← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٢] تعظيم أسماء الله تعالى وصفاته من تعظيم الله تعالى، ويكون ذلك باحترامها، وعدم امتهانها، وعدم مشاركة الله تعالى فيها بالتسمي بها، فمن تسمى بشيء من أسماء الله تعالى أو اتصف بصفة من صفاته وجب عليه تغيير ذلك؛ لأن فيه نقصاً في توحيد العبد، وعدم تعظيم لله تعالى.

стр. 1507

باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك. عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : (إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم. فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح) رواه أبو داود وغيره]. قوله: (باب: احترام أسماء الله، وتغيير الاسم لأجل ذلك). الفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الذي قبله من باب المنازعة ومن باب مشاركة الرب جل وعلا فيما هو خاص به، وهذا أمره عظيم جداً. أما هذا فليس من باب المنازعة؛ لأنه قد يكون غير مقصود، وقد يكون لأمر يفعله الفاعل فيسمى باسم مأخوذ من الفعل كما في هذا الحديث، وقد يكون أيضاً عن قصد حسن، ولكنه ما فهم معنى هذا التكني أو هذا التسمي، فيكون غير آثم حتى يطلع على الحكم، فإذا اطلع على ذلك وجب عليه أن يغير الاسم، تعظيماً لله جل وعلا واحتراماً لأسمائه، فيكون هذا الباب في الخطورة أقل من الباب الذي قبله، ومع ذلك فهذا من كمال التوحيد، أي: تغيير الاسم احتراماً لأسماء الله جل وعلا وتعظيماً له يكون من كمال التوحيد.

стр. 1508

الحكم والتحاكم عند الجاهلية وقوله: (عن أبي شريح) هو أبو شريح الخزاعي، وأبو شريح صحابي أسلم بعد الفتح، وجاء أن هذه القصة وقعت في زمن الوفود، والوفود كانت في سنة تسع من الهجرة وما بعدها، فلما وفد مع قومه سمع الرسول ﷺ قومه يدعونه ويكنونه بهذه الكنية فدعاه وسأله. وقوله: (إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين) معناه: أنه كان يقوم بالإصلاح بينهم، ولهذا قال الرسول ﷺ : (ما أحسن هذا!) يعني: الصلح بين الفريقين، فكانوا يرضون بحكمه، وهذا كان قبل أن يسلم، ومع ذلك حسنه الرسول ﷺ ، وليس تحسين الرسول ﷺ لذلك تحسيناً لأحكام الجاهلية، وأهل الجاهلية كان لهم حكام وكانوا لا يقتنعون إلا بالشيء الذي يمكن أن يكون له وجه، فالحاكم الذي ينصب نفسه حكماً للناس عليه أن يعلم أن الناس عقلاء، فيجب أن يأتي بحكم يُقنع الفريقين، أما إذا كان على سبيل الإلزام وبالقوة، واتباع الأسلاف والآباء، وأن هذا حكم يجب أن يُخضع له، فهذا من أمور الجاهلية، ومن أحكام الطواغيت إذا كان بغير حكم الله جل وعلا، ولكن المقصود أن يرضى الفريقان -عن اقتناع بحق- بالحق بالعدل، والعدل كل يرضى به، فالذي حسنه الرسول ﷺ هو العدل الذي يرضى به الفريقان، وليس حكم الجاهلية؛ حتى لا يلزم أن يقال: إن هذا كان قبل إسلامه عند أن كان يحكم بأمور الجاهلية، فيلزم أن يكون الرسول ﷺ حسن ذلك، وهذا غير لازم؛ لأن تحسين الرسول ﷺ إنما هو للحكم بالعدل الذي يرضى به الفريقان. ومعلوم أن العرب وغيرهم كان لهم حكام يحكمون بين المتخاصمين والمتنازعين، إما طواغيت، وإما كهان يحكمون لهم بالشيء الذي يكون غائباً، أو يكون الحكم بأمور يتعارفون عليها فيما بينهم وهو ما يسمى بطريقة الآباء، وكل هذا من حكم الجاهلية الذي لا يجوز أن يتحاكم إليه، بل التحاكم إليه تحاكم إلى الطاغوت، ومع هذا كله فإن الحكام الذين يحكمون بينهم لابد أن يحكموا بشيء مقنع؛ لأن الحكم ليس اعتباطاً أو تعسفاً، فإن هذا لا يرضى به أحد، ولهذا ذكروا أن أحد حكامهم الذين كانوا يتحاكمون إليهم جاءه قوم في مسألة وراثية مشكلة؛ لأن العرب كانوا يورثون الذكور ولا يورثون الإناث؛ لأن الذكور -في زعمهم- هم الذين يركبون الخيل ويحمون المال، ويذودون عن الأعراض، أما الأنثى فكانوا لا يعطونها شيئاً من الإرث، وحصل مرة في أهل بيت من العرب أنه توفي رجل منهم وخلف أبناء ومنهم واحد له آلتان: آلة أنثى وآلة ذكر، فأشكل عليهم كيف يصنعون هل يورثونه أم يحرمونه من الإرث؟ فذهبوا إلى أحد حكامهم الذين يحكمون، فلما جاءوا إليه أشكل عليه الأمر، فبقي أربعين يوماً لا يستطيع أن يحكم بينهم، وكل يوم يذبح لهم شاة، وبعد مضي أربعين يوماً بات ليلةً ساهراً ما استطاع أن ينام؛ لأنه وقع في مشكلة لم يعرف كيف يتخلص منها، ففطنت جارية له فقالت: مالك؟ قال: انصرفي عني مالك ولما أنا فيه؟ فلم تزل به حتى أخبرها وقال: الأمر فيه كذا وكذا، فقالت: الأمر سهل، انظر من أي آلة يبول فاحكم عليه بذلك، ففرح وقال: فرجت عني كرباً عظيماً، ولما أصبح الصباح دعاهم وحكم بينهم بهذا فاقتنعوا به. والشاهد في هذا: أنهم ما كانوا يحكمون إلا بشيء يُقتنع به، ومع ذلك كانت أحكامهم أحكاماً جاهلية، ولكن الناس العقلاء لا يقتنعون بالشيء الذي يكون شبه أفعال الصبيان. وهذا أبو شريح لم يكن من هذا القبيل، وإنما كان ممن يفصل بين الناس، فإذا كان هناك نزاع بين فريقين وأصلح بينهم صلحاً رضي الفريقان بصلحه؛ لأنه كان يتحرى العدل والإنصاف، ولا يميل إلى فريق دون آخر، وإنما يعدل بينهم فيرضى الفريقان، وعند ذلك سموه: أبا الحكم، مبالغةً في أن حكمه يكون حسناً وصحيحاً ومقبولاً.

стр. 1509

معنى اسم الله جل وعلا (الحَكَم) والحَكَم من أسماء الله جل وعلا، وقد جاء في أسمائه الحسنى مقروناً بالعدل، فهو الحكم العدل جل وعلا؛ لأن حكمه عدل، تعالى وتقدس، وهو الذي يحكم بين خلقه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٧٠]، ويقول جل وعلا في آيات كثيرة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ويقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، والرد إلى الله جل وعلا هو الرد إلى حكمه، وحكمه يكون في كتابه الذي أنزله، أما الرد إلى الرسول ﷺ فهو الرد إليه في حياته، أما بعد وفاته فإلى سنته، وسنته: هي تقريراته وأقواله وأفعاله صلوات الله وسلامه عليه. فالحَكَم هو الله؛ لأنه يحكم بين خلقه في الدنيا بشرعه الذي جعله حاكماً بينهم، والإنسان إذا لم يحكم الشرع فإنه غير مؤمن، ولا يكون مؤمناً إلا بتحكيم الشرع، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فهو الحكم مطلقاً، في الدنيا يحكم بين خلقه بالشرع الذي شرعه لهم، ويجب أن يتحاكموا إليه وألا يتحاكموا إلى غيره.

стр. 1510

حكم الله تعالى بين خلقه في الآخرة وأما في الآخرة فهو الذي يتولى الحكم بين خلقه بنفسه، فلا يحكم بينهم ملك ولا رسول، بل كل واحد منهم سوف يحكم الله جل وعلا فيه، وهو علام الغيوب لا يخفى عليه شيء من أفعال هذا المخلوق، قد أحصاها عليه، فيقرره بأفعاله كلها، ويأتي خصمه فيحكم بينه وبينه، والحكم في ذلك الموقف إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم حتى يكتفي، فإن لم يكن للظالم حسنات أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت على الظالم، ثم طُرح في النار. فكل واحد يحكم الله جل وعلا فيه، سواء فيما بينه وبين ربه: هل التزم أوامره واجتنب نواهيه؟ أو فيما وبين الخلق في المظالم والحقوق، فالحكم يكون عاماً في كل ما يفعله المخلوق في الدنيا من علاقاته مع ربه أو علاقاته مع الخلق، ولهذا ثبت أن الرسول ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، وهذا الحكم يكون بعد الوقوف الطويل، فالخلق يخرجون من قبورهم، ويحشرون في مكان واحد جميعاً، فيقفون وقوفاً طويلاً، وهذا الوقوف وقوف ثقيل وعظيم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]، ويقول جل وعلا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:١ - ٦]. فيقومون على أرجلهم ألف سنة وهم في مكان واحد، والشمس فوق رءوسهم واقفة لا تسير، فإذا اشتد بهم الكرب ويتمنى كثير منهم أن يُذهب به ولو إلى النار؛ لشدة هذا الموقف، فإذا أراد جل وعلا أن يحكم بينهم، يلهمهم أن يطلبوا الشفاعة من الرسل، والرسل وقوف معهم، فيبدءون بآدم ﵇ وينتهون إلى محمد ﷺ ، وكل واحد من آدم إلى عيسى يعتذر ويقول: لا أستطيع أن أشفع في هذا اليوم العظيم؛ وربنا غضب اليوم على خلقه غضباً شديداً، وكل واحد يقول: لا أسأل ربي إلا نفسي، فيشفع محمد ﷺ في أن يأتي الرب جل وعلا للفصل بين خلقه والحكم بينهم، وهذه شفاعة يشترك فيها المؤمنون والكفار والأبرار والفجار، ثم يأتي الرب جل وعلا وهو على عرشه فيحكم في كل واحد، وأما الناس الكفرة الذين ليس لهم حسنات تزون، فهؤلاء يؤمر بهم إلى النار بدون محاسبة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] أي: لا يحاسبون. والناس هناك ينقسمون إلى أقسام: قسم هذا الذي سبق وذكرناه، وقسم آخر ليس لهم سيئات، وهؤلاء لا يحاسبون، وقسم لهم سيئات وحسنات، وعندهم مظالم، فهؤلاء لابد أن يحاسبوا، مع أن الكفار الذين ليس لهم حسنات لا يمكن أن يذهبوا إلى النار حتى يقتص ممن عنده ظلم لغيره، ولهذا أخبر الرسول ﷺ أن البهائم يقتص لبعضها من بعض في ذلك اليوم، قال ﷺ : (والله ليقتصن من الشاة القرناء للشاة الجلحاء) الجلحاء: التي ليس لها قرون، إذا نطحتها التي لها قرون فإنها تؤذيها أكثر، فيقتص منها يوم القيامة، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا لها: كوني تراباً، فتكون تراباً، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] أي: مثل البهائم، ولكن هيهات! فإن الإنسان خلق للعذاب أو للنعيم. فالمقصود: أن حكم الله عام في الدنيا والآخرة، ولكن في الدنيا قد ينازع ابن آدم الربَّ جل وعلا، ينازعه ويزعم أن له شيئاً من الحكم؛ لأن ابن آدم خلق ظلوماً جهولاً، فإذا اجتمع الظلم والجهل فإنه يجتمع الشر كله، فلهذا لا يجوز أن يتكنى الإنسان باسم من أسماء الله كأبي الحكم؛ لأن هذا فيه امتهان لاسم الله جل وعلا، ولهذا غيَّره الرسول ﷺ بعد قوله: (ما أحسن هذا!) يعني: ما أحسن العدل والإنصاف الذي يرضى به الفريقان.

стр. 1511

الكنية وبيان أن الأفضل أن تكون بالابن الأكبر قوله: (فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، فقال: أنت أبو شريح)، وهذا تغيير للتكني، والعرب يكنون للتعظيم، والكنية: هي ما صدرت بأب أو أم، فيقال: أبو فلان أو أم فلان، بخلاف اللقب، فإن اللقب قد يكون -وهو الغالب- للتحقير والازدراء، وقد يكون لغير ذلك، فالكنية: ما بدأت بأب أو أم كأبي فلان أو أم فلان، وقد يكنى الإنسان بابنه، وقد يكنى بما يلازمه كأبي هريرة مثلاً، ومثل ذلك إذا كان عنده صنعة فيكنى بها لملازمته لها، وقد يكنى بشيء يكون موصوفاً به كأبي المعالي وأبي الفضائل وما أشبه ذلك، يوصف بذلك تعظيماً له، وغرض الناس من التكني بالكنية التعظيم، بخلاف اللقب، فإن اللقب قد يشعر مدحاً كزين العابدين مثلاً، وقد يشعر ذماً كأنف الناقة مثلاً، وهذا الغالب عليه، ولهذا يقول أحد الشعراء: أكنيه حين أناديه لأعظمه ولا ألقبه فالسوءة اللقب لأن اللقب قد يدل على التحقير. وهذا الذي كني بـ أبي الحكم هو من باب التعظيم، ولكن هذا التعظيم خطأ وامتهان لاسم الله جل وعلا؛ فلهذا غيره الرسول ﷺ ، ثم بدله بشيء يليق به. وعندما سأله عن أبنائه أخبر أن له ثلاثة وعطفهم بالواو، فقال: شريح ومسلم وعبد الله. فقال: (فمن أكبرهم؟) وهذا يدلنا على أن الواو لا تدل على الترتيب، وإنما تدل على الجمع؛ لأنها لو كانت تدل على الترتيب لما قال: أيهم الأكبر؟ فعرف أن شريحاً هو أكبرهم، فقال: شريح، فقال: (أنت أبو شريح)، وهذا يدل على أن الكبير له ميزة على الصغير، فيجب أن يميز عن الصغير ويقدر له قدر وميزة لكبر سنه، والرجل يكنى بولده الكبير، فإن لم يكن له ولد فيكنى بابنته الكبيرة، وليس التكني بالبنت عيب كما يقوله بعض الجهال؛ لأنها بنته، وكذلك الأم تكنى بابنها الكبير، فإن لم يكن لها أبناء كنيت بابنتها الكبيرة.

стр. 1512

تغيير الاسم أو الكنية إذا كان فيها امتهان لأسماء الله هذه الكنى والأسماء كل ما كان منها فيه شيء من امتهان أسماء الله جل وعلا وعدم احترامها فيجب أن تغير، فقد كان الرسول ﷺ يغير الأسماء لأغراض متعددة هذا أحدها، وهذا هو أعظمها الذي يجب أن يعتنى به، فكثير من الأسماء لا يجوز أن تُقر؛ لأن فيها امتهاناً لأسماء الله، وقد يكون فيها كذب، مثل: خليل الرحمان وخليل الله؛ لأن الخلة خاصة بإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فلا يجوز أن يسمى أحد بذلك، كذلك إذا سمي مثلاً: الرحمان أو ما أشبه ذلك من الأسماء الخاصة بالله فلا يجوز، بل يجب أن يغير ما وجد من هذه الأسماء، كما غير الرسول ﷺ اسم أبي شريح احتراماً لأسماء الله جل وعلا. وكذلك تُغير الأسماء المبغضة المكروهة كحرب ومرة، وما أشبه ذلك، فإن الرسول ﷺ كان يغيرها. وكذلك الأسماء التي تدل على تزكية النفس فإنها تغير؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، فتغير امتثالاً لأمر الله جل وعلا. فهذه الأغراض التي كان الرسول ﷺ يغير الأسماء من أجلها أعظمها هو احترام أسماء الله جل وعلا؛ لأن هذا من باب التوحيد، فالواجب أن يغير هذا الشيء احتراماً لأسماء الله؛ لأن ذلك من تحقيق التوحيد.

стр. 1513

ترجمة أبي شريح الخزاعي قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (عن أبي شريح) قال في خلاصة التذهيب: هو أبو شريح الخزاعي اسمه: خويلد بن عمرو، أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثاً، اتفقا على حديثنين وانفرد البخاري بحديث]. أي: له عشرون حديثاً، وهي مروية في كتب الأحاديث في السنن والمسانيد، وأما الصحيحان فليس له فيهما إلا ثلاثة أحاديث. قال الشارح ﵀: [وروى عنه أبو سعيد المقبري، ونافع بن جبير، وطائفة، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمانٍ وستين. وقال الشارح: اسمه هانئ بن يزيد الكندي، قاله الحافظ، وقيل: الحارث الضبابي، قاله: المزي. قوله: (يكنى) الكنية: ما صدر بأب أو أم ونحو ذلك، واللقب ما ليس كذلك، كزين العابدين ونحوه.

стр. 1514

لله جل وعلا في كل قضية حكم واحد فقط [وقول النبي ﷺ : (إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم)، فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا ولله فيها حكم]. أي: ما من قضية تقع بين الناس أو حادثة تحدث أو أمر يحدث إلا ولله فيه حكم، وهو موجود في كتاب الله؛ لأنه لم يفرط فيه بشيء، بل كل قضية تحدث صغيرة أو كبيرة فحكمها في كتاب الله، ولكن قد يفهما الناس وقد لا يفهمونها، وقد أدركت الأمة كل الأحكام وكل القضايا، فيجب أن يرجعوا إلى كتاب الله في جميع ما يحدث، وأن يكون هو الحاكم بينهم، ولا يجوز أن يعتاضوا عنه بالقوانين فإن هذا من الكفر. قال الشارح ﵀: [وما من قضية إلا ولله فيها حكم بما أنزل على نبيه من الكتاب والحكمة، وقد يسر الله معرفة ذلك لأكثر العلماء من هذه الأمة؛ فإنها لا تجتمع على ضلالة، فإن العلماء وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلابد أن يكون المصيب فيهم واحداً]. يعني: ليس كل مجتهد يكون مصيباً، وإنما المصيب واحد فقط، والحق لا يتعدد، فلا يمكن أن يكون هذا أصاب الحق والذي قال خلاف قوله أصاب الحق، هذا لا يكون أبداً؛ لأن الحق واحد فقط، ولكن إذا كان المخالف مجتهداً وأهلاً للاجتهاد، فيكون مأجوراً على اجتهاده وخطؤه مغفور، أما إذا كان يتخبط بجهل فإنه وإن أصاب فهو آثم، ولهذا قسم الرسول ﷺ القضاة إلى ثلاثة، فجعل اثنين منهم في النار وواحداً في الجنة، فأما الذي يحكم بين الناس بالجهل فهو في النار، وأما الذي يعرف الحق ويحكم بخلافه فهو في النار، وأما الذي يعرف الحق ويحكم به فهذا هو الذي يكون في الجنة. والمقصود: أن كل قضية حكم الله فيها واحد، وهو موجود في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ ؛ لأن الله ما فرط، والرسول ﷺ جاء بشرع كامل شامل إلى يوم القيامة، صالح لكل زمان، فيجب على عموم الخلق أن يرجعوا إليه، فإن لم يفعلوا فإنهم متوعدون بصليهم في النار؛ لأن من لم يحكم بما أنزل الله جل وعلا فليس بمؤمن. قال الشارح رحمه الله تعالى: [فمن رزقه الله تعالى قوة الفهم، وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء، يسر له ذلك بفضله ومنِّه عليه وإحسانه إليه، فما أجلها من عطية، فنسأل الله من فضله]. ليس معنى ذلك أن الحكم يكون بأقوال العلماء أو بآرائهم، وإنما العلماء يستنتجون الأحكام من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ بالفهم، والفهم يتفاوت بينهم، كما أخبر الرسول ﷺ أن منهم طائفة تشبه الأرض الطيبة التي تمسك الماء وتنبت الكلأ الكثير الذي ينتفع به الناس، فهؤلاء أمثال الفقهاء الذين يفهمون النصوص ويستخرجون منها الأحكام الكثيرة، وطائفة أخرى مثلهم مثل القيعان التي تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ، ولكنها تمسك الماء فيرد الناس عليها ويرتوون من هذا الماء، فهؤلاء أمثال الحفاظ الذي يحفظون ولكن ليس عندهم فقه مثل الفقهاء، وهؤلاء هم أهل الخير وأهل الفضل، وهم الذين ورثوا الكتاب وقبلوا ما جاء به الرسول ﷺ . أما الطائفة الثالثة فجعلهم مثل الأرض السبخة أو الأرض الرملية التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، وإنما يأتيها الماء فتبلعه ولا يكون له أي أثر، فهؤلاء أمثال الذين لم ينتفعوا بما جاء به الرسول ﷺ من الهدى والعلم والإيمان. والمقصود: أن الأحكام ليست في آراء العلماء وأقوالهم، وإنما هي في استنتاجاتهم وما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والفهم يتفاوت تفاوتاً عظيماً، فقد يفهم أحد العلماء من نص واحد ألف حكم أو ما يقارب ذلك، كما يظهر ذلك لمن تتبع كتب العلماء واستنتاجاتهم وأقوالهم، ومنهم من يفهم من نص واحد حكماً أو حكمين أو ثلاثة أو نحو ذلك.

стр. 1515

الله هو الحكم في الدنيا والآخرة قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (وإليه الحكم في الدنيا والآخرة) كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]. فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه]. يعني: الحكم إلى الله في الدنيا إلى كتابه. [والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. وقد قال ﷺ لـ معاذ لما بعثه إلى اليمن: (بمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي رسول الله)]. هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده: عن أصحاب معاذ عن معاذ، وأصحاب معاذ مجهولون، لم يسم منهم أحد، ومعلوم أن الجهالة من أسباب رد الحديث وضعفه، فلابد أن يعرف الراوي، ولكن بعض العلماء يقول: إن شهرته وقبول الفقهاء له وتلقيهم له يغني عن سنده، كما يقول ذلك ابن عبد البر وغيره، فالقول به وتصحيحه ليس من ناحية السند وإنما هو من جهة قبوله؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء لابد أن يكون حقاً، وهذا قد اشتهر عند العلماء، فيقول: إن هذا يغني عن السند -وإن كان سنده ضعيفاً- فيكون صحيحاً. قال الشارح رحمه الله تعالى: [فـ معاذ من أجل علماء الصحابة بالأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، ولهذا ساغ له الاجتهاد إذا لم يجد للقضية حكماً في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام، ممن يجهل حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوغ له مع الجهل بأحكام الكتاب والسنة، وهيهات! وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله إذا نزل لفصل القضاء بين العباد، فيحكم بين خلقه بعلمه، وهو الذي لا يخفى عليه خافية من أعمال خلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]. والحكم يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فطرح على سيئات الظالم، لا يزيد على هذا مثقال ذرة ولا ينقص هذا عن حقه بمثقال ذرة. قوله: (فإن قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: (ما أحسن هذا!) فالمعنى -والله أعلم-: أن أبا شريح لما عرف منه قومه أنه صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم ومعرفة ما يرضيهم من الجانبين، صار عندهم مرضياً، وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضا لا على الإلزام، ولا على أحكام الكهان وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا على الاستناد إلى أوضاع أهل الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم التي تخالف حكم الكتاب والسنة، كما قد يقع اليوم كثيراً، كحال الطواغيت الذين لا يلتفتون إلى حكم الله ولا إلى حكم رسوله، وإنما المعتمد عندهم ما حكموا به بأهوائهم وآرائهم. وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده، ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول الكتاب والسنة. والله المستعان. وقول رسول الله ﷺ : (فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح) فيه تقديم الأكبر في الكنية وغيرها غالباً، وجاء هذا المعنى في غير ما حديث. والله أعلم].

стр. 1516

مسائل باب احترام أسماء الله تعالى

стр. 1517

كل معنى يوهم امتهاناً لأسماء الله يجب الابتعاد عنه قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه]. يعني: أن الاسم إذا أوهم امتهاناً لاسم من أسماء الله يجب أن يغير ولو كان المسمي لا يعرف المعنى، وإن كان قصد مقصداً حسناً في نفسه فإن هذا لا يعطيه تبريراً بأنه جائز، ولو قصد المعنى لكان محاداً لله جل وعلا، ولكن الغالب أنه لا يقصد المعنى، ومع ذلك يجب أن يغير الاسم ويحترم أسماء الله جل وعلا، كما بين في الحديث، فإنه لما تكنى بـ أبي الحكم لم يقصد أن يمتهن اسم الله لا هو ولا الذي سماه، وإنما سمي من الفعل الذي كان يفعله. قال المصنف ﵀: [الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية]. وهذا كله تقدم الكلام عليه.

стр. 1518

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٣] اجتمع بعض ضعاف الإيمان وجعلوا يسخرون ويستهزئون بقراء الصحابة، وجعلوا يرمونهم بما هم منه براء، فأنزل الله تعالى آيات تبين أن الاستهزاء بالله أو بآياته أو برسوله كفر، وأنهم بذلك الاستهزاء قد كفروا بعد إيمانهم، وإن قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، وهكذا حكم من استهزأ بالله أو بآياته أو برسوله وما أكثر المستهزئين اليوم لا كثرهم الله.

стр. 1519

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول. وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]. عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض-: أنه قال رجل في غزوة تبوك: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء). يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلق بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : (﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) ما يلتفت إليه وما يزيده عليه].

стр. 1520

حكم الاستهزاء بالله أو برسوله أو بكتابه قوله: (باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول) يعني: أنه يكون مرتداً إذا كان مسلماً، إما إذا كان غير مسلم فالكافر كافر، ولكن إذا كان المسلمون لهم عليه ولاية فلا يجوز أن يتركوه يستهزئ بشيء من ذلك. والاستهزاء معناه: أن يسخر به، وليس لازماً أن يكون مجداً في سخريته، بل ولو كان على وجه المزاح المزح وما يضحك به القوم فإنه يكون بذلك كافراً كما دلت الآيات على ذلك. والاستهزاء بالله: أن يكون بشيء من صفاته أو من أسمائه أو من أفعاله. وأما الاستهزاء بالقرآن والسخرية به فكأن يسخر من آية منه، أو من معنىً من معانيه، أو من حكم من أحكامه. وأما الاستهزاء بالرسول ﷺ فكأن يستهزي بشيء من صفاته الخلقية أو الخلقية، أو بشيء مما يأمر به ويفعله أو ينهى عنه، كل هذا يدخل في الاستهزاء.

стр. 1521

سبب نزول قوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) كذلك لو استهزأ بمن يمتثل الشرع ويعمل به من أجل ذلك، فإنه يكون مرتداً كافراً خارجاً من الدين الإسلامي، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وذكر المؤلف أن سبب نزول هذا الآية: أن قوماً قالوا هذه المقالة في غزوة تبوك، وقد كانت في السنة التاسعة، وعوف بن مالك يسمعهم، قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء، والقرآء: هم حفظة القرآن الذين يعرفون معانيه ويعملون به، هذا هو الذي يسمى قارئاً في لسان السلف، أما من يحفظه وهو لا يعرف معانيه فهذا ليس بقارئ، ولم يطلق عليه ذلك إلا لما جُهلت اللغة، وضاعت لغة العرب في لغة العجم واختلطت، وصار الناس لا يعرفون معاني القرآن لهذا السبب. قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء -يعنون: الصحابة مع الرسول ﷺ أكذب ألسناً وأرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء، والواقع خلاف هذا كله، وإنما قاله من قاله ليضحك به القوم على سبيل المزاح، وهذا هو السخرية؛ لأن المزح واللعب لا يكون محله دين الله ولا شرعه ولا رسله ولا كتبه، وقوله في هذا: (من استهزأ بشيء فيه القرآن أو الرسول) لا يقصد به القرآن خاصةً ولا الرسول محمداً ﷺ فقط، بل جميع الرسل وجميع الكتب التي أنزلها الله جل وعلا والشرع الذي أنزله على عباده داخل في ذلك. أما ذكر الله فيدخل فيه ما ذكر من أسمائه وصفاته وآياته الكونية والشرعية، وكذلك حكمه الكوني القدري الذي يتضمن الخلق، كأن يستهزئ بكون الله جل وعلا خلق الذباب مثلاً، أو بأنه خلق الحيات، أو خلق العقارب المؤذيات، أو ما أشبه ذلك مما قد لا تظهر حكمته لكثير من الناس، أو استهزأ وسخر بأن بعض الناس عقولهم قاصرة ثم يتحصلون على أموال طائلة في الدنيا، وأن غيرهم قد يكونون أعلم منهم ولا يحصل لهم شيء من ذلك، كما يحدث لبعض الزنادقة من الشعراء وغيرهم، فإن هذا من السخرية التي تجعل الإنسان كافراً. نسأل الله العافية. وأما الآيات الشرعية فكأن يسخر من سنة من سنن النبي ﷺ ، كالذي يسخر -مثلاً- من تربية اللحية وهو يعرف أنها سنة، أو يسخر من السواك وهو يعرف أنه سنة، أو يسخر من أي سنة من السنن التي ثبتت عن النبي ﷺ أو ثبتت في كتاب الله جل وعلا. وأما السخرية بمن يحمل الدين ويعمل به فإن قصد بسخريته السخرية به في ذاته وليس لتدينه، فهذا له حكم غيره من الاستهزاء بالناس، وهذا من الأمور المحرمة ولا يكون بذلك كافراً. وكذلك الآيات التي أنزلها ربنا جل وعلا على رسله، كأن يقول مثلاً: وهذه أحكام لا تناسب الوقت الحاضر، لا تناسب التمدن ولا تناسب تقدم الإنسان وحضارته، فإن هذا كفر بالله جل وعلا، وإن كان مسلماً فهو يرتد بذلك، وإن كان كافراً من الأصل فيجب أن يمنع إذا كان عند المسلمين مقدرة على منعه، أو أن يسخر بأن المرأة لا تأخذ من الإرث إلا نصف ما يأخذ الرجل، وهذه أمثلة وإلا فالأمر في هذا واسع. وأما اللعب فكأن يذكر الأمور على سبيل المزح الغير مقصود، وإنما يقول مزحاً أو يقول كلاماً لا يعرف معناه أو لا يقصد معناه؛ لأن آيات الله ورسول الله وكذلك أسماء الله وصفاته ليست محلاً للعب، بل يجب أن تعظم غاية التعظيم وتحترم وتقدر، ولهذا أمر الله جل وعلا بتقديره وبتعظيمه وكذلك تعظيم شرعه وتعظيم رسله، فهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية جاء أن منهم من أتى إلى النبي ﷺ يعتذر ويقسم بالله أنه ما أراد حقيقة الكلام ومدلوله، وإنما قال ذلك على سبيل الترويح عن النفس؛ لأن المسافر يتعب فإذا ذكر شيئاً فيه ترويح عن النفس يجد نشاطاً، فهو يقول: أردنا هذا فقط، ومع ذلك لم يلتفت الرسول ﷺ إليه، ولم يقبل عذره، وصار لا يزيد على قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وقول ابن عمر: (كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن قدميه لتنكب الحجارة)، يعني: أن الرسول ﷺ ارتحل بعد هذه المقالة، وصار أحدهم ممسكاً بناقة رسول الله، والنسعة: هي الحبل الذي يمسك رحل الناقة من الخلف، وقد يدخل من تحت ذنب الناقة لئلا يسقط الرحل إذا نزلت في منخفض، فهو ممسك به للمبالغة في الاعتذار، والرسول ﷺ مسرع في سيره، وأرجل هذا الرجل تضرب الحجارة، وهو لا يلتفت إليه ولا يزيد على أن يتلو عليه قول الله الذي أمره أن يقوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فهو لا يزيد على ما قال الله جل وعلا له، ولم يقبل عذره، ولم يقبل أنه ما كان قاصداً، فدل هذا على أن عدم قصد الحقيقة بالكلام والسخرية واللعب يكون كفراً، وقوله جل وعلا في هذا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] الذي ذكر أنهم قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء! فهم وصفوهم بالقراءة، وبحفظ القرآن، ومن أجل ذلك قالوا لهم هذا القول، وقولهم: (أرغب بطوناً) يعني: أن بطونهم كبيرة واسعة، ومعنى: (أرغب بطوناً) أي: أكبر بطوناً، يأكلون أكلاً كثيراً، وهذا كذب. (وأكذب ألسناً) الكذب يكون في المنافقين، والصحابة قد وصفهم الله جل وعلا بأنهم صادقون، ورسول الله ﷺ معهم. وقولهم: (أجبن عند اللقاء) الجبن: هو خلق يدعو من اتصف به إلى الهروب عن لقاء العدو؛ خوفاً من القتل، وهذا أيضاً من الكذب، وكونه قولاً على خلاف الواقع ضحك بعضهم منه، فهذا الذي قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] لأن هؤلاء تحلوا بما أمرهم الله جل وعلا، واتصفوا به، فحفظوا القرآن وعملوا به، والقرآن يأمر بالصدق، ويأمر بترك الرغبة في الدنيا، والرغبة في الآخرة، ويأمر بقتال الكفار وأن يكونوا في قتالهم كالبنيان المرصوص لا يتزعزعون، وهم يمتثلون ذلك، فهذا القول صار سخرية؛ لأنه خلاف الواقع وكذب. وقد جاءت الآثار أنهم قالوا أكثر من هذا، وأن منهم من قال: يرجو هذا الرجل -يقصدون الرسول ﷺ أن يهزم الروم أو يقتل الروم، وهم يحسبون قتال الروم كقتال العرب! فكأننا بهم غداً مقرنين في الحبال؛ يقولون هذا جبناً، وكذلك يقولونه حتى يرهبوا المسلمين؛ لأن هذه المقالة لا تصدر إلا من منافق لا يريد الحق، ولا يحبه، ولا يريد انتصاره. وجاء أيضاً أن النبي ﷺ ضلت ناقته فقال قائل منهم: هذا يزعم أنه يخبر عما في السماء وهو لا يدري أين ناقته! وهذه كلها يجوز أن تكون وقعت في وقت واحد، ويجوز أن يكونوا قالوها في أوقات متفرقة ونزلت الآية بها.

стр. 1522

تفسير قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) قوله جل وعلا: (قُلْ أَبِاللَّهِ) هنا الاستفهام للإنكار، أي: أن الله ليس محلاً للسخرية واللعب، (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ) والآيات سواء كانت آيات كونية أو شرعية، فليست محلاً للعب والسخرية والاستهزاء، و (رسوله) كذلك، فإن من فعل ذلك وإن كان جاهلاً فإنه لا يعذر، ويكون بذلك مرتداً وإن كان جاهلاً؛ لأن هذا ليس محلاً للسخرية والاستهزاء واللعب، وربما يتكلم الإنسان كلمة يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهو لا يلقي لها بالاً، ولا يدري ما معناها، كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ أنه قال: (إن الرجل لا يتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) وجاء: (إن الرجل ليقول الكلمة ليضحك بها القوم؛ يكتب الله جل وعلا بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه). وجاء ضد ذلك: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الحق لا يلقي لها بالاً يكتب الله جل وعلا له بها رضاه)، فيجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، وأن لا ينطق إلا بالشيء الذي يعرف أنه ينفع. وقوله جل وعلا: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] يدل على عدم قبول العذر في هذه الأمور، والمعتذر هو النادم الذي يظهر التوبة والأسف على ما فرط منه، فيبدي عذراً له أنه ما قصد الحقيقة، ومع هذا منع الله جل وعلا قبول عذره. وقوله: ﴿قَد كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] يدل على بطلان قول من قال: إن هؤلاء الذين قالوا هذا القول منافقون؛ لأن المنافق لم يزل كافراً، وإنما يظهر الإيمان بلسانه، وقول الذين نصروا هذا القول بأن معنى قوله: (كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان بألسنتكم، وهذا لا يصح؛ لأنهم قالوا هذه المقالة فيما بينهم، ولم يزالوا مظهرين ذلك لخواصهم، وبعضهم لبعض، وإنما يدل على أنهم كان عندهم إيمان، ولكن إيمانهم كان ضعيفاً ليس قوياً بحيث يمنعهم أن يقعوا في مثل ما وقعوا فيه؛ لأن المؤمن الإيمان القوي لا يدخل في مثل هذا؛ لأن هذا ليس محلاً للخوض واللعب، وإنما هذا محله التعظيم والتقدير والعمل والإيمان. وقوله جل وعلا: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٦] الطائفة يصح أن تقع حتى على الرجل الواحد، فيصح أن يقال للواحد: طائفة. وقد جاء أن اثنين منهم جاءوا يعتذرون ويقولون: إننا لم نتكلم وإنما حضرنا، وقد أنكر من أنكر منهم وقال: ووددت أننا نقاضى على كل كلمة نتكلمها كل واحد منا يضرب مائة سوط وأن لا ينزل فينا القرآن. وجاء عن رجل يقال له: مخشي بن حمير أنه هو الذي كان يعتذر، ومع ذلك لم يقبل الرسول ﷺ عذره، وكان يقول: إني أسمع آيةً تتلى في كتاب الله أنا المعني بها تقشعر منها الجلود، وكان يسأل ربه ويقول: اللهم اجعل موتي قتلاً في سبيلك حتى لا يقول قائل: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. وذكروا أنه لما كان يوم اليمامة تتبعوا القتلى الذين قتلوا من الصحابة فوجدوهم إلا هذا الرجل لم يعثر له على أثر وجثة، ولعل هذا هو الذي أراده جل وعلا بقوله: (نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ) أي: أن الله عفا عنه. وقوله: (نُعَذِّبْ طَائِفَةً) يعني: أن هؤلاء يصيبهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة، أما عذاب الآخرة فهو بعد الحياة عند الموت. وقوله: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الإجرام: هو ارتكاب الجرم والذنب العظيم، وهذا من أعظم الذنوب: الاستهزاء والسخرية واللعب بآيات الله، أو بشيء فيه ذكر الله، أو شيء فيه دين الله وشرعه، وهذا في الواقع قد يكون باللسان، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالقلب نفسه، وقد يشتمل على أمور تكون مكفرة ومخرجة من الدين الإسلامي؛ كعدم الاقتناع بالدين، وأنه دين باطل، وأن غيره أحسن منه؛ لأنه حكم بكذا وأمر بكذا ونهى عن كذا ولو لم ينطق بذلك، إذا كان هذا في قلبه فإنه يكفيه في الهلاك أنه داخل في ذلك، وإنما الواجب على العبد أن ينقاد لتعظيم شرع الله، ويمتثل له، ويكون مستسلماً خاضعاً لربه جل وعلا، معظماً لأمره، مجتنباً لنهيه، وأن يحذر أشد الحذر أن يقع في شيء مما يذهب بدينه، ويكون سبباً لهلاكه. وفي هذه القصة مع الآية دليل على أن الجاهل لا يعذر بجهله في كل شيء، وإنما العذر في بعض الأمور، بل يجب عليه أن يتعلم ويعمل، فإن قصر في ذلك فهو الملوم.

стр. 1523

استهزاء بعض ضعاف الإيمان بالمؤمنين في غزوة تبوك قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول) أي: فقد كفر. قوله: وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]. قال العماد ابن كثير ﵀ في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى مثل قرائنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: (﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦])، وإن رجليه ليسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله ﷺ . وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر ﵄: وأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا. وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟! والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال؛ إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله ﷺ -فيما بلغني- لـ عمار بن ياسر: (أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله ﷺ واقف على راحلته فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي)، فكأن الذي عناه -أي: بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٦]- في هذه الآية: مخشي بن حمير، فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن -إن شاء الله- عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آيةً أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود، ويجب منها القلب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره].

стр. 1524

التوفيق بين الروايات والأحاديث الواردة في المستهزئين هذه الروايات فيها شيء من التخالف في الظاهر، ولكن في الواقع يمكن التوفيق بينها. رواية ابن عمر: أن عوف بن مالك سمع هذه المقالة فجاء وأخبر النبي ﷺ . ورواية أخرى: (أن الرسول ﷺ أرسل عمار بن ياسر إليهم وقال: أدرك القوم فقد احترقوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا)، يجوز أن يكون هذا وهذا، أي: أن عوف بن مالك سمع هذه المقالة فأنكرها، وسعى بذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن هذا نصحية لله جل وعلا ولرسوله، وليس ذلك من باب النميمة، وهناك فرق بين النصحية والنميمية، وأن الرسول ﷺ قبل إتيان عوف أرسل عمار بن ياسر؛ لأنه جاءه خبر السماء أسرع من مجيء عوف بن مالك، ويكون الجميع وقع. ثم المقالة التي اعتذروا منها كلهم يقولون: إننا ما قصدنا الحقيقة، وإنما قصدنا الترويح عن أنفسنا، وأن نقطع بهذا الكلام وعثاء الطريق؛ لأن الإنسان إذا تروحت نفسه تنشط وذهب الكلال والتعب، وهم يقولون: هذا الذي قصدناه، وما قصدنا الحقيقة، ولكنهم أخطئوا؛ لأن هذا محله التعظيم، وليس محله الهزل واللعب، ولذلك قيل لهم: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]، والآية صريحة واضحة في أنهم كانوا مؤمنين قبل هذه المقالة، وأن الكفر وقع لهم بسبب هذا القول. قد يقال: لماذا ما أقام عليهم الرسول ﷺ الحد؛ لأن أمرهم ظهر وهو كفر، ومن كفر بعد إيمانه يقتل، كما قال الرسول ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والمبدل لدينه المفارق للجماعة)، فالذي يبدل دينه يكفر بعد إيمانه، ويجب أن يقتل إلا أن يتوب؟ وأجيب بأنهم -كما ذكرنا- اعتذروا وقالوا: ما قصدنا الحقيقة، وأظهروا التوبة والندم، فإذا كانوا كذلك فيقال لهم: هذا ليس محله، ولكن عذرهم غير مقبول، ويوكل أمرهم إلى أن يظهر من أفعالهم هل كانوا تائبين أم أنهم مصرون على الكفر؟ هذا أمر.

стр. 1525

سبب عدم إقامة النبي ﷺ الحد على المستهزئين الأمر الثاني: أن الرسول ﷺ امتنع من قتل من يجب عليه القتل؛ لقوله ﷺ : (لئلا يتحدث الناس أن محمداً ﷺ يقتل أصحابه)، فيكون هذا منفراً للذين لا يعرفون الحقيقة، فامتنع من تنفيذ الحكم من أجل ذلك. وهذا الذي أخذ منه العلماء: أن الشريعة الإسلامية جاءت بتنمية المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وحصرها مهما أمكن، وإذا صار الأمر دائراً بين مفسدة ومصلحة فينظر إن كانت المفسدة أغلب فإنه يترك، وهذا من هذا القبيل، ولا يكون فيه دليل على أن المستهزئ والساخر أو المكذب لدينه لا يقتل؛ لأن كلام الرسول ﷺ لا يتناقض، وكذلك كلام الله جل وعلا. [قوله: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به. (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ) أي: مخشي بن حمير. (نُعَذِّبْ طَائِفَةً) أي: لا يعفى عن جميعكم، ولابد من عذاب بعضكم. (بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. انتهى].

стр. 1526

بيان أن المستهزئين كانوا مؤمنين ثم كفروا قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام ﵀: وقد أمره الله تعالى أن يقول لهم: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]، وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم؛ لأنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، ونريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين]. أي: أن حديثهم هذا الذي وقع بعضهم مع بعض ليس مع غيرهم، فلا يقال: إنهم أظهروه للناس؛ لأن هذا شأنهم دائماً في جميع حالاتهم، وإن كان حضرهم من حضرهم كـ عوف بن مالك وأنكر عليهم، وإنما كانوا يتحدثون بعضهم مع بعض. قال الشارح ﵀: [وقال ﵀ في موضع آخر: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدراً بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٤٧ - ٥١]، فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان. انتهى]. قال الشارح ﵀: [وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمل به، وأشدها خطراً إرادات القلوب، فهي كالبحر الذي لا ساحل له، ويفيد الخوف من النفاق الأكبر، فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيماناً قبل أن يقولوا ما قالوه، كما قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة].

стр. 1527

أنواع النفاق وبيان أخطرها النفاق الأكبر خلاف النفاق الأصغر؛ لأن النفاق منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر، فالنفاق الأصغر يكون في المسلمين وهو كثير جداً، ومثاله: الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر في المعاهدة، إذا كان الإنسان عنده شيء من ذلك فعنده نفاق، ولكن جميع هذه الخصال الخمس لا تجتمع إلا في منافق، تجتمع كلها في منافق نفاقاً أكبر. أما النفاق الأكبر: فهو بغض الحق وكراهيته، كبغض الرسول ﷺ ، أو بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو بغض بعضه، أو كأن يود ويفرح ألا ينتصر دين الرسول ﷺ ولا يظهر، أو يود أن دين الكفار يظهر وينتصر على الإسلام، فمن كان عنده واحدة من هذه الأمور فهو من المنافقين الذين يخبر الله جل وعلا عنهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم وكان مع المسلمين. وهذا النفاق يكون في القلوب، فهو من أعمال القلوب لا يظهر، ولهذا كان الصالحون المتقون يخافون أن يكون عندهم شيء من ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يسأل حذيفة بن اليمان الذي قيل له: أنت صاحب السر، يقول: أسألك بالله هل سماني لك رسول الله ﷺ من المنافقين؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً، يعني: لو سألني أحد أن أخبره أنه سماه أو ما سماه لما أعلمته. وحذيفة ﵁ أعلمه الرسول ﷺ ببعض أسماء المنافقين، وذلك عند رجوعه من غزوة تبوك، حين مر بعقبة في جبل، ومسلكها كان صعباً وضيقاً، فقال الرسول ﷺ : (إني سالك هذا الطريق، أي: لا يذهب معه أحد، فانتهز بعض المنافقين الفرصة وقالوا: الآن نتمكن من قتله، فذهبوا وكمنوا في أثناء الطريق في وسط الجبل، يريدون أن ينفروا ناقة رسول الله ﷺ به، فيسقط في هذا الجبل، فأمر حذيفة أن يقود ناقته، وأمر عماراً أن يسوق به وهو راكب، وفي أثناء الطريق في العقبة خرجوا على رسول الله ﷺ ، فلقيهم حذيفة وصار يضرب وجوه ركائبهم حتى نفروا وهربوا، فقال له رسول الله ﷺ : هل عرفت القوم؟ قال: لا، القوم متلثمون، ولكني عرفت راحلة فلان وفلان، فأخبره الرسول ﷺ بأسمائهم قال: فلان منافق، وفلان منافق، وفلان منافق، فعدد أسماءهم وقال له: لا تخبر أحداً). والله جل وعلا أنزل في هذه الغزوة سورة التوبة، وفيها كثير من الآيات تبين أوصافهم، ولهذا يسميها الصحابة: الفاضحة؛ لأنها فضحتهم، يقولون: لم يزل الله جل وعلا يقول: ومنهم ومنهم حتى تبين بأوصافهم لهم كثيراً منهم، وعدم ذكرهم بأسمائهم سببه تأليف الناس؛ لأن هؤلاء كانوا من قبائل الأنصار، غير أنهم لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وقد تقوى الإيمان وعظم واعتز، فلم يجدوا بداً من المصانعة، وقلوبهم منطوية على التكذيب. وبعض العلماء يقول: إنهم انتهوا في الأخير؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠]، فالله جل وعلا لم يغره بهم، فدل على أنهم انتهوا عن أفعالهم في آخر الأمر، وبقي قليل منهم، ولكن الأوصاف التي ذكرها الله جل وعلا فيهم كثيرة، وهي تبينهم في كل وقت، وقد ذكرها في سورة التوبة وكذلك في سورة المنافقون، وقد ذكر من أوصافهم أشياء عجيبة، بحيث أنه ذكر أنهم لهم أجسام، ولهم مناظر حسنة، ولهم فصاحة وبلاغة في كلامهم وخطابهم؛ لأنه جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤] تعجبك أجسامهم: في مناظرهم وملابسهم، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] يعني: لفصاحتهم وبلاغتهم، ويقول: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٧٩]، ويقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة:٤٩]. والمقصود: أن تسمية حذيفة: صاحب السر؛ لأن الرسول ﷺ أسر إليه بعض أسماء المنافقين وليس كلهم، ولهذا كان عمر ﵁ إذا مات الرجل ينظر إلى حذيفة هل يصلي عليه أو لا؟ فإن صلى عليه صلى عليه. وكون الصحابة رضوان الله عليهم يخافون من النفاق؛ لأن القلب قد يعمل أعمالاً يخشى أن يكون خالف فيها الحق، أو كره الحق فيها، فيخشى أن يكون منافقاً، ولهذا كان الحسن البصري ﵀ يقول: والله ما خافه إلا مؤمن -يعني: ما خاف النفاق إلا مؤمن- ولا أمنه إلا منافق. يعني: الذي يأمن النفاق على نفسه يكون منافقاً، أما الذي يخاف أن يكون منافقاً فهو المؤمن. ومن ذلك قول ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من صحابة الرسول ﷺ كلهم يخاف على نفسه أن يكون منافقاً. ومن النفاق أن تحب إنساناً على شيء من الباطل فهذا نفاق، أو تكره إنساناً على شيء من الحق فهذا نفاق. فالنفاق فيه كبير وفيه صغير، فيه مكفر وفيه مفسق، فيه ما يكون كفراً وخروجاً من الدين، وفيه ما يكون فسقاً وكبيرة من كبائر الذنوب.

стр. 1528

مسائل باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله

стр. 1529

هزل يخرج من الملة قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا أنه كافر]. يعني: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو هزل بالقرآن أو بشيء من القرآن. والمقصود بالذي فيه ذكر الله: إما بأسمائه أو صفاته، أو آياته الكونية الخلقية، أو دينه وشرعه الذي شرعه كأمره ونهيه. وإذا كان الهزل كفراً فكيف الذي يسب الله أو يسب الرسول ﷺ أو يسب القرآن أو يسب الدين؟ هذا أعظم من السخرية، ولهذا إذا صدر ذلك من إنسان إن كان هذا بالنسبة للرسول فإنه يجب أن يقتل على كل حال، سواء تاب أو لم يتب، حتى وإن تاب وأظهر الندم فيجب أن يقتل، ولا تقبل توبته ظاهراً، وإذا قتل إن كان تائباً ومظهراً التوبة فيصلى عليه، ويدفن مع المسلمين. أما إن كان سباً للدين أو لله جل وعلا فإنه إذا تاب تقبل توبته، وليس معنى ذلك أن مسبة الرب جل وعلا أسهل من مسبة الرسول، بل هي أعظم، ولكن لأن الله جل وعلا أخبر أنه قبل توبة التائبين من الذين يسخرون ويكفرون، فإذا كان جل وعلا قبل التوبة فليس للخلق اعتراض على ذلك. وأما الرسول ﷺ فقد كان يأمر بالذين يسخرون منه بأن يقتلوا.

стр. 1530

أن هذا تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائناً من كان [المسألة الثانية: أن هذا تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائناً من كان]. المقصود: أن الذي يقع منه استهزاء بدين الله أو بشيء من آياته، أو بالرسول ﷺ ، أو بمن يحمل الدين ويقول به ويعمل به، أن حكمه حكم أولئك، هذا معنى تفسيرها؛ لأن الآية لم تنزل في أناس معينين، فإن السبب وإن كان خاصاً، إلا أن اللفظ والحكم عام في الأمة إلى يوم القيامة.

стр. 1531

الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله [المسألة الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله]. المقصود: هو قول عوف بن مالك حين قال: لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب يخبره، نقول: هذه ليست من الغيبة والنميمة، وإنما هذه نصيحة، فالذي يقع في المعصية مرتكباً لها ويعرف أنه قاصد لذلك فيبلغ أمره إلى ولي الأمر؛ حتى يردعه ويمنعه، ويقيم عليه الحد الذي يستحقه، ولا يكون ذلك من باب النميمة وإنما هي نصيحة.

стр. 1532

الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله [المسألة الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله]. وهذا يؤخذ من قوله: إنه رآه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ويقول: يا رسول الله! والله إنما كنا نخوض ونلعب، نتحدث حديث الركب نقطع به وعثاء السفر، والرسول ﷺ لا يلتفت إليه ولا يزيد على قوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُون) * (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) يعني: لا يزيد على ما قاله الله له، فلا يلتفت إليه أكثر من ذلك، ومثل هذا لا ينبغي أن يقبل عذره، بل يقابل بالغلظة، وبما يستحقه مما اقترفه من السخرية بآيات الله جل وعلا، أو برسوله ﷺ ، أو بالمؤمنين الذين يعملون بكتاب الله وسنة رسوله، إذا سخر بهم من أجل ذلك.

стр. 1533

أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل [المسألة الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل]. من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل، مثل اعتذار هؤلاء فيما اعتذروا به، وهذه الأعذار لم يقبلها الرسول ﷺ ، وفرق بين من وقع في خطأ غير قاصد، وكان ذلك فيما سبيله الاجتهاد وبين من وقع في خطأ ولو كان غير قاصد، مثل الخوض في آيات الله أو صفاته، أو في صفة الرسول ﷺ ، فرق بين هذا وهذا، فالذي يخطئ مثلاً في أمور اجتهادية هذا يقبل عذره، أما الذي يخطئ في الخوض في آيات الله والسخرية، والاستهزاء بها، وإن كان ما قصد الحقيقة وإنما ليضحك الناس، فمثل هذا لا يجوز أن يقبل عذره.

стр. 1534

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٤] من طبيعة الإنسان إنكار نعمة المنعم ، وإضافة النعمة إلى نفسه، وأنه اكتسبها بجهده وعلمه وذكائه، ولا شك أن هذا كفر بالنعمة وبالمنعم، وهو منقص للتوحيد، والواجب على الإنسان تجاه نعم الله تعالى أن يشكر الله تعالى عليها، وأن يستعملها في طاعته، وأن يضيفها إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ومما يبين هذا الأمر بوضوح حديث الثلاثة النفر من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى.

стр. 1535

باب قول الله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠]. قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: ﴿قَاْلَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] قال قتادة: على علم مني بوجود المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف].

стр. 1536

مقصود الباب وجوب الشكر على النعم مقصود الباب: وجوب الشكر على النعم، وأن الذي لا يشكر نعمة الله جل وعلا يكون ناقص التوحيد، فهو لم يأت بالتوحيد الذي يجب عليه، وكذلك إذا وقع في كفران النعمة فإن هذا نوع من كفر الربوبية، وهو منقص للتوحيد وإن لم يكن ذاهباً به بالكلية، وهذا من تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. وقوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ) الضمير هنا في (أذقناه) يرجع إلى جنس الإنسان، فكل إنسان هذه طبيعته، إذا وقع في النعمة والسراء نسي ما حدث له من الكرب والضراء، وربما نسب ما وقع له من النعم إلى نفسه، وقال: هذا أنا حصلته بعملي، أو بسببي، أو بحسن تصرفي، أو بكوني ذكياً أعرف كيف أتصرف، أو بكوني أعرف طرق المكاسب، أو ما أشبه ذلك مما يضيفه الإنسان إلى نفسه، فإن هذا كله من كفر النعم. والواجب على العبد إذا وقعت له نعمة من النعم، سواء كانت في بدنه أو في ماله أو في أولاده أو نعمة عامة، فيجب أن يضيفها إلى الله، وأن يشكره عليها، وأن يعلم أنه ليس له في نفسه قوة بأن يحصل هذه النعمة لولا أن الله جل وعلا تفضل بها عليه، وإن كان لها أسباب فإن الله هو الذي يخلق الأسباب ويهيئها، ولو شاء لعطل الأسباب، ولو شاء لم تأت النعم مع وجود الأسباب، ولهذا يذكر الله جل وعلا ذلك كثيراً، كما قال جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٥] أي: يكون يابساً ليس فيه أي منفعة، ولكنها نعم الله جل وعلا. وكذلك لما ذكر الماء الذي نشرب أخبرنا أنه هو الذي أنزله من المزن -من السحاب- وأنه لو شاء لجعله أجاجاً، يعني: مالحاً لا نستطيع شربه، وكذلك ما يتغذى به الإنسان، الشيء الذي يدخله في فمه لو شاء الله جل وعلا لم يأكله، ولم ينتفع به، ولو شاء لوقف في مكانه ولم يتفرق، فكل نعمة تصيب الإنسان يجب أن يعلم أولاً من قلبه أنها من الله، ثم يعمل جوارحه على شكر الله جل وعلا عليها، وأن يضيفها إلى ربه جل وعلا، وأن لا يضيف ذلك إلى نفسه، فإن إضافة النعم إلى النفس من شأن الكفار الذين ذكرهم الله جل وعلا، كما في هذه الآية وغيرها، الذين يكفرون بالله وبنعمه، ويضيفون ما يحصل لهم من النعم إلى صنعتهم، وإلى قوتهم، وإلى حسن تصرفهم، وينسون ربهم جل وعلا. وقد جرت سنة الله جل وعلا في عباده أن الإنسان إذا اعترف بنعمة الله عليه وشكره عليها، وأثنى بها عليه، واستعملها في طاعته أن الله يزيده نعمةً على نعمة، أما إذا صرفها في المعصية، أو نسي المنعم بها، أو استعملها في المعاصي، وتقوى بها على معصية الله جل وعلا، وإن استمر على ذلك وقتاً فإن الوقت قليل وقصير، ولو كان عمر الإنسان كله فإن الله جل وعلا يعقبه سوءاً في حاله عاجلاً، وعذاباً في الآجل. ومقصود الباب بذكر الآية: وجوب إضافة النعم إلى مسديها، ووجوب شكره عليها بالعمل بها في الطاعة، ومن لم يفعل ذلك لا يخلو: إما أن يكون جاحداً بالكلية، ومستعملاً النعمة في المعصية والكفر، فيكون خارجاً من الدين الإسلامي، أو يكون أقل من ذلك؛ لأنه لم يؤد شكر النعمة، ولم يستعملها في طاعة الله على ما ينبغي، وإن استعملها في شيء منها أو أنه يضيف منها في ذلك شيئاً إلى نفسه، فإنه يكون ناقص التوحيد، ويكون واجباً عليه أن يتوب من ذلك، ويشكر ربه جل وعلا ويعبده ويخضع له.

стр. 1537

معنى قول الله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا) وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾ [فصلت:٥٠] من المعلوم أن إذاقة الشيء يقصد بها الطعم الذي يذوقه، مثل الذي يأكل الطعام ويتذوقه، وذلك أن النعم مآلها إلى هذا، وقد يكون ذوقها ذوقاً معنوياً، ويكون أعظم لذةً من الحقيقي، وكل النعم مصدرها من الله جل وعلا، فعلى هذا وجوب شكر نعم الله جل وعلا، وقبل ذلك يجب على الإنسان أن يعلم أن كل ما وقع له من خير فهو من الله، أما إذا وقع له ضد ذلك فسببه معصيته، كما قال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] يعني: السيئة تقابل الحسنة، والحسنة المقصود بها النعم التي ينعم الله جل وعلا بها على الإنسان. وقوله: (من نفسك) يعني: نفسك هي سبب عملك، ثم كون الإنسان يدعي بأنه محظوظ ولهذا حصل له كذا وكذا، أو أنه كريم عند الله؛ ولهذا حصل له كذا وكذا، هذه دعوى على الله، وربما يكون الأمر بالعكس؛ لأن الله جل وعلا يبتلي بالنعم الذي يحبه والذي لا يحبه، الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنها ابتلاء واختبار؛ لينظر من يشكر ومن يكفر، فمن شكر زيد نعمة، ومن كفر فإنه لا يعجز الله، ويعاقبه الله جل وعلا، ويسلب نعمته؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. والأقوال التي ذكرها السلف متقاربة، قوله: أنا حقيق به، أو أنا حصلته بكسبي وبعملي، أي: بحسن تصرفي، أو بكوني علمت كيفية طرق المكاسب، أو بقوله: هذا أعطاني الله جل وعلا لأنني محظوظ عنده، أو قوله: أنا مستحق لذلك، أو قوله: أنا شريف، أو قوله: أنا عند الله جل وعلا محبوب أو كريم فأعطاني ذلك كل هذه من أعمال وأقوال الكفار التي لا يجوز للمسلم أن يقول شيئاً منها، ويجب عليه أن يجعل النعم مستعملةً في طاعة الله، ويعترف بأنها من عند الله جل وعلا، حتى يكون عبداً لله. ومعلوم أن معنى الرب جل وعلا: رب العالمين، أي: الذي يربيهم بنعمه، ويقوم على مصالحهم، فهو ربهم الذي يربيهم بما يصلح حياتهم، وهذه التربية قد يعترف بها من يعترف من المؤمنين، ويشكر الله عليها، وقد لا يعترف بها أكثر الناس، فيكون ذلك وبالاً عليهم، ويكونون من أهل العذاب، نسأل الله العافية. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت:٥٠] الآية. ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه الآية وما بعدها ما يكفي في المعنى ويشفي. قوله: قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به، وقال ابن عباس: يريد من عندي، وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب]. قول مجاهد وقول ابن عباس: على علم مني بوجوه المكاسب، وعلى علم عندي يعني: أني أعلم ذلك، أعلم كيف أكتسب، أعلم كيف أتصرف، وهو في الواقع مسكين! إذ لو أن الله منعه نعمته لما استطاع أن يسقي نفسه شربة ماء. قال الشارح ﵀: [وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. يعني: أن الله جل وعلا شرفني على كثير من الناس فأعطاني ذلك؛ لأني شريف أو كريم عنده. وليس فيما ذكروه اختلاف وإنما هي أفراد المعنى].

стр. 1538

فتنة السراء والضراء وبيان أيهما أعظم قال الشارح ﵀: [قال ابن كثير ﵀ في معنى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر:٤٩]]. (خولناه) يعني: أعطيناه وخصصناه، فكل نعمة تقع للإنسان فهي من الله، وأكبر نعم الله وأعظمها على العبد أن جعله مسلماً، فهذه النعمة أعظم النعم على الإطلاق. أما كونه يكون صحيحاً معافىً واجد المال والمتاع والمسكن والزوجة وما أشبه ذلك، فهذه تزول بسرعة ولا تبقى، ولكن نعمة الإسلام هي التي تستمر معه إلى أن يحصل له بسببها الحياة السرمدية، والنعيم عند الله جل وعلا، ولهذا لا يستطيع الإنسان أن يقوم بشكر هذه النعمة، ولا غيرها من النعم، وإنما إذا اعترف لربه جل وعلا بالتقصير، وخضع له، ونسب له الفضل، واستعمل ذلك في طاعته، فإن الله كريم يقبل اليسير ويعفو عن الكثير. [يخبر أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى الله تعالى، وينيب إليه ويدعوه، ثم إذا خوله نعمةً منه طغى وبغى وقال: (إنما أوتيته على علم)، أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله حظيظ لما خولني هذا. قال الله : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي: ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه]. المقصود بالفتنة هنا: الاختبار، أي: يعطى النعم ليظهر شكره من كفره، وإلا فالله علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، يعلم أن هذا المخلوق سوف يكفر وهذا سوف يشكر، لا يخفى قبل وجود ذلك، ولكن من فضله وكرمه وتمام عدله أنه لا يؤاخذ بمجرد علمه، وإنما يؤاخذ بالعمل الظاهر الذي يبرز ويظهر، ويكتب في الصحف، وتشهد عليه الملائكة وتعمله الجوارح، هذه الفتنة فتنة النعم. وفتنة النعمة أعظم من فتنة الضراء؛ لأن الإنسان كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، إذا وجد الغنى تكبر وطغى، أي: ارتفع على غيره، فالطغيان المقصود به: الارتفاع والعلو على أبناء جنسه، فيتعالى عليهم بما أعطي من النعم، وهذه طبيعة الإنسان إلا من مَنّ الله جل وعلا عليه بالهداية. وأما الضراء فغالباً أنه يستكين، ويذل ويخضع، ويعرف قدره، فيكون هذا طريقاً لمعرفة الله جل وعلا، فلهذا صارت فتنة السراء أشد من فتنة الضراء، وفتنة الضراء قد يكفر بعض الناس بسببها ويتسخط أمر الله وقدره ويقول: أنا ما أستحق هذا، أنا مظلوم، يعني: أن الله ظلمه، نسأل الله العافية! فإذا وصل إلى هذا الحد فمعنى ذلك أنه كفر بالله جل وعلا، ورأى أن الله يظلم عبده، وهو يزكي نفسه على ربه، ويرى أنه مطيع وقائم بالواجب، وهذه نهاية الكفر نسأل الله العافية. فالمقصود: أن الابتلاء لابد منه، إما أن يكون بهذا أو بهذا، حتى يتبين عمل الإنسان ظاهراً، يتبين لكل من يرى، يتبين للملائكة، ويتبين له هو، ويتبين لمن يكون مشاهداً له، فهذا الذي يؤاخذ عليه، فكونه جل وعلا يبتليهم بهذا ليظهر ذلك الذي هو كامن في نفوسهم، وقد علمه الله جل وعلا قبل وجودهم، وكتبه، ولكنه لا يقع إلا بعملهم وبتصرفهم.

стр. 1539

عاقبة التكبر على الله وعلى الخلق بالنعم [قال الله : ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر:٤٩] أي: ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، (بل هي فتنة) أي: اختبار، (ولكن أكثرهم لا يعلمون)، فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون. ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر:٥٠] أي: هذه المقالة، وزعم هذا الزعم، وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٥٠] أي: فما صح قولهم، ولا نفعهم جمعهم، وما كانوا يكسبون، كما قال تعالى مخبراً عن قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٦ - ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] انتهى]. القصص التي يذكرها الله جل وعلا لنا في القرآن مثل قصة قارون وعاد وفرعون وبني إسرائيل، وكذلك القصص التي يذكرها الرسول ﷺ كما سيأتي في الحديث الذي ذكره المصنف، المقصود بها: الاعتبار، فنحن المقصودون منها، وليس معنى ذلك أنه مجرد أخبار وقعت فمضت، فيأخذها الإنسان من باب التسلي أو التفكر، وكونه يذكر هذا تاريخاً مضى لأناس مضوا، بل المقصود نحن أن نعتبر نحن بذلك، وألا نقع في مثل ما وقعوا فيه، حتى لا يصيبنا ما أصابهم، هذا هو مغزى القصص وهو المقصود منها. وفي قصة قارون الذي جمع الأموال وكنزها، ثم نصحه من نصحه من المؤمنين وقالوا: لا تبغ الفساد بأموالك هذه، ولا تنس نصيبك من الدنيا، ولكن أحسن كما أحسن الله إليك، فنصحوه النصيحة التي لو أخذ بها لاجتمعت له نعمة الدنيا والآخرة، ولكنه تكبر وقال: إنما أوتيته على علم عندي، ومعنى (علم عندي) مثل ما قال قتادة: محظوظ عند الله، علم الله أني له أهل وأني أفضل منكم، فزعم أنه يستحق ذلك وجحد نعمة الله، فأخذه الله وخسف به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، نسأل الله العافية. وأخبر جل وعلا أن من قبله من القرون من هو أكثر منه جمعاً وأقوى منه، وأخذوا بكفرهم وظلمهم، وعادة الإنسان الكافر أنه لا يعتبر بما مضى، ولا بما يجري حوله، إذا كثرت نعمه وكثر ما لديه فإن ذلك يدعوه إلى التكبر والبغي.

стр. 1540

شرح حديث الأبرص والأقرع والأعمى قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، ً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، قال: فمسحه؛ فذهب عنه قذره، فأعطي لوناً، وجلداً حسناً، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر -شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملاً، فقال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله علي بصري؛ فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والداً، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة! فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصاً يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى، فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط عن صاحبيك) أخرجاه]. هذا الحديث في الصحيحين، وقوله: (إن ثلاثة من بني إسرائيل) إسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وبنوه هم الذين ذهبوا إلى مصر لطلب الطعام، وترددوا بعدما عملوا ما عملوا بأخيهم يوسف ﵇، وحصل ما حصل، ومكنه الله جل وعلا، ثم في النهاية استجلبهم إلى مصر هم وأهليهم، فكثروا وصاروا أمة كبيرة، فسلط عليهم فرعون في تقتيل أبنائهم ذكورهم، وإبقاء نسائهم للخدمة، وسبب ذلك كما قيل: إنه قيل له: إن في العلم الذي ورث عن إبراهيم أن زوال ملكك على يد رجل من بني إسرائيل، فصار يذبح كل مولود ولد منهم، والقصة معروفة ذكرها الله جل وعلا في القرآن. والمقصود: أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، فهو نبي كريم من أنبياء الله جل وعلا، واليهود هم من ذريته، ولكن اليهود الآن من أكفر عباد الله، ولا يجوز أن نسميهم بني إسرائيل، وإنما نقول: دولة اليهود مثلاً، ولا نقول: دولة إسرائيل؛ لأن إسرائيل نبي كريم من الأنبياء، يجب أن ينزه عن هذا، فيجب أن نقول لهم: اليهود دولة اليهود وهم يفرحون عندما تسمى دولتهم بإسرائيل، ثم كأنه كان فيهم العجائب، وكان الرسول ﷺ يحدث عنهم كثيراً، والأحاديث المروية عن الرسول ﷺ فيهم كثيرة، وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه كتاباً مستقلاً سماه: (حديث بني إسرائيل)، فذكر جملاً منها، وكذلك غيره من العلماء، وأحاديث بني إسرائيل التي تذكر عنهم قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة: قسم منها ثبت، مثل الذي يذكره الله جل وعلا في كتابه، والذي يذكره الرسول ﷺ ويصح عنه، ومثل هذا لا إشكال فيه فيصدق ويؤمن به، وهذا الذي اختلف أهل الأصول هل هو شرع لنا أم لا؟ أي: شرع من قبلنا شرع لنا أم أنه ليس شرعاً لنا؟ والصواب أنه إذا كان أقر من شرعنا فهو شرع لنا، أما إذا لم يقر فليس شرعاً لنا، ولكن الكلام في الشيء الذي سكت عنه. القسم الثاني: ما جاء في كتاب الله أو في أحاديث رسوله ﷺ ما يكذبه ويبطله، فهذا يجب أن نكذبه، مثل دعوى اليهود بأن سليمان ملك ساحر، أو أن لوطاً ﵇ ضاجع بنتاً من بناته فحملت منه، وغير ذلك من الأمور المنكرة التي ينسبونها إلى الأنبياء وهي كذب صريح، القرآن يبين كذب ذلك ويوضحه، وهذا كثير، وقد يذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، وهو من الخطأ الذي يجب أن ينزه تفسير كتاب الله عنه. القسم الثالث: ما لم يأت في كتاب الله ولا عن الرسول ﷺ لا تصديقه ولا تكذيبه، أي: مسكوت عنه، فمثل هذا الحكم فيه أن يقول الإنسان: آمنا بما أنزل الله علينا وعلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء، أي: أنه لا يكذب ولا يصدق، يؤمن بكل ما أنزله الله إجمالاً، أما هذا بعينه فيتوقف فيه، إذا كان مما أنزله الله فنحن نؤمن به، وإذا لم يكن فهو لا يضر الإنسان كونه تردد فيه. وهؤلاء الثلاثة النفر جاء في صحيح البخاري ثلاث روايات: أحدها: (أراد الله أن يبتليهم)، والأخرى: (بدا لله أن يبتليهم)، وقد اغتر بهذه الكلمة بعض الذين كتبوا من المعاصرين كلاماً سيئاً في هذا وقال: إن هذا خطأ، وإن صحيح البخاري فيه أخطاء في العقيدة، فينبغي للإنسان أن يكون متنبهاً، وهذا من قلة معرفة اللغة؛ لأن (بدا) تأتي بمعنى: أراد، ومعلوم أن الرواة قد يعبر بعضهم بالمعنى ولو لم يكن هذا تعبير رسول الله ﷺ ، ولكنه عرف مراد الرسول ﷺ فعبر به، وهذا كثير جداً، فإذا جاء حديث بلفظين مثلاً أو ثلاثة ألفاظ فأحدها يفسر الآخر، إذا كان فيها شيء غريب يرجع إلى الشيء الواضح، فيكون هذا هو المعنى. ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ أفصح الناس، وهو صلوات الله وسلامه عليه أقدرهم على البيان والبلاغ، وهو كذلك أنصح الخلق للخلق، وهو كذلك أغير الخلق على الله جل وعلا، فلا يجوز أن يأتي من كلام رسول الله ﷺ شيء باطل؛ لأن هذا الذي قال هذا القول بأن (بدأ) من الابتداء، وأنه يقتضي قبل ذلك أنه لم يكن عالماً، فمعلوم أن هذا ينافي صفات الله جل وعلا، ولكن ليس هذا المراد في قوله: (بدأ)، وإنما المراد به مثل ما في الروايات الأخرى: (أراد الله أن يبتليهم)، والإرادة سبق الكلام عليها، والابتلاء هنا هو الاختبار، أي: أن يختبرهم بحالهم، وهؤلاء الثلاثة: أبرص، وأقرع، وأعمى، فهم أهل أمراض وعاهات معروفة في الناس. أما البرص: فهو من الأمراض التي تغير لون الجلد، وتجعله مكروه النظر إليه، وقد كان ولا يزال في الغالب مرضاً إلى الآن لم يستطع الأطباء أن يصلوا إلى دواء له، وقد يشفى الإنسان من هذا كما هو معروف، ولكن الغالب أنه يبقى، وإنما كثير من الأطباء لا يستطيع أن يتوصل إلا إلى إيقافه فقط، يوقف بحيث لا يزداد؛ لأن العادة أنه يزيد حتى يشمل الجلد كله، ويصبح جلد الإنسان كله بهذا اللون، ولكن يمكن أن يشفى الإنسان، وقد شفي خلق من هذا المرض، وقد جعل الله جل وعلا الشفاء منه آيةً لعيسى ﵇، إذا مسح بيده الأبرص شفي وزال برصه. أما القرع: فهو مرض وقروح تكون في الرأس يتساقط بسببها الشعر، ثم يحدث الصلع، وقد تكون له رائحة كريهة ويتقذر منه من قارب هذا المريض. أما العماء: فهو معروف، كونه فقد بصره، وأصبح لا يبصر شيئاً. فهؤلاء بعضهم قريب من بعض، فأرسل الله جل وعليه إليهم ملكاً، وهذا الملك جاءهم بصورة بشر من الناس يظنون أنه مثلهم، فبدأ بالأبرص فقال له: أي شيء تود وتحب وتريد؟ فقال: أحب أن يذهب عني هذا المرض، وأن أعطى جلداً حسناً، ولوناً حسناً؛ لأن جلده مريض، ولونه سيئ، فمسحه فزال المرض، وأعطي جلداً حسناً، ولوناً حسناً، وهذا مجرد مسح، ولو كان عنده مثلاً اعتبار لاعتبر أن هذا من الأمور العظيمة، ومن آيات الله ونعمه، ثم قال له: أي المال أحب إليك؟ فقال: الإبل أو قال: البقر، شك إسحاق أحد الرواة، فأعطي ناقة عشراء، والناقة العشراء: هي التي قاربت الولادة، أي: أتى عليها عشرة شهور وهي ستلد قريباً، وبعض أهل اللغة يقول: إذا أتى عليها ثمانية شهور تكون عشراء، والناس يختلف اصطلاحهم في هذا، فكثير من العرب إذا تبين لقاح الناقة سموها عشراء، ولو لم يأت عليها شهور، ولكن المقصود الاستعمال القديم، ثم قال له: بارك الله لك فيها، فدعا الله جل وعلا له بالبركة فيها، ودعوة الملك الغالب أنها مستجابة، وقد أراد الله جل وعلا ذلك. ثم ذهب إلى رفيقه الثاني فقال له: أي شيء تحب؟ فقال: أن يذهب عني هذا الذي قذره الناس، وأحب شعراً حسناً، فمسح رأسه؛ فذهب مرضه، ونبت شعره وصار حسناً، وقال له: أي المال أحب إليك؟ فقال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً، ثم ذهب إلى الثالث الأعمى فقال له: أي شيء تود وتريد؟ فقال: أن يرد الله علي بصري، فأبصر به الناس، ومعنى قوله: أبصر به الناس أي: أبصر به الأشياء التي يبصرها الناس، ولكن قصر ذلك على الناس؛ لأن اختلاطه بهم، وحاجته إليهم أكثر من غيرهم، فمسح على عينيه، فرد الله عليه بصره، ثم قال له: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاةً حاملاً. (فأنتج هذان وولد هذا) المنتج: هو الذي يتولى ولادة الناقة أو البقرة، والمولد: كذلك الذي يتولى ولادة الشاة، مثل القابلة من النساء للمرأة. فطال الوقت، وصار للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم، أي: أن هذه الناقة بارك الله فيها، وصار منها شيء كثير من الإبل، وكثر المال ونما، وكذلك صاحب البقرة، وكذلك صاحب الشاة، فلما كثر المال وصار أودية مملوءة منها، جاء ذلك الملك، وبدأ بالأبرص وجاء بصورته، أي: أنه جاء بصورة رجل أبرص وفقير حتى يذكره بحاله السابقة، وهذا معنى (جاءه بصورته) أي: بصورة الأبرص نفسه، فقال له: (إني رجل مسكين، وابن سبيل)، وابن السبيل: هو الملازم للسفر. قال: (وقد انقطعت بي الحبال في سفري

стр. 1541

شكر النعم أركان الشكر ثلاثة: الأول: أن يعلم أن النعمة من المنعم، والمنعم هو الله جل وعلا، وأنها فضل منه بلا استحقاق. الثاني: أن يضيفها إلى المنعم، ويذكرها له، ويشكره بلسانه عليها. الثالث: أن يستعملها في طاعة الله جل وعلا، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، فالعمل من الشكر، وكذلك من العمل: الثناء، ومنه قبل ذلك: أن يعلم أنها من الله، فكل نعمة ينعم الله جل وعلا بها على عبده يجب أن يقوم بهذه الأمور الثلاثة حتى يؤدي شكر الله عليها، وحتى تستقر، وواضح في الحديث السابق أن شكر النعمة يقتضي استقرارها وزيادتها، وكفرها يقتضي نفورها وذهابها، ومع ذلك يعذب؛ لأنه كفر، والكفر أصله مأخوذ من التغطية؛ ولهذا يسمى الزارع حارث الأرض كافراًً؛ لأنه يغطي البذر في الأرض، وإذا غطاه قيل: كفره، إذاً: أصل الكفر التغطية، فإذا غطى نعمة الله فهو كافر لها، وأعظم النعم التي يجب أن تبرز وتظهر ويعمل بها: عبادة الله جل وعلا، ثم يتبع ذلك سائر النعم، وعبادة الله هي الأصل في هذا، فإذا آمن الإنسان بالله جل وعلا وعبده، فهذا يقتضي أن يشكره على كل نعمة من نعمه، وقد يكون كفر النعمة داعياً إلى الكفر الأكبر، فقد يكون سبباً إلى ذلك، كما حصل لهؤلاء الاثنين اللذين جحدا وكفرا نعمة الله، فعاقبهما الله جل وعلا في العاجل قبل الآخرة، وما أعده الله جل وعلا لهم في الآخرة أعظم وأشد.

стр. 1542

ابتلاء الله تعالى لعباده هذا الابتلاء ليس المقصود به ذواتهم، المقصود أن يعتبر به غيرهم، أما هم فواحد منهم نجا، والآخران هلكا، وهذا فيه دليل على أن الغالب على الإنسان الكفر؛ لأن الثلاثة شكر منهم واحد، واثنان كفرا، مع قرب العهد، والتذكير بالحالة التي سبقت لهما، وكونهما يعلمان ذلك، فقال لهم: العهد قريب، والمال جاءكم بنعمة الله، وكذلك ما منّ الله جل وعلا به من إزالة المرض وإنعامه بالعافية عليكم، ومع ذلك جحدا هذا، وهما يعلمانه حقيقةً، فهذا يدلنا على أن الغالب على الإنسان هو الكفر، وهذا ظاهر في الناس، فالغالب عليهم الكفر، فيجب على العبد أن يحذر أن يقع في شيء من ذلك، فقد يكون الإنسان مبتلىً بالمال، أو مبتلىً بالجاه، حتى الجاه قد يبتلى به العبد، يكون له جاه عند الناس فيكون له بلوى: هل يستعمل ذلك في طاعة الله أو يغتر بنفسه ويقول: أنا فلان بن فلان، وأنا الذي فيه كذا وكذا؟ فيهلك، فالناس كلهم سواء، ولكن يتميزون بطاعة الله جل وعلا، ومن كان لله أطوع فهو أحب إلى الله جل وعلا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، والابتلاء والاختبار لابد أن يقع ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وآيات كثيرة يخبر الله جل وعلا فيها أنه لابد من البلوى، والبلوى قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، ولكن يكفي بها أن يتبين هل الإنسان شاكر أم كافر، والله جل وعلا كلما أعطى الإنسان نعمة فهي من باب الاختبار؛ ولهذا كان السلف يحذرون هذه الأمور كثيراً، فيقول أحدهم: إذا رأيت الإنسان مقيماً على معصية، ونعم الله عليه متوالية من صحة ومن مال وغير ذلك فإنه يمكر به؛ لأن العادة أن الإنسان إذا كان في النعمة ينسى، ويتمادى فيها، ويفرح بها، ثم يأتيه الأمر بغتة، وهناك لا ينفعه الندم. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن ثلاثة) الحديث أخرجاه أي: البخاري ومسلم. و (الناقة العشراء) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: (أنتج) وفي رواية: (فنتج) معناه: تولى إنتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. قوله: (ولّد هذا) بتشديد اللام، أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: أنتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان وذلك لغيره. قوله: (انقطعت بي الحبال) بالحاء المهملة والباء الموحدة، أي: الأسباب. قوله: (لا أجهدك) معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي، ذكره النووي. وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، وما أديا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها وهي: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب].

стр. 1543

وجوب شكر النعم وقلة الشاكرين أركان شكر النعمة ثلاثة: الأول: الاعتراف أن الله هو المنعم، والاعتراف مصدره القلب ثم يأتي على الجوارح، فلابد من شكر اللسان وغيره من الجوارح. الثاني: أن تنسب النعمة إليه ولا تنسب إلى الأسباب. الثالث: أن يستعمل النعمة في طاعته. فهذه إذا أتى بها العبد فقد شكر نعمة الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فقليل من عباد الله هم الذين يشكرون الله جل وعلا، وأكثرهم وإن اعترفوا بأن النعمة من الله، فلا يخلو هذا الاعتراف من النظر إلى الأسباب والاعتماد عليها، والاعتماد على السبب نوع من أنواع الشرك، وكونه يعطل السبب ولا يلتفت إليه قدح في الشرع وفي العقل أيضاً، فلابد من السبب، ولكن السبب جعله الله سبباً، وإذا شاء عطله وأصبح مفعوله لا أثر له، وإذا شاء أتى بالموانع. فعلى العبد أن يستعمل النعمة في طاعة الله جل وعلا، ويتقوى بها على طاعته، وهذا من الشكر، أما إذا تخلف واحد منها فلم يأت الإنسان بالشكر الذي يجب عليه، فيجب على عباد الله أن يشكروه على نعمه، ونعم الله كثيرة جداً، لا يستطيع الإنسان أن يقوم بشكرها، ولكن من رحمة الله جل وعلا أنه يقبل القليل، ويعفو عن الكثير، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة)، والسلامى: المفصل الذي في الجسد، يعني: العظم الذي إذا فصله فاصل انفصل، فهذا يسمى سلامى، وذكر أن في الجسد ثلاثمائة وستين مفصلاً، فيصبح عليه كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة بقدر هذه النعم؛ لأن هذه كلها نعم من الله جل وعلا، ولما استكثر الصحابة هذا وقالوا: كيف يقوم الإنسان بهذه الصدقات الكثيرة؟ قال ﷺ : (أمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة) فأعمال الخير كثيرة جداً، وبعض الناس يبخل على نفسه في بذل الخير الذي يعود نفعه إليه. فهذا كله مما يدل على وجوب الشكر لله جل وعلا، فيشكر الإنسان نعمة الله، وقد سبق أن قلنا: إن أكبر هذه النعم وأعظمها أن جعل الله جل وعلا عبده من المسلمين، فهذه هي أعظم النعم التي يجب على الإنسان أن يشكر الله جل وعلا عليها، ويقوم بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، حتى تبقى نعمة الله عليه؛ لأنه بالشكر تستقر النعم، وبكفر النعمة تزول وتهرب، كما في قصة الثلاثة، فعندما شكر الأعمى أقرت النعمة عنده، وازدادت، وتحصل على الرضا، وأما صاحباه فكفرا النعمة وجحداها، فزالت نعمتهما، وعادا إلى ما كانا عليه، وهذا عذاب عاجل، والعذاب الآجل أشد وأبقى.

стр. 1544

أصل الشكر قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعلم بالنعمة بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضاً، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرضى به وعنه؛ لم يشكره أيضاً، ومن عرفها وعرف المنعم وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها. فلابد للشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له. قوله: (قذرني الناس): بكراهة رؤيته وقربه منهم].

стр. 1545

مسائل باب قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا)
следующие страницы →