Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
شرح قوله تعالى: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]].
وهذا في نفس سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦]: يعني لو أطاعونا في مشورتنا لهم بأن لا يخرجوا مع رسول الله ﷺ ما حصل لهم القتل.
وقد أخبر الله جل وعلا في الآية التي قبلها أنهم لو كانوا في بروج مشيدة وكانوا في بيوتهم وفي حصونهم لبرز الذي كتب عليهم إلى مضاجعهم، فلابد أن يأتي شيء يبرزهم إلى ذلك؛ لأن الله كتب قبل خلق السموات والأرض أنهم سيقتلون في هذا المكان، فلابد أن تتهيأ الأسباب إلى إخراجهم إلى المضاجع التي سقطوا فيها قتلى.
فهذا نفس السياق السابق، فهذا شأن المنافقين التحسر على ما وقع، وظنهم أنهم يستطيعون أن يغيروا من الواقع بالتدابير التي يتخذونها، وهذا كذب واعتراض على أقدار الله.
وقد جاء في تفسير ابن أبي حاتم بسنده، وكذلك في تفسير ابن إسحاق عن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: (ألقى الله جل وعلا علينا النعاس بعدما وقعت الواقعة).
والنعاس في مواطن القتال علامة النصر وعلامة الإيمان، ولهذا قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ليسوا كلهم: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، هؤلاء هم المنافقون، وهم أخور الناس وأخوفهم، فلشدة الخوف والخور لا يأتيهم النعاس، بخلاف أهل الإيمان فإنه يلقى عليهم النعاس، وهذا علامة النصر وعلامة الظفر في مواطن القتال، والنعاس عند الصلاة علامة استحواذ الشيطان على الإنسان.
يقول عبد الله بن الزبير عن أبيه: ألقي عليّ النعاس حتى صار سيفي يسقط من يدي فآخذه، بينما أنا كذلك إذ سمعت معتب بن قشير كأنه حلم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهذا وإن كان قاله فرد فمؤكد أنه قول طائفة المنافقين أجمع؛ لأنهم كلهم على هذا النحو.
فهم الذين قالوا لإخوانهم: لو أطاعونا ما قتلوا.
والمقصود بالإخوان هنا إما إخوان النسب وليس إخوان الدين؛ لأن المنافقين ليسوا إخواناً للمؤمنين إلا في الظاهر، أو يكون المقصود الظاهر؛ لأنهم يشاركونهم بالأعمال الظاهرة من الصلاة ومن الجهاد وغيرها من أمور الإسلام ولكنهم في الباطن ليسوا إخواناً لهم، فإما أن يقصد به الظاهر أو يقصد به إخوان النسب؛ لأنه معلوم أن الأنصار في القبيلة الواحدة بل البيت الواحد فيه مؤمنون خلص من أفضل المؤمنين، وفيه منافقون.
والنفاق ما كان إلا في المدينة، ولم يكن النفاق إلا بعد وقعة بدر، وقبل ذلك لم يكن هناك نفاق؛ لأن الأمر فيه واضح إما كفر وإما إيمان، والنفاق لا يكون إلا إذا اشتد الإسلام وظهر وصار له قوة وسلطة، عندها يحدث النفاق فيوافقون في الظاهر وهم مخالفون في الباطن، فهؤلاء هم الذين قالوا هذه المقالة أيضاً، ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] يعني: تخلفوا ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] يعني: أطاعونا بعدم الخروج.
وهذا اعتراض على القدر وتأسف على الواقع وحزن عليه، فهم يظنون لو أنهم امتثلوا مشورتهم ما حصل لهم ما حصل، وهذا خلاف الإيمان بالقدر؛ لأن القدر الذي وقع وكتب لابد من نفاذه، ويقال في هذه الآية ما قيل في الآية السابقة تماماً.
стр. 1647
الاستعانة بالله وترك كلمة (لو)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)].
قوله: (وفي الصحيح) يعني: في الحديث الصحيح.
والحديث في الصحيحين: البخاري ومسلم، ولكن اللفظ الذي ذكره هنا من رواية مسلم، ويجوز أن يكون في الصحيح؛ لأنه اختار لفظ مسلم، وهذا جائز، والحديث أوله قوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).
وهذا حديث عظيم، لهذا يقول ابن القيم ﵀: فهذا الحديث يجب على كل مسلم أن يعرفه ويتحلى به، ومعرفته إياه ضرورة أشد من ضرورة الطعام والشراب.
لعظم هذا الحديث، وذلك أن فيه أصلاً عظيماً جداً، وهو الإيمان بالقدر.
стр. 1648
شرح حديث: (المؤمن القوي خير وأحب)
وقوله: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) المقصود بالقوي هنا: القوي في إرادته ودينه وقوة الإيمان لا تستلزم قوة البدن، بل قد يكون الإنسان ضعيف البدن وإيمانه مثل الجبل وعزيمته أقوى من الحجر، وهذا الذي يحبه الله جل وعلا.
فالله جل وعلا قوي يحب القوي من المؤمنين، وهو جميل يحب الجمال، وهو كريم يحب الكرماء، وهو رحيم يحب الرحماء، والمؤمن القوي في أمر الله وفي دينه وفي عزيمته يحبه الله جل وعلا، وهو خير من المؤمن الضعيف.
وهنا كلمة (خير) تفضيل، والجانب الثاني يكون فيه خير، والمؤمن الضعيف فيه خير ولكن المؤمن القوي أفضل منه، ومحبة الله له أفضل من عمله الذي يعمله وأعظم؛ لأن أسباب المحبة هي قوة الإيمان لموافقة أمر الله جل وعلا والامتناع عن نهيه بقوة وعزيمة، هذه هي التي سببت له محبة ربه جل وعلا، فالله يحبه أكثر من المؤمن الضعيف؛ لأن الضعيف قد تغلبه شهوته فيواقع المعصية، وقد تكون إرادته في فعل الفرائض ضعيفة فيترك بعضها، أو يقصر فيها فيحصل له الضعف من نواحي الترك والفعل.
ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب، ويعلم أن هذا العبد القوي والضعيف سيفعل كذا قبل وجوده، ولكن هذا فضل الله يضعه حيث يشاء، فهو أعلم حيث يضع الفضل، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فيضع فضله في المكان اللائق به، ويمنع فضله المكان الذي لا يليق أن يوضع الفضل فيه، والفضل يتفاوت كما في هذا الحديث، وبعض المؤمنين يكونون أحب إلى الله وهم يتفاوتون، وكلما كان إيمان العبد أكمل فمحبة الله له أكثر وأتم.
(وفي كل خير) يعني أن المؤمنين على خير، إلا أنهم يتفاوتون هذا التفاوت العظيم في المحبة وكذلك في الجزاء.
ولهذا عرف أن الجنة درجات بعضها فوق بعض، وما بين درجة والأخرى مثلما بين السماء والأرض، وكون الذي يكون في الأعلى يكون بقوة الإيمان وبكثرة العمل الذي يعمله، وفرق بين من يكون في أدنى درجات الجنة ومن يكون في أعلاها عظيم جداً، فالفرق في الجزاء مرتب على الفرق في القوة في الإيمان والعمل.
ثم قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك) أمر من الرسول ﷺ بالحرص يكون بأمرين: أحدهما: هو بذل الوسع والجهد والطاقة على الفعل.
الثاني: أن يكون الحرص في الفعل النافع.
فإذا وجدا هذان الأمران فمعنى ذلك أن هذا عنوان السعادة للإنسان، فيكون حريصاً ويكون حرصه على ما ينفع، ومعلوم أن النفع المقصود به نفع الآخرة والنفع في الدين، أما الدنيا فإن الله يعطيها من يحب ومن لا يحب؛ لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، أما الدين فلا يعطيه الله جل وعلا إلا من يحبه.
فالمقصود أن الرسول ﷺ أمر بالحرص، والحرص هو بذل الوسع والجهد في العمل، والإنسان يحرص أن يكون حرصه على النافع، ثم يضاف إلى هذين الأمرين الاستعانة بالله جل وعلا، فيفعل السبب ويكون جاداً في ذلك حريصاً عليه مستعيناً بالله.
قوله: (واستعن بالله) وهذا يكون بتمام العبادة، وصاحبه متحلٍ بقوله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
فحرصه على ما ينفع عبادة، والاستعانة بالله جل وعلا على حصول ذلك عبادة، ولهذا يقول ابن القيم ﵀: إن هذا الحديث من أنفع ما ينبغي أن يتحلى به الإنسان ويعرف معناه.
وقوله: (ولا تعجزن) العجز ضد الحرص.
يعني: أن يكسل ويترك العمل لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلا يكلف الإنسان شيئاً لا يطيقه، ولكن لا يترك الشيء الذي يطيقه ويستطيعه، فإن تركه فهو عاجز، فالذي ترك الشيء الذي يستطيع فعله من الطاعات عاجز.
أي: أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وترك ما ينبغي له أن يفعله، وهذا هو العجز.
(ولا تعجزن) والنون هنا مؤكدة، فهي تأكيدٌ للفعل المضارع، فيؤكد ليهتم الإنسان بذلك ويبتعد عن العجز.
ثم قال ﷺ : (فإن أصابك شيء) يعني: إذا حرصت على النافع واستعنت بالله فلم يحصل لك مرادك فلا تقل: (لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاء فعل).
ويجوز أن تقول بالتخفيف (قدر الله) بالإضافة.
يعني: هذا الذي وقع هو قدر الله الذي قدره.
ويجوز أن تقول: (قدّر الله وما شاء فعل)، و (قدّر): يعني: هذا الذي وقع قدّره الله.
والله يفعل ما يشاء تعالى وتقدس، فيسلم الإنسان وينقاد لربه، ويعلم أن عمله الذي عمله لا يؤثر في الواقع في شيء، ولكن الإنسان يؤمر بالحرص والعمل؛ لأنه لا يدري ماذا سيقع، وعند وقوع الشيء فإنه ينقاد لربه ويؤمن بقدره، ويؤمن بأن هذا لا يمكن أن يتغير أو يتبدل، فالأقدار مقدرة غير معلومة، والإنسان مأمور بالطاعة والحرص على ذلك.
وأما الذين يحتجون بالقدر فهم في الواقع يغالطون أنفسهم ويخالفون قدر الله وشرعه، فمثلاً: إذا قلت لإنسان صلِّ يقول: لا.
كتب الله علي ألا أصلي.
فهذا كذب، وفعله كذب ومغالطة، فهل اطلعت على اللوح المحفوظ وعلمت أن الله كتب عليك أنك لا تصلي؟ أو أنك تريد أنك تبرر لفعلك، وتبرر ما أنت عليه فتحتج بالقدر وتجعل اللوم على القدر وتجعل نفسك ليست ملومة؟! هذا هو الواقع، وهذا القول أسوء من الفعل -نسأل الله العافية-؛ لأن العبد إذا وقع في معصية يجب أن يستغفر ويتوب ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ولا يقل: إني مكتوب علي كذا.
فإذا قاله فمعناه أنه يقول: أنا راضٍ بما أنا فيه ولن أغير مما أنا فيه.
وهذا هو الواقع هو الحقيقة، فيجعل اللوم على القدر وهو بريء من ذلك، وكفى بهذا اعتراضاً على الله جل وعلا وعدم امتثال لأمره؛ فإن الله لم يأمر العباد إلا بالشيء الذي يستطيعونه، والشيء الذي يستطيعونه ليس بضيق وبكلفة، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وتعالى وتقدس.
فالواجب على العبد أن يكون عبداً لله جل وعلا ممتثلاً لأمره؛ فإن وقع في شيء لا يرضاه من مصيبة أو ما أشبه ذلك فعليه أن يسلم لقضاء الله الذي قضى، ويؤمن بذلك، ويعلم أنه مكتوب عليه وأنه لا يمكن تغييره، ولهذا ثبت في الصحيحين أن موسى ﵇ قال لربه: (يا رب! أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله جل وعلا آدم، فقال له موسى: أنت أدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟)، وفي رواية: (لماذا خيبتنا ونفسك أخرجتنا من الجنة؟) فقال له آدم ﵇: (أنت موسى الذي كلمك الله بلا واسطة، وكتب لك التوراة بيده، واصطفاك على الناس بكلامه، فقبل كم وجدت في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق: (فعصى آدم ربه فغوى)، فقال موسى: وجدت أن هذا كتب قبل أن تخلق بأربعين سنة) يعني: هذا مكتوب في التوراة وليس هو في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق بأربعين سنة، فقال: (أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق؟! فحج آدم موسى) قالها ثلاثاً، يعني: غلبه في الحجة ومعنى ذلك أن موسى ﵇ لام آدم على المصيبة التي وقعت له وهو ليس بذنب؛ لأن الذنب قد علم موسى أنه تاب منه وتاب الله عليه، والتائب من الذنب لا يجوز أن يلام عليه، والإنسان إذا وقع في ذنب وتاب منه فلا يجوز أن تأتي إليه وتقول: أنت وقعت في كذا وكذا.
فهذا حرام، وموسى أعلم بالله وأتقى من أن يلوم آدم على ذنب قد أخبر الله جل وعلا أنه تاب عليه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، ولكن اللوم على المصيبة والأثر الذي هو الخروج من الجنة، ولهذا قال: (أخرجتنا ونفسك من الجنة)، والخروج مصيبة، ولو كنا في الجنة ما حصل ما يحصل الآن، أعني كون أكثر الناس كفاراً، وكون أشياء كثيرة تحدث، فأخبر أن هذا الشيء مكتوب لا يمكن تغييره ولابد منه، ولهذا غلبه في الحجة، فالشيء الذي يقع للإنسان أمر مقدر عليه يجب أن يسلم ويرضى؛ فإنه لا حيلة له فيه، فما أمامه إلا أن يقول: (قدر الله وما شاء فعل)، أما إذا كان له فيه حيلة مثل المعصية فيجب أن يتوب ويستغفر ويقلع عن الذنب، أما إذا وقع في ذنب يمكن استدراكه ويقول: (هذا قدر الله) ويستمر عليه فهذا لا يجوز، وعليه أن يستدرك ما يستطيع، أما أن يتعذر بالقدر فلا، ولهذا يقول العلماء: الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والمعائب هي الذنوب، ويجب على العبد أن يتوب ويستغفر، والمصيبة التي تقع يجوز أن يقول فيها: الحمد لله، هذا قدر الله، وأنا راضٍ بقدر الله فيتسلى بذلك، كما قال آدم ﵇: (أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق).
فإن فإن وقع الشيء الذي لا تريده وحصل خلاف ما تريد فلا تقل: (لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا.
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) يعني: قولك (لو) لا يأتي بخير، وإنما يفتح عمل الشيطان من الأسى والتأسف والحزن والاعتراض على القدر، وعمل الشيطان كله شر يقود الإنسان إلى ما هو شر، ولهذا يرسل الرسول ﷺ للنافع وينهى عما فيه افتتاح عمل للشيطان، وهو أنه إذا وقع في مصيبة فإن كانت المصيبة يمكن استدراكها وتمكن الحيلة فيها والإقلاع عنها إذا كانت ذنباً بالاستغفار فهذا واجب العبد أن يستغفر ويتوب ويقلع عن الذنب، أما إذا كانت مصيبة في ماله أو في نفسه بمرض أو في ولده أو في قريبه أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: هذا قدر الله، وأنا راضٍ بقدر الله، والحمد لله رب العالمين.
وهذا هو شأن العبد المؤمن.
стр. 1649
الوعيد والنهي عن قول (لو)
[قوله: باب ما جاء في اللو أي: من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة كالمصائب إذا جرى فيها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه.
فالواجب التسليم للقدر والقيام بالعبودية الواجبة، وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره، والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الستة].
الصبر أصل عظيم لا يمكن أن يستقيم إيمان الإنسان إلا به، والصبر في دين الله جل وعلا في أمور ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله إذا وقعت، ويجب أن يكون المؤمن متحلياً بهذه الأقسام كلها، فيصبر على الطاعة ويصابر، ويصبر عن المعصية فلا يقع فيها، ويصبر على قدر الله جل وعلا إذا وقع فيه كالمصائب.
[وأدخل المصنف ﵀ أداة التعريف على (لو)، وهذه في هذا المقام لا تفيد تعريفاً كنظائرها؛ لأن مراد هذا اللفظ كما قال الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهله وقوله: وقول الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، قاله بعض المنافقين يوم أحد لخوفهم وجزعهم وخورهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] لقول معتب.
رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: هذا قدر مقدر من الله ، وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله: وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] أي: إذا كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت فينبغي لكم ألا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، يعني أنه هو الذي قال ذلك].
ومما يستشهد به على ذلك لما حضرت الوفاة خالد بن الوليد ﵁ وهو على فراشه قال: (قاتل الله الجبناء -أو قال: لا نامت أعين الجبناء- ليس في بدني موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي) يعني: لأن القدر الذي قدره الله وكتبه لابد من وقوعه.
стр. 1650
العمل بالأسباب لا ينافي القدر ولا يصادمه
[وأخرج البيهقي عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل يسقط سيفي وآخذه ويسقط وآخذه.
قال: والطائفة الأخرى -المنافقون- ليس لها هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، إنما هم أهل ريب وشك بالله .
قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
قال شيخ الإسلام ﵀ لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال: فلما انخذل يوم أحد وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان -أو كما قال- انخذل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك، فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق لماتوا على الإسلام ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحنة التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيراً وينافق كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية أو كان المسلمين ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين وهم مؤمنون بالرسل باطناً وظاهراً، لكنه إيمان لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم، وهؤلاء من الذين قالوا: آمنا فقيل لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: الإيمان المطلق الذي أهله هم مؤمنون حقاً؛ فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة، فلم يحصل لهم ريب عند المحن التي تقلقل الإيمان في القلوب.
انتهى.
قوله: وقد رأينا من هذا ورأى غيرنا ما فيه عبرة.
قلت: ونحن كذلك رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو من إعانتهم العدو على المسلمين، والطعن في الدين، وإظهار العداوة والشماتة، وبذل الجهد في إطفاء نور الإسلام وذهاب أهله، وغير ذلك مما يطول ذكره والله المستعان.
قوله: في الصحيح -أي صحيح مسلم - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (احرص) الحديث].
قوله: (باب ما جاء في اللو) المقصود الاعتراض على القدر أو الاعتراض على الشرع، أما الاعتراض على القدر فيكون بعد وقوع الشيء، ينظر إلى الأسباب وإلى الأمور التي يفكر أنه يمكن أن يفعلها، فينجو من ذلك فيقول: لو أني فعلت كذا ما صار كذا وكذا.
وفي نفسه عند هذا القول من الضيق والحرج والأسى والسخط لما وقع فيه، فهو غير راضٍ بما وقع، ويرى أنه يمكن أن يغير، وهذا كله من الكفر بالله جل وعلا.
أما الاعتراض على الشرع فمثله ما ثبت عن أبي عن عبد الله بن أبي رئيس المنافقين حينما قام يخاطب أصحابه في أحد ويقول: رسول الله ﷺ يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان فلهذا حصل ما حصل! فهو يعتمد على ما فعله الرسول ﷺ وما أمر به، ويرى أنه غير حكيم وغير رأي حازم كما هو شأن المنافقين في كل وقت، والآية فيها أن الله جل وعلا قسم الناس إلى قسمين: قسم أنزل عليهم النعاس في مصافهم أمام العدو، ونزول النعاس في موطن الخوف والحرب دليل النصر ودليل الإيمان، لهذا قال الله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يغشى طائفة وليس كلهم.
هذا قسم، وهؤلاء هم أهل الإيمان الخُلَّص الذين تبعوا رسول الله ﷺ عن علم ويقين وبصيرة، وعلموا أنه لا يقع إلا ما قدره الله جل وعلا، وهم راضون بما قدر الله، وإنما إذا وقع ما يرون أنه مصيبة يقولون: (إنا لله وإنا إليه راجعون) فيزدادون بذلك إيماناً.
أما القسم الثاني فهو ما ذكر في قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: ليس لهم هم إلا حياتهم، يخافون الموت ويخافون أن يقتلوا، أما أمر الدين ونصره فهذا لا يهمهم، وإنما همهم كله خوفهم على أنفسهم، ولهذا وصفوا بالجبن لأنهم يخافون أن يقتلوا، ووصفوا بالخذلان لأنهم خذلوا المسلمين في المواطن، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في أحد، فإنه رجع بثلث الجيش، وهؤلاء الذين رجعوا ليسوا كلهم منافقين ولكن عندهم ضعف إيمان، وأما المنافق الخالص فهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ولا يخاطب بمثل هذا ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وسيأتي الكلام على ظنهم هذا وهو ظن الجاهلية: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: لو جعل لنا التصرف وأخذ برأينا وامتثل قولنا ما حصل ما حصل.
وهذا واضح في أنه اعتراض على ما قدره الله، أي: أنهم يقولون: يمكن أن يتغير ما وقع، ولو أخذ برأينا ما وقع القتل.
مع أن هذا شيء قد كتبه الله جل وعلا قبل خلق السموات والأرض ولا يمكن تغييره، فكل ما يقع من دقيق أو جليل فهو بإذن الله بإرادته وبتقديره السابق، والأمور التي يرى أنها أسباب لا تؤثر في ذلك، وإنما يعتقد هذا من لا يؤمن بقدر الله جل وعلا ولا يؤمن بأسماء الله وصفاته؛ لأن من أسمائه وصفاته جل وعلا (العليم الخبير) الذي خلق كل شيء وقدره تقديراً، فلا يقع شيء إلا عن خلقه وتقديره، وقد كتب ذلك في كتاب تأكيداً لهذا، وإلا فالله جل وعلا لا ينسى ولا يخفى عليه شيء، فقول هؤلاء: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] يعنون به: ما قتل من قتل من قومنا ومن إخواننا لأن المقتول لا يقول: ما قتلت.
ولكن عبروا عن قتل إخوانهم بأنه كقتل أنفسهم، وقد علم أن هؤلاء يقولون ذلك غير راضين به، بل ساخطين بما صار وآسفين عليه، ومتضايقين منه أشد الضيق، وهم مع ذلك يعتقدون أنه يمكن أن يتغير، ولو أخذ برأيهم ما وقع ذلك.
فهذا المقصود من المنع من قول (لو) أنها إذا كانت بالاعتراض على قدر الله جل وعلا وعدم الرضا بما وقع، فإن هذا لا يجوز أن يقع من المسلم، أو كان المقصود الاعتراض على تدبير الرسول ﷺ وأمره ونهيه وشرعه الذي شرعه الله له، وأنه غير حكيم، وأن غيره يمكن أن يكون أحسن منه، فهذا اعتراض على الله وهو من الكفر بالله جل وعلا، كما أن الأول أيضاً عدم رضا بتقدير الله وكذلك عدم إيمان به وأنه لم يقدر ولم يقع عن كتابة وعلم سابق ويمكن أن يغير.
أما إذا جاءت (لو) في ذكر شيء يعتقد الإنسان في المستقبل أنه سيفعله، كقول الرسول ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، وكقوله ﷺ (لو كنت راجماً أحداً بلا بينة لرجمت هذه) لامرأة معينة حصلت الملاعنة بينها وبين زوجها، فلما جاءت بالولد فإذا هو على صفة الرجل الذي رمي بها على نعته شبيهاً به، فقال ﷺ : (لو كنت راجماً أحداً بلا بينة لرجمت هذه) أي أن في ذلك يظهر صدق زوجها، ولكن اللعان يمنع من إقامة الحد كما هو معلوم، وكذلك ما جاء من أقواله ﷺ في هذا الباب كما ذكره البخاري في صحيحه، فإنه ذكر جملة من قول (لو) التي تدل على جواز ذلك وليست من هذا الباب، ولهذا نقول: إن الممنوع أن يقولها الإنسان على سبيل التسخط للواقع وأنه يمكن تغييره بأسباب، فإذا قالها على هذا الوجه فهذا ممنوع، وهو قدح في التوحيد؛ بل قد يكون منافياً له، يقولها أيضاً على وجه الاعتراض على الحكمة التي أمر الله جل وعلا به من أجلها.
وقد بين الحكمة جل وعلا في هذه القضية أو شيئاً من الحكمة؛ لأن الحكم كثيرة ولا يعلمها إلا الله جل وعلا، والله جل وعلا يبتلي عباده بأشياء قد لا تظهر لهم الحكمة منها، ويكون ذلك المقصود به تسليم عقولهم لله جل وعلا وانقيادهم بدون اعتراض، أما إذا حصل اعتراض فإنه يحصل الكفر، وهو اعتراض كامن في نفوس كثير من الناس على شرع الله وقدره، وكثير من الناس قد لا يجرؤ أن يقول ما هو في نفسه فيستتر به ويقول: آمنت بالله.
ولكن في قرارة نفسه غير ذلك، وقد -مثلاً- يأمن من اللوم والعتاب أو يأمن من النكال والعقاب ولكنه لا يسلم بما في قلبه، وهذا كثير، حتى إنه يوجد في كلام الذين ينسبون إلى العلم، ولكن علمهم لم ينفعهم، كما يقول المعري معترضاً على الله جل وعلا في أبيات له: إذا كان لا يحظا برزقك عاقل وترزق مجنوناً وترزق أحمقاً فلا ضير -يا ربي- على امرئ رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا ومثلها أشياء كثيرة يذكرها هو وغيره، فهذا اعتراض على الله جل وعلا، وكأنه يقول: إنك لست حكيماً، ولست بعادل، ولست بمنصف؛ لأن الذين ينبغي أن ترزقهم ما يحصل لهم الرزق، والذين ينبغي ألا ترزقهم يرزقون، مثل المجانين والحمقى، أما الأدباء والعقلاء فيتمنون الرزق.
وهذا أول من قاله إبليس -لعنه الله- حينما قال لربه: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٣٣]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] يقول: ينبغي أن يسجد هو لي، وليس أنا الذي أسجد له فهذا اعتراض على الله جل وعلا، ومعلوم أن مثل هذا الذي يعترض على الله لا يرضى أن يكون شريكاً لله، بل يجعل نفسه فوق الله، يجعل نفسه مستدركاً على الله جل وعلا، وهل
стр. 1651
المقصود بالقوة في حديث: المؤمن القوي
حديث الرسول ﷺ هذا الذي روي في الصحيح يقول: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف)، والمقصود بالقوة هنا قوة الإرادة وفعل السبب، قوي في إرادته مبادر إلى ما أمر به بدون توانٍ ولا فتور.
هذا هو القوي الذي يحبه الله؛ لأنه قوي في إرادته وفي عمله الذي أمر به، ويعلم أنه عبد مأمور يجب عليه أن يمتثل ويبادر.
قوله: (أحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: ضعيف الإرادة فقد يكون ضعيفاً في إرادته، وضعيفاً فيما يواجه ولكنه مؤمن ليس عنده اعتراض ولا عنده تسخط، غير أنه ضعيف الإرادة، فهذا يحبه الله، ولكن الأول أحب إلى الله منه، وفي هذا أن الله يحب المؤمنين، وقد جاءت النصوص كثيرة في أن الله يحب أنواعاً من المؤمنين، كما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ويحب الصادقين، ويحب الذين يسارعون في الخيرات.
فالمحبة التي يوصف الله جل وعلا بها صفة تليق به لا يجوز أن نجعلها مثل محبة المخلوقين، ولا يجوز أن نعتقد أن محبة الله كالمحبة التي يفسرها الأشاعرة وغيرهم بأنها ميل في النفس إلى الملائم الذي يقتضي الموافقة أو نحو ذلك؛ فإن هذه محبة المخلوق.
أما محبة الله جل وعلا فهي كبقية صفاته لا نعلم حقيقتها، ولكن نعرف ما معنى المحبة، كما أننا نعرف معنى السمع والبصر، أما حقيقة اتصاف الله جل وعلا بها فهذه لا نعلمها ولا نعرفها، فعلينا أن نثبت ما أثبته الله جل وعلا حقيقة ونؤمن به، ولا نجعله كالشيء الذي نعرفه من أنفسنا، كما أنه جل وعلا هو بنفسه لا يماثل شيئاً من خلقه، وكذلك هو في صفاته.
فالمؤمن القوي محبوب إلى الله جل وعلا أكثر من المؤمن الضعيف، وهو الذي يكون عنده قوة في تنفيذ أمر الله والامتناع عن مناهيه بقوة، ذو إرادة قوية، فهو يفعل الأسباب أسباب الخير، ويجتنب أسباب الشر مستعيناً بربه ومتوكلاً عليه.
стр. 1652
عدم العجز والحرص على ما ينفع
ثم قال ﷺ مؤكداً هذا المعنى: (احرص على ما ينفعك)، وهنا أمر بالحرص، والأمر إما أن يكون واجب الامتثال، أو يكون على الأقل مستحباً، ومثل هذا لا يقال: إنه مستحب فقط؛ لأن من الحرص على ما ينفع فعل الصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان والحج وغير ذلك من الأفعال الواجبة.
قوله: (احرص على ما ينفعك ولا تعجزن) هنا تأكيد؛ لأن العجز هو عدم فعل السبب الممكن فعله، هذا هو العجز، التقاعس عن فعل السبب الذي يستطيع أن يفعله، يقال: عجز عنه، بمعنى ضعف عنه.
أما الشيء الذي لا يستطيع فعله فلا يوصف بأنه عجز عنه، والله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والوسع المقصود به هو الشيء الذي يفعله الإنسان بغير مشقة، هذا هو الصحيح في تفسير الوسع، أما إذا فعل الشيء بمشقة فإنه ليس بوسعه، فالله جل وعلا لم يشق على عباده فيما أمرهم به، بل يريد الله بهم اليسر ولا يريد بهم العسر إرادة شرعية.
فقوله: (احرص على ما ينفعك) أي: على فعل الطاعات وترك المعاصي هذا هو حقيقته، احرص على فعل الطاعة وقم بها واجتنب المعصية، هذا هو النافع في الواقع، وأمور الدنيا أيضاً يجب أن تكون موافقةً لما أمر الله جل وعلا به، فإن كانت في اكتساب مال فيجب أن يحرص على أن يكتسبه من طريق شرعي، بأن يكون حلالاً، حيث لو أنفق منه أثيب، وإذا تصدق منه أثيب، وإذا تركه لمن خلفه أثيب.
أما إذا كان من طريق غير شرعي فإنه إن أنفق منه لم يبارك له فيه، ولم يثب عليه، وإن أنفق منه أيضاً لم يقبل، وإن خلفه للورثه أيضاً لم يثب على ذلك بل يعاقب، فيكون حساباً ثم يكون عذاباً، وأمور الدنيا سبب لأمور الآخرة يجب أن يحرص عليها الإنسان.
ثم إذا حرص الإنسان وفعل السبب فليست الأسباب مرتبة على مسبباتها؛ لأنها قد تتخلف، ولأن الأسباب لها موانع، ولا يقع إلا ما أراده الله جل وعلا، فإذا وقع للإنسان الشيء الذي لا يريده وما كان يتوقعه فهنا له حالة أرشد الرسول ﷺ إليها، وهي أن يرضى ويسلم، ويقول: الحمد لله، ويقول: هذا تقدير الله، وأنا مؤمن به وراضٍ.
стр. 1653
عدم الاعتراض على أقدار الله
قوله: فلا تقل: (لو أني فعلت كذا وكذا) يعني: لو أني ما قلت كذا أو ما فعلت كذا ما صرت إلى هذا الذي صرت إليه.
لأن هذا اعتراض على القدر، فكأنه يقول: لو أني فعلت كذا ما وقع علي هذا الشيء.
وهذا الذي وقع لا يمكن تغييره، ولو اجتمع الخلق كلهم على أن يمنعوا وقوعه لما استطاعوا؛ لأن الله كتبه وقدره، فقل: قدر الله وما شاء فعل.
فإن لو تفتح عمل الشيطان، وعمل الشيطان هو الاعتراض على القدر، وهو التأسف والأسى والحزن لما وقع وعلى ما فات، هذا عمل الشيطان، ثم يوقعه ذلك في الاعتراض على ربه جل وعلا.
وعمل الشيطان كله شر ويدعو إلى الشر ونهايته أن يجتمع الإنسان معه في النار، وهذا الذي يسعى إليه الشيطان، ومقصوده كله أن يلقيه في النار ثم يتخلى عنه ويتبرأ منه هناك، فماذا تكون الحالة؟ يكون من أسوأ ما يكون، فإن الشيطان إذا أوقع الإنسان في الشر تبرأ منه، كما أخبر الله جل وعلا في ذلك أنه إذا اجتمعوا في النار، يقوم خطيباً في أهل النار -قيل: إنه ينصب له منبر حتى يسمعه أهل النار كلهم- ويقول لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: ليس لي عليكم حجة وبرهان يجعلكم تتبعوني، وإنما هي دعوة: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، مجرد دعوة فقط، ثم قال لهم: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: ما أنا بمغن عنكم، وما أنا بمغيثكم، وأنتم كذلك لسم بمغنين عني ولا مغيثين لي، ثم يقول: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، هذه هي الحالة، ثم يلعن بعضهم بعضاً ويكون بعضهم عدواً لبعض، فهذا عمل الشيطان يؤول إلى هذا الشيء، والرسول ﷺ حذر من ذلك، وأنك إذا وقعت في شيء تكرهه: (فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)، يعني: هذا قدر الله لا يمكن تغييره، وأنا راضٍ به ومؤمن به؛ لأنه لا يتغير، ومسلم لذلك غير معترض ولا منزعج ولا متسخط وآسف على ما أنا فيه؛ فإن تقدير الله كله خير، كما قال الرسول ﷺ : (عجباً للمؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)، فهذا ما يكون إلا للمؤمن الذي يكون على هذه الصفة.
стр. 1654
حال الإنسان عند النعم والمصائب وحقيقة كل منهما
[والقسم الثاني: ما يجري على العبد بغير فعله من النعم والمصائب، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] والآية قبلها، فالحسنة في هاتين الآيتين النعم، والسيئة المصائب، هذا هو الثاني من القسمين].
الآية التي قبلها هي قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨]، قال جل وعلا: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨]، ثم جاءت الآية التي بعدها: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، والحسنة هنا المقصود بها الخير الذي يصاب به الإنسان، إما رزق، وإما عافية في بدنه، وإما ولد، وإما غير ذلك مما هو مفروح به ومسرور به، فكل ما نفع الإنسان فهو حسنة.
أما السيئة هنا في هاتين الآيتين فالمقصود بها المصيبة، مثل مرض، ونصر عدو، وفقد ولد، وذهاب مال، وما أشبه ذلك، فالله جل وعلا أخبر أن كلاً من عنده، يعني: كله مقدر من عند الله، سواء أكان حسنة أم سيئة: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تقديراً وخلقاً وإيجاداً.
ثم فصل جل وعلا فقال: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) يعني: من فضل فهو بفضله وكرمه وجوده وإحسانه، فعليك أن تشكر ربك وتعرف منته عليك.
وقوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يعني: بسبب نفسك.
فما أصبت إلا بذنبك الذي أذنبت؛ لأن الناس لو أقاموا أمر الله لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وَلَمَا أصابهم شيء، ولكن لم يقيموا أمر الله ولم يستطيعوا ذلك، فهم يعصون الله، وهذه حكمة الله، فلابد أن يذنبوا، كما قال الرسول ﷺ : (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)؛ لأن الله غفور رحيم.
لو أن الخلق لم يذنبوا فأين معنى (غفور)؟ وأين معنى (رحيم)؟ وأين معنى (بر)، و (رحمن)؟ لابد أن تظهر معاني أسماء الله جل وعلا على خلقه، لابد أن تظهر، لابد أن يذنبوا فيرحمهم ويستر عليهم ويعفو عنهم، لابد، ولكن يجب أن لا يتعمدوا المعاصي، ويجب أن لا يعاندوا، ويجب أن لا يكابروا، ويجب أن ينقادوا لله، ثم إذا وقعوا في الذنب يجب أن يعترفوا بالتقصير ويستغفروا ربهم، فإنه إذا كان هذا شأنهم فإن الله يغفر لهم.
[وأظن شيخ الإسلام ﵀ ذكره في هذا الموضع، ولعل الناسخ أسقطه والله أعلم.
ثم قال ﵀: فإن الإنسان ليس مأموراً أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجري عليه المصائب التي لا حيلة له في دفعها].
يعني أن الإنسان إذا أمر بأمر من الأمور ما يجوز له أن يقول: إن كان هذا مقدراً علي سأفعله.
لا يجوز هذا، بل يجب أن يقول: سمعاً وطاعة كما يقع لبعض المعاندين أو الجاهلين إذا قيل له: لماذا ما تصلي؟ يقول: ما كتب لي أن أصلي.
وهذا غير صحيح، فما يدريك؟ وهل وأطلعت على الغيب؟ وأطلعت في الكتاب؟ لا.
ولكنك راضٍ عما أنت فيه، وتريد أن تبرر لنفسك فعلك وتجعل اللوم على القدر، فهذا هو الواقع؛ لأنه إذا وقع الإنسان في مصيبة، فهنا نعم ينظر إلى القدر، فيقول: الحمد لله، هذا قدر الله.
ويتسلى بذلك.
أما عند فعل الواجبات وترك المحرمات فإنه يجب أن يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فإذا وقع في محرم لا يقل: هذا بقدر.
بل يقول: أستغفر الله وأتوب إليه؛ لأن الاستغفار والاعتراف بالتقصير هو الواجب عليه، ولا يقل: هذا مقدر علي لأنه إذا قال ذلك فمعنى ذلك أنه راضٍ بما صار، وأنه يرى أنه على حق، وأن القدر هو الذي يلام، وهذا لا يجوز أن يقع من المسلم.
أما المصائب التي ليست ذنوباً مصائب مثل فقد ولد، وفقد مال، واحتراق وما أشبه ذلك فهنا يقول: هذا تقدير الله أو مثلاً رفعت مصيبة تترتب على فعل ذنب، مثل أن يسرق سارق فتقطع يده، فمثل هذا إذا نظر إلى يده فإنه يقول: الحمد لله هذا تقدير الله.
أما السرقة فلا؛ لأن السرقة هي فعل السارق يجب أن يتوب منها ويستغفر، أما المصيبة فهي ما ترتب على ذلك وهو قطع اليد، فهذه مصيبة.
فالمصيبة يلتفت إلى القدر فيها؛ لأنه لا حيلة له في ذلك، أما السرقة فله حيلة وهي الاستغفار والتوبة، فيستغفر ويتوب ولا يحتج بالقدر على وقوع السرقة؛ لأنها فعله، وهذا هو معنى ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين أن موسى ﵇ قال: (يا رب! أرني آدم فأراه الله جل وعلا آدم، فقال له: أنت آدم أبو البشر؟ قال: نعم.
قال: لماذا خيبتنا ونفسك أخرجتنا من الجنة؟ فقال: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه؟ قال: نعم.
قال: قبل كم وجدت في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: وجدته مكتوباً عليك قبل أن تخلق بأربعين سنة، فقال: أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى).
هنا لا يجوز أن يقال: إن موسى ﵇ لام آدم على الذنب؛ لأن آدم ﵇ تاب من الذنب، والذنب إذا تيب منه لا يجوز أن يذكر؛ لأنه لم يصر عليه، فهو انتهى، فلا يُعَير إنسان بذنب أصابه، ولكن لامه على الخروج من الجنة، والخروج هو المصيبة التي ترتبت على الذنب، فهو لامه على المصيبة، ولهذا احتج آدم بالقدر على المصيبة، قال: (أتلومني على شيء قد كتب علي؟)، فهذا لا يمكن استدراكه ولا حيلة فيه.
فهكذا -مثلما قلنا- في السارق تماماً: إن الذنب الذي وقع منه إن كان تاب من السرقة فلا يجوز أن نعيره بذلك أو نلومه عليه، ولكن إذا قيل له: لماذا قطعت يدك؟ يقول: هذا قدر الله، والحمد لله.
أما قوله في حديث آدم: (قبل كم وجدت مكتوباً في التوراة قبل أن أخلق؟ فقال: بأربعين سنة)، فهذا لا ينافي الحديث الذي في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي فيه: (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وآدم آخر المخلوقات، وقال: بأربعين سنة).
فهذا مكتوب في التوراة، والتوراة الله كتبها بيده جل وعلا، خطها بيده تعالى وتقدس، ثم أنزلها على كليمه، فالله جل وعلا باشر ثلاثة أشياء بيده: غرس جنة عدن بيده تعالى وتقدس، وخلق آدم بيده، وخط التوراة لموسى بيده.
وهذا جاء في الصحيح عن النبي ﷺ ، أما بقية الأشياء فإنه يقول لها جل وعلا: (كوني) فتكون: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، تعالى وتقدس، ولا يعجزه شيء، وهذا خاص، ولهذا قال الله جل وعلا لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، كأنه جل وعلا يقول: أنا لم أتكبر عن مباشرة الخلق بيدي، وأنت تتكبر من أن تسجد له.
فالمقصود أن الاحتجاج بالقدر على المصيبة التي تصيب الإنسان هو من باب التسلي، يتسلى بذلك ويقول: هذه المصيبة لا حيلة لي فيها قد كتبت علي ولهذا يقول العلماء: الاحتجاج بالقدر على المصائب والآلام لا على المعائب والآثام، والمعائب: هي الذنوب، فما يجوز أن يحتج على الذنب ويقول: هذا الذنب الذي فعلته مقدر علي.
بل يجب عليه أن يتوب ويستغفر.
стр. 1655
وجوب التسليم والرضا بقدر الله سبحانه
[وأظن شيخ الإسلام ﵀ ذكره في هذا الموضع، ولعل الناسخ أسقطه والله أعلم.
ثم قال ﵀: فإن الإنسان ليس مأموراً أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم فاصبر عليه وارض وسلم، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
ولهذا قال آدم لموسى: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى)؛ لأن موسى قال له: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونها ذنباً، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه طوائف من الناس فليس مراداً بالحديث، فإن آدم ﵇ كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس.
انتهى.
قال العلامة ابن القيم ﵀: فتضمن هذا الحديث أصولاً عظيمة من أصول الإيمان: أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة.
الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القوي ويجب المؤمن القوي، وهو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين.
ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض.
ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص: هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محموداً، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصاً، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإن حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه من غير حرص فاته من الكمال بقدر ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع.
ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمره أن يستعين بالله ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله تعالى، ولا يتم إلا بمعونته، فأمره أن يعبده وأن يستعين به، فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله، ضد العاجز، فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه.
فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان: عجز، وهو مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى (لو) ولا فائدة في (لو) هاهنا، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان.
فنهاه ﵌ عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجوب المقدور.
وإن انتفت امتنع وجوده، ولهذا قال: (فإن غلبك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول المطلوب، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبداً، بل هو أشد إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام بالعبودية ظاهراً وباطناً في حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق.
انتهى].
خلاصة الباب أن العبد يجب عليه إذا أصابه شيء أن يسلم ويرضى بالله جل وعلا، وأن يجتنب قولة: لو فعلت كذا لكان كذا لأن قولة: (لو) لا يخلو الأمر لمن قالها من أن يكون متسخطاً لما يقع وغير راضٍ به، أو أنه يعتقد أن الأسباب التي يذكرها -لو فعلت كذا لكان كذا- أنه يمكن أن تغير الواقع، وهذا كله خلاف الإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، فإنه لابد أن يعلم أن كل ما يقع فإنه معلوم لله أزلاً وقد كتبه، وأنه يقع على وفق كتابة الله له وعلمه ويكون في الوقت المحدد، ولا يمكن أن يتغير أو يزيد أو ينقص.
ثم إن العبد مأمور بفعل السبب والحرص على ما ينفع، فيفعل الأسباب ويحرص عليها، ويقوم بها ويستعين بالله جل وعلا، وهذا هو معنى الكسب والاختيار، أي: أنه يعمل الأعمال التي توكل إليه باختياره، يفعلها بقدرته، وفعله ينسب إليه حقيقة.
فالله جل وعلا خلقه وخلق له قوى، وخلق له الفكرة والإرادة التي يريد بها مع المقدرة، فالمقدرة والإرادة مخلوقتان لله جل وعلا، وهي للعبد، ويفعل بالقدرة وبالإرادة فيكون الفعل له وإن كان مقدراً، ففعل العبد لا ينافي التقدير، كونه ينسب إليه ويضاف إليه حقيقة أنه فعله، فالله هو الذي خلق العبد وخلق له الإرادة والقدرة، فصار فعله مكتسباً له يثاب عليه أو يعاقب عليه.
فبهذا يجتمع القدر مع فعل العبد حقيقة، ولا يكون فيه مخالفة ومنافاة كما يعتقد أهل الضلال، فهذا هو الحق الذي دلت عليه النصوص، وهو الذي يقول به أهل السنة.
стр. 1656
تفسير مسائل باب ما جاء في اللو
[فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران].
قوله جل وعلا: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] عرفنا أن معنى قوله: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ) يعني: لو كان التدبير إلينا والاختيار لنا، ولكنه للرسول ﷺ ، فهو اعتراض على شرع الله، واعتراض على قدر الله جل وعلا، ولهذا ذموا في ذلك.
[الثانية: النهي الصريح عن قول: (لو) إذا أصابك شيء].
فإن النهي هنا يقتضي التحريم، فإذا أصاب الإنسان شيء وقال: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا فهذا يكون محرماً.
[الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يصبح عمل الشيطان].
هو عاب التعليل لكونه يفتح عمل الشيطان، فلا يكفي في كون الأمر محرماً، ولكن هذا من الحكمة؛ لأن الإنسان إذا ذكرت له العلة يقتنع ويقف غالباً، ولكن أمر الله وأمر رسوله ﷺ يجب أن يمتثل ولو لم يعلم الإنسان حقيقة ذلك وحكمته.
[الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن].
هذا الكلام الحسن هو قول الرسول ﷺ : (قل: قدر الله وما شاء فعل)، فالإنسان إذا وقع في شيء يكرهه يقول هذا القول الحسن، والمراد بالقول الحسن: قدر الله وما شاء فعل.
يعني: أن تقديره فيه التسليم والانقياد، والإخبار أن الواقع لا يتغير عما أراده الله جل وعلا.
[الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله].
الرسول ﷺ أمر بالحرص، والحرص جعله فيما ينفع، والذي ينفع هو عمل طاعة الله جل وعلا، هذا هو النافع، سواءٌ أكان بامتثال الأمر أو باجتناب النهي.
[السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العزم].
стр. 1657
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٣]
نهى الشرع العظيم عن سب الريح، وعن ظن الجاهلية في الأقدار، أما سب الريح: فمنهي عنه؛ لكونها مسخرة ومأمورة منه تعالى، ولأن في سبها سب للمسخر لها تعالى الله وتقدس.
أما ظن الجاهلية: فمنهي عنه؛ لأنه سوء ظن بالله، واعتراض على قدره سبحانه، والواجب على المسلم إحسان الظن بربه، والرضى بقضاء الله وقدره.
стр. 1658
وجه النهي عن سب الريح
قال الشارح ﵀: [قال المصنف رحمه الله تعالى: باب: النهي عن سب الريح].
الريح مدبرة مأمورة مسخرة لله جل وعلا، فإذا سبت الريح وقع السب على من دبرها وأمرها؛ لأن السب هو اللعن والشتم، ويكون السبب ممن تضرر من ذلك غالباً إما بضرب، أو بحر أو بشدة الريح وكونها تلقي شيئاً أو تقلع شجراً أو تهدم بيتاً، أو ما أشبه ذلك.
وسبها محرم لا يجوز ولا يقع ذلك إلا من الجاهل الذي لا يعلم بأفعال الله وأسماء الله وشرعه، وقد سبق ما في سب الدهر من النهي، وهذا مثله، ولكنه ذكر هذا الباب، والنهي جاء فيها خاصاً، وهو داخل فيما سبق من النهي عن سب الدهر؛ لأن كلما هو مدبر لله ومأمور مسخر لا يجوز سبه، والإنسان ما تصيبه مصيبة إلا بسبب ذنبه.
والله جل وعلا قد يبتلي الإنسان بإنسان مثله فيناله منه ضرر، ويكون ذلك بسبب ذنبه، ولكن إذا كان الذي ناله الضرر على يده عاقلاً، فإن العاقل يعاقب؛ لأن فعله كسبه ويلام على ذلك، ومع ذلك لابد أن يكون تقديراً من الله جل وعلا، ويكون بسبب ذنوبه، حتى قال بعض السلف: (إني لأعصي الله جل وعلا فأرى أثر ذلك في خلق زوجتي وولدي ودابتي) يعني: أنه يرى ذلك عقاباً له بسبب ارتكاب المعصية، وهذا يكون لمن يحسون بالمعصية ويحسون بأثرها؛ لأن قلوبهم حية.
أما إذا كثرت الذنوب فقد لا يحس الإنسان بذلك، فلا يدري، فتتراكم الذنوب بعضها على بعض، ويكون أثرها ضعيفاً جداً، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، فالران هو تغطية القلب حتى لا يحس بشيء، لا يحس بالمصيبة، ولا يحس بالألم، والقلب يمرض مثل البدن، وقد يكون مرضه أشد، وقد يموت والعياذ بالله، وإذا مات فمعنى ذلك أن هذا هو الخسران التام.
وإذا كان مريضاً فقد يشفى وقد لا يشفى، فقد يبقى وقد يموت مريضاً، وما يناله صاحب هذا القلب من المصائب في الدنيا قد يكون غير غير كافٍ في التكفير عنه، فيقع عليه العذاب في القبر، وقد لا يكفي فيقع عليه العذاب في الموقف، وقد لا يكفي فيقع عليه العذاب في النار، ولابد أن يكون؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا الطاهرون الطيبون الذين هذبوا وخلصوا من كل قبح.
المقصود أن سب الريح يقع من الجهال الذين لا يعرفون أسماء الله جل وعلا، ولا يعرفون أحكامه، وإذا وقع من إنسان فإنه يجب عليه أن يتوب منه، فيرجع إلى ربه ويستغفره؛ ولأن سب الفعل يعود على الفاعل، والريح من أفعال الله، وهي مأمورة منه .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به) صححه الترمذي].
فهذا الحديث يرشد فيه الرسول ﷺ إلى الأدب، فيما إذا نال الإنسان شيء من الريح وأذى؛ لأن الريح قد تحمل أشياء وقد تلقيها، وقد تكون عذاباً، وقد تكون رحمة، ولهذا جاء أن الريح من روح الله، ومعنى (من روح الله)، من رحمته، والرحمة قد تكون رحمة عامة وقد تكون خاصة، وقد تكون عذاباً، كما قال الله جل وعلا في عاد لما رأوا السحاب مقبلاً إليهم: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]، قيل لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥]، أي: تدمر كل ما مرت عليه.
ولهذا كان الرسول ﷺ إذا رأى السحاب ورأى الرياح يتغير لونه ويدخل ويخرج، حتى يرى ذلك عليه ظاهراً، فسئل عن ذلك فقال: (وما يؤمنني إن قوماً رأوا السحاب فقالوا: ((هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) [الأحقاف:٢٤]، قيل: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥]).
فيخشى أن الخلق إذا عصوا الله جل وعلا أن يأخذهم بأي شيء وبأي وسيلة.
والمقصود أن الريح مأمورة، وهي حاملة للخير والرحمة من السحاب والمطر الذي يرحم الله جل وعلا به عباده، فتكون ملقحة له، وتكون سبباً للخير، ولهذا أخبر الله جل وعلا أنها بشرى، يعني: إذا جاءت الرياح تكون بشرى بين يدي رحمة الله جل وعلا، أي: بين يدي نزول المطر، ومع ذلك قد تكون عذاباً، كما هو واقع الآن من الكوارث التي تسببها الريح.
والواجب على العباد أن ينظروا إلى أن ما يقع لهم من ذلك إنما هو تأديب لهم من الله، وكثيراً ما يقول الناس الآن: إن الكوارث طبيعية، فهم يجعلونها كوارث طبيعية ويرجعونها إلى الطبيعة، وما ندري ما هي الطبيعة؟ هل الطبيعة حرارة وبرودة، أو النفس، أو النار هي نفسها طبيعة؟ إن الطبيعة لا تعمل شيئاً، وإنما هو بتدبير الله جل وعلا حتى يتعظ العباد وينزجروا عن المعاصي، وكثيراً ما نسمع أن العواصف دمرت كذا وقتلت كذا وأصابت كذا، وهو كله بأمر الله جل وعلا وبعقابه، يعاقب العباد لعلهم يرعوون ويرجعون إليه، فإذا حدث من ذلك شيء فإن على الإنسان أن يعلم أنه هو السبب، وأن ما أصابه بذنبه، فيرجع إلى ربه ويستغفر ويتوب، ولا يسب الريح؛ فإنها مطيعة لله جل وعلا، أمرت فأطاعت، وإذا سبها عاد السب عليه؛ لأن من لعن شيئاً لا يستحقه فهو الملعون.
وقد جاء في حديث ذكره الشافعي ﵀: أن سب الريح سبب للفقر -أي: من أسباب وجود الفقر-، فإنه جاء في حديث منقطع (أن الرسول ﷺ رأى رجلاً يشكو حاجة شديدة فقال: لعلك تسب الريح؟ قال: نعم)، فيكون ذلك من الأسباب أعني: من عقاب الله جل وعلا.
فإذا رأى الإنسان الريح يقول ما أرشد إليه الرسول ﷺ ، فيسأل الله من خيرها وخير ما بعثت به، ويستعيذ بالله جل وعلا من شرها وشر ما بعثت به، وأن يلجأ إلى الله جل وعلا.
стр. 1659
مناسبة باب النهي عن سب الريح لكتاب التوحيد
[لأنها -أي: الريح- إنما تهب عن إيجاد الله تعالى وخلقه لها وأمره؛ لأنه هو الذي أوجدها وأمرها، فمسبتها مسبة للفاعل، وهو الله سبحانه، كما تقدم في النهي عن سب الدهر وهذا يشبهه، ولا يفعله إلا أهل الجهل بالله جل وعلا ودينه، وبما شرعه لعباده.
فنهى ﵌ أهل الإيمان عما يقوله أهل الجهل والجفاء، وأرشدهم إلى ما يجب أن يقال عند هبوب الرياح، فقال: (إذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به)، يعني: إذا رأيتم ما تكرهون من الريح إذا هبت، فارجعوا إلى ربكم بالتوحيد، وقولوا: (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به).
ففي هذا عبودية لله وطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واستدفاع للشرور به، وتعرض لفضله ونعمته، وهذه حال أهل التوحيد والإيمان، خلافاً لحال أهل الفسوق والعصيان، الذين حرموا ذوق طعم التوحيد، الذي هو حقيقة الإيمان].
مناسبة الباب لكتاب التوحيد أن مسبة الريح ذنب قد يكون كبيراً ينافي التوحيد، وقد يكون أقل من ذلك فينافي كماله؛ لأن الذنوب كلها تنقص التوحيد، فإن كانت من الشرك بأن يكون يرى أن الريح هي التي تتصرف وتفعل بنفسها، فهذا من الشرك بالربوبية وهو مناف للتوحيد، وإذا سبها على أنها هي الفاعلة لذلك، وهي التي تستطيع أن تفعل وتمتنع فهو مناف للتوحيد بالكلية، أما إذا سبها على سبيل أنها سبب من الأسباب، فهذا من الذنوب التي تلطخ توحيد الإنسان.
ثم يجب أن يكون الإنسان متعلقاً بالله دائماً، وأن يرجع إليه عند كل ما ألم به، عند الرغبة والرهبة، ولا يجوز أن يلتفت إلى مخلوق، سواءً أكان ريحاً أم كان ميتاً من الأولياء؛ فإنهم لا يملكون شيئاً، وإنما يرجع إلى ربه في كشف المكروه، كما يلجأ إليه في استجلاب المرغوب فيه والنافع، فعلى العبد أن يتعلق بربه دائماً، وهذا هو حقيقة التوحيد، أن يكون قلبه متعلقاً بربه جل وعلا، ويرى أنه كلما حدث من شيء فإنه بإحداث الله جل وعلا، وأنه لا يصيبه إلا ما قدره الله، وأن كل نعمة تحصل له فهي من فضل الله جل وعلا وجوده وكرمه وعفوه، حيث عفا عنه؛ لأنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض أحداً.
стр. 1660
تفسير مسائل باب النهي عن سب الريح
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح].
يعني أن النهي هنا يكون للتحريم، فيحرم على الإنسان سب الريح.
[الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره].
يعني الدعاء الذي يدعو به الإنسان كما أرشد إليه الرسول ﷺ ، فيقول: (اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أمرت به).
[الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر].
يعني: قد تكون خيراً، فالله جل وعلا يسوق بها السحاب الذي فيه المطر، وقد تكون عذاباً ينتقم الله جل وعلا بها ممن يشاء من عباده.
стр. 1661
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٤]
الواجب على العبد أن يعرف ربه، وأن يظن به الظن الحسن، فإحسان الظن من الإيمان، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده اعتراضاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا.
стр. 1662
معنى ظن الجاهلية وظن السوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقوله:: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح:٦].
стр. 1663
المقصود من إيراد هاتين الآيتين في الباب
قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، وفسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح.
وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة فذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً].
المقصود من ذكر هذا الباب أن المؤلف ﵀ أراد تبيين وجوب حسن الظن بالله جل وعلا، وأن كل ما يقع من فعل الله وتدبيره أنه حسن جميل، وأنه وقع من حكيم عليم عدل يضع الأمور في مواضعها، ويكون الإنسان هو محل الاتهام فيتهم نفسه؛ لأنه لم يقم لله جل وعلا بما يجب عليه.
وذكر الآية التي مر ذكر بعضها في الباب وهي في سياق قصة أحد، لما ذكر الله جل وعلا أنه صدق المؤمنين وعده؛ لأنه وعدهم أن ينصرهم ولكن بشرط الصبر وعدم الفشل والتنازع، فلما حصل التنازع وحصلت المخالفة تخلف الوعد الذي وعده، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢] يعني: هذه كلها حصلت، ولكن لما حصل التنازع وحصلت المعصية تخلف النصر، فأديل العدو عليهم فحصل ما حصل.
ثم بعد ذلك ذكر جل وعلا استنكارهم بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] أي: من أين جاء هذا وكيف؟ فأجابهم سبحانه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] يعني: أنتم السبب وهذا وهم مع رسول الله ﷺ .
ثم ذكر مِنَّته وعليهم بعد هذا بعد ما حصلت الهزيمة وحصل القتل، ذكر أنه أنزل عليهم نعاساً فقال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فالله جل وعلا يجب أن يظن به الحق دائماً؛ لأنه هو الحق وقوله الحق، ودينه الحق، وحكمه الحق، ووعده حق جل وعلا، وظن الجاهلية وصف بالجاهلية، والجاهلون هم الذين يجهلون أمر الله، ويجهلون صفات الله، ويجهلون مقتضى أسمائه ويجهلون حكمته، وذكر أن هذا الظن الذي ظنوه بالله أنه ينصر العدو على نبي الله جل وعلا نصراً مستقراً، حيث يقتل الرسول ﷺ ويضمحل دينه ويمحى، بين أن هذا ظن السوء، وأن هذا ظن الجاهلية؛ لأن حكمة الله تأبى هذا.
وقد أخبر أنه ينصر رسوله ويؤيده ويظهر دينه على الدين كله، وفسر هذا الظن بأنه إنكار للقدر، أي أن هذا الذي أصابهم ليس مقدراً لله جل وعلا.
ومعلوم أن المقدر لابد من حصوله، بل حصول الشيء لابد أن يكون له سبب، فتأتي الأسباب والأسباب مقدرة، كما أن النتائج مقدرة، كل شيء مقدر، وإن كان الإنسان يؤخذ بعمله، ولكن الله هو الذي خلق الإنسان وأفعاله وما يصدر منه، فكله مقدر لله جل وعلا، وإن كان الإنسان هو السبب فسيكون اللوم عليه.
وفسر الظن بإنكار الحكمة التي انتصر العدو فيها وأصيب من أصيب.
وقد ذكر الله جل وعلا علتين في ذلك: الأولى: التمحيص والتمحيص معناه: التخليص والتصفية.
بأن يخلص المؤمنين من ظنونهم، فيكون هذا تمحيصاً لذنوبهم.
الثانية: الابتلاء وإظهار ما في النفوس وما في القلوب من الشيء المكنون.
فالله يعلم ما في قلوب العباد، ولكن من كمال عدله أنه لا يؤاخذ إلا على الفعل الظاهر.
فلما حصل ذلك وظهر ما في قلوب كثير من الناس وبرز صاروا يقولون: لا نسمع، يظنون بالله ظن السوء: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) ما وقع هذا، ويقولون: لو كان لنا تدبير، ولو كان لنا نهي وأمر ما وقع ذلك.
فهم يعتقدون أنهم يستطيعون أن يغيروا الواقع، ويقولون ذلك على سبيل التسخط والتحسر والأسى الذي أصابهم، فهم غير راضين بما قدره الله جل وعلا.
فهذا من الحكم التي ذكرها الله جل وعلا في إدالة العدو، وإدالة العدو لا تكون إلا تمحيصاً، ولا تكون مستقرة، فلابد أن تكون النهاية والنصر في آخر الأمر للمؤمنين، للرسول ﷺ ومن معه.
стр. 1664
عموم الظن السيئ بالله في كل ما يخالف أمره ومقتضى أسمائه وصفاته سبحانه
ذكر عن ابن القيم أن ظن الجاهلية عام في كلما يخالف أمر الله، أو ما يخالف مقتضى أسمائه وصفاته، فمن ظن أن الله جل وعلا يساوي بين المؤمنين والمجرمين فقد ظن بالله ظن السوء، ومن ظن أنه يحبط أعمال المؤمنين بذنب أو كبيرة يفعلها المؤمن وهو قد عاش حياته كلها في الطاعة فقد ظن بالله ظن السوء، مثل الخوارج الذين يقولون: إذا فعل الإنسان كبيرة من الذنوب فهو كافر ويخلد في النار.
ومن ظن أن عمله يذهب عليه ولا يحفظ له، ولا يجزى بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة مثلها فقد ظن بالله ظن السوء، ومن ظن أن الله لا يعلم ما في قلبه ولا يطلع على أفعاله فيجازيه عليها إن كانت خيراً فخيراً، وإن كانت شراً فإنه يعاقبه بما يستحق فقد ظن بالله ظن السوء، فكلما ظن الإنسان خلاف شرع الله وخلاف مقتضى أسماء الله جل وعلا، فإنه يظن بالله ظن الجاهلية.
والآية الأخرى التي في سورة الفتح: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦]، وفي قراءة أخرى: (ظَنَّ السُّوْءِ)، والسوء خلاف الحسن وخلاف الجميل وخلاف العدل والحق.
стр. 1665
استحقاق الله للحمد في المبدأ والمنتهى
فالله جل وعلا كل ما يفعله فهو عدل وحق يحمد عليه، ولهذا بين جل وعلا أن أفعاله كلها خير، وأنه يستحق عليها الحمد في المبدأ وفي المنتهى، ولهذا ذكر حمده في مبدأ الخلق وذكر حمده في نهايته، فقال جل وعلا في المبدأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] هذا حمده في المبدأ، فهو المحمود على كل ما يفعله جل وعلا.
وحمده في المنتهى كما قال جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، فالملائكة يقضى بينهم بعد القضاء بين العباد، وقد قال قبل هذا: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٦٩] لقد جيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق، وسائر الناس بعد ذلك، ثم انتهى بالملائكة.
فالمقصود أن هذا يدل على أنه يحمد حتى على دخول أهل النار النار، يحمد على ذلك، وأهل النار أنفسهم يقرون بهذا ويعترفون أن هذا هو جزاؤهم، وأنهم في المحل اللائق بهم الذي اقتضته حكمة الله جل وعلا، ويجب أن يظن الإنسان بربه خيراً ويحسن الظن بربه، ولهذا جاء قول الرسول ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي الحديث القدسي أن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، فمن ظن خيراً وجده، ومن ظن سوءاً أو شراً وجده)، ولكن الظن يكون تبعاً للفعل، ليس معناه أن الإنسان يفعل المعاصي ويترك الواجبات، ويقول: أنا أظن بربي الظن الطيب والظن الحسن، وأنه سينجيني وسيتفضل علي.
فهذا تفريط وغرور من الشيطان، فالإنسان يجب عليه أن يمتثل أمر الله ويجتنب نهيه، ثم يظن بربه الظن الجميل الحسن أنه يجازيه ويعفو عنه، وأنه يجازيه على القليل كثيراً ويعفو عن سيئاته، ويجب أن يكون عند لقاء ربه أحسن ظناً منه في حالة صحته؛ لأنه أصبح أسيراً بين يدي الله جل وعلا، فعليه أن يحسن الظن بربه؛ لأن الله يعفو الذنب العظيم ويقبل اليسير بجوده وكرمه وسعة رحمته، وقد أرشدنا الرسول ﷺ إلى ذلك، وجاء في الحديث: (لو يعلم الظالم والكافر ما عند الله من الرحمة والخير لطمع في ذلك)، مع أنه في المقابل المجتهد والمحسن لو يعلم ما عند الله من العقاب والنكال لأصابه من القلق ومن الخوف الشيء العظيم.
ولهذا يقول الرسول ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)؛ لأنه هو أعلم الخلق بالله ﷺ ، وذكر (أن الله جل وعلا لما خلق النار أمر جبريل ﵇ أن يذهب وينظر إليها، فنظر إليها فقال: لقد ظننت أن لا يسمع بها أحد فيدخلها، وخلق الجنة وأمره أن يذهب وينظر إليها فقال: لقد ظننت أن لا يسمع بها أحداً إلا ودخلها)، ثم إن النار حفت بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره، فقال له جل وعلا: (اذهب فانظر، فقال: لقد خشيت أن لا ينجو من النار أحد وأن لا يدخل الجنة أحد).
فلابد للإنسان أن يبتلى بحب الدنيا والتمسك بها كثيراً، ولهذا تجده وإن كان مريضاً، -والمرض بريد الموت ورسول الموت- تجده يأمل ويخطط، وربما يخطط في نفسه أنه سيفعل ويفعل ويفعل، فهو متعلق بالدنيا مع أن الدنيا ليست شيئاً، وإذا مات فإنه لابد أن يبقى في قبره أكثر من بقائه على ظهر الأرض، وهذا بلا شك؛ لأن حياة الإنسان محدودة، فالرسول ﷺ يقول: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين)، هذه هي فترة الموت تبدأ من بعد الستين، وقليل من يجاوزها أو يجاوز السبعين، فأكثر الناس في هذا ما بين الستين إلى السبعين، فما هي الستون سنة أو السبعون سنة؟ ليست شيئاً، هي عمر شاة أو عنز، والإنسان أكثر عمره يذهب إما في نوم وإما في لعب وإما في أكل وشرب أو شهوة أو ما أشبه ذلك، إذاً ما الذي يمضيه في طاعة الله؟ أكثر عمره للدنيا، وقليل منه لآخرته، مع أنه مسافر إلى الله جل وعلا إلى الآخرة، كل الناس مسافرون إلى الآخرة، فمنهم من وصل وانتهت مراحله، ومنهم من هو في الطريق، والأيام والليالي كفيلة في تقريب المسافة وطوي المراحل.
ثم إذا بقي في قبره يبقى طويلاً، وقد يكون في قبره إما منعماً وإما معذباً ولابد؛ لأن القبر دار بعد هذه الدار، برزخ بين الحياة الدنيا وبين الآخرة، ودار البرزخ حياة في الواقع، ولكن الله أعلم بها فلا نعلم حقيقتها، فبعض الناس تكون حياته في البرزخ أكمل من حياته في هذه الدنيا، كحياة الأنبياء، فالأنبياء حياتهم أكمل من حياتهم في هذه الدنيا بغير شك، بل الشهداء الله جل وعلا أخبر أنهم أحياء، وأنهم عند ربهم يرزقون، ونهانا أن نسميهم أمواتاً، حيث قال سبحانه: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] يعني: ما نشعر، وما نعرف حقيقة حياتهم، حقيقة حياتهم الله أعلم بها.
وليست هذه الحياة حياة روح فقط؛ لأن حياة الروح للمؤمن والكافر، للبر والفاجر، فالروح لا تموت، كلنا مشتركون في حياة الروح، ولكن حياة الشهداء والأنبياء حياة روح وبدن، وإن كان البدن قد يتفكك، والعظام نراها بالية، وقد تكون تراباً، ولكنها حية في الواقع حياة ما نعرفها نحن.
وقد يتنعم وهو في قبره على هذه؛ لأن هذا من أمور الغيب وأمور الآخرة، وأمور الآخرة كلها غيب، ثم بعد ذلك مدة طويلة، ويكون في قبره إذا بعث، ومنهم من يقول: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس:٥٢].
يعني: كأنه مضى وقت قصير جداً.
ولهذا يتساءلون فيما بينهم إذا حشروا، يقولون: كم لبثتم؟ فبعضهم يقول: لبثنا يوماً، وبعضهم يقول: بعض يوم، وبعضهم يقول: لبثنا ساعة، كل الدنيا وما مر منها كأنه ساعة، فهل هذا كذب؟! هل يقولون وهم يكذبون؟! لا، وإنما هذا الذي أوصلهم إليه فكرهم ونظرهم وواقعهم الذي هم فيه.
فالله جل وعلا يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٤٥] فقط يتعارفون، يعني: يعرف بعضهم بعضاً ثم ينتهون.
فإذا كان الأمر هكذا فيجب على العبد أن يعمل ويحسن الظن بربه جل وعلا، ويعلم أنه هو محل الظن السيئ؛ لأن نفسه مركبة من الجهل ومن الظلم، فالإنسان جهول وظلوم، وإذا اجتمع جهل وظلم ماذا يكون؟ يكون الشر كله، وهذه هي طبيعة النفوس كلها، كل نفوس بني آدم ركبت من الجهل والظلم، ولكن الله يمن على من يشاء فتتهذب نفوسهم بالوحي، بأوامر الله، وبما يأتي به الرسل من الله جل وعلا، تتهذب وتتخلق بأخلاق الملائكة، وقد يكون التخلق قليلاً وقد يكون كثيراً بحسب التأثر.
فيجب على العبد أن يكون ظنه بنفسه ظن السوء؛ لأن النفس أمارة بالسوء، وتحب الباطل وتحب خلاف الحق.
والحق عند غالب النفوس ثقيل، ولهذا يصف العلماء الحق بأنه مر، فيجب أن يعمل الحق وإن كان مراً؛ لأن الله جل وعلا أمر به فيجب أن يمتثل، ولكن إذا وطن الإنسان نفسه على أمر الله، تصبح في الواقع حياته سعيدة، فكونه يعمل بطاعة الله يجد أنه أحلى من الشهوات التي ينالها من الدنيا، ولا مناسبة بينها، فهو بهذا يجد حلاوة الإيمان وحلاوة الطاعة، ويكون في طمأنينة وفي سعادة، ويزداد كل يوم خيراً، وهو يفرح بلقاء الله جل وعلا، ويكون مشتاقاً إلى ذلك، فإنه لما حضرت الوفاة بلال بن رباح ﵁ صارت زوجته تقول: وا كرباه، وهو يقول: (وا قرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه) فالمؤمن في سعادة، وإن كان أهله والذين حوله يرون أنه في شقاء وفي كرب، والواقع أنه ليس في كرب، سعادة تغمره حتى تنسيه ألم المرض وكرب الموت، وهكذا قبل ذلك وإن ناله ما ناله من الدنيا؛ لأنه يعرف أنه مسافر إلى الله، مثلما قال الرسول ﷺ : (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال تحت ظل دوحة ثم سار وتركها).
يعني: إنما أنا كمن أدركته القيلولة فارتاح قليلاً تحت شجرة ثم سار، هذا مثله في الدنيا، فمثل هذا هل يركن إليها؟ وهل يطمئن بها؟ المسافر إذا كان مسافراً في بلد من البلاد تجده يعد العدة للرجوع إلى أهله وإلى وطنه، فهكذا العبد في هذه الدنيا، وكثيراً ما يضرب الرسول ﷺ الأمثال لهذا، كما ضرب الله جل وعلا الأمثال فيها، ومن الأمثال البليغة المطابقة تماماً لحالتنا ما قاله ﷺ : (إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم سلكوا طريقاً، فلما صاروا في وسطه، لا يدرون ما مضى أكثر أو ما بقي أكثر، انتهى زادهم وماؤهم وانقطع ظهرهم)، يعني: لا مركوب ولا مأكول ولا مشروب، فما حالتهم؟ أيقنوا بالموت هنا (بينما هم كذلك ينتظرون الموت إذ طلع عليهم رجل يقطر رأسه ماء، فقالوا: إن هذا حديث عهد بماء، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: كما ترى ننتظر الموت، فقال: أرأيتم إن دللتكم على ماء روي ورياض خضراء أتطيعونني؟ قالوا: نعم ولا نعصي لك أمراً، فقال: عهودكم -يعني: أعطوني العهود والمواثيق على ذلك- فأعطوه ما شاء من عهود ومواثيق، فسار بهم إلى مياه كثيرة ورياض خضراء، فبقوا فيها يشربون ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ صاح بهم: الرحيل، فقالوا: إلى أين؟ فقال: إلى رياض هي خير من هذه الرياض، ومياه أعذب من هذه المياه وأفضل، فقال أكثرهم: والله ما وصلنا إلى هذه الرياض وهذا الماء ونحن نصدق أننا ننجوا فأبوا أن يطيعوه، وأطاعه قليل منهم فنجا بهم ونجوا، وتخلف أكثرهم فصبحهم العدو، فأصبحوا ما بين قتيل وأسير).
فهذا هو مثل الرسول ﷺ ومثلنا، فالذي يطيع الله ورسوله ويفعل الواجبات ويجتنب المحرمات ينجو ويكون في عيشة هنيئة، والذي يعصيه وإن رأى أنه في عيشة طيبة فهو في الواقع في عيشة ضنك، وإذا كان يوم القيامة تتضاعف هـ
стр. 1666
وجوب إحسان الظن بالله في حكمه وعدله وأموره كلها
[باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤] الآية، وهذه الآية ذكرها الله تعالى في سياق قوله تعالى في ذكر وقعة أحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: أهل الإيمان والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله تعالى ينصر رسوله ﵌ وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: لا يغشاهم النعاس من الجزع والقلق والخوف، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، كما قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢].
وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة ظنوا أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الأمور الشنيعة.
عن ابن جريج قال: قيل لـ عبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج اليوم، قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على ما تضمنته وقعة أحد: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأنه لا ينصر رسوله ﵌، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل.
وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﵌ وأن يظهره على الدين كله.
هذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]].
من ظن بأحكام الله جل وعلا وأوامره أنها غير عدل، وأنها غير حكيمة، فهو يظن بالله ظن السوء، فالذي يتضجر من حكم شرعي أقيم عليه، أو يرى أن غير حكم الشرع أحسن منه وأنه أكمل وأتم للإنسان الذي يكون هو أرقى المخلوقات، ويرى أنه لا يليق بالإنسان أن تقطع يده، أو أن يرجم إذا زنى وهو محصن، أو أن يكون الرجل أكثر إرثاً من المرأة، أو أن يكون الرجل عنده زوجتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وأن هذا غير عدل، الذي يظن مثل هذا يكون ظن بالله ظن السوء.
[قال ابن القيم ﵀ في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، وفسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة فذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً].
الواجب على العبد أن يعرف ربه جملة إذا أمكن ذلك، وأن يظن به الظن الحسن، وأن يحسن الظن بالله، فإحسان الظن من الإيمان، لهذا جاء الأمر به: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه)، وفي الحديث القدسي يقول الله جل وعلا: (أنا عند ظن عبدي بي، فمن ظن خيراً وجده، ومن ظن شراً وجده)، وليس معنى ذلك أن الإنسان يسيء ويعصي ويترك الواجبات، ثم يقول: أنا أظن بالله جل وعلا ظناً حسناً!! والله يضع الأشياء في مواضعها؛ لأنه حكيم تعالى وتقدس، فكل ما صدر عن الله جل وعلا فهو خير، وأما هذا فإنه فسر بالشيء الخاص، كما ذكر: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وكذلك: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦]، والسوء جاء تفسيره في الآية الأخرى التي بعدها حيث قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]، فظنهم ظن السوء في هذه الآية فسر بأنهم ظنوا أن الرسول ﷺ ومن معه يقتلون، وأن الكفار ينتصرون، وأن الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ينتهي أمره ويزول، هذا ظن السوء بالله جل وعلا.
стр. 1667
صور من ظن الجاهلية وظن السوء
وشيء آخر من ظن الجاهلية وظن السوء هو إنكار أن الله قدر هذا الذي وقع على المؤمنين يوم أحد، وإنما ذلك بمقتضى الأسباب، وهي قوة الكفار وكون المسلمين صاروا قلة فوقع ذلك، وليس هناك تقدير سابق وعلم أزلي لله جل وعلا، وهذا تنقص لله جل وعلا؛ لأنه -كما سيأتي- لا يقع شيء من قليل أو كثير أو صغير أو كبير في الكون إلا بمشيئة الله وتقديره جل وعلا؛ لأنه هو الرب المتصرف في كل شيء، وكل ما سواه مخلوق يتصرف فيه جل وعلا كيف يشاء بمشيئته.
وكذلك كونه يظن الإنسان أنه يفعل الشيء على مقتضى المشيئة فقط بغير حكمة، كما يظنه كثير من الجهال، وإن كانوا يزعمون أنهم علماء؛ لأن كل من جهل أمر الله فهو جاهل، يقولون مثلاً: تجد الإنسان عاقلاً، تجده أديباً، تجده لبيباً، ثم تجده فقيراً مدقعاً تضيق عليه وجوه الحياة في معيشته، وتجد إنساناً أحمق جاهلاً تجد عنده من الدنيا الشيء الذي لا يستطيع أن يصرفه، ثم يقولون: هذا ليس من الحكمة، فهذا اعتراض على الله جل وعلا وهو من أقبح الظن بالله جل وعلا وأسوئه، ومن لقي الله جل وعلا بمثل هذا فهو من الهالكين الذين يستحقون عذاب الله جل وعلا.
فالله جل وعلا خلق الخلق بعلمه وتقديره ومشيئته وقدرته، ووزع عليهم أرزاقهم حسب مشيئته وإرادته وتقديره وحكمته، ولا يلزم أن يكون الإنسان عارفاً بالحكمة؛ لأن الإنسان قاصر، وقد ابتلى الله جل وعلا عقولهم هل تخضع وتنقاد لله جل وعلا ولأوامره، أو تعترض وتقف حتى في الأمور التي أمر الإنسان أن يزاولها كثيراً، مثل أمور العبادات وغيرها مثل الوضوء والغسل من الجنابة وما أشبه ذلك.
فالعقل ليس له دخل في هذا، كون الوجه يغسل، وكون اليدين تغسلان إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ويمسح على الرأس، فالصلاة لا تصح إلا بهذا، فهذا قد لا يدرك الحكمة منه كثير من الناس.
ولهذا كثير من هذه الأمور إذا ذكرها العلماء قالوا: هذا تعبدي ومعنى (تعبدي): أنا نفعله عبادة لله وخضوعاً له سبحانه، ولو لم نعرف الحكمة، ومن ذلك كثير من أعمال الحج، مثل رمي الجمار، فقد يعترض بعض الناس على ذلك ويقول: ما الفائدة من رمي الجمار؟ وليس كما يعتقده الجهال أن الشيطان يرمى، لا، وإنما هذا منسك من المناسك نؤديه كما أمرنا، ونرمي بهذه الحصيات كما أمرنا، وليس الشيطان واقفاً هناك يرمى، الشيطان لا يقف للناس يرمونه، ولا يجوز أن يسمى شيطاناً، بل يقال: رمي الجمار منسك من المناسك، فقد يقول -مثلاً- بعض الناس: ما الحكمة في هذا؟ وكون الناس يتزاحمون على هذا المكان يرمون بهذه الحجارة لا نرى له نفعاً دنيوياً، ولا نرى شيئاً يمكن يقابل ما يقع من الزحام ومن الموت أحياناً! نقول له: هذا أمر تعبدي، أمر الله جل وعلا عباده بذلك، فما عليهم إلا أن يخضعوا ويذلوا.
ومن ذلك المبيت بمنى، والمبيت بمزدلفة، والوقوف بعرفات، والطواف بالبيت، وسائر أعمال الحج على هذا المنوال، وقد فهم الصحابة هذا؛ لأنهم ذوو العقول، ولأنهم أعمق الناس عقولاً وأكملهم إيماناً وأتمهم إدراكاً، فأدركوا ذلك وصاروا يقولون في تلبيتهم: (لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً) تعبداً كوننا نجيب ما أمرتنا به تعبداً لك بدون أن نطلع على حكمة ذلك.
وكذلك في مخلوقات الله جل وعلا، يقول قائل مثلاً: نجد بعض الحشرات ما الفائدة من وجودها؟ ما فيها إلا مضرة، مثل الذباب، ومثل البعوض، ومثل الحيات والعقارب والخنافس وما أشبه ذلك! هناك ناس يقولون هذا.
نقول: إن عقلك قاصر، ولا يجوز أن تعترض على الله جل وعلا في خلقه وإيجاده، ولا في أمره وشرعه، ولا في قضائه وقدره، يجب أن تكون عبداً منقاداً لأوامر الله وتسلم وتذعن لذلك، وإلا فلن تعجز الله، والأمر يسير لدى الله جل وعلا إذا عصى الإنسان ربه.
فشرعه الذي بعث به رسوله ﷺ كثير منه على هذا النحو.
ولهذا لا يجوز للإنسان أن يبحث عن الأسرار ويقول: ما السر في كذا؟ ما الحكمة في كذا؟ لأن هذا غالباً يدعو إلى الاعتراض وإلى التعنت والتكبر على الله جل وعلا، وهذا هو الطريق إلى الهلاك، وكذلك حينما بعث الله رسوله ﷺ بالدين وعد أنه سيظهره على الدين كله وأنه سينصره، فيجب أن يؤمن بوعده، وإذا حصلت انتكاسة على المسلمين وانتصار للكافرين فهذا معناه أنه تمحيص لذنوب المؤمنين بسبب المعاصي التي يقعون فيها.
فالله قد ذكر الحكمة جل وعلا في ذلك، ثم قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥]، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، يعني: بسبب ما فعلتموه أنتم.
وجاء ذلك أيضاً في آيات آخر، مثل قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، يعني: لو يؤاخذكم بكل ما فعلتموه لما بقي على وجه الأرض أحد، ولكنه يعفو عن كثير جل وعلا، ثم الأمر مثلما قال ﷺ : (إن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) يعني: يؤجر على ذلك عندما يصبر ويحتسب، وتحصل بذلك على حسنات.
(وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له) بخلاف الكافر والمنافق، فإنه لا يشكر ولا يصبر، وإنما شأنه الاعتراض، ثم الظن بالله جل وعلا أنه ما يفعل شيئاً إلا لحكمة، ولا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم قد تكون ظاهرة لهم وقد لا تكون ظاهرة، ولا يقدر شيئاً إلا لحكمة عظيمة قد يعرف شيء منها وقد لا يعرف.
стр. 1668
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٥]
سوء الظن بالله من أكبر الكبائر، بل هو من سمات المنافقين والكفار، فإنهم يظنون بالله أنه لن ينصر دينه، ولن يعلي كلمته، وأن أهل الباطل ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، ولكن الله يخيب ظنهم، ويجعل دائرة السوء عليهم في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 1669
معنى ظن الجاهلية
قال رحمه الله تعالى: [قال المصنف رحمه الله تعالى: قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على ما تضمنته وقعة أحد: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضاء الله وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسول الله ﷺ وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]، وإنما كان هذا هو ظن السوء وظن الجاهلية -وهو المنسوب إلى أهل الجهل- وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون.
فمن ظن به سبحانه أنه لا ينصر رسله ولا يتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً فقد ظن بالله ظن السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته].
ظن السوء وظن الجاهلية هو الظن بأن الله لا ينصر رسوله ولا ينصر حزبه، والمقصود بالنصر هو إظهار ما جاء به، ولا يلزم من ذلك أنه لا يحصل فيهم قتل ولا يحصل فيهم مصائب، هذا ليس لازماً، بل أخبر جل وعلا أن من الفتن التي يديل الكفار بها على المؤمنين أنه ليتخذ من المؤمنين شهداء، أي: يوجد منهم شهداء يقتلون.
والشهادة هي أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها المؤمن، كما قال الرسول ﷺ : (وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل).
وذكر أنه لا يوجد مؤمن يموت فيرى ما أعد الله له فيود أنه يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يود أن يحيا مرة أخرى فيقتل؛ لما يرى من الكرامة التي أكرمه الله جل وعلا بها، فكون الكفار -مثلاً- قد يكون لهم نصر على المؤمنين وقد يقع قتل في المؤمنين فإن هذا من الحِكَم، وكذلك يكون تمحيصاً عاماً للمؤمنين، ولكن لا يمكن أن يُدال الكفار إدالة كاملة بحيث يقضون على المؤمنين نهائياً ويقضون على الإسلام.
وظن السوء الذي ظنه المنافقون هو أما كونه يحصل في المؤمنين قتل، أو يحصل عليهم بسبب ذنوبهم ومخالفاتهم شيء من المصائب، أو شيء من تسلط العدو عليهم، وهذا ثابت في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ الرسل كلهم، ولما أرسل الرسول ﷺ كتاباً إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام كان لا يقرأ العربية، والرسول ﷺ أرسل إليه الكتاب باللغة العربية، فلما ترجم له الكتاب اهتم به كثيراً، ثم أمر أن يُبحث في الشام عن أحد من قومه، فوجد جماعة من المشركين منهم أبو سفيان قبل أن يسلم، فجيء بهم إليه فسألهم: من رئيسكم؟ فأخبروه أنه أبو سفيان، فقدمه أمامهم وأجلسهم خلفه وقال: إني سائله فإذا صدق فصدقوه يعني: قولوا: صدق.
وإن كذب فقولوا: كذب.
فصار يسأله عن مسائل، منها أنه قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقال: الحرب بيننا وبينه سجال، مرة يُدال علينا ومرة نُدال عليه يعني: مرة يكون النصر له ومرة يكون النصر لنا ثم بعد نهاية الأسئلة قال هرقل لـ أبي سفيان: كذلك الرسل يبتلون، ولكن العاقبة لهم.
وهكذا يكون القتال بين الرسل وبين الكافرين، مرة ينصرون ومرة ينتصرون عليهم، ولكن العاقبة تكون للأنبياء، وهذه هي سنة الله جل وعلا.
فمعنى الظن السيء بالله جل وعلا هو ما ظنه هؤلاء المشركون والمنافقون أن الإسلام ينتهي ويكون الكفر هو المسيطر فيُقتل الرسول ﷺ ومن معه ويمحى دينهم، وهذا خلاف حكمة الله وخلاف أمره ووعده فهو من ظن السوء وظن الجاهلية.
أما القول بأنه إنكار الحكمة فمعنى ذلك أن كل فعل يفعله الله جل وعلا أو أمر يأمر به فله فيه حكمة عظيمة، والحكمة: هي وقوع الشيء على وفق ما يكون عدلاً وحقاً تقر به العقول السليمة وتستحسنه وترى أن هذا هو أحسن ما يكون، وليس خلافه أحسن بل هو الأحسن، وكل شيء يفعله الله جل وعلا فهو بهذه المثابة، فله الحكم في أمره وفي تقديره وفي شرعه، وحكمه عدل وحق، ولا تخالف الحكمة العقل النظر، ولكن قد تدرك العقول ذلك وقد تقصر عنه، فإذا قصرت عنه فيجب أن تسلم لله جل وعلا أنه حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي يحسن وضعها فيه.
ومن ذلك إيمان المؤمن وكفر الكافر، فهو جل وعلا يعلم من يستحق الفضل والإحسان فيتفضل عليه ويهديه للإيمان، ويعلم من لا يستحق ذلك فيحجب عنه فضله.
وكذلك مِنْ الظن السوء إنكار أنه قدر هذه الأشياء التي تقع، فهذه ثلاثة أقوال: الأول: إنكار نصر الله جل وعلا لرسوله وإظهار دينه.
الثاني: إنكار الحكمة في الأوامر التي يأمر بها والمقادير التي يقدرها.
الثالث: إنكار القدر، وأن ذلك لم يقع بقدر وإنما هو على وفق الأسباب التي تجب، ومن كان أقوى فهو ينتصر، فكل ظن من هذه الظنون فهو خلاف الحكمة، ويكون من ظن السوء بالله جل وعلا.
стр. 1670
الاعتراض على الله في جعله الخلق متفاوتين من ظن السوء به سبحانه
وكذلك من أنكر شيئاً يتعلق بالإنسان نفسه، فقد يقع أيضاً في ظن السوء بالله جل وعلا، كأن يرى أنه لابد أن يكون غنياً ولكنه افتقر، واللائق به أن يكون صحيحاً وألا يناله مرض لأنه لا يستوجب ذلك، فإذا ناله شيء من الفقر أو من المصائب أو من الهموم أو من الأمراض فإنه يقول: هذه أمور وقعت خلاف ما ينبغي أن تقع وهذا أيضاً قد يؤول إلى الكفر بالله جل وعلا.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أشياء عن بعض الناس تدل على أن كثيراً من النفوس عندها الاعتراض على الله، وإنما يكون هذا الاعتراض كامن فيها، فيعترض على الله في خلقه، ويقولون مثلاً: لماذا وجود الخلاف؟ يكون بعض الناس مريضاً وأجرب وما أشبه ذلك فيقولون: ما الحكمة من هذا؟ وهذا لا يفعله حكيم! تعالى الله وتقدس عما يقولون.
وينكرون أن يكون فلان فقيراً وفلان غنيا، ً حتى إن بعضهم قال: كان أحد الفقهاء الذين يعرفون بمعرفة الأحكام يتردد علي كثيراً.
يقول: فمرض فعدته، فسمعته يقول: ما هذا التعذيب؟ إن كان يريد أن يميتني فليس لهذا التعذيب معنى! ثم يقول: والله لو أنزلني الفردوس ما كان ذلك مشكوراً بعد هذا الذي حصل.
أعوذ بالله من سوء الخاتمة، فهذا كان فقيهاً ثم يصدر منه مثل هذا الكلام الجريء على الله، ويقول: لو أنزله الله الفردوس ما كان مشكوراً؛ لما حصل له من المرض.
وهذا خلاف المؤمن الذي إذا أصابه المرض فرح، فقد قال الرسول ﷺ : (لا تسبوا الحمى؛ فإنها حظ المؤمن من النار)، أي: لأنها تمحص الذنوب.
وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً، فقلت: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً.
قال: نعم.
كما يوعك رجلان منكم فقلت: ذلك لأن لك أجرين؟ قال: نعم)، فمن فضل الله على الإنسان أن يعترف بأن كل ما وقع عليه هو بقدر الله جل وعلا، فيجب أن يحسن الظن بربه، وإن أدرك الإنسان الحكمة من ذلك فليطمئن، وإلا فعليه أن يسلم لربه جل وعلا حتى يكون عبداً لله، ولا يجوز أن يجعل مشاركاً لله في ذلك، ولا أن ينزل نفسه منزلة فوق منزلة الله -تعالى الله وتقدس- حتى يصبح يعترض على الله، فالشيطان لما أمره الله جل وعلا بالسجود لآدم اعترض على ربه وقال: كيف أؤمر بالسجود وأنا خير منه؟ لأن أصلي النار وهو أصله الطين فينبغي للقضية أن تعكس، وأن يؤمر هو بأن يسجد لي.
فقال -كما حكى الله عنه-: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، فهذا أصل الاعتراض على الله جل وعلا على أمره وتقديره، فالذي يسلك هذا المسلك فإنه يسير خلف الشيطان، نسأل الله العافية.
стр. 1671
إنكار القدر من ظن السوء بالله جل وعلا
[وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمته وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يجب وإن كانت مكروهة له].
يريد أنه يرد على بعض أهل الكلام، مثل الأشاعرة الذين يقولون: إن الله يفعل بمقتضى مشيئته فقط، وليس هناك حكمة.
وينكرون الحكمة على ضوء مذهبهم الفاسد، ويقولون على مقتضى ذلك: يجوز أن يعذب الله المؤمن الذي أفنى حياته بطاعة الله ويجوز أن يجعله في النار، ويجوز أن يجعل الكافر الذي أفنى حياته في معاصي الله وفي محاربة الله أن يجعله في الجنة، مع أن الله جل وعلا ذكر ذلك في كتابه صريحاً فقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، فالله جل وعلا ينكر هذا، ويبين أن هذا لا تقتضيه حكمته، بل حكمته على خلاف ذلك.
ثم يفسرون الظلم الذي نفاه الله جل وعلا عن نفسه كما قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] بأنه هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه وبغير حق، وكل شيء ملك لله، فإذا صرفه بمقتضى مشيئته فلا يكون ظلماً، وهذا التفسير خطأ، والتفسير الصحيح للظلم هو أنه وضع الشيء في غير موضعه فالله جل وعلا يضع الأشياء في موضعها، كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]، فهو جل وعلا اختار على مقتضى حكمته أن يضع الأشياء في مواضعها تعالى الله وتقدس.
فما قدرها سدى ولا شاءها عبثاً ولا خلقها باطلاً: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسمائه وصفاته وعرف موجب حكمته وحمده، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوى بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء].
القنوط هو شدة اليأس، فإذا كان الإنسان -مثلاً- يعمل ذنوباً كثيرة وكبيرة ثم يقول: لا مخرج لي من ذلك ولا يغفر لي فهذا هو القنوط.
ولماذا يكون مثل هذا ظن سوء بالله؟
الجواب
لأن الله جل وعلا غفور رحيم، وعفو كريم، وليس هناك ذنب لا يغفره الله إذا تاب الإنسان منه، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فلم يستثن شيئاً.
أما الآية الأخرى التي فيها استثناء الشرك فهذا في الذي يموت ولم يتب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] يخبر الله جل وعلا أنه لا يغفر له إذا مات مشركاً، أما ما عدا الشرك فهو تحت مشيئة الله جل وعلا وإن مات عليه مصراً، فإن شاء الله أن يعفو عنه عفا، وإن شاء أن يعذبه عذبه.
[ومن ظن أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي لا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملاً كالأنعام فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء].
لأن هذا أيضاً على خلاف مقتضى حكمته وعدله، أما الحكمة فإن الله رتب الإنسان ترتيباً حسناً، ثم بعد ذلك يهدم هذا الترتيب وينتهي، وذلك ليعاد إعادة أكمل من هذه وأتم، هذا من ناحية الخلق، أما من ناحية العدل فإن الناس -كما هو واقع- يشاهدون الظالم يظلم ظلماً ظاهراً ثم لا يؤخذ الحق منه، ويموت هذا ويموت هذا، وهذا يقع كثيراً، ولا يمكن أن يترك هذا، بل بل لابد من موقف بين يدي الله يؤدى فيه الحق إلى صاحبه، ولابد من البعث حتى يقتص للمظلوم من الظالم، ولهذا جاءت الأحاديث تبين أن البهائم يقتص منها فكيف العقلاء؟! فالبهائم تتناطح بقرونها بعضها يكون له قرون وبعضها أجم ليس له قرن، فتبعث يوم القيامة ليُقتص لبعضها من بعض، ثم إذا أعطي صاحب الحق من البهائم حقه يقول الله جل وعلا لها: كوني تراباً.
لأنها ليس لها ثواب ولا جزاء، ولكن العدل اقتضى أنه يقتص من الظالم للمظلوم وإن كان بهيمة.
وأما العقلاء المكلفون الذين خلقوا لعبادة الله فلا بد من القصاص، ثم كذلك الأعمال، تجد هذا يعمل جاهداً في طاعة الله مجتهداً وهذا يعمل جاهداً في معاصي الله، ثم يموتان وما لقي هذا الجزاء ولا لقي هذا الجزاء وهو الجزاء الأوفى، وإلا فنعمة الطاعة والأنس بالله من أكبر النعم، فلابد من بعث، ولابد من دار يتم فيها الجزاء كما أخبر الله جل وعلا.
стр. 1672
من ظن السوء بالله جل وعلا الظن بأن الله لا يجازي بالأعمال، ومنه كذلك تأويل الصفات
[ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقب بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم في أسفل السافلين، وينعِّم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به وإنما رمز إليه رموزاً بعيدة وأشار إليه إشارة ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائماً بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يُتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان فقد ظن به ظن السوء].
يشير بهذا إلى ما يقوله الأشاعرة والمعتزلة من أن ظاهر صفات الله جل وعلا التشبيه، مثل اليد والرحمة والرضى والغضب، ولهذا يؤولونها ويقولون: لا يجوز أن تؤخذ على ظاهرها؛ لأن ظاهرها يدل على التشبيه.
والإنسان أمامه في هذه شيئان -كما يزعمون-: إما وجوب التأويل، وإما السكوت والتسليم وعدم الاشتغال بذلك مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد.
أي: أن يعمي الإنسان قلبه ويمسكه عن التفكر في ذلك، فلا يفكر ولا ينظر، بل ويصبح كأن أمامه شيء مجهول تماماً، بل يعودون مرة ثانية ويقولون: لابد أن يعتقد أن ظاهرها غير مراد.
وهذا معناه -على قولهم- أن ظاهر القرآن كفر، وظاهر الأحاديث شرك، وأن الناس لو تركوا بلا وحي لكان أحسن لهم؛ لأن ظاهر هذا ما أريد وإنما أريد عكسه.
فالذي أريد باليد القدرة، والذي أريد بالرحمة الإحسان للمخلوق وليست رحمة تكون صفة لله، والمراد بالغضب العقاب، والمراد بالرضى الثواب، فمرة يفسرونه بمخلوق ومرة يفسرونه بصفة أخرى، ثم لا يثبتون هذه الصفة، بل يفسرونها مرة أخرى وهكذا.
فالمقصود أن هذا خلاف ما أخبر الله جل وعلا به من البيان والهدى، فقد جعل القرآن هدى وشفاءً، وكذلك الرسول ﷺ بين غاية البيان، ما ترك شيئاً حتى الطيور التي تطير إلا ذكر لنا منها علماً، ولم يأت مرة أنه قال: إن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] المراد به أن الله فوق ما قال هذا، بل تركهم يفهمون من هذا الخطاب ظاهره.
فقوله: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا آخر الليل) يحمل على ظاهره، وإلا كيف يخبر بهذا ثم يقول له: لا تعتقده على ظاهره؟ هذا تناقض، وهذا التأويل في صفاته جل وعلا أو تعطيلها وردها من أعظم الظن السيء بالله جل وعلا.
стр. 1673
من أسوأ الظن بالله جل وعلا القول بأن الله كان معطلاً عن الفعل
[فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء.
ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الهدى والحق فهذا من أسوأ الظن بالله.
فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية.
ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه فقد ظن بالله ظن السوء.
ومن ظن أنه كان معطلاً من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادراً عليه بعد أن لم يكن قادراً فقد ظن به ظن السوء].
стр. 1674
مسألة تسلسل الحوادث والأقوال فيها
هذه المسألة التي أشار إليها مسألة كبيرة جداً، ووقع فيها ضلال كبير وكثير، وهي معروفة في كتب المتكلمين بمسألة تسلسل الحوادث، والتسلسل مأخوذ من السلسلة، والسلسلة تكون متداخلة كل حلقة داخلة في الأخرى حتى يتصل آخرها بأولها، فلا يكون فيها نقص، والتسلسل مأخوذ من أن كل حادث قبله حادث، وهكذا إلى مالا نهاية.
والتسلسل يكون من الجانبين: من جانب المستقبل وجانب الماضي، فالماضي كل حادث قدر فقبله حادث، وكل مخلوق قدر فقبله مخلوق وهكذا، وأما المستقبل فكل شيء يوجد فسيوجد شيء آخر، وهكذا.
والمتكلمون اختلفوا في هذا على مذاهب: فمنهم من منع التسلسل في الماضي والمستقبل، بل قالوا: إن أهل الجنة وأفعالهم تنتهي، إما أن تكون الحركة تنتهي وإما أن يكون أهل الجنة أنفسهم يفنون، وإن الجنة والنار تفنيان.
وهذا قول بعض المعتزلة قالوه بناءً على هذه القاعدة.
وأما في الماضي فمثل ما ذكر هنا، يقول: كان الله جل وعلا معطلاً في الأزل، فلم يكن يفعل شيئاً، ثم لما أراد أن يخلق السموات والأرض والجبال والمخلوقات صار قادراً على الفعل، أما قبل ذلك فلم يكن قادراً.
والشيخ يقول: هذا من أسوء الظن بالله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا لم يزل كاملاً، ولا يلزم أن نعلم بعقولنا وإدراكاتنا أفعال الله الأزلية القديمة؛ لأن الله لا مبدأ له جل وعلا، وهو بصفاته كامل، وقد أخبر أنه فعال لما يريد، ولم يكن في وقت من الأوقات فعالاً لما يريد وفي بعض الأوقات لا يفعل -تعالى الله وتقدس-؛ لأن هذا نقص، فالله له الكمال المطلق، ولا يلزم أن يكون ذكر مبدأ هذا الكون أنه ليس قبله مخلوقات، فالله على كل شيء قدير، وهو جل وعلا له الكمال المطلق.
وأما ما جاء في حديث عمران بن حصين حينما سأل أهل اليمن وقالوا للرسول ﷺ : ما مبدأ هذا الأمر؟ فقال: (كان الله ولم يكن شيئاً قبله، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض) إلى آخره فمعنى ذلك أن الرسول ﷺ أخبر على حسب السؤال؛ لأنهم قالوا: ما مبدأ هذا الأمر؟ وهذا لإشارة، والإشارة تكون إلى شيء موجود مثل الأرض والجبال والشجر ومن على الأرض، وكذلك السماء، فأخبر عن أول مبدئه أن الله خلقه في ستة أيام، ولا يلزم أن قبل ذلك لم يكن هناك شيء مخلوق، بل إخباره جل وعلا أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام دليل على أن هناك أشياء قبل وجودها يعرف تقدير الأيام بها؛ لأن الأيام التي تعرف الآن هي بوجود الشمس، فالشمس هي التي يعرف بها الليل والنهار، أما قبل ذلك فلا ندري ما هي الأيام؟ فلابد أن تكون الأيام تلك في تدبير أجرام أخرى الله أعلم بها.
والمقصود: أنه يجب اعتقاد الكمال المطلق لله، وأنه لا يجوز أن يكون ناقصاً في وقت من الأوقات أو معطلاً عن كونه إذا أراد أن يفعل شيئاً فلا يفعله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وتمام الكلام على هذا أن منهم من نفى التسلسل في الماضي والمستقبل، ومنهم من أثبته في المستقبل فقط ونفاه في الماضي، وزعم أن هذا مذهب أهل السنة وليس كذلك، وهذا بناء على دوام الجنة والنار، فأخبر في المستقبل أن الحوادث ستستمر إلى ما لا نهاية، وأما في الماضي فهم يمنعونه، والمذهب الثالث الذي هو مذهب أهل السنة هو أن الحوادث في الماضي لا مبدأ لها، والمراد بذلك جنس الحوادث لا حادثاً معيناً، فإن الله لم يزل يفعل ما يشاء في الماضي وكذلك في المستقبل.
стр. 1675
ظن السوء يدور على صاحبه
[ومن ظن أنه سبحانه لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السموات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئاً من الموجودات في الأعيان، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة ولا كلام يقوم به، وأنه لا يكلم أحداً من الخلق ولا يتكلم أبداً، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائناً من خلقه، وأن نسبة ذاته إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: (سبحان ربي الأسفل) كمن قال: (سبحان ربي الأعلى) فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يسوي بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلد فاعل تلك الطاعات في الجحيم أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ويحبط بها جميع طاعاته، ويخلده في العذاب كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عين واستنفذ ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به سبحانه أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه فقد ظن به سبحانه خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته، وهو من ظن السوء.
ومن ظن به أنه إذا ترك شيئاً من أجله لم يعوضه خيراً منه، أو من فعل شيئاً لأجله لم يعطه أفضل منه فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن به ظن السوء، وظن به سبحانه خلاف ما هو أهله.
ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه كما يثيبه إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده، وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله.
ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه ثم اتخذ من دونه أولياء، ودعا من دونه ملكاً أو بشراً حياً أو ميتاً يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه من عذابه فقد ظن به ظن السوء.
فأكثر الخلق -بل كلهم إلا من شاء الله- يظنون بالله غير الحق وظن السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما شاءه الله وأعطاه، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه.
ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة طواياها رأى ذلك فيها كامناً كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شَراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً وتعتباً على القدر وملامة له واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجياً فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره في كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغني التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه سبحانه كلها حسنى: فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل ولا تظنن بنفسك قط خيراً فكيف بظالم جانٍ جهول وقل يا نفس مأوى كل سوء أترجو الخير من ميْت بخيلِ وظنّ بنفسك السوءى تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل وما بك من تقى فيها وخير فتلك مواهب الرب الجليل وليس لها ولا منها ولكن من الرحمان فاشكر للدليل قوله سبحانه: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦]، قال ابن جرير في تفسيره: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] الظانين بالله أنه لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع.
يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظن دائرة السوء.
يعني: دائرة العذاب تدور عليهم به.
واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: (دائرة السَوء) بفتح السين، وقرأ بعض قراء البصرة: (دائرة السُوء) بالضم، وكان الفراء يقول: الفتح أفشى في السين، وقلما تقول العرب: (دائرة السُوء) بضم السين.
وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] يعني: ونالهم الله بغضب منه (ولعنهم).
يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [الفتح:٦] يقول: وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦] يقول: وساءت جهنم منزلاً يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات.
وقال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه أن يُقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦].
وذكر في معنى الآية الأخرى نحواً مما ذكره ابن جرير رحمهما الله تعالى].
قول الله جل وعلا: ((ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات)) يعني: أنزل الكتاب على رسوله ﷺ مخبراً بالحق الذي يثيب به المؤمنين، ويعذب به الذين يصدون وينحرفون عما جاء به الرسول ﷺ ويعتقدون خلاف ذلك ويتوقعونه.
فالظن الذي يظنونه هو شيء يتوقعونه في أنظارهم وأفكارهم، وهذا الذي ينظرون إليه هو من صنع الكفار، فهم يقولون: المسلمون ضعفاء وقلة والكفار أقوياء وكثيرون، فسوف يقضون عليهم فلا تبقي لهم باقية بعد ذلك.
وذلك لأنهم لا يصدقون وعد الله ولا يؤمنون بما جاء به الرسول ﷺ ، فإن الله وعد رسوله النصر والظفر، ووعده أن يظهر دينه على الدين كله.
فالمؤمنون يثقون بوعد الله ويؤمنون به، يثقون به يقيناً، ويظنون بالله خيراً، وأنه سينصر من يؤمن به ويتبع رسوله ﷺ ، وهؤلاء المشركون والمنافقون يظنون خلاف ذلك، والظن هو ما يقوده نظرهم إليه من حمل الأمور التي يقيسونها على ما يشاهدونه، وهم لا يؤمنون بوعد الله وبخبره الذي أخبر، فصار من جراء ذلك أن ظنوا بالله ظن السوء.
وقوله: ((عليهم دائرة السوء)) معنى الدائرة أن السوء سيدور عليهم ويتعاقب عليهم حتى يوردهم جهنم.
وقوله: ((وغضب الله عليهم ولعنهم)) غضب الله جل وعلا صفة من صفاته، فهو يغضب على من يشاء كما أنه يرضى عمن يشاء من عباده، فمن غضب عليه فهو هالك وله العذاب؛ لأن من لازم الغضب العذاب، وليس العذاب هو الغضب، فالغضب صفة من صفاته جل وعلا، فإذا غضب الله جل وعلا عذب، وكذلك يلعن من يشاء من خلقه، كما أنه يصلي على من يشاء من عباده، فقد أخبر الله جل وعلا أنه يصلي على المؤمنين هو وملائكته.
ومعنى اللعن: الطرد والإبعاد عن الرحمة.
وقوله: ((وأعد لهم جهنم)) يعني أنها مهيأة ومرصدة تنتظرهم في هذا الوقت، أي: الوقت الذي كان يخاطب الله جل وعلا به رسوله.
فهي موجودة متهيئة معدة تنتظرهم، وسوف يصلونها قريباً، وليس بينهم وبين ذلك إلا الموت، فإذا ماتوا وصلهم من جهنم وهم في قبورهم ما يصل إليهم من العذاب الذي يكون في البرزخ، وقد جاء ذلك صريحاً في أحاديث الرسول ﷺ ، فقد ذكر أن الرجل إذا كان من أهل السوء ووضع في قبره فتح له باب إلى النار، فيأتيه من ريحها وحرها وسمومها ونتنها ما يعذبه الله به إلى يوم القيامة.
وإذا كان الإنسان صالحاً تقياً فُتح له في قبره باب إلى الجنة يأتيه من روحها وريحانها ما يتنعم به في قبره إلى يوم القيامة.
стр. 1676
مسائل مستفادة في الباب
[قال المصنف رحمه الله تعالى: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران].
آية آل عمران قد تقدم تفسيرها.
[الثانية: تفسير آية الفتح.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر].
يعني أن ظن السوء بالله أنواع كثيرة جداً، كما قال ابن القيم ﵀: أكثر الناس يظنون بالله ظن السوء، وهذا يكون كامناً في النفس كمون النار في الزناد، فإذا جاءت مناسبة ظهر ذلك على اللسان، وظهر من الفعل ما يكون شاهداً لمن له سمع وبصر يسمع ويرى.
فإنما يخاف ربه جل وعلا من علم مقتضى حكمته ومقتضى أسمائه، فإذا سلم الإنسان من أن يظن بربه جل وعلا خلاف حكمته وخلاف مقتضى أسمائه وخلاف الحق فإنه يكون سالماً ناجياً بإذن الله تعالى، وإن لم يسلم فهو هالك، وقد أخبر الله جل وعلا أن من كان كذلك فعليه دائرة السوء.
[الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه].
معنى (عرف الأسماء والصفات) أن يعرف معانيها وهذه الأسماء قال عنها الرسول ﷺ : (إن الله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة) قال العلماء: (أحصاها): أطاق العمل بها بعد معرفة معانيها، كما قال الله جل وعلا: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠] يعني: لن تطيقوا الأوامر كلها، ولكن عليكم من العمل ما تستطيعون فلابد من المعرفة والإيمان بذلك ثم العمل.
والحقيقة أن معرفة أسماء الله جل وعلا هو الفقه الأكبر الأعظم الذي يجعل الإنسان عالماً بالله جل وعلا.
والعلماء ثلاثة أقسام: عالم بالله عالم بأحكامه، وهذا هو الصنف الكامل، وهو الذي يكون منه من يخشى الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
والثاني: عالم بالله غير عالم بالأحكام، وهذا منطبق على أهل التقى وأهل التعبد الذين قصروا أنفسهم على ذلك ولم يتعرفوا على الأحكام التي على المكلفين وتنزيلها من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، وإنما يهتمون بأنفسهم فقط.
الثالث: عالم بالأحكام غير عالم بالله، وهذا يكون من الهالكين، ولهذا أخبر الرسول ﷺ أن القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة، فاللذان في النار أحدهما لم يعرف الأحكام فقضى بين الناس بالجهل فهو مخطئ وإن أصاب ما دام أنه غير عالم؛ لأنه سيتخبط، وتخبطه يدعوه إلى النار، والثاني عرف حكم الله ولكنه قضى بخلافه فهو في النار، والثالث عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، فالعلماء أقسام مثل هذا التقسيم، ومثل ذلك الفتوى والتعليم، وكل ما يتصل بالناس ويتعلق بأحكام الله جل وعلا فهو على هذا المنوال، فالذي يكون عالماً بالله هو الذي يعلم معاني أسمائه جل وعلا وصفاته.
وذلك أن الله جل وعلا يخبر عن نفسه بأخبار يريد من العباد أن يفهموها ويفقهوها، ويخبر عن نفسه بالصفات وبالأسماء وبالأفعال التي يفعلها حتى يتعرفوا على ربهم جل وعلا، فالمؤمنون عرفوا الله جل وعلا بأسمائه وصفاته وأفعاله كما أنه في فطرهم إيمان يدعوهم إلى أن يعبدوا الله جل وعلا، فهؤلاء هم العلماء الذين يكونون علماء بالله جل وعلا.
فالله ليس كمثله شيء، فلا يقاس عليه تعالى وتقدس أحد، فليس هناك طريق إلى معرفة الله جل وعلا إلا عن خبره الذي أخبر به عن نفسه وجاء به رسوله ﷺ .
ومن هنا يتبين خطأ الذين يقولون: إن النظر في أسماء الله وصفاته والتعمق في ذلك لا داعي له؛ لأنه ليس عملياً.
وهذا يدل على الجهل العظيم؛ لأن هذا هو أصل العلم الذي تكون به السعادة، والواجب على العبد أن يتعرف على ربه جل وعلا بأسمائه التي عرف بها عباده، كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ففي هذه الآية وغيرها يخبر جل وعلا أن له الأسماء الحسنى، ويأمر بدعائه بها، أي: أن يُعبد بها، ومن عبادته تعلمها واعتقاد معناها ثم العمل على ما اعتقده.
стр. 1677
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٦]
إنكار علم الله الأزلي ناقض من نواقض الإسلام، ولا يستقيم إيمان المرء حتى يؤمن بمراتب القدر الأربع، وأهمها الإيمان بعلم الله الأزلي للكليات والجزئيات، فلا يقع في ملكه إلا شيء قد علمه، وكتبه، وشاءه، وخلقه.
стр. 1678
حكم إنكار القدر
قال رحمه الله تعالى: [قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في منكري القدر].
قوله: (باب: ما جاء في منكر القدر) يعني: ما جاء من ذكر بعض الوعيد الذي جاء فيمن ينكر القدر، والقدر المقصود به.
علم الله جل وعلا الأزلي؛ فإنه علم كل شيء بعلمه الذي هو صفته ولا ينفك عنه بحال من الأحوال، فعلمه أزلي ليس له بداية، فكما أن الله جل وعلا لا بداية له فكذلك صفاته، فهو جل وعلا بصفاته أزلي، فعلمه لا يتغير ولا يزداد علماً بإيجاد الأشياء؛ لأن علمه كامل لا يفوته شيء.
وقد علم كل حادث سيحدث قبل وجوده، وكل ذلك كتبه في اللوح المحفوظ، فلا يقع شيء إلا وهو مكتوب، ثم كذلك لا يقع شيء إلا بمشيئته وخلقه.
стр. 1679
مراتب القدر
والقدر عبارة عن هذه الأمور: الأول: العلم، أي: علم الله، فإنه عليم بكل شيء.
والثاني: الكتابة.
كتب ما علم.
والثالث: المشيئة.
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما يقع شيء وإن دق إلا قد شاءه جل وعلا، حتى نبض عروق الإنسان وتحريك يده وإصبعه، فكل شيء من حركة وسكون لا يمكن حصوله إلا بمشيئة الله.
والرابع: الخلق، فهو الخالق وحده ليس معه من يخلق، وهذه الأمور الأربعة تسمى أركان الإيمان بالقدر، ولابد من الإيمان بها.
وقد حدث في المسلمين إنكار القدر، وإنكار أن يكون الله جل وعلا علم الأشياء أزلاً، ثم كتبها، وهذا حدث في آخر وقت الصحابة رضوان الله عليهم، فكفروا من قال بهذا القول وتبرأوا منه، وأخبروا أنه لو عمل أي عمل فلن يقبل منه؛ لأنه ترك الإيمان بالله، والإيمان بالله جل وعلا في ضمنه الإيمان بالقدر.
стр. 1680
أول من قال بنفي القدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عمر: (والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استدل بقول النبي ﷺ : (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم.
المصنف ﵀ اختصر الحديث اختصاراً كثيراً، والحديث كما في صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا من البصرة وإنكار القدر أول ما حدث حدث في العراق، ويقال: إن أول من تكلم به وأنكره معبد الجهني وقد قتله عبد الملك بن مروان على إنكار القدر، ويقال: إن أول من تكلم به أيضاً رجل من المجوس يقال له سوسن وبعض المؤرخين يقول: إن أول من تكلم به بعض النصارى، فيكون معبد الجهني أخذه عن هؤلاء.
ويقول بعض العلماء: إن هذا ليس رجلاً واحداً، وإنما هي مؤسسات أُسست لمحاربة الإسلام، فقد يكون من يعتنق أفكار هذه المؤسسة عنده جرأة، فيكون واجهة فيتكلم بالشيء الذي يعرف، وهؤلاء الذين أسسوا ذلك يعلمون أنه لو تكلم به أحد سيقتله المسلمون، فجعلوا لهم واجهات تقوم بهذا الشيء.
فكان هذا الحدث مبدؤه في العراق في البصرة والكوفة، وقد جاء في الصحيح أن النبي ﷺ لما دعا قال: (اللهم بارك لنا في يمننا، فقال الصحابة: وفي نجدنا! فقال: اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا، وهم يقولون: وفي نجدنا، فقال: ذاك يطلع منه قرن الشيطان) أي: يطلع منه الفتن.
قالوا: النبي ﷺ قال هذا وهو في المدينة، فيكون المقصود بذلك العراق، هكذا قال بعض الشراح، والواقع يشهد بهذا، ولهذا أول الفتن جاءت من هناك، وهذا الحدث من أولها.
يقول يحيى بن يعمر: خرج عندنا في البصرة من ينكر القدر، فقدمت أنا وصاحب لي حاجين أو معتمرين، فلما أقبلنا على المدينة قلنا: لو لقينا أحداً من صحابة رسول الله ﷺ فنسأله، فوجدنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن عندنا أقواماً يتقفرون العلم -وذكر من عبادتهم- إلا أنهم يقولون: الأمر أنف -أي: أنه ليس معلوماً لله سابقاً ولا مكتوباً وإنما يعلمه إذا وجد- فقال عبد الله بن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم قال: حدثني عمر أنه كان جالساً عند النبي ﷺ قال: (فطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه -يعني: على فخذي نفسه- فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، فقال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره -هذا محل الشاهد-، ثم قال: أخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال: أخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد المرأة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاة يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي رسول الله ﷺ : يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفي آخره: أن الرجل قام وذهب مولياً، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (ردوا علي الرجل)، فقاموا ليردوه فلم يروا أحداً، فأخبرهم أنه جبريل جاءهم يعلمهم أمر دينهم.
فالمقصود أن عبد الله بن عمر حلف بالله أنه لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً -ومثل هذا لا يكون ولكن تقديراً- ثم أنفقه في سبيل الله فأنه لا يقبل منه شيء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ومعنى ذلك أن الذي يرد القدر يكون كافراً غير مؤمن؛ لأن الذي لا يقبل منه العمل وإن كان كثيراً هو الكافر، وقد اتفق العلماء على أن الذي ينفي علم الله في الأزل أنه كافر بالله جل وعلا.
ولهذا كان الشافعي يقول: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، أي: كفر إنكار، ولكن هذه الطائفة انقرضت وأصبحت لا وجود لها، وذهبت إلى غير رجعة إن شاء الله، فهذا كفر ظاهر مخالف للنصوص الواضحة الجلية، ولكونه واضحاً جلياً، فقد أصبح منبوذاً من قبل المسلمين فلا يلتفت إليه، فانقرض القائلون به واندثروا، ولكن فكرتهم ومحنتهم لا تزال موجودة؛ لأنها أقل من هذا القدر، فأصبح إنكار القدر يدور على شيئين: الأول: إنكار عموم مشيئة الله، أي: أنه ليس كل شيء يقع قد شاءه الله.
الثاني: عموم خلق الله، أي: أنه يوجد مع الله خالق يخلق الشيء، وهل هذا دون الأول؟ إذا اعتقد الإنسان أن هناك مخلوقاً يخلق مع الله، هل هذا دون إنكار العلم؟ في الواقع هم لا يقولون ذلك صراحة لا يقولون: إنهم مشاركون لله جل وعلا في الخلق والإيجاد، ولكن هذا هو لازم قولهم، فهم أقل من أولئك، ووجه ذلك أنهم قالوا: إن الله لم يشأ الكفر ولا المعاصي، وإنما الذي شاء الكفر والمعاصي هم الكفار والعصاة؛ لأن الله لا يأمر بالفساد ولا يحبه، فالذي دعاهم إلى ذلك حسن ظنهم بالله جل وعلا، ولكنهم أخطأوا ووقعوا في الضلال البين الواضح.
أما أصحاب القول الثاني فإنهم يقولون: إن العاصي أو الكافر هو الذي يوجد المعصية أو الكفر بنفسه، وليس الله هو الذي أوجد ذلك، فيكون العبد خالقاً لفعله.
فيقال لهم: يلزم على هذا أن الله أراد من الكافر أن يؤمن ومن العاصي أن يطيع، ولكن العاصي أراد المعصية والكافر أراد الكفر فأيهما غلب؟ فعلى هذا يكون الكافر قد غلبت إرادته، وكذلك العاصي غلبت إرادته إرادة الله جل وعلا، تعالى الله وتقدس.
وهذا ضلال بين ظاهر واضح، وهو لا يزال موجوداً حتى الآن عند من يزعمون أنهم علماء، وهذا إنكار لعموم مشيئة الله وخلقه جل وعلا.
стр. 1681
مدار الإيمان بالقدر
ولهذا قلنا: إن مدار الإيمان بالقدر على أمور أربعة: الأول: الإقرار بعلم الله جل وعلا الأزلي، وأنه لا يفوته شيء، وعلم كل شيء، فكل شيء يقع على وفق علمه في الوقت المحدد له.
الثاني: الكتابة: كتابته جل وعلا.
الثالث: عموم مشيئته.
الرابع: عموم خلقه.
[أخرج أبو داود عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)].
قد حكموا بأن كل الأحاديث التي جاءت بذكر القدرية وذكر المجوس، والأحاديث التي جاءت بذكر الرافضة والشيعة غير صحيحة، ووجه تشبيه القدرية بالمجوس واضح جلي، وذلك أن المجوس يزعمون أن الخالق اثنان: أحدهما خيري، والآخر: شري، فخالق الخير عندهم هو النور، ولهذا يعبدون النار؛ لأنها مصدر النور، وأما خالق الشر فهو الظلمة، والظلمة هي مصدره، وهو شرير.
والقدرية قالوا: إن الله يخلق الخير والعبد يخلق الشر.
فجعلوا مع الله خالقاً، فشابهوا المجوس في ذلك، فسموا مجوس هذه الأمة.
وقوله: (إذا مرضوا فلا تعودوهم وإذا ماتوا فلا تشهدوهم) أي: أنهم يهجرون على هذا القول؛ لأن قولهم ضلال خرجوا به عما اعتقده المسلمون؛ فوجب هجرهم والابتعاد عنهم، وهجرهم لأجل إنكار منكرهم.
стр. 1682
القدرية مجوس هذه الأمة
[وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة -وهو ابن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال)].
وهذا حديث ضعيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: قال ابن عمر: (والذي نفس ابن عمر بيده) إلى آخره.
حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم.
[حديث ابن عمر هذا أخرجه: مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرأون القرآن ويتقفَّرون العلم -يتقفرون العلم أي: يبحثون عنه ويطلبونه- يزعمون أن لا قدر والأمر أنف، فقال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً، فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)].
استغرب الصحابة كيف أن ثياب الرجل ناصعة نظيفة، وشعره كذلك أسود ليس فيه شيء من الغبار!! ولهذا قال: (لا يرى عليه أثر السفر)، ولا أحد من أهل المدينة يعرفه، فأمره غريب، وهنا وجه الغرابة، وذلك أن جبريل ﵇ أحياناً يأتي متمثلاً برجل، وإذا تمثل يتمثل برجل حسن الهيئة، وقد يتمثل برجل حسن الصورة، كما كان يتمثل بـ دحية الكلبي -وكان رجلاً جميلاً حسن الصورة- فرئي مراراً فيحسب أنه دحية، فرأته عائشة مرة يحدث الرسول ﷺ ، فلما سألها من هذا؟ قالت: هذا دحية الكلبي قال: لا.
هذا جبريل ﵇.
وهذا نوع من أنواع الوحي، وهو أن يأتي بصورة رجل فيكلم الرسول ﷺ كلاماً يسمعه ويأخذه عنه، وأحياناً يأتي لا يرى، بل كصلصة الجرس فيلابس الرسول ﷺ ، وهو أشده عليه، حيث يتفصد جبينه عرقاً وإن كان في أشد البرد.
ومرة نزل قول الله جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] إلى آخر الآية، فأمر زيد بن ثابت أن يكتب الآية، وكان ابن أم مكتوم موجوداً، فقال: يا رسول الله! ونحن -يعني أنه ضرير-؟ يقول: وكانت فخذ رسول الله ﷺ على رجلي، فتغشاه ما يتغشاه في الوحي، فكادت رجلي أن ترض من ثقل الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ ، فنزل عليه: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] فهذا الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم وأمثاله.
وأحياناً إذا نزل عليه الوحي وهو على الناقة تكاد تبرك لثقل ذلك، وأحياناً يأتيه على غير هذه الصفة، كأن يأتيه في المنام فهو أنواع متعددة، ولكن كلها بواسطة جبريل صاحب الوحي.
[(حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام!)].
بهذه الطريقة جاء ليعلم الصحابة الأدب، وأنه ينبغي أن يُجلس عند رسول الله ﷺ كالجلوس في الصلاة للتشهد.
ومعنى: (أسند ركبتيه إلى ركبتيه) أي أن جبريل جعل ركبتيه مقابلتين لركبتي النبي ﷺ ، ثم وضع يديه على فخذيه -أي: على فخذي نفسه- متأدباً على هذه الهيئة؛ ليقول: ينبغي أن يكون الجلوس عند رسول الله ﷺ هكذا للتعلم منه، وطلب العلم، وكذلك طلب الإيمان الذي يزداد بالعلم الذي يلقيه الرسول ﷺ على صحابته، فهو يعلمهم الأدب ويعلمهم الدين.
[(قال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه)].
وجه العجب هنا أن مقتضى حال السائل أن يسأل عن شيء لا يعلمه، فلما قال: صدقت؛ تبين أنه يعلم الشيء الذي سأل عنه؛ لأنه لو كان جاهلاً ما قال: صدقت.
[(قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)].
قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) يعني: تؤمن بأن كل ما يقع من خير أو من شر أنه مقدر من الله جل وعلا، ومفروغ منه في الأزل، ولابد من وقوعه، ولا يمكن تغييره ولا تبديله ولو اجتمع الخلق كلهم؛ لأن هذا حكم الله الذي حكم به أزلاً، والشر لا يجوز أن يكون مضافاً إلى الله -ولكن سببه الإنسان؛ لأنه يقع شراً بالنسبة إليه جزاء له، وإلا فهو من الله عدل وحق يجازي به من يستحقه، فيكون الشر هنا نسبياً، ومعنى ذلك أنه بالنسبة لمن وقع عليه فقط، أما بالنسبة لمن قضاه وقدره وأوقعه فهو خير.
وتقريب المسألة في ذلك كأن يرتكب إنسان حداً من الحدود، فأقيم عليه الحد -كسرقة أو زنا أو ما أشبه ذلك-، فإقامة الحد بالنسبة للمجتمع خير؛ لأنها تمنع من الفساد وانتشاره واغتصاب الأموال وانتهاك الأعراض، فهو خير، وكذلك هو من الذي حكم به خير وعدل، أما بالنسبة للذي وقع عليه الحد فقد يكون فيه شر من الألم والفضيحة والخزي فيكون من هذه الناحية شراً فقط، وبعض العلماء يقول: الشر ليس إلا في المخلوقات فقط، أما في فعل الله جل وعلا فليس شر ما يفعله الله، بل خير كله، والمقصود بقوله: (خيره وشره) أن كل شيء يقع سواء أكان محبوباً مرغوباً فيه أم مكروهاً مؤلماً فهو بقدر الله جل وعلا وقضائه وقدره.
стр. 1683
من علامات الساعة
[(قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)].
معنى قوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أن علم الساعة استوى الخلق فيه، حتى الملائكة والرسل لا يعلمون ذلك، وإنما هو مستأثر عند الله جل وعلا، لا يعلم وقتها إلا الله جل وعلا، كما أخبر جل وعلا أنه أخفى علم الساعة عن جميع الخلق: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] فهي واقعة، ولكن وقت وقوعها غير معلوم.
يقول علماء التفسير في معنى قوله: (أكاد أخفيها) قالوا: قد أخفاها الله عن الخلق، لكن المعنى: لو أمكن أن أخفيها عن نفسي لأخفيتها؛ وهذا إخبار عن شدة إخفائها، فلا أحد يعلمها، ولله الحكمة في ذلك.
ولهذا عدل عن ذلك إلى السؤال عن أماراتها -أي: العلامات- التي تكون قبلها، وعلاماتها كثيرة، ومن أول تلك العلامات: بعثة رسول الله ﷺ ، فهو نبي الساعة وعلى أمته تقوم الساعة، والله جل وعلا يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] يعني أنها قريبة، وما ذكر الله جل وعلا أنه قريب فهو قريب بلا شك، وقد مضى على بعثة النبي ﷺ ألف وأربعمائة عاماً، وكان بعض العلماء يتوقع من هذه الأمة ألا تبلغ الألف عام، وبعضهم يتوقع أنها تبلغ الألف، ولكن هذا كله لا دليل عليه ولا أمارات عليه، فأمر ذلك إلى الله جل وعلا لا يعرفه إلا الله، ومن علامات الساعة ما ذكرت في هذا الحديث وهي ما سيأتي.
[(قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)].
العلامتان ذكر أنهما من علامات الساعة، إحداهما: أن تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- والمعنى أن تلد سيدها أو سيدتها، فكيف يكون ذلك؟ يقول العلماء: معنى ذلك: أن تسبى امرأة من الكفار فتكون أمة مملوكة لرجل من المسلمين، فيطؤها فتلد له بنتاً، فتكون بنتها هي التي تعتقها، فهي سيدتها؛ لأنها إذا ولدت الأمة فلا يجوز بيعها، بل تصبح أم ولد معتقة، فيعتقها ابنها أو بنتها، وهذا قد حدث في زمن الصحابة.
أما العلامة الثانية فهي كون البدو رعاء الشاء -رعاة الغنم والإبل- أهل تمدن يتطاولون في البنيان، أي: يتنافسون في البناء وحسنه وارتفاعه.
وهناك علامات لم تذكر هنا، قد ذكرها الرسول ﷺ وهي كثيرة، ولهذا قسم العلماء العلامات إلى ثلاثة أقسام: قسم متقدم، وقسم متوسط، وقسم متأخر قبل الساعة تماماً، والمتأخر سموه (العلامات الكبرى) والذي قبله يسمونه: (الوسطى)، والتي قبلها -مثل هذه وغيرها- يسمونها: (العلامات الصغرى).
стр. 1684
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٧]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة، ومن لم يؤمن بالقدر فليس بمسلم، فضلاً عن أن يكون مؤمناً، وهو يقوم على أربعة أركان، وهي: الإيمان بصفة العلم لله، والإيمان بأن الله كتب كل ما سيقع، والإيمان بأن مشيئة الله نافذة، والإيمان بأن الله هو الخالق وحده وأن ما سواه مخلوق، ومن ذلك أفعال العباد.
стр. 1685
جريان القلم بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة
[وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني)، وفي رواية لـ أحمد: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وفي رواية لـ ابن وهب: قال رسول الله ﷺ : (فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار)].
سبق أن الإسلام أعم من الإيمان من ناحية مرتبته وأهله الذين يدخلون فيه، والإيمان أخص من ناحية الذين يدخلون فيه، وأما من ناحية كون الإيمان يدخل فيه الإسلام والإسلام لا يكون داخلاً فيه الإيمان فيكون العكس فهذا في حالة ما إذا اجتمع ذكرهما جميعاً، أما إذا جاء ذكر كل واحد منهما منفرداً فكل منهما يدخل في الآخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فجعل الدين كله الإسلام، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية.
فإذا جاء أحدهما منفرداً دخل فيه الآخر، ولهذا نظائر في لغة العرب، كإطلاق وصف الفقير والمسكين، فإنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الفقير دخل فيه المسكين، وإذا ذكر المسكين دخل فيه الفقير.
أما إذا ذكرا معاً فيفسر كل واحد منهما بمعنى مستقل، كالآية التي ذكر الله جل وعلا فيها مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] هنا ذكرا مجتمعين، فصار لكل واحد معناه، ولهذا فُسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً، وفُسر المسكين بأنه الذي يجد بعض الشيء أو بعض الكفاية؛ لأن الله جل وعلا قال في آية أخرى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة، فدل على أن المسكين أقل حاجة من الفقير، فالمقصود هنا التفريق بين الإسلام والإيمان.
فعلى هذا يكون كل مؤمن مسلماً ولا عكس، فليس كل مسلم يكون مؤمناً، وكذلك يكون كل محسن مؤمناً مسلماً ولا عكس؛ فليس كل مؤمن يكون محسناً؛ لأن دائرة الإسلام أوسع، ويليها دائرة الإيمان، ويليها دائرة الإحسان فهي أخص، وهذه المراتب هي مراتب الدين، وآخرها وأعلاها مرتبة الإحسان؛ لأن الإحسان هو الإتيان بغاية ما يمكن من تحسين العمل المأمور به، ولا يترك شيئاً مما أمر به، ولهذا قسم الله جل وعلا أهل السعادة إلى أقسام ثلاثة، كما قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، فالسابق بالخيرات هو المحسن والمقتصد هو المؤمن، والذي ظلم نفسه هو المسلم؛ لأنه قد يقصر في بعض الواجبات، ويرتكب المكروهات أو بعض المحرمات، فكان ظالماً لنفسه بذلك، ولكنه من أهل الاصطفاء وإن ناله ما يناله من العذاب، فهو ممن اصطفاه الله جل وعلا وجعله من أهل الجنة.
وأما المقتصد فهو الذي اقتصر على فعل ما أوجب الله عليه ونهى نفسه عما حرم الله عليه، وأما السابق بالخيرات فهو الذي يأتي بالمستحبات ويجتنب المكروهات بعد فعله الواجبات واجتنابه المحرمات.
وهذا لا ينافي كونه جل وعلا قسم الناس جميعهم إلى ثلاثة أقسام: قسمان من أهل الاصطفاء، وقسم هالك في العذاب، كما في أول سورة الواقعة وآخرها، فذكر أقسامهم في أولها عند النفخ في الصور.
﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] يعني: قامت القيامة ونفخ في الصور، ﴿ليس لوقعتها كاذبة * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٢ - ٣] يعني: تخفض قوماً وترفع آخرين على خلاف ما كان في الدنيا، فيُرفع من كان متقياً لله جل وعلا مؤمناً به، ويُخفض من كان كافراً وإن كان في الدنيا مرتفعاً.
﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٣ - ٧] يعني: أصنافاً ثلاثة، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] يعني: أصحاب اليمين من كل أمة من الأمم، ومن كل جنس من أجناس الناس.
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٩] أي: الكفرة والمنافقون والفجار، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] فهؤلاء هم الذين يسبقون إلى أعلى المراتب وأعلى الجنات، ولهذا قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، والثلة: الجماعة.
ثم في آخر السورة ذكر أقسامهم عند الاحتضار -عند الموت-، فأولها عند القيامة الصغرى وآخرها عند القيامة الكبرى، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٦ - ٩١] فسلم عليهم فقط ولم يذكر ما لهم؛ لأنهم سالمون من العذاب، ولم يذكر جزاءهم، بخلاف الأولين فإنه ذكر أن لهم من الحال ما يقَبلُون به فهم في أعلى المنازل.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤]، وهذا عند الموت، فإذا مات فإنه يلاقى بحنوط من النار وكفن من النار، ثم في قبره كذلك.
والمقصود أن اختلاف الناس على حسب اختلافهم في طاعة الله جل وعلا وامتثال أمره واجتناب ما نهى، فلا يستوي من أحسن ومن لم يحسن، ومجرد الإسلام -وهو الاستسلام والانقياد- لا يكون كالإيمان الذي تحلى القلب به وثبت في القلب وصار لا يتزعزع، ثم إن المقصود من ذكر الحديث كلامه ﷺ في أركان الإيمان، فإنه جعل الإسلام غير الإيمان، فذكر الإسلام بأركانه الخمسة، وذكر الإيمان بأن قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).
فبين أن الإيمان خصال متعددة، ذكر منها أركانه الستة، وقد سميت أركاناً لأنه يبنى عليها مثل البيت الذي يبنى على ستة أعمدة إذا انهدم عمود منها لم يُنتفع بالباقي، بل ربما يؤول إلى السقوط، وكذلك الإيمان إذا ترك منه ركن، أو الإسلام، فلا يكون إيمانه أو إسلامه صحيح.
فالذي لا يؤمن بالقدر لا يكون مؤمناً، ولهذا استدل عبد الله بن عمر على أنه خارج من الدين الإسلامي لقوله: (إذا لقيتهم فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء)، فالمسلم لا يمكن أن يتبرأ من المسلم -إذا كان باقياً على إسلامه- وإنما يبغضه على حسب ما عنده من المعاصي ويحبه على حسب ما معه من الإيمان والطاعة، ولا يتبرأ منه إلا إذا خرج من الدين، فإن المسلم يجب أن يتبرأ من الكافر براءة كاملة؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع إيمان مع موالاة كافر، فهذا من شروط الإيمان، ولهذا قال: (أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء)، ثم قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر - الذي يحلف به هو الله جل وعلا، أو بصفة من صفاته، وهذا شيء معلوم- لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله لم يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره)، وهذا تمثيل مجرد، وإلا لو قدر أن له ملء السماوات وملء الأرض ذهباً ثم أنفقه ما قبله الله جل وعلا منه؛ لأن الله لا يقبل من الكافر شيئاً، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، كقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، فإذا طار الرماد في اليوم العاصف فلا يقدر على إمساك شيء منه، وكذلك أعمال الكفار عند الله، وفي المثال الآخر لما ذكر أنهم قسمان أصحاب ظلمات وأصحاب رد وكفر وعناد وكبر ذكر أعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، فجعل أعمال هؤلاء الذين كذبوا وكفروا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩].
هكذا يعملون ويحسبون أنهم على شيء، فإذا قدموا على الله بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون وظهر لهم العذاب، وهذا من أعظم الحسرات، ولهذا سمي ذلك اليوم يوم الحسرة، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩].
следующие страницы →