Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
شكر النعم
أركان الشكر ثلاثة: الأول: أن يعلم أن النعمة من المنعم، والمنعم هو الله جل وعلا، وأنها فضل منه بلا استحقاق.
الثاني: أن يضيفها إلى المنعم، ويذكرها له، ويشكره بلسانه عليها.
الثالث: أن يستعملها في طاعة الله جل وعلا، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، فالعمل من الشكر، وكذلك من العمل: الثناء، ومنه قبل ذلك: أن يعلم أنها من الله، فكل نعمة ينعم الله جل وعلا بها على عبده يجب أن يقوم بهذه الأمور الثلاثة حتى يؤدي شكر الله عليها، وحتى تستقر، وواضح في الحديث السابق أن شكر النعمة يقتضي استقرارها وزيادتها، وكفرها يقتضي نفورها وذهابها، ومع ذلك يعذب؛ لأنه كفر، والكفر أصله مأخوذ من التغطية؛ ولهذا يسمى الزارع حارث الأرض كافراًً؛ لأنه يغطي البذر في الأرض، وإذا غطاه قيل: كفره، إذاً: أصل الكفر التغطية، فإذا غطى نعمة الله فهو كافر لها، وأعظم النعم التي يجب أن تبرز وتظهر ويعمل بها: عبادة الله جل وعلا، ثم يتبع ذلك سائر النعم، وعبادة الله هي الأصل في هذا، فإذا آمن الإنسان بالله جل وعلا وعبده، فهذا يقتضي أن يشكره على كل نعمة من نعمه، وقد يكون كفر النعمة داعياً إلى الكفر الأكبر، فقد يكون سبباً إلى ذلك، كما حصل لهؤلاء الاثنين اللذين جحدا وكفرا نعمة الله، فعاقبهما الله جل وعلا في العاجل قبل الآخرة، وما أعده الله جل وعلا لهم في الآخرة أعظم وأشد.
стр. 1542
ابتلاء الله تعالى لعباده
هذا الابتلاء ليس المقصود به ذواتهم، المقصود أن يعتبر به غيرهم، أما هم فواحد منهم نجا، والآخران هلكا، وهذا فيه دليل على أن الغالب على الإنسان الكفر؛ لأن الثلاثة شكر منهم واحد، واثنان كفرا، مع قرب العهد، والتذكير بالحالة التي سبقت لهما، وكونهما يعلمان ذلك، فقال لهم: العهد قريب، والمال جاءكم بنعمة الله، وكذلك ما منّ الله جل وعلا به من إزالة المرض وإنعامه بالعافية عليكم، ومع ذلك جحدا هذا، وهما يعلمانه حقيقةً، فهذا يدلنا على أن الغالب على الإنسان هو الكفر، وهذا ظاهر في الناس، فالغالب عليهم الكفر، فيجب على العبد أن يحذر أن يقع في شيء من ذلك، فقد يكون الإنسان مبتلىً بالمال، أو مبتلىً بالجاه، حتى الجاه قد يبتلى به العبد، يكون له جاه عند الناس فيكون له بلوى: هل يستعمل ذلك في طاعة الله أو يغتر بنفسه ويقول: أنا فلان بن فلان، وأنا الذي فيه كذا وكذا؟ فيهلك، فالناس كلهم سواء، ولكن يتميزون بطاعة الله جل وعلا، ومن كان لله أطوع فهو أحب إلى الله جل وعلا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، والابتلاء والاختبار لابد أن يقع ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وآيات كثيرة يخبر الله جل وعلا فيها أنه لابد من البلوى، والبلوى قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، ولكن يكفي بها أن يتبين هل الإنسان شاكر أم كافر، والله جل وعلا كلما أعطى الإنسان نعمة فهي من باب الاختبار؛ ولهذا كان السلف يحذرون هذه الأمور كثيراً، فيقول أحدهم: إذا رأيت الإنسان مقيماً على معصية، ونعم الله عليه متوالية من صحة ومن مال وغير ذلك فإنه يمكر به؛ لأن العادة أن الإنسان إذا كان في النعمة ينسى، ويتمادى فيها، ويفرح بها، ثم يأتيه الأمر بغتة، وهناك لا ينفعه الندم.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن ثلاثة) الحديث أخرجاه أي: البخاري ومسلم.
و (الناقة العشراء) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل.
قوله: (أنتج) وفي رواية: (فنتج) معناه: تولى إنتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة.
قوله: (ولّد هذا) بتشديد اللام، أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: أنتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان وذلك لغيره.
قوله: (انقطعت بي الحبال) بالحاء المهملة والباء الموحدة، أي: الأسباب.
قوله: (لا أجهدك) معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي، ذكره النووي.
وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، وما أديا حق الله، فحل عليهما السخط.
وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها وهي: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب].
стр. 1543
وجوب شكر النعم وقلة الشاكرين
أركان شكر النعمة ثلاثة: الأول: الاعتراف أن الله هو المنعم، والاعتراف مصدره القلب ثم يأتي على الجوارح، فلابد من شكر اللسان وغيره من الجوارح.
الثاني: أن تنسب النعمة إليه ولا تنسب إلى الأسباب.
الثالث: أن يستعمل النعمة في طاعته.
فهذه إذا أتى بها العبد فقد شكر نعمة الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فقليل من عباد الله هم الذين يشكرون الله جل وعلا، وأكثرهم وإن اعترفوا بأن النعمة من الله، فلا يخلو هذا الاعتراف من النظر إلى الأسباب والاعتماد عليها، والاعتماد على السبب نوع من أنواع الشرك، وكونه يعطل السبب ولا يلتفت إليه قدح في الشرع وفي العقل أيضاً، فلابد من السبب، ولكن السبب جعله الله سبباً، وإذا شاء عطله وأصبح مفعوله لا أثر له، وإذا شاء أتى بالموانع.
فعلى العبد أن يستعمل النعمة في طاعة الله جل وعلا، ويتقوى بها على طاعته، وهذا من الشكر، أما إذا تخلف واحد منها فلم يأت الإنسان بالشكر الذي يجب عليه، فيجب على عباد الله أن يشكروه على نعمه، ونعم الله كثيرة جداً، لا يستطيع الإنسان أن يقوم بشكرها، ولكن من رحمة الله جل وعلا أنه يقبل القليل، ويعفو عن الكثير، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة)، والسلامى: المفصل الذي في الجسد، يعني: العظم الذي إذا فصله فاصل انفصل، فهذا يسمى سلامى، وذكر أن في الجسد ثلاثمائة وستين مفصلاً، فيصبح عليه كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة بقدر هذه النعم؛ لأن هذه كلها نعم من الله جل وعلا، ولما استكثر الصحابة هذا وقالوا: كيف يقوم الإنسان بهذه الصدقات الكثيرة؟ قال ﷺ : (أمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة) فأعمال الخير كثيرة جداً، وبعض الناس يبخل على نفسه في بذل الخير الذي يعود نفعه إليه.
فهذا كله مما يدل على وجوب الشكر لله جل وعلا، فيشكر الإنسان نعمة الله، وقد سبق أن قلنا: إن أكبر هذه النعم وأعظمها أن جعل الله جل وعلا عبده من المسلمين، فهذه هي أعظم النعم التي يجب على الإنسان أن يشكر الله جل وعلا عليها، ويقوم بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، حتى تبقى نعمة الله عليه؛ لأنه بالشكر تستقر النعم، وبكفر النعمة تزول وتهرب، كما في قصة الثلاثة، فعندما شكر الأعمى أقرت النعمة عنده، وازدادت، وتحصل على الرضا، وأما صاحباه فكفرا النعمة وجحداها، فزالت نعمتهما، وعادا إلى ما كانا عليه، وهذا عذاب عاجل، والعذاب الآجل أشد وأبقى.
стр. 1544
أصل الشكر
قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعلم بالنعمة بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضاً، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرضى به وعنه؛ لم يشكره أيضاً، ومن عرفها وعرف المنعم وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها.
فلابد للشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له.
قوله: (قذرني الناس): بكراهة رؤيته وقربه منهم].
стр. 1545
مسائل باب قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا)
стр. 1546
حال الإنسان مع نعم الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية].
ليست آية واحدة، بل عدد من الآيات في القرآن تبين جحود الإنسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:٢٠ - ٢١] فهذه حقيقة الإنسان، فأخبر الله جل وعلا أنه إذا أنعم على الإنسان فإنه يتكبر، ويتجافى عن طاعة الله، وينسى الاعتراف بها، وإذا مسه الضر فإنه يكون جزوعاً، وفي هذه الآية أنه ينسبها إلى نفسه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠]، والرحمة عامة تشمل صحة البدن، وتشمل كثرة المال، وغير ذلك من نعم الله جل وعلا، فربما يقول: هذه أنا أستحقها، أو ربما يقول: أنا حصلتها بكسبي وبعملي وبقوتي، فيكون بذلك كافراً بنعم الله، وهذا جاء في آيات كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، وهذا يبين طبيعة الإنسان التي خلق عليها، وجنس الإنسان، وهكذا إلا من استثناهم الله جل وعلا من أهل الإيمان وأهل الطاعة، فهم قد خرجوا من هذا، أما من عداهم فإنه موصوف بذلك.
[المسألة الثانية: ما معنى: (ليقولن هذا لي)؟].
سبق كلام السلف فيها، فمنهم من قال: (هذا لي) يعني: حصلته بكسبي وبقوتي، أو بمعرفتي بطرق الكسب، ومنهم من قال: أي: أنا مستحق له، ومنهم من قال: أي: أنا شريف وأنا حظيظ، فالله أعطاني لشرفي أو لحظي عنده، أو أنا محظوظ عند الله، وكل هذه الأقوال تعود إلى معنى واحد وهو أن ينسب النعمة إليه، ويجحد نسبتها إلى ربه جل وعلا.
[المسألة الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]؟].
(أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) إما أن يكون المعنى: علم صدر مني بوجوه المكاسب ومعرفتها، فأنا أستطيع أن أتصرف وأستطيع أن أعمل كذا، أو يكون المعنى: أن الله علم أني أهل لذلك فأعطاني هذا، إما هذا أو هذا.
стр. 1547
العبر العظيمة في قصة الثلاثة النفر
[المسألة الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة].
يعني: قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى، وملخصها كما سبق: أن الله ابتلاهم، والابتلاء المقصود: هو الاختبار، وعند الابتلاء والامتحان يكرم المرء أو يهان، إما أن يكرم في النهاية أو يهان نتيجة لذلك، فابتلاهم الله وأعطاهم الدنيا، وأعطاهم ما كانوا يتمنونه من صحة في أبدانهم من المرض الذي وقع فيهم، وأعطاهم من المال ما اشتهوه وأرادوه، ثم كثر ونما، وهذا ابتلاء ظاهر جداً؛ لأنه في النهاية أتى إليهم الملك بصورة الشخص الفقير في المرض الذي كان هو فيه، حتى يذكره بذلك، فأتى إلى الأبرص بصورة رجل أبرص فقير، وأيضاً زيادة على الفقر عابر سبيل، وليس معه شيء، فهو في حاجة شديدة جداً، ثم زيادةً على ذلك سأله، وما اكتفى بالحال؛ لأن مثل هذا إذا رآه بعض أهل الخير يكفيه منظره ولا يتركه إلى أن يسأل، ولكن مع ذلك سأله، وسأله بالله وقال: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، وأعطاك المال بعد الفقر، أسألك بعيراً أتبلغ به في سفري هذا، فقد انقطعت بي الحبال أي: الأسباب، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فهو سؤال بإلحاح، وبإظهار الحاجة الملحة، ومع ذلك أبى وقال: الحقوق كثيرة، ولو أعطيتك فيمكن أن أعطي الآخر والآخر ثم ينتهي المال، ولما قال له: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ ألم تكن فقيراً؟ فقال: لا، هذا المال ورثته كابراً عن كابر، يعني: ورثه عن أجداده.
وهكذا بالنسبة للأقرع، وعند كل واحد يقول الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت عليه، وفعلاً صير كليهما إلى ما كانا عليه؛ لأنهما كفرا بالله جل وعلا، ومن كفر نعمة الله عاقبه الله جل وعلا عاجلاً، وهذا هو العذاب العاجل.
أما الثالث فإنه شكر الله، واعترف بالنعمة وقال: كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيراً فأغناني الله جل وعلا، انظر هذا المال، فخذ منه ما تشاء، والله! لا أجهدك في شيء أخذته اليوم لله، يعني: إذا أخذت شيئاً فأنا لا أطلب منك رده أو أن تترك بعضه، بل خذ ما تشاء، وعند ذلك قال له: أمسك عليك مالك، إنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك.
فهذه القصة من الأمور الظاهرة الجلية التي فيها الآيات الذي يعرفها كل من سمعها، والمقصود أن يعتبر بها الإنسان، وكل إنسان لا يخلو من نعم الله جل وعلا.
стр. 1548
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٥]
نعم الله تعالى كثيرة، والواجب تجاه النعم هو الشكر، ومن نعم الله تعالى التي يجب شكرها: نعمة الولد، وشكرها هو القيام بأمر الله تجاهها، ومن ذلك تسمية الولد تسمية لا تعارض الشرع، فلا يجوز أن يعبّد لغير الله أبداً، لأن ذلك كفران لنعمة الله تعالى.
стр. 1549
باب قول الله تعالى: (فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠]].
هذا الباب قريب من معنى الباب الذي قبله؛ لأن المقصود به أن شكر الرب جل وعلا على النعم الظاهرة أمر واجب، وإذا صرف الإنسان النعمة في غير طاعة المنعم فإن هذا يكون إما قدحاً في التوحيد وتنقيصاً له، أو إذهاباً بكماله، إما أن يكون من الشرك الأكبر أو يكون من الشرك الأصغر الذي يقدح في توحيد الإنسان، وفي درجته عند الله، وفي عمله، ولا يخلو منه الناس اليوم وقبل اليوم ودائماً.
стр. 1550
نعمة الولد
وقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) الصالح إما أن يكون صالحاً في البدن وهو الظاهر، أي: ليس فيه عيوب، وليس مشوهاً، وإنما هو مخلوق من بني آدم سوي كامل الخلقة، وسيأتي أن المؤلف استنتج من هذا أن البنت إذا ولدت لإنسان فإنها من نعم الله، ويجب أن يشكر الله عليها؛ لأنها لم تكن مولوداً مشوهاً أو ذاهب العقل أو ذاهب بعض القوى، أو غير كاملة الخلقة، بل هي نعمة من النعم التي يجب أن يشكر الله عليها.
والناس اليوم أقسام في هذا، فمنهم من يعمل أعمالاً منذ أن يعرف أن الزوجة حملت، فيتردد بها على المستشفيات، ويحدث في هذا أموراً غير مشروعة: من كشف العورات، ومباشرة الطبيب للمرأة من غير حاجة، ثم في النهاية إذا ولد المولود يقول: نحن قمنا بالأسباب حتى جاء المولود في الوقت المناسب وعلى الوضع المناسب، وهذا نوع من كفر النعمة، فالطبيب وغيره ليس لهم دخل في هذا، فإن هذا كله من الله.
وقسم أعظم من هذا، ويوجد في بعض المجتمعات الإسلامية وللأسف، فإذا كانت المرأة عاقراً لا يولد لها تذهب إلى قبر من القبور التي يقال عنها: قبور أولياء، ثم تستنجد به وتقول: أريد ولداً، وربما تحمل بتقدير الله جل وعلا وإرادته، فينسبون ذلك إلى هذا الولي، وأنه بواسطة الولي الذي استغاثوا به وطلبوا منه، فهذا من الشرك الأكبر الذي ينافي التوحيد، نسأل الله العافية.
وقسم آخر أقل من هذا، ولكن المقصود أنه إذا ولد للإنسان مولود سواء كان ذكراً أو أنثى، وكان تام الخلقة، صالحاً في بدنه، ليس فيه تغيير في خلقته، فإن هذه نعمة كبيرة يجب على الوالدين أن يشكراها.
وقعت قضية في بعض المستشفيات حديثاً، وفيها عبرة للإنسان الذي يعتبر كان رجل من الناس رزقه الله عدداً من البنات، ثلاثاً أو أقل أو أكثر، وفي الحمل الأخير قال لزوجته: إن أتيت ببنت فأنت طالق! فالمرأة الضعيفة المسكينة ذهبت إلى المستشفى فوضعت، وإذا بالمولود بنت، فصارت تبكي، فسألوها: ما السبب؟ فأخبرتهم، وكان هناك طبيب عاقل، فقال للموظفين: إذا أتى الزوج فأرسلوه إلي قبل أن يرى زوجته أو يرى بنته، فجاء إليه، وكان يوجد في المستشفى مولود ذكر مشوه في خلقه، فأخذه وذهب به إليه وقال: أنت القائل كذا لزوجتك؟ فإن الله قد عاقبك، فتعال وانظر، فذهب به إلى المولود المشوه، فلما رآه صار يبكي كثيراً، فقال الطبيب: هذا عقابك على ما قلت، فقال: لن أعود لمثل هذا، ثم قال له: أما الآن فليس هذا ولدك، ولدك هي بنت صالحة، واحمد الله واستغفر مما وقعت فيه، فصارت موعظة له.
فالمقصود: أن الولد إذا كان صالحاً في بدنه سواء كان ذكراً أو أنثى نعمة كبرى يجب على الأب أن يشكر ربه عليها، وقد كان يمكن أن يكون رأسه رأس كلب، أو يكون له رأسان، أو لا يكون له رأس أصلاً، أو لا يكون له رجل، والحوادث كثيرة في هذا، والإنسان يجب أن يعتبر؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ إذا بشرت بمولود لأقربائها سألت عنه: هل هو صالح؟ هل هو كامل الخلقة ليس فيه عيوب؟ ولا تسأل: هل هو ذكر أم أنثى؟ فإذا قيل لها: نعم، قالت: الحمد لله، أي: الحمد لله على هذه النعمة الكبرى.
стр. 1551
تفسير قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحاً)
قوله جل وعلا: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) آتاهما مثنى، وفي هذه الآية قولان للمفسرين: أحدهما: وهو مشهور جداً، وهو أكثر ما يذكره المفسرون، وبعض المفسرين لا يذكره إلا هو، وهو: أن الخطاب يعود إلى أبوي البشر آدم وحواء، وأن المقصود بذلك آدم وحواء، وذكروا حديثاً رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن آدم ﵇ وزوجه كان يولد لهما مواليد فيسميانهم بعبد الله وعبد الرحمن وعبد الأحد - يعني: يعبدونهم لله جل وعلا- وكانوا يموتون، فأتاهم الشيطان فقال: سمياه عبد الحارث وإلا سأجعل في رأسه قرني أيل -والأيل معروف وهو الوعل- فيشق بطنك أو لا يخرج، فأبيا أن يسمياه بذلك، فولد ميتاً، ثم الثاني كذلك، ثم بعد ذلك أدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث فخرج سوياً)، قالوا: فهذا الحديث يفسر هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: صالحاً في بدنه ليس فيه عيب، وليس له قرون أيل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]، قال الحافظ ابن كثير ﵀: وهذا القول غير صحيح.
وقد صحت الأسانيد عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أنه آدم وزوجه، ولكن يقول ابن كثير: الظاهر أن هذا مأخوذ عن أهل الكتاب، وأما الحديث فعلله ابن كثير بعلل ثلاث: العلة الأولى: أنه من رواية عمر بن إبراهيم، وعمر بن إبراهيم البصري قال أبو حاتم: لا يجوز الاحتجاج به، ولا يجوز الأخذ عنه، فهو ضعيف، ولكن هذا التعليل غير سليم؛ لأنه جاء من رواية غيره.
العلة الثانية: أنه جاء موقوفاً، ويجوز أن يكون المرفوع وهماً من بعض الرواة.
العلة الثالثة: أنه من رواية الحسن البصري، والحسن البصري صح عنه ما يخالف هذا، فقد قال: هذا ليس في آدم، هذا في بني آدم من المشركين، وهذا يدل على أن الحديث لم يصح عنده، إذ لو صح عنده عن النبي ﷺ لما خالفه، والحسن البصري ﵀ معروف بالورع وبالعلم وبالتقى، فلا يجرؤ على مخالفة حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، ثم قال الحافظ ابن كثير: ونحن على مذهب الحسن البصري، وقد برئنا من عهدة الحديث المرفوع، يعني: أنه ضعيف فلا يؤخذ به.
وأما الآثار المروية فيقول: الظاهر أنها مأخوذة عن أهل الكتاب مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما من علماء أهل الكتاب الذين كثر النقل عنهم، وملئت كتب التفسير من أقوالهم، وبعضها مخالف لما في كتاب الله جل وعلا.
القول الثاني: أن المقصود جنس الزوج والزوجة، فهو خطاب لجنس الزوج والزوجة، وهذا هو الأقرب، وهو الصواب والله أعلم؛ لأن آدم ﵇ لا يجوز أن يشرك بالله جل وعلا بعدما وقع فيما وقع فيه من إخراج الشيطان له ووسوسته له، فقد عرفه، فكيف يأتيه ويقول له: أنا أفعل كذا، وأجعل له قرن أيل في بطنك؟ وهل الشيطان يستطيع أن يفعل ذلك؟ وآدم ﵇ أعلم بالله جل وعلا، وأتقى لله جل وعلا من أن يطيع الشيطان في هذا، فلا يجوز أن ينسب هذا إلى آدم، لاسيما على قول كثير من العلماء: إن الأنبياء معصومون، وقد روي أن الرسول ﷺ سئل: هل آدم نبي؟ فقال: (نعم نبي مكلم) أي: كلمه الله جل وعلا، فهو رسول إلى بنيه.
إذاً: المقصود بالآية الزوج وزوجته، ولو لم يقع ذلك بالقول من الزوج؛ لأن الإنسان الذي يؤمن بالله، إذا أحس بأن زوجته قد حملت فإنه يسأل ربه جل وعلا أن يكون ولده صالحاً.
وصلاح الأولاد يشمل أمرين: أحدهما: صلاح الخلقة والبدن والصورة، أي: يكون صالحاً في خلقته وصورته، سليماً من العاهات التي تشوه.
الأمر الثاني: أن يكون صالحاً في دينه وفي فطرته وفي اتجاهه إلى الله جل وعلا.
стр. 1552
حكم تعبيد الأسماء لغير الله
إذا ولد لكثير من الناس مولود قد يعبدونه لغير الله، والتعبيد إما أن يكون ظاهراً بالتسمية، كأن يسميه مثلاً: عبد النبي أو عبد الكعبة، أو عبد علي، أو عبد الحسين، أو ما أشبه ذلك كما هو معروف لمن قرأ في تاريخ العرب، فكثيراً ما نسمع التعبيد لغير الله، ومن الأسماء المشهورة: عبد الدار، عبد المطلب، عبد شمس، عبد اللات، عبد مناة، وهذا كثير جداً، فيعبدونهم إما بالأصنام التي يعبدونها أو بغيرها، فهذا شرك في الربوبية، ويتبعه الشرك في الإلهية، وهذا هو المقصود بالآية، فالله هو الذي تفرد بخلق هذا المولود من نطفة، ثم نقله في الأطوار التي تكون في بطن الزوجة طوراً بعد طور، نطفة ثم علقة -والعلقة هي قطعة دم- ثم مضغة -والمضغة قطعة لحم- ثم بعد ذلك يجعل له الأعضاء والجوف والقلب والعين والرأس وغير ذلك، فهل الزوج والزوجة لهما دخل في هذا أو أحد من الخلق كالطبيب أو غيره؟ هذا كله من الله جل وعلا، فهو الذي يصوركم في بطون أمهاتكم، وهو الذي تفضل بذلك، فإذا ولد المولود سليماً صالحاً فإما أن يعبد تعبيداً ظاهراً لله، أو يعبد للدنيا أو لأمور أخرى، وهذا يصرفه عن عبادة الله جل وعلا، وقد قال الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) كالبهيمة تولد سليمة لا تجد فيها جدعاء، فالعرب كانوا يقطعون آذانها؛ لأنها تولد كاملة الخلقة ليس فيها شيء، ثم يقطعون آذانها.
فالمربي مثل الوالد والوالدة يصرف المولود عن عبادة الله جل وعلا بالتربية، وهذا من كفر النعمة، فمن فعل ذلك فقد قابل النعمة بالكفران، وهذا ذنب عظيم يجب ألا يقع فيه المسلم العاقل، قال جل وعلا: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) يعني: سليماً ليس فيه عيب في خلقته (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) يعني: من المخلوق المولود، فيجعلا لله شركاء بالتسمية، كأن يسمياه مثلاً: عبد الحارث، أو عبد مناة، أو عبد اللات، أو عبد شمس، أو عبد علي، أو عبد الكعبة، أو عبد النبي، أو عبد الحسين، أو ما أشبه ذلك مما هو معروف بين الناس.
فالمعنى: أن هذا مستمر في بني آدم، وليس المقصود به أبو البشر فقط، وهذا القول هو الراجح والله أعلم، وإن كان الشارح ﵀ رجح القول الأول وقال: هو الذي يدل عليه سياق الآية، ولا ينبغي أن يحاد عنه، ولكن هذا اجتهاد منه ﵀، والاجتهاد قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، والظاهر والله أعلم أن القول الثاني هو الصواب، وليس المقصود آدم، وإنما المقصود ذريته، أما التسمية فهي من جنس الزوج والزوجة، وهذا يقع فيه كثير من الناس، وليس المراد آدم وحواء؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجمع هنا؛ لأن المقصود بنو آدم من المشركين الذين يفعلون ذلك.
стр. 1553
ضعف الحديث الوارد في أن المراد بالآية هو آدم وحواء
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد ﵀ في معنى هذه الآية: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا عمرو بن إبراهيم قال: حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره).
وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن إبراهيم.
ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعاً وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه].
هذا من تساهل الحاكم ﵀، فإن عمرو بن إبراهيم ليس على شرط الشيخين؛ ولهذا فإن الترمذي ﵀ مع تساهله قال: حسن غريب، والغريب عنده ضعيف، والحسن ليس من غير هذا الوجه، وكون الحاكم صححه لا يعتمد على تصحيحه، فقد صحح بعض الأحاديث الموضوعة، وهو كما يقول بعض العلماء: لم يحرر كتابه؛ لأنه ذكر في بعض كتبه بعض الرجال وقال: لا تحل الرواية عنهم مثل عبد الرحمن بن عسكر قال: لا تحل الرواية عنه، ومع ذلك روى عنه في المستدرك حديثاً وقال: إنه صحيح! فالمقصود أنه لا يعتمد على تصحيحه ﵀، فلهذا ينظر في ذلك، والصواب ما قاله الحافظ ابن كثير ﵀: فقد خرجنا من عهدة الحديث، يعني: بالعلل التي ذكر كونه بها ضعيفاً، وهي علل قادحة في الحديث.
قال الشارح ﵀: [ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمرو بن إبراهيم به مرفوعاً.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهيل بن يوسف عن عمرو عن الحسن: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن آدم].
وهذه هي العلة الثالثة، وهي كما قال الحافظ ابن كثير: قادحة، فلو صح الحديث عند الحسن لما خالفه.
стр. 1554
الآثار الواردة في تفسير الآية
قال: [وحدثنا بشر بن معاذ قال: حدثني يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصروا.
وهذا إسناد صحيح عن الحسن ﵀.
قال العماد بن كثير في تفسيره: وأما الآثار فقال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولاداً فتعبدهم لله، وتسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: أما إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له غلاماً فسماه: عبد الحارث، ففيه أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] الآية].
كون الشيطان اسمه: الحارث، هذا يحتاج إلى إثبات ذلك عن النبي ﷺ ، وليس في هذا شيء يثبت، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام)، ولو كان الشيطان اسمه الحارث لما قال رسول الله ﷺ هذا، ولا جعل التسمية به جائزة في قوله: (أصدقها حارث)، فيجوز أن يسمي الإنسان ولده حارثاً أو هماماً؛ لأن الحرث هو العمل، والهم هو عمل القلب.
فالذي يظهر أن هذا منقول عن أهل الكتاب كما قال الحافظ ابن كثير، أي: كون الشيطان اسمه الحارث، وكونه كان من عباد الملائكة، فهذا يحتاج إلى إثبات، والله جل وعلا ذكر في القرآن أنه من جنس آخر وليس من جنس الملائكة، والرسول ﷺ أخبر أن الملائكة خلقت من نور، والله جل وعلا أخبر في القرآن أن الشيطان خلق من شواظ من نار، فهو من النار وليس من النور، فأصله من غير أصل الملائكة، وكذلك عمل غير عمل الملائكة، فكونه يسمى الحارث يحتاج إلى ثبوت، وليس هناك شيء يثبت به، وهذا مما يقدح أيضاً في هذه القصة، وليس الحديث دليلاً على أنه الحارث؛ لأن الحديث كما قال الحافظ ابن كثير: ضعيف.
[وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون، أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه لغوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سوياً ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠]].
لو صح هذا لقال آدم: وأنت لا تدري أيضاً، ولا تستطيع أن تعمل شيئاً؛ لأن هذا من صنع الله جل وعلا ومن فعله، فكيف يصدقه آدم ﵇ وهو الذي قد علمه ربه جل وعلا أسماء كل شيء، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً؟! يقول ابن حزم ﵀: الحديث موضوع، والآثار هذه كلها خرافة، هكذا قال في كتاب الفصل في الملل والنحل لما ذكر هذه القصة، قال: هذه خرافة، والحديث موضوع، ولكن ابن حزم ﵀ عنده جرأة في بعض ما يحكم به.
[وذكر مثله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، ورواه ابن أبي حاتم، وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كـ مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وجماعة من الخلف، ومن المفسرين والمتأخرين جماعات لا يحصون كثرة].
وإن كان تلقاه أصحاب ابن عباس عنه، وتلقاه التابعون وأتباعهم عنهم، فلا يخرج هذا عن كونه مأخوذاً من أهل الكتاب، فآدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وعلمه أسماء كل شيء، ثم لما وقع في الخطيئة تلقى من ربه كلمات وتاب عليه، واجتباه وهداه، ثم بعد ذلك يقع في الشرك؟ هذا بعيد جداً، وإن كان الشارح لما ذكر قول ابن كثير قال: هذا بعيد جداً، فالبعيد جداً هو ما صححه الشارح ﵀.
[قال العماد بن كثير: وكأن أصله -والله أعلم- مأخوذ من أهل الكتاب، قلت: وهذا بعيد جداً.
].
стр. 1555
تحريم كل اسم معبد لغير الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب].
هذا قاله ابن حزم في كتابه: مراتب الإجماع، والظاهر -كما قال الشارح- أنه يقصد بالاتفاق الإجماع، والإجماع إذا ذكر، فالمقصود به إجماع من ينضبط إجماعه من علماء الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين القريبين من عهدهم الذين يمكن أن يحصر قولهم، أما بعدما انتشر العلماء في أقطار الأرض فيصعب أن يقول الإنسان: أجمعوا على هذه المسألة؛ لأن الاطلاع على أقوالهم وما قالوه في ذلك صعب، وابن حزم له كتاب اسمه: مراتب الإجماع، ذكر فيه الأمور التي أجمع عليها العلماء، وقد ذكر هذا الكتاب أو جله في أول كتابه المحلى، وهو كتاب مستقل.
وقوله: (اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله جل وعلا، كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب) معنى قوله: أن التعبيد لغير الله محرم، وأنه مجمع على تحريم ذلك، وأنه لا يجوز أن يسمى أحد من بني آدم عبداً لمخلوق، سواء كان المخلوق عاقلاً أو غير عاقل، كأن يكون عبداً للحجر أو عبداً للشجر أو عبداً للكعبة أو عبداً لموضع أو لغير ذلك؛ وذلك لأن هذا من الشرك الظاهر؛ لأن العبودية يجب أن تكون لله جل وعلا، وإذا قيل: هذا عبد كذا، فهذا يعني أنه يعبد هذا الذي أضيف إليه، والعبادة يجب أن تكون لله جل وعلا، ولا يجوز أن تكون لغيره، هذا هو وجه الإجماع على تحريم التعبيد لغير الله جل وعلا.
стр. 1556
حكم التسمي بعبد المطلب
ومعنى قوله: (حاشا عبد المطلب) أن عبد المطلب فيه خلاف، فهو غير داخل في ذلك؛ والسبب في هذا كما قالوا: أن عبد المطلب ليس من عبودية الخضوع والذل، وإنما هو من عبودية الرق، وهو غير تسمية، فلم يسمه أهله بذلك، وإنما توهم ذلك توهماً؛ بسبب أن والده هاشم تزوج من بني النجار في المدينة، فولد له عبد المطلب واسمه: شيبة الحمد، هذا هو اسمه العلم، ويقال: إنه لما ولد وجد في رأسه شعرة بيضاء، فسمي شيبة، فتوفي والده وهو عند أخواله، يقول أهل النسب: إن أخواله قد اشترطوا على أبيه أن تكون الولادة عندهم، فبقي بعدما توفي والده عند أخواله حتى بلغ قريباً من سن الرشد، فأتى إليه عمه المطلب أخو أبيه؛ لينقله إلى أهله وإلى بلده مكة، فأردفه خلفه، وأصابته الشمس فتغير لونه، فلما دخل مكة به رأوه رديفاً له فقالوا: هذا عبد المطلب، ونُسي اسمه العلم، وصار يسمى بذلك، وهذا معنى كلام ابن حزم: فإن مثل هذا الاسم ما قصد للتعبيد.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (أنا ابن عبد المطلب)، وهو جد رسول الله ﷺ ، ووالده هو عبد الله؛ فلهذا أخرجوه عن الدخول في الإجماع، والنظر الواقع أنه لا معنى لإخراج هذا، بمعنى أنه لا يجوز أن يسمى: عبد المطلب؛ لأن المطلب شخص مخلوق، والذي يخرجه عن الإجماع لا يجعله مثل عبد علي أو عبد الحسين أو غير ذلك، وقد كان يوجد في قريش بنو عبد الدار وبنو عبد مناف وبنو عبد شمس، وأخبار قريش معروفة، ولكن هذه كانت في الجاهلية؛ ولهذا يذكر هذا في أنساب الصحابة رضوان الله عليهم.
في الصحيحين أنه قيل لأحد الصحابة: فررتم يوم حنين، فقال: ولكن رسول الله ﷺ ثبت ولم يفر، وقد كان المشركون سبقوهم إلى المكان، وكانوا رماة، فأمطروا عليهم النبل، فهزموا، فركب الرسول ﷺ بغلته، والبغلة لا تركب في الحرب، فجعل يقول: (أنا ابن عبد المطلب، أنا النبي لا كذب)، ويتقدم ويقول (اللهم أنزل نصرك)، وأمر العباس أن ينادي؛ لأنه كان صيتاً فقال: (يا أصحاب سورة البقرة! يا أهل بيعة الشجرة!) فمن سمع صوته حاول أن يرجع، فإن أبى بعيره الرجوع أخذ سلاحه، وألقى بنفسه من على ظهره ورجع، فرجعوا وقاتلوا أمام رسول الله ﷺ ، وفي ذلك اليوم قال رسول الله ﷺ : (الآن حمي الوطيس) ويقال: إن أول من قالها هو ﷺ في تلك الوقعة، والمقصود أن قوله ﷺ : (أنا ابن عبد المطلب) خبر عن شيء مضى ووقع، وكذلك غيره، ولا يدل هذا على جواز التسمية بعبد المطلب.
وقد ذكر ابن عبد البر ﵀ في الاستيعاب: أن أحد الصحابة اسمه: عبد المطلب، لكن هذا غير صحيح، كما ذكره الحافظ بن حجر في الإصابة وغيره من العلماء، والصواب أن اسمه: المطلب، وليس عبد المطلب، ولا يوجد في الصحابة من اسمه: عبد المطلب، وأن الذي سماه عبد المطلب من الرواة قد أخطأ في ذلك، فاسمه: المطلب.
أما ما جاء في صحيح مسلم: أن ابن عبد ركانة طلق زوجته ألبتة، فهذا جاء بالتنوين (ابن عبدٍ)، ولم يأت بالعبودية، وهذا الذي صححه العلماء، فيكون ما استثناه ابن حزم ﵀ لا معنى لإخراجه، فالصحابة اتفقوا على تحريم تعبيد الاسم لغير الله جل وعلا، فكل اسم لا يجوز أن يعبد لغير الله، فيجب أن تكون العبودية لله جل وعلا، وإن كانت هذه العبودية عبودية ظاهرة؛ لأنه لا يلزم إذا سمي عبد الله أن يكون عبداً لله، بل قد يكون عبداً للشيطان، ولكن هذه تسمية أهله، ويجب أن يسميه أهله معبداً لله جل وعلا، ويحرم أن يسموه عبد مخلوق من المخلوقات؛ وهذا لأن الله جل وعلا يقول في هذه الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ [الأعراف:١٩٠] فيكون داخلاً في القصة المذكورة التي وقعت لبعض بني آدم ممن ولد له ولد صالح فجعل لله فيه شركاء بأن عبده لغير الله.
стр. 1557
نسب عبد المطلب وسبب تسميته بذلك
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ابن حزم هو عالم الأندلس أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة، وله اثنتان وسبعون سنة.
وعبد المطلب هذا هو جد رسول الله ﷺ ، وهو ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولا ريب أنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم].
ونسبه إلى عدنان متفق عليه بين أهل النسب ولا خلاف فيه، ولكن منه إلى إسماعيل لا يعلمه إلا الله، ويقيناً أن رسول الله ﷺ هو ابن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكذلك قريش، وأكثر العرب هم بنو إسماعيل؛ لأن العرب ينقسمون إلى قسمين: عرب أصلهم يعرب بن قحطان بن هود من ذرية هود ﵇، وهود عربي، وأنبياء الله أكثرهم عجم غير عرب، والعرب منهم أربعة فقط، وقد جاء هذا في حديث فيه ضعف، ولكن هذا الأمر مشهور.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [حكى ﵀ اتفاق العلماء على تحريم كل ما عبد لغير الله تعالى؛ لأنه شرك في الربوبية والألوهية؛ لأن الخلق كلهم ملك لله، وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده وتوحيده في ربوبيته وإلهيته، فمنهم من عبد الله ووحده في ربوبيته وإلهيته، ومنهم من أشرك به في إلهيته، وأقر له بربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكامه القدرية جارية عليهم ولابد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] فهذه هي العبودية العامة.
وأما العبودية الخاصة فإنها تختص بأهل الإخلاص والطاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] ونحوها.
قوله: (حاشا عبد المطلب) هذا استثناء من العموم المستفاد من (كل)، وذلك أن تسميته بهذا الاسم لا محذور فيها؛ لأن أصله من عبودية الرق، وذلك أن المطلب أخا هاشم قدم المدينة، وكان ابن أخيه شيبة هذا قد نشأ في أخواله بني النجار من الخزرج؛ لأن هاشماً تزوج فيهم امرأة فجاءت منه بهذا الابن، فلما شب في أخواله وبلغ سن التمييز سافر به عمه المطلب إلى مكة بلد أبيه وعشيرته، فقدم به مكة وهو رديفه، فرآه أهل مكة وقد تغير لونه بالسفر فحسبوه عبداً للمطلب، فقالوا: هذا عبد المطلب، فعلق به هذا الاسم وركبه، فصار لا يذكر ولا يدعى إلا به، فلم يبق للأصل معنى مقصود، وقد قال النبي ﷺ : (أنا ابن عبد المطلب)، وقد صار معظماً في قريش والعرب، فهو سيد قريش وأشرفهم في الجاهلية، وهو الذي حفر زمزم، وصارت له السقاية ولذريته من بعده.
وعبد الله والد رسول الله ﷺ أحد بني عبد المطلب، وتوفي في حياة أبيه.
قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه (الدرة السنية في مولد خير البرية): كان سن أبيه عبد الله حين حملت أمه آمنة برسول الله ﷺ نحو ثمانية عشر عاماً، ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمراً لأهله، فمات بها عند أخواله بني عدي بن النجار، والنبي ﷺ حمل على الصحيح.
انتهى.
قلت: وصار النبي ﷺ لما وضعته أمه في كفالة جده عبد المطلب.
قال الحافظ الذهبي: وتوفي أبوه عبد الله وللنبي ﷺ ثمانية وعشرون شهراً، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: وهو حمل، توفي بالمدينة، وكان قد قدمها ليمتار تمراً، وقيل: بل مر بها راجعاً من الشام، وعاش خمساً وعشرين سنة، قال الواقدي: وذلك أثبت الأقاويل في سنة وفاته.
وتوفيت أمه آمنة بالأبواء وهي راجعة به ﷺ إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وهو يومئذ ابن ست سنين ومائة يوم، وقيل: ابن أربع سنين، فلما ماتت أمه حملته أم أيمن مولاته إلى جده، فكان في كفالته إلى أن توفي جده وللنبي ﷺ ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه أبي طالب.
انتهى].
стр. 1558
العبودية قسمان
ذكر الشارح أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية عامة تشمل الخلق كلهم، كما في الآية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وهذا يشمل المؤمنين والكافرين، ويشمل العاقل وغير العاقل، ومعنى هذا: أنهم معبدون، تجري عليهم أحكام الله وأقداره بدون اختيارهم، فهو خلقهم، وتعبدهم بقدره وخلقه وأمره الكوني القدري، فكل مخلوق هو عبد لله بمعنى أنه خاضع له، خاضع للقدر الذي قدره عليه وقضاه، وليس معنى ذلك أن يكون عابداً.
المعنى الثاني: أن يكون عابداً، أي: تصدر العبودية منه، وهذا هو الذي ينفع، وهو الذي كلف به الجن والإنس، أن يكونوا عبيداً لله تصدر منهم العبادة من الخضوع والذل وفعل المأمور واجتناب المحذور، وهذ هي التي يترتب عليها الثواب وعلى تركها العقاب، أما الأولى فيدخل فيها كل مخلوق لله جل وعلا حتى الجمادات من السماوات والجبال والشجر والنجوم وغيرها، فكلها مذللة مسخرة لله جل وعلا، فهي عابدة لقهره وقدره وخلقه وتدبيره.
أما كون الرسول ﷺ أخبر بأنه ابن عبد المطلب، فهذا من باب الخبر الذي وقع وتعارف عليه الناس وانتهى ولا يمكن تغييره، وليس في ذلك إقرار بهذه العبودية.
стр. 1559
خلاف العلماء في حكم التسمي بعبد المطلب
قول ابن حزم ﵀: (حاشا عبد المطلب) بعد قوله: (اتفقوا على تحريم تعبيد كل اسم لغير الله جل وعلا) يعني: أنه لا يجوز أن يعبد مخلوق لغير الله، بأن يقال مثلاً: عبد الكعبة، أو عبد النبي، أو عبد علي، أو عبد الحسن، أو عبد الحسين، أو ما أشبه ذلك، بل يجب أن يعبد لله، وقوله: (اتفقوا) يعني: أجمعوا على ذلك، والإجماع معروف أنه أحد الأصول التي يرجع إليها في إثبات الأحكام، وهو لابد أن يستند إلى دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإخراج عبد المطلب من هذا الإجماع فيه نظر؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب؛ لأن هذا من المحرمات، كما أنه لا يجوز أن يسميه عبد مناف أو عبد الدار أو عبد شمس، وهذه كانت أسماء لأناس من قريش من أقرباء رسول الله ﷺ ، ولكنها أسماء وقعت في الجاهلية، وهي محرمة، وأصبح النسب إليها شيء ثابت لا يغير، فليس عبد المطلب خارجاً مما ذكر ابن حزم.
أما كونه ذكر أنه من باب عبودية الرق، وليس من باب العبادة، فهذا سبب تسميته بذلك، والآن يعرف بعبد المطلب، والمطلب رجل معروف، فلا يطلق عليه عبودية مطلقة، والعبودية لا يجوز أن تكون إلا لله جل وعلا.
стр. 1560
كفالة عبد المطلب للنبي ﷺ وحفره لزمزم
ما ذكر الشارح من حمل الرسول ﷺ وولادته، وكذلك وفاة أبيه ووفاة أمه، هو مختلف فيه بين أهل التاريخ والسير، ولكن من المتفق عليه أنه توفي والده وهو صغير، سواء كان حملاً أو بعدما كان له سنتان وستة شهور أو نحو ذلك، وكذلك والدته اختلفوا في عمره وقت وفاتها، فقيل: إنه بعدما بلغ أكثر من ست سنوات، وقيل: بعدما بلغ أربع سنوات، ومن المعلوم أن الذي كفله بعد وفاة والده هو عبد المطلب، ثم بعد ذلك جعله إلى عمه أبي طالب، وأبو طالب هو عمه، وعبد المطلب هو جده.
ثم ذكر أنه هو الذي حفر زمزم، فكانت زمزم قد دفنت، ولم يعلم أين هي، فحفرها بعدما رأى رؤيا، كما هو معروف، فاستخرجها وصارت تنسب إليه، وصار هو أحق بها، ولهذا صارت سقاية الحاج في ذريته، وإلا فزمزم قديمة جداً، ظهرت بجبريل ﵇ لما وضع إبراهيم ﷺ هاجر أم إسماعيل في ذلك المكان وليس فيه أحد، وولى منصرفاً إلى الشام، تركها مع ابنها وصارت تناديه: يا إبراهيم! لمن تتركنا هاهنا وتذهب؟ وهو لا يلتفت إليها ولا يكلمها، فلما رأت ذلك قالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، فرجعت وقالت: إذن لا يضيعنا الله، وصارت ترضع ابنها حتى نفد ما معها من ماء وطعام، فعطش الابن ثم أدركه الموت، فكرهت أن تنظر إليه وهو يموت، فنظرت إلى أقرب مرتفع إليها وهو جبل الصفا الذي هو أسفل جبل أبي قبيس، فصعدت عليه لعلها ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت وقصدت المروة لتصعد عليه لعلها ترى أحداً؛ لأنها في كرب، فلم تر أحداً، فعلت ذلك سبع مرات، وكانت إذا وصلت الوادي تسعى سعي المجهود، وفي الأخير سمعت صوتاً، فالتفتت ونظرت فلم تر أحداً، ثم قالت: لقد أسمعت فأغث إن كان عندك غوث، فنظرت فإذا برجل عند الصبي، فذهبت إليه وإذا هو جبريل ﵇، فقال لها: لا تخافي فإن هذا الصبي سيبني مع والده بيتاً لله جل وعلا في هذا المكان، فبحث الأرض بطرف جناحه، فنبع الماء، وصار عيناً جارية، فصارت تحجره بالتراب فوقف، يقول الرسول ﷺ : (رحم الله أم إسماعيل، لو تركته لصار عيناً معيناً) يعني: لأصبح عيناً تجري، ولكنها حجرته فاحتجر، فهذا أول مبدأ زمزم، وهذا قديم من زمن إبراهيم ﵇.
والمقصود: أن حفر عبد المطلب لزمزم كان بعد فترة طويلة جداً من وجودها؛ لأنها دفنت لما حصلت الحروب بين جرهم وبين قريش وغيرهم.
ثم إن هذا التعبيد الذي لا يجوز أن يعبد لمخلوق لا يقال: إن الرسول ﷺ أثبت ذلك وقال: (أنا بن عبد المطلب)؛ لأن هذا من باب الخبر عن شيء واقع ماضٍ ولا يمكن تغييره، وهو من باب النسب، والنسب ذكر في النص على ما هم عليه في أنسابهم.
وأما قوله كما في صحيح البخاري: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة) فهذا ليس إقراراً لعبودية الدينار والدرهم والخميلة والخميصة ولكنه إنكار لذلك، وإخبار بأنه ستناله التعاسة والشقاء، فلا يكون دليلاً على أن الإنسان يعبد لغير الله جل وعلا؛ لأن هذا خرج من باب الذم والتحذير، كما أنه وصف لمن يقوم به، فالذي يعبد الدينار والدرهم لا يسجد له ولا يركع له ولا يدعوه، ولكنه يعمل من أجله، فيكون عمله له، فلهذا سمي عبداً له.
فالمقصود: أن هذا من باب الذم والتحذير من هذا الفعل، وهو يقع في كثير من الناس، وكثير من الناس يعبد الشيطان فضلاً عن عبادة الدرهم والدينار.
ولا يجوز أن يُعبّد المخلوق لمخلوق، بل يجب أن تكون العبودية لله مطلقاً.
قوله: (حاشا عبد المطلب): هذا استثناء من العموم، وذلك لأن تسميته بهذا الاسم لا محذور فيه؛ لأنه مأخوذ من عبودية الرق، والمعنى: أن (عبد المطلب) لم يتفقوا على أنه من التعبيد المحرم، وليس معنى ذلك أنه جائز، بل المعنى: أن فيه خلافاً؛ لما ذكر أن السبب في التسمية هو أنها من باب عبودية الرق، كما ذكر أنه قدم به من المدينة مردفاً له خلفه على راحلته وقد أصابته الشمس وتغير لونه، فظنوا أنه مملوك أو أنه اشتراه، فقالوا له ذلك، ثم نسي اسمه (العلم)، وهو (شيبة)؛ وقد سمي بذلك لأنه لما ولد وجد في رأسه شعرة بيضاء فسمي: شيبة.
وقد ذكر بعض العلماء: أن في الصحابة من اسمه عبد المطلب ولكن هذا غير صحيح، والصواب: أن هذا خطأ ممن نقله، والصواب: أنه المطلب، ففيهم: المطلب بن حاطب بن حنظل، أما عبد المطلب فليس موجوداً، أي: ليس في الصحابة من اسمه: عبد المطلب.
أما ما جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي طلق زوجته ألبتة فسمي: (عبد ركانة)، فهو ليس هكذا بالإضافة وإنما هو بالتنوين، فلا يكون من باب العبودية.
стр. 1561
بيان أن قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحاً) ليس المراد به آدم وحواء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ في الآية قال: (لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعونني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه: عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ((جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)) [الأعراف:١٩٠]) رواه ابن أبي حاتم.
وله بسند صحيح عن قتادة قال: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته).
وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] قال: أشفقا ألا يكون إنساناً.
وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما].
هذه القصة كما ذكر أنها رويت عن السلف، ويكون على هذا تفسير الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: آدم، ومعلوم أن الله جل وعلا خلق آدم من التراب كما ذكر لنا ربنا جل وعلا، وهذا جاء كثيراً في القرآن، وهو أمر مقطوع به، ومما يعجب له الإنسان وهو من أعجب العجب: كون الكثير من أبناء المسلمين يتركون ما ذكره الله جل وعلا مع ظهوره ووضوحه، ويأخذون بنظرية يهودي خبيث حانق على الإسلام وعلى أهله، ويريد أن يفسده، فيأتي بنظرية من أغرب ما يكون، فيقول: إن الإنسان أصله قرد، ثم إنه تطور؛ لأن الخلق يتطور شيئاً فشيئاً إلى آخره! فهذا كفر من الإنسان الذي يعرف هذه الأشياء ويعلمها ثم يقول ذلك، وهذا كفر بالله جل وعلا.
فالمقصود أن قوله: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا) يعني: جامعها، والضمير يعود إلى آدم وحواء، (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) يعني: أنها حملت بالولد فأصبحت لا تحس به لخفته، (فَمَرَّتْ بِه) يعني: استمرت به ومشت به ومضت وقتاً، (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) يعني: كبر ابنها في بطنها وصار له ثقل: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا) يعني: آدم وحواء، (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا) يعني: رجلاً سوياً على صورتهما، (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) * (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء) يعني: أنهما سمياه عبد الحارث، وهذا تفسير باطل، ولا يجوز أن يعتقد، ولا يجوز أن يكون هو معنى كلام الله جل وعلا، وإن روي بهذه الأسانيد وقيل: إنه صحيح.
ولهذا يقول ابن حزم ﵀ في كتابه (الفتن): هذه خرافة موضوعة وضعها بعض الزنادقة من أهل الكتاب عن المسلمين، وهذا أمره واضح، وذلك أن آدم ﵇ نبي كريم، وقد وقع فيما وقع فيه من الخطأ والمعصية التي واقعها في الجنة قبل هذه الحادثة على تقدير ذلك لما وقعت من آدم، والله جل وعلا أخبر أنه نسي العهد الذي عهد إليه في الشجرة، وجاءه الشيطان وصار يقسم له بالله: إنه له ناصح، وما كان يعتقد أن أحداً يقسم بالله وهو كاذب، ولهذا لما تبين له الخطر رجع إلى ربه وتاب وأناب، وهو أمر قدره الله عليه جل وعلا ولابد من مضيه فتاب من فعله، ثم أهبط فكيف يأتيه الشيطان مرة أخرى وهو في الأرض؟! ثم مع ذلك يقول له: (أنا صاحبكما الذي أخرجتكما)، هل هذا يعقل؟! لو قال هذا لكان آدم رجمه، وهذا لا يدعو إلى أنهم يطيعونه، وليس الولد داع إلى أن يشرك بالله جل وعلا أبداً، وآدم رسول لا يمكن أن يطيع الشيطان ويعمل ذلك.
فالمقصود: أن هذا باطل، ولا يجوز أن يكون معنى كلام الله جل وعلا، وإنما معناه الصحيح: أن هذا جنس الرجل والمرأة من بني آدم، ومعلوم أن المولود يولد من ذكر وأنثى، فهو من جنس الناس الذين يشركون، وأما هذا المخلوق الذي هو الرجل والمرأة مع العقل الذي أوتي إياه من الله جل وعلا، وأن الله عهد إليهم بأن يعبدوه، ومنّ عليهم بأن خلق لهم زوجاً وقد خلقهم من نفس واحدة، كلهم خلقوا من نفس واحدة، وهذا له نظائر في القرآن: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، فهو يذكر ما منّ به على الزوج والزوجة، حيث إنه جعل من رحمته الرحمة بينهما والألفة بالزواج، ثم منّ عليهم بالأولاد، ثم هذه النعمة التي يعطيها الله جل وعلا إياهما يشركون بها، وهذا لا يجوز أن يقع من نبي وإنما يقع من بعض المشركين والجهلة، فالمقصود به جنس الزوج والزوجة، أي: الجنس غير المعين، الذي وقع منهم ما وقع فلما حصل لهم ذلك وتغشى الزوج زوجته فحملت فأثقلت، دعوا الله -الزوج والزوجة-: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠].
شركاء في أي شيء؟ شركاء بأن عبّدوه لغير الله، وعلموه أن يعبد اللات والعزى، أو يعبد الحجر والشجر، أو يعبد غير ذلك، مع اعترافهم بأنه هبة من الله، وأنه لا دخل لهذه المعبودات التي يعبدونها في تكوينه وخلقه وإيجاده.
هذا هو الصواب في معنى الآية الذي ينبغي أن يكون عليه.
أما هذه الرواية التي رويت عن السلف فيظهر أنها مأخوذة من أهل الكتاب، وما جانا عن أهل الكتاب وهو مخالف لما عندنا مما جاء به رسولنا ﷺ فلا يجوز أن نصدقه، ولا أن نقبله، فضلاً عن أن يكون هو معنى كلام ربنا جل وعلا.
أما أن يقال: كيف يقوله قتادة ومجاهد بل وروي عن ابن عباس ويكون باطلاً؟ هل يعقل هذا؟! فنقول: ولهذا قال طائفة من العلماء: هذا هو الصواب؛ لأنه روي عن هؤلاء السلف وهم الذين قالوا به، ولكن نقول: إذا كان هذا ثابت عن أهل الكتاب فإن الراوي يخرج من العهدة إذا ذكر ذلك، وليس ذلك تعييناً؛ والخطأ يجوز على كل إنسان ما عدا رسول الله ﷺ ، والأنبياء بعد النبوة معصومون من الوقوع في الشرك، وهذا شرك، وباتفاق العلماء: أن الأنبياء معصومون من الوقوع في الشرك، وآدم منهم، فلا يجوز أن يقع ذلك منه.
وأيضاً: إن الشيطان طلب منهم أن يسموه عبد الحارث، وهذا يحتاج إلى دليل، وهل اسم الشيطان (الحارث)؟ وإذا كان معروفاً فهل يعقل أن آدم يعرف أنه الحارث ويأمره الشيطان بأن يسمي ابنه عبداً له فيطيعه؟! هذا لا يجوز أن يعتقده مسلم، فيجب أن يقدر آدم ﵇؛ لأنه نبي ينزه عن مثل هذا، وإنما هذا يقع لبعض المشركين الجهلة من بني آدم وهذا يحتاج إلى دليل لكون الشيطان هو الحارث وأن اسمه الحارث، وأنه كان من العبّاد وكان يسمى بذلك، والدليل على أنه لم يثبت: أن الرسول ﷺ قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام)؛ لأن الحارث هو العامل، والهمام هو الذي يهم، وأفضل الأسماء ما عبّد أو حمّد، وأصدقها حارث وهمام.
فهل يمكن أن يقول الرسول ﷺ : أصدقها حارث وهو اسم الشيطان؟ لا يمكن، بل كان الرسول ﷺ يغير الأسماء التي فيها مخالفة شرعية ولو كانت لجماد وحيوانات.
стр. 1562
الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة
قوله: [وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته].
هنا نحتاج إلى معرفة الفرق بين الطاعة والعبادة، والشرك في الطاعة والعبادة.
الشرك في الطاعة قد يكون شركاً في العبادة التي تتضمن الذل والخضوع، وقد لا يكون شركاً في العبادة؛ وذلك لأن الإنسان قد يطيع ظالماً معتدياً في أمره، إما خوفاً من سطوته أو غير ذلك، أو لرغبة في أمر من أمور الدنيا وهو يعرف أنها معصية، فتكون طاعته معصية وهي نوع من العبادة، ولكن ليست كالعبادة التي تتضمن الذل والخضوع والتعظيم؛ لأن هذه أركان العبادة: (أن يطيع ذالاً خاضعاً معظماً خائفاً راجياً).
ثم كذلك: نحن ندرك أن هذا يطيع هذا وقلبه كاره له مبغض له، ويطيعه في أمر لا يجوز أن يطيعه فيه، فيكون القلب غير عابد له بل قد يلعنه في قلبه، بخلاف الذي يطيع رب العالمين.
أما طاعة الرسول ﷺ ، أو طاعة من يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته، فهذه لا تسمى طاعة عبادة، ولا تسمى عبادة لمن أمر، وإنما يطاع لأنه جاء بأمر الله.
قال الشارح ﵀: [قال شيخنا ﵀: إن هذا الشرك في مجرد تسمية لم يقصد حقيقتها، وهو محمل حسن، يبين أن ما وقع من الأبوين من تسميتهما ابنهما عبد الحارث، إنما هو مجرد تسمية، لم يقصدا تعبيده لغير الله.
وهذا معنى قول قتادة: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته].
هذا لا يكفي في تبرير هذه الحكاية، وكونه شركاً في الطاعة وليس شركاً في العبادة؛ لأن الشرك في الطاعة شرك، ولا يجوز أن يقع من نبي من الأنبياء، ولو كان مثل هذا وقع لذكر الله جل وعلا التوبة، وأنه تاب منها؛ لأنه لا يجوز أن يقر عليها.
стр. 1563
مسائل الباب
стр. 1564
تحريم كل اسم معبد لغير الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل:- المسألة الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله].
وهذا كما يقول ابن حزم: اتفقوا على هذا.
يعني: لا يجوز أن يعبد الإنسان لغير ربه جل وعلا، فكل اسم فيه عبودية لغير الله يجب أن يغير، والذي فعل ذلك ارتكب محرماً؛ لأن هذا من الشرك الظاهر.
[المسألة الثانية: تفسير الآية].
وقد مر تفسير الآية.
[المسألة الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها].
يعني: أنه شرك طاعة وليس شرك عبادة، وقد عرفنا ما فيه.
стр. 1565
البنت السوية نعمة من نعم الله
[الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم].
وهذا مأخوذ من القصة نفسها، أي: من أنه يخشى أن يخرج المولود في غير صورة الإنسان، بل يجوز أن يخرج رأسه رأس حيوان أو له قرون أو مشوهاً أو ناقصاً أو زائداً، وقد شاهد الناس أشياء كثيرة من هذا القبيل، فإذا ولد للإنسان بنت خلقتها تامة وسوية فهي من النعم التي يجب عليه أن يشكرها.
لماذا يقول هذا؟ لأن كثيراً من الناس لا يرضى بالبنت، ويرى أنه إذا ولد له بنت فقد أصيب بمصيبة، وهذا ورثوه من الجاهلية الذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]، مع أنهم -قبحهم الله- يجعلون الملائكة بنات الله، تعالى الله وتقدس، فهم يأنفون من أن تكون لهم الإناث وينسبون الإناث لله تعالى الله وتقدس، وإذا بشر أحدهم بالأنثى تصير هذه حالته: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٩] يعني: أنه إذا بشر أنه رزق بنتاً ينحرف من الناس ويذهب حتى لا يعير بذلك؛ لأنه بشر بأمر سيئ، ثم يصبح يفكر في نفسه ماذا يصنع: هل يمسكها على هون، أي: على إهانة وازدراء واحتقار يحتقرها ويهينها، أم يأخذها ويدفنها في التراب حيةً كما كانوا يفعلون؟ وهذا من الإجرام نسأل الله العافية.
فمثلاً: قد تولد له بنت وعنده شيء من هذا الإرث القبيح؛ لأن البنت نعمة من النعم، وقد تكون البنت خيراً من الذكر، وأفضل وأصلح وأحسن وأبر، وكذلك قد تكون أنفع للإنسان من الذكر، ثم إذا احتسب ورباها وأنفق عليها وعلمها وأدبها يعظم له الأجر مما لو قام على ابنه.
إذاً: آدم ﵇ جعل هبة البنت للإنسان من النعم التي يجب أن يشكر الله عليها، فيجوز أن يكون المولود مشوهاً أو يخرج بصورة حيوان، أو مجنوناً لا عقل معه، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ إذا بشرت بمولود من أقاربها سألت عن خلقته: هل خلقته سوية؟ فإذا قالوا: نعم، قالت: الحمد لله على نعمته، ولا تسأل: هل هو ذكر أم أنثى؟ والإنسان يجب عليه أن يعتبر من حالة الجاهلية وحالة الكفار، ويحمد الله جل وعلا حيث عافاه من ذلك، فهي منة عليه منّ الله جل وعلا بها، أن جعله مسلماً سالماً من الشرك والكفر، ومن الظلم الذي يكون في المولود، الذي هو من أعظم الظلم، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] يعني: أنها تسأل أولاً -لعظم الأمر- فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ يسألها الله جل وعلا، فتقول: لا ذنب لي، طفلة صغيرة، لا تأكل ولا تعرف شيئاً، وهذا من أعظم الجهل، وأكبر الظلم، وقد كان من العرب من يفعل هذا خوفاً من العار، وخشية أن تزني بنته أو تسبى ويأخذها أعداؤه، وطائفة منهم تفعل ذلك خوفاً من الفقر، فكله جهل وظلم، وما جاء في سنن الدارمي في ذكر الحديث المتقدم يقول: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أخبرني عن أمر لقد أهمني وأغمني، فقال: نعم.
قال: إنه كان لي ابنة، فلما سمعت الإجابة - يعني: أنها كبرت قليلاً- دعوتها يوماً فكانت لدعوتي سعيدة - يعني: أجابته بسرعة - يقول: فأخذت بيدها وذهبت بها إلى بئر بعيدة عن البيوت.
يقول: فألقيتها في البئر، فآخر ما سمعت من كلامها أنها قالت: يا أبتاه! فذرفت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له الحاضرون: ويلك أحزنت قلب رسول الله ﷺ ، فقال: دعه يسأل عما أهمه) فكيف تطيب نفسه يلقي بنته في هذا البئر؟ لولا الشيطان والأوضاع التي كانوا عليها ما فعل، ورحمة الله على الإنسان الذي عافاه الله من السوء؛ لأن السوء هو الذي يكون ظاهراً جلياً، وقد يزين لبعض النفوس فيصير حسناً.
[المسألة الخامسة: ذك السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة].
стр. 1566
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٦]
إن من التوسل والتقرب إلى الله أن يكون بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وذلك بعد إثباتها والإيمان بها، وعدم الإلحاد فيها، فإنه قد حذر الله من الإلحاد في أسمائه وصفاته -بأنواعه المختلفة التي ذكرها العلماء- وأمر بتوحيده.
стр. 1567
باب قول الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ (يلحدون في أسمائه): يشركون، وعنه: سموا اللات من الإله والعزى من العزيز، وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها].
هذا الباب في قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
ويقصد المؤلف بهذا أن يبين أن التوسل يجب أن يكون بأسماء الله جل وعلا وصفاته، ولا يجوز أن يكون التوسل بمخلوق من المخلوقات، وأن عبادة الله جل وعلا تكون بأسمائه التي أمر أن يدعى بها.
وفيه أيضاً: التحذير من الإلحاد في الأسماء والصفات؛ لأنه نوع من الكفر الذي قد يكون منافياً للتوحيد إذا كان إلحاداً بأسماء الله جل وعلا، والإلحاد أنواع كما سيأتي، وقد يكون أقل من ذلك فيكون منافياً لكمال التوحيد، فالإنسان لا يخلو من أن يكون موحداً وسالماً من الإلحاد فيكون مرتكباً لهذا الأمر وداعياً لله جل وعلا، وعابداًَ له بأسمائه وصفاته، مكملاً لتوحيده، أو يكون عنده نقص، إما بجهل أسماء الله جل وعلا وصفاته التي يجب أن يعبد بها، أو عنده شيء من الإلحاد في أسمائه وصفاته، فيكون ذلك تركاً لما هو واجب من التوحيد، أو ترك ركن منه فيكون ناقص التوحيد.
أراد المؤلف ﵀ هنا أن يبين ما يجب على العبد في هذا، وبالإضافة إلى أن الله جل وعلا جعل توحيده بأسمائه وصفاته نوعاً من أنواع التوحيد، لكن الظاهر هنا أنه يقصد بذلك توحيد العبادة؛ لأنه قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، والدعاء يقصد به العبادة، والعبادة هي التوحيد، فلا تكون عبادة شرعية نافعة إلا إذا كانت توحيداً.
أي: خالصة لله جل وعلا، ليس فيها شيء لغيره.
стр. 1568
معنى قوله: (ولله الأسماء الحسنى)
وقوله: (ولله الأسماء الحسنى) الجار والمجرور قدم على ذكر الخبر؛ ليبين أن هذا خاص بالله جل وعلا.
والحسنى: هي التي بلغت الغاية في الحسن، ومعنى حسنى: أنها كملت في معانيها ومدلولاتها، وأنها سلمت من النقص والعيب، فلا يلحقها نقص ولا عيب، وهذا بخلاف أسماء المخلوقين.
стр. 1569
معنى قوله: (فادعوه بها)
وقوله: (فادعوه بها) أمر من الله جل وعلا أن ندعوه بأسمائه الحسنى.
وكيف ندعوه؟ يعني: أن تكون دعوته بها، وهذا يكون في كل مطلب بما يناسبه، إذا كنت تطلب المغفرة فتدعوه باسمه الغفار والغفور، وإذا كنت تطلب الرحمة فادعه باسمه الرحيم والرحمن، وإذا كنت تطلب الرزق فادعه باسمه الرزاق والجواد والكريم، وهكذا في كل شيء تدعو بالاسم الذي يناسبه، وهذا معنى دعائه بها.
فكذلك كل أمور الإنسان يجب أن تكون ملتمسة ومقترنة بهذه العبادة.
يعني: أن يعبد الله بأسمائه.
فمثلاً: إذا أراد عملاً من الأعمال يقول: باسم الله.
يعني: أستعين بهذا الاسم الكريم، سواءً كان يأكل أو ينام أو يعمل عملاً من أمور الدنيا أو غيرها، وقد يكون هذا واجباً في بعض الأفعال، مثل الذبيحة، فإذا أردت أن تذبح ذبيحة فيجب أن تسمي وتذكر اسم الله، وهذا نوع من عبادة الله وذكره بأسمائه الحسنى.
وكذلك عند الأكل وغيره فهو داخل في الأمر، فكل أفعال الإنسان التي يكون فعلها طاعة، يجب أن تكون مكتملة بدعاء الله جل وعلا باسمه، سواء قصد بالدعاء جلب نفع أو استعانة، أو تقرب إليه جل وعلا بالذبيحة، أو فعل شيء مباح كالأكل والدخول والمشي والجلوس وأعمال الدنيا، وغيرها، فحياة الإنسان لا تنفك عن هذا الأمر، ولكن يجب أن يكون متنبهاً له وقاصداً له؛ لقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ومعنى ذلك: أن هذه العبادة لا ينفك المؤمن عنها في حال من الأحوال، فدائماً تكون معه، ويجب أن يتنبه لهذا ويقصد ذلك ويريده حتى يثاب عليه، وبعضها يكون واجباً، وبعضها يكون مندوباً.
стр. 1570
معنى قوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه)
وقوله جل وعلا: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه): (ذر): اترك.
أي: اتركهم، ولا يهمك أمرهم فإنهم صائرون إلى الله فمجازيهم بما يستحقونه، وليس معنى ذلك أنهم لا يكلمون ولا يدعون إلى الحق ويحذرون من الباطل، بل يؤخذ من هذا: أنهم لا يجادلون في إلحادهم، ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم يقطعون مجادلة الملحدين الذين يلحدون في أسماء الله، بل وينهون عن ذلك أشد النهي؛ لأن هذا فيه نصر لإلحادهم، وفيه إقرار لهم على ذلك، وقد يكون في مجادلتهم ومسالمتهم فتنة لغيرهم ممن يسمع ولا يتخلص من الشبه التي يلقونها، فإذا تركوا كان ذلك مدعاة لأن يموت مذهبهم ويهجر.
فقوله: (وذروا الذين يلحدون) يفهم منه: التهديد والوعيد.
(يلحدون في أسمائه): الإلحاد: هو الميل والعدول عما قصد بها، وهو مأخوذ من اللحد، ومنه لحد القبر؛ لأنه يحفر مائلاً عن سمت الحفرة إلى جهة القبلة حتى يوضع به الميت، فيسمى لحداً من هذه الناحية.
стр. 1571
أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته
والإلحاد في أسمائه جل وعلا أنواع، منه:
стр. 1572
تحريف معانيها
أولاً: تحريف معانيها؛ وهو ما يسمونه بالتأويل، مثل أن يقول: (يد الله): نعمته، (استواء الله): استيلاؤه، (علو الله): قهره، وهكذا، فهذا من الإلحاد في أسمائه جل وعلا، وهو داخل في التعطيل الذي هو أعم من هذا كله.
إذاً الإلحاد يكون في تعطيلها عن معانيها وتحريفها عما قصد بها من المعاني التي دلت عليها.
стр. 1573
اشتقاق بعض أسماء المخلوقات منها
ثانياً: أن يشتق منها أسماء لبعض المخلوقات، كتسمية الحجر -مثلاً- أو الشجر، أو القبر أو غيره باسم (إله)، (فالإله) يجب أن يكون لله وحده، والتأله لله وحده فقط، فتسمية مخلوق (إله) من الإلحاد.
وكذلك الكفار ألحدوا في أسمائه حيث سموا بعض معبوداتهم بأسماء أخذوها من أسماء الله، مثل: اللات أخذوها من (الإله) أو من (الله)، و (العزى) أخذوه من (العزيز) ولعلهم أنثوها باعتبار أنها آلهة، ومعروف أن التأنيث يدل على الضعف والرخاوة والليونة والميوعة؛ لأن اسم المؤنث هكذا يكون، ولا يدل إلا على النقص، وكذلك قولهم: (مناة) مأخوذة من (المنان)، فهذا نوع آخر من الإلحاد.
يعني: أن يشتق أسماء لبعض المخلوقات من أسمائه جل وعلا، فهذا نوع من الإلحاد؛ لأن أسماء الخالق كلها لله جل وعلا، ومعانيها كاملة وهي حسنى.
стр. 1574
تسميته ووصفه جل وعلا بما يتنزه عنه تقدس وتعالى
ثالثاً: أن يسمى جل وعلا بما يتعالى ويتقدس عنه، كتسمية النصارى له (أب) تعالى الله وتقدس، وكذلك الفلاسفة يسمونه (علة موجبة) أو (علة فاعلة) أو يسمونه (عقل فعال) أو ما أشبه ذلك من التسميات الباطلة، وهو نوع من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا.
رابعاً: أن يوصف بالنقص الذي يتنزه عنه جل وعلا، كما يقول اليهود لعنهم الله: (يد الله مغلولة) ويقولون: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ويقولون: إن الله لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام وانتهى من الخلق تعب واستراح تعالى الله وتقدس، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] يعني: من إعياء وعجز نفياً لما قاله هؤلاء الخبثاء قاتلهم الله، فهذا من الإلحاد في أسمائه وصفاته جل وعلا.
стр. 1575
الفرق بين الاسم والصفة
وقوله: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه).
أولاً: أسماء الله جل وعلا لم يذكر أنها محصورة في عدد معين، والحديث الذي سيأتي لا يدل على هذا، وإنما ذكر أن له الأسماء الحسنى، والتي ذكرها الله جل وعلا في كتابه، وذكرها الرسول ﷺ عن ربه جل وعلا مخبراً بها عنه، فكل ما ثبت أنه اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله فإنه يسأل بها.
والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم يدل على الذات، فمثلاً: الرب يدل على ذاته المقدسة التي تتصرف في كل شيء والله كذلك، والرحمان والرحيم.
أما الصفة فهي المعنى الذي يقوم بالذات، مثل الرحمة، فالرحمة معنى قائم بالله جل وعلا دل عليها الاسم الذي هو الرحمن أو الرحيم.
هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: أن الأصل الصفات، والأسماء مشتقة من الصفات، فكل اسم مأخوذ من صفة، فالرحمن مأخوذ من الرحمة، والله مأخوذ من التأله، والرب مأخوذ من التربية والقيام على المخلوق بما يرضي الله، والعزيز من العزة وهكذا، فهذا هو الفرق.
إذاً: الفرق الأول: أن الاسم يدل على المسمى وعلى الذات التي وضع لها هذا الاسم، وأما الصفة فهي المعنى القائم بالموصوف.
الفرق الثاني: أن الأصل هي الصفات والأسماء مشتقة من الصفات، وليس العكس كما يتوهم بعض الناس فيجعل الأسماء هي الأصل والصفات مشتقة، فهذا خطأ، بل الأصل الصفة، وهذا معنى قول العلماء: إن أسماء الله مشتقة، أي: أنها مأخوذة من معان قامت في الرب جل وعلا.
стр. 1576
حكم إنكار الصفات
والصفات كثيرة جداً، وإنكارها ضلال وجهل.
ومن الجهل الوقوف على ظاهر النصوص بدون تأمل للمعنى، كما وقع لـ ابن حزم ﵀ فأنكر أن يكون لله جل وعلا صفات وقال: هذا كله من كلام المتكلمين الذي لا يدل إلا على الانحراف والشك والباطل.
وقال: جاء في بعض النصوص كما ثبت في الصحيح من حديث الرجل الذي كان يؤم أصحابه فيقرأ سورة ثم يختم بـ (قل هو الله أحد) ويردد ذلك، فلما سألوه؟ قال: إنها صفة الله وأحبها، فلما سئل الرسول ﷺ عن ذلك؟ قال: (حبك إياها أدخلك الجنة)، قال: هذا يثبته وما عدا ذلك فلا؛ فيقال له: هل الرحمن يدل على معنى أو لا يدل على معنى؟ لابد من أنه يدل على معنى.
فما هو المعنى الذي يدل عليه؟ الرحمة، وكذلك العليم يدل على العلم، والحليم يدل على الحلم، والكريم يدل على الكرم وهكذا، فيقال: هذه المعاني التي دلت عليها هذه الأسماء هي الصفات، وهي التي يسأل الله جل وعلا ويدعى بها كالأسماء تماماً لا فرق، ثم إن معنى كونها مشتقة: أنها أخذت من هذه المعاني وأنها دلت على معانٍ عظيمة، والعلماء قسموها إلى قسمين: متعدٍ ولازم، والأفعال في لغة العرب إما أن تكون متعدية أو تكون لازمة فمثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا يسمى لازماً؛ لأنه يدل على الاستواء على العرش فقط، ومثل هذا يجب أن يؤمن به وبالصفة التي دل عليها وهي الاستواء.
وأما قوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
فهنا (خلق) اسم فعل يدل على الفاعل، فالخلق فعله الذي هو صفة، وله أثر.
يعني: له شيء يتعدى إليه وهو المخلوق.
(السموات والأرض) أثر الخلق، فهو تعدى بهذا المعنى، فلابد من أمور ثلاثة فيها: إثبات الاسم، والصفة، والأثر.
إذاً: يكون معنى التعدي واللزوم في هذا هو التعدي واللزوم اللغوي.
يعني: إذا قلت -مثلاً- قام زيد، فهذا يسمى لازم، كذلك (جلس)، ولكن إذا قلت: ضرب وأكل وشرب فإن هذا يكون متعدياً، ولابد له من أثر، والأثر هو أثر الضرب، وأثر الأكل، وأثر الشرب، وهذا التقسيم من ناحية المعاني التي يدل عليها الكلام.
وقوله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
يعني: اتركوا، وهذا جاء من باب الوعيد والتهديد، ويدل على توعد الملحدين وتهديدهم، وأنه على المخاطب أن يعرض عنهم، ومعنى الإعراض عنهم: عدم مجادلتهم وعدم الاهتمام بأمرهم، أما دعوتهم والبيان لهم فإنه إذا أمكن فلابد من ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، والدعوة إليه كما سبق لابد منها، ولكن إذا علم أن الإنسان لا يجدي ذلك معه فيعرض عنه، خصوصاً الملحد، فالغالب في الملحد أنه يكون عارفاً، ولكن لا يريده، بل يريد غيره ولهذا أمر بالإعراض عنه.
стр. 1577
معاني الإلحاد في الأسماء والصفات
(وذروا الذين يلحدون) والإلحاد ذكر له ثلاثة معان: الأول: الشرك وإدخال ما ليس منها.
الثاني: جعلها أسماء لبعض المخلوقات.
الثالث: اشتقاق أسماء المخلوقات والأوثان منها.
فهم يأخذون أسماء أصنامهم وأوثانهم منها فهذه معانٍ ذكرها بعض السلف: (الشرك وإدخال ما ليس منها، وجعلها أسماء لبعض المخلوقات، أو جعل بعضها أسماء لبعض المخلوقات).
وبقي من معاني الإلحاد معنيان: الأول: تعطيل معانيها التي دلت عليها وهذا من أعظم الإلحاد.
والثاني: تشبيه معانيها بمعاني المخلوقات، بأن يجعل ما دلت عليه شبيهاً بما دلت عليه صفة المخلوق أو اسم المخلوق.
إذاً تكون معاني الإلحاد خمسة: إلحاد هو عدول بها إلى غير ما وضعت له، وإلحاد بإدخال ما ليس منها فيها، وإلحاد بجعلها أو بعضها أسماء لبعض المخلوقات، وإلحاد يكون في تعطيل معانيها، وإلحاد يكون في تشبيه معانيها بمعاني المخلوقين.
стр. 1578
الشرك في الأسماء والصفات
أما القسم الأول: فالشرك بها، وهو داخل في جميع ما ذكر؛ لأن المشرك معطل ولابد، وكل مشرك معطل وليس كل معطل مشرك، فالشرك في أسماء الله وصفاته: أن يجعل -مثلاً- صفات وأسماء الرب جل وعلا تدل على ما دل عليه اسم مخلوق، مثل أن يقول: إننا لا نفهم من يد الله جل وعلا إلا الجارحة المعروفة لنا، أو يقول مثلاً: لا نفهم من كون الإنسان الذي قال: الله جل وعلا يتكلم إلا أن يكون ذلك صادراً عن فم وعن لسان وعن شفتين وحنجرة وأحبال صوتية وهكذا.
وهذا تشبيه.
وكذلك الصوت فيجب أن يثبت لله في هذا على وجه التوحيد.
يعني: خاصاً به، ولهذا جاء في الحديث: (إن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) وهذا لا يكون في الخلق، وإنما هو خاص بصوت الله، وكذلك جاء: (أن الملائكة إذا سمعوا صوت الله صعقوا وأصابهم الغشي وذهبت عقولهم وسقطوا) وهذا خاص بصفة الله جل وعلا، وليس معنى ذلك أنه يكون عظيماً؛ لأن الإنسان مثلاً لو سمع صوتاً عظيماً -يعني: فوق طاقته- يصعق، وقد ذكر الله جل وعلا عن قوم ثمود لما أخذتهم الصاعقة -الصاعقة هي الصيحة- التي ذكرت في بعض الآيات.
ويقول المفسرون: إن جبريل ﵇ صاح فيهم صيحة بصوته فتقطعت قلوبهم في أجوافهم فسقطوا؛ لأن الإنسان ضعيف.
وصوت جبريل مزعج وعظيم لا يتحمله الإنسان، ولكن ليس هذا هو المقصود في حق صوت الله جل وعلا، فصوته تعالى هو صوت يخاطب به ملائكته ومع ذلك يصعقون، فالمقصود أن قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] يكون هذا في حقه ويكون في وصفه وأسمائه، ويكون أيضاً في أفعاله، فلا يجوز أن تكون أفعاله كأفعال المخلوقين، كما أن أسماءه وصفاته لا تجوز أن تكون كأسماء المخلوقين وكذلك حقه الذي أوجبه على خلقه، وكذلك ذاته المقدسة تعالى وتقدس، وهذا أمر متفق عليه أما بالنسبة للذات، فلا أحد ينازع فيها، ومعلوم أن الأسماء والأفعال والصفات تكون خاضعة للذات؛ ولكنهم يتناقضون.
стр. 1579
إدخال ما ليس من أسماء الله وصفاته فيها
أما الثاني: وهو أن يدخل فيها ما ليس منها، كأن يسميه: (علة موجبة، أو عقلاً فعالاً) أو مثل ما يقول النصارى: (الابن والأب وروح القدس)، وهذا من الإلحاد، وكذلك يلحق بهذا أيضاً أن يوصف بمعنى ينزه تعالى وتقدس عنه، كوصف اليهود له بأنه فقير تعالى الله وتقدس، أو بأنه بخيل تعالى الله وتقدس؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] ولهذا لا تجد يهودياً كريماً أبداً، فكل اليهود من أبخل الناس وأعظم الناس عبادة للمال، لقول الله جل وعلا: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا﴾ [المائدة:٦٤] فهم يصفون الله جل وعلا بالبخل، والصفات التي يرمون الرب جل وعلا بها ينزهون أنفسهم منها: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]، والله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، فكل شيء يحصيه على عباده، فإنه يستمع لهم منذ خلقهم إلى أن يوقفهم في قبورهم، ثم بعد ذلك يبعثهم ثم يعرض عليهم ما كانوا يعملونه ويقولونه، فيقصه جل وعلا عليهم، ولا يخفى عليه شيء، ومع ذلك فكل شيء مسجل حتى لا يكون للإنسان أي اعتذار.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
الصواب في هذا: أن هذا الكتاب الذي يخرج هو كتاب الحسنات والسيئات التي يسجلها الملائكة على الإنسان، حيث يخرج له ويجد فيه كل ما عمل، وهناك يقول الظالمون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، لا يغادر شيئاً، وكل شيء يجده المرء أمامه مكتوباً محفوظاً لدى الله جل وعلا.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود يقول: كنت جالساً عند الكعبة فجاء ثلاثة نفر من المشركين، كثيرة شحوم بطونهم قليل الفقه في قلوبهم، فقال واحد منهم: أترون الله يسمعنا إذا تكلمنا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا سمعنا وإذا خفضنا لم يسمعنا، فقال الثالث: إن كان يسمعنا إذا رفعنا أصواتنا فهو يسمعنا إذا خفضنا أصواتنا، فذهب وأخبر الرسول ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠].
(بلى) يعني: بلى نسمعها، ومع ذلك فالرسل -الذين هم الملائكة- يكتبون، وقد أخبر الله جل وعلا في قوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] وقوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
يقول العلماء: (السر) هو: الذي يدور في نفس الإنسان وذهنه ولم يظهر عليه أحداً ولم يتلفظ به، وأخفى منه الشيء الذي لم يحدث في ذهنه، كل هذا يعلم الله جل وعلا أنه سيحدث كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فلا يخفى على الله شيء، بل يخبرنا ربنا جل وعلا بالشيء الذي يكون، وأنه لو كان أنه يكون على كذا وكذا، كما قال الله جل وعلا لما قال الكفار عندما ألقوا في جهنم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧] جاء
الجواب
﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] أي: ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والتكذيب الذي كانوا فيه، وهذا لا يحصل فهو ممتنع؛ لأن الله أخبر أنهم لا يردون، ولكن على سبيل التنزل، لو قدر أنهم يردون لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، فالله يعلم الأشياء التي لا تكون لو كانت أنها تكون على كذا وكذا، والله على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم، وهو الغني بذاته عن كل شيء، وكل شيء فقير إليه، ولا يخفى عليه من تصرفات خلقه شيء تعالى وتقدس.
إذاً أسماء الله جل وعلا معانٍ عظيمة، والتفقه فيها من أعظم ما يجب على الإنسان، ومعرفة الله جل وعلا تتوقف على ذلك، فالله جل وعلا تعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، والمقصود في هذا الباب: أن الإنسان يتعرف على ربه جل وعلا من خلال الأسماء والصفات التي سمى ووصف الله جل وعلا بها نفسه، وعلى هذا فالإلحاد يكون أنواعاً وكله متوعد فيه، وأصله من الميل والعدول؛ لأن معنى ألحد: أي عدل عن السمت المراد الذي طلب منه أن يفعله ومال وجنح عنه، وكل ميل وجنوح عن السمت يسمى لحداً، ومنه لحد القبر؛ لأنه لا يكون على سمت الحفرة بل يجنح إلى جهة القبلة في جانب القبر، فيحفر حفرة في جانب القبر من جهة القبلة ويوضع بها الميت، وهذا يسمى لحداً، وهذا اللحد بخلاف الشق، فإن الشق يكون على قدر الميت مثل اللحد ولكنه في الوسط، وكلاهما جائز، ولكن اللحد أفضل كما جاء في الأحاديث.
إذاً: الإلحاد في أسماء الله يكون بتحريفها بالتأويلات الباطلة، ويكون بتعطيل معانيها، ويكون بجعلها معانٍ للمخلوقات، ويكون بإضافة شيء إليها ليس منها، ويكون بأن تجعل معانيها معانٍ معينة من معاني المخلوقات.
هذه الأقسام الخمسة، والإلحاد أيضاً يكون في آيات الله التي تدل على الأحكام، ولهذا جاء أن الملحد في الحرم لا يقبل منه صرف ولا عدل، والملحد فيه هو الذي خرج عن الطاعة بفعل الكبائر والمعاصي الظاهرة.
يعني: ارتكب محرماً ظاهراً وترك ما هو ظاهر الوجوب، فهذا يسمى ملحداً أو ملحداً في دين الله.
стр. 1580
شرح حديث: (إن لله تسعاً وتسعين اسماً)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة.
ورواه البخاري عن أبي اليمان عن أبي الزناد عن الأعرج عنه].
هذا الحديث متفق عليه، والكلام جملة واحدة.
يعني: أن المقصود الإخبار عن هذه الأسماء التسعة والتسعين، وليس المعنى أن أسماء الله محصورة في هذا العدد، بل لا حصر لها، وإنما أريد الإخبار عن حكم معين، وهو أن من أحصى هذه الأسماء التسعة والتسعين يدخل الجنة.
وهذا هو المقصود.
إذاً: يخبر الرسول ﷺ أن من أحصى هذه الأسماء المعينة -التسعة والتسعين- يدخل الجنة، ولهذا يتعين أن نعرف ما معنى أحصاها؟ لأن هذا أمر مهم؛ ولأنه يترتب عليه دخول الجنة.
следующие страницы →