Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
حقيقة الدعاء والسؤال والمقصود منهما
الدعاء والسؤال عبادة تعبد الله جل وعلا بها خلقه، وقد جاء في الحديث: (الدعاء مخ العبادة)، والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] قوله: (ادعوني) هذا أمر بالدعاء، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يغضب إذا لم يسأل).
والإنسان فقير إلى ربه فقراً لا ينفك عنه، إذا لم تحصل له السعادة والمغفرة والعطاء من ربه جل وعلا فهو هالك ومعذب ولا شك، فيتعين عليه أن يرغب في الدعاء إلى الله، وأن يلح، وأن يعظم الرغبة والإقبال عليه بشدة، والاستثناء وتعليق الدعاء بالمشيئة يدل على خلاف الرغبة وخلاف الجزم، وخلاف كونه فقيراً إليه سبحانه.
وأما من جانب الرب جل وعلا فهو غني، يعطي ما يشاء بلا عد ولا حساب، ولا يكون الشيء عظيماً عليه بأن يعطيه، فلا داعي للاستثناء؛ لأن الاستثناء فيه نقص من ناحية العبد وجهل، وفيه تنقص من العبد لربه جل وعلا في هذا، وبهذا يتبين لنا أن تعليقه محرم وليس مكروهاً فقط.
стр. 1612
مناسبة ذكر باب قول: (اللهم اغفر لي إن شئت) لكتاب التوحيد
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت) يعني: أن ذلك لا يجوز لورود النهي عنه في حديث الباب].
يبقى ما مناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد؟ نقول: التوحيد أصله ولبه: الإخلاص، والإخلاص هو معرفة القلب لأمر الله جل وعلا وإنابته له، والرغبة والرهبة منه، فإذا كان عارفاً بمن يسأل، وراهباً منه مقبلاً عليه مخلصاً، فلابد أن يكون في سؤاله جازماً غير متردد، وغير معلق سؤاله بالمشيئة؛ لأنه يظهر الفقر، وهو الذل في العبادة لربه، وكذلك يعظم الرغبة في طلبه من ربه، فناسب أن يذكر ذلك، وإذا لم يكن الإنسان كذلك يكون توحيده ناقصاً، فصار في تعليق المطلوب بالمشيئة نقص في توحيد الطلب.
стр. 1613
معنى قول الشارح: (وعطاؤه كلام)
قال الشارح ﵀: [بخلاف العبد فإنه قد يعطي السائل مسألته؛ لحاجته إليه، أو لخوفه منه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره.
فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول حاجته على مشيئة المسئول؛ مخافة أن يعطيه وهو كاره، بخلاف رب العالمين، فإنه تعالى لا يليق به ذلك؛ لكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وكلهم فقير إليه، محتاج لا يستغني عن ربه طرفة عين، وعطاؤه كلام].
قوله: (وعطاؤه كلام) يعني: أنه يقول للشيء: كن فيكون: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم، وفيه تعليم للعباد من الله جل وعلا، يروي الرسول ﷺ عن ربه ﵎ أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا).
والظلم الذي حرمه الله على نفسه جل وعلا لم يلزمه أحد بذلك، هو الذي حرمه على نفسه تكرماً وجوداً، والظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه وهو كذلك في الشرع.
ويقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، الله هو الغني عن كل الخلق، ما أحد يضره، ولا أحد ينفعه، وأعمال أهل المعاصي والكفر والفجور، وأهل محاربة الله ومعاداة الله، ومعاداة أوليائه، هذه الأعمال كلها ما يضرون بها إلا أنفسهم، ولا يضرون الله شيئاً.
والله جل وعلا قد جعل لهم موعداً يأتون إليه ذليلين صاغرين، كل واحد يأتي فرداً كيوم ولدته أمه، ليس عليه حتى شيء يستر عورته، يأتون إليه ما معهم خول ولا مال ولا استعداد ولا أي شيء.
فهناك يجزيهم الجزاء الذي يستحقونه، أما هذه الدنيا فهي ذاهبة بسرعة، ولو جازى أناساً في الدنيا، فعذبهم في الدنيا، فما تكفي مجازاتهم وعذابهم في الدنيا؛ لأنه ينقطع العذاب وينتهي، يموت الإنسان ثم ينقطع عذابه، وليست الدنيا محلاً لتعذيب الناس، وإنما يعذبهم الله بعذابه الذي أخبر الله جل وعلا عنه بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾ [المائدة:٣٧]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة:٢٠]، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، ما فيه عذاب مثل عذاب الله أبداً، فهو عذاب مستمر، ومع ذلك ما يخلص الموت إلى المعذب فيستريح، ولا يخفف عنه من العذاب، كلما احترق الجلد أعيد مرة أخرى، وهكذا.
يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً)؛ لأن النفع يكون لهم فقط، فيجزون بأعمالهم، ثم يقول: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، المخيط: الإبرة، فإذا أدخلت البحر ورفعت هل تنقص من البحر شيئاً؟ هذا مجرد تمثيل، وإلا فالله جل وعلا لا ينفد ما عنده.
وقوله: (عطاؤه كلام) يعني: أنه إذا أراد الشيء قال له: كن فيكون تعالى الله وتقدس، ما يعجز الله شيئاً في الأرض ولا في السماء.
فعلى هذا لا داعي إلى أن الإنسان يستعظم المسألة التي يسألها من الله، فالله يعطي الشيء الكثير العظيم ولا يبالي تعالى وتقدس، غير أنه جل وعلا يعطي من يستحق العطاء؛ لأنه عليم بالعباد: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وهو جل وعلا كما يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، له الاختيار، وله الخلق، وله العطاء، وله المنع، ولكن إذا منع أحداً فهو عدل، وإذا أعطى أحداً فهو فضل.
قال الشارح ﵀: [وفي الحديث: (يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وفي يده الأخرى القسط يخفضه ويرفعه)، يعطي تعالى لحكمة، ويمنع لحكمة، وهو الحكيم الخبير.
فاللائق بمن سأل الله أن يعزم المسألة].
معنى العزم في المسألة: أن يقبل برغبة وإلحاح، هذا هو العزم في المسألة، ما يكون متردداً، بل يقبل على ربه جل وعلا راغباً.
стр. 1614
نعم الله لا تعد ولا تحصى
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فإن الله لا يعطي عبده شيئاً عن كراهة ولا عن عظم مسألة، وقد قال بعض الشعراء فيمن يمدحه: ويعظم في عين الصغير صغارها ويصغر في عين العظيم العظائم].
يعني: المخلوق مهما أعطى فإن عطاءه محدود ومحصور، فلا يجوز أن يقاس رب العالمين جل وعلا في كرمه وجوده وعطائه بعطاء مخلوق ضعيف فقير مهما كان، حتى وإن كان ملكاً، فكلما في الدنيا محدود، فلا يجوز أن يقاس فعل الله بأمور الدنيا، وكل ما في الدنيا من العطاء فهو من الله، فهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأما هذا: بالنسبة إلى ما في نفوس أرباب الدنيا، وإلا فإن العبد يعطي تارة، ويمنع أكثر، ويعطي كرهاً، والبخل عليه أغلب، وبالنسبة إلى حاله هذه فليس عطاؤه بعظيم.
وأما ما يعطيه الله تعالى عباده فهو دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال، من حيث وضعت النطفة في الرحم، فنعمه على الجنين في بطن أمه دارة، يربيه أحسن تربية، فإذا وضعته أمه عطف عليه والديه، ورباه بنعمه حتى يبلغ أشده، يتقلب في نعم الله مدة حياته.
فإذا كانت حياته على الإيمان والتقوى ازدادت نعم الله تعالى عليه إذا توفاه أضعاف أضعاف ما كان عليه في الدنيا من النعم التي لا يقدر قدرها إلا الله، مما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين، وكل ما يناله العبد في الدنيا من النعم -وإن كان بعضها على يد مخلوق- فهو بإذن الله وإرادته وإحسانه إلى عبده.
فإن الله تعالى هو المحمود على النعم كلها، فهو الذي شاءها وقدرها وأجراها عن كرمه وجوده وفضله، فله النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣].
وقد يمنع تعالى عبده إذا سأله لحكمة وعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخر ما سأله عبده لوقته المقدر أو ليعطيه أكثر، فتبارك الله رب العالمين].
يعني: أن السائل لربه لن يخيب أبداً، إذا سأل ربه فلا بد له من إحدى ثلاث: إما أن تعجل له مسألته، وإما أن تدخر له في يوم هو أفقر منه إلى هذه المسألة، وإما أن يدفع عنه من الشر ما هو أعظم مما لو أعطيها، فهو لا يخلو من واحدة من هذه الأمور الثلاث.
стр. 1615
آداب الدعاء وأسباب الإجابة
ينبغي للسائل أن يلح في السؤال، وأن يكثر من السؤال، فالله جل وعلا أمر بالسؤال ووعد بالعطاء، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] والمفسرون منهم من يقول: أي: ادعوني أعطكم، ومنهم من يقول: ادعوني أثبكم، والمعنى قريب، فالذي يقول: ادعوني أعطكم، معناه أنها مسألة معينة، وأنه يعطي على ذلك.
وأما الذي يقول: ادعوني أجبكم، معناه أنها عبادة، والعبادة يثاب عليها، والثواب قد يكون عاجلاً، وقد يكون عاجلاً وآجلاً، وقد يكون آجلاً في الآخرة.
فالمعنى أن الإنسان لن يخيب إذا سأل ربه، وقد يكون عند الإنسان موانع ترد مسألته من قبل نفسه؛ لأن الدعاء له موانع، فمن أعظم الموانع أن الإنسان يأكل حراماً ويلبس حراماً، جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، يرفع يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟!).
وهذه الأمور تدل على إجابة الدعاء، كونه يبتذل، والابتذال مذلة، والافتقار مذلة، وكونه منكسر القلب، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، وانكسار القلب سبب الإجابة، فإذا انكسر قلب الإنسان فمعناه أنه ذل لربه جل وعلا، وافتقر واستشعر الفقر والحاجة من ربه جل وعلا، وألح في ذلك، فالدعاء لا يرد إذا كان بهذه المثابة وبهذه الصفة إلا إن كان كما ذكر الرسول ﷺ .
ورفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ولا يكره رفع اليدين في الدعاء إلا في العبادات التي جاءت مقيدة وليس فيها أصل الرفع كبعد صلاة الفريضة مباشرة إذا سلم، والعبادة يجب أن تكون على ما كان الرسول ﷺ يأمر به ويفعله، ما يزاد فيها.
ولكن في الدعاء العارض بعد الصلاة النافلة وما أشبه ذلك يرفع يديه، فرفع اليدين من أسباب الإجابة لقوله ﷺ في الحديث: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده المؤمن أن يرفع يديه ثم يردهما صفراً) فهو كريم جل وعلا.
ومن أسباب إجابة الدعاء: لزوم الاسم المعظم: يا رب! يا رب! يا رب! يا رب! وتكراره، وقد جاء أن العبد إذا قال: يا رب! يا رب! فإن الله يقول: لبيك! ويعطيه ما يطلب، وقيل: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم: يا رب! والرب هو الذي يقوم على مصالح وحاجات الخلق من الرزق، ودفع المؤذيات، وجلب المنافع.
ولهذا إذا تأمل الإنسان أدعية الرسل في القرآن، وجدها كلها بهذا اللفظ إلا ما شاء الله: يا رب! ربنا، ربنا، ربنا؛ ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يعدل عن هذا الدعاء إلى غيره، وإنما يلزم هذا الاسم، فهو من أسباب الإجابة.
стр. 1616
موانع إجابة الدعاء
من كان يأكل الحرام ويتعامل بالحرام فإن هذا من أعظم موانع إجابة الدعاء؛ ولذلك يقول ﷺ : (أنى يستجاب له؟)، والسبب أن مطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فالحرام أحد الموانع.
الثاني من الموانع: أن الإنسان يستبعد أن يستجاب له، يدعو وهو يظن في نفسه أنه لا يستجاب له، لهذا جاء الأمر بالدعاء مع اليقين: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة).
من الموانع: أن الإنسان يدعو فيستعجل الدعاء ثم يترك، يدعو ثم يدعو ثم يقول: لم أجب؛ فيترك الدعاء، فهذا أيضاً من الموانع.
جاء أن الإنسان يستجاب له ما لم يستعجل، يقول: دعوت فدعوت فلم يستجب لي.
وربما يكون في ذلك خير أراده الله جل وعلا له، فيفتح عليه باب مسألة ربه جل وعلا، فيلح ويكثر من السؤال، ويكون ذلك خيراً فتح عليه.
الرابع من الموانع: أن يبالغ في الدعاء، مثل أن يسأل سؤالاً لا يليق به، كأن يسأل أن يعطى ما يعطى الأنبياء من الدرجات، والأنبياء لهم درجة خاصة، أو مثلاً يسأل شيئاً ليس له كأن يقول: أسألك القصر المعين الذي فيه كذا وفيه كذا وفيه كذا الذي في أعلى الجنة أو في الجنة أو عن يساره أو في المكان الفلاني أو غير ذلك، هذا اعتداء وعدوان، أو يسأل الله قطيعة رحم؛ ولهذا جاء أن الإنسان إذا سأل يستجاب له ما لم يعتد أو يسأل قطيعة رحم، وغير ذلك من موانع عدم الإجابة.
أما إذا خلا الإنسان من هذه الموانع فإنه لا يخلو من الأمور الثلاثة التي ذكرناها: إما أن تعجل له دعوته ويراها، وإما أن يدفع عنه من الشر ما هو أعظم مما دعا، وإما أن تدخر له هذه المسألة يوم القيامة، فيجدها أحسن مما لو أعطيها في الدنيا، والله كريم عليم بما يسر عبده، ولطيف به، قد يمنعه شيئاً يسأله، فيكون المنع خيراً له.
قال الشارح ﵀: [قوله: ولـ مسلم (وليعظم الرغبة) أي: في سؤاله لربه حاجته، فإنه يعطي العظائم كرماً وجوداً وإحساناً.
فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه أي: ليس شيء عنده يعظم، وإن عظم في نفس المخلوق؛ لأن سائل المخلوق لا يسأله إلا ما يهون عليه بذله، بخلاف رب العالمين، فإن عطاءه كلام: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فسبحان من لا يقدر الخلق قدره، لا إله غيره ولا رب سواه].
стр. 1617
مسائل باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
стр. 1618
النهي عن الاستثناء في الدعاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء].
يعني: لا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، فالنهي هنا يدل على التحريم، وليس على الكراهة، فلو فعل ذلك الإنسان لكان قد ارتكب محرماً، وعليه أن يستغفر الله ويتوب.
стр. 1619
بيان العلة في النهي عن الاستثناء في الدعاء
[الثانية: بيان العلة في ذلك].
العلة واضحة، وهي أنه لم يسأل فقيراً، فالله جل وعلا لايتعاظمه شيء، إذا شاء أن يعطي أعطى، وإذا شاء أن يمنع منع، فلا معنى للاستثناء، ولا معنى للتعليل، فما هناك شيء عظيم عند الله جل وعلا، كل شيء عند الله جل وعلا سهل وميسور.
стр. 1620
قوله: (ليعزم المسألة)
[الثالثة: قوله: ليعزم المسألة].
يعني: كونه يرغب إلى ربه جل وعلا ويعزم المسألة، بأن يكون راغباً مظهراً الفقر وشدة الحاجة، منكسر القلب من شدة حاجته لما عند ربه، هذا هو العزم في المسألة.
وإذا عرف الإنسان أن ذلك بيد الله، وأنه قريب ليس ببعيد؛ يعزم المسألة.
стр. 1621
التعليل لأمر الرغبة في الدعاء
[الرابعة: إعظام الرغبة.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر].
وقد أثنى الله جل وعلا على الذين يدعونه رغباً ورهباً، وهذه صفة عباده الصالحين من الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، فيرهب الإنسان من ذنوبه، ويرغب في عطاء الله جل وعلا وإحسانه، فيكون معظماً ربه، خائفاً من ذنوبه، ولكن الرغبة في المسألة تكون أرجح؛ لأن الله كريم، والعبد لا ينفك عن المعصية، والرب جل وعلا مغفرته ورحمته عامة شاملة لجميع خلقه، حتى الكفار ينعم عليهم، ويغدق عليهم من النعم، وهم مع ذلك يتقوون بنعمه على معاصيه، فهذا يدل على كرمه جل وعلا.
стр. 1622
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١١٩]
حمى النبي ﵊ جناب التوحيد حماية عظيمة؛ لئلا يقع المسلمون في أي نوع من أنواع الشرك، ومن ذلك أنه نهى عن قول السيد لمملوكه: عبدي أو أمتي؛ لأن العبودية لا تكون إلا لله وحده.
стр. 1623
شرح حديث: (لا يقولن أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك ،)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: لا يقول: عبدي وأمتي.
في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)].
هذا من باب الأدب مع الله جل وعلا، ومن باب تعظيم حق الله جل وعلا، واجتناب الألفاظ التي فيها منازعة لله جل وعلا، وفيها نوع من المشاركة له؛ تعظيماً له وتحقيقاً للتوحيد؛ لأن العبودية هي صفة المخلوقين كلهم، والربوبية هي صفة الرب جل وعلا، هو الرب الذي ربى الخلق بإيجادهم، وبدفع المكروهات عنهم، وجلب المصالح لهم من كل وجه، فلا يكون العباد أرباباً لبعضهم بعضاً، وإن كان يوجد منهم المملوك الذي يملك، ولكنه في الواقع متعبد لله، وملكه لا يجوِّز أن يكون في ذلك ميزة لبعضهم على بعض في العبادة.
ويجب أن تكون عبوديتهم كلهم ظاهرة لله، وليس لأحد على أحد عبودية، والرق الذي كان واقعاً سببه الكفر، وقد يقع لبعضهم، وإذا كان واقعاً فالإنسان يتأدب مع ربه جل وعلا في هذا، فلا يسميه عبداً فيقول: هذا عبدي إذا كان ذكراً، وإن كان أنثى يقول: أمتي؛ لأن النساء كلهن إماء الله، والذكور كلهم عبيد الله، أحرارهم وملوكهم.
فهذا من باب حماية التوحيد، ومن باب التأدب مع الله جل وعلا، فيجب أن يحمى اسم الله جل وعلا، وألا يكون فيه مشاركة للمخلوقين، وأن يقال: هذا رب فلان وفلان وهذا بالنسبة للعقلاء المكلفين.
أما غير العقلاء من بهائم وجمادات وغيرها فإنها ليست معبدة التعبيد التكليفي الشرعي، وإن كانت معبدة التعبيد القدري، لكن التعبيد الشرعي التكليفي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه ليس هذا من شأنها، وليس موجهاً إليها، ولهذا يجوز أن يقال: هذا رب هذه الدابة! رب الناقة! رب الشجر؛ لأنها ليست عاقلة ولا مكلفة، وإنما هذا في المكلفين من الذكور والإناث، وقد يشكل على هذا ما جاء في بعض الآيات، مثل قول الله جل وعلا في قصة يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، ومقصوده أنه ربه الذي ملكه، فلما قالت امرأة العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
والجواب عن هذا: أن هذا كان في شرع من قبلنا، وشرعنا جاء بالنهي عن ذلك.
وبعضهم أجاب قائلاً: يكون النهي في هذا الحديث من باب الأدب وباب الكراهة والآية تدل على الجواز، يعني: أن هذا جائز ولكن خلاف الأولى، وهذا جواب خلاف الأولى، بل هذا ليس في شرعنا، وإنما هو في شرع من قبلنا، بدليل أن يوسف ﵇ سجد له أبواه وإخوته لما دخلوا عليه وهو على كرسيه، فهذا لا يجوز في شرعنا، وقد ذكره الله جل وعلا، ويكون هذا مثله.
وأما الحديث الذي في الصحيح، وهو قوله ﷺ في أشراط الساعة: (أن تلد الأمة ربتها)، هذا لا محذور فيه لأن (ربتها) مؤنث بحيث لا يمكن أن يوصف الله جل وعلا به، تعالى وتقدس، فهذا ليس فيه محذور.
فعلى هذا لا يجوز للإنسان إذا كان له عبد أن يقول: عبدي، فهو بنفسه وغيره كذلك، لا يقول هو، ولا يقال له، فلا يقول أحد: أجب ربك، أجبه أو أطعمه أو اذهب إليه أو ما أشبه ذلك، يعني: لا المخاطب ولا المخاطب يقول ذلك، كلاهما منهي عن هذا، فلا يدعوه بلفظ العبد، ولا يدعو العبد سيده بلفظ الرب فيقول: يارب، ولهذا قال: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، ولا يقل: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: فتاي وفتاتي)، والفتى: هو الغلام النشيط، والفتاة كذلك.
فأرشد إلى الشيء الجائز بدل الممنوع الذي فيه مشاركة لاسم الله جل وعلا، ومنازعة فيه، وأما ما يأتي فيما جاء في رواية مسلم أنه قال: (وليقل: سيدي ومولاي) فإنه جاء النهي كما سيأتي أيضاً عن إطلاق لفظ السيد، وهو سيد في الواقع، ويقال هذا على من كان له تقدم في السيادة، ولكن في الحديث الذي سيأتي أنه قال: (السيد الله)، فهذا لأنه ليس من الأسماء المشهورة التي تختص بالرب مثل اسم: الرب، فالرب جل وعلا لا يطلق إلا على الله، ولا يستعمل لأحد إلا إذا كان مضافاً، مثل أن يقول: رب الدار! رب الكتاب.
أما أن يقول هكذا: رب، ربك، أو ربي، فالرب خاص بالله جل وعلا، فلا يكون مثل إطلاق لفظ السيد، وإن كان جاء في الحديث الذي سيأتي أنه قال: (السيد الله)، وأما المولى فإنه يطلق على القريب في النسب كالأخ وابن العم وما أشبه ذلك، ويطلق على الناصر، ويطلق على المقدم الذي له تقدم، وله فضل على غيره، ويطلق على غير ذلك.
ومثل هذا منهي عنه، والمحذور فيه هو هذه الإطلاقات، ويجب أن يكون للمخلوق ما يليق به.
стр. 1624
حماية النبي ﷺ جناب التوحيد
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي ﷺ نهى عنها تحقيقاً للتوحيد، وسداً لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم.
فإذا أطلق على غيره شاركه في هذا الاسم، فينهى عنه لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار، فالنهي عنه حسماً لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقاً للتوحيد، وبعداً عن الشرك حتى في اللفظ، وهذا أحسن مقاصد الشريعة؛ لما فيه من تعظيم الرب تعالى، وبعده عن مشابهة المخلوقين، فأرشدهم ﷺ إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ، وهو قوله: سيدي ومولاي، وكذلك قوله: (ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي) لأن العبيد عبيد الله، والإماء إماء الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيماً لله تعالى، وأدباً وبعداً عن الشرك، وتحقيقاً للتوحيد، وأرشدهم إلى أن يقولوا: فتاي وفتاتي وغلامي، وهذا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، فقد بلغ ﷺ أمته كل ما فيه نفع، ونهاهم عن كل ما فيه نقص في الدين.
فلا خير إلا دلهم عليه، خصوصاً في تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرهم منه، خصوصاً ما يقرب من الشرك لفظاً وإن لم يقصد به، وبالله التوفيق.
стр. 1625
مسائل باب: لا يقول: عبدي وأمتي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك].
المقصود بهذا حماية جناب التوحيد، وتعظيم الله جل وعلا، فلا يشاركه المخلوق ولو في الألفاظ، هذا المقصود، ألا يشارك المخلوق ربه جل وعلا حتى في الألفاظ التي يختص بها الله جل وعلا، فيجب أن تكون خاصة به مثل الرب، لا يجوز أن يكون مشاركاً المخلوق له، ولهذا عدل عن الشيء الذي يعطي المعنى، ولا يكون فيه مشاركة.
[المسألة الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي، وفتاتي، وغلامي.
المسألة الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي، ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ].
تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ، والمراد: تخليصه وتصفيته من الشوائب التي قد تشوبه من عمل أو قول؛ لأن هذا هو تحقيقه، وحتى في الألفاظ يجب أن يكون الرب جل وعلا واحداً فيها، ليس له فيها مشارك.
стр. 1626
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٠]
لا يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب، وهي: الجنة، التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتسابق إليها المتسابقون.
стр. 1627
لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة.
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) رواه أبو داود].
الفرق بين هذا الباب وبين الذي قبله: في الذي قبله أن من سأل بالله وجب إعطاؤه، والسؤال بالله في الذي قبله عام، مثل أن يقول السائل: أسألك بالله، أو أسألك بالذي خلق السموات والأرض، أو بالذي أنعم عليك، أو أسألك برب العالمين أو ما أشبه ذلك، عام في أي صفة من صفات الله أو أي لفظ يدل على ذلك، كما سبق في حديث الثلاثة الأعمى والأقرع والأبرص، فإن الملك جاء إلى الأول وقال: أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، وأعطاك المال، وكذلك قال للثاني، وقال للثالث: بالذي رد عليك بصرك، وأعطاك المال.
إذا قال الإنسان لآخر: أسألك بالذي أنعم عليك وأغناك، فيكون سائلاً بالله، أما هذا الباب فهو خاص بوجه الله، مثل أن يقول الإنسان: أسألك بوجه الله، هذا لا يجوز أن يسأل به شيئاً من أمور الدنيا، فلو سأل شيئاً من أمور الدنيا بوجه الله فهو ملعون لعظمة وجه الله جل وعلا، ولهذا قال: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)؛ لأن الجنة هي الغاية التي يسعى لها المؤمنون، وهي التي تكون بها السعادة الأبدية، وسماها الرسول ﷺ عظيمة، فقال ﷺ : (لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار).
ومثل ذلك أن يسأل شيئاً يقرب إليها ويوصل إليها، أو يسأل أن يمنع من شيء يمنع منها، مثل كونه يستعيذ بوجه الله من غضبه، يستعيذ بوجه الله من أن يقع في المعاصي التي تبعده عن ربه جل وعلا، كما جاءت أدعية الرسول ﷺ ، مثل قوله: (أعوذ بوجه الله العظيم، وبكلماته التامات، من شر ما خلق) وكذلك قوله في الحديث المشهور في قصة ذهابه إلى الطائف لما ردوا عليه الرد القبيح، وأغروا به سفاءهم؛ فصاروا يرمونه بالحجارة صلوات الله وسلامه عليه حتى أدموا رجليه، فانقلب على وجهه فلم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، عند ذلك دعا بذلك الدعاء المشهور: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى)، فهذا كله من الوسائل التي تقرب إلى الجنة.
أما أن يسأل بوجه الله جل وعلا شيئاً من أمور الدنيا فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك إهانة بالعظيم، حيث سأل به الشيء الحقير، والدنيا كلها حقيرة ليست شيئاً، والسائل بهذا الشيء ما عرف الله حق المعرفة، ولا قدره حق قدره، بل تنقصه؛ ولهذا استحق أن يكون ملعوناً، وقد جاء في الحديث: (ملعون من سأل بوجه الله غير الجنة، وملعون من سئل بوجه الله فلم يعط)، فإذا أعطى فأجره عظيم.
стр. 1628
أدلة إثبات صفة الوجه لله تعالى
في هذا الحديث دليل على إثبات صفة الوجه حقيقة.
إذاً: تبين لنا الفرق بين هذا الباب والذي قبله، الذي قبله يسأل بالله، وهنا يسأل بوجه الله، فدل هذا على أن الوجه غير الذات، لا كما يقول أهل الباطل، وقد تضافرت النصوص في ذكر وجه الله جل وعلا، وثبت عن الرسول ﷺ أنه قال في بعض أدعيته: (أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، ومعنى ذلك أن أعظم لذة: النظر إليه.
وقد جاء تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] في صحيح مسلم من حديث صهيب عن النبي ﷺ أنه قال: (الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله جل وعلا)، وفي الآية الأخرى، لما ذكر الله أن جهنم يلقى فيها الناس وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]؛ أخبر أن الجنة تقرب للمتقين الذين يخشون الرحمن، ثم قال: (ولدينا مزيد)، والمزيد فسر بأنه النظر إلى وجه الله جل وعلا، وكثيراً ما يأتي في القرآن ذكر هذه الصفة كقوله جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ولو كان معنى الآية مثلما يقول البيهقي أنه الذات ما صح أن ينعت الوجه بهذه الصفات فيقال: ذو؛ لأن المضاف يكون مجروراً، ولهذا لما ذكر الذات في آخر السورة قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فدل على أن الوجه غير الذات.
كذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩]، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] في آيات كثيرة، وكذلك الأحاديث.
ومعلوم أنه لا يقال للإنسان: فلان وجه، ولا يقال ليده: وجه، ولا لرجله وجه، هذا ما يجوز أن يقال في اللغة، فهذا يبطل قول المتأولة وأهل الباطل.
والواجب علينا إثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه من الأسماء والصفات إثباتاً يليق بعظمته وجلاله، ومن ذلك الوجه.
وقول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ليس معنى ذلك: أن الرب جل وعلا يفنى، وأنه ما يبقى إلا وجهه تعالى وتقدس، ولكن يذكر أشرف شيء وبقية الصفات تبع له، وهذا مثل قوله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، تعالى الله وتقدس.
وإن كان هذا فيه بعض الكلام لبعض العلماء، فإن البخاري ﵀ يقول في صحيحه: (كل شيء هالك إلا وجهه) أي: ما أريد به وجهه، ولكن هذا من لازم المعنى، وليس هو المعنى الذي تنص عليه الآية، ومقصوده أن كل عمل يبطل إذا لم يرد به وجه الله، أما الذي أريد به وجه الله فهو الذي ينفع ويبقى لصاحبه، فهو ينبه بذلك على وجوب الإخلاص، ووجوب العمل لله جل وعلا.
فالآية لا تدل على أن شيئاً من الرب جل وعلا يفنى -تعالى الله وتقدس- وأنه لا يبقى إلا وجهه؛ لأنه إذا عبر عن الشيء بأشرف ما فيه فالبقية تكون تبعاً له، وهذا هو المقصود.
стр. 1629
حكم الاستعاذة بوجه الله من النار
لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال الرسول ﷺ : (أعوذ بوجهك، أو من تحت رجلكم) قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
قال: هذا أهون! هذا أهون!) فاستعاذ بوجه الله جل وعلا من عذابه الذي يهلك، ومآل الهالك إلى النار، ومعنى ذلك أنه استعاذ بالله جل وعلا من العذاب الذي يبقى وهو النار.
فإذا قال القائل: أعوذ بوجهك يا رب من النار، فإن هذا مثل قوله: (أسألك بوجهك الجنة) ولا يكون هذا ممنوعاً، بل هو من الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يفعلها.
وبهذا يتبين لنا الفرق بين هذا الباب والذي قبله، فالباب الذي قبله عام: السؤال بالله أو بصفة من صفاته أو بما يدل من فعله عليه، وهذا خاص بصفة الوجه، فلا يجوز أن يسأل بصفة الوجه إلا الجنة.
стр. 1630
جواز السؤال بوجه الله كل ما يقرب إلى الجنة
قال الشارح رحمه الله تعالى [قوله: (باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة).
ذكر فيه حديث جابر -رواه أبو داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة).
وهنا
السؤال
وهو أنه قد ورد في دعاء النبي ﷺ عند منصرفه من الطائف حين كذبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا النبي ﷺ بالدعاء المأثور: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ أإلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي)، وفي آخره: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
والحديث المروي في الأذكار: (اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد -وفي آخره- أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض)].
الحديث في منصرف الرسول ﷺ من الطائف ليس صحيحاً، ولكن بعض العلماء حسنه، وهو من رواية محمد بن إسحاق، وقد ذكره في السيرة منقطعاً، وجاء في مسند الإمام أحمد أيضاً، ولكنه من رواية محمد بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق إذا عنعن فيقولون: إنه ضعيف.
قال الشارح ﵀: [وفي حديث آخر: (أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم، وبكلماته التامة من شر السامة واللامة، ومن شر ما خلقت أي رب! ومن شر هذا اليوم، ومن شر ما بعده، ومن شر الدنيا والآخرة)، وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان.
ف
الجواب
أن ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يقرب إلى الجنة، أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنعه من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة كما في الحديث الصحيح: (اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما يقرب إليها من قول وعمل)، بخلاف ما يختص بالدنيا كسؤال المال والرزق، والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة، فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله، وعلى هذا فلا تعارض بين الأحاديث كما لا يخفى، والله أعلم.
وحديث الباب: من جملة الأدلة المتواترة في الكتاب والسنة على إثبات الوجه لله تعالى، فإنه صفة كمال، وسلبه غاية النقص والتشبيه بالناقصات، كسلبهم جميع الصفات أو بعضها، فوقعوا في أعظم مما فروا منه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وطريقة أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله ﷺ في سنته، على ما يليق بجلال الله وعظمته، فيثبتون ما أثبته لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ ، وينفون عنه مشابهة المخلوق، فكما أن ذات الرب لا تشبه الذوات، فصفاته كذلك لا تشبه الصفات، فمن نفاها فقد سلبه الكمال].
стр. 1631
مسائل باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: المسألة الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب].
ومن المعلوم أن الله جل وعلا هو أعلم من كل شيء، وأقدر من كل شيء، وأنه جل وعلا هو الذي بيده كل شيء، وأن الدنيا ليست شيئاً بالنسبة للآخرة، فهي حقيرة، ولهذا جاء لعنها: (الدنيا ملعونة، معلون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً أو متعلماً)، وما كان ملعوناً فهو مبعد عن الله جل وعلا، وكون الإنسان تكون غايته الدنيا ومقصوده الدنيا بالأمل أو بالحياة؛ هذا من أسوأ ما يسلكه الإنسان، وهو دليل على بعده عن الله جل وعلا؛ ولهذا جاء في الدعاء: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا)، وإنما غاية الحياة أن يصير الإنسان إلى ما خلق له وهو الجنة، فإذا سأل الإنسان بوجه الله شيئاً من أمور الدنيا فهذا على أنه دليل لم يعرف حق الله، ولم يقدره، وكذلك لم يعرف الآخرة، ولم يعرف المهمة التي خلق من أجلها، وإنما رأى حياة حيوانية اهتم بها.
ثم يجب على المسلم أن يعلم أن رسول الله ﷺ هو أعلم الخلق بالله، وهو أنصح الخلق بالخلق، وهو أقدر الناس على البيان والإفصاح عما يريد، وهو ﷺ أعظم الخلق تعظيماً لله وتقديراً له، فإذا أخبر عن الله جل وعلا بشيء كقوله في هذا الحديث: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)؛ فيجب أن يؤخذ على ظاهره، وأن يكون ظاهره كما أخبر الرسول ﷺ .
[المسألة الثانية: إثبات صفة الوجه].
стр. 1632
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢١]
من تعظيم الله أنه من سأل به يعطى، ومن استعاذ به يعاذ، ولا يعمل بهذا إلا من امتلأ قلبه بتعظيم الله وحبه، وقد ذكر العلماء أنه يشترط في ذلك ألا يضر نفسه في الإجابة؛ ففي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار).
стр. 1633
شرح حديث: (من استعاذ بالله فأعيذوه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: لا يرد من سأل بالله.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح].
(باب: لا يرد من سأل بالله) السؤال بالله يختلف، قد يكون السائل يسأل شيئاً فيه حق من مال مشترك، يكون له فيه شركة أو يسأل ذا سلطان مثلاً، فسؤال السلطان الحاكم ليس كسؤال الأفراد، فمثل هذا يجوز أن يسأل فيه، أما إذا كان له فيه حق فلا بأس أن يسأل، ولكن لا يسأل الشيء الذي يكون زائداً على حقه.
هذا من حيث العموم، والمقصود بالسؤال هنا سؤال المال، وقد سبق أن ذكرنا في بعض المناسبات أن سؤال الناس محرم، لا يجوز أن يسأل المخلوق إلا في حالة الضرورة، وحالة الضرورة كما جاء في حديث قبيصة الذي في صحيح مسلم، وقد بينها الرسول ﷺ بحالات ثلاث فقط، وما عدا ذلك أخبر ﷺ أن المسألة سحت، ومعنى السحت الحرام المحرم، وهذه الحالات هي: الحالة الأولى: إذا أصيب الإنسان بفاقة، يفتقر حتى ما يجد شيئاً، فتحل له المسألة حتى يجد ما يسد فافته، فإذا وجد ذلك يجب أن يكف عن المسألة، هذه واحدة.
الحالة الثانية: إذا أصيب الإنسان بجائحة في ماله، مثل أن يحترق ماله، أو ينتهب أو يغرق أو ما أشبه ذلك من الكوارث التي قد تصيب الإنسان في ماله، فمثل هذا يجوز له أن يسأل حتى يجد سداداً من العيش.
الحالة الثالثة: أن يتحمل الإنسان الأموال في سبيل الإصلاح بين المتنازعين والمختلفين والمتقاتلين من المسلمين، يتحمل أموالاً يدفعها لهم من باب الإصلاح، فمثل هذا -وإن كان غنياً- يجوز له أن يسأل حتى يجد الشيء الذي يسدده في المسألة، وما عدا ذلك فلا يجوز السؤال بحال، والسبب في منع السؤال أن فيه افتقار القلب إلى غير الله جل وعلا، والواجب على المسلم أن يكون فقيراً لربه جل وعلا، وفيه عبودية للقلب، فالعطاء والبذل قد يأسر القلب ويستعبده، والعبودية يجب أن تكون لله وحده، ولا يجوز أن تكون لمخلوق، فجاء الشرع والحكمة البالغة في سد هذا الباب، وجعل المسلم حراً بالنسبة لنظرائه من الناس.
أما بالنسبة لربه جل وعلا فهو عبد له، فتكون عبوديته كلها لله جل وعلا، ولا يكون شيء منها لغيره، هذا هو السبب في منع السؤال.
السؤال بالله يكون مثل هذا الذي ذكره المؤلف هنا، والسؤال ينقسم إلى أقسام: قد يسأل الإنسان شيئاً يلزمه شرعاً، مثل أن يسأل عن مسائل علم تلزمه، فمثل هذا لا يدخل في باب النهي، ولا يجوز أن يتوقف الإنسان؛ لأن الله أمر بذلك، فهو طاعة لله، ويقول جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فأوجب السؤال عن الذي لا يعلم، وهذا باب واسع، فكل ما يلزم الإنسان من أمور دينه فعليه أن يسأل، ولكن يتحرى من يسأله؛ لأنه من قبل كان العلماء يتحاشون عن الجواب كثيراً خوفاً من الله جل وعلا، والآن صار الكثير من الناس يجيب بلا مبالاة، قد يجيب بغلط، وقد يجيب بخطأ.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يتحرى في المسألة الشيء الذي يكون فيه تبرئة لدينه، ولا يكون مثلما يقول بعض العوام: إن ذمته تبرأ إذا سأل، إذا سأل شخصاً برئت ذمته ولو أجابه خطأ، هذا غير صحيح، ولكن هو مخطئ، والمفتي مخطئ، كلاهما مخطئ.
من يسأل بالله إما أن يكون مضطراً مثلما سبق، فهذا يجب أن يعطى، ولكن ما يعطى الشيء الذي يضر بالمسئول أو يضر أهله، يعطيه الشيء الذي لا يضره، وواجب عليه أن يعطيه، والله جل وعلا قد أمر بالصدقة، وحث عليها، ومدح الباذلين الذين يؤثرون على أنفسهم غيرهم، فهذا من أفضل الأعمال وأعظمها، فكيف إذا وجه إليه السؤال؟ وإما أن يكون يسأل محرماً، كأن يسأل مثلاً مالاً، ويعرف أنه يريد أن يشتري به خمراً أو يشتري به دخاناً، فهذا لا ينفع؛ لأنه أعانه على الإثم.
وأما إذا كان يسأله مالاً ليأكل، أو ليلبس، أو ليدفع عنه الدين الذي لزمه؛ فهذا يجب أن يعطى إذا سأل بالله، ولكن ما يعطيه المعطي الشيء الذي يضره، يعطيه ما فضل عن حاجته، وهذا إذا لم يلتزم محرماً أو قطيعة رحم.
стр. 1634
معنى قوله: (من استعاذ بالله فأعيذوه)
قوله: (من استعاذ بالله فأعيذوه)، كأن يقول: أعوذ بالله من شرك، أو أعوذ بالله من شر فلان؛ فيجب أن يعاذ.
وهذا كله تعظيماً لله جل وعلا، لأن إعطاءه حينما سأل بالله، وإعاذته مما استعاذ بالله؛ هو من تعظيم الله جل وعلا، وتوقيره ومعرفة حقه.
ولهذا جاء في الحديث: (ملعون من سئل بالله فلم يعط) هذا معناه أنه جعل هذا العمل من الكبائر، وكذلك الاستعاذة مثل ذلك؛ ولهذا لما تزوج الرسول ﷺ امرأة، دخل عليها ومد يده إليها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد عذت بعظيم إلحقي بأهلك)، فتركها.
وهكذا إذا استعاذ إنسان بالله جل وعلا من شر الإنسان أو من شر غيره وهو يستطيع ذلك، فإنه يجب أن يعيذه، إلا أن يستعيذ بالله في أمر محرم كترك واجب، يعني: كأن يلزمه بترك الصلاة، فيستعيذ ويقول: أعوذ بالله منك، ومثل هذا لا يترك ولا يعاذ؛ لأن الله جل وعلا لا يعيذ عاصياً، وإنما يعيذ من كان مطيعاً لله جل وعلا.
стр. 1635
معنى قوله: (ومن دعاكم فأجيبوه)
قوله: (من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه) الدعوة هنا مطلقة سواء كانت في طعام -يعني: وليمة عرس- أو غيرها مما يريد إكرامه بها، وهذا من حق المسلم على المسلم، إذا دعاه يجيبه، فأمر الرسول ﷺ بإجابته، وكان ﷺ يجيب الداعي حتى قال: (لو دعيت إلى كراع لأجبت)، يعني الشيء القليل الحقير، وهو القدوة لأمته صلوات الله وسلامه عليه.
ولكن قد يكون في الدعوة منكر، فإن علم أن فيها منكر فإنه لا يلزمه الإجابة، إلا إذا علم أنه يستطيع إنكار المنكر وإزالته فإنه يجيب لذلك، أو أن يعلم أن الداعي ماله حرام، فإذا علم أن ماله حرام لا تلزمه الإجابة، أو عرف أنه من أهل البدع والمعاصي الذين يهجرون، فهذا أيضاً لا يجيبه، أما إذا كان ظاهره الإسلام، وليس عنده بدع، وإن كان هناك شبهات في ماله فالشبهة لا تمنع من إجابة دعوته، يجاب لأن الشيء الذي يكون عاماً غير معين لا يمنع من معاملته، ولا يمنع كذلك من إجابة دعوته، فالرسول ﷺ أجاب يهودياً إلى طعامه، وكذلك أكل من الشاة التي صنعتها اليهودية، وكذلك كان يتعامل مع اليهود، فتوفي صلوات الله وسلامه عليه ودرعه مرهونة عند يهودي بستة آصع من شعير لأهله، واليهود معروفون بأنهم يتعاملون بالربا، وأنهم يأكلون السحت، فلا يمنع ذلك معاملتهم، هذا من ناحية المعاملة العامة.
стр. 1636
معنى قوله: (ومن صنع لكم معروفاً فكافئوه)
قوله: (ومن صنع لكم معروفاً فكافئوه)، المعروف هنا مطلق، والمعروف ما عرف بأنه إحسان سواء بذل مال أو عمل بالبدن أو غيره، يعني: يتوسط له في أمر من الأمور، ويسعى معه، فكل ما فيه نفع فهو معروف، ومكافأة صانع المعروف من باب كون الإنسان لا يجعل قلبه متعلقاً بشخص، مأسوراً لشخص، هو من هذا الباب.
(من صنع لكم معروفاً فكافئوه)، فإن لم يكن الإنسان مستطيعاً للمكافأة فيلجأ إلى ربه جل وعلا بأن يكافأ هذا الذي صنع له المعروف، فيدعو له ويجتهد في الدعاء: (حتى يرى أنه قد كافأه)، أو حتى تُروا بضم التاء ومعناه: تظنوا، أما إذا جاءت التاء مفتوحة (حتى تروا) فمعنى ذلك: حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه، فيدعو له حتى يعلم أنه كافأه بالدعاء الذي يدعو له، ومعنى ذلك أنه يجتهد في دعاء الله جل وعلا له، هذا إذا لم يجد المكافأة.
والشاهد هنا: تعظيم الله جل وعلا في إجابة السائل به، فإنه من تحقيق التوحيد، فإذا سئل المسلم بالله يجيب ويعطي، ويشترط أن هذا الشيء يستطيعه ولا يضره؛ لأن الضرر في الشرع ممنوع (لا ضرر ولا ضرار).
стр. 1637
فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ظاهر الحديث النهي عن رد السائل إذا سأل بالله، لكن هذا العموم يحتاج إلى تفصيل، بحسب ما ورد في الكتاب والسنة، فيجب إذا سأل السائل ما له فيه حق كبيت المال أن يجاب، فيعطى منه على قدر حاجته وما يستحقه وجوباً، وكذلك إذا سأل المحتاج من في ماله فضل فيجب أن يعطيه ما يدفع حاجته على حسب حاله ومسألته، خصوصاً إذا سأله بالله من لا فضل عنده، فيستحب أن يعطيه على قدر حال المسئول بما لا يضر به ولا يضر عائلته، وإن كان مضطراً وجب أن يعطيه ما يدفع ضرورته.
ومقام الإنفاق من أشرف مقامات الدين، وتفاوت الناس فيه بحسب ما جبلوا عليه من الكرم والجود، وضدهما من البخل والشح، فالأول: محمود في الكتاب والسنة، والثاني: مذموم فيهما.
وقد حث الله تعالى عباده على الإنفاق لعظم نفعه وتعديه، وكثرة ثوابه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٧ - ٢٦٨]].
يقول العلماء: الفحشاء هنا المقصود بها: البخل، أي: أنه يأمر بالبخل وعدم النفقة.
стр. 1638
الآيات الحاثة على الإنفاق
قال الشارح ﵀: [وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، وذلك الإنفاق من خصال البر المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:١٧٧].
فذكره بعد ذكر أصول الإيمان، وقبل ذكر الصلاة، ذلك -والله أعلم- لتعدي نفعه، وذكره تعالى في الأعمال التي أمر بها عباده وتعبدهم بها، ووعدهم عليها الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]].
ذكر في هذه الآية والآية التي قبلها فضل التصدق وإنفاق المال، ومعنى إيتاء المال على حبه ذوي القربى: كون الإنسان يحب المال ويؤتيه، وهو يحبه ويطمع في البقاء، ويحتاج إليه، فهذا من البر، ويدخل فيه الواجب والمندوب، يعني: الصدقة التي هي فرض مثل الزكاة داخلة فيه من باب أولى، وكذلك الصدقات التي هي تطوع داخلة فيه، وخص هذا بأنه إيتاء المال لمستحقيه، وبدأ بذي القربى وهذا يدل على أن النفقة والصدقة على القريب مثل الأخ وابن الأخ وما أشبه ذلك أفضل من الصدقة على البعيد، لأن الصدقة على القريب كما قال الرسول ﷺ : (صدقة وصلة).
وكذلك مدح في الآية الثانية المتصدقين والمتصدقات، وهذا يدل على أنه حتى النساء يتصدقن ولو كان ذلك من بيت الزوج بالمعروف الذي يتعارف عليه، ويأذن فيه ولا يضره، أو من الشيء الذي يخصها؛ لأن الرسول ﷺ أمرهن بالصدقة وقال: (تصدقن ولو من حليكن)، وكلمة (ولو) تدل على أن هذا الشيء ليس واجباً وإنما هو تطوع يتطوعن به.
قال الشارح ﵀: [وكان النبي ﷺ يحث أصحابه على الصدقة حتى النساء؛ نصحاً للأمة؛ وحثاً لهم على ما ينفعهم عاجلاً وآجلاً].
قوله: (حتى النساء) لأن المعروف في الشرع أن النساء لسن أهل مال واكتساب وعمل، وإنما هن مقصورات في البيوت، ومكفيات النفقة وما يلزمهن، هذا معنى قوله: حتى النساء.
стр. 1639
ثناء الله على الأنصار بالإيثار
قال الشارح ﵀: [وقد أثنى الله سبحانه على الأنصار ﵃ بالإيثار، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]].
الإيثار معناه: أن يبذل الشيء وهو محتاج إليه، فهو يؤثر على نفسه، يعني: يعطي الشيء الذي هو بحاجة إليه، والأنصار رضوان الله عليهم كانت هذه صفتهم، فأثنى الله جل وعلا على من يؤثر غيره على نفسه؛ لأن الحاجة قائمة ولكنه يقدم فيها غيره من المسلمين.
قال الشارح ﵀: [والإيثار من أفضل خصال المؤمن كما تفيده هذه الآية الكريمة، وقد قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٨ - ٩]].
يعني: هذا معنى الإيثار، قوله: (ويطعمون الطعام على حبه) أعم من الإيثار؛ لأن الإنسان مجبول على حب المال، وهذا شيء ثابت في طبيعة الإنسان أنه يحب المال، وإذا أنفق من المال وهو يحبه فهذا دليل الإيمان والرغبة في الآخرة، وقد أثنى الله جل وعلا على من كانت هذه صفته.
стр. 1640
من حقوق المسلمين
قال الشارح ﵀: [والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة جداً، ومن كان سعيه للآخرة رغب في هذا ورغَّب، وبالله التوفيق.
قوله: (ومن دعاكم فأجيبوه) هذا من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، إجابة دعوة المسلم، وتلك من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين].
الظاهر أنه إذا دعا الإنسان أخاه يجب عليه أن يجيبه، وقد يكون هذا فيه سؤال وقسم، فيقسم عليه أنه يغديه أو يعشيه أو يقيم اليوم عنده كما يحصل لكثير من الناس الآن، ويتحرج بعض الناس من هذا، وهذا في الواقع إذا كان المقصود الإكرام فإنه لا يلزم إجابته، ولا يلزم الذي أقسم كفارة إذا لم يجبه؛ لأنه أراد إكرامه، وهذا لأن أبا بكر ﵁ لما قص أحد الصحابة رؤيا رآها عند النبي ﷺ قال أبو بكر: دعني أفسرها، وفسرها ثم قال: أقسمت عليك أن تخبرني هل أصبت أو لم أصب؟ فلم يخبره.
وكذلك لما أمره أن يبقى في الصف، ومعروف أن أمر الرسول واجب، فلما أمره بذلك، قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بالناس والرسول ﷺ خلفه.
فإذا عرف الإنسان أنه يريد الإكرام بذلك فلا يلزم إجابته، ولا يلزم المقسم الكفارة في ذلك، أما إذا كان لا يقسم إلا على شيء يريد منه الأمر فيه والنهي عنه، فهذا يجب على المسلم أن يبر قسمه؛ لأن هذا من حق المسلم على المسلم، ولو لم يفعل ذلك لزمته الكفارة.
قال الشارح ﵀: [قوله: (ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه)، ندبهم ﷺ إلى المكافأة على المعروف، فإن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله تعالى ورسوله كما دل عليه هذا الحديث، ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئيم من الناس، وبعض اللئام يكافئ على الإحسان بالإساءة كما يقع ذلك كثيراً من بعضهم، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
بخلاف حال أهل التقوى والإيمان فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة؛ طاعة لله، ومحبة لما يحبه لهم ويرضاه، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وهم الذين سبقت لهم من الله تعالى السعادة].
معنى (ادفع بالتي هي أحسن) يعني: ادفع الأذى والإساءة التي نالتك من غيرك بالحسنة، والمعنى: (ادفعها بالحسنة) بأن تحسن إلى من أساء إليك، وهذا لا تتحمله نفوس كثير من الناس، لا يستطيع ذلك، ويقول: كيف يسيء إلي ثم أحسن إليه؟! وإنما يستطيع ذلك من يرغب فيما عند الله، ويعلم أن الدنيا لا قيمة لها، فيكتسب بكل ما يستطيع رضا ربه جل وعلا، وكذلك رفعة الدرجة عنده، ولهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] يعني: ذو حظ عند الله جل وعلا، وهم الذين يرغبون فيما عنده، ويعملون على تحصيله بعدم الانتقام لأنفسهم، وعدم أخذ حقوقهم، بل يتركونها لله، ومع ذلك يحسنون إلى من ظلمهم وأساء إليهم، رجاء ما عند الله، وليس خوفاً منهم، وإنما يرغبون فيما عند الله فيحسنون إلى من أساء إليهم.
وهذا ليس واجباً على الإنسان، وإنما يستجب، فإن الله جل وعلا يقول في آية أخرى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] إذا جازيت المسيء بالسيئة فقد جازيته وصرت مثله، ولكن أنت لا تتميز عنه إلا بأن تعفو عنه، وإن صار عندك خير وفضل عفوت وأحسنت، وهذا لا يصل إليه إلا الأبرار.
[قوله: (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له) أرشدهم ﷺ إلى أن الدعاء في حق من لم يجد المكافأة مكافأة للمعروف: فيدعو له بحسب معروفه.
قوله: تُروا -بضم التاء أي: تظنوا- أنكم قد كافأتموه، ويحتمل أنها مفتوحة بمعنى: تعلموا، ويؤيده ما في (سنن أبي داود) في حديث ابن عمر: (حتى تعلموا) فتعين الثاني للتصريح به.
وفيه: (ومن سألكم بالله فأجيبوه) أي: إلى ما سأل فيكون بمعنى: أعطوه، وعند أبي داود -في رواية أبي نهيك - عن ابن عباس: (من سألكم بوجه الله فأعطوه)، وفي رواية عبيد الله القواريري لهذا الحديث: (ومن سألكم بالله)، كما في حديث ابن عمر].
روى النسائي: (من صنع إليك معروفاً فقلت: جزاك الله خيراً فقد أبلغت في مكافأته)، وهنا يقول: (فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)، وقلنا: إن المعنى أن تبادروا في الدعاء وتبالغوا فيه حتى يحصل العلم لكم بأنها قد حصلت المكافأة، هذا معناه، فلا ينافي هذا ما ذكره النسائي أنه إذا قال: جزاك الله خيراً فقد كافأه؛ لأن كون الإنسان يقول: جزاك الله خيراً، قد تقبل وقد لا تقبل، والخير يعم الدنيا والآخرة، ومن أعظم الخير أن يدخله الجنة، والدنيا كلها ما تساوي شيئاً بالنسبة للخير الذي يكون في الآخرة.
فالمعنى واضح في قوله: (من قال: جزاك الله خيراً فقد حصلت مكافأته)، وواضح بأن خير الآخرة وإن كان قليلاً فهو أعظم من الدنيا كلها، كما في الحديث الصحيح: (لموضع سوط في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس)، الدنيا كلها لا تساوي موضع سوط، فإذاً: لا منافاة بين ما رواه النسائي وبين هذا الحديث.
стр. 1641
مسائل باب: لا يرد من سأل بالله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله].
معنى (إعاذته) أنه إذا استعاذ بالله من شر المخاطب الذي يخاطبه أو من غيره وقال: أعوذ بالله من شرك؛ فإنه يجب أن يكف عنه الشر، هذه إعاذته، تكف عنه شرك أو تكف عنه شر من تستطيع كفه.
[الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
]
стр. 1642
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٢]
لقد نهى الشارع الحكيم عن التسخط وعدم الرضا بالقدر، لما في ذلك من الاعتراض على الله وشرعه وحكمه؛ وهذا منافٍ للإيمان، ومن ذلك التسخط بكلمة (لو) على أقدار الله، والظن بأن الأسباب تغير المقادير.
стр. 1643
باب ما جاء في اللو
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في اللو.
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]].
من المعلوم أن الطريق إلى الله جل وعلا ليس إلا بإتباع رسول الله ﷺ ، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى السعادة الأخروية إلا إذا سلك الطريق الذي جاء به رسول الله ﷺ من القرآن والحديث الذي كان يقوله ويبلغه الأمة من أن الله تعالى موصوف بالصفات العلى، موصوف بأنه سميع عليم بصير، وبأنه حي قادر مريد، وبأنه يتكلم جل وعلا ويفعل ما يشاء، وبأن له وجهاً كريماً جل وعلا، وبأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وأنه جل وعلا هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء.
وما قاله الرسول ﷺ أو قاله الله جل وعلا يجب أن يعتقد على ظاهره، ولا يجوز أن يُؤَوَّل وتطلب له الوجوه البعيدة الغريبة التي تخرج الكلام عن ظاهره، كما يفعله أهل الكلام الذين ابتلوا بالفلسفات وبالكلام الذي لم يأت به الرسول ﷺ .
ولهذا كان الأئمة، مثل: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وغيرهم ﵏ يقولون: من اعتقد في مثل قول الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] غير ما في قلوب عوام المسلمين فإنه ضال.
ومقصودهم بهذا أن القرآن على ظاهره، أن الله خاطبنا بخطاب واضح جلي لا نحتاج معه إلى أن نبحث عن فلسفات وأمور بعيدة على اللغة، وذلك أن الله جل وعلا يقول لرسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، فهذا أمر من الله جل وعلا للرسول ﷺ أن يبلغ المنزل إليه إلى الأمة، ولا شك أنه بلغ، ولم يبلغنا التأويل الذي يقوله هؤلاء المتكلمون، وهذا يدل على أنه باطل؛ إذ لو كان من الحق لبلغه الرسول ﷺ .
ومعلوم أن الله جل وعلا إذا قال لنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] وما أشبه ذلك من الآيات أن ظاهر هذه الآيات أن له وجهاً يليق بجلاله، على حد قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وقوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وما أشبه ذلك من الآيات التي تدل على تفرده جل وعلا بالكمال وبما يتصف به، وأن المخلوق لا يشاركه جل وعلا في صفاته أو أفعاله.
فإذا أخبرنا أن له يداً وأن له رجلاً جل وعلا، وأنه يضع رجله في جهنم حتى ينزوي بعضها إلى بعض وتتضايق على أهلها، إذا أخبرنا بذلك وجب قبول هذا والإيمان به على ما يليق بعظمة الله جل وعلا، وكذلك إذا أخبرنا أن له وجهاً.
أما التأويل الباطل مثل قولهم: الوجه المقصود به الذات فهو باطل، ولا يقال في اللغة العربية: (اثنان وجه)، أو: (يد فلان وجه) أو (رجل فلان وجه)؛ فإن هذا لا يفهم ولا يأتي لغة ولا شرعاً.
إذاً هو باطل، ولو أن أمامنا رجلين أحدهما أخذ بظاهر القرآن وبظاهر أحاديث الرسول ﷺ ، والآخر لم يأخذ بذلك بل قال: هذا الظاهر يدل على التشبيه ولا يجوز أن نأخذ به، ويجب أن نؤوله حتى لا نقع في ظاهر التشبيه ومضيا على هذا السبيل، ثم وقفا أمام الله وحاسبهما، فقال الأول: يا رب! سمعتك تقول كذا وكذا فاعتقدت ذلك، وسمعت رسولك ﷺ يقول كذا وكذا فاعتقدت ذلك.
والآخر يقول: ظننت أن هذا هو الحق، واعتقدت أن ظاهر خطابك وخطاب رسولك أنه غير مراد فأيهما أولى بالنجاة؟ لا شك أن الأول هو أولى بالنجاة؛ لأنه اعتصم بقول الله وقول رسوله ﷺ ، وهذا يقال في جميع الصفات؛ لأن باب الصفات واحد، فهو باب إثبات ونفي المشابهة -مشابهة المخلوقين- وليس باب تأويل، ومن كان سالكاً هذا المسلك -التأويل- فإنه على خطر عظيم بغير شك، بل لا نشك أنه ضال في ذلك، وأمره إلى الله جل وعلا هو الذي يتولى حسابه؛ لأنه هو الذي يتولى حساب عباده جل وعلا.
يقول: [باب ما جاء في اللو] (اللو) هنا أصلها (لو)، فأدخلت (أل) عليها، وإدخال (أل) عليها لا يفيد المعرفة؛ لأن (لو) حرف وضع لمعنى كما هو معلوم، و (أل) قد تدخل على المعرف ولا تزيده تعريفاً، كما يقول الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهله فأدخل (أل) على يزيد ولم تزده تعريفاً، ولكنها قد تدخل في اللغة على المعرف ويبقى على ما هو عليه.
ومقصوده بهذا ما جاء من النهي والوعيد لمن قال: (لو) معترضاً بذلك على قدر الله جل وعلا.
أي: إذا وقع في أمر من الأمور يعترض ويقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولو أني ما فعلت كذا ما كان كذا وكذا.
و (لو) في مثل هذا المعنى فيها محاذير عدة، سواء قصد بها الاعتراض على المقدر أو قصد بها الاعتراض على الأمر والنهي، والأمر والنهي هما متلازمان، فأمر الله جل وعلا وشرعه يجب أن ويمتثل كما يجب أن يجتنب نهيه.
والذي جاء فيها هو الاعتراض على المقدر، ولكن (لو) قد تأتي في أمور مستقبلة تدل على أن المتكلم بها يريد أن يفعل كذا وكذا فلا تكون داخلة في النهي، كقوله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة).
فهذا يدل على أنه في المستقبل الذي سيقع سيفعل كذا وكذا، ولا يدل ذلك على أنه يعترض على الواقع، وكذلك قوله: (لو كنت راجماً أحداً بلا بينة لرجمت هذه) يقصد امرأة معينة، وما أشبه ذلك كثير مما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ ، فهذه تدل على أنه لو تبين له في المستقبل الأمر على هذا النهج أنه يفعل كذا وكذا، فهو يخبر عن عقيدته وعن فعله الذي سيفعله إذا صار ذلك، وهذا ليس فيه اعتراض على القدر.
стр. 1644
سبب نزول قوله تعالى: (لو كان لنا من الأمر شيء)
أما الآية التي ذكرها المؤلف، وهي قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤].
فالآية نزلت في قصة أحد كما هو معلوم من سياق الآيات، والآيات كلها في قصة أحد، وذلك أن الرسول ﷺ خرج بألف مقاتل من أهل المدينة، وفي أثناء الطريق بين أحد والمدينة رجع عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين ورجع معه ثلاثمائة من الذين تأثروا به، وقال: يطيع أمر الصبيان -يعني الرسول ﷺ ويترك رأيي ورأيه! لأن الرسول ﷺ كان يرى أن يبقى المسلمون في المدينة ولا يخرجون، ولكن ألح عليه بعض الصحابة الذين تخلفوا عن وقعة بدر طلباً للشهادة، وكانوا يحبون لقاء العدو، فألحوا عليه وطلبوا أن يخرج بهم إلى العدو، وكان يشير عليهم أن يجلسوا في المدينة، فإن دخلوا عليهم قاتلوهم في الطرقات والنساء ترميهم من فوق السطوح، وكان هذا هو الرأي الذي يكون موفقاً في ذلك الوقت، ولكن أمر الله لابد من نفاذه.
فلما أكثروا على رسول الله ﷺ دخل بيته ولبس سلاحه، ثم لام بعضهم بعضاً وقالوا: أكرهنا رسول الله ﷺ على شيء ما ينبغي لنا ذلك.
فلما خرج قالوا له: يا رسول الله! إن شئت أن نبقى بقينا فقال ﷺ : (لا ينبغي لنبي لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه).
فخرج رسول الله ﷺ وخرجوا معه، وفي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش من أصحابه وبقي بعضهم، فهؤلاء هم الذين قالوا: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، فهم يعترضون على ما وقع، وذلك أنه -كما هو معلوم- لما وصل الرسول ﷺ إلى المكان الذي فيه القتال وزع الجيش، ووضع سبعين من الرماة على الجبل -وهو يسمى الآن جبل الرماة- وقال: انضحوا عنا الخيل ولا تعدوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإياكم أن تتركوا المكان قبل أن أرسل إليكم ولو رأيتمونا تخطفنا الطير.
يعني: لو رأيتمونا نقتل فلا تعدوا مكانكم وهذا تأكيد.
فلما بدأ القتال ما هي إلا ساعة من نهار حتى انهزم الكفار أمام المسلمين، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأخذون ما يأخذون، فلما شاهد الرماة ذلك قالوا: علام نجلس هنا وقد انهزم الكفار؟ ما لجلوسنا هذا فائدة فذكرهم أميرهم قول رسول الله ﷺ فأبوا أن يطيعوه، ولحقوا بالرسول ﷺ مع المسلمين ليأخذوا من الغنائم، فجاءت خيل المشركين وكانت بقيادة خالد بن الوليد -قبل أن يسلم- من خلف المسلمين، فقُتِل من المسلمين سبعون رجلاً، وجرح من جرح، وجُرح رسولُ الله ﷺ .
هذا الذي أخبر الله جل وعلا به فقال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢] يعني: حصل ذلك بسبب الفشل والتنازع ومعصية أمر الرسول ﷺ ، فحصل ما حصل من قتل، فلما قتل من قتل.
قال هؤلاء: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤].
ومعلوم أن هذا شيء مقدر مكتوب قبل خلق السموات والأرض، وأن الشيء إذا وقع يجب أن ينقاد له المؤمن ويؤمن به ويسلم لله جل وعلا، وأن يقول (إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل).
стр. 1645
الاعتراض على الله
قولهم: (لو كان لنا من الأمر شيء) يعني: لو كان التدبير لنا ما خرجنا إلى هذا المكان، ولا قتل من قتل من أصحابنا.
والمقصود بقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، المقصود به أصحابهم الذين قتلوا من إخوانهم من نسب وأقرباؤهم وغيرهم من الذين قتلوا، فهم يقولون ذلك على سبيل الاعتراض على القدر، وأنهم كان يستطيعون أن يغيروا من الواقع بتدبيرهم.
يقولون ذلك على سبيل التحسر والتأسف لما وقع، وكل هذا لا يجوز أن يكون؛ لأنه لا يمكن أن يقع دقيق ولا صغير ولا كبير إلا بتقدير الله جل وعلا وإرادته، وهذا لا ينافي الحديث الذي سيذكره المصنف، بل هو يتفق معه.
فالإنسان عليه أن يعمل السبب الذي أمر به ويجتهد فيه، ثم إذا وقع شيء خلاف ما قصد فعليه أن يسلم لقضاء الله وقدره، والإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الإيمان، فأركان الإيمان ستة، وأحد أركانه الإيمان بالقدر خيره وشره، أي: أن كل ما وقع من الأمور التي تسر أو تضر كلها مقدرة ومقضية قبل أن توجد الأنفس التي وقع عليها ذلك، كما أخبر الله جل وعلا بذلك فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] أي: مكتوب مسجل مقضي ومفروغ منه، كما قال ﷺ : (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
أي: كل شيء كتب في ذلك اليوم، ثم يقع على وفق هذه الكتابة بلا زيادة ولا نقص في الوقت المحدد الذي حدده الله جل وعلا لذلك بغير تقدم ولا تأخر، ولا زيادة ولا نقص، وما تسقط من ورقة ولا يحصل كبير ولا صغير إلا وقد قدر وكتب وفرغ منه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١] يعني: بأمر الله وتقديره وإرادته وخلقه ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
إذاً: قول القائل عندما يقع في أمر مكروه: لو أني فعلت كذا لما صار كذا، هذا من شأن المنافقين الذين يظنون بالله ظن الجاهلية، وظن الجاهلية سيأتي الكلام عليه في باب ظن السوء بالله جل وعلا، أنه كل ظن يتضمن باطلاً يخالف الشرع أو القدر فهو من ظن الجاهلية، وأن ظن السوء يجب أن ينزه العبد ربه سبحانه من هذا الظن؛ لأنه متوعد عليه إذا فعله.
فمثلاً: إذا سافر الإنسان فوقع له حادث أو ذهب ببضاعة فخسر فيها فيقول: لو أني لم أسافر ما وقع لي كذا، ولو أني ما ذهبت بهذه الأموال إلى هذا البلد الفلاني أو هذا المكان الفلاني ما خسرت.
فهذا لا يجوز؛ لأنه بذلك يظن أنه يمكن أن يواجه الواقع، ويمكن أن يتغير الواقع، وهذا غير ممكن، فالشيء الواقع لا يمكن تغييره، كما قال ﷺ في حديث ابن عباس: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يعني: ليس هناك تغيير، وكل ما يقع فإنه أمر مقدر لا يجوز الاعتراض عليه بقول (لو)، واعلم أن (لو) تفتح عمل الشيطان مثلما قال الرسول ﷺ .
إذاً هذا هو معنى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: أنهم قالوا ذلك على سبيل الاعتراض على ما وقع من قتل الصحابة وهزيمة من انهزم، وما وقع من انتصار الكافرين، وهذا من باب الابتلاء، ولهذا قال جل وعلا في حكمة ذلك ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] يعني: بسبب أنفسكم، وأنتم الذين أفسدتم في هذا وعصيتم.
وهذه يجب أن يعتبر بها الإنسان، فهؤلاء أفضل الخلق من هذه الأمة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومع أفضل الخلق من رسل الله محمد ﷺ ، ووقعت لهم هذه المخالفة فأصيبوا بهذه المصيبة بسبب ذلك، فكيف إذا خالف الإنسان فيما هو أعظم من ذلك وهو أيضاً لا يصل إلى عشر أولئك، فإنه لا يجوز أن يقول: لماذا أنا أصبت بكذا؟ وقد يخرج الإنسان من ظل الإسلام بالاعتراض على القدر، فكثيراً ما تسمع بعض ضعاف الإيمان إذا أصيب بمصيبة، إما مرض أو مصائب أصيب بها بسبب والد أو ولد أو ما أشبه ذلك، تجده يقول: أنا لا أدري من أين جاءتني هذه المصيبة؟ أنا أعمل كذا وكذا، وأنا أصلي! ما معنى هذا؟ معناه أنه ما رضي بما قدره الله، وكأنه يقول: إن الله ظلمني، فأنا لا أستحق هذا الشيء الذي وقع في! وهذا إذا قاله الإنسان بهذا المعنى يخشى إن يخرجه من دين الإسلام؛ لأنه اعترض على ربه ولم يرض بما قدره له جل وعلا، ولهذا فالذين يذعنون ويسلمون وينقادون يثيبهم الله جل وعلا مع أنهم لا يغيرون في الواقع شيئاً، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، ففرق بين من ينقاد لربه ويعلم أنه ملك لله، وأن الله يتصرف فيه كيف يشاء فهو مملوك له، وإذا أعطاه شيئاً فهو فضله عليه، وإن أخذه فهو ملكه، فيقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ويقول: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً) هذا هو الذي يصلي عليه ربه ويزيده على الصلاة رحمة، أما الذي يعترض فيقول: لا أدري من أين أصابتني هذه المصيبة؟ أنا لم أعمل شيئاً أستحق به ذلك يعترض على ربه جل وعلا، ولم يسلم بالقدر: فهو إما جاهل يجب أن يعلم ويحذر من ذلك، وإما أن يكون عارفاً بذلك ويكون شأنه شأن المنافقين الذين اعترضوا على ما وقع بتقدير الله جل وعلا.
ومعلوم أن مناسبة ذلك لباب التوحيد ظاهرة، فالذي يعترض على أقدار الله إما أن يكون منافياً للتوحيد وإما أن يكون توحيده ناقصاً على أقل حال، ويجب أن يتلافى هذا النقص ويبتعد عنه بأن يعلم أنه عبد لله مملوك لله، وأن أقدار الله جل وعلا جارية، وأنه لا ينفع قوله (لو)، وإنما (لو) تزيد في الأسى، وتفتح باب التسخط والحزن، وتكون وبالاً عليه.
стр. 1646
شرح قوله تعالى: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]].
وهذا في نفس سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦]: يعني لو أطاعونا في مشورتنا لهم بأن لا يخرجوا مع رسول الله ﷺ ما حصل لهم القتل.
وقد أخبر الله جل وعلا في الآية التي قبلها أنهم لو كانوا في بروج مشيدة وكانوا في بيوتهم وفي حصونهم لبرز الذي كتب عليهم إلى مضاجعهم، فلابد أن يأتي شيء يبرزهم إلى ذلك؛ لأن الله كتب قبل خلق السموات والأرض أنهم سيقتلون في هذا المكان، فلابد أن تتهيأ الأسباب إلى إخراجهم إلى المضاجع التي سقطوا فيها قتلى.
فهذا نفس السياق السابق، فهذا شأن المنافقين التحسر على ما وقع، وظنهم أنهم يستطيعون أن يغيروا من الواقع بالتدابير التي يتخذونها، وهذا كذب واعتراض على أقدار الله.
وقد جاء في تفسير ابن أبي حاتم بسنده، وكذلك في تفسير ابن إسحاق عن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: (ألقى الله جل وعلا علينا النعاس بعدما وقعت الواقعة).
والنعاس في مواطن القتال علامة النصر وعلامة الإيمان، ولهذا قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ليسوا كلهم: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، هؤلاء هم المنافقون، وهم أخور الناس وأخوفهم، فلشدة الخوف والخور لا يأتيهم النعاس، بخلاف أهل الإيمان فإنه يلقى عليهم النعاس، وهذا علامة النصر وعلامة الظفر في مواطن القتال، والنعاس عند الصلاة علامة استحواذ الشيطان على الإنسان.
يقول عبد الله بن الزبير عن أبيه: ألقي عليّ النعاس حتى صار سيفي يسقط من يدي فآخذه، بينما أنا كذلك إذ سمعت معتب بن قشير كأنه حلم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهذا وإن كان قاله فرد فمؤكد أنه قول طائفة المنافقين أجمع؛ لأنهم كلهم على هذا النحو.
فهم الذين قالوا لإخوانهم: لو أطاعونا ما قتلوا.
والمقصود بالإخوان هنا إما إخوان النسب وليس إخوان الدين؛ لأن المنافقين ليسوا إخواناً للمؤمنين إلا في الظاهر، أو يكون المقصود الظاهر؛ لأنهم يشاركونهم بالأعمال الظاهرة من الصلاة ومن الجهاد وغيرها من أمور الإسلام ولكنهم في الباطن ليسوا إخواناً لهم، فإما أن يقصد به الظاهر أو يقصد به إخوان النسب؛ لأنه معلوم أن الأنصار في القبيلة الواحدة بل البيت الواحد فيه مؤمنون خلص من أفضل المؤمنين، وفيه منافقون.
والنفاق ما كان إلا في المدينة، ولم يكن النفاق إلا بعد وقعة بدر، وقبل ذلك لم يكن هناك نفاق؛ لأن الأمر فيه واضح إما كفر وإما إيمان، والنفاق لا يكون إلا إذا اشتد الإسلام وظهر وصار له قوة وسلطة، عندها يحدث النفاق فيوافقون في الظاهر وهم مخالفون في الباطن، فهؤلاء هم الذين قالوا هذه المقالة أيضاً، ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] يعني: تخلفوا ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] يعني: أطاعونا بعدم الخروج.
وهذا اعتراض على القدر وتأسف على الواقع وحزن عليه، فهم يظنون لو أنهم امتثلوا مشورتهم ما حصل لهم ما حصل، وهذا خلاف الإيمان بالقدر؛ لأن القدر الذي وقع وكتب لابد من نفاذه، ويقال في هذه الآية ما قيل في الآية السابقة تماماً.
стр. 1647
الاستعانة بالله وترك كلمة (لو)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)].
قوله: (وفي الصحيح) يعني: في الحديث الصحيح.
والحديث في الصحيحين: البخاري ومسلم، ولكن اللفظ الذي ذكره هنا من رواية مسلم، ويجوز أن يكون في الصحيح؛ لأنه اختار لفظ مسلم، وهذا جائز، والحديث أوله قوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).
وهذا حديث عظيم، لهذا يقول ابن القيم ﵀: فهذا الحديث يجب على كل مسلم أن يعرفه ويتحلى به، ومعرفته إياه ضرورة أشد من ضرورة الطعام والشراب.
لعظم هذا الحديث، وذلك أن فيه أصلاً عظيماً جداً، وهو الإيمان بالقدر.
стр. 1648
شرح حديث: (المؤمن القوي خير وأحب)
وقوله: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) المقصود بالقوي هنا: القوي في إرادته ودينه وقوة الإيمان لا تستلزم قوة البدن، بل قد يكون الإنسان ضعيف البدن وإيمانه مثل الجبل وعزيمته أقوى من الحجر، وهذا الذي يحبه الله جل وعلا.
فالله جل وعلا قوي يحب القوي من المؤمنين، وهو جميل يحب الجمال، وهو كريم يحب الكرماء، وهو رحيم يحب الرحماء، والمؤمن القوي في أمر الله وفي دينه وفي عزيمته يحبه الله جل وعلا، وهو خير من المؤمن الضعيف.
وهنا كلمة (خير) تفضيل، والجانب الثاني يكون فيه خير، والمؤمن الضعيف فيه خير ولكن المؤمن القوي أفضل منه، ومحبة الله له أفضل من عمله الذي يعمله وأعظم؛ لأن أسباب المحبة هي قوة الإيمان لموافقة أمر الله جل وعلا والامتناع عن نهيه بقوة وعزيمة، هذه هي التي سببت له محبة ربه جل وعلا، فالله يحبه أكثر من المؤمن الضعيف؛ لأن الضعيف قد تغلبه شهوته فيواقع المعصية، وقد تكون إرادته في فعل الفرائض ضعيفة فيترك بعضها، أو يقصر فيها فيحصل له الضعف من نواحي الترك والفعل.
ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب، ويعلم أن هذا العبد القوي والضعيف سيفعل كذا قبل وجوده، ولكن هذا فضل الله يضعه حيث يشاء، فهو أعلم حيث يضع الفضل، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فيضع فضله في المكان اللائق به، ويمنع فضله المكان الذي لا يليق أن يوضع الفضل فيه، والفضل يتفاوت كما في هذا الحديث، وبعض المؤمنين يكونون أحب إلى الله وهم يتفاوتون، وكلما كان إيمان العبد أكمل فمحبة الله له أكثر وأتم.
(وفي كل خير) يعني أن المؤمنين على خير، إلا أنهم يتفاوتون هذا التفاوت العظيم في المحبة وكذلك في الجزاء.
ولهذا عرف أن الجنة درجات بعضها فوق بعض، وما بين درجة والأخرى مثلما بين السماء والأرض، وكون الذي يكون في الأعلى يكون بقوة الإيمان وبكثرة العمل الذي يعمله، وفرق بين من يكون في أدنى درجات الجنة ومن يكون في أعلاها عظيم جداً، فالفرق في الجزاء مرتب على الفرق في القوة في الإيمان والعمل.
ثم قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك) أمر من الرسول ﷺ بالحرص يكون بأمرين: أحدهما: هو بذل الوسع والجهد والطاقة على الفعل.
الثاني: أن يكون الحرص في الفعل النافع.
فإذا وجدا هذان الأمران فمعنى ذلك أن هذا عنوان السعادة للإنسان، فيكون حريصاً ويكون حرصه على ما ينفع، ومعلوم أن النفع المقصود به نفع الآخرة والنفع في الدين، أما الدنيا فإن الله يعطيها من يحب ومن لا يحب؛ لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، أما الدين فلا يعطيه الله جل وعلا إلا من يحبه.
فالمقصود أن الرسول ﷺ أمر بالحرص، والحرص هو بذل الوسع والجهد في العمل، والإنسان يحرص أن يكون حرصه على النافع، ثم يضاف إلى هذين الأمرين الاستعانة بالله جل وعلا، فيفعل السبب ويكون جاداً في ذلك حريصاً عليه مستعيناً بالله.
قوله: (واستعن بالله) وهذا يكون بتمام العبادة، وصاحبه متحلٍ بقوله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
فحرصه على ما ينفع عبادة، والاستعانة بالله جل وعلا على حصول ذلك عبادة، ولهذا يقول ابن القيم ﵀: إن هذا الحديث من أنفع ما ينبغي أن يتحلى به الإنسان ويعرف معناه.
وقوله: (ولا تعجزن) العجز ضد الحرص.
يعني: أن يكسل ويترك العمل لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلا يكلف الإنسان شيئاً لا يطيقه، ولكن لا يترك الشيء الذي يطيقه ويستطيعه، فإن تركه فهو عاجز، فالذي ترك الشيء الذي يستطيع فعله من الطاعات عاجز.
أي: أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وترك ما ينبغي له أن يفعله، وهذا هو العجز.
(ولا تعجزن) والنون هنا مؤكدة، فهي تأكيدٌ للفعل المضارع، فيؤكد ليهتم الإنسان بذلك ويبتعد عن العجز.
ثم قال ﷺ : (فإن أصابك شيء) يعني: إذا حرصت على النافع واستعنت بالله فلم يحصل لك مرادك فلا تقل: (لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاء فعل).
ويجوز أن تقول بالتخفيف (قدر الله) بالإضافة.
يعني: هذا الذي وقع هو قدر الله الذي قدره.
ويجوز أن تقول: (قدّر الله وما شاء فعل)، و (قدّر): يعني: هذا الذي وقع قدّره الله.
والله يفعل ما يشاء تعالى وتقدس، فيسلم الإنسان وينقاد لربه، ويعلم أن عمله الذي عمله لا يؤثر في الواقع في شيء، ولكن الإنسان يؤمر بالحرص والعمل؛ لأنه لا يدري ماذا سيقع، وعند وقوع الشيء فإنه ينقاد لربه ويؤمن بقدره، ويؤمن بأن هذا لا يمكن أن يتغير أو يتبدل، فالأقدار مقدرة غير معلومة، والإنسان مأمور بالطاعة والحرص على ذلك.
وأما الذين يحتجون بالقدر فهم في الواقع يغالطون أنفسهم ويخالفون قدر الله وشرعه، فمثلاً: إذا قلت لإنسان صلِّ يقول: لا.
كتب الله علي ألا أصلي.
فهذا كذب، وفعله كذب ومغالطة، فهل اطلعت على اللوح المحفوظ وعلمت أن الله كتب عليك أنك لا تصلي؟ أو أنك تريد أنك تبرر لفعلك، وتبرر ما أنت عليه فتحتج بالقدر وتجعل اللوم على القدر وتجعل نفسك ليست ملومة؟! هذا هو الواقع، وهذا القول أسوء من الفعل -نسأل الله العافية-؛ لأن العبد إذا وقع في معصية يجب أن يستغفر ويتوب ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ولا يقل: إني مكتوب علي كذا.
فإذا قاله فمعناه أنه يقول: أنا راضٍ بما أنا فيه ولن أغير مما أنا فيه.
وهذا هو الواقع هو الحقيقة، فيجعل اللوم على القدر وهو بريء من ذلك، وكفى بهذا اعتراضاً على الله جل وعلا وعدم امتثال لأمره؛ فإن الله لم يأمر العباد إلا بالشيء الذي يستطيعونه، والشيء الذي يستطيعونه ليس بضيق وبكلفة، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وتعالى وتقدس.
فالواجب على العبد أن يكون عبداً لله جل وعلا ممتثلاً لأمره؛ فإن وقع في شيء لا يرضاه من مصيبة أو ما أشبه ذلك فعليه أن يسلم لقضاء الله الذي قضى، ويؤمن بذلك، ويعلم أنه مكتوب عليه وأنه لا يمكن تغييره، ولهذا ثبت في الصحيحين أن موسى ﵇ قال لربه: (يا رب! أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله جل وعلا آدم، فقال له موسى: أنت أدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟)، وفي رواية: (لماذا خيبتنا ونفسك أخرجتنا من الجنة؟) فقال له آدم ﵇: (أنت موسى الذي كلمك الله بلا واسطة، وكتب لك التوراة بيده، واصطفاك على الناس بكلامه، فقبل كم وجدت في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق: (فعصى آدم ربه فغوى)، فقال موسى: وجدت أن هذا كتب قبل أن تخلق بأربعين سنة) يعني: هذا مكتوب في التوراة وليس هو في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق بأربعين سنة، فقال: (أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق؟! فحج آدم موسى) قالها ثلاثاً، يعني: غلبه في الحجة ومعنى ذلك أن موسى ﵇ لام آدم على المصيبة التي وقعت له وهو ليس بذنب؛ لأن الذنب قد علم موسى أنه تاب منه وتاب الله عليه، والتائب من الذنب لا يجوز أن يلام عليه، والإنسان إذا وقع في ذنب وتاب منه فلا يجوز أن تأتي إليه وتقول: أنت وقعت في كذا وكذا.
فهذا حرام، وموسى أعلم بالله وأتقى من أن يلوم آدم على ذنب قد أخبر الله جل وعلا أنه تاب عليه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، ولكن اللوم على المصيبة والأثر الذي هو الخروج من الجنة، ولهذا قال: (أخرجتنا ونفسك من الجنة)، والخروج مصيبة، ولو كنا في الجنة ما حصل ما يحصل الآن، أعني كون أكثر الناس كفاراً، وكون أشياء كثيرة تحدث، فأخبر أن هذا الشيء مكتوب لا يمكن تغييره ولابد منه، ولهذا غلبه في الحجة، فالشيء الذي يقع للإنسان أمر مقدر عليه يجب أن يسلم ويرضى؛ فإنه لا حيلة له فيه، فما أمامه إلا أن يقول: (قدر الله وما شاء فعل)، أما إذا كان له فيه حيلة مثل المعصية فيجب أن يتوب ويستغفر ويقلع عن الذنب، أما إذا وقع في ذنب يمكن استدراكه ويقول: (هذا قدر الله) ويستمر عليه فهذا لا يجوز، وعليه أن يستدرك ما يستطيع، أما أن يتعذر بالقدر فلا، ولهذا يقول العلماء: الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والمعائب هي الذنوب، ويجب على العبد أن يتوب ويستغفر، والمصيبة التي تقع يجوز أن يقول فيها: الحمد لله، هذا قدر الله، وأنا راضٍ بقدر الله فيتسلى بذلك، كما قال آدم ﵇: (أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق).
فإن فإن وقع الشيء الذي لا تريده وحصل خلاف ما تريد فلا تقل: (لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) يعني: قولك (لو) لا يأتي بخير، وإنما يفتح عمل الشيطان من الأسى والتأسف والحزن والاعتراض على القدر، وعمل الشيطان كله شر يقود الإنسان إلى ما هو شر، ولهذا يرسل الرسول ﷺ للنافع وينهى عما فيه افتتاح عمل للشيطان، وهو أنه إذا وقع في مصيبة فإن كانت المصيبة يمكن استدراكها وتمكن الحيلة فيها والإقلاع عنها إذا كانت ذنباً بالاستغفار فهذا واجب العبد أن يستغفر ويتوب ويقلع عن الذنب، أما إذا كانت مصيبة في ماله أو في نفسه بمرض أو في ولده أو في قريبه أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: هذا قدر الله، وأنا راضٍ بقدر الله، والحمد لله رب العالمين.
وهذا هو شأن العبد المؤمن.
стр. 1649
الوعيد والنهي عن قول (لو)
[قوله: باب ما جاء في اللو أي: من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة كالمصائب إذا جرى فيها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه.
فالواجب التسليم للقدر والقيام بالعبودية الواجبة، وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره، والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الستة].
الصبر أصل عظيم لا يمكن أن يستقيم إيمان الإنسان إلا به، والصبر في دين الله جل وعلا في أمور ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله إذا وقعت، ويجب أن يكون المؤمن متحلياً بهذه الأقسام كلها، فيصبر على الطاعة ويصابر، ويصبر عن المعصية فلا يقع فيها، ويصبر على قدر الله جل وعلا إذا وقع فيه كالمصائب.
[وأدخل المصنف ﵀ أداة التعريف على (لو)، وهذه في هذا المقام لا تفيد تعريفاً كنظائرها؛ لأن مراد هذا اللفظ كما قال الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهله وقوله: وقول الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، قاله بعض المنافقين يوم أحد لخوفهم وجزعهم وخورهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] لقول معتب.
رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: هذا قدر مقدر من الله ، وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله: وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: إذا كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت فينبغي لكم ألا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، يعني أنه هو الذي قال ذلك].
ومما يستشهد به على ذلك لما حضرت الوفاة خالد بن الوليد ﵁ وهو على فراشه قال: (قاتل الله الجبناء -أو قال: لا نامت أعين الجبناء- ليس في بدني موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي) يعني: لأن القدر الذي قدره الله وكتبه لابد من وقوعه.
стр. 1650
العمل بالأسباب لا ينافي القدر ولا يصادمه
[وأخرج البيهقي عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل يسقط سيفي وآخذه ويسقط وآخذه.
قال: والطائفة الأخرى -المنافقون- ليس لها هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، إنما هم أهل ريب وشك بالله .
قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
قال شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال: فلما انخذل يوم أحد وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان -أو كما قال- انخذل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك، فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحنة التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً وينافق كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية أو كان المسلمين ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين وهم مؤمنون بالرسل باطناً وظاهراً، لكنه إيمان لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم، وهؤلاء من الذين قالوا: آمنا فقيل لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: الإيمان المطلق الذي أهله هم مؤمنون حقاً؛ فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة، فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب.
انتهى.
قوله: وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا ما فيه عبرة.
قلت: ونحن كذلك رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو من إعانتهم العدو على المسلمين، والطعن في الدين، وإظهار العداوة والشماتة، وبذل الجهد في إطفاء نور الإسلام وذهاب أهله، وغير ذلك مما يطول ذكره والله المستعان.
قوله: في الصحيح -أي صحيح مسلم - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (احرص) الحديث].
قوله: (باب ما جاء في اللو) المقصود الاعتراض على القدر أو الاعتراض على الشرع، أما الاعتراض على القدر فيكون بعد وقوع الشيء، ينظر إلى الأسباب وإلى الأمور التي يفكر أنه يمكن أن يفعلها، فينجو من ذلك فيقول: لو أني فعلت كذا ما صار كذا وكذا.
وفي نفسه عند هذا القول من الضيق والحرج والأسى والسخط لما وقع فيه، فهو غير راضٍ بما وقع، ويرى أنه يمكن أن يغير، وهذا كله من الكفر بالله جل وعلا.
أما الاعتراض على الشرع فمثله ما ثبت عن أبي عن عبد الله بن أبي رئيس المنافقين حينما قام يخاطب أصحابه في أحد ويقول: رسول الله ﷺ يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان فلهذا حصل ما حصل! فهو يعتمد على ما فعله الرسول ﷺ وما أمر به، ويرى أنه غير حكيم وغير رأي حازم كما هو شأن المنافقين في كل وقت، والآية فيها أن الله جل وعلا قسم الناس إلى قسمين: قسم أنزل عليهم النعاس في مصافهم أمام العدو، ونزول النعاس في موطن الخوف والحرب دليل النصر ودليل الإيمان، لهذا قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يغشى طائفة وليس كلهم.
هذا قسم، وهؤلاء هم أهل الإيمان الخُلَّص الذين تبعوا رسول الله ﷺ عن علم ويقين وبصيرة، وعلموا أنه لا يقع إلا ما قدره الله جل وعلا، وهم راضون بما قدر الله، وإنما إذا وقع ما يرون أنه مصيبة يقولون: (إنا لله وإنا إليه راجعون) فيزدادون بذلك إيماناً.
أما القسم الثاني فهو ما ذكر في قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: ليس لهم هم إلا حياتهم، يخافون الموت ويخافون أن يقتلوا، أما أمر الدين ونصره فهذا لا يهمهم، وإنما همهم كله خوفهم على أنفسهم، ولهذا وصفوا بالجبن لأنهم يخافون أن يقتلوا، ووصفوا بالخذلان لأنهم خذلوا المسلمين في المواطن، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في أحد، فإنه رجع بثلث الجيش، وهؤلاء الذين رجعوا ليسوا كلهم منافقين ولكن عندهم ضعف إيمان، وأما المنافق الخالص فهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ولا يخاطب بمثل هذا ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وسيأتي الكلام على ظنهم هذا وهو ظن الجاهلية: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: لو جعل لنا التصرف وأخذ برأينا وامتثل قولنا ما حصل ما حصل.
وهذا واضح في أنه اعتراض على ما قدره الله، أي: أنهم يقولون: يمكن أن يتغير ما وقع، ولو أخذ برأينا ما وقع القتل.
مع أن هذا شيء قد كتبه الله جل وعلا قبل خلق السموات والأرض ولا يمكن تغييره، فكل ما يقع من دقيق أو جليل فهو بإذن الله بإرادته وبتقديره السابق، والأمور التي يرى أنها أسباب لا تؤثر في ذلك، وإنما يعتقد هذا من لا يؤمن بقدر الله جل وعلا ولا يؤمن بأسماء الله وصفاته؛ لأن من أسمائه وصفاته جل وعلا (العليم الخبير) الذي خلق كل شيء وقدره تقديراً، فلا يقع شيء إلا عن خلقه وتقديره، وقد كتب ذلك في كتاب تأكيداً لهذا، وإلا فالله جل وعلا لا ينسى ولا يخفى عليه شيء، فقول هؤلاء: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] يعنون به: ما قتل من قتل من قومنا ومن إخواننا لأن المقتول لا يقول: ما قتلت.
ولكن عبروا عن قتل إخوانهم بأنه كقتل أنفسهم، وقد علم أن هؤلاء يقولون ذلك غير راضين به، بل ساخطين بما صار وآسفين عليه، ومتضايقين منه أشد الضيق، وهم مع ذلك يعتقدون أنه يمكن أن يتغير، ولو أخذ برأيهم ما وقع ذلك.
فهذا المقصود من المنع من قول (لو) أنها إذا كانت بالاعتراض على قدر الله جل وعلا وعدم الرضا بما وقع، فإن هذا لا يجوز أن يقع من المسلم، أو كان المقصود الاعتراض على تدبير الرسول ﷺ وأمره ونهيه وشرعه الذي شرعه الله له، وأنه غير حكيم، وأن غيره يمكن أن يكون أحسن منه، فهذا اعتراض على الله وهو من الكفر بالله جل وعلا، كما أن الأول أيضاً عدم رضا بتقدير الله وكذلك عدم إيمان به وأنه لم يقدر ولم يقع عن كتابة وعلم سابق ويمكن أن يغير.
أما إذا جاءت (لو) في ذكر شيء يعتقد الإنسان في المستقبل أنه سيفعله، كقول الرسول ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، وكقوله ﷺ (لو كنت راجماً أحداً بلا بينة لرجمت هذه) لامرأة معينة حصلت الملاعنة بينها وبين زوجها، فلما جاءت بالولد فإذا هو على صفة الرجل الذي رمي بها على نعته شبيهاً به، فقال ﷺ : (لو كنت راجماً أحداً بلا بينة لرجمت هذه) أي أن في ذلك يظهر صدق زوجها، ولكن اللعان يمنع من إقامة الحد كما هو معلوم، وكذلك ما جاء من أقواله ﷺ في هذا الباب كما ذكره البخاري في صحيحه، فإنه ذكر جملة من قول (لو) التي تدل على جواز ذلك وليست من هذا الباب، ولهذا نقول: إن الممنوع أن يقولها الإنسان على سبيل التسخط للواقع وأنه يمكن تغييره بأسباب، فإذا قالها على هذا الوجه فهذا ممنوع، وهو قدح في التوحيد؛ بل قد يكون منافياً له، يقولها أيضاً على وجه الاعتراض على الحكمة التي أمر الله جل وعلا به من أجلها.
وقد بين الحكمة جل وعلا في هذه القضية أو شيئاً من الحكمة؛ لأن الحكم كثيرة ولا يعلمها إلا الله جل وعلا، والله جل وعلا يبتلي عباده بأشياء قد لا تظهر لهم الحكمة منها، ويكون ذلك المقصود به تسليم عقولهم لله جل وعلا وانقيادهم بدون اعتراض، أما إذا حصل اعتراض فإنه يحصل الكفر، وهو اعتراض كامن في نفوس كثير من الناس على شرع الله وقدره، وكثير من الناس قد لا يجرؤ أن يقول ما هو في نفسه فيستتر به ويقول: آمنت بالله.
ولكن في قرارة نفسه غير ذلك، وقد -مثلاً- يأمن من اللوم والعتاب أو يأمن من النكال والعقاب ولكنه لا يسلم بما في قلبه، وهذا كثير، حتى إنه يوجد في كلام الذين ينسبون إلى العلم، ولكن علمهم لم ينفعهم، كما يقول المعري معترضاً على الله جل وعلا في أبيات له: إذا كان لا يحظا برزقك عاقل وترزق مجنوناً وترزق أحمقاً فلا ضير -يا ربي- على امرئ رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا ومثلها أشياء كثيرة يذكرها هو وغيره، فهذا اعتراض على الله جل وعلا، وكأنه يقول: إنك لست حكيماً، ولست بعادل، ولست بمنصف؛ لأن الذين ينبغي أن ترزقهم ما يحصل لهم الرزق، والذين ينبغي ألا ترزقهم يرزقون، مثل المجانين والحمقى، أما الأدباء والعقلاء فيتمنون الرزق.
وهذا أول من قاله إبليس -لعنه الله- حينما قال لربه: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٣٣]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] يقول: ينبغي أن يسجد هو لي، وليس أنا الذي أسجد له فهذا اعتراض على الله جل وعلا، ومعلوم أن مثل هذا الذي يعترض على الله لا يرضى أن يكون شريكاً لله، بل يجعل نفسه فوق الله، يجعل نفسه مستدركاً على الله جل وعلا، وهل
следующие страницы →