Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
حكم إنكار الصفات
والصفات كثيرة جداً، وإنكارها ضلال وجهل.
ومن الجهل الوقوف على ظاهر النصوص بدون تأمل للمعنى، كما وقع لـ ابن حزم ﵀ فأنكر أن يكون لله جل وعلا صفات وقال: هذا كله من كلام المتكلمين الذي لا يدل إلا على الانحراف والشك والباطل.
وقال: جاء في بعض النصوص كما ثبت في الصحيح من حديث الرجل الذي كان يؤم أصحابه فيقرأ سورة ثم يختم بـ (قل هو الله أحد) ويردد ذلك، فلما سألوه؟ قال: إنها صفة الله وأحبها، فلما سئل الرسول ﷺ عن ذلك؟ قال: (حبك إياها أدخلك الجنة)، قال: هذا يثبته وما عدا ذلك فلا؛ فيقال له: هل الرحمن يدل على معنى أو لا يدل على معنى؟ لابد من أنه يدل على معنى.
فما هو المعنى الذي يدل عليه؟ الرحمة، وكذلك العليم يدل على العلم، والحليم يدل على الحلم، والكريم يدل على الكرم وهكذا، فيقال: هذه المعاني التي دلت عليها هذه الأسماء هي الصفات، وهي التي يسأل الله جل وعلا ويدعى بها كالأسماء تماماً لا فرق، ثم إن معنى كونها مشتقة: أنها أخذت من هذه المعاني وأنها دلت على معانٍ عظيمة، والعلماء قسموها إلى قسمين: متعدٍ ولازم، والأفعال في لغة العرب إما أن تكون متعدية أو تكون لازمة فمثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذا يسمى لازماً؛ لأنه يدل على الاستواء على العرش فقط، ومثل هذا يجب أن يؤمن به وبالصفة التي دل عليها وهي الاستواء.
وأما قوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
فهنا (خلق) اسم فعل يدل على الفاعل، فالخلق فعله الذي هو صفة، وله أثر.
يعني: له شيء يتعدى إليه وهو المخلوق.
(السموات والأرض) أثر الخلق، فهو تعدى بهذا المعنى، فلابد من أمور ثلاثة فيها: إثبات الاسم، والصفة، والأثر.
إذاً: يكون معنى التعدي واللزوم في هذا هو التعدي واللزوم اللغوي.
يعني: إذا قلت -مثلاً- قام زيد، فهذا يسمى لازم، كذلك (جلس)، ولكن إذا قلت: ضرب وأكل وشرب فإن هذا يكون متعدياً، ولابد له من أثر، والأثر هو أثر الضرب، وأثر الأكل، وأثر الشرب، وهذا التقسيم من ناحية المعاني التي يدل عليها الكلام.
وقوله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
يعني: اتركوا، وهذا جاء من باب الوعيد والتهديد، ويدل على توعد الملحدين وتهديدهم، وأنه على المخاطب أن يعرض عنهم، ومعنى الإعراض عنهم: عدم مجادلتهم وعدم الاهتمام بأمرهم، أما دعوتهم والبيان لهم فإنه إذا أمكن فلابد من ذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، والدعوة إليه كما سبق لابد منها، ولكن إذا علم أن الإنسان لا يجدي ذلك معه فيعرض عنه، خصوصاً الملحد، فالغالب في الملحد أنه يكون عارفاً، ولكن لا يريده، بل يريد غيره ولهذا أمر بالإعراض عنه.
стр. 1577
معاني الإلحاد في الأسماء والصفات
(وذروا الذين يلحدون) والإلحاد ذكر له ثلاثة معان: الأول: الشرك وإدخال ما ليس منها.
الثاني: جعلها أسماء لبعض المخلوقات.
الثالث: اشتقاق أسماء المخلوقات والأوثان منها.
فهم يأخذون أسماء أصنامهم وأوثانهم منها فهذه معانٍ ذكرها بعض السلف: (الشرك وإدخال ما ليس منها، وجعلها أسماء لبعض المخلوقات، أو جعل بعضها أسماء لبعض المخلوقات).
وبقي من معاني الإلحاد معنيان: الأول: تعطيل معانيها التي دلت عليها وهذا من أعظم الإلحاد.
والثاني: تشبيه معانيها بمعاني المخلوقات، بأن يجعل ما دلت عليه شبيهاً بما دلت عليه صفة المخلوق أو اسم المخلوق.
إذاً تكون معاني الإلحاد خمسة: إلحاد هو عدول بها إلى غير ما وضعت له، وإلحاد بإدخال ما ليس منها فيها، وإلحاد بجعلها أو بعضها أسماء لبعض المخلوقات، وإلحاد يكون في تعطيل معانيها، وإلحاد يكون في تشبيه معانيها بمعاني المخلوقين.
стр. 1578
الشرك في الأسماء والصفات
أما القسم الأول: فالشرك بها، وهو داخل في جميع ما ذكر؛ لأن المشرك معطل ولابد، وكل مشرك معطل وليس كل معطل مشرك، فالشرك في أسماء الله وصفاته: أن يجعل -مثلاً- صفات وأسماء الرب جل وعلا تدل على ما دل عليه اسم مخلوق، مثل أن يقول: إننا لا نفهم من يد الله جل وعلا إلا الجارحة المعروفة لنا، أو يقول مثلاً: لا نفهم من كون الإنسان الذي قال: الله جل وعلا يتكلم إلا أن يكون ذلك صادراً عن فم وعن لسان وعن شفتين وحنجرة وأحبال صوتية وهكذا.
وهذا تشبيه.
وكذلك الصوت فيجب أن يثبت لله في هذا على وجه التوحيد.
يعني: خاصاً به، ولهذا جاء في الحديث: (إن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) وهذا لا يكون في الخلق، وإنما هو خاص بصوت الله، وكذلك جاء: (أن الملائكة إذا سمعوا صوت الله صعقوا وأصابهم الغشي وذهبت عقولهم وسقطوا) وهذا خاص بصفة الله جل وعلا، وليس معنى ذلك أنه يكون عظيماً؛ لأن الإنسان مثلاً لو سمع صوتاً عظيماً -يعني: فوق طاقته- يصعق، وقد ذكر الله جل وعلا عن قوم ثمود لما أخذتهم الصاعقة -الصاعقة هي الصيحة- التي ذكرت في بعض الآيات.
ويقول المفسرون: إن جبريل ﵇ صاح فيهم صيحة بصوته فتقطعت قلوبهم في أجوافهم فسقطوا؛ لأن الإنسان ضعيف.
وصوت جبريل مزعج وعظيم لا يتحمله الإنسان، ولكن ليس هذا هو المقصود في حق صوت الله جل وعلا، فصوته تعالى هو صوت يخاطب به ملائكته ومع ذلك يصعقون، فالمقصود أن قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] يكون هذا في حقه ويكون في وصفه وأسمائه، ويكون أيضاً في أفعاله، فلا يجوز أن تكون أفعاله كأفعال المخلوقين، كما أن أسماءه وصفاته لا تجوز أن تكون كأسماء المخلوقين وكذلك حقه الذي أوجبه على خلقه، وكذلك ذاته المقدسة تعالى وتقدس، وهذا أمر متفق عليه أما بالنسبة للذات، فلا أحد ينازع فيها، ومعلوم أن الأسماء والأفعال والصفات تكون خاضعة للذات؛ ولكنهم يتناقضون.
стр. 1579
إدخال ما ليس من أسماء الله وصفاته فيها
أما الثاني: وهو أن يدخل فيها ما ليس منها، كأن يسميه: (علة موجبة، أو عقلاً فعالاً) أو مثل ما يقول النصارى: (الابن والأب وروح القدس)، وهذا من الإلحاد، وكذلك يلحق بهذا أيضاً أن يوصف بمعنى ينزه تعالى وتقدس عنه، كوصف اليهود له بأنه فقير تعالى الله وتقدس، أو بأنه بخيل تعالى الله وتقدس؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] ولهذا لا تجد يهودياً كريماً أبداً، فكل اليهود من أبخل الناس وأعظم الناس عبادة للمال، لقول الله جل وعلا: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا﴾ [المائدة:٦٤] فهم يصفون الله جل وعلا بالبخل، والصفات التي يرمون الرب جل وعلا بها ينزهون أنفسهم منها: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]، والله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، فكل شيء يحصيه على عباده، فإنه يستمع لهم منذ خلقهم إلى أن يوقفهم في قبورهم، ثم بعد ذلك يبعثهم ثم يعرض عليهم ما كانوا يعملونه ويقولونه، فيقصه جل وعلا عليهم، ولا يخفى عليه شيء، ومع ذلك فكل شيء مسجل حتى لا يكون للإنسان أي اعتذار.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
الصواب في هذا: أن هذا الكتاب الذي يخرج هو كتاب الحسنات والسيئات التي يسجلها الملائكة على الإنسان، حيث يخرج له ويجد فيه كل ما عمل، وهناك يقول الظالمون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، لا يغادر شيئاً، وكل شيء يجده المرء أمامه مكتوباً محفوظاً لدى الله جل وعلا.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود يقول: كنت جالساً عند الكعبة فجاء ثلاثة نفر من المشركين، كثيرة شحوم بطونهم قليل الفقه في قلوبهم، فقال واحد منهم: أترون الله يسمعنا إذا تكلمنا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا سمعنا وإذا خفضنا لم يسمعنا، فقال الثالث: إن كان يسمعنا إذا رفعنا أصواتنا فهو يسمعنا إذا خفضنا أصواتنا، فذهب وأخبر الرسول ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠].
(بلى) يعني: بلى نسمعها، ومع ذلك فالرسل -الذين هم الملائكة- يكتبون، وقد أخبر الله جل وعلا في قوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] وقوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
يقول العلماء: (السر) هو: الذي يدور في نفس الإنسان وذهنه ولم يظهر عليه أحداً ولم يتلفظ به، وأخفى منه الشيء الذي لم يحدث في ذهنه، كل هذا يعلم الله جل وعلا أنه سيحدث كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فلا يخفى على الله شيء، بل يخبرنا ربنا جل وعلا بالشيء الذي يكون، وأنه لو كان أنه يكون على كذا وكذا، كما قال الله جل وعلا لما قال الكفار عندما ألقوا في جهنم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧] جاء
الجواب
﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] أي: ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والتكذيب الذي كانوا فيه، وهذا لا يحصل فهو ممتنع؛ لأن الله أخبر أنهم لا يردون، ولكن على سبيل التنزل، لو قدر أنهم يردون لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، فالله يعلم الأشياء التي لا تكون لو كانت أنها تكون على كذا وكذا، والله على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم، وهو الغني بذاته عن كل شيء، وكل شيء فقير إليه، ولا يخفى عليه من تصرفات خلقه شيء تعالى وتقدس.
إذاً أسماء الله جل وعلا معانٍ عظيمة، والتفقه فيها من أعظم ما يجب على الإنسان، ومعرفة الله جل وعلا تتوقف على ذلك، فالله جل وعلا تعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، والمقصود في هذا الباب: أن الإنسان يتعرف على ربه جل وعلا من خلال الأسماء والصفات التي سمى ووصف الله جل وعلا بها نفسه، وعلى هذا فالإلحاد يكون أنواعاً وكله متوعد فيه، وأصله من الميل والعدول؛ لأن معنى ألحد: أي عدل عن السمت المراد الذي طلب منه أن يفعله ومال وجنح عنه، وكل ميل وجنوح عن السمت يسمى لحداً، ومنه لحد القبر؛ لأنه لا يكون على سمت الحفرة بل يجنح إلى جهة القبلة في جانب القبر، فيحفر حفرة في جانب القبر من جهة القبلة ويوضع بها الميت، وهذا يسمى لحداً، وهذا اللحد بخلاف الشق، فإن الشق يكون على قدر الميت مثل اللحد ولكنه في الوسط، وكلاهما جائز، ولكن اللحد أفضل كما جاء في الأحاديث.
إذاً: الإلحاد في أسماء الله يكون بتحريفها بالتأويلات الباطلة، ويكون بتعطيل معانيها، ويكون بجعلها معانٍ للمخلوقات، ويكون بإضافة شيء إليها ليس منها، ويكون بأن تجعل معانيها معانٍ معينة من معاني المخلوقات.
هذه الأقسام الخمسة، والإلحاد أيضاً يكون في آيات الله التي تدل على الأحكام، ولهذا جاء أن الملحد في الحرم لا يقبل منه صرف ولا عدل، والملحد فيه هو الذي خرج عن الطاعة بفعل الكبائر والمعاصي الظاهرة.
يعني: ارتكب محرماً ظاهراً وترك ما هو ظاهر الوجوب، فهذا يسمى ملحداً أو ملحداً في دين الله.
стр. 1580
شرح حديث: (إن لله تسعاً وتسعين اسماً)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة.
ورواه البخاري عن أبي اليمان عن أبي الزناد عن الأعرج عنه].
هذا الحديث متفق عليه، والكلام جملة واحدة.
يعني: أن المقصود الإخبار عن هذه الأسماء التسعة والتسعين، وليس المعنى أن أسماء الله محصورة في هذا العدد، بل لا حصر لها، وإنما أريد الإخبار عن حكم معين، وهو أن من أحصى هذه الأسماء التسعة والتسعين يدخل الجنة.
وهذا هو المقصود.
إذاً: يخبر الرسول ﷺ أن من أحصى هذه الأسماء المعينة -التسعة والتسعين- يدخل الجنة، ولهذا يتعين أن نعرف ما معنى أحصاها؟ لأن هذا أمر مهم؛ ولأنه يترتب عليه دخول الجنة.
стр. 1581
معنى الإحصاء في الحديث
ووجه ذكر الحديث هنا: أن يبين المؤلف ﵀ أن معنى الدعاء بها الذي ذكر في الآية: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] هو معنى الإحصاء المذكور في الحديث فيكون الحديث مطابقاً للآية تماماً.
стр. 1582
مراتب الإحصاء
ومراتب الإحصاء في الحديث ثلاث: المرتبة الأولى: حفظ هذه الأسماء التسعة والتسعين ومعرفتها مرتبة.
المرتبة الثانية: أن يعرف معانيها ويفقهها.
المرتبة الثالثة: أن يدعو الله بها ويعبده.
هذا قول من أقوال العلماء.
القول الثاني: أن معنى الإحصاء: العد والحسب، والبخاري ﵀ كأنه يميل إلى هذا القول؛ لأنه لما ذكر الحديث قال: أحصاها: حفظها، ولكن من المعلوم أن الحفظ بلا معنى لا يفيد شيئاً.
والقول الثالث: أن معنى الإحصاء: أن يقول بما يلزم من معانيها، وما دلت عليه، وأن يقوم بالعمل اللازم لها، واستدل أصحاب هذا القول بقوله جل وعلا: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] يعني: أن لن تطيقوه.
أي: لا تطيقون قيام الليل كله، ولكن السدس أو الربع أو ما تيسر، لهذا يقول جل وعلا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ﴾ [المزمل:٢٠] فهنا يقولون: (الإحصاء) معناه: أن يطيق الإنسان القيام بما تستوجبه هذه الأسماء والصفات لله جل وعلا، فهذا يكون صعباً على الإنسان.
وأقرب الأقوال والله أعلم: القول الأول، أن الإحصاء له ثلاث مراتب: الحفظ، ومعرفة المعنى، ودعاء الله بها، ويكون هذا هو المقصود.
стр. 1583
أسماء الله غير محصورة
أول اللفظ قوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) (إن) تدخل على المبتدأ والخبر، وتجعل الأول اسماً لها منصوباً، وتجعل الثاني خبراً لها مرفوعاً.
(إن لله تسعة وتسعين اسماً) ولفظ الجلالة هنا مجرور فتصير (تسعة وتسعين اسماً لله) فتكون جملة واحدة، وهذا لا يدل على أنها محصورة في هذه الأسماء، وإنما لله جل وعلا هذه الأسماء للتعبد بها، ثم إن هذه الأسماء لابد أن تكون موجودة في القرآن؛ لأن الرسول يخبر عن شيء موجود صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه قال: (من أحصاها دخل الجنة).
وكذلك إذا فات شيء في القرآن فهو موجود في حديث الرسول ﷺ ، فلابد أن تكون موجودة فيما جاء به رسول الله ﷺ من كتاب الله وحديث رسوله ﷺ .
يعني: قد يكون في القرآن أكثر من التسعة والتسعين اسماً، والدليل على أنه ما أريد بها الحصر ظاهر في هذا الأسلوب، فالإنسان قد يقول: عندي عشرون كتاباً أعددتها للمطالعة أو أعددتها للعارية، فلا يفهم من هذا أنه ليس عنده إلا هذه الكتب، وإنما يفهم أنه أراد بهذه العشرين شيئاً معيناً إما للمطالعة لمن يأتي ويطالع فيها، أو للعارية فمن يأتي يستعيرها، وعنده كتب أخرى غيرها.
ومن الأدلة على أن أسماء الله غير محصورة بعدد: ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أصاب عبد هم أو حزن فقال: اللهم أني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي وغمي، إلا أذهب الله غمه وأبدله فرحاً) أو كما قال.
стр. 1584
أقسام أسماء الله
في الحديث النبوي قسمت الأسماء إلى أقسام ثلاثة: قسم جعله الله منزلاً في كتابه، والمقصود بالكتاب: جنس الكتاب.
يعني: الكتب التي أنزلها على عباده، والقسم الثاني: علّمه من يشاء من خلقه ولم ينزله في كتابه، والقسم الثالث: استأثر به في علم الغيب عنده، فلم ينزله في كتابه، ولم يعلمه أحداً من خلقه، وهذا دليل واضح بأن أسماء الله غير محصورة.
ومنها: قوله ﷺ في حديث الشفاعة لما ذكر أن الناس إذا طال بهم الوقوف، وأشتد بهم الكرب يلهمهم الله جل وعلا بأن يطلبوا الشفاعة من الرسل وهم واقفون معهم في الموقف، فيقول بعضهم لبعض: من أولى من أبيكم آدم، خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فيذهبون إلى آدم ويطلبون منه ذلك فيعتذر، وفي الأخير تئول الشفاعة إلى محمد ﷺ .
يقول ﷺ : (فأذهب إلى مكان تحت العرش فإذا رأيت ربي خررت ساجداً فيفتح علي من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن).
المحامد والثناء تكون بأسمائه وصفاته جل وعلا.
وقوله: (ما لا أحسنه الآن) يعني: أنه لم ينزل عليه ﷺ .
ومنه أيضاً: قوله ﷺ : (لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) والثناء عليه جل وعلا يكون بأسمائه وصفاته، وما يدل على ذلك: قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧].
يعني: لو أن جميع ما في الأرض من شجر جعل أقلاماً، والبحر جعل مداداً للأقلام فكتب بهذه الأقلام من البحار كلها، ويكون مع هذه البحار الموجودة مثلها سبع مرات، فإن البحار تنفد وكلمات الله لا تنفد.
وغير ذلك من الدلائل الكثيرة على هذا، وكله يدل على أن كلمات الله من أسمائه جل وعلا وصفاته، ويدل على أن أسماء الله غير محصورة.
إذاً: المقصود بهذا الحكم الذي ذكر وهو أن من أحصاها دخل الجنة، وإحصاؤها يكون بحفظها، وبمعرفة معانيها، وبسؤال الله جل وعلا بها، فمن فعل ذلك دخل الجنة، ولا يكون ذلك إلا لمن وحد وعرف حق الله، وعرف ما يوجب له وما يمتنع عليه.
стр. 1585
ذكر أسماء الله الواردة في القرآن
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأخرجه الترمذي عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب بسنده، مثله، وزاد بعد قوله (يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، الباري، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور).
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث].
وهذا الحديث يدور على هذا السبب فقط، والصواب كما يقول كثير من الحفاظ: إن سرد الأسماء ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج استخرجه بعض العلماء من كتاب الله جل وعلا ومن حديث رسوله، ولهذا يوجد في الروايات اختلاف من تقديم وتأخير، ومن زيادة ونقص، وهذا السرد ترك فيه اسم متفق عليه لم يذكر، وهو ظاهر جداً وهو الرب، مما يدل على أن هذا السرد ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والعلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً في هذا، فأخذ بعضهم ذلك مما ثبت في كتاب الله، وبعضهم أخذوا الأفعال وجعلوها أسماء، وبعضهم صار يزيد وينقص، ولكن لا يجوز أن يؤخذ من كل فعل له اسم، فالأفعال أوسع من الأسماء؛ لأنه تذكر أفعال لله ولكن لا يؤخذ له منها أسماء؛ فإنه جل وعلا يقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن نأخذ من هذه الأفعال أسماء له تعالى وتقدس، كما أنه لا يجوز أن نأخذ من قوله: (صنع الله الذي أتقن كل شيء) فنسميه الصانع، وكذلك لا نسميه الماكر، ولا نسميه المخادع، ولا نسميه الكائد أخذاً من هذه الأفعال، وإنما يجب أن تكون أسماؤه موقوفة على ما سمى به نفسه كالعزيز الحكيم، البر الرحيم التواب، وما أشبه ذلك مما هو ظاهر من أنها أسماء لله جل وعلا، فإذا وجد ذلك دل ذلك على أنها أسماء، وأنها يقينية بلا شك، أما شيء يؤخذ من معانٍ، أو من أفعال، كاسم فعل أو فعل، فلا يجوز أن يعتمد على هذا.
نعم.
стр. 1586
سرد أسماء الله في الحديث مدرج وعدم انحصارها في تسعة وتسعين
قال الشارح ﵀: [والذي عول عليه جماعة من الحفاظ: أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد].
الحديث يدور على الوليد بن مسلم، الذي ضعفه أهل الجرح والتعديل.
قال الشارح ﵀: [عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم، أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان وأبي زيد اللغوي والله أعلم.
هذا ما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره، ثم قال: ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في تسعة وتسعين، بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً، فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها) وقد أخرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه].
стр. 1587
حقيقة الإلحاد في أسماء الله
قال الشارح ﵀: [وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، قال: (إلحاد الملحدين: أن دعوا اللات في أسماء الله).
وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، قال: اشتقوا اللات من الله واشتقوا العزى من العزيز.
وقال قتادة: يلحدون: يشركون.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (الإلحاد: التكذيب).
وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر؛ لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالـ إشراك والتعطيل والنكران وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف، تعرف بها تعالى إلى عباده، ودلت على كماله جل وعلا.
وقال رحمه الله تعالى: فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق بالتأويلات.
وإما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات، كإلحاد أهل الاتحاد، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون، محمودها ومذمومها.
حتى قال زعيمهم: هو المسمى بمعنى كل اسم ممدوح عقلاً وشرعاً وعرفاً.
وبكل اسم مذموم عقلاًَ وشرعاً وعرفاً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
انتهى].
стр. 1588
عقيدة أهل السنة في صفات الله سبحانه
قال الشارح ﵀: [والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، متقدمهم ومتأخرهم: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه ومثاله وكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتاً حقيقة لا تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين، فله صفات حقيقة لا تشبه شيئاً من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئاً مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه، فهو جهمي، قد اتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]].
стр. 1589
أقسام ما يجري صفة أو خبراً على الرب
قال الشارح ﵀: [وقال العلامة أيضاً: فائدة جليلة: ما يجري صفة أو خبراً على الرب ﵎ أقسام: أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود.
الثاني: ما يرجع إلى صفاته ونعوته: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق.
الرابع: التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتاً، إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام.
الخامس -ولم يذكره أكثر الناس-: وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة، لا تختص بصفة معينة، بل دال على معان نحو: المجيد، العظيم، الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع للسعة والزيادة والكثرة، فمنه استمجد المرخ والعفار، وأمجد الناقة: علفها، ومنه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، صفة للعرش لسعته وعظمته وشرفه.
وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترناً بطلب الصلاة من الله على رسوله، كما علمناه ﷺ ؛ لأنه في مقام طلب المزيد، والتعرض لسعة العطاء، وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فهو راجع إلى التوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه، ومنه الحديث الذي في الترمذي: (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام)، ومنه: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام!)، فهذا سؤال له وتوسل إليه بحمده، وأنه لا إله إلا هو المنان، فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة، وأعظمه موقعاً عند المسئول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو: الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد.
وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك الغفور القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه أشرف المعارف].
أولاً: علمنا أن الله جل وعلا سمى نفسه بأسماء موجودة في كتابه جل وعلا، وسماه بها رسوله ﷺ ، قد يوجد في الأسماء التي جاءت عن الرسول ﷺ ما ليس في الكتاب، وكذلك الصفات؛ لأن الأصل في الاسم هو الصفة، فالله أمرنا أن ندعوه بأسمائه وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فالدعوة في الواقع هي: العبادة، بل هي مخ العبادة، كما جاء في الحديث وعرفنا أن معنى الدعاء بالأسماء: أننا نتوسل إليه بأسمائه فنقول: يا غفور! يا رحيم! اغفر لنا وارحمنا، يا تواب! يا كريم! تب علينا، وهكذا.
وكذلك في الأعمال التي نزاولها، نبدؤها بذكر اسم الله جل وعلا، ويكون ذلك طلباً للاستعانة به وطلباً للبركة، ويكون هذا من باب العبادة، ومن باب الدعاء بأسمائه جل وعلا.
وكذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهنا بين أن أسماءه حسنى، وعرفنا أن الحسنى: التي لا يلحقها نقص ولا عيب، وتكون كاملة في معانيها، وفيما دلت عليه.
وحذر من الإلحاد في أسمائه وتوعد الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
стр. 1590
أنواع الإلحاد في أسماء الله
فالإلحاد في أسمائه أنواع، ذكر منها عدة أنواع: أحدها: أن يسمى بها شيء من المخلوقات، بأن تسمى بعض المخلوقات الناقصة بما يشتق من أسمائه، كما كان يفعل الملحدون من المشركين، فإنهم يسمون بعض آلهتهم: آلهة، أخذاً من التأله، والتأله يجب أن يكون لله؛ لأنه من خصائصه جل وعلا، وكذلك سموا اللات أخذاً من اسم الله، وسموا العزى أخذاً من اسم العزيز، ومناة أخذاً من اسم المنان وهكذا، فهذا إلحاد.
الثاني: من الإلحاد أن يوصف بما ليس من أوصافه ويسمى بشيء ليس من أسمائه، فإن أسماءه حسنى، فمن سماه بغير أسمائه الحسنى فقد ألحد في أسمائه، وألحد في معاملته، وقد مثلنا لهذا مثلما يقول خبثاء الخلق من اليهود وغيرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقولهم: إن الله تعب حينما خلق السماوات فاستراح، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، فهذا من الإلحاد في أسمائه وهو من أعظم الإلحاد.
الثالث: من الإلحاد التأويلات التي تبطل معاني أسماء الله جل وعلا، كأن يجعل معنى اليد: القوة أو القدرة أو النعمة، ويجعل معنى الرحمة: الإحسان وما أشبه ذلك، فإن هذا إلحاد في أسمائه جل وعلا.
الرابع: من الإلحاد في أسمائه أن يسمى أيضاً بما يتقدس عنه ويتنزه، كتسمية النصارى له: بالأب، والفلاسفة له: بأنه علة موجبة وما أشبه ذلك، فكل ما سمي به مما لم يسم به نفسه، أو سماه به رسوله فهو إلحاد.
فإذاً يكون معنى الآية: أننا أمرنا بأن نتوسل إليه وندعوه ونعبده بأسمائه، ونقتصر على ما سمى به نفسه، ونفهم معاني الأسماء والصفات، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ومن عدل عن ذلك فقد ألحد.
فإذاً الإلحاد معناه: إما الإشراك، وإما التعطيل والجحود، وإما أن يكون ملحداً إلحاداً كاملاً، بحيث أنه يجحد الله جل وعلا ويجحد حقوقه، كما يوجد في كثير من الناس.
وأما قوله جل وعلا: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، فليس معنى ذلك أنهم يتركون، وأن هذا أمر مباح لهم، بل معناه: أنه توعد لهم، يعني: إنني سوف أتولى عذابهم، أي: أن الله جل وعلا هو الذي يتولى عذاب من ألحدوا في أسمائه، ويتولى جزاءهم بما يستحقون.
стр. 1591
باب قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)
стр. 1592
وجوب إثبات أسماء الله وصفاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: المسألة الأولى: إثبات الأسماء].
إثبات الأسماء لابد منه؛ لأن الله جل وعلا تعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، وقل أن تجد آية في القرآن إلا وفيها شيء من أسمائه وصفاته جل وعلا، وجاء ذكرها أكثر من ذكر الأحكام، وأكثر من الأمر بالصلاة، وأكثر من النهي عن الشرك.
فذكر أسمائه في كتابه كثير جداً؛ لأن الله جل وعلا علام الغيوب، يعلم حاجة الخلق إلى ذلك، فهم لا يتعرفون على ربهم جل وعلا إلا بأسمائه وصفاته؛ لأن الله غيب لا أحد يشاهده، وليس له مثيل فيقاس عليه، تعالى الله وتقدس.
فإذاً تعالى إلا من ثلاث طرق: آياته التي يحدثها، ومخلوقاته التي تدل على الخالق الموجد؛ لأن كل مخلوق له خالق ولابد، وأسمائه وصفاته.
والله يتعرف إلى عباده بذلك، فإذاً لابد من إثباتها، وإثباتها يجب أن يكون على ما يليق به، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]، يعني: أنه يجب على الخلق أن يقدروا الله ويعظموه ويعرفوا قدر عظمته، وهذا من خلال ما يتعرفون عليه من أسمائه وصفاته.
فإذاً يكون إثبات الأسماء الذي ينبني عليه معرفة الله جل وعلا هو أصل التوحيد.
стр. 1593
إثبات أن أسماء الله وصفاته حسنى والأمر بدعائه بها
[المسألة الثانية: كونها حسنى].
الحسنى: هي التي لا يلحقها نقص ولا عيب فهي كاملة تامة.
[المسألة الثالثة: الأمر بدعائه بها].
والأمر يقتضي الوجوب، يعني: أننا نعبده بها، وعرفنا كيفية دعائه بها، والتوسل إليه بها، وكذلك الاستعانة به في أعمالنا بذكر أسمائه، إذ بذكرها تحصل لنا البركة، فهذا من دعائه ومن عبادته.
стр. 1594
الموقف ممن ألحد في أسماء الله وصفاته وإثبات الوعيد في حقه
[الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين].
يعني: الذي يلحد في أسمائه يترك، ومعنى يترك: أن الله يتولى جزاءه ويتولى عقابه، أما إذا كان عنده نوع من الشبه ومن تشكيك الناس فلا يترك، بل يجب أن تبطل شبهته وتبين، ويبين لمن قد يغتر به أنه ملحد.
[الخامسة: تفسير الإلحاد فيها السادسة: وعيد من ألحد] يعني: أن الله توعده؛ لأن الآية تقتضي ذلك.
стр. 1595
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٧]
لقد جاء نهي الشارع عن قول: السلام على الله؛ وذلك لما يتضمنه من معان لا تليق بالله ، في كونه محتاج إلى من يسلمه من الأذى، وهذا نقص، والله كامل لا يلحقه نقص ولا أذى ولا عيب.
стр. 1596
وجه النهي عن قول: السلام على الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: لا يقال السلام على الله.
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: (كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام)].
قوله: (في الصحيح) يعني: الحديث صحيح، وليس المقصود أنه في صحيح البخاري أو صحيح مسلم؛ لأن هذا أعم.
وقوله: (باب لا يقال السلام على الله) يعني: أن هذا يكون من باب التنقص، ومن قال ذلك فإنه يكون ما عرف حق الله، ولا جاء بما يستحقه من التعظيمات والتحميدات والتمجيدات، وذلك أن قولك: السلام على كذا، على فلان، إما أن يقصد به التحية وهو الظاهر في هذا، وهو الذي قصده الصحابة، وإما أن يقصد به الدعاء، يعني: أنك تذكر اسم الله وتطلب بهذا الاسم أن الله يسلم على من سلمت عليه، تقول: لك السلامة، فالسلام عليك يعني: أنا أطلب من الله أن يسلمك من المكاره، ومن العيوب والنقائص.
وقد يكون المعنى: أن السلام اسم من أسماء الله فإذا قلت: السلام عليك يعني: عليك هذا الاسم، وفي ضمنه إعلامك بأني سلم لك، يعني: أني أخوك فلا يأتيك من قبلي مكروه فلتسلم من قبلي، فلهذا يلقي اسم السلام، وإذا لم يسلم عليه قد يلحقه نقص، وقد يلحقه خوف، وقد يلحقه أذى، فيسلم عليه دفعاً لذلك.
فعلى هذا لا يليق بأن يقال: السلام على الله؛ لأن الله كامل لا يلحقه نقص ولا يلحقه أذى، فهو كامل في ذاته، غني بذاته عن كل ما سواه، فالسلام منه، ولا يكون السلام مطلوباً له، بل يطلب منه للمخلوق الناقص، أما الله جل وعلا فهو تام، وهو السلام ومنه السلام.
فمعنى السلام أنه سالم من كل نقص وعيب تعالى الله وتقدس، وهو سالم من الحاجة ومن الافتقار.
فبين المؤلف أنه لو قيل: السلام على الله، فإن هذا ليس من التوحيد، بل هذا نقص في التوحيد؛ لأنه يتضمن التنقص لله جل وعلا، فيكون قدحاً في التوحيد، فأراد أن يبين أن توحيد الله جل وعلا أن يتأدب الموحد مع ربه جل وعلا، فيأتي بالتحميد والتسبيح والتهليل والكلام الذي يناسب، والثناء على الله جل وعلا، وأن يجتنب ما فيه شيء من النقص.
وقوله: (كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ ، كنا أو كان: تدل على مزاولة الشيء وتكراره، يقال: كان يفعل كذا، أي: كان يكرر ذلك ويكثر منه.
وقوله: (مع رسول الله) المعية تدل على أن هذا كان في الصلوات؛ لأن معيتهم في الغالب كانت في الفرائض؛ لأنها هي التي يجتمعون فيها ويصلونها مع رسول الله ﷺ .
أما النوافل فكانت تصلى فرادى، هذا هو الكثير الغالب، ومطلوب أن تكون النوافل في البيت، وأن يكون الإنسان فيها خالياً، ليس عنده أحد، حتى يكون ذلك أدعى للإخلاص، وأقرب إلى أن يكون العمل لله وحده، حيث لا يقصد به رياء ولا سمعة ولا مقاصد أخرى.
أما الفرائض فالطريقة فيها التي سنها رسول الله ﷺ الاجتماع في المساجد.
стр. 1597
جواز السلام على الملائكة وغيرهم من الخلق في الصلاة
وقوله: (كنا نقول: السلام على الله السلام على فلان وفلان) جاء أنهم كانوا يقولون: (السلام على جبريل، السلام على ميكائيل)، فيسلمون على الملائكة، فنهاهم الرسول ﷺ أن يقولوا: السلام على الله، وترك قولهم: السلام على جبريل وميكائيل؛ لأن جبريل وميكائيل مخلوقان من مخلوقات الله جل وعلا، والمخلوق يطلب له أن يسلم، لأنه قد يلحقه خوف أو نقص؛ لأنه ليس له غنى بنفسه، وإنما الغني بنفسه هو الله جل وعلا، وهو الذي يطلب منه تكميل الناقص، أو إزالة الخوف عمن يتوقع الخوف له.
стр. 1598
دلالة النهي في قول: السلام على الله
وجاء في تمامه أنه قال: (نهاهم عن ذلك)، وهذا النهي يدل على التحريم، لما عرفنا أن معناه: إما أن يتضمن نقصاً، وإما أن يتضمن سوء أدب مع الله جل وعلا، فإذا كان كذلك فإنه حرام أن يقول الإنسان: السلام على الله؛ لما يتضمنه ويدل عليه.
فالله جل علا كامل غني سالم من كل نقص وعيب، فلا يسلم عليه، ولا يطلب منه أن يسلم نفسه؛ لأنه لا معنى لهذا، حيث إنه هو الغني والكامل بنفسه عن كل ما سواه، ولا يلقى ﵇ من عباده بهذه الصفة؛ لأن هذا لا يناسبه تعالى وتقدس، فيكون ذلك سوء أدب.
стр. 1599
معنى التحيات لله والصلوات والطيبات
فقال لهم: قولوا: (التحيات لله والصلوات والطيبات)، ثم بين لهم السلام أن يقولوا: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
والتحيات تعني: التعظيمات من التحميد والتهليل والتكبير والقيام والركوع والسجود والدعاء، وجميع ما يعظم به جل وعلا ويكون خاصاً به أي: التحيات اللائقة به جل وعلا قوله: (لله) يعني: خالصة لله ليس لأحد فيها شيء.
ثم عطف عليها الصلاة عطف الخاص على العام، قال: (والصلوات) يعني: جميع الصلوات التي يصليها يصليها لله.
قوله: (والطيبات) أي: الطيبات من الأعمال الخالصة، ومن الكلمات الطيبة التي تتضمن الحمد والثناء والتمجيد؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب.
فهذا الذي علمه الرسول ﷺ لصحابته، وهو تعليم للأمة كلها، بدل أن كانوا يقولون: (السلام على الله من عباده)، فقال لهم: (إن الله هو السلام ومنه السلام، فلا تقولوا: السلام على الله من عباده، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات).
ثم قال: و (الطيبات) إشعاراً بأنه يجب أن تكون التحيات والصلوات خالصة طيبة لله جل وعلا، ليس فيها مقصود غيره، فإذا كانت كذلك فهي طيبة، فله الطيب من العمل والطيب من القول، الذي هو التسبيح والتهليل والتكبير وغيره.
стр. 1600
جواز السلام على النبي في التحيات بكاف الخطاب
ثم قال: قولوا: (السلام عليك أيها النبي!) هكذا علمهم، والخطاب يبقى على ما هو عليه: (السلام عليك) فالذي يسلم يستشعر في ذهنه أنه يخاطب رسول الله ﷺ ، ولو كان غائباً فيقول: (السلام عليك أيها النبي!)، وليس معنى ذلك أنه يستحضره في ذهنه، ولكن يستشعر خطابه تعظيماً لذلك، وهذا الأسلوب كان معروفاً عند العرب، فإنهم يستشعرون الحبيب أو المعظم فيخاطبونه وإن كان ميتاً أو غائباً، كما هو معروف في أشعارهم.
وكان ﷺ يقول في تشهده كما رواه الطحاوي في مشكل الآثار: (السلام عليك أيها النبي!).
أما ما قاله بعض العلماء من الصحابة وغيرهم: أن هذا كان في حياة النبي ﷺ ، فلما توفاه الله جل وعلا صاروا يقولون: (السلام على النبي ورحمة الله وبركاته)، فنقول: ما دام أن الرسول ﷺ كان يقول ذلك بنفسه وعلمه الصحابة، فإنه يبقى كما كان يقول ذلك.
وليس في هذا دعوة له ومخاطبة له، كما يقول الذين يحبون أو يميلون إلى عبادته ويقولون: إن هذا دليل على أنه يدعى ويخاطب ويقال له: (السلام عليك)؛ لأن هذه كاف الخطاب، والخطاب لا يكون إلا للحاضر ولا يكون للغائب، لكن يقال: إن هذا ليس كذلك، فالرسول ﷺ جاء بتعليم الإخلاص لله جل وعلا، وفي هذا التشهد علمنا كيف نخلص لربنا جل وعلا الدعاء، فكيف يكون فيه تناقض؟ هذا لا يمكن، وإنما ذلك يبقى على صفة التعليم الذي علمه الرسول ﷺ أصحابه، فيبقى كما هو.
стр. 1601
معنى السلام على النبي في التحيات
قوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، هو سلام عليه، وهو دعاء له بالسلامة من كل مكروه، وكذلك دعاء له برحمة الله وتبريكاته، بأن يبارك عليه في أعماله وفيما يعطيه جل وعلا من أمور الآخرة، فيزيده من فضله.
стр. 1602
سلام الإنسان على نفسه وعلى عباد الله الصالحين في التحيات
ثم قال أيضاً: يسلم الإنسان على نفسه: (السلام علينا)، يعني: يسلم على نفسه وعلى الحاضرين الذين في الصف معه من إخوانه المؤمنين ومن الملائكة الذين معه، ثم يسلم تسليماً عاماً على جميع عباد الله الصالحين، الذين في الأرض، والذين في السماء، الأحياء والأموات، ويكون عاماً بعد خاص: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
ثم يتشهد التشهد الذي هو أصل التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
فهذه التحيات التي كان يعلمها الرسول ﷺ أصحابه، وقد جاء في حديث ابن مسعود: (أنه كان يعلمهم إياها كما يعلمهم السورة من القرآن)، اهتماماً بها.
стр. 1603
وجه إيراد المؤلف لحديث ابن مسعود في باب: لا يقال السلام على الله
فعلى هذا يتبين لنا وجه إيراد المؤلف لهذا الباب (باب لا يقال: السلام على الله)؛ وذلك لأن الله هو السلام والمسلم، فإن السلام، إما أن يلقى تحية، وإما أنه يطلب السلامة للمسلم عليه، أو أنه يخبره بأنه سلم له، أي: مسالم له، وأنه لا يناله منه مكروه، وكل هذا لا يليق بالله جل وعلا، ولا يليق إلا بالمخلوق، أما الله جل وعلا فهو غني بذاته جل وعلا، لا يلحقه نقص ولا عيب، فهو الذي يهب السلامة لمن يشاء، ويهب الحياة لمن يشاء، ويهب الملك لمن يشاء، وبيده تصريف كل شيء، فلا يليق أن يقال: (السلام على الله)، فصار من معاني كمال التوحيد أن المسلم يعرف الشيء الذي يليق بالله جل وعلا فيقوله لله جل وعلا معظماً له، ويعرف الشيء الذي لا يليق بالله جل وعلا فيجتنبه، فيكون بذلك قد كمل توحيده.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (في الصحيح عن ابن مسعود) [هذا الحديث: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا إذا جلسنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان) الحديث، وفي آخره ذكر التشهد الأخير.
ورواه الترمذي من حديث الأسود بن يزيد عن ابن مسعود ﵁، وذكر في الحديث سبب النهي عن ذلك بقوله: (فإن الله هو السلام ومنه السلام)].
هناك تشهد أول وأخير؛ التشهد الأول يقتصر فيه على هذا، والمقصود بالأول الذي يكون بعد الركعتين الطويلتين التي يقرأ فيهما بالفاتحة وسورة، ومعلوم أن قراءة السورة سنة ليست واجبة، وإنما الواجب قراءة الفاتحة، ثم يفصل بين الركعتين الطويلتين واللتين بعدهما بالجلوس، فيكون فيه التشهد الأول ويقتصر فيه إلى قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ﷺ .
وكانت عادة الرسول ﷺ أنه يخففه، حتى جاء في الحديث: (أنه إذا جلس كأنه يجلس على رمض)، يعني: على الحجارة المحماة من سرعته في ذلك، فما كان يطيله، وهذه هي السنة، عكس ما يفعله كثير من الأئمة، فإن فعلهم خلاف السنة، فالسنة أن يخفف التشهد الأول.
أما التشهد الأخير فهو الذي يصلى فيه على النبي ﷺ ، ويستعاذ به من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، إلى آخره.
فهذا التشهد الأخير يطال، وقد جاء في حديث أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! علمني شيئاً أقوله في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً -وفي رواية: كبيراً- ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
فكثير من العلماء يقول: هذا يقال بعد التشهد، لأنه قال: (قله دبر كل صلاة)، ودبر الشيء آخره، فهل يكون هذا بعد نهاية الصلاة، أو قبل السلام؟ فيه خلاف بين العلماء: منهم من قال: يكون قبل السلام ومعنى ذلك: أنه يقرنه بالتشهد الأخير، وقال بعضهم: إنه يقوله بعد فراغه من الصلاة؛ لأن كلمة دبر أيضاً قد يراد بها الخارج من الشيء المنفصل عنه، ولكن الغالب أنه يقصد الشيء المتصل به.
стр. 1604
سلام الله على عباده في الجنة لا في موقف الحساب
قال الشارح: [وقد كان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة المكتوبة يستغفر ثلاثاً ويقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، وفي الحديث: (إن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم ﵎، وفي التنزيل ما يدل على أن الرب ﵎ يسلم عليهم في الجنة، كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]].
هذا جاء مكرراً في القرآن في آيتين من كتاب الله جل وعلا: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]، ولقاء الله جل وعلا يكون في الموقف بين عباده، ولكن الموقف مكان محاسبة، وليس مكان إكرام.
ولهذا لما سئل ابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ أي: مناجاة الله لعبده.
وهذا شيء عظيم جداً، كونه يناجيه جل وعلا، وهذه لا تقاس بما يعرفه الإنسان؛ لأن نجواه تكون لعباده كلهم في آن واحد، كل واحد يتصور أنه لا يكلم إلا هو، وهو يكلم جميع المؤمنين في ذلك الموقف.
يقول ابن عمر: (سمعته يقول: يدني عبده المؤمن فيضع عليه كنفه)، والكنف هو: الستر، يستره عن الذين يشاهدونه في الموقف، لأنه يقرره بذنوبه، ولا يوجد أحد يخلو من الذنوب أبداً.
فإذا قال: (فعلت كذا يوم كذا وكذا)، وتركت كذا من الأمور الواجبة، عندها يخجل كثيراً فيتغير وجهه، فلأجل هذا ستره الله، حتى لا يراه المؤمنون ويقولون: إنه قد هلك.
قال: (فإذا رأى أنه قد هلك؛ قال الله له: أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم)، فيعطى كتابه بيمينه فيصبح فرحه فوق ما يتصور، حتى يصبح يمد كتابه أمام الناس ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] يعني: يا هؤلاء! اقرءوا كتابي، كأنه لا يهمهم إلا قراءة كتابه، فالفرح استولى عليه، وكان أولاً يظن أنه قد هلك.
فالمقصود أن الموقف وإن كان فيه الكلام، وإن كان فيه اللقاء، فكلام الله جل وعلا في الموقف هو محل مناقشة ومحل مسائلة، فقد يكون الإنسان عنده مواقف حرجة جداً، حتى يرى أنه قد هلك، فإذا أوتي كتابه بيمينه بدأت السعادة تظهر عليه، أما التحية واللقاء فلا تكون إلا في الجنة.
ولهذا لما قيل للإمام أحمد: متى يأمن المؤمن؟ قال: يأمن إذا وضع أول قدم له في الجنة.
أما قبل هذا فلا يأمن؛ لأن النار أمامه، فالنار بين الناس الواقفين وبين الجنة، فلا يوجد عبور على الجنة، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، قوله: (وإن) تفيد القسم وأن كل واحد سيرد.
وورود الشيء لا يلزم منه الدخول، فقد يرد عليه ولا يدخله وقد يدخله.
فالسلام الذي يكون من رب العالمين لعباده يكون في الجنة.
стр. 1605
معنى قوله: إن الله هو السلام وأقوال العلماء في ذلك
قال الشارح: [ومعنى قوله: (إن الله هو السلام) أي: إن الله تعالى سالم من كل نقص، ومن كل تمثيل، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: السلام: اسم مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبرية فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية، وفيه قولان مشهوران: الأول: أن الله هو السلام، ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم، ونحو ذلك].
يعني: أن السلام اسم من أسماء الله، وقد جاء ذلك في الأسماء الحسنى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر:٢٣].
قال: [فاختير في هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء.
الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية].
فهذا يكون مجرد تحية، فهو يحييك بهذه الكلمة، وليس في ظنه إلا أنه يقول لك: أنت سالم مما ينالك من الأذى، وهذا هو المقصود من المسلم لأخيه المسلم، أن يخبره أنه لا يناله منه أذى، وإذا لقيه قال: السلام عليكم، فهو يشعره بأنه أخ له، وأنه لا يلحقه منه أذى.
وإذا قلنا: إنه اسم الله ففي ضمن ذلك الدعاء، وأن المسلم يدعو للمسلَّم عليه بالسلامة، أي: أنه يسلم من المكاره التي ستلحق كل مخلوق.
قال: [ومن حجة أصحاب هذا القول: أنه يأتي منكراً، فيقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسماً من أسماء الله لم يستعمل كذلك، ومن حجتهم: أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه: الإيذان بالسلامة خبراً ودعاء.
قال العلامة ابن القيم ﵀: وفصل الخطاب أن يقال: الحق في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما، وإنما يتبين ذلك بقاعدة وهي: أن حق من دعا الله بأسمائه الحسنى، أن يسأل في كل مطلوب، ويتوسل بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله، حتى إن الداعي متشفع إلى الله تعالى، متوسل إليه به.
فإذا قال: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور، فقد سأله أمرين، وتوسل إليه باسمين من أسمائه، مقتضيين لحصول مطلوبه، وقال ﷺ لـ أبي بكر ﵁ وقد سأله ما يدعو به؟ قال: قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل، أتى بلفظها بصيغة اسم من أسماء الله تعالى، وهو السلام الذي تطلب منه السلامة، فتضمن لفظ السلام معنيين: أحدهما: ذكر الله، والثاني: طلب السلامة، وهو مقصود المسلم].
يعني: أن المجموع في هذا أنه يذكر اسم الله طالباً بهذا الاسم السلامة للمسلَّم عليه، وفي ضمن هذا معنىً ثالث: وهو أنه يعلمه بأنه سالم من شره لا يناله منه شيء، فإذاً تكون المعاني ثلاثاً: ذكر، ودعاء، وإخبار.
ذكر الله باسمه، ودعاء له، وتوسل له بهذا الاسم أن يسلم هذا المسلَّم عليه من الآفات، وإعلامه بأنه لا يناله منه أذى، وهذا هو مقصود السلام.
وأما كونه جل وعلا تذكر أسماؤه عند كل طلب بما يناسب ذلك الطلب من الأسماء، فهذا هو الذي دل عليه القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ ، فإذا طلب الإنسان الرزق يقول: يا رزاق! يا كريم! وإذا طلب التوبة يقول: يا تواب! يا رحيم! تب علي، وإذا طلب المغفرة يقول: يا غفور! يا رحيم! اغفر لي، ولا يقول: يا شديد العقاب! اغفر لي؛ لأن هذا لا يناسب ذلك، فهذا معنى قوله: (إنه عند كل طلب يتوسل باسمه المناسب لذلك الطلب)، هذا من المعاني التي ينبغي أن يعتني بها المسلم.
стр. 1606
حقيقة السلام ومعناه وما يتضمنه هذا الاسم وتصاريفه
قال: [قد تضمن (سلام عليكم): اسماً من أسماء الله، وطلب السلامة منه، فتأمل هذه الفائدة! وحقيقته: البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب].
يعني: حقيقة السلام هو الرب جل وعلا، واسمه السلام يعني البراءة والخلاص والنجاة من كل عيب ونقص، فهو سالم من كل عيب ونقص، وفي ضمن هذا أن له الكمال؛ فإذاً هو نفي وإثبات، وهذا معنى قولهم: فيه سلب وإيجاب، فالسلب: هو نفي النقائص، والإيجاب: هو إثبات الكمال لله جل وعلا.
قال: [وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه، فمن ذلك قولك: سلمك الله، ومنه دعاء المؤمنين على الصراط: رب سلم سلم].
جاء في الحديث أنه لا يتكلم على الصراط إلا الأنبياء، لأنه لما سأل أحد الصحابة للرسول ﷺ أن يشفع له؟ قال: (أنا فاعل إن شاء الله، قال: أين أجدك؟ قال: عند الحوض، فإن لم تجدني عند الحوض فعند الميزان، فإن لم تجدني عند الميزان فعند الصراط، لا أعدو الثلاثة الأماكن هذه).
ثم ذكر أنه عند الصراط لا يتكلم أحد؛ وذلك من شدة الكرب والهول إلا الأنبياء، وكلامهم: (اللهم سلم سلم) فقط؛ لأن الأمر صعب جداً، يسيرون من فوق جهنم ويسقط فيها أكثر الناس، المسير من فوقها أمر شديد، فالإنسان لو سار من فوق سقف على خشبة منصوبة، أو ما يشابهها، أو أكثر من كونها خشبة، فقد لا يستطيع أن يسير، فكيف إذا سار وتحته جهنم وشدة حرها، وقعرها أكثر من سبعين سنة يهوي فيها.
أمر شديد جداً جداً، ومع ذلك نفس الصراط الذي يسار عليه يكون ملتهباً بالنيران؛ لأن تحته النار، ولهذا جاء أنه أحر من الجمر، ويكون مضطرباً أيضاً، فمعنى ذلك أن السير عليه بالأعمال فقط، وليس بالأقدام، فإذا كان الإنسان في هذه الدنيا مستقيماً على صراط الله الذي جاء به الرسول ﷺ ، فإنه سوف يستقيم على ذلك الصراط الحسي ويسير عليه.
أما إذا كان مرة يكبو ومرة يستقيم في هذه الدنيا فيكون سيره كذلك وربما سقط.
وعليه أيضاً كلاليب، يقول الرسول ﷺ : (كشوك السعدان)، ثم يقول لصحابته: (هل رأيتم شوك السعدان؟ هو نبت يكون في نجد تأكله الإبل)، وهو معروف، وهي شوكة عقيفاء مفلطحة، ولكن هذه التي على الصراط لا يعلم عظمها إلا الله جل وعلا، تأخذ من أمرت بأخذه، وتلقيه في النار، فمخدوش ناج ومكردس في النار، ومرة يحبو، ومرة تسقط رجله، ومرة يتعلق بيد، ومرة يسير.
وأخبر أن مرور أولهم يكون كلمح البصر في سرعته، ومنهم من يكون كلمح البرق في السرعة، ومنهم من يكون كالريح، ومنهم من يكون كأجاود الخيل، ومنهم من يحبو مرة ويمشي مرة، ثم تعجز أعمال الناس عن حملهم ويتساقطون في النار، نسأل الله العافية، فهؤلاء كلهم من أهل التوحيد ولكنهم مخلطون، تركوا واجبات وفعلوا محرمات، ولم يكفهم ما مضى عليهم في القبر وفي الموقف في التطهير والتكفير، فلابد أن يطهروا بنار جهنم.
ومنهم من يحترق نهائياً، إذا سقط احترق وصار حممة، وهذا جاء في الحديث أنهم فيما بعد يحملون حمماً قد احترقوا فيلقون في نهر الحياة من أنهار الجنة، فينبتون ثم يدخلون الجنة، ويزول العذاب كله، ويرون النعيم والحياة السعيدة، ومن نجا من النار ولو بعدما احترق فيها فهو سعيد.
قال: [ومنه سلم الشيء لفلان أي: خلص له وحده].
لو تحقق الإنسان هذه الأمور بأنها ستمضي عليه يقيناً، لاستقامت حالته؛ ولكنه يستبعدها وكأن المراد غيره، وهي حقيقة لابد منها، فالعجيب في ابن آدم غفلته وأمله وتفكيراته، ولو قدر مثلاً وقيل للناس: إن واحداً منكم سوف ينجو من العذاب، فكل واحد من الكثيرين يؤمل أن يكون هو الناجي، وهذا أمل عجيب من هذا الإنسان، ولهذا كان الرسول ﷺ يقول: (والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ولخرجتم في الصعدات تجأرون إلى الله، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش) يعني: الغفلة والأمل، فلو قدر الواحد أنه سيموت، وهو يعلم أن الموت فيه انقطاع عن العمل، فقال: وأنا لابد أن أعمل للآخرة، بالشيء الذي يرضي الله جل وعلا، لأنه كثيراً ما يأتي الإنسان الموت فجأة، وموت الفجأة تعوذ منه الرسول ﷺ بقوله: (اللهم إني أعوذ بك من موت الفجأة)، وإن جاء في بعض الأحاديث أنه راحة للمؤمن، ولكن فيه أنه قد يأتي الإنسان ولم يتمكن من التفكير في نفسه، ولم يوص وغير ذلك، مع أنه يجب على الإنسان أن يوصي دائماً.
قال: [وقد تضمن سلام عليكم: اسماً من أسماء الله، وطلب السلامة منه، فتأمل هذه الفائدة: وحقيقته البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه، فمن ذلك قولك: سلمك الله، ومنه دعاء المؤمنين على الصراط: (رب سلم سلم)، ومنه: سلم الشيء لفلان أي: خلص له وحده، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] أي: خالصاً له وحده لا يملكه معه غيره، ومنه السلم ضد الحرب؛ لأن كل واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر، ولهذا بني فيه على المفاعلة، فقيل: المسالمة مثل المشاركة، ومنه: القلب السليم وهو النقي من الدغل والعيب.
وحقيقته: الذي قد سلم لله وحده، فخلص من دغل الشرك وغله، ودغل الذنوب والمخالفات، فهو مستقيم على صدق حبه، وحسن معاملته.
وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه، والفوز بكرامته، ومنه أخذ الإسلام، فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد لله والتخلص من شوائب الشرك، فسلم لربه وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه، ليس له فيه شركاء متشاكسون، ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم الخالص لربه، وللمشرك به].
стр. 1607
مسائل باب: لا يقال السلام على الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام.
الثانية: أنه تحية.
الثالثة: أنها لا تصلح لله].
أي: أن قولهم: السلام على الله يقصدون به تحية، ولا يقصدون به الدعاء لله؛ لأن هذا غير معقول ولا يمكن أن الصحابة يجهلون هذا، فإنما نسبوا أنهم يحيون الله بالسلام.
فلهذا قال الرسول ﷺ : (لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله) إلى آخره.
والأولى أنه يقول: معنى تفسير السلام، وسبق أن عرفنا أنه يتضمن الدعاء والإخبار، فهو إخبار بأنه سلم لمن يسلم عليه، وهو يدعو له بالسلامة، وكذلك يذكر اسم الله عليه طالباً من الله أن يسلمه من المكاره، ويخبره في ضمن ذلك أنه سلم له، أي: مسالم له، وأنه لا يناله منه أذى، شأن المسلم مع المسلم؛ لأنه كلما قرأ حديث الرسول ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، علم أن هذا هو المسلم حقيقة، فعندما يقول: السلام عليك، يعني: أنت سالم مني، لا ينالك مني أذى، لا من لساني ولا من يدي؛ لأني مسلم.
وكذلك هو يدعو له في ذلك ذاكراً اسم الله، هذا هو حقيقته، وتقدم أن معنى هذا: أن الإنسان يجب عليه أن يعلم الشيء الذي يجب لله، والذي لا يجوز أن يضاف إلى الله فيجتنبه، ويكون ذلك من كمال التوحيد.
[الرابعة: العلة في ذلك].
وهذا هو معنى قولهم: بأن الله هو السلام ومنه السلام؛ لأنه جل وعلا كامل لا يلحقه نقص، فهو الذي يستحق أن تقدم له العبادات ويتقرب إليه بها، مثل: القيام والقراءة والركوع والسجود والتسبيح والتهليل، وهذا معنى قوله ﷺ : (قولوا: التحيات لله)، يعني: التعظيمات التي فيها عبادة الله جل وعلا.
[الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله]
стр. 1608
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٨]
الدعاء أفضل العبادة، وله آداب، منها: العزم في المسألة، ولإجابة الدعاء أسباب ينبغي معرفتها والإتيان بها، كما ينبغي معرفة موانع الدعاء وتجنبها، وقد جاء ذكر الأسباب والموانع في كثير من النصوص.
стр. 1609
حكم قول: اللهم اغفر لي إن شئت وما شابهه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول: (اللهم اغفر لي إن شئت): في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له)، ولـ مسلم: (وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)].
قوله: (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) يعني: ما حكمه؟ هل هذا يجوز أم أنه من المحرمات التي تنقص التوحيد؟ هذا فيه نقص في توحيد الإنسان، ولا يجوز أن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، اللهم أعطني إن شئت، اللهم أدخلني الجنة إن شئت، يعني: لا يجوز أن يعلق سؤال الله جل وعلا بالمشيئة لما سيأتي، بخلاف سؤال المخلوق، فإن الإنسان إذا سأل مخلوقاً ينبغي له أن يعلق عطاءه بمشيئته يقول: أعطني كذا إن شئت؛ لأن المخلوق فقير محتاج، وقد تتعلق نفسه بالمسئول به ويستحي، وتصبح نفسه معلقة به، فيصبح السائل قد ارتكب محرماً من أجل ذلك؛ لأنه أخذ شيئاً ونفس صاحبه لم تطب به، وهي متعلقة به، وذلك أن المخلوق فقير محتاج دائماً لا ينفك عنه الفقر، أما رب العالمين فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل غنى فهو منه.
стр. 1610
ما يترتب على عدم العزم في المسألة
قوله في الصحيح: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء)؛ لأن الله لا مخلف له، وفي رواية أخرى: (فليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء).
تعليق سؤال الله أمور الدنيا أو أمور الآخرة بالمشيئة لا معنى له، بل هو من المحرمات، كما يدل عليه الحديث ويدل عليه المعنى، وذلك أن الذي يعلق السؤال بمشيئة الله لا يخلو: إما أن يعتقد أن إعطاء الله جل وعلا له ذلك قد يكون عن إكراه من الله، وهذا تنقص لله جل وعلا، فإن الله لا يحمله سؤال السائل على أن يعطي شيئاً لا يريده، فهو تعالى الله وتقدس لا يحمله إلحاح الملح على أن يعطي شيئاً وهو لا يريد إعطاءه؛ لأن كل شيء بمشيئته، فالملك كله له، والخلق كله له، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا أحد يحمله على أن يفعل شيئاً وهو لا يريد.
ومثل ذلك ما يلهج به كثير ممن لم يعرف الله حق المعرفة، فيسأل الله بالمخلوقين، كأن يقول: أسألك بفلان، وأسألك بنبيك فلان، وبكذا وكذا، يتصور أنه إذا سأله بفلان فأنه يعطيه أكثر مما لو سأله بأسمائه وصفاته سبحانه؛ لأن فلاناً يحمله على العطاء، تعالى الله وتقدس، وهذا تنقص لله جل وعلا، فهذا معنى.
المعنى الثاني: أن قوله: (اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت) يعطي مفهوماً خاطئاً وهو: أن هذا السائل كأنه يقول: إن حصل لي ذلك المطلوب وإلا ليس بلازم، وهذا يشعر بالاستغناء عن السؤال، وهذا أيضاً لا يجوز أن يقع من العبد، العبد يجب عليه أن يظهر الفقر والفاقة والرغبة الشديدة، وأنه لا غنى له عن ربه وعن سؤاله.
وهناك معنىً ثالث: وهو ما أشار إليه في الحديث: (إن الله لا مكره له)؛ لأنه قد يقول: هذا الشيء عظيم، وهذا الذي أسأل الله أن ييسره لي أنا ما أستحق هذا الشيء، فيعلقه بالمشيئة، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن الله جل وعلا مثلما قال الرسول ﷺ : (لا يتعاظمه شيء) يعني: ليس عنده شيء عظيم.
وقد قال بعض الناس في مخلوق: وتكبر في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ونحو ذلك، ورب العالمين جل وعلا هو أكرم الأكرمين، وعطاؤه بلا عد ولا حساب، يعطي من يشاء، يعطي الجنة والجنة لا ثمن لها، لا يمكن أن يحصل الإنسان على شيء يساوي قيمة الجنة، وإنما هي بفضل الله تعالى يتفضل بها على عبده، كما أنه تفضل عليه بالإيمان وهداية القلب والتوفيق، كذلك تفضل عليه بأن يدخله الجنة، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد أنه إذا سأل الله مسألة أن يقول: هذا شيء كبير بالنسبة إلى الله، هذا لا يجوز، كل شيء بالنسبة لله جل وعلا صغير.
إذاً: هذه الأمور، وهذه المعاني الثلاثة، تمنع من أن يعلق الإنسان سؤال الله بالمشيئة، وهذا في المسألة التي يسألها الإنسان ربه ويدعوه، بخلاف الخبر الذي يخبر به، فإن كونه يخبر عن شيء سيقع، هذا يعلق بالمشيئة؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله.
ولا يشكل على هذا قول الرسول ﷺ في سلامه على الموتى: (من أتى إلى المقبرة فليقل: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا -إن شاء الله- بكم لاحقون).
فمعلوم أن الموت لابد منه، ولكن التعليق هنا بالمشيئة لما يكون عليه الإنسان؛ لأنه لا يدري ماذا يموت عليه؟ ولا يدري أين يموت؟ هل سيكون مع هؤلاء أو مع غيرهم؟ وهل يكون موته على الإيمان أو على غيره؟ فهو يعلق المشيئة على ذلك؛ لأنه لا يدري ماذا يقع له؟ لا يدري هل يكون مع هؤلاء المسلم عليهم، أو يكون مع غيرهم؟ وهل يكون على الإيمان الذي كانوا عليه، أو لا يكون على ذلك؟ فلهذا قال: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).
وأما قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]، فهذا خبر عن أمر سيقع، وكل شيء سيقع يعلق بمشيئة الله جل وعلا.
وأما قوله جل وعلا في ذكر أهل الجنة وأهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، وقوله في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨].
فالمقصود أنه جاء بالاستثناء هذا (إلا ما شاء ربك) -والله أعلم- ليبين جل وعلا أن الخلود والأبدية بمشيئته، وأن أهل الجنة وأهل النار لم يكتسبوها بذواتهم وأعمالهم، وإنما الله جل وعلا هو الذي أعطاهم ذلك، ولو شاء لغير الواقع، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]، والناس أكثرهم غير مهتدٍ، وهذا يبين لنا أن كل شيء بيد الله؛ حتى لا يطمع طامع ويقول: إنه اكتسب صفة من صفات الله جل وعلا وهي البقاء السرمدي في الجنة، وإنما أعطي ذلك فضلاً من الله جل وعلا.
هذا هو الذي يظهر في معنى الاستثناء بالنسبة لأهل الجنة، وكذلك لأهل النار، وأما الاستدلال بهذه الآية على أن النار تفنى فهو استدلال غير صحيح، فقد ذكر الله جل وعلا آيات صريحة في أنها باقية، والقول بفنائها استناد على مفهوم هذه الآية هو من أقوال أهل البدع.
стр. 1611
حقيقة الدعاء والسؤال والمقصود منهما
الدعاء والسؤال عبادة تعبد الله جل وعلا بها خلقه، وقد جاء في الحديث: (الدعاء مخ العبادة)، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] قوله: (ادعوني) هذا أمر بالدعاء، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يغضب إذا لم يسأل).
والإنسان فقير إلى ربه فقراً لا ينفك عنه، إذا لم تحصل له السعادة والمغفرة والعطاء من ربه جل وعلا فهو هالك ومعذب ولا شك، فيتعين عليه أن يرغب في الدعاء إلى الله، وأن يلح، وأن يعظم الرغبة والإقبال عليه بشدة، والاستثناء وتعليق الدعاء بالمشيئة يدل على خلاف الرغبة وخلاف الجزم، وخلاف كونه فقيراً إليه سبحانه.
وأما من جانب الرب جل وعلا فهو غني، يعطي ما يشاء بلا عد ولا حساب، ولا يكون الشيء عظيماً عليه بأن يعطيه، فلا داعي للاستثناء؛ لأن الاستثناء فيه نقص من ناحية العبد وجهل، وفيه تنقص من العبد لربه جل وعلا في هذا، وبهذا يتبين لنا أن تعليقه محرم وليس مكروهاً فقط.
стр. 1612
مناسبة ذكر باب قول: (اللهم اغفر لي إن شئت) لكتاب التوحيد
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) يعني: أن ذلك لا يجوز لورود النهي عنه في حديث الباب].
يبقى ما مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد؟ نقول: التوحيد أصله ولبه: الإخلاص، والإخلاص هو معرفة القلب لأمر الله جل وعلا وإنابته له، والرغبة والرهبة منه، فإذا كان عارفاً بمن يسأل، وراهباً منه مقبلاً عليه مخلصاً، فلابد أن يكون في سؤاله جازماً غير متردد، وغير معلق سؤاله بالمشيئة؛ لأنه يظهر الفقر، وهو الذل في العبادة لربه، وكذلك يعظم الرغبة في طلبه من ربه، فناسب أن يذكر ذلك، وإذا لم يكن الإنسان كذلك يكون توحيده ناقصاً، فصار في تعليق المطلوب بالمشيئة نقص في توحيد الطلب.
стр. 1613
معنى قول الشارح: (وعطاؤه كلام)
قال الشارح ﵀: [بخلاف العبد فإنه قد يعطي السائل مسألته؛ لحاجته إليه، أو لخوفه منه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره.
فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسئول؛ مخافة أن يعطيه وهو كاره، بخلاف رب العالمين، فإنه تعالى لا يليق به ذلك؛ لكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين، وعطاؤه كلام].
قوله: (وعطاؤه كلام) يعني: أنه يقول للشيء: كن فيكون: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم، وفيه تعليم للعباد من الله جل وعلا، يروي الرسول ﷺ عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا).
والظلم الذي حرمه الله على نفسه جل وعلا لم يلزمه أحد بذلك، هو الذي حرمه على نفسه تكرماً وجوداً، والظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه وهو كذلك في الشرع.
ويقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، الله هو الغني عن كل الخلق، ما أحد يضره، ولا أحد ينفعه، وأعمال أهل المعاصي والكفر والفجور، وأهل محاربة الله ومعاداة الله، ومعاداة أوليائه، هذه الأعمال كلها ما يضرون بها إلا أنفسهم، ولا يضرون الله شيئاً.
والله جل وعلا قد جعل لهم موعداً يأتون إليه ذليلين صاغرين، كل واحد يأتي فرداً كيوم ولدته أمه، ليس عليه حتى شيء يستر عورته، يأتون إليه ما معهم خول ولا مال ولا استعداد ولا أي شيء.
فهناك يجزيهم الجزاء الذي يستحقونه، أما هذه الدنيا فهي ذاهبة بسرعة، ولو جازى أناساً في الدنيا، فعذبهم في الدنيا، فما تكفي مجازاتهم وعذابهم في الدنيا؛ لأنه ينقطع العذاب وينتهي، يموت الإنسان ثم ينقطع عذابه، وليست الدنيا محلاً لتعذيب الناس، وإنما يعذبهم الله بعذابه الذي أخبر الله جل وعلا عنه بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾ [المائدة:٣٧]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة:٢٠]، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، ما فيه عذاب مثل عذاب الله أبداً، فهو عذاب مستمر، ومع ذلك ما يخلص الموت إلى المعذب فيستريح، ولا يخفف عنه من العذاب، كلما احترق الجلد أعيد مرة أخرى، وهكذا.
يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)؛ لأن النفع يكون لهم فقط، فيجزون بأعمالهم، ثم يقول: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، المخيط: الإبرة، فإذا أدخلت البحر ورفعت هل تنقص من البحر شيئاً؟ هذا مجرد تمثيل، وإلا فالله جل وعلا لا ينفد ما عنده.
وقوله: (عطاؤه كلام) يعني: أنه إذا أراد الشيء قال له: كن فيكون تعالى الله وتقدس، ما يعجز الله شيئاً في الأرض ولا في السماء.
فعلى هذا لا داعي إلى أن الإنسان يستعظم المسألة التي يسألها من الله، فالله يعطي الشيء الكثير العظيم ولا يبالي تعالى وتقدس، غير أنه جل وعلا يعطي من يستحق العطاء؛ لأنه عليم بالعباد: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وهو جل وعلا كما يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، له الاختيار، وله الخلق، وله العطاء، وله المنع، ولكن إذا منع أحداً فهو عدل، وإذا أعطى أحداً فهو فضل.
قال الشارح ﵀: [وفي الحديث: (يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وفي يده الأخرى القسط يخفضه ويرفعه)، يعطي تعالى لحكمة، ويمنع لحكمة، وهو الحكيم الخبير.
فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة].
معنى العزم في المسألة: أن يقبل برغبة وإلحاح، هذا هو العزم في المسألة، ما يكون متردداً، بل يقبل على ربه جل وعلا راغباً.
стр. 1614
نعم الله لا تعد ولا تحصى
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فإن الله لا يعطي عبده شيئاً عن كراهة ولا عن عظم مسألة، وقد قال بعض الشعراء فيمن يمدحه: ويعظم في عين الصغير صغارها ويصغر في عين العظيم العظائم].
يعني: المخلوق مهما أعطى فإن عطاءه محدود ومحصور، فلا يجوز أن يقاس رب العالمين جل وعلا في كرمه وجوده وعطائه بعطاء مخلوق ضعيف فقير مهما كان، حتى وإن كان ملكاً، فكلما في الدنيا محدود، فلا يجوز أن يقاس فعل الله بأمور الدنيا، وكل ما في الدنيا من العطاء فهو من الله، فهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأما هذا: بالنسبة إلى ما في نفوس أرباب الدنيا، وإلا فإن العبد يعطي تارة، ويمنع أكثر، ويعطي كرهاً، والبخل عليه أغلب، وبالنسبة إلى حاله هذه فليس عطاؤه بعظيم.
وأما ما يعطيه الله تعالى عباده فهو دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال، من حيث وضعت النطفة في الرحم، فنعمه على الجنين في بطن أمه دارة، يربيه أحسن تربية، فإذا وضعته أمه عطف عليه والديه، ورباه بنعمه حتى يبلغ أشده، يتقلب في نعم الله مدة حياته.
فإذا كانت حياته على الإيمان والتقوى ازدادت نعم الله تعالى عليه إذا توفاه أضعاف أضعاف ما كان عليه في الدنيا من النعم التي لا يقدر قدرها إلا الله، مما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين، وكل ما يناله العبد في الدنيا من النعم -وإن كان بعضها على يد مخلوق- فهو بإذن الله وإرادته وإحسانه إلى عبده.
فإن الله تعالى هو المحمود على النعم كلها، فهو الذي شاءها وقدرها وأجراها عن كرمه وجوده وفضله، فله النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣].
وقد يمنع تعالى عبده إذا سأله لحكمة وعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخر ما سأله عبده لوقته المقدر أو ليعطيه أكثر، فتبارك الله رب العالمين].
يعني: أن السائل لربه لن يخيب أبداً، إذا سأل ربه فلا بد له من إحدى ثلاث: إما أن تعجل له مسألته، وإما أن تدخر له في يوم هو أفقر منه إلى هذه المسألة، وإما أن يدفع عنه من الشر ما هو أعظم مما لو أعطيها، فهو لا يخلو من واحدة من هذه الأمور الثلاث.
стр. 1615
آداب الدعاء وأسباب الإجابة
ينبغي للسائل أن يلح في السؤال، وأن يكثر من السؤال، فالله جل وعلا أمر بالسؤال ووعد بالعطاء، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] والمفسرون منهم من يقول: أي: ادعوني أعطكم، ومنهم من يقول: ادعوني أثبكم، والمعنى قريب، فالذي يقول: ادعوني أعطكم، معناه أنها مسألة معينة، وأنه يعطي على ذلك.
وأما الذي يقول: ادعوني أجبكم، معناه أنها عبادة، والعبادة يثاب عليها، والثواب قد يكون عاجلاً، وقد يكون عاجلاً وآجلاً، وقد يكون آجلاً في الآخرة.
فالمعنى أن الإنسان لن يخيب إذا سأل ربه، وقد يكون عند الإنسان موانع ترد مسألته من قبل نفسه؛ لأن الدعاء له موانع، فمن أعظم الموانع أن الإنسان يأكل حراماً ويلبس حراماً، جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، يرفع يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟!).
وهذه الأمور تدل على إجابة الدعاء، كونه يبتذل، والابتذال مذلة، والافتقار مذلة، وكونه منكسر القلب، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، وانكسار القلب سبب الإجابة، فإذا انكسر قلب الإنسان فمعناه أنه ذل لربه جل وعلا، وافتقر واستشعر الفقر والحاجة من ربه جل وعلا، وألح في ذلك، فالدعاء لا يرد إذا كان بهذه المثابة وبهذه الصفة إلا إن كان كما ذكر الرسول ﷺ .
ورفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ولا يكره رفع اليدين في الدعاء إلا في العبادات التي جاءت مقيدة وليس فيها أصل الرفع كبعد صلاة الفريضة مباشرة إذا سلم، والعبادة يجب أن تكون على ما كان الرسول ﷺ يأمر به ويفعله، ما يزاد فيها.
ولكن في الدعاء العارض بعد الصلاة النافلة وما أشبه ذلك يرفع يديه، فرفع اليدين من أسباب الإجابة لقوله ﷺ في الحديث: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده المؤمن أن يرفع يديه ثم يردهما صفراً) فهو كريم جل وعلا.
ومن أسباب إجابة الدعاء: لزوم الاسم المعظم: يا رب! يا رب! يا رب! يا رب! وتكراره، وقد جاء أن العبد إذا قال: يا رب! يا رب! فإن الله يقول: لبيك! ويعطيه ما يطلب، وقيل: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم: يا رب! والرب هو الذي يقوم على مصالح وحاجات الخلق من الرزق، ودفع المؤذيات، وجلب المنافع.
ولهذا إذا تأمل الإنسان أدعية الرسل في القرآن، وجدها كلها بهذا اللفظ إلا ما شاء الله: يا رب! ربنا، ربنا، ربنا؛ ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يعدل عن هذا الدعاء إلى غيره، وإنما يلزم هذا الاسم، فهو من أسباب الإجابة.
следующие страницы →