا ويقال لهم: بحسبكم أو إننا نستغيث بكم أو نسألكم كذا وكذا من الأمور التي هي بيد الله جل وعلا، ولا يكونون واسطة بين العباد وبين ربهم جل وعلا؛ لأن الله علام الغيوب، وهو قريب ممن دعاه، ولم يجعل بينه وبين عباده واسطة، بل قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فهو قريب من عبده، وأقرب ما يكون الرب جل وعلا من عبده وهو ساجد، كما قال الرسول ﷺ ، أي: أقرب ما يكون الرب إلى عبده إذا ظهر منه الذل والانكسار والخضوع لله جل وعلا، فإن السجود مظهر للذل والخضوع، وكلما كان متذللاً لربه خاضعاً له فإن الله جل وعلا يكون قريباً منه. المقصود أن هذا حق الله؛ فيجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، الدعوة وطلب النفع والضر، وكذلك التصرف في الكون كله الدقيق والجليل فإنه لا يكون شيء في المخلوقات كلها إلا بإذن الله جل وعلا بعد إرادته ومشيئته.

стр. 1472

متى تثبت الأحكام الشرعية بالرؤى قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله (عن الطفيل أخي عائشة لأمها) هو الطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخو عائشة لأمها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكره المصنف في الباب، وهذه الرؤيا حق، أقرها رسول الله ﷺ ، وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله وحده، وهذا الحديث والذي قبله: أمرهم فيه أن يقولوا: ما شاء الله وحده، ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: ثم شاء فلان؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص. قوله: (كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها) ورد في بعض الطرق: أنه كان يمنعه الحياء منهم، وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه، خطبهم ﷺ فنهاهم عن ذلك نهياً بليغاً، فما زال ﷺ يبلغهم حتى أكمل الله له الدين، وأتم له به النعمة، وبلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. وفيه معنى قوله ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمراً ونهيا، والله أعلم]. فلا يثبت بالرؤيا حكم إلا إذا كانت من النبي ﷺ أو عرضت قصة الرؤيا عليه مثل هذه، ثم أثبت بها شيئاً، أما من غيره فلا يثبت بها حكم أصلاً، وهذا باتفاق العلماء، وإنما قد تكون الرؤيا قرينة من القرائن التي يثبت بها الدليل فتكون من جملة الأدلة، وهناك أدلة غيرها فتكون مرجحة فقط كما في رؤيا ثابت بن قيس بن شماس خطيب رسول الله ﷺ ، كان إذا جاءت الوفود يقدمه النبي ﷺ فيخطب، ولما كان القتال مع مسيلمة الكذاب وأصحابه تحنط، ثم تقدم وصمد حتى قتل ﵁، ثم في الليل رآه أحد أصحابه فقال له: اذهب إلى أمير الجيش خالد بن الوليد فقل له: إن درعي عند فلان قد ألقى عليها برمة، وتجدون عند خبائه فرساً تستن برباطه، ثم قل له إذا قدم على أبي بكر: إن عليّ كذا لفلان من الدين، وإن عبدي الفلاني عتيق، وإياك أن تقول هذه أضغاث أحلام! فلما أصبح غدا على خالد وأخبره، فذهبوا إلى المكان الذي وصفه فوجدوا درعه كما وصفه ملقىً عليها برمة فأخذها، ولما أتى خالد إلى أبي بكر أخبره بذلك فنفذ وصيته، وليس هذا عمل بالرؤيا، وإنما لأنها صارت هناك قرينة وأدلة يعتمد عليها، وفي جميع الأوقات لا يثبت فيها حكم من الأحكام، وإنما تكون دليلاً على شيء، إما بشارة أو نذارة أو غير ذلك. أما الرؤيا من رسول الله ﷺ فهي وحي، واختلف العلماء في معنى قوله: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) فقالوا: إن معنى هذا أنه بدئ ﷺ بالرؤيا الصادقة قبل أن يأتيه الوحي، لما كان يخلو في غار حراء ويتحنث، يعني: يتعبد، فكان إذا رأى رؤيا جاءت كمثل فلق الصبح، كأنها شيء واقعي يراه عياناً، وكانت هذه المدة ستة شهور، ثم جاء بالوحي بعد ذلك، فهذه الستة الشهور إذا نسبت إلى ثلاث وعشرين سنة صارت جزءاً من ستة وأربعين جزءاً، وهذه بالنسبة إليه ﷺ ، وهذا هو أظهر الأقوال في هذا الحديث، أنها (جزء من ستة وأربعين جزءاً) والله أعلم.

стр. 1473

مسائل باب: قول ما شاء الله وشئت

стр. 1474

معرفة اليهود بالشرك الأصغر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر]. معرفة اليهود بالشرك الأصغر وكذلك النصارى مع أنهم يقعون في الشرك الأكبر، فكيف يعرفون الأصغر ويوجد منهم الأكبر؟ بسبب الهوى وإتباع شهوات الأنفس، فالإنسان إذا كان له هوى فإنه يفهم الدقائق وهو مرتكب للعظائم، وهذا في اليهود وفي المسلمين.

стр. 1475

قوله ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟! فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ؟ [الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. الثالثة: قوله ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟) فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك والبيتين بعده؟!]. رجلٌ يحدث رسول الله ﷺ في أمر من الأمور، فأخبره الرسول ﷺ بالشيء الذي يوافقه فقال الرجل: ما شاء الله وشئت، فقال رسول الله ﷺ : (أجعلني لله نداً؟) وذلك أنه قرن مشيئة الرسول ﷺ مع مشيئة الله، فصار مقتضى ذلك أنها مشاركة لها بهذا اللفظ، يعني: مشاركة بمقتضى العطف واللفظ، والمشاركة تدل على الشرك. وهذا مجرد اللفظ فقط وإلا فالمعنى لا يعتقده هذا، ومع ذلك أنكره الرسول ﷺ وجعله تنديداً ونوعاً من الشرك؛ لأن الند هو المثل والنظير، فإذا كان كذلك فكيف بالذي يقول: (ما لي من ألوذ به سواك) يخاطب الرسول ﷺ ، ويقصد بها صاحب البردة البوصيري حينما يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علوم اللوح والقلم إلى آخر ما يقول: فإن هذا أمر عظيم جداً! فإنه جعل ما لله جل وعلا للرسول ﷺ ، بل صار يستغيث بالرسول من الله: (ما لي من ألوذ به سواك)، أين الله؟! (إذا الكريم تحلى باسم منتقم)، يعني يقول: إذا غضب الله يوم القيامة فما لي إلا أنت ألوذ به، وهذا من أعظم الشرك، بل ما كان المشركون يقولون هذا ولا قريباً منه. وكذلك قوله: (ولن يضيق رسول الله جاهك بي) يعني: هو يناديه يقول: لا يضيق جاهك يا رسول الله بي يوم القيامة! فأنا أحتمي به! فمعنى ذلك أنه يطلب من الرسول ﷺ من دون الله، وهذا هو الشرك الأعظم. وقوله: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) هذا كذب واضح، الدنيا وضرتها التي هي الآخرة كلها لله، ما لأحد فيها شيء، لا للرسول ولا لغيره. وهذه المنظومة كثير من الناس اتخذها له شبه الورد الذي يتقرب بقراءته وتلاوته إلى الله، مع أنها شرك أكبر، وليس معنى ذلك أن نحكم على الرجل الذي قالها - البوصيري - بأنه مشرك؛ لأننا لا ندري ماذا مات عليه، فيقول: أمره إلى الله، ولكن هذا القول وهذا الكلام الذي يقوله هو شرك، فإن كان مات عليه فإنه مات مشركاً، ولكن يرجى أنه تاب ورجع إلى ربه جل وعلا، وليس المقصود إنساناً بعينه أو كلاماً بعينه، وإنما المقصود الموازنة بين قول الرسول ﷺ لهذا الرجل الذي قال له: (ما شاء الله وشئت) وبين قول الذين يزعمون أنهم يحبون رسول الله ﷺ ، ثم يصبحون ينادونه ويستغيثون به ويجعلونه هو ملاذهم وعياذهم من دون الله جل وعلا، فإن الرسول ﷺ جاء بخلاف ذلك، ودينه يبطل هذا. فلا يجتمع هذا الاعتقاد مع اعتقاد أن محمداً رسول الله، فإن معنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته في أمره، واتباعه على شرعه، وأن الدين ليس إلا ما جاء به فقط، هذا هو معناه، فمن اعتقد غير ذلك فهو ضال.

стр. 1476

هل قول: (ما شاء الله وشئت) شرك أكبر [الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر لقوله: يمنعني كذا وكذا]. الظاهر أن هذا كان في أول الأمر، لما كان ذلك جائزاً ولم يشرع النهي عنه، فهو مثل الحلف بغير الله، فإنه كان في أول الإسلام لا ينهى عنه، ثم نسخ، فالظاهر أن هذا مثله لما جاء الوحي نهى عنه. أما أنه يكون شركاً والرسول ﷺ يمتنع من إنكاره من أجل الحياء فمعاذ الله أن يكون ذلك! فإن الرسول ﷺ لا يمنعه من إنكار المنكر مانع. [الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. السادسة: أنها قد تكون سبباً لشرع بعض الأحكام].

стр. 1477

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٠] نهى النبي ﷺ عن سب الدهر، لأن فيه إيذاء لله سبحانه، فهو الذي خلق الدهر، وخلق الليل والنهار، يقلبهما كيف يشاء، وهو مدبر الأمور.

стр. 1478

باب من سب الدهر فقد آذى الله [قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله. وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)].

стр. 1479

تعريف السب شرعاً أولاً: السب: هو الشتم واللعن، أن يشتمه أو يلعنه أو يذمه بالقول الذي يصدر منه. والدهر: هو الزمن، ومعلوم أن الزمن هو الليل والنهار، فبالليل والنهار يتكون الأسبوع والشهر والسنة، وكله بهذا، والليل والنهار ظرف للحوادث التي تحدث للناس من الخير والشر، وجميع ما يحصل للإنسان فهو بسبب كسبه وعمله، ولكن الله جل وعلا يخبرنا عن ظلم الإنسان وجهله، وهلعه وجزعه.

стр. 1480

الفرق بين الأذى والضرر ومعلوم أن الليل والنهار مخلوق لله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت:٣٧] ويقول جل وعلا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج:٦١] ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف:٥٤]. فالله جل وعلا هو الذي خلق الليل والنهار، وجعله مسخراً مدبراً، فالليل والنهار مخلوق مطيع لله جل وعلا، سائر بأمره، ليس له تصرف، وليس عنده نفع ولا ضر. وسب الدهر يدل على أن الأذى يقع من ابن آدم على الله، والأذى يكون للشيء الخفيف الذي أثره قليل، أي: ما خف أثره وقل تأثيره من الشرك والقول الكذب والكفر، وقد أخبر الله جل وعلا عن بعض الناس أنهم يؤذون الله ورسوله، ويؤذون المؤمنين، ولكن أخبرنا ربنا جل وعلا أنه لا أحد يضره: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٧٦]. فالله لا يلحقه الضرر، ولكن يلحقه الأذى، ولهذا نقول: إن الأذى هو الشيء الخفيف الذي لا يكون له أثر على من لحقه، ولهذا يقول الله جل وعلا للمؤمنين عندما حرضهم على قتال الكافرين: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١]. يعني: من قول تسمعونه أو فعل يصدر منهم فتتأذون به، أما الضر فلا يلحقكم. فالله أعظم وأجل من أن يلحقه ضر من خلقه، ففي الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم أن الله جل وعلا يخاطب خلقه بقوله: (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني،) وفي التنزيل كما سمعنا: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٧٦]. أما الأذى فثبت في هذا الحديث، وفي القرآن آيات تخبر أن الله يتأذى بفعل بني آدم، كمثل الذين يقولون: إن له ولداًَ تعالى الله وتقدس، ومثل الذين يعبدون معه غيره، ومثل الذين ينادون مخلوقاً رميماً تحت التراب، ويقولون له: أغثنا أعطنا نحن نعتمد عليك وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من حق الله، يجب أن ينادى الله به، أما أن يجعل لله ما يجعل للمخلوق فهذا من الأمور التي تؤذي الله تعالى الله وتقدس.

стр. 1481

سب الدهر نوع من الشرك ومن ذلك ما ذكر في هذا الباب من أن سب الدهر يؤذي الله، ثم إن مناسبة ذكر هذا الباب لكتاب التوحيد أن ساب الدهر لا يخلو من الشرك؛ وذلك لأنه إذا صدر السب منه، إما أن يكون معتقداً أن الليل والنهار والدهر يؤثر في ذلك، وأنه هو الفاعل المصرف في الحوادث الواقعة التي حصل السب من أجلها، فهذا شرك ظاهر وشرك أكبر، وإما أن يكون أضاف الحوادث -على سبيل ما يصدر من الناس وما يسمعه- إلى غير محدثها، وإنما هو على سنن الجاهلية، فيكون أيضاً شركاً ولكنه دون الأول، فتكون المناسبة ظاهرة في أن سب الدهر من الشرك، وقد جعله ابن الجوزي ﵀ من أعظم الكفر بالله جل وعلا، وهذا يصدر من الناس ولاسيما من الأدباء الذين لهم أشعار، فإنه يصدر منهم كثيراً، وهو في الواقع من أعظم الجهل، ومن أعظم الجرأة على الله جل وعلا، فيحب على العبد أن يحترز من ذلك. ومن هذا ما يصدر من بعض الجهلة والسفلة، إذا لقي أمراً ليس رائقاً له وجدته يلعن الوقت الذي رأى هذا الشخص فيه، يسب الساعة أو اليوم الذي رأى الشخص فيه، فهذا من أعظم الأذية لله جل وعلا، وهو ظلم وشرك بالله جل وعلا.

стр. 1482

ما يستثنى من وصف الأيام بالشدة ونحوها وليس من ذلك وصف الوقت بالشدة، كأن يقال مثلاً: هذه سنة شديدة، أو هذا فصل بارد أو هذا فصل حار؛ لأنه جاء في القرآن في قصة لوط ﵇ أنه قال: هذا يوم عصيب، وكذلك يقول الله جل علا: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧] وسماها في آية أخرى نحسات، فوصف الأيام بالشدة ليس داخلاً في ذلك، وإنما المقصود أن تضاف إليها الحوادث فتسب.

стр. 1483

ما يقابل السب وهو مدح الدهر وكذلك يقابل هذا المدح كما يحصل لبعض الأدباء إذا حصل له مراده من محبوبه أو غيره سماها أيام وصل، وحمدها، وأثنى عليها، فهذا عكس السب يعني: أنه أضاف هذه الأمور إليها، فيكون أيضاً مذموماً؛ لأنه أضاف الحوادث إلى غير محدثها وموجدها جل وعلا. والإنسان يجب عليه إذا حصل له ما يريده أن يحمد الله ويثني عليه، وإذا حصل له ما يتأذى به من مصائب ونحوها أن يستغفر ربه ويتوب إليه، ويعلم أنه أصيب بسبب ذنوبه.

стр. 1484

تفسير آية الجاثية: (وما هي إلا حياتنا الدنيا) وقول الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] يذكر جل وعلا عن طائفة من العرب وغيرهم كبعض الدهرية من الفلاسفة وغيرهم، أنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولا بحياة أخرى يكون فيها جزاء، وإنما يعتقدون أن الإنسان إنما يتنعم في الحياة الدنيا فقط كما يقوله الملاحدة اليوم الحياة مادة، ونهاية الإنسان وغايته أن يكون تراباً في هذه الأرض فلا حياة بعد ذلك ولا جزاء. هذا هو الذي ذكره الله جل وعلا عن هؤلاء قولهم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: ليس وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، إنما الحياة محصورة في هذه الدنيا، وقوله عنهم جل وعلا: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) معناه: يموت قوم ويولد آخرون، فهذا معنى (نموت ونحيا) يعني: إذا انتهت أمور الإنسان وهرم مات، ويولد أناس جدد يفنيهم أيضاً الدهر: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقط (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) يعني: ما يهلكنا إلا مرور الأيام والليالي، فإذا انتهى عمر الإنسان وهرم مات، ثم أصبح نسياً منسياً، ليس وراء ذلك شيء. فقولهم: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) كذب وافتراء على الواقع، وافتراء على أخبار الله وقضائه جل وعلا، حينما قضى أن هذه الحياة هي مزرعة للحياة الآخرة، وقولهم: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) مقصود هؤلاء أنهم يحيون حتى تنتهي أعمارهم، ثم يموتون ويحيا قوم آخرون، أي: يولد قوم آخرون يكونون مكانهم، وأن الأمور مستمرة على هذا الوضع فقط، ومن مات لا يعود أبداً. ولهذا قالوا: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) وهذا موضع الشاهد، حيث نسبوا الهلاك إلى الدهر، ومعنى ذلك أن الذي يهلكهم إما الكوارث وإما مرور الليالي والأيام، والهرم إذا هرموا ماتوا وليس للموت تقدير ولا حدود محددة، يوجدون بعدها ويبعثون. وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وهو مذهب طائفة قديمة، ولا يزال الآن في الوجود، وقد صار له دول ودعاة يدعون إليه، ولكنها دعوات باطلة؛ لأنها لا تنطوي على العقول، ولا على الفطر، فالعقل يكذبها، والواقع يكذبها، والفطر تأباها ولا تقبلها، ولهذا قال جل وعلا: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) يعني: ليس لهم أدلة على هذا القول، وإنما هو مجرد افتراء وكذب، أما الظن الذي ظنوه هنا فهو مجرد الوهم، والأدلة على خلاف ذلك. من المعلوم من دين الإسلام أنه من أنكر البعث أو شك فيه يعتبر كافراً؛ لأن مبنى الإسلام على الإيمان بالغيب، والإيمان بالأخبار التي يخبر الله جل وعلا أنها ستكون، ومن ذلك ما يلاقيه الميت بعد موته في قبره من مساءلة ومن عذاب أو نعيم، ثم إخراجه من قبره حياً كما مات، ثم تركيبه تركيباً جديداً، بحيث لا يقبل الموت، وجزاؤه على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، هذا هو أصل الإيمان بالله جل وعلا وبرسله، فمن كذب ذلك أو شك فيه وتردد، فهو كافر بالله جل وعلا. الشاهد في هذا أنهم أضافوا الهلاك إلى الدهر، فيكون فيه مسبة الدهر، وإضافة الحوادث إليه من الضر أو النفع، وهذا من سنة الكفرة والملاحدة الذين يلحدون في آيات الله وصفاته، وفي هذا من الشرك ما هو معلوم، حيث جعلوا المتصرف غير الله جل وعلا؛ لأن التصرف في الحياة والأشخاص والذوات والمعاني وفي كل شيء لله وحده.

стр. 1485

الفرق بين الحديث القدسي وغيره ثم ذكر الحديث، وهو حديث ثابت وصحيح عن رسول الله ﷺ حيث قال: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر) فهذا يسمى حديث قدسي، نسبة للرب جل وعلا أنه قاله وتكلم به، والقداسة هي التنزيه والطهارة؛ لأن الله منزه عما يصفه به الظالمون. والحديث القدسي اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إن معناه من الله ولفظه من الرسول ﷺ ، فالرسول يضيف ذلك إلى الله جل وعلا، ولكن هو الذي يتلفظ بالكلام، ويقوله، ولهذا قالوا: يجوز روايته بالمعنى. القول الثاني وهو الصواب: أن معناه ولفظه من الله، ولكنه ليس كالقرآن يتعبد بتلاوته، وذلك أن كلام الله جل وعلا لا ينحصر لا في القرآن ولا في الإنجيل ولا في غير ذلك، ولهذا يذكر الرسول ﷺ قول الله جل وعلا الذي يقوله في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ويكون هو قول لله مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفر فيُغفر له؟! هل من سائل فيُعطى؟!) وكذلك قوله ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أن الله يقول لآخر من يخرج من النار من أهل التوحيد: (لعلك تسأل غير ما سألت! فيقول: لا يا رب، ويعطي المواثيق والعهود أنه لا يسأل غير ذلك، ثم إذا أعطي ما سأل رأى شيئاً أحسن منه، فيبقى صابراً ما شاء الله أن يصبر ثم يسأل ربه ذلك الذي رآه، فيقول الله جل وعلا له: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! إلى أن قال له: اذهب فادخل الجنة فإن لك ما رأيت). وغير ذلك من القول الكثير الذي يذكره النبي ﷺ عن الله جل وعلا، فهو قوله بالمعنى واللفظ، وإلا فإن كل ما يذكره، وكل ما جاء به فمعناه من الله، فإذاً: لا يكون هناك فرق بين الحديث القدسي وبين الحديث النبوي؛ لأن المعنى من الله، لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 1486

علاقة إيذاء الله بسب الدهر ثم قوله: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر) عرفنا معنى الأذى، ومعنى سب الدهر، وأن الدهر هو الليل والنهار. ومعنى قوله: (أنا الدهر) فسر بقوله: (أقلب ليله ونهاره) يعني: أنه هو الذي أوجد الدهر وخلقه، وجعله متقلباً، مرة يزيد هذا، ومرة ينقص هذا، ويغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، أي: يدخل هذا في هذا وكل واحد يطلب الآخر مسرعاً، هذا فعل الله جل وعلا. فالذي يسب الدهر ويضيف الحدث إليه يقع السب على الله جل وعلا، ومثال ذلك في الشيء الذي نحن فيه: لو نظر ناظر إلى هذا الحائط، ورأى أن فيه ميلاناً فصار يشتم الحائط ويسبه لماذا يميل؟! معلوم أن الحائط لا فعل له، وإنما هذا من صنع الصانع الذي صنعه، فإن شتمه وسبه يقع على الفاعل الذي فعل ذلك، والله جل وعلا يجب أن يقدره عبده حق قدره، ويجب أن يعظمه حق تعظيمه، ويجب أن يضيف إليه ما هو من فعله وصنعه، ويجب أنه إذا أصيب بمصائب أن يتوب إلى ربه ويستغفر، وإذا حصل له حسنات أو حصل له شيء من النعيم أن يحمد ربه ويشكره على ذلك؛ لأن ذلك من فضله، فالحسنات من الله، والسيئات من النفس من جراء فعله. وقوله في رواية أخرى: (فإن الله هو الدهر) يعني: أن الله هو الذي خلق الدهر، وليس الدهر اسماً من أسماء الله؛ لأن الدهر هو الليل والنهار، وأسماء الله حسنى متوقفة على النص، والحسن هو الذي لا يلحقه نقص ولا عيب، والدهر مخلوق، وأسماء الله لا تكون مخلوقة، تعالى الله وتقدس؛ لأن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أزلي قديم بلا ابتداء. ولهذا يعلم خطأ الذين يقولون: إن الدهر من أسماء الله، ومعنى (إن الله هو الدهر) كما قال: (يقلب ليله ونهاره) يعني: هو الذي صنع الدهر، فهو فعله، والفعل يضاف إلى الفاعل على أنه مفعول له، وإذا وقع السب على الفعل فالساب في الواقع يكون ساباً للفاعل وليس للفعل.

стр. 1487

الدهرية وإضافتهم الخير والشر للدهر قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب من إنكار المعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية:٢٤] ما ثمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم، ويعيشون آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] أي: يتوهمون ويتخيلون]. الظن يأتي بمعنى: العلم، ويأتي بمعنى: التردد بين شيئين، ويأتي بمعنى: الوهم الذي لا حقيقة له. أما إتيانه بمعنى العلم اليقيني كقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] فهنا يظنون بمعنى: يوقنون ويعلمون. وأما إتيانه بمعنى التردد بين شيئين ويكون أحدهما أرجح من الآخر فهذا كثير في كلام الناس، وكذلك في اللغة، فإذا أخبر الإنسان بخبر وعنده أحد الطرفين أرجح فيقول: أظن الأمر كذا. وأما الظن بمعنى الوهم فهو مثل ما ذكر عن هؤلاء، فهو ظن بمعنى الوهم، وهذا هو الذي لا يغني من الحق شيئاً. ذكر الله جل وعلا أنه وهم وأنه ليس فيه شيء من العلم والحق.

стр. 1488

دهرية الجاهلية وجاهلية اليوم قال الشارح: [فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، وفي رواية: (لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر! فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما). قال في (شرح السنة): حديث متفق على صحته، أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة ﵁، قال: (ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله ، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر. انتهى باختصار]. وهذه العادة السيئة لا تزال موجودة عند الناس، وإن تغيرت الأساليب، وقد تضاف الأمور والحوادث إلى شيء شبيه بالدهر كقولهم مثلاً: الكوارث الطبيعية، فإذا وقع زلزال أو أمطار وفيضانات أو رياح سموها كلها كوارث طبيعية نسبة للطبيعة، وهذا كقولهم: أهلكنا الدهر؛ لأن كل ما يقع في الأرض من تدبير الله جل وعلا، لا يقع على الناس حوادث من فيضانات أو رياح أو زلازل أو براكين إلا بسبب ذنوبهم، يعقبهم الله جل وعلا بها، فيجب أن يعترفوا أن هذا بتقدير الله وتدبيره. أما الطبيعة فهي لا تصنع شيئاً؛ لأن الطبيعة التي يركن إليها أكثر الناس لا يعرف ما هي حقيقتها، فإن كان يقصد بها شيئاً موجوداً من الرطوبة واليبوسة أو الرياح أو غيرها فهذه مقدرة ومسخرة، لها رب يدبرها أو يسخرها ويقهرها وهي لا تصنع شيئاً، فهذا إنكار منهم واتباع للدهرية الذين يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، وهو من الذنوب التي يجب أن يبتعد عنها الإنسان؛ لأن كل شيء يصيب الإنسان فهو من الله جل وعلا عقاب، والسبب في ذلك ذنوبه؛ لأن الإنسان لا يصاب إلا بما كسبت يده كما أخبرنا الله جل وعلا في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، يخبرنا جل وعلا أنه لو يؤاخذ الناس بما عملوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي أنه يهلكهم، ولكنه يحلم عنهم ولا يعجل عليهم، ويمهلهم، بل يكفرون به وهو يرزقهم ويعافيهم في أبدانهم، وينعم عليهم النعم التي لا عدد لها بحلمه جل وعلا، وكونه لا يعجل عليهم. ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله؛ يجعلون له الولد ثم يرزقهم ويعافيهم) كذلك يشركون به ويرزقهم ويعافيهم، وكذلك يحاربون دينه، ويحاربون عباده ويرمونهم بالعظائم، بل ويقتلونهم، وهو يرزقهم ويعافيهم؛ لأن مآلهم إليه، فسوف يجازيهم عن قرب، فالجزاء ليس ببعيد، بل هو قريبٌ جداً؛ لأن حياة الإنسان قصيرة جداً.

стр. 1489

معنى سب الدهر عند أهل الجاهلية قال الشارح: [وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جداً، بهذا الطريق، قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، ويسبون الدهر، فقال الله : (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)، وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شريح بن النعمان، عن ابن عيينة مثله، ثم روى: عن يونس، عن ابن وهب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) وأخرجه صاحب الصحيح، والنسائي من حديث يونس بن يزيد به. وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله : استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر). قال الشافعي، وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، كانت العرب في جاهليتها إذا أصباهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره -وهو المراد- والله أعلم. وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذاً من هذا الحديث، انتهى. وقد تبين معناه في الحديث بقوله: (أقلب الليل والنهار)، وتقلبيه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه. وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهي قوله: (بيدي الأمر). قوله: وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث، من قوله: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن. فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين كـ ابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف:٤٨] الآية، قال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولة تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار وقول أبي تمام: أعوام وصل كاد ينسي طيبها ذكر النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أعقبت نحوي أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام]

стр. 1490

مسائل باب: من سب الدهر فقد آذى الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسميته أذىً لله. الثالثة: التأمل في قوله: (فإن الله هو الدهر)]. يعني بهذا تأمل أنه ليس من أسماء الله، وإنما هو الفاعل للدهر، وإذا سب الإنسان الفعل رجع السب إلى الفاعل، فهذا هو الذي يقصد بالتأمل، فهذا مفسر بالروايات التي مرت أنه يقلب الليل والنهار، ومعلوم أن الدهر هو الزمن، والزمن ظرف لما يقع من الحوادث السارة والضارة التي تقع في الليل والنهار، فهو ظرف لها، وليس هو الذي يوقعها، وإنما الموقع لها هو الله جل وعلا، فيجب أن يحمد على النعماء، ويجب أن يتاب من السيئات ويرجع إليه، وكذلك يحمد على فعله؛ لأنه هو المحمود على كل حال. [الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه]. أي: بالقول يكون ساباً وإن لم يكن معتقداً حقيقة ما يقول، فيقع منه السب، ومعلوم أن هذا يكون أقل إثماً ممن اعتقد أن الفاعل هو الليل والنهار، ثم أضاف إليه الحوادث التي هو ظرفها، فإن هذا يكون من الشرك الأكبر، ويضاف إلى الشرك مسبة ما ليس مستحقاً للسب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1491

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١١] لله أسماء وصفات يختص بها؛ فلا يجوز منازعة الله فيها بالتسمي أو الاتصاف بها، ومن ذلك: قاضي القضاة وملك الملوك ونحوها، فمن تسمى أو اتصف بذلك فقد نازع الله تعالى فيما هو من خصائصه، وهذا فيه منافاة للتوحيد، ورفع للنفس فوق قدرها.

стр. 1492

حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه. في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله) قال سفيان مثل: شاهان شاه. وفي رواية: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه) قوله: (أخنع) يعني: أوضع]. قوله: (باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه) يعني: ما حكم هذا؟ هل يكون هذا منافياً للتوحيد أو منقصاً لكماله؟! لأن كل شرك لا يخلو إما أن يكون منافياً للتوحيد أصلاً، أو يكون شركاً أصغر؛ فيكون ذاهباً بكماله، أو يكون معصية من المعاصي والذنوب والكبائر، وهذا أيضاً يكون منقصاً للإخلاص والكمال، ولتحقيق التوحيد، ويكون ذاهباً بتحقيقه، فيكون معرضاً بالإنسان لعذاب الله جل وعلا من جراء ذلك. والتسمي بهذا الاسم لا يخلو من شيء من ذلك، فيكون صاحبه واقعاً إما في منازعة الله جل وعلا فيما هو مستحق له، ومن خصائصه، وهذا من أعظم الشرك، أو يكون رفع نفسه فوق ما وضعه الله عليه، وتكبر على عباد الله، فاستحق بذلك أيضاً العقاب، أو يكون مثلاً رغب أن يكون له سيطرة، ويكون له ما ليس لغيره من الرفعة والعظمة والتكبر على الناس، ولو لم يحصل له ذلك، فإذا كان هذا في قلبه فهو واقع في الإثم. والقاضي هو الذي يفصل بالحكم سواءً كان الحكم حقاً أو باطلاً، فكل فاصل بحكم يكون قاضياً، أما الاتصاف بقاضي القضاة، فهذا لا يصدق إلا على رب العالمين؛ لأنه هو الذي يقضي بين خلقه، ويقضي بين القضاة، والقضاة: كل حاكم حكم بين اثنين فهو قاضٍ، سواء جعل حاكماً من قبل الإمام، أو أن أصحاب الخصومة اصطلحوا على أن يحكموه بينهم، وكذلك المسئول عن مسائل العلم، فإذا قيل: ما حكم كذا وكذا؟ فأفتى وقال: حكم كذا كذا، فهو قاضٍ بهذه الفتوى، فإن كان متبعاً للحق فإنه يؤجر على ذلك، وإن كان قال ذلك بالهوى أو بالجهل فإنه قائل على الله بما لا علم له به، وسوف يعاقبه الله. إذاً: القضاء يدخل فيه الفصل بين المتخاصمين والمتنازعين، ويدخل فيه الإخبار عن حكم من أحكام الشرع إذا سئل عنه، وهذا أعم وأشمل. وإذا أطلق الإنسان على نفسه أنه قاضي القضاة فمعنى ذلك: أنه قاضي العالمين وقاضي الخلق كلهم، وكل من هو قاضٍ وكل من هو مفتٍ فهو القاضي عليهم، وهذا لا يصدق إلا على الله جل وعلا؛ لأنه هو الذي يفصل بين خلقه، وهو الذي يقضي بينهم يوم القيامة، ولا أحد يستحق هذا الاسم إلا الله، وهذا ليس في هذا الاسم فقط، بل كل ما أعطى هذا المعنى فإنه داخل فيه، وهذا مثل الذي يطلق عليه أنه سيد الخلق أو سيد الناس، أو أنه الحاكم على الخلق، أو أنه ملك الملوك، وسواء قيل ذلك باللغة العربية أو بغيرها، ولهذا قال سفيان راوي الحديث: مثل شاهان شاه يعني: أن شاهان شاه باللغة الفارسية هو: ملك الملوك، فكل من أطلق عليه شيء من ذلك فإنه مستحق بأن يكون أخنع وأغيظ اسم عند الله جل وعلا وأحقر وأذل، ويعاقبه الله جل وعلا إما في الدنيا عاجلاً، وإما أن يمهله في الدنيا ثم يعاقبه في الآخرة.

стр. 1493

حكم التسمي بسيد الناس وأما سيد الناس أو سيد الخلق فهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله ﷺ ؛ لأنه هو سيد بني آدم صلوات الله وسلامه عليه، والسيد في اللغة العربية: الذي ساد وتقدم غيره، وصار له من المعاني ما جعلته يسود ويتقدم بها على غيره، وهذا لا يوجد إلا في رسول الله ﷺ .

стр. 1494

حكم الألقاب التي تدل على العظمة وكل الألقاب التي يتلقب بها الناس مما تدل على العظمة فإنها مكروهة ومبغضة، ولم تكن عادة العرب تعظيم بعضهم لبعض بالألقاب وبالأسماء التي تدل على ترفع بعضهم على بعض، وإنما جاءت هذه من العجم؛ لأنهم هم الذين يستعبد بعضهم بعضاً، ويكون بعضهم عبداً لبعض، أما المسلمون فكلهم سواء، وليس بعضهم معبود ولا عابد لبعضهم، وإنما كلهم يعبدون الله جل وعلا، ولهذا لما قدم المغيرة بن شعبة ﵁ إلى رستم قائد الفرس، وكان على كرسي مرتفع وبجواره مجالس لا يجلس عليها أحد، والناس وقوف عنده، ذهب قاصداً وجلس بجواره على الكرسي، فأنكر ذلك واستعظمه، فسحبوه، فقال لهم: (كنا نتحدث أن عندكم عقولاً، والآن تبين لي أنكم لا عقول عندكم، ولو كنتم أخبرتموني أولاً أن بعضكم عبيد لبعض لكان أحسن من صنعكم هذا). والمقصود: أن الأسماء التي فيها تعظيم للمخلوق وترفع على غيره كلها مكروهة.

стр. 1495

حكم إطلاق أسماء الله الخاصة به على غيره أما إذا كانت الأسماء لا يصح إطلاقها ولا يصح معناها إلا لله جل وعلا، فإطلاقها على غيره من العظائم، وهو منافٍ لتوحيد الله جل وعلا، وفيه منازعة لله جل وعلا، فإن ملك الملوك هو الله جل وعلا، وهو الذي يرجع إليه الأمر كله، وهو الذي بيده الملك، كما قال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]. فكل ملك أو رئيس فملكه عارية، وسوف يُنتزع الملك منه، وسوف يُنزع من الملك ويُعطى لغيره، وإنما ملك في مدة محدودة أعطاه الله جل وعلا إياها، فملك الملوك هو الله، ولهذا لما تسمى بعض الملوك المساكين بهذا الاسم أخزاهم الله جل وعلا وأذلهم في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 1496

حكم الترفع على الغير كذلك إذا كان الإنسان يترفع على غيره بفعل دون الأسماء فسوف يُذم ويلقى جزاءه، ولهذا كان الرسول ﷺ ينهى أن يقوم الناس على الرجل وهو جالس، ويقول: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار). وكان صلوات الله وسلامه عليه لا يدع أحداً من أصحابه يسير خلفه، وإنما يسيرون عن يمينه وعن شماله، ويقال: إن السير خلف الإنسان فتنة للمتبوع ومذلة للتابع. فعباد الله بعضهم من بعض، لا يجوز أن يترفع بعضهم على بعض.

стр. 1497

حكم المدح كذلك مدح الإنسان فإنه يكون فتنة؛ لأن فيه أنه قد يُعطى من الثناء ما ليس فيه، فربما استأنست نفسه بذلك، ثم يطلب ذلك ويصير آثماً بهذا الطلب الذي يطلبه، والخلق كلهم عباد لله جل وعلا، وأكرمهم أتقاهم، ومن كان لله أتقى فهو عند الله أرفع وأكثر مثوبة.

стр. 1498

جزاء الذي لا يعرف قدر نفسه الذي يكون أنفع للخلق هو الذي ينفعهم النفع الحقيقي الذي هو الدلالة على الله جل وعلا، وفاعل ذلك يكون أكثر أجراً، ومع ذلك يجب أن يكون عارفاً بقدره، وقدر الإنسان أنه عبد لا يخرج عن العبودية في حال من الأحوال، فإن ترفع عن كونه عبداً لله فإن الله يضعه ويعاقبه، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك) وأخنع: من الخناعة، وهي: الوضاعة، يعني: أوضع، وهذا الوضع قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: (إن المتكبرين يوم القيامة يحشرون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم جزاء تكبرهم) هذا في المحشر، وما بعد المحشر فهو أشد منه وأفضع؛ فإنهم من أصحاب جهنم. نسأل الله العافية. وعلى هذا يتبين لنا معنى قوله: (أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله)، فالمالك والملك هو الله جل وعلا مالك كل شيء، وهو الملك الذي يملك كل شيء ويتصرف فيه، فمهما أعطي الإنسان في هذه الدنيا من معاني أو أموال أو سلطات فإنها زائلة، وسوف ينتقل منها إلى قبره فريداً وحيداً، فيصبح كالفقراء، بل هو ربما كان أحقر من الفقير بالتبعات التي تكون عليه.

стр. 1499

عقوبة من تسمى بقاضي القضاة وملك الملوك ونحوه قال الشارح رحمه الله تعالى: [ذكر المصنف ﵀ هذه الترجمة إشارة إلى النهي عن التسمي بقاضي القضاة قياساً على ما في حديث الباب، لكونه شبهة في المعنى فينهى عنه. قال المصنف ﵀: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله). قال سفيان: مثل: (شاهان شاه). وفي رواية: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه). قوله: (أخنع) يعني: أوضع]. قوله: (أغيظ) يعني: أن من فعل هذا الفعل فإن الله يغاظ عليه أي: يغضب عليه غضباً شديداً، ومن غضب الله عليه عذبه؛ وذلك لأنه نازع الله جل وعلا بهذا التسمي، ونازعه فيما هو من خصائصه، ومن أظلم الظلم منازعة الله جل وعلا في خصيصة من خصائصه. قال الشارح رحمه الله تعالى: [لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله تعالى؛ فهو ملك الأملاك لا ملك أعظم ولا أكبر منه، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وكل ملك يؤتيه الله من يشاء من عباده فهو عارية يسرع ردها إلى المعير، وهو الله تعالى، ينزع المَلِكَ من ملكه تارة وينزع المُلْكَ منه تارة، فيصير لا حقيقة له سوى اسم زال مسماه، وأما رب العالمين فملكه دائم كامل لا انتهاء له، بيده القسط يخفضه ويرفعه، ويحفظ على عباده أعمالهم بعلمه ، وما تكتبه الحفظة عليهم، فيجازي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، كما ورد في الحديث: (اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله). قوله: قال سفيان -يعني: ابن عيينة -: مثل شاهان شاه، عند العجم عبارة عن ملك الأملاك، ولهذا مثل به سفيان لأنه عبارة عنه بلغة العجم. قوله: (أغيظ): من الغيظ، وهو مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضاً إلى الله مغضوباً عليه. والله أعلم]. وهذا يدل على أن الله يوصف بأنه يغيظ على بعض من يشاء، وأنه يوصف بالغيظ على بعض من يشاء من عباده، كما يوصف بأنه يبغض بعض خلقه، كما أنه يحب بعض خلقه، وكذلك يغضب على بعض خلقه، وهذه أوصاف تخص الله جل وعلا ولا يشابه المخلوق في وصفه؛ فصفة المخلوق تليق به، أما صفة الله فهي تخصه، وإن اشتركت صفة المخلوق وصفة الخالق جل وعلا في الاسم أو في المعنى العام قبل الإضافة والتخصيص فهذا لا يقتضي تشبيهاً، ولا يقتضي مساواة، فالله له ما يخصه والمخلوق له ما يخصه.

стр. 1500

حكم القيام للأشخاص قال الشارح ﵀: [قوله: (وأخبثه) وهو يدل أيضاً على أن هذا خبيث عند الله، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه وتعظيم الناس له بهذه الكلمة التي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل وضعه عند الله يوم القيامة، فصار أخبث الخلق وأبغضهم إلى الله وأحقرهم؛ لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم؛ لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله. قوله: (أخنع يعني: أوضع)، هذا هو معنى (أخنع)، فيفيد ما ذكرنا في معنى (أغيظ) أنه يكون حقيراً بغيضاً عند الله. وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم، كما أخرج أبو داود عن أبي مجلز قال: خرج معاوية ﵁ على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لـ ابن عامر: اجلس؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: حسن]. معنى قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) يتمثل أي: أنهم يقومون له وهو جالس تعظيماً له، إما أن يقوموا على رأسه أو أمامه تعظيماً له. وقوله: (فليتبوأ مقعده من النار) تبوأ أي: اتخذ مكاناً باء به، والمعنى: أنه يكون له مقعد من النار جزاء تعاظمه، وجزاء كونه أحب أن يكون نظراؤه من العباد أشباه العبيد له، فكانوا يعظمونه ويخضعون له. والقيام عبادة، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمر بالقيام له، والقيام في الصلاة قنوت فهو عبادة، وكل عبادة لا يجوز أن يكون جنسها لمخلوق، فالقيام من جنس الركوع، ومن جنس السجود، ومن جنس الطواف، ومن جنس كشف الرأس في الإحرام تعبداً لله جل وعلا، فكل ما هو عبادة لا يجوز أن يكون لمخلوق من المخلوقين، فإن أحب المخلوق أن يكون له شيء من ذلك فهو طاغوت من الطواغيت الذين يدعون إلى عبادة أنفسهم، بل يكون أسوأ الطواغيت؛ لأن الطواغيت كثيرون جداً، ولكن رؤساءهم أنواع، ومنهم الذين يحبون أن يُعبدوا أو يدعون إلى عبادة أنفسهم. ومن ذلك الانحناء، فكون الإنسان إذا لقي آخر ينحني له ويطأطئ رأسه فإن هذا نوع من السجود ونوع من الركوع، والركوع سجود، فلا يجوز أن يكون هذا لمخلوق؛ لأن هذا من خصائص الخالق جل وعلا، فمن رضي بذلك فهو من هذا النوع يتبوأ مقعده من النار. فالمقصود: أن القيام على الإنسان الجالس تعظيماً له نوع من العبادة، ولهذا توعد فاعله بأنه يكون قد تبوأ مكاناً في النار، يجلس فيه ويتخذه مباءة، أي: مسكناً ومحلاً ومقاماً له، وهذا من أعظم الوعيد؛ لأنه نازع الله جل وعلا في حقه، والأول: نازعه في اسم من أسمائه، فتسمى: ملك الملوك، أو قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ما أشبه ذلك، وكل من نازع الله جل وعلا فيما يستحقه فهو ينصب نفسه معبوداً من دون الله جل وعلا، وجزاؤه أن يكون متبوئاً مقعده في جهنم.

стр. 1501

صفات الله تعالى تمر كما جاءت بلا تأويل قال الشارح ﵀: [وعن أبي أمامة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ متكئاً على عصا فقمنا إليه فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضاً) رواه أبو داود. وقوله: (أغيظ رجل) هذا من الصفات التي تمر كما جاءت، وليس شيء مما ورد في الكتاب والسنة إلا ويجب اتباع الكتاب والسنة في ذلك، وإثباته على وجه يليق بجلال الله وعظمته تعالى، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل كما تقدم، والباب كله واحد، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة، وهذا التفرق والاختلاف إنما حدث في أواخر القرن الثالث وما بعده، كما لا يخفى على من له معرفة بما وقع في الأمة من التفرق والاختلاف والخروج عن الصراط المستقيم. والله المستعان]. قوله: (تمر كما جاءت) معناه: أن النص لا يفسر التفسير الذي يخرجه عن ظاهر لفظه، بل تفسيره ما يفهم من لفظه؛ لأن الغيظ والبغض والمحبة معروفة، وكل من سمع هذا عرف المعنى، ولكن يجب أن يعلم أن تغيظ الله وبغض الله وغضبه ليس كتغيظ المخلوق وبغضه وغضبه؛ لأن الله جل وعلا في ذاته لا يشبهه شيء، وكذلك أوصافه؛ والوصف يكون تابعاً للموصوف، والأسماء كذلك، وإن شارك المخلوق الرب جل وعلا في شيء من الأسماء في اللفظ أو في المعنى، مثل: ملك، فالإنسان يُسمى ملكاً، والله جل وعلا مالك يوم الدين وملك يوم الدين، كما جاء ذلك في القراءات، وكما يسمى المخلوق: رءوفاً، والله جل وعلا رءوف رحيم، وقد سمى الله رسوله ﷺ رءوفاً رحيماً فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فالرأفة والرحمة تليق بالمخلوق إذا أضيفت إليه، وإذا أضيفت إلى الله جل وعلا فهي خاصة به لا يشاركه المخلوق فيها، وكذلك سائر الأسماء على هذا الباب، فهذا معنى قوله: (تمر كما جاءت) يعني: على ظاهر ما يفهم من اللفظ، فلا يجوز أن تؤول التأويل الذي يخرجها عن معانيها، كما يفعله أهل التفرق والاختلاف وأهل البدع، بل هذا مسلك الصحابة ومن سار معهم؛ لأنهم يقدرون الله حق قدره، ويعلمون أن الله جل وعلا لا يشاركه مخلوق في خصائصه التي تخصه من الأسماء والصفات، كما أنه لا يشاركه أحد من الخلق في ذاته تعالى وتقدس.

стр. 1502

مسائل باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه

стр. 1503

النهي عن التسمي بملك الأملاك قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك]. النهي مفهوم من قوله: (أغيظ اسم عند الله)، ومن قوله: (أخنع اسم)؛ لأن الشيء الذي يبغضه الله ويعذب عليه فإنه ينهى عنه، وهذا أبلغ مما لو جاء النهي بلفظ: لا تفعلوا ولا تسموا. ولهذا قال: النهي يقتضي التحريم؛ والسبب في إدخال هذا الباب في هذا الكتاب: أن الذي يفعل ذلك إما أن يكون قد ترك التوحيد رأساً فيكون كافراً؛ لأنه نازع الله جل وعلا، أو يكون فعل ذلك عن جهل وعدم إرادة لمنازعة الله جل وعلا، فيكون بذلك نقص في توحيده، فيجب أن يبتعد عن ذلك.

стр. 1504

ما كان في معنى ملك الأملاك يأخذ حكمه قال المصنف ﵀: [الثانية: إن ما في معناه مثله كما قال سفيان]. يعني: أن مثل قاضي القضاة: حاكم الحكام ونحو ذلك، وقوله: (كما قال سفيان) سفيان قال نفس هذا، فهو قال: مثل: (شاهان شاه) ولكن هذا في لغة أخرى، يعني: أنه إذا سمي اسماً بأي لغة من اللغات يدل على هذا المعنى فهو داخل في ذلك، وشاهان شاه: هو ملك الأملاك في لغة الفرس.

стр. 1505

التغليظ في النهي عن التسمي بملك الأملاك ونحوه قال المصنف ﵀: [الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه]. غلظ في هذا لأن فيه منازعة لله جل وعلا في حقه؛ لأن هذا من حقوق الله جل وعلا التي يجب أن تكون خالصة له، والمخلوق حقه أن يكون عبداً خاضعاً ذليلاً، ولا يجوز أن يتعدى طوره. قال المصنف ﵀: [الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه]. وهذا كما سبق.

стр. 1506

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٢] تعظيم أسماء الله تعالى وصفاته من تعظيم الله تعالى، ويكون ذلك باحترامها، وعدم امتهانها، وعدم مشاركة الله تعالى فيها بالتسمي بها، فمن تسمى بشيء من أسماء الله تعالى أو اتصف بصفة من صفاته وجب عليه تغيير ذلك؛ لأن فيه نقصاً في توحيد العبد، وعدم تعظيم لله تعالى.

стр. 1507

باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك. عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : (إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم. فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح) رواه أبو داود وغيره]. قوله: (باب: احترام أسماء الله، وتغيير الاسم لأجل ذلك). الفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الذي قبله من باب المنازعة ومن باب مشاركة الرب جل وعلا فيما هو خاص به، وهذا أمره عظيم جداً. أما هذا فليس من باب المنازعة؛ لأنه قد يكون غير مقصود، وقد يكون لأمر يفعله الفاعل فيسمى باسم مأخوذ من الفعل كما في هذا الحديث، وقد يكون أيضاً عن قصد حسن، ولكنه ما فهم معنى هذا التكني أو هذا التسمي، فيكون غير آثم حتى يطلع على الحكم، فإذا اطلع على ذلك وجب عليه أن يغير الاسم، تعظيماً لله جل وعلا واحتراماً لأسمائه، فيكون هذا الباب في الخطورة أقل من الباب الذي قبله، ومع ذلك فهذا من كمال التوحيد، أي: تغيير الاسم احتراماً لأسماء الله جل وعلا وتعظيماً له يكون من كمال التوحيد.

стр. 1508

الحكم والتحاكم عند الجاهلية وقوله: (عن أبي شريح) هو أبو شريح الخزاعي، وأبو شريح صحابي أسلم بعد الفتح، وجاء أن هذه القصة وقعت في زمن الوفود، والوفود كانت في سنة تسع من الهجرة وما بعدها، فلما وفد مع قومه سمع الرسول ﷺ قومه يدعونه ويكنونه بهذه الكنية فدعاه وسأله. وقوله: (إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين) معناه: أنه كان يقوم بالإصلاح بينهم، ولهذا قال الرسول ﷺ : (ما أحسن هذا!) يعني: الصلح بين الفريقين، فكانوا يرضون بحكمه، وهذا كان قبل أن يسلم، ومع ذلك حسنه الرسول ﷺ ، وليس تحسين الرسول ﷺ لذلك تحسيناً لأحكام الجاهلية، وأهل الجاهلية كان لهم حكام وكانوا لا يقتنعون إلا بالشيء الذي يمكن أن يكون له وجه، فالحاكم الذي ينصب نفسه حكماً للناس عليه أن يعلم أن الناس عقلاء، فيجب أن يأتي بحكم يُقنع الفريقين، أما إذا كان على سبيل الإلزام وبالقوة، واتباع الأسلاف والآباء، وأن هذا حكم يجب أن يُخضع له، فهذا من أمور الجاهلية، ومن أحكام الطواغيت إذا كان بغير حكم الله جل وعلا، ولكن المقصود أن يرضى الفريقان -عن اقتناع بحق- بالحق بالعدل، والعدل كل يرضى به، فالذي حسنه الرسول ﷺ هو العدل الذي يرضى به الفريقان، وليس حكم الجاهلية؛ حتى لا يلزم أن يقال: إن هذا كان قبل إسلامه عند أن كان يحكم بأمور الجاهلية، فيلزم أن يكون الرسول ﷺ حسن ذلك، وهذا غير لازم؛ لأن تحسين الرسول ﷺ إنما هو للحكم بالعدل الذي يرضى به الفريقان. ومعلوم أن العرب وغيرهم كان لهم حكام يحكمون بين المتخاصمين والمتنازعين، إما طواغيت، وإما كهان يحكمون لهم بالشيء الذي يكون غائباً، أو يكون الحكم بأمور يتعارفون عليها فيما بينهم وهو ما يسمى بطريقة الآباء، وكل هذا من حكم الجاهلية الذي لا يجوز أن يتحاكم إليه، بل التحاكم إليه تحاكم إلى الطاغوت، ومع هذا كله فإن الحكام الذين يحكمون بينهم لابد أن يحكموا بشيء مقنع؛ لأن الحكم ليس اعتباطاً أو تعسفاً، فإن هذا لا يرضى به أحد، ولهذا ذكروا أن أحد حكامهم الذين كانوا يتحاكمون إليهم جاءه قوم في مسألة وراثية مشكلة؛ لأن العرب كانوا يورثون الذكور ولا يورثون الإناث؛ لأن الذكور -في زعمهم- هم الذين يركبون الخيل ويحمون المال، ويذودون عن الأعراض، أما الأنثى فكانوا لا يعطونها شيئاً من الإرث، وحصل مرة في أهل بيت من العرب أنه توفي رجل منهم وخلف أبناء ومنهم واحد له آلتان: آلة أنثى وآلة ذكر، فأشكل عليهم كيف يصنعون هل يورثونه أم يحرمونه من الإرث؟ فذهبوا إلى أحد حكامهم الذين يحكمون، فلما جاءوا إليه أشكل عليه الأمر، فبقي أربعين يوماً لا يستطيع أن يحكم بينهم، وكل يوم يذبح لهم شاة، وبعد مضي أربعين يوماً بات ليلةً ساهراً ما استطاع أن ينام؛ لأنه وقع في مشكلة لم يعرف كيف يتخلص منها، ففطنت جارية له فقالت: مالك؟ قال: انصرفي عني مالك ولما أنا فيه؟ فلم تزل به حتى أخبرها وقال: الأمر فيه كذا وكذا، فقالت: الأمر سهل، انظر من أي آلة يبول فاحكم عليه بذلك، ففرح وقال: فرجت عني كرباً عظيماً، ولما أصبح الصباح دعاهم وحكم بينهم بهذا فاقتنعوا به. والشاهد في هذا: أنهم ما كانوا يحكمون إلا بشيء يُقتنع به، ومع ذلك كانت أحكامهم أحكاماً جاهلية، ولكن الناس العقلاء لا يقتنعون بالشيء الذي يكون شبه أفعال الصبيان. وهذا أبو شريح لم يكن من هذا القبيل، وإنما كان ممن يفصل بين الناس، فإذا كان هناك نزاع بين فريقين وأصلح بينهم صلحاً رضي الفريقان بصلحه؛ لأنه كان يتحرى العدل والإنصاف، ولا يميل إلى فريق دون آخر، وإنما يعدل بينهم فيرضى الفريقان، وعند ذلك سموه: أبا الحكم، مبالغةً في أن حكمه يكون حسناً وصحيحاً ومقبولاً.

стр. 1509

معنى اسم الله جل وعلا (الحَكَم) والحَكَم من أسماء الله جل وعلا، وقد جاء في أسمائه الحسنى مقروناً بالعدل، فهو الحكم العدل جل وعلا؛ لأن حكمه عدل، تعالى وتقدس، وهو الذي يحكم بين خلقه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٧٠]، ويقول جل وعلا في آيات كثيرة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ويقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، والرد إلى الله جل وعلا هو الرد إلى حكمه، وحكمه يكون في كتابه الذي أنزله، أما الرد إلى الرسول ﷺ فهو الرد إليه في حياته، أما بعد وفاته فإلى سنته، وسنته: هي تقريراته وأقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه. فالحَكَم هو الله؛ لأنه يحكم بين خلقه في الدنيا بشرعه الذي جعله حاكماً بينهم، والإنسان إذا لم يحكم الشرع فإنه غير مؤمن، ولا يكون مؤمناً إلا بتحكيم الشرع، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فهو الحكم مطلقاً، في الدنيا يحكم بين خلقه بالشرع الذي شرعه لهم، ويجب أن يتحاكموا إليه وألا يتحاكموا إلى غيره.

стр. 1510

حكم الله تعالى بين خلقه في الآخرة وأما في الآخرة فهو الذي يتولى الحكم بين خلقه بنفسه، فلا يحكم بينهم ملك ولا رسول، بل كل واحد منهم سوف يحكم الله جل وعلا فيه، وهو علام الغيوب لا يخفى عليه شيء من أفعال هذا المخلوق، قد أحصاها عليه، فيقرره بأفعاله كلها، ويأتي خصمه فيحكم بينه وبينه، والحكم في ذلك الموقف إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم حتى يكتفي، فإن لم يكن للظالم حسنات أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت على الظالم، ثم طُرح في النار. فكل واحد يحكم الله جل وعلا فيه، سواء فيما بينه وبين ربه: هل التزم أوامره واجتنب نواهيه؟ أو فيما وبين الخلق في المظالم والحقوق، فالحكم يكون عاماً في كل ما يفعله المخلوق في الدنيا من علاقاته مع ربه أو علاقاته مع الخلق، ولهذا ثبت أن الرسول ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، وهذا الحكم يكون بعد الوقوف الطويل، فالخلق يخرجون من قبورهم، ويحشرون في مكان واحد جميعاً، فيقفون وقوفاً طويلاً، وهذا الوقوف وقوف ثقيل وعظيم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]، ويقول جل وعلا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:١ - ٦]. فيقومون على أرجلهم ألف سنة وهم في مكان واحد، والشمس فوق رءوسهم واقفة لا تسير، فإذا اشتد بهم الكرب ويتمنى كثير منهم أن يُذهب به ولو إلى النار؛ لشدة هذا الموقف، فإذا أراد جل وعلا أن يحكم بينهم، يلهمهم أن يطلبوا الشفاعة من الرسل، والرسل وقوف معهم، فيبدءون بآدم ﵇ وينتهون إلى محمد ﷺ ، وكل واحد من آدم إلى عيسى يعتذر ويقول: لا أستطيع أن أشفع في هذا اليوم العظيم؛ وربنا غضب اليوم على خلقه غضباً شديداً، وكل واحد يقول: لا أسأل ربي إلا نفسي، فيشفع محمد ﷺ في أن يأتي الرب جل وعلا للفصل بين خلقه والحكم بينهم، وهذه شفاعة يشترك فيها المؤمنون والكفار والأبرار والفجار، ثم يأتي الرب جل وعلا وهو على عرشه فيحكم في كل واحد، وأما الناس الكفرة الذين ليس لهم حسنات تزون، فهؤلاء يؤمر بهم إلى النار بدون محاسبة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] أي: لا يحاسبون. والناس هناك ينقسمون إلى أقسام: قسم هذا الذي سبق وذكرناه، وقسم آخر ليس لهم سيئات، وهؤلاء لا يحاسبون، وقسم لهم سيئات وحسنات، وعندهم مظالم، فهؤلاء لابد أن يحاسبوا، مع أن الكفار الذين ليس لهم حسنات لا يمكن أن يذهبوا إلى النار حتى يقتص ممن عنده ظلم لغيره، ولهذا أخبر الرسول ﷺ أن البهائم يقتص لبعضها من بعض في ذلك اليوم، قال ﷺ : (والله ليقتصن من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) الجلحاء: التي ليس لها قرون، إذا نطحتها التي لها قرون فإنها تؤذيها أكثر، فيقتص منها يوم القيامة، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا لها: كوني تراباً، فتكون تراباً، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] أي: مثل البهائم، ولكن هيهات! فإن الإنسان خلق للعذاب أو للنعيم. فالمقصود: أن حكم الله عام في الدنيا والآخرة، ولكن في الدنيا قد ينازع ابن آدم الربَّ جل وعلا، ينازعه ويزعم أن له شيئاً من الحكم؛ لأن ابن آدم خلق ظلوماً جهولاً، فإذا اجتمع الظلم والجهل فإنه يجتمع الشر كله، فلهذا لا يجوز أن يتكنى الإنسان باسم من أسماء الله كأبي الحكم؛ لأن هذا فيه امتهان لاسم الله جل وعلا، ولهذا غيَّره الرسول ﷺ بعد قوله: (ما أحسن هذا!) يعني: ما أحسن العدل والإنصاف الذي يرضى به الفريقان.
следующие страницы →