Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
مدار الإيمان بالقدر
ولهذا قلنا: إن مدار الإيمان بالقدر على أمور أربعة: الأول: الإقرار بعلم الله جل وعلا الأزلي، وأنه لا يفوته شيء، وعلم كل شيء، فكل شيء يقع على وفق علمه في الوقت المحدد له.
الثاني: الكتابة: كتابته جل وعلا.
الثالث: عموم مشيئته.
الرابع: عموم خلقه.
[أخرج أبو داود عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)].
قد حكموا بأن كل الأحاديث التي جاءت بذكر القدرية وذكر المجوس، والأحاديث التي جاءت بذكر الرافضة والشيعة غير صحيحة، ووجه تشبيه القدرية بالمجوس واضح جلي، وذلك أن المجوس يزعمون أن الخالق اثنان: أحدهما خيري، والآخر: شري، فخالق الخير عندهم هو النور، ولهذا يعبدون النار؛ لأنها مصدر النور، وأما خالق الشر فهو الظلمة، والظلمة هي مصدره، وهو شرير.
والقدرية قالوا: إن الله يخلق الخير والعبد يخلق الشر.
فجعلوا مع الله خالقاً، فشابهوا المجوس في ذلك، فسموا مجوس هذه الأمة.
وقوله: (إذا مرضوا فلا تعودوهم وإذا ماتوا فلا تشهدوهم) أي: أنهم يهجرون على هذا القول؛ لأن قولهم ضلال خرجوا به عما اعتقده المسلمون؛ فوجب هجرهم والابتعاد عنهم، وهجرهم لأجل إنكار منكرهم.
стр. 1682
القدرية مجوس هذه الأمة
[وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة -وهو ابن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال)].
وهذا حديث ضعيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: قال ابن عمر: (والذي نفس ابن عمر بيده) إلى آخره.
حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم.
[حديث ابن عمر هذا أخرجه: مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرأون القرآن ويتقفَّرون العلم -يتقفرون العلم أي: يبحثون عنه ويطلبونه- يزعمون أن لا قدر والأمر أنف، فقال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً، فأنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)].
استغرب الصحابة كيف أن ثياب الرجل ناصعة نظيفة، وشعره كذلك أسود ليس فيه شيء من الغبار!! ولهذا قال: (لا يرى عليه أثر السفر)، ولا أحد من أهل المدينة يعرفه، فأمره غريب، وهنا وجه الغرابة، وذلك أن جبريل ﵇ أحياناً يأتي متمثلاً برجل، وإذا تمثل يتمثل برجل حسن الهيئة، وقد يتمثل برجل حسن الصورة، كما كان يتمثل بـ دحية الكلبي -وكان رجلاً جميلاً حسن الصورة- فرئي مراراً فيحسب أنه دحية، فرأته عائشة مرة يحدث الرسول ﷺ ، فلما سألها من هذا؟ قالت: هذا دحية الكلبي قال: لا.
هذا جبريل ﵇.
وهذا نوع من أنواع الوحي، وهو أن يأتي بصورة رجل فيكلم الرسول ﷺ كلاماً يسمعه ويأخذه عنه، وأحياناً يأتي لا يرى، بل كصلصة الجرس فيلابس الرسول ﷺ ، وهو أشده عليه، حيث يتفصد جبينه عرقاً وإن كان في أشد البرد.
ومرة نزل قول الله جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥] إلى آخر الآية، فأمر زيد بن ثابت أن يكتب الآية، وكان ابن أم مكتوم موجوداً، فقال: يا رسول الله! ونحن -يعني أنه ضرير-؟ يقول: وكانت فخذ رسول الله ﷺ على رجلي، فتغشاه ما يتغشاه في الوحي، فكادت رجلي أن ترض من ثقل الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ ، فنزل عليه: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] فهذا الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم وأمثاله.
وأحياناً إذا نزل عليه الوحي وهو على الناقة تكاد تبرك لثقل ذلك، وأحياناً يأتيه على غير هذه الصفة، كأن يأتيه في المنام فهو أنواع متعددة، ولكن كلها بواسطة جبريل صاحب الوحي.
[(حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام!)].
بهذه الطريقة جاء ليعلم الصحابة الأدب، وأنه ينبغي أن يُجلس عند رسول الله ﷺ كالجلوس في الصلاة للتشهد.
ومعنى: (أسند ركبتيه إلى ركبتيه) أي أن جبريل جعل ركبتيه مقابلتين لركبتي النبي ﷺ ، ثم وضع يديه على فخذيه -أي: على فخذي نفسه- متأدباً على هذه الهيئة؛ ليقول: ينبغي أن يكون الجلوس عند رسول الله ﷺ هكذا للتعلم منه، وطلب العلم، وكذلك طلب الإيمان الذي يزداد بالعلم الذي يلقيه الرسول ﷺ على صحابته، فهو يعلمهم الأدب ويعلمهم الدين.
[(قال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه)].
وجه العجب هنا أن مقتضى حال السائل أن يسأل عن شيء لا يعلمه، فلما قال: صدقت؛ تبين أنه يعلم الشيء الذي سأل عنه؛ لأنه لو كان جاهلاً ما قال: صدقت.
[(قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)].
قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) يعني: تؤمن بأن كل ما يقع من خير أو من شر أنه مقدر من الله جل وعلا، ومفروغ منه في الأزل، ولابد من وقوعه، ولا يمكن تغييره ولا تبديله ولو اجتمع الخلق كلهم؛ لأن هذا حكم الله الذي حكم به أزلاً، والشر لا يجوز أن يكون مضافاً إلى الله -ولكن سببه الإنسان؛ لأنه يقع شراً بالنسبة إليه جزاء له، وإلا فهو من الله عدل وحق يجازي به من يستحقه، فيكون الشر هنا نسبياً، ومعنى ذلك أنه بالنسبة لمن وقع عليه فقط، أما بالنسبة لمن قضاه وقدره وأوقعه فهو خير.
وتقريب المسألة في ذلك كأن يرتكب إنسان حداً من الحدود، فأقيم عليه الحد -كسرقة أو زنا أو ما أشبه ذلك-، فإقامة الحد بالنسبة للمجتمع خير؛ لأنها تمنع من الفساد وانتشاره واغتصاب الأموال وانتهاك الأعراض، فهو خير، وكذلك هو من الذي حكم به خير وعدل، أما بالنسبة للذي وقع عليه الحد فقد يكون فيه شر من الألم والفضيحة والخزي فيكون من هذه الناحية شراً فقط، وبعض العلماء يقول: الشر ليس إلا في المخلوقات فقط، أما في فعل الله جل وعلا فليس شر ما يفعله الله، بل خير كله، والمقصود بقوله: (خيره وشره) أن كل شيء يقع سواء أكان محبوباً مرغوباً فيه أم مكروهاً مؤلماً فهو بقدر الله جل وعلا وقضائه وقدره.
стр. 1683
من علامات الساعة
[(قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)].
معنى قوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أن علم الساعة استوى الخلق فيه، حتى الملائكة والرسل لا يعلمون ذلك، وإنما هو مستأثر عند الله جل وعلا، لا يعلم وقتها إلا الله جل وعلا، كما أخبر جل وعلا أنه أخفى علم الساعة عن جميع الخلق: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] فهي واقعة، ولكن وقت وقوعها غير معلوم.
يقول علماء التفسير في معنى قوله: (أكاد أخفيها) قالوا: قد أخفاها الله عن الخلق، لكن المعنى: لو أمكن أن أخفيها عن نفسي لأخفيتها؛ وهذا إخبار عن شدة إخفائها، فلا أحد يعلمها، ولله الحكمة في ذلك.
ولهذا عدل عن ذلك إلى السؤال عن أماراتها -أي: العلامات- التي تكون قبلها، وعلاماتها كثيرة، ومن أول تلك العلامات: بعثة رسول الله ﷺ ، فهو نبي الساعة وعلى أمته تقوم الساعة، والله جل وعلا يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] يعني أنها قريبة، وما ذكر الله جل وعلا أنه قريب فهو قريب بلا شك، وقد مضى على بعثة النبي ﷺ ألف وأربعمائة عاماً، وكان بعض العلماء يتوقع من هذه الأمة ألا تبلغ الألف عام، وبعضهم يتوقع أنها تبلغ الألف، ولكن هذا كله لا دليل عليه ولا أمارات عليه، فأمر ذلك إلى الله جل وعلا لا يعرفه إلا الله، ومن علامات الساعة ما ذكرت في هذا الحديث وهي ما سيأتي.
[(قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)].
العلامتان ذكر أنهما من علامات الساعة، إحداهما: أن تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- والمعنى أن تلد سيدها أو سيدتها، فكيف يكون ذلك؟ يقول العلماء: معنى ذلك: أن تسبى امرأة من الكفار فتكون أمة مملوكة لرجل من المسلمين، فيطؤها فتلد له بنتاً، فتكون بنتها هي التي تعتقها، فهي سيدتها؛ لأنها إذا ولدت الأمة فلا يجوز بيعها، بل تصبح أم ولد معتقة، فيعتقها ابنها أو بنتها، وهذا قد حدث في زمن الصحابة.
أما العلامة الثانية فهي كون البدو رعاء الشاء -رعاة الغنم والإبل- أهل تمدن يتطاولون في البنيان، أي: يتنافسون في البناء وحسنه وارتفاعه.
وهناك علامات لم تذكر هنا، قد ذكرها الرسول ﷺ وهي كثيرة، ولهذا قسم العلماء العلامات إلى ثلاثة أقسام: قسم متقدم، وقسم متوسط، وقسم متأخر قبل الساعة تماماً، والمتأخر سموه (العلامات الكبرى) والذي قبله يسمونه: (الوسطى)، والتي قبلها -مثل هذه وغيرها- يسمونها: (العلامات الصغرى).
стр. 1684
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٧]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة، ومن لم يؤمن بالقدر فليس بمسلم، فضلاً عن أن يكون مؤمناً، وهو يقوم على أربعة أركان، وهي: الإيمان بصفة العلم لله، والإيمان بأن الله كتب كل ما سيقع، والإيمان بأن مشيئة الله نافذة، والإيمان بأن الله هو الخالق وحده وأن ما سواه مخلوق، ومن ذلك أفعال العباد.
стр. 1685
جريان القلم بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة
[وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: (يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني)، وفي رواية لـ أحمد: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وفي رواية لـ ابن وهب: قال رسول الله ﷺ : (فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار)].
سبق أن الإسلام أعم من الإيمان من ناحية مرتبته وأهله الذين يدخلون فيه، والإيمان أخص من ناحية الذين يدخلون فيه، وأما من ناحية كون الإيمان يدخل فيه الإسلام والإسلام لا يكون داخلاً فيه الإيمان فيكون العكس فهذا في حالة ما إذا اجتمع ذكرهما جميعاً، أما إذا جاء ذكر كل واحد منهما منفرداً فكل منهما يدخل في الآخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فجعل الدين كله الإسلام، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى آخر الآيات، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية.
فإذا جاء أحدهما منفرداً دخل فيه الآخر، ولهذا نظائر في لغة العرب، كإطلاق وصف الفقير والمسكين، فإنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الفقير دخل فيه المسكين، وإذا ذكر المسكين دخل فيه الفقير.
أما إذا ذكرا معاً فيفسر كل واحد منهما بمعنى مستقل، كالآية التي ذكر الله جل وعلا فيها مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] هنا ذكرا مجتمعين، فصار لكل واحد معناه، ولهذا فُسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئاً، وفُسر المسكين بأنه الذي يجد بعض الشيء أو بعض الكفاية؛ لأن الله جل وعلا قال في آية أخرى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة، فدل على أن المسكين أقل حاجة من الفقير، فالمقصود هنا التفريق بين الإسلام والإيمان.
فعلى هذا يكون كل مؤمن مسلماً ولا عكس، فليس كل مسلم يكون مؤمناً، وكذلك يكون كل محسن مؤمناً مسلماً ولا عكس؛ فليس كل مؤمن يكون محسناً؛ لأن دائرة الإسلام أوسع، ويليها دائرة الإيمان، ويليها دائرة الإحسان فهي أخص، وهذه المراتب هي مراتب الدين، وآخرها وأعلاها مرتبة الإحسان؛ لأن الإحسان هو الإتيان بغاية ما يمكن من تحسين العمل المأمور به، ولا يترك شيئاً مما أمر به، ولهذا قسم الله جل وعلا أهل السعادة إلى أقسام ثلاثة، كما قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، فالسابق بالخيرات هو المحسن والمقتصد هو المؤمن، والذي ظلم نفسه هو المسلم؛ لأنه قد يقصر في بعض الواجبات، ويرتكب المكروهات أو بعض المحرمات، فكان ظالماً لنفسه بذلك، ولكنه من أهل الاصطفاء وإن ناله ما يناله من العذاب، فهو ممن اصطفاه الله جل وعلا وجعله من أهل الجنة.
وأما المقتصد فهو الذي اقتصر على فعل ما أوجب الله عليه ونهى نفسه عما حرم الله عليه، وأما السابق بالخيرات فهو الذي يأتي بالمستحبات ويجتنب المكروهات بعد فعله الواجبات واجتنابه المحرمات.
وهذا لا ينافي كونه جل وعلا قسم الناس جميعهم إلى ثلاثة أقسام: قسمان من أهل الاصطفاء، وقسم هالك في العذاب، كما في أول سورة الواقعة وآخرها، فذكر أقسامهم في أولها عند النفخ في الصور.
﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] يعني: قامت القيامة ونفخ في الصور، ﴿ليس لوقعتها كاذبة * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٢ - ٣] يعني: تخفض قوماً وترفع آخرين على خلاف ما كان في الدنيا، فيُرفع من كان متقياً لله جل وعلا مؤمناً به، ويُخفض من كان كافراً وإن كان في الدنيا مرتفعاً.
﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٣ - ٧] يعني: أصنافاً ثلاثة، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] يعني: أصحاب اليمين من كل أمة من الأمم، ومن كل جنس من أجناس الناس.
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٩] أي: الكفرة والمنافقون والفجار، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] فهؤلاء هم الذين يسبقون إلى أعلى المراتب وأعلى الجنات، ولهذا قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، والثلة: الجماعة.
ثم في آخر السورة ذكر أقسامهم عند الاحتضار -عند الموت-، فأولها عند القيامة الصغرى وآخرها عند القيامة الكبرى، ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٨٦ - ٩١] فسلم عليهم فقط ولم يذكر ما لهم؛ لأنهم سالمون من العذاب، ولم يذكر جزاءهم، بخلاف الأولين فإنه ذكر أن لهم من الحال ما يقَبلُون به فهم في أعلى المنازل.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤]، وهذا عند الموت، فإذا مات فإنه يلاقى بحنوط من النار وكفن من النار، ثم في قبره كذلك.
والمقصود أن اختلاف الناس على حسب اختلافهم في طاعة الله جل وعلا وامتثال أمره واجتناب ما نهى، فلا يستوي من أحسن ومن لم يحسن، ومجرد الإسلام -وهو الاستسلام والانقياد- لا يكون كالإيمان الذي تحلى القلب به وثبت في القلب وصار لا يتزعزع، ثم إن المقصود من ذكر الحديث كلامه ﷺ في أركان الإيمان، فإنه جعل الإسلام غير الإيمان، فذكر الإسلام بأركانه الخمسة، وذكر الإيمان بأن قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).
فبين أن الإيمان خصال متعددة، ذكر منها أركانه الستة، وقد سميت أركاناً لأنه يبنى عليها مثل البيت الذي يبنى على ستة أعمدة إذا انهدم عمود منها لم يُنتفع بالباقي، بل ربما يؤول إلى السقوط، وكذلك الإيمان إذا ترك منه ركن، أو الإسلام، فلا يكون إيمانه أو إسلامه صحيح.
فالذي لا يؤمن بالقدر لا يكون مؤمناً، ولهذا استدل عبد الله بن عمر على أنه خارج من الدين الإسلامي لقوله: (إذا لقيتهم فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء)، فالمسلم لا يمكن أن يتبرأ من المسلم -إذا كان باقياً على إسلامه- وإنما يبغضه على حسب ما عنده من المعاصي ويحبه على حسب ما معه من الإيمان والطاعة، ولا يتبرأ منه إلا إذا خرج من الدين، فإن المسلم يجب أن يتبرأ من الكافر براءة كاملة؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع إيمان مع موالاة كافر، فهذا من شروط الإيمان، ولهذا قال: (أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء)، ثم قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر - الذي يحلف به هو الله جل وعلا، أو بصفة من صفاته، وهذا شيء معلوم- لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله لم يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره)، وهذا تمثيل مجرد، وإلا لو قدر أن له ملء السماوات وملء الأرض ذهباً ثم أنفقه ما قبله الله جل وعلا منه؛ لأن الله لا يقبل من الكافر شيئاً، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، كقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، فإذا طار الرماد في اليوم العاصف فلا يقدر على إمساك شيء منه، وكذلك أعمال الكفار عند الله، وفي المثال الآخر لما ذكر أنهم قسمان أصحاب ظلمات وأصحاب رد وكفر وعناد وكبر ذكر أعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، فجعل أعمال هؤلاء الذين كذبوا وكفروا: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩].
هكذا يعملون ويحسبون أنهم على شيء، فإذا قدموا على الله بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون وظهر لهم العذاب، وهذا من أعظم الحسرات، ولهذا سمي ذلك اليوم يوم الحسرة، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩].
стр. 1686
أركان الإيمان بالقدر
فعلى هذا يتبين لنا أن الإيمان بالقدر لابد منه، ومن لم يؤمن بالقدر فليس بمؤمن، بل ليس بمسلم، فقد يكون كافراً وذكرنا أن أركان الإيمان بالقدر أربعة: الركن الأول: أن يؤمن الإنسان بصفة العلم لله لأنه عليم بكل شيء، وعلمه صفة ملازمة له جل وعلا، لا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات سابقاً ولا لاحقاً حالياً من شيء من العلم تعالى الله وتقدس، وعلمه جل وعلا لا يزداد بوجود المعلومات شيئاً لم يكن له، وهو عليم بكل شيء، يعلم الأشياء التي لم توجد أنها ستوجد على صفة كذا في وقت كذا، فتوجد على وفق علمه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، فمن أنكر علم الله جل وعلا فهو كافر بالله جل وعلا، ولا ينفعه العمل مهما عمل.
الركن الثاني: الكتابة أن الله كتب كل ما سيقع -كما سيأتي من حديث عبادة - إلى قيام الساعة، سواء أكان من عمل الإنسان، أم من حركات الشجر وعدد أوراقها وما سقط منها، وغير ذلك، فما تسقط من حبة في البر ولا في البحر، ولا تسقط ورقة من شجرة إلا في كتاب مبين كتبه الله جل وعلا، حتى تحركات وتخلجات عروق الإنسان، فكل حركة وكل سكون بعد الحركة وكل وجود وكل عدم كله مكتوب بلا زيادة ولا نقص.
فالكتابة هي كتابة العلم الذي علمه الله في الخلق، وسيأتي ما المقصود بها في حديث عبادة؛ لأنه نص عليها.
الركن الثالث: مشيئة الله لأنه هو رب الخلق كلهم، فلا يقع في ملكه -في الكون كله- شيء إلا بمشيئته، فما شاء كان على حسب مشيئته، وما لم يشأ لم يكن، والذي لا وجود له هو الشيء الذي لم يشأ وجوده جل وعلا.
الركن الرابع: أن الله هو الخالق وحده، وما سواه مخلوق، فكل موجود من الحيوانات ومن بني آدم والملائكة وغيرهم كله مخلوق لله جل وعلا، وكذلك أفعال بني آدم مخلوقة لله جل وعلا؛ لأنه خلق الذات وخلق صفتها، ولكن جعل للعاقل قدرة وإرادة، ووكل إليه ما أمره به فيفعله، وما نهاه عنه فيتركه، وجعل ذلك إليه، والله يعلم أنه سيفعل أو لا يفعل؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، ولهذا كتب فعله -سواء طاعة أو معصية- لعلم الله الأزلي المحيط بكل شيء.
فإذا فهم الإنسان هذه الأمور الأربعة انحلت عنه إشكالات كثيرة ضل بها كثير من الناس كالقدرية، وأهل القدر قسمان: قسم نفوا القدر، وقسم أثبتوه وغلوا في إثباته حتى سلبوا الإنسان من قدرته واختياره، فجعلوا الإنسان بمنزلة الريشة التي تكون في مهب الريح تصرفها الريح كيف تشاء، فجعلوه كالآلة لا اختيار له ولا قدرة، وهؤلاء أشر من الأولين، وكلاهما شر وضلال وانحراف عن الحق، وكلاهما لم يفهم هذه الأمور الأربعة، وقالوا على حسب ما أدركته أنظارهم وعقولهم؛ إذ أعرضوا عن فهم كتاب الله وما جاء به الرسول ﷺ فضلوا.
فالمسألة عظيمة كبيرة؛ إذ لا يزال كثير من المسلمين تشكل عليه أمور فيها، مع أنها واضحة وجليه -والحمد لله- وليس فيها إشكال، والكفار اليوم كاليهود والنصارى يريدون أن يشككوا المسلمين ويخبروهم بأنهم عجزة متأخرون، ويقولون: السبب في ذلك أنهم يؤمنون بالقدر، فكلما وقع لهم شيء قالوا: هذا قدر فركنوا إلى الدعة والخمول وعدم العمل، فجعلوا إيمانهم بالقدر هو السبب في تأخرهم.
فهذا كذب، فالمؤمن يؤمن بالقدر، وهو مع ذلك يعمل، بل إيمانه بالقدر يزيد في عمله، كما قال الرسول ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فلهذا صاروا يجتهدون في العمل، حتى قال بعضهم: لو كشف لي عن الأمور المغيبة -يعني لو رأيت الجنة والنار- ما استطعت أن أزداد عملاً؛ لأنه جاء بكل ما يستطيع، وهؤلاء هم الذين وصلوا إلى عين اليقين -فأيقنوا يقيناً صادقاً، وهذا هو إيمان الصحابة رضوان الله عليهم.
ثم ذكر حديث عبادة -وقد اختصره المؤلف- وله روايات متعددة، وفي بعضها أنه دخل عليه ابنه وهو في مرض الموت وقد ظهرت عليه علامات الموت، فلما رآه ابنه قال: يا أبت! أوصني.
عند ذلك قال: أجلسوني -لأنه سيجتهد في وصية ابنه- ثم قال له: يا بني! وذكر ما ذكره المؤلف.
وقوله في هذا: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم قال: اكتب.
قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة).
القلم لا ندري ما هو، إلا أنه قلم مثل الأقلام التي يكتب بها، أما كونه من نوع معين وكقول ابن عباس: إنه من نور، أو من غير ذلك، فالله أعلم، ثم إنه كتب بقدرة الله، مثل قوله للشيء: (كن) فيكون، فهي كتابة بقدرة الله جل وعلا الذي يعلم الأشياء كلها، وإلا فالقلم لا يعلم الأشياء، ولا يعلم المستقبلات، ولا يعلم الماضيات، ولا يعلم شيئاً، وإنما الكتابة وقعت بقدرة الله جل وعلا بهذا القلم، فقوله جل وعلا للقلم: (اكتب)، كقوله جل وعلا للسماء: (أمطري)، أو لمن كان ميتاً وأراد إحياءه: (كن)، فقوله: (كن)، فيكون كما أراد جل وعلا.
أيتصور أن القلم كتب بنفسه، وأنه علم الأشياء فكتبها؟ القلم لا علم عنده، وإنما هذا كتابة بقدرة الله جل وعلا، ولكن هذه القدرة جعلها الله في القلم، ثم الذي يكتب فيه هو اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ ليس محل الكتابة، وسمي لوحاً لأنه تلوح فيه الكتابة وتظهر وينظر إليها، وهو في مكان محفوظ لا يطلع عليه إلا رب العالمين جل وعلا، لا أحد يطلع عليه من الخلق، كما أخبر جل وعلا عن ذلك.
فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٥] إلى أن قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:١٧ - ٢٢] محفوظ عن ابتداع الخلق وعن الزيادة والنقص فيه، لا زيادة ولا نقص، فالله جل وعلا حفظه في المكان الذي يعلمه، فلهذا إذا أمر الملك بنفخ الروح في الجنين الذي في رحم المرأة وقال له: اكتب كذا وكذا فهذه الكتابة تكون بيد الملك، ولكنها منقولة مما في اللوح المحفوظ.
стр. 1687
أنواع الكتابات
والكتابات التي جاء ذكرها في النصوص متعددة: أولها: ما ذكر سابقاً، وهي الكتابة العامة الشاملة، فهي شاملة لجميع ما يقع بجميع ما يكون.
وبعدها كتابة أخرى بعد وجود آدم، فإن الله جل وعلا استخرج ذريته وميز بعضهم من بعض، وجعلهم فريقين: فريق في السعير، وفريق في الجنة، كما جاءت النصوص في ذلك، فهذه الكتابة أخص، وهي متفقة مع الكتابة الأولى، وإنما هي مؤكدة لذلك، وليس فيها زيادة ولا نقص عنها.
ثم كتابة ثالثة وهي الكتابة العُمْرية التي تكون خاصة لكل إنسان، أو التي تكون بيد الملك يكتبها في صحيفة ابن آدم، تكتب وهو في رحم أمه بعدما ينفخ فيه الروح، فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، فهذا الملك يطلع على هذا الشيء بعد نفخ الروح فيه.
وكتابة سنوية، يكتب في السنة كل ما سيقع فيها: من حوادث ومن موت ومن حياة ومن إعزاز ومن إذلال ومن ملك ومن نزع الملك ومن إيمان أو كفر أو عمل أو غير ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٥] يعني: في هذه الليلة يفرق كل أمر حكيم، يعني: كل أمر يقع في هذه السنة يكتب ويعلن وتعلمه الملائكة، ويقول جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٢ - ٦].
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣] وهي التي يفرق فيها كل أمر حكيم، هذه الليلة ليلة القدر، وهي في رمضان في كل سنة.
وهناك كتابة يومية، وهي المذكورة في قوله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] تعالى وتقدس، جاء في الآثار: (كل يوم في شأن) يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويرفع قوماً ويخفض آخرين، ويدبر شئون خلقه في كل يوم.
هذه الكتابات التي جاءت في النصوص، وكلها راجعة إلى الكتابة الأولى التي هي في اللوح المحفوظ.
فقوله: (فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) هذا يدلنا على أن المكتوب هو ما سيقع لهذا الخلق في هذا العالم إلى قيام الساعة، أما بعد قيام الساعة فشيء لم يكتب، ولكن الله أخبرنا أن الجنة دائمة دوام السماوات والأرض، ومن فيها مخلدون منعمون، وأن النار كذلك دائمة دوام السموات والأرض، وأن من فيها ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، فهم باقون معذبون، هذا في العموم، أما تفاصيل أمورها وما سيكون فالله أعلم بذلك.
стр. 1688
ما هو أول المخلوقات
ثم قوله: (إن أول ما خلق الله القلم) يدل على أن أول المخلوقات على ظاهر الحديث، القلم، وقد اختلف العلماء هل القلم خلق قبل العرش أو العرش قبل القلم؟ والصواب أن العرش قبل القلم، والعرش كان على الماء، والدليل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)، فدل هذا الحديث على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق القلم.
ثم قوله: (فجرى في تلك الساعة بما هو كائن) لا يقتضي هذا أن الإنسان مرغم على العمل الذي يقع منه، ليس كذلك، لكن الله علاَّم الغيوب قد علم أن هذا الإنسان سيوجد، وأنه سيعمل كذا وكذا باختياره وقدرته مختاراً مقدماً غير مُرْغَم، بل راغب، حتى لو أتيت إليه وحاولت منعه لقاتلك، فإن كان عاصياً وأردت أن تصده على المعصية يقول: مالك ولي فإذا قلت له: إنك متوعد بالنار قال: أعلم ذلك، دعني والنار فهل يكون اللوم على القدر، أو يكون عليه وهو الذي فعل باختياره؟ فالواقع أن الإنسان يعمل أعمالاً لا يدري ماذا كتبت عليه، وإنما تتبين الكتابة بعد وقوع العمل، فإذا كان الأمر هكذا فمعنى ذلك أن الله جعل الإنسان يفعل ما كتب عليه باختياره وغير مجبر ولا مقهور، ولهذا جاء تفسير اسمه الكريم جل وعلا الجبار في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]: فإن الجبار الذي جبر الخلق على أن يعملوا ما علم منهم، وليسوا مجبورين على ذلك بغير اختيارهم، بل فعلوه باختيارهم، ولهذا كان العلماء إذا قالت الجبرية: إن عبدة الأوثان مجبورون يقولون: تعالى الله وتقدس أن يجبر أحداً على غير مراده؛ فإنه القادر على كل شيء، فهو خلق الإنسان مريداً لما خلق له باختياره وقدرته، وإنما يجبر الضعيف.
مثلما يقول الفقهاء: للأب أن يجبر بنته البكر على الزواج؛ لأنها قد لا تعرف مصلحتها.
والإجبار يكون على غير اختيار، أما الله جل وعلا فيتعالى ويتقدس أن يجبر أحداً، بل جعل الأمر إلى الإنسان؛ لأنه خلقه عاقلاً مفكراً، وجعل له قدرة بها يفعل ما أراد بإرادته، فإذا وجدت القدرة والإرادة وجد المراد ولابد.
والمقصود أنه إذا وقع منه الفعل فقد وقع بقدرته وإرادته، وعلى هذا استحق العقاب إذا كان الفعل معصية، واستحق الثواب إذا كان طاعة، هذا هو الذي ما احتملته عقول القدرية، فما استطاعوا أن يستوعبوا أن الإنسان يفعل باختياره -مع أن الله كتب عليه هذا الفعل- فعقولهم قاصرة؛ لأنهم لم يستنيروا بنور العلم الصحيح، ولم يهتدوا بهدي القرآن وسنة الرسول ﷺ فضلوا، وكل من لم يهتد بكتاب الله وسنة رسوله فلابد أن يضل؛ لأن الهدى محصور في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وهذه المشكلة لا تزال إلى الآن عند كثير من الناس، والآن أكثر المسلمين على مذهب القدر، فهم على مذهب الأشاعرة، والأشاعرة جبرية يقولون: الإنسان مجبور.
ولكن لا يصرحون بهذا، بل يقولون: الإنسان كاسب لا عامل.
ويفسرون الكسب بأنه مقارنة قدرة المخلوق التي لا تأثير لها بالفعل مقارنتها للفعل، أما التأثير بالفعل فالمؤثر فيه هو الله تعالى، حتى حداهم هذا إلى نفي الأسباب، حيث يقولون: إذا أتيت بحطب مثلاً وأججت فيه ناراً فماذا يقال لهذا؟ هل يقال: النار أحرقت الحطب؟ -هذا هو الظاهر الذي يتبادر لذهن كل إنسان، إذا سلم من الانحراف، أما الأشاعرة فلا يقولون بهذا أبداً، ولكن يقولون: إن الله خلق الاحتراق عند وجود ملامسة النار للحطب فخلق الاحتراق، فينكرونه في الأمور الظاهرة، فيقولون -مثلاً-: إذا ضربت زجاجة بحجر فكسرت هذه الزجاجة بالحجر هل يقال: إن الحجر كسر الزجاجة؟ يقولون: لا، ما كسر الحجر الزجاجة؛ لأن الحجر لا يكسر شيئاً، وإنما خلق الله الكسر عند ملامسة الحجر للزجاجة وهذا إنكار لأمور ظاهرة.
وكذلك فعل الإنسان إذا أكل أو شرب، وإذا قام أو جلس، وإذا كفر أو آمن، فإن الله يخلق هذه الأشياء عند مقارنة قدرته غير المؤثرة في هذه الأشياء، ومعلوم أن هذا مذهب باطل، خلاف ما أخبر الله جل وعلا به؛ فإن الله يصف المؤمنين بالإيمان ويقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ويصف الكافرين بالكفر، فيقع الكفر منهم حقيقة، ويقع الإيمان من المؤمنين حقيقة، ويقع الأكل من الآكل حقيقة، والنوم كذلك، وهكذا القيام والمشي وغير ذلك.
وكل إنسان منا يجد في نفسه الآن أنه جاء إلى هذا المكان بإرادته وقدرته، ما أحد أرغمه على ذلك، فهكذا نقول في جميع الأعمال، وبهذا يتبين بطلان هذا المذهب الذي نقول: إنه الآن في جميع بلاد المسلمين ولا نقصد بذلك عوام المسلمين؛ لأن عوام المسلمين لا يعرفون هذه الأمور، ولا يقال فيهم: إنهم على هذا المذهب وإنما المقصود العلماء الذين يتبعهم الناس هذا مذهبهم، أكثر العلماء في العالم الإسلامي على هذا المذهب، ونحن نعرف أن هذا المذهب مذهب باطل، وإلا فالحق أن يؤمن الإنسان بما ذكر ويسلم من هذه الإشكالات وهذه الفلسفة الزائفة التي تؤدي إلى باطل، والأمر أوضح من هذا، والإنسان إذا قرأ النصوص الواردة عن الله وعن رسوله ﷺ تجلى له الأمر وأصبح واضحاً إذا سلم من الانحراف.
صحيح أن هناك معاني قد تشكل على كثير من الناس، ولكنها في الحقيقة ليست مشكلة، فالأمر فيها واضح، والفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها عباده تتفق مع ما جاء في كتابه جل وعلا وما جاء به رسوله ﷺ .
هذا هو خلاصة مذهب أهل السنة والرد على هؤلاء المبتدعة.
بقي أنه جاء في الأحاديث أن القدرية شيعة الدجال، وأنهم سيبقون على ذلك إلى قيام الساعة، وهذا موجود، ولكن القدر الذي صار إليه القدرية الذين كانوا في آخر عهد الصحابة الذين تبرأ منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وحكموا بكفرهم، هؤلاء انقرضوا وزالوا ولا وجود لهم اليوم، هؤلاء هم الذين ينكرون علم الله جل وعلا، وإنكار العلم كفر صريح، ولا يشك في ذلك من يعرف صورة المسألة.
стр. 1689
أصل مشكلة القدرية في أفعال الإنسان
أما المتأخرون منهم فإشكالهم في أفعال الإنسان، وأصل المشكلة عندهم جاءت من تفسير الظلم، وذلك أن الله جل وعلا نفى عن نفسه الظلم، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وفي الحديث الصحيح: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] الظلم هنا في الآية: أن يوضع عليه سيئة لم يعملها، أن يوضع عليه جزاء سيئة لم يعملها، وأما الهضم: أن يؤخذ شيء من حسناته، وهذا كثير في القرآن، قالوا: الظلم: هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه أو بغير حق، هذا تفسير الظلم عندهم، وقالوا: مستحيل وقوع الظلم على هذا من الله جل وعلا؛ لأن كل شيء ملك لله جل وعلا، ويؤيدوا هذا القول بأحاديث جاءت عن النبي ﷺ فيها أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قالوا: هذا دليل على ما نقول، ولكن ليس هذا معنى الحديث كما يقولون، معنى الحديث: أن أهل السموات وأهل الأرض لن يقوموا بما يجب لله جل وعلا على الوجه الأتم المطلوب فحق الله عظيم جداً، ولكن الله عفو كريم، يقبل القليل ويعفو عن الكثير، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] جل وعلا.
ثم قالوا: لو قلنا: إن الله جل وعلا كتب على الإنسان أعماله وقدرها وشاءها، ثم عذبه عليها؛ للزم أن يكون ظالماً له، هذا هو أصل المشكلة عندهم.
فيقال لهؤلاء: إن الله جل وعلا خلق الإنسان في طوله وعرضه وفي لحمه ودمه وكذلك صفاته، ومن ذلك أنه خلق له القدرة والإرادة، وجعل القدرة والإرادة هما اللتان يفعل بهما ما يريد، فيكون فعله بقدرته وإرادته هو الذي يجازى عليه ثواباً أو عقاباً.
стр. 1690
حقيقة الخير والشر في القدر
[قوله: (وعن عبادة) قد تقدم ذكره في باب فضل التوحيد، وحديثه هذا رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد بكماله قال: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: (دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه! أوصني واجتهد لي.
فقال: أجلسوني.
قال: يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره قلت: يا أبتاه! فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب.
فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) يا بني! إن مت ولست على ذلك دخلت النار)، ورواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وقال: حسن صحيح وغريب].
السبب في هذه الوصية أن إنكار القدر ظهر في وقت عبادة بن الصامت، ولهذا أوصى ابنه بذلك، وهذا يدل على أن الذي لا يؤمن بالقدر ليس بمؤمن، وأنه إذا مات لم يقبله الله.
وقوله: (تؤمن بالقدر خيره وشره) جعل في القدر خيراً وشراً، والقدر -كما سبق- قدرة الله ومشيئته وعلمه وكتابه، والشر لا يكون إلى الله جل وعلا، بل كل ما يفعله الله خير وحسن وجميل وحكمة، ولكن الشر بالنسبة للمخلوق؛ لأن الشر سببه الذنب، ولو لم يكن هناك ذنب ما كان هناك شر أصلاً، فيكون الشر بالنسبة للمخلوق، وأما إيقاعه من الله جل وعلا فهو عدل، ليس شراً بل هو خير وعدل يحمد عليه ويشكر عليه جل وعلا.
[وفي هذا الحديث ونحوه بيان شمول علم الله تعالى وإحاطته بما كان ويكون في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
وقد قال الإمام أحمد ﵀ لما سئل عن القدر قال: القدر قدرة الرحمن.
فاستحسن ابن عقيل هذا من أحمد ﵀، والمعنى أنه لا يمنع عن قدرة الله شيء ونفاة القدر قد جحدوا كمال قدرة الله تعالى فضلوا عن سواء السبيل، وقد قال بعض السلف: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا].
هذا القول قاله الشافعي ﵀، ومقصوده ما دام أنهم أنكروا القدر فيسألون: هل الله عليم؟ هل علم الله شامل لكل شيء؟ فإن أقروا بهذا؛ قيل لهم: القدر علم الله وخصموا بذلك؛ لأن القدر عبارة عن علم الله السابق الأزلي لكل شيء، فإنه علم أن الخلق سيوجدون وسيعملون كذا، وستكون عاقبتهم كذا، فكتب ذلك جل وعلا، فإذا أقروا به ألزموا بترك مذهبهم، أما إن أنكروا العلم فقد كفروا وخرجوا من الدين الإسلامي، والكافر لا فائدة في مجادلته ولا في مناظرته، والكفر كله ملة واحدة، كون الكافر يترك ركناً من أركان الإسلام، أو ينفي عن الله صفة من صفاته، أو يترك الصلاة، أو يكفر بالرسول ﷺ ، أو يكفر بالكل، أو يكون نصرانياً أو يهودياً كله سواء، فالكفر شيء واحد.
وإذا انتقل الكافر من دين إلى دين فهو كافر في الأول وفي الآخر، بخلاف الدين الحق، فإنه لا يجوز أن يتركه، وإن قدر أنه أراد تركه لا يترك، فإما أن يراجع، وإما أن يقتل.
стр. 1691
حق الله عظيم لا يدركه أحد
[قوله: وفي المسند وسنن أبي داود عن ابن الديلمي -وهو أبو بسر -بالسين المهملة وبالباء المضمومة-، ويقال: أبو بشر -بالشين المعجمة وكسر الباء-، وبعضهم صحح الأول، واسمه عبد الله بن فيروز -، ولفظ أبي داود قال: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار.
قال: فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت قال: فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك)، وأخرجه ابن ماجة.
وقال العماد ابن كثير ﵀: عن سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن رجل عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره)، وكذا رواه الترمذي عن النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطياليسي عن شعبة عن ربعي عن علي فذكره.
قوله: (لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) معنى ذلك أن أهل السموات وأهل الأرض ما يستطيعون أن يقوموا بحقوق الله جل وعلا الواجبة له، فلو عذبهم لعذبهم على ترك الحق، لهذا جاء أن الملائكة منهم من يكون منذ خلق إلى قيام الساعة راكعاً، ومنهم من يكون منذ خلق إلى قيام الساعة ساجداً، ومنهم من يكون قائماً بالعبادة لا يفتر لحظة من اللحظات، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك؛ لأن حق عبادة الله جل وعلا لا يطيقها المخلوق، فرحمة الله جل وعلا خير من عمل الإنسان مهما عمل.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن رجلاً عبد الله جل وعلا في جزيرة من البحر خمسمائة سنة، أخرج الله جل وعلا له من البحر عيناً عذبة يشرب منها، وأنبت له شجرة رمان، وكل يوم تخرج له حبة فيأكلها، وسأل ربه أن يقبضه ساجداً، فقبض وهو ساجد، فإذا كان يوم القيامة أحضر بين يدي الله جل وعلا، فيقول الله جل وعلا لملائكته: ادخلوا عبدي الجنة برحمتي.
فيقول العبد: يا رب! بل بعملي.
فيقول الله جل وعلا: حاسبوه، فيحاسب، فيوجد أن عبادة خمسمائة سنة جاء عليها نعمة البصر -أو قال: نعمة السمع-، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا له: من الذي خلقك ولم تك شيئاً؟ من الذي قواك على العبادة؟ من الذي جعل في قلبك حب الإيمان وكراهية الكفر؟ من الذي جعل لك السمع والبصر والفؤاد واليدين والرجلين؟ من الذي استخرج لك من البحر المالح عيناً عذبة؟ من الذي استخرج لك من شجرة الرمان كل يوم حبة وهي لا تخرج في السنة إلا مرة؟ ثم يقول جل وعلا بعد ذلك: اذهبوا به إلى النار، فإذا ذهب به إلى النار.
يصيح: يا رب! أدخلني الجنة برحمتك فيدخله الله الجنة برحمته ثم قال الرسول ﷺ : لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله).
وفي الصحيح أنه ﷺ قال: (لن يدخل أحدكم الجنة عمله قالوا: ولا أنت -يا رسول الله-؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وإنما يدخل المؤمنون الجنة برحمة الله، ويتقاسمون المنازل بأعمالهم، أما دخول الجنة فهو برحمته جل وعلا؛ لأن الجنة ليست عوضاً عن العمل، وبهذا يتبين معنى قوله: (لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم).
стр. 1692
الرد على نفاة القدر
[وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة -زاد ابن وهب: وكان عرشه على الماء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب].
هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يدل على أن العرش كان مخلوقاً قبل القلم، وأنه فوق الماء، وسبق ذكر ذلك.
[وكل هذه الأحاديث وما في معناها فيها الوعيد الشديد على عدم الإيمان بالقدر، وهي الحجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم المعاصي].
مذهب المعتزلة شاركهم فيه الخوارج، وللمعتزلة أصول خمسة بدل أصول الإسلام الخمسة التي قالها الرسول ﷺ -كما في حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه-: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) هذه خمسة أصول، وهؤلاء المبتدعة الضلال جاءوا بأصول خمسة أخرى، وسموها (أصول الإسلام) من عندهم بدل الأصول التي قالها رسول الله ﷺ ، وكلها ضلال، وهذه الأصول هي: الأول: التوحيد.
وما هو التوحيد؟ هل التوحيد عندهم: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ كلا.
التوحيد عندهم نفي الصفات، فعندهم أن الله لا يتصف بصفة، وأن الله ليس فوق، وأن الله لا ينزل إلى السماء الدنيا، وأن الله ليس له سمع ولا بصر ولا شيء من سائر الصفات، هذا يسمونه توحيداً؛ لأن التوحيد عندهم أن يكون واحداً لا صفات له، وهذا من أعظم الضلال، كيف يكون هذا من أصول الإسلام؟ الأصل الثاني: العدل.
ومعناه عندهم أنهم يوجبون على الله أشياء من عند أنفسهم، يجب أن يفعل كذا، ويجب ألا يفعل كذا، تحكماً وضلالاً، نصبوا أنفسهم موجبين ومحرمين على الله جل وعلا وعلى شرعه.
الثالث: المنزلة بين منزلتين.
ومعناها عندهم أن الإنسان إذا عمل كبيرة خرج من الدين الإسلامي ولم يدخل في الكفر، فصار بين الإسلام والكفر، لا مسلماً ولا كافراً، فهذا القول من أين أتى؟ وما دليل ذلك؟ وقالوا: إذا مات صار في النار.
وهذا عجيب، في الدنيا يكون بين الإسلام وبين الكفر، وفي الآخرة يكون مع الكفار في النار.
الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعندهم أن الأمر بالمعروف هو الخروج على الأئمة، أي: يجب أن يخرجوا على الأئمة إذا لم يكونوا على مرادهم، ولا داعي إلى ذكر سائر ضلالاتهم؛ لأن إماتة الضلال وعدم ذكره أولى من ذكره؛ لأنه كله ضلال في الواقع، وليس فيه شيء من الحق، فالحق فيما جاء به الرسول ﷺ ، ولكن المشكل أن هذا المذهب الخبيث بعث الآن من جديد، وصار له أناس يناصرونه، وصارت كتبهم تطبع وتنشر بين الناس، وصار هناك من يعتنق هذا المذهب، وهذا بسبب المستشرقين الكفار الذين صاروا يبحثون في كتب المسلمين، ويطلبون الشيء الذي يقدحون به في عقيدة المسلمين فيعملون على نشره، فصار لهم تلامذة من المسلمين يتبنون آراءهم وأفكارهم، وبسبب ذلك بعث هذا المذهب الذي مات منذ زمن طويل، إلا أنه يوجد هذا المذهب في طوائف مثل الإباضية والرافضة، فهذا المذهب موجود فيهم وإن لم يكن كله فيهم، وإنما أجزاؤه، مثل نفي الصفات، ونفي العلو، ونفي رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، والقول بخلق القرآن، وأن الله لا يتكلم، وما أشبه ذلك.
стр. 1693
مسائل وفوائد في الباب
стр. 1694
كيفية الإيمان بالقدر ووجوب الإيمان به
[وفي الحقيقة إذا اعتبرنا إقامة الحجة عليهم بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة من إثبات القدر فقد حكموا على أنفسهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا، وهذا لازم لهم على مذهبهم هذا، وقد خالفوا ما تواترت به أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر، وعدم تخليد أهل الكبائر من الموحدين في النار].
[قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه مسائل: الأولى: بيان كيفية الإيمان بالقدر].
كيفية الإيمان بالقدر بأن يعلم الإنسان أن الذي يقع في الكون كله لا يمكن تغييره، ولا يمكن تأخيره، ولا يمكن تبديله، وأن الذي لا يقع لا يمكن إيقاعه، فكل شيء يقع من دقيق وجليل فقد قدره الله جل وعلا بعلمه الأزلي وكتبه وشاء وجوده وخلقه.
[الثانية: بيان فرض الإيمان بالقدر].
الإيمان بالقدر فريضة على كل عبد، فيجب أن يؤمن به، وإذا لم يؤمن به فهو متوعد بالوعيد الذي ذكر، وهو أنه يكون من أهل النار.
[الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به].
стр. 1695
فضل الإيمان بالقدر
[الرابعة: الإخبار أن أحداً لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به].
هذا يدل على أن الإيمان له طعم يجده بعض الناس، وبعضهم لا يجده، فالذي يؤمن بالقدر إيماناً على الوجه الشرعي يجد طعم الإيمان، وكذلك في غير هذه المسألة، ولكن المسائل التي جاء بها الرسول ﷺ مرتبط بعضها ببعض، ولا يمكن أن ينفك بعضها عن بعض، فإذا قيل -مثلاً-: إذا آمن بالقدر وجد طعم الإيمان فليس معنى ذلك أنه إذا ترك الصلاة وآمن بالقدر يجد طعم الإيمان، أو يترك الصوم ويؤمن بالقدر ويجد طعم الإيمان، أو يعمل الفواحش ويؤمن بالقدر ويجد طعم الإيمان، لابد من الالتزام بكل ما جاء به الرسول ﷺ .
[الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة].
بعد قيام الساعة مسكوت عنه، لم يكتب عندما أمر القلم أن يكتبه، فهذا أمر راجع إلى الله جل وعلا.
[السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به].
لأنه برئ ممن لم يؤمن بالقدر، والبراءة تحمل على ظاهرها، أي أنه ليس من أتباعه، وليس على دينه، هذا معنى البراءة، ولهذا قالوا: إن البراءة تدل على أنه كافر.
فهذا نوع من الكفر؛ لأن المسلم يتبرأ من الكفار والمشركين، ولا يجوز للمسلم أن يتبرأ من مسلم.
стр. 1696
إزالة الشبهة بسؤال العلماء
[الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء].
الشبهة لا تزول إلا بالعلم، والعلم يجب أن يقتنع به السائل، فيكون قلبه قد زالت عنه شبهته، وهذا لا يكون إلا بالنصوص اليقينية التي تستند إلى الوحي، أما الآراء والأفكار فيقابلها أراء وأفكار، وقد تتعارض فيكون واحد رأيه وفكره أعمق وأكثر من الثاني فيفسد عليه ما يرى، هذا شأن أصحاب الآراء، ولهذا فهم ينتقلون، كل وقت قد يكون لأحدهم رأي ومذهب، ولا يثبت على مذهب، كما جاء رجل إلى الإمام مالك وقال: أريد أن أجادلك.
قال: لا.
اذهب إلى من كان في شك من دينه، أما أنا فلست في شك، أنا اتبع سنة محمد ﷺ فلست في شك، اذهب إلى الذين ينتقلون كل يوم من دين إلى آخر فجادلهم.
[التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط].
يعني أن نسبة الكلام إلى الله أو إلى رسوله هو الذي يزيل الشبهات، أما نسبته لفلان وفلان فلا يزيل الشبهة؛ فإنه يوجد فلان آخر مثله، وفلان آخر مثله، ويجوز على كل واحد منهم الخطأ والصواب، فإذا جاز الخطأ عليهم فلا يوثق بكلامهم، وإنما الذي يوثق بكلامه من لا ينطق عن الهوى، وهو وحي الله جل وعلا.
стр. 1697
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٨]
الله هو المصور، والمصورون الذين يضاهون خلق الله هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة؛ لما في عملهم ذلك من مفاسد كثيرة، منها: أنها تفضي إلى تعظيم الشيء المصور، بل وإلى عبادته من دون الله، ولذلك يؤتى بالمصور يوم القيامة فيخلق الله له بكل صورة صورها نفساً، ويؤمر بنفخ الروح فيها، فلا يستطيع، فتكون سبباً في عذابه.
стр. 1698
ما جاء في المصورين من الوعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في المصورين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة أخرجاه)].
المعنى: ما جاء في المصورين من العذاب الشديد، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد: أن المصور وعد بوعيد شديد يدل على أنه من أهل النار، وأنه يبقى معذباً، ويكلف أن يخلق الصورة التي صورها ويجعل فيها الروح، حتى تكون حية مثل الصورة التي تضاهيها وتشابهها، وهذا ممتنع، وتكليفه لا ينقطع، فيستمر بهذه الحال إلى أن ينفخ فيها الروح، وهذا غير ممكن، ولهذا يقول العلماء: إن هؤلاء وعدوا بعذاب لم يعذب به أحد من الناس، وجاءت نصوص كثيرة في ذلك جداً يتعجب الإنسان من كثرتها، ولكن هذا دليل على أن من قالها يقولها عن وحي، وعن علم غيب مما أعلمه الله جل وعلا بأنه سيكون، ولم تكن الصور قديماً منتشرة ولا كثيرة مثل اليوم، فقد ابتلي بها الناس، فأصبحت لا تجد بيتاً إلا وهو مملوء بالصور، سواءً في الملابس، أو في الأواني، أو في الصحف، أو في الكتب، أو في غير ذلك.
وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ أن البيت الذي فيه صورة لا تدخله الملائكة، والمقصود بهم ملائكة الرحمة، أما الملائكة الذين يسجلون على الإنسان أعماله فهؤلاء يضطرون إلى شيء يكرهونه، ويصبح الإنسان الذي عمل هذا العمل أو رضي به وأقره آثماً، لكونه أكره عباد الله المكرمين على شيء لا يريدونه، ولا ينظرون إليه، ولا يدخلون المنزل الذي هو فيه.
ثم في هذا الحديث بين علة التحريم وعلة العذاب، قال: (ومن أظلم) يعني: لا أحد أظلم، (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي) ومعنى يخلق كخلقي: أنه يصور الشيء الذي فيه الروح، (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي) ثم جاء الأمر بالتعجيز فقال: (فليخلقوا ذرة) وهي من أصغر المخلوقات، يعني: فليوجدوا ذرة حقيقة تكون حية فيها روح وحياة، فإن لم يستطيعوا ذلك فليوجدوا من العدم ما هو أقل من هذا وهو حبة شعير، أو حبة بر، فلا يستطيعون، ولو اجتمع كل من في الأرض على أن يوجدوها ما استطاعوا، وهذا تعجيز لهم، ومعنى يضاهئون الله: يشابهونه بأن يوجدوا الصورة التي خلقها الله.
فهذا أمر تعجيزي لهم؛ ولهذا استحقوا شدة العذاب، أما إذا كان التصوير لشيء لا روح فيه، فلا بأس به؛ لأنه قال: (ليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة)، فدل على أن الشيء الذي لا روح فيه لا بأس بتصويره مثل: الجبال والشجر وما أشبه ذلك؛ ولهذا لما جاء رجل إلى ابن عباس يستفتيه، وأخبره أنه يعمل الصور، فصار يقول له: ادنو، حتى جلس أمام ركبتيه فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، ثم قال له: إن كنت فاعلاً ولابد فالجبال والشجر، يعني: تصور الجبال والشجر.
стр. 1699
أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون
قال المصنف ﵀: [ولهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله)].
يضاهئون أي: يشابهون الله في خلقه، يعني: أنهم يصورون الصور التي خلقها الله جل وعلا، وليس لله مثيل في الخلق، وليس له نظير يخلق كخلقه، ومعنى ذلك أنهم أساءوا الأدب مع الله، وجعلوا أنفسهم بمنزلة المشارك لله جل وعلا في الخلق، تعالى الله وتقدس.
هذا في تصوير الصور، فكيف إذا اتجه الإنسان إلى مخلوق يعبده، ويدعوه وينزل به حاجته ويسأله؟ هذا أعظم من التصوير بكثير، بل هذا أعظم الذنوب، ولهذا حرم الله عليه الجنة.
стр. 1700
كل مصور في النار
قال المصنف ﵀: [ولهما عن ابن عباس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم)].
هذا وعيد شديد نسأل الله العافية، (كل مصور في النار) وكل: للعموم، فيدخل في ذلك التصوير باليد، والتصوير بالكاميرا، كلها داخلة في هذا، كل صورة عملها الإنسان سواءً بيده أو بواسطة الآلة فهي داخلة في هذا الحديث: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم) نسأل الله العافية، وهذا وعيد صريح وشديد وواضح، ولا يجوز تأويله، ولا يجوز صرفه عن ظاهره؛ لأنه قول من لا ينطق عن الهوى، وهو كلام واضح جلي، فطلب تأويله وتفسيره يكون تداركاً على رسول الله ﷺ ، فلا يجوز ذلك، بل يجب أن يبقى على ما قاله الرسول ﷺ ، ومعناه واضح مفهوم.
قال المصنف ﵀: [ولهما عنه مرفوعاً: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)].
يعني في يوم القيامة يقول له جل وعلا: انفخ الروح في هذه الصورة -وهذا في كل صورة صورها- وهذا تكليف ما لا يطاق، وهذا من العذاب الشديد، وبما أنه لن يفعل ذلك فهو يعذب دائماً.
стр. 1701
وجوب طمس الصور
قال المصنف ﵀: [ولـ مسلم عن أبي الهياج قال: (قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)].
هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وقد تقدم في باب التحذير من عبادة الله جل وعلا عند قبر الرجل الصالح، فكيف إذا عبده؟ ففيه ما اختصره المؤلف هنا.
عن علي ﵁ أنه قال لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
وفي هذا أن الرسول ﷺ كان يبعث الصحابة لطمس الصور وتسوية القبور، ومعنى تسويتها: أنها تسوى بالأرض ولا تكون مرفوعةً، خشية أن يفتتن بها الناس الذين قد يتعلقون بالميت، وهذا موجود بكثرة، ولكن كثير من الناس عاكس أمر الرسول ﷺ ، فصاروا لا يكتفون برفع القبور فحسب، بل صاروا يبنون عليها المساجد، ويجعلون عليها القباب ويزينونها بالزينة، وقد يطيبونها بسائر الأطياب، وقد يرتبون لها سدنة يدعون الناس إلى عبادتها، ويسمونهم أدلاء يدلونهم على الضلال وعلى الشرك بالله جل وعلا! وقد يضعون لها شمعاً ونذوراً وصناديق، ويسمونها: صناديق النذور.
فلا يجوز التوجه إلى قبر لدعائه، وهذا من الشرك الأكبر الذي من مات عليه يكون خالداً في النار، والمقصود أن من دعوة الرسول ﷺ طمس الصور وتسوية القبور، وهذان الأمران: الصور والقبور هما أصل الشرك، وأصل البلاء في الناس.
стр. 1702
سبب وقوع الشرك تصوير الصور والغلو فيها
سبب وقوع الشرك في بني آدم تصوير الصور والغلو فيها، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد، ثم إنه مات قوم صالحون أسماؤهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وقد ماتوا في زمن متقارب، فأسف عليهم قومهم أسفاً شديداً؛ لأنهم كانوا يقتدون بهم في العبادة، وكانوا إذا رأوهم ازدادوا عبادةً واجتهاداً؛ لأنهم يقتدون بهم، فجاء إليهم الشيطان في صورة رجل ينصحهم فقال لهم: صوروا صورهم، وانصبوها في مجالسهم، فإنكم إذا رأيتم صورهم تذكرتم أفعالهم فاجتهدتم كاجتهادهم، فاستحسنوا هذه الفكرة وهذا الأمر فصنعوه، وصاروا كلما رأوا صورهم اجتهدوا في العبادة وجدوا فيها، واستمروا على هذا حتى ماتوا، ثم جاء أبناؤهم ثم أبناء أبنائهم، ونسي السبب الذي من أجله صوروا، فجاء إليهم الشيطان فقال: إن آباءكم وأجدادكم ما صوروا هذه الصور إلا لرجاء نفعها، ولطلب الوسيلة بها، والتقرب إلى الله بها ودعائها، فدعوهم فصاروا آلهة، فمن هنا بدأ الشرك، وعند ذلك أرسل الله جل وعلا إليهم نوحاً يحذرهم من هذا الشرك، ولكن الشرك قد أشربت به قلوبهم وأحبوه، وصار نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً إلى الله جل وعلا وعبادته، فحاربوه بكل ما يستطيعون، ورموه بالجنون والسفه، وقالوا: إما أن تكف عن سب آلهتنا -كما قال إخوانهم من قريش- وعن عيب ديننا وإلا رجمناك، فقال نوح ﵇ كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح:٢١ - ٢٢] يعني: حاولوا قتل نوح ورجمه وإخراجه، وهذه معاداة لله جل وعلا ومحاربة له.
﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] يوصي بعضهم بعضاً ويقولون: إياكم أن تتأثروا بدعوة نوح وتتركوا عبادة أصنامكم، فيحذر بعضهم بعضاً، ويوصي بعضهم بعضاً بالشرك والتمسك به ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] يعني: أوصوا أولاً بالتمسك بالآلهة عموماً، ثم نصوا على هذه المذكورة لعظمها عندهم، وفي النهاية: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فأمره الله جل وعلا بصنع السفينة، وصاروا يضحكون عليه، ويسخرون منه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون، يصنع سفينة في البر، أي جنون مثل هذا الجنون؟! فقال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩]، فعلموا عن قرب، فصارت الأرض تنبع بالماء، والسماء ترسل المياه، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢]، وأصبح الماء فوق أعلى جبل سبعين ذراعاً، فلم يبق على وجه الأرض حي إلا من كان في السفينة، وهذا الشرك وقع بسبب الصور.
أما عبادة القبور فأمرها واضح وجلي، فإنها فتنة لكل مفتون بها، وإذا نظر الإنسان في بلاد المسلمين اليوم كالهند، وباكستان، ومصر، والعراق، وغيرها، فإنه يرى القبور تقصد، وتعظم، وتدعى، ويستغاث بأصحابها! مع أن المقبور صار تراباً ورفاتاً، ما يستطيع أن يكتسب حسنة صغيرة يضعها في صحيفة حسناته، فكيف يغني شيئاً عن الذين يدعونه ويتوجهون إليه؟! وهذا من أعظم الضلال، حين يترك المشرك دعوة رب العالمين الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي يقول للشيء كن فيكون، ويدعو عظاماً ورفاتاً قد أكلها الدود، وتفتت في التراب، وربما يكون هذا المدعو مهاناً معذباً، وربما يكون مشغولاً بنعيم أنعم الله به عليه، لا يدري عمن يدعوه شيئاً، حتى يبعث يوم القيامة فيؤنب على ذلك، ويقال له: أهؤلاء كانوا يدعونك؟ هل أمرتهم بهذا؟ فيتبرأ منهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، فيعادونهم، ويكفرون بعبادتهم، ويتبرءون من فعلهم إلى الله جل وعلا.
стр. 1703
العلة في تحريم التصوير ورفع القبور
قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في المصورين، أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه، وقد ذكر النبي ﷺ العلة: وهي المضاهاة بخلق الله؛ لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٧ - ٩].
فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة صار مضاهئاً لخلق الله، فصار ما صوره عذاباً له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذاباً؛ لأن ذنبه من أكبر الذنوب.
فإن كان هذا فيمن صور صورةً على مثال ما خلق الله تعالى من الحيوان، فكيف بحال من سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه، وصرف له شيئاً من العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه؟ فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكاً له فيما اختص به تعالى وتقدس؛ هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به، ولهذا أرسل رسله وأنزل كتبه لبيان هذا الشرك والنهي عنه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، فنجى الله تعالى رسله ومن أطاعهم، وأهلك من جحد التوحيد واستمر على الشرك والتنديد، فما أعظمه من ذنب! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
قال الشارح ﵀: [قوله: (ولـ مسلم عن أبي الهياج) الأسدي حيان بن حصين (قال: قال لي علي) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
فيه التصريح بأن النبي ﷺ بعث علياً لذلك.
أما الصور فلمضاهاتها لخلق الله.
وأما تسوية القبور فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله، فصرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته، ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحظور، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطاً لرحال العابدين المعظمين لها، فصرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة والتضرع لها، والذبح لها والنذور، وغير ذلك من كل شرك محظور.
قال العلامة ابن القيم ﵀: ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تتخذ عيداً، وهؤلاء يتخذونها أعياداً ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي فذكر حديث الباب وحديث ثمامة بن شفي وهو عند مسلم أيضاً قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: (سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها).
وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب.
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه).
ونهى عن الكتابة عليها كما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله ﷺ : (نهى عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.
ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود عن جابر أيضاً أن رسول الله ﷺ (نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه) وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص والأحجار، قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم.
والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعياداً، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب؛ مناقضين لما أمر به رسول الله ﷺ محادين لما جاء به، وأعظم من ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهي من الكبائر، وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.
قال أبو محمد المقدسي: ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيها تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام.
قال: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور؛ لهذا الخبر، ولأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) متفق عليه؛ ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها.
انتهى.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ً ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه: مناسك حج المشاهد، مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام].
стр. 1704
الرد على المتعلقين بالقبور
قال الشارح ﵀: [ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهية، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعله النصارى عند قبره، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان:١٧ - ١٨]، قال الله تعالى للمشركين: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]].
من المعلوم أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه وحده، والإنسان خلق عابداً، فلابد له من العبادة، ولا ينفك عن العبادة بحال من الأحوال، فإن لم يعبد الله عبد الشيطان ولابد، فإما أن يعبد الإنسان ربه، ويفعل ما أمر به، ويلقى الجزاء من الله والثواب، وتكون حياته سعيدة، وعاقبته حميدة، أو ينصرف عن أمر الله وما خلق له ويكون عابداً للشيطان، أو عابداً لشهواته أو للمظاهر الأخرى من مظاهر الدنيا، حتى الذين يزعمون أنهم متحررون، وأنهم ملحدون، ولا يؤمنون بدين ولا بإله ولا بجزاء ولا ببعث؛ لا ينفكون عن العبادة، فهم يعبدون رؤساءهم وكبراءهم وطغاتهم، ويعبدون شهواتهم، ثم إن كثيراً من الناس الذين أرسل الله جل وعلا إليهم الرسل كانوا منصرفين عن عبادة الله والإخلاص له في الدعاء والرغبة والرهبة والخوف والرجاء، وإنما يعبدون الله بالأمور الظاهرة الجلية، مثل كون الرب جل وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وهو الذي يتصرف في المخلوقات وفي الكون وحده؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينكروا هذا، ولا يستطيعون أن يجعلوا أحداً من الخلق مشاركاً لله جل وعلا في ذلك، فانصرفوا إلى أمر آخر، وهو أنهم صاروا يتعلقون بالأولياء، ويقولون: إنهم يشفعون لنا، ويتوسطون لنا عند الله جل وعلا، ونحن نطلب منهم التوسط والشفاعة وهم يقربونا إلى الله زلفى، فهذا هو أصل شرك المشركين، وإلا لا يوجد عاقل يعبد مخلوقاً مثله؛ لأنه يملك له كل ما طلب منه، ويصرف عنه كل ما خافه ورهبه، لا يوجد مثل هذا، وإنما الموجود جعل بعض المخلوقين وسائط يجعلهم بينه وبين ربه، ويزعم بأن الطلب عن طريقهم أقرب إلى الإجابة؛ تسويلاً من الشيطان، وتحسيناً من العقل، وقياساً على ما هو موجود بين الخلق؛ لأن الخلق تعارفوا على أنه إذا كان هناك عظيم من الناس -رئيس أو ملك أو أمير- فالإنسان العادي لا يذهب إليه رأساً ويطلب منه، بل لابد أن يأتي إلى من هو قريب منه، كوزير، أو قريب، أو صديق فيتقدم إليه ويطلب منه أن يتوسط له عنده ويشفع له، فقاسوا رب العالمين على هذا في الأصل، فصاروا يتعلقون بالأولياء، ويطلبون منهم الشفاعة، ويطلبون منهم الوساطة، وهذا هو الشرك الذي أرسل الله جل وعلا الرسل للإنذار منه، ودعوة الناس إلى الإقلاع عنه، وجعل الدعاء والطلب لله وحده، ولا يكون بين العبد وبين ربه وساطة، فالله جل وعلا يعلم ما في النفوس، وهو مطلع على عباده، ويسمع كلامهم، ويرى تقلباتهم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فيجب أن ينزلوا فقرهم به، وأن يسألوه بلا واسطة، وأن يتعلقوا به، ويعلقوا به حاجاتهم وكل ما يهمهم، وهذه هي العبادة التي يجب أن تكون لله جل وعلا.
ومن هذا الباب أصبح كثير من المسلمين يذهب أحدهم إلى القبور زاعماً أن أصحابها أولياء أو أنبياء، فيطلب منهم الوساطة، ويطلب التشفع، ويطلب أن يقربوه إلى الله، وهو يقول بزعمه: هذا أقرب إلى الإجابة!
стр. 1705
وجوب التعلق بالله وحده
لما بعث صلوات الله وسلامه عليه صار يقول للناس: (قولوا: لا إله إلا الله)، فكان هذا هو أول ما أمرهم به، ومعنى لا إله إلا الله أن يكون التأله -الذي هو حب القلب وخوفه ورجاؤه- لله وحده، ما يكون القلب متعلقاً بغير الله جل وعلا، وكل شيء تتعلق به القلوب من غير الله يجب أن يبطل وأن ينصرف عنه، فليس لأحد من الخلق من الألوهية شيء، وإنما هو مجرد أوضاع تواضع عليها الآباء واتبعهم عليها الأبناء، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، يعني: مجرد أسماء سموها الآلهة، وليس لها من معنى الإلهية شيء، فالإلهية يجب أن تكون لله، والتأله هو حب القلب وخوفه ورجاؤه، ثم كانوا مختلفين، منهم من يعبد شجراً، ومنهم من يعبد حجارة، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد عباداً صالحين دفنوا كاللات على قراءة التشديد، فقد جاء عن ابن عباس وغيره من السلف: أنه كان رجلاً يلت السويق بالسمن، ثم يقدمه لمن يأتي إليه من الحجاج وغيرهم، فلما مات دفن تحت صخرة في الطائف فعبد، وصاروا يعكفون عنده للتبرك، ويطوفون بقبره، ويأتونه سائلين أن يشفع لهم عند الله، فكانت هذه هي عبادتهم، وما كان أحد منهم يأتي إليه ويقول: أنزل المطر أنبت النبات ادفع عني العدو أعطني الصحة، وأزل المرض مني، ما كان أحد يقول هذا ولا يعتقده، وإنما كانوا يجعلونهم وسطاء، ويقولون: اسأل لنا الله أن يفعل لنا كذا وكذا؛ لأنهم يزعمون أنه أقرب إلى الله منهم، ولم يفرق الرسول ﷺ بين هؤلاء، ومعلوم في التواريخ وكتب السيرة أن الشيطان كان يأتي أحياناً في هذا البناء الذي يبنونه أو تحت الشجرة التي يعظمونها -مثل: العزى- فيكلمهم ليضلهم؛ لأنهم حين يسمعون الكلام يعتقدون أنه يستجيب لهم.
стр. 1706
تكسير النبي ﷺ للأصنام
لما فتح الرسول ﷺ مكة أرسل خالد بن الوليد لهدم العزى، وعلي بن أبي طالب لهدم مناة، ومناة كانت عبارة عن صخرات قرب كديد بين مكة والمدينة، كان الأنصار قبل الإسلام إذا ذهبوا للحج أو العمرة، لابد أن يمروا بها ويذبحوا عندها الذبائح، ويعكفوا عندها، وهذه هي العبادة، ولما أرسل خالد بن الوليد إلى العزى وجد عندها السدنة، فهدم بيتها، وقطع الشجر، وكانت عبارة عن ثلاث شجرات مجتمعة، وكانوا يجعلونها أكبر معبود لهم، ولما رجع إلى النبي ﷺ قال: (ماذا صنعت؟ قال: هدمت البيت، وقطعت الشجرات، قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لم أر شيئاً، قال: لم تصنع شيئاً، اذهب فاهدم العزى) فرجع فلما وصل إليها رأى امرأة عجوزاً ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، وتدعو بالويل، فطعنها بالسيف وقتلها، والسدنة يشتدون في الجبل ويقولون: يا عزى! انتصري، يا عزى! عليك بـ خالد، فقتلها ورجع، ولما رجع إلى النبي ﷺ قال: (هل رأيت شيئاً؟ قال: نعم، رأيت عجوزاً صفتها كذا وكذا فقتلتها، فقال: تلك العزى، لا عزى بعد اليوم، هذا شيطان العزى الذي كان فيها).
ولما دخل مكة صلوات الله وسلامه عليه وجد حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً منصوباً حول الكعبة، أصنام من أحجار وخشب وطين، يصورونها ويعبدونها، فجعل يضربها بعصا معه ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وهي تتساقط من حين يشير إليها صلوات الله وسلامه عليه، فالمقصود أنهم ما كانت عبادتهم أنهم يعتقدون أنها تتصرف مع الله، وأنها تخلق وتحيي وتميت، وكذلك الذي يذهب إلى قبر الولي ويقول: أنا لا أذهب إليه لأدعوه، وإنما أذهب أتوسل به، وأتشفع به، وأجعله وسيلة لي أو شافعاً لي أطلب منه ذلك، فنقول: هذه هي عبادة المشركين نفسها، فالمشركون ما كانوا يعتقدون أن هذه الأصنام وهذه المعبودات تتصرف مع الله، وأنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وتجلب المطر، وتنبت النبات، وتفعل ما طلبوا منها، لا، ولكن مثلما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، والعبادة هي الدعاء، فإن مجرد كونهم يدعونهم: افعلوا بنا كذا، اصرفوا عنا كذا، هذه هي العبادة، وليست العبادة السجود والركوع لهم كما يتصوره بعض الناس الذين ينافحون ويجادلون عن الوثنية وعبادة القبور، ويقولون: العبادة هي أن تعتقد أن هذا الذي تدعوه يحيي ويميت، وإلا ما تكون عبادة بل تكون توسلاً، يقولون هذا لأنهم جهلوا معنى العبادة، وجهلوا حقيقة دعوة الرسل التي أرسلهم الله جل وعلا بها؛ ولهذا السبب صار تعلق الناس بالقبور وزيارتها والطواف بها والتمسح بها والتبرك، وأخذ شيء من ترابها والإقامة عندها موجوداً بكثرة، وكذلك البناء عليها تعظيماً لها، وكذلك جعلها في المساجد، فإن هذا كله من فعل المشركين، وهو صارف عن عبادة الله جل وعلا، وربما يكون فاعله مشركاً شركاً أكبر، إذا مات على هذا يكون ميئوساً منه، نسأل الله العافية، فيكون من أهل النار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذا كان أمر الشرك بهذه الشدة وهذه العظمة، فيجب على العبد أن يتعرف على الشرك؛ خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري أنه شرك، ويظن أنه عبادة وأنه عمل صالح، وهو مما يبعد عن الله جل وعلا.
стр. 1707
مشروعية زيارة القبور للاتعاظ لا لدعاء أصحابها
يشرع للإنسان أن يزور القبور على سبيل الاتعاظ والتذكر بما أمامه، والإحسان إلى المقبور نفسه كما أمر الرسول ﷺ ، فهذا أمر مطلوب؛ لأنه جاء في الحديث أنه ﷺ قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة)، وفي رواية: (ولا تقولوا: هجراً) والهجر هو: المنكر الذي يخالف الشرع، فزيارة القبور شرعت لشيئين: أحدهما: أن يتذكر الإنسان مآله؛ لأنه سيصير مثلما صار هذا المقبور، ويكون مرجعه إلى القبر، ولابد أن يكون مقبوراً مثل هذا، فيتوب ويجتهد في العمل، ويتذكر الآخرة، ويتذكر ما أمامه.
الأمر الثاني: أن يحسن إلى الميت بالدعاء له، فإنه في أمس الحاجة إلى دعوة تلحقه من أخ له صادق، أما أن تنعكس القضية، ويصبح الإنسان يزور القبر ليسأل صاحبه، فهذا عكس ما أراد الرسول ﷺ تماماً.
أما ما ذكر من أن الأولياء والأنبياء لا يرضون بهذا الفعل، بل هذا يؤذيهم؛ فهذا أمر ظاهر، وقد ذكر الآيات التي تبين هذا، فإن أولياء الله لا يرضون بمعصية الله، ولا يرضون بأن يدعوا من دون الله، بل يصبح هذا الذي يدعوهم ويزعم أنه يتوسل بهم عدواً لهم، يعادونه ويكفرون به، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، لأنهم أموات، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦]، يعني: الذين يُدعون يصيرون أعداءً لهذا الداعي، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يكفرون بعبادهم، ويتبرءون منها، ويقولون: الله ولينا من دونكم، نبرأ إلى الله من ذلك؛ لأن الذي يرضى بأن يعبد من دون الله لا يعد طاغوتاً فقط، بل هو من رؤساء الطواغيت.
стр. 1708
معتقد النصارى في قتل عيسى ﵇
الطواغيت كثيرون جداً، والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع، ورؤساء الطواغيت خمسة: إبليس لعنه الله، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، هؤلاء هم رؤساء الطواغيت، فالذي يُعبَد وهو راضٍ من رؤساء الطواغيت، أما ما ذكر من أن النصارى يشركون عند قبر المسيح عيسى ﷺ ؛ فهذا زعم يزعمونه هم، وهو كذب لا حقيقة له؛ لأنهم يزعمون أن عيسى ﵇ صلب -والصليب خشبات شبه الزائد- وسمرت يداه ورأسه على الصليب، ثم أخذ وقتل على زعم اليهود، ثم بعد ذلك أنزل وقبر، هذا زعمهم وعقيدتهم، وهو كذب قد أبطله الله جل وعلا، وأخبرنا أن اليهود لم يقتلوه وإنما شبه لهم، يعني: وضع شبهه على رجل من اليهود، فقتلوا ذلك اليهودي وصلبوه، فالمقتول رجل يهودي، أما عيسى ﵇ فقد رفعه الله إليه كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥]، ومعنى قوله جل وعلا: (إني متوفيك) يعني: منيمك، فعيسى ﵇ نام ثم رفع كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فالنوم وفاة: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، وقال الله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)) [النساء:١٥٧ - ١٥٨] فهذا الذي يجب أن يعتقد، وجاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بأنه ينزل في آخر الزمان إذا خرج المسيح الدجال فيقتله، ويكون نزوله ﵊ على جناح ملكين من الملائكة، وقال ﷺ : (اعرفوه فإنه رجل مربوع متوسط، كأن رأسه يقطر ماءً)، كأنه خرج من حمام، وإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، ويضع الجزية، ويقتل الخنزير، ولا يقبل من الناس إلا الإسلام، ويبقى أربعين سنة، ثم يتوفاه الله جل وعلا.
فالمقصود أن قوله: قبر المسيح، هذا على حسب عقيدة النصارى، أما الواقع فالمسيح عيسى ﵇ ليس له قبر، بل هو مرفوع حي، ولا يزال حياً في السماء ثم ينزل إذا أراد الله جل وعلا ويحكم بهذه الشريعة، فهو من أمة محمد ﷺ ؛ لأنه ينزل ويحكم بشريعة محمد ﷺ .
стр. 1709
ضلال عباد القبور في تفضيلها على المساجد
قال الشارح ﵀: [ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع، ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى بما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريباً منه].
يعني: أن الذين يتعلقون بالقبور، يحصل لهم عند القبر من الخشوع والتذلل والبكاء ودعوة المقبور بحضور القلب ما لا يحصل لهم في أثناء الصلوات في المساجد، ولا قريباً منه، وهذا يدل على أنهم يعبدون غير الله جل وعلا، فالله جل وعلا يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] مثل هؤلاء وأشباههم، فهم يعبدون ويخشعون وينصبون ويتعبون وينفقون الأموال ويتعبون أبدانهم، ومع ذلك يكونون من أهل النار؛ لأنهم يتعلقون بغير الله جل وعلا، والله أغنى الشركاء عن الشرك كما قال جل وعلا في الحديث الذي يرويه رسوله صلوات الله وسلامه عليه عنه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، ويقال له يوم القيامة: اذهب إلى الذي كنت ترائي فانظر هل تجد جزاءك عنده؟ فكيف بالذي يتجه بكليته إلى الميت الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً؟ لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الدود الذي يأكل بدنه، فكيف بالذي يتعلق به؟ وهذا لا شك أنه ضلال، والرسل بعثت لإنقاذ الناس من عبادة غير الله جل وعلا ودعوته، ويجب أن تكون العبادة كلها خالصة لله ليس فيها شيء لا لحي ولا لميت، ولا لدنيا ولا لغيرها، وإنما تكون لله، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والنيات والأعمال، كل ما أمر الله جل وعلا به وأحبه فهو عبادة، والعبادة يجب أن تكون عن طريق الرسول ﷺ ، فكل عبادة يتعبد بها الإنسان يجب أن يعرف أن الرسول ﷺ جاء بها وإلا فهي باطلة، والأصل في العبادة أنها محرمة حتى تعرف الدليل عليها، ولا يجوز أن تتعبد بعبادة إلا إذا عرفت أنها مشروعة، هذا هو الأصل فيها، بخلاف المعاملات والأمور الأخرى، فالأصل فيها الإباحة حتى يأتي الدليل بأنها ممنوعة، وكذلك المطعومات والمشروبات الأصل فيها الإباحة حتى يأتي الدليل بأنها محرمة، أما العبادة فبالعكس، الأصل أنها محرمة حتى يأتي الدليل بأنها مشروعة؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: أي عمل يعمله الإنسان تعبداً ليس عن أمر الرسول ﷺ فهو باطل مردود عليه لا يقبل؛ لأنه غير شرعي، فهذا مما يجب أن يكون الإنسان عارفاً به؛ لأنه أصل عظيم يجب التنبه له.
стр. 1710
دعاء أصحاب القبور شرك أكبر
قال الشارح ﵀: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.
وكان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً].
أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا ﷺ ، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي ﷺ جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله.
فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.
стр. 1711
فضل زيارة المقابر وآداب زيارتها
قال الشارح ﵀: [وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (زوروا القبور فإنها تذكر الموت).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) رواه أحمد والترمذي وحسنه].
ينبغي لزائر القبور أن يقول هذا الدعاء ونحوه، كأن يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، وهذا الاستثناء (إن شاء الله) إما للتبرك أو للمكان أي: أنه يكون في هذا المكان، أما اللحوق فهو أمر متحقق لابد منه، فلابد أن يموت ويلحقه، (نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم)، هكذا ينبغي أن يقول، أما أن يذهب ويقول: أسألك يا فلان! أن تعمل كذا، وتعطينا كذا، أو تتوسط لنا، أو تشفع لنا، فهذا عكس المشروع الذي شرعه النبي ﷺ .
وكذلك كون الإنسان يذهب إلى القبر ويتحرى العبادة عنده، يعني: يعبد الله عند هذا القبر، ويظن أن العبادة عنده أفضل، وأنها أرجى للعبادة، ويقول: أنا ما أعبد صاحب القبر، ولكن أعبد الله عند هذا الولي تبركاً، والعبادة عنده أولى من غيرها، فهذا ضلال، وهذا بدعة من أعظم البدع، وهي من وسائل الشرك ودواعيه التي تدعو إليه، فإنه أولاً يقول: أذهب أعبد الله عند القبر، ثم يتدرج به الأمر حتى يعبد صاحب القبر ويدعوه، والرسول ﷺ يقول كما في حديث عبد الله بن عمر والذي في الصحيح: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا فيها)، ويقول: (فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) يعني: أن القبور ليست محلاً للعبادة، والمعنى: لا تجعلوا البيوت مشبهة بالقبور مهجورة من العبادة؛ من الصلاة ومن القراءة، لا تجعلوها بهذه المثابة، وليس المعنى: لا تقبروا موتاكم في البيوت، فهو ما أراد هذا صلوات الله وسلامه عليه، بل معناه: لا تعطلوا بيوتكم من العبادة فتهجروها فتكون شبيهةً بالقبور، فالقبور متقرر عندهم أنها مهجورة من العبادة، لا يتعبد عندها، فالعبادة محلها غير القبر؛ ولهذا يتفق العلماء على أن الصلاة لا تصح في المقبرة، بل هي من المواضع التي لا تصح الصلاة فيها.
وكذلك كونه يوضع قبر في المسجد، فهذا يجعل الصلاة فاسدة باطلة، ولا تصلح الصلاة فيه، فإذا وضع القبر في المسجد وجب أن ينبش ويخرج منه، أما إذا بني المسجد على القبر وجب أن يهدم هذا المسجد؛ لأن القبور لا يجوز البناء عليها، ولا تجوز الكتابة عليها، ولا رفعها بحيث تتميز عن غيرها، ولا وضع شيء يدعو إلى الانتباه ولفت الأنظار إليها، وكل هذا جاء النهي عنه خوفاً من التعلق بها؛ لأنها محل للفتنة.
[فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئاً مما يعتمده أهل الشرك والبدع، أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس ﵀: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك].
معنى كلام الإمام مالك ﵀ ورضي عنه أن أول هذه الأمة صلح بالدين الذي جاء به محمد ﷺ ، وكذلك آخرها لا يصلح إلا بهذا الدين، لن تصلح الأمة إلا به، والذي جاء به هو عبادة الله وحده، وتوحيده وإخلاص الدعاء والقصد والتعلق به وحده، هذا هو أعظم ما جاء به الرسول ﷺ ، ولما أخذ به الصحابة أحياهم الله جل وعلا، وصاروا بعدما كانوا مشركين دعاة خير وهدى، ونور الله قلوبهم بالعلم والتقى، فصاروا يدعون إلى عبادة الله، ويخرجون الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهكذا إذا أخذ آخر هذه الأمة بما أخذ به أولئك؛ يحصل لهم ما حصل لهم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لا صلة بين العبد وبين ربه إلا بالتقى والطاعة فقط، والأنساب والوظائف والرئاسات والأموال والأبهات ما تفيد شيئاً عند الله، (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فمن كان قلبه تقياً، وعمله مرضياً على وفق شرع الله؛ فهذا الذي يرضاه الله جل وعلا، وبهذا يحصل الصلاح لنفسه ولمن يدعوه ويستجيب له إلى هذا الطريق.
стр. 1712
تجريد السلف للتوحيد
قال الشارح ﵀: [ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا، ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حين يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره: (الدعاء هو العبادة)، فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله ﷺ من الدعاء لأصحابها، والاستغفار لهم والترحم عليهم].
وهذا الذي ينبغي أن يفعله الزائر للنبي ﷺ ، إذا زاره وسلم عليه وأراد أن يدعو لنفسه، ينبغي أن يستقبل القبلة؛ لأن القبلة هي قبلة الدعاء، ولا يستقبل القبر خوفاً من أن يتشبه بالمشركين الذين يدعون القبور، وربما يراه الجاهل فيظن أنه يدعو الرسول ﷺ ، وهذا شرك، وفيه تشبه بالمشركين في الصورة، وهذا ممنوع لا يجوز، بل ينبغي له أن يبتعد عن إضلال الغير، ولو بالشيء الموهوم، حتى لا يكون قدوة في أمر لا يجوز.
ولم يكن السلف يتحرون الدعاء عند القبر، ولا يقصدونه، بل كانوا ممتثلين لأمره ﷺ حيث قال لهم: (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم)، والعيد اسم لما يتردد عليه، ويعتاد المجيء إليه، سواء كان مكاناً أو زماناً، فما تردد واعتاد الناس مجيئه من الزمن صار عيداً، وما ترددوا عليه من مكان صار عيداً، فالعيد يكون للمكان وللزمان، فنهى صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك وقال: (صلوا علي أينما كنتم)، فالصحابة فهموا هذا، وكانوا يتمكنون من الدخول على القبر بكل سهولة، ومع هذا لم يذهبوا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه، بل كان أحدهم إذا دخل المسجد صلى عليه، ولم يتجه إليه، ولم يرفع يديه ويقول: أنا أسلم عليه؛ لأنهم يعرفون أن هذا لم يشرعه النبي ﷺ ولم يأمر به، بل لم يكونوا يترددون عليه للسلام.
فالمقصود أن السلف فهموا مراد الرسول ﷺ ، وكانوا ممتثلين لأمره، مبتعدين عن نهيه، ولاشك أن الرسول ﷺ يأمر بما يأمر الله جل وعلا به، ورسالته ودعوته أن تكون العبادة لله وحده، وسيأتي الكلام على هذا المعنى في الباب الثاني مما يلي هذا الباب إن شاء الله.
стр. 1713
تصوير حال عباد القبور وما هم فيه من خسران وبوار
قال الشارح ﵀: [وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وإسناده جيد، ورواته ثقات مشاهير.
وقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيت ونهى عن تحري النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم.
ثم إن في تعظيم القبور واتخاذها أعياداً من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن (ما لجرح بميت إيلام).
فمن المفاسد: اتخاذها أعياداً، والصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الدين وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيداً، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرءوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً، يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسراناً فلغير الله -بل للشيطان- ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟! ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن، إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقد قربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضاً ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظاً، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام فيقول: لا ولا بحجك كل عام! هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال ويدور في الخيال، وهذا مبدأ الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه، يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يئول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 1714
مسائل باب ما جاء في المصورين
стр. 1715
حرمة التصوير والتغليظ فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: المسألة الأولى: التغليظ الشديد في المصورين].
كونه يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في النار، وكون الله جل وعلا يقول: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة).
وسبق أن هذا الوعيد لم يأت مثله في كثير من الكبائر، والأحاديث فيه كثيرة مستفيضة عن النبي ﷺ ، فهذا وعيد شديد للمصور، والمصور في هذه الأحاديث هو كل من صور صورة ذات روح، لأن الأمور التي يختص بها رب العالمين جل وعلا لا يجوز أن يفعلها المخلوق؛ لأن الخلق من خصائص الرب جل وعلا، فهو الخالق البارئ المصور.
ومع هذا التهديد يجعل الله له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في النار، وهذا أمر عظيم جداً.
والمقصود بالصورة هي التي تكون ذات روح، أما صورة الجبل وصورة الشجرة وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
стр. 1716
المصور ترك الأدب مع الله
[المسألة الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله لقوله: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟)].
المضاهاة هي المشابهة، كونه يشابه الرب جل وعلا بالفعل، وهذا لا يمكن للمخلوق، وإنما هو جرأة من ابن آدم؛ لأن ابن آدم كما وصفه الله جل وعلا ظلوم جهول، وإذا اجتمع الجهل والظلم تمادى الإنسان في الغي، نسأل الله العافية!
стр. 1717
تحدي الله للمصورين فيه بيان لقدرته جل وعلا وعجزهم
[المسألة الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: (فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة)].
قوله: (ليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة) هذا أمر يقصد به التعجيز، وهذا يستمر دائماً إلى قيام الساعة، مهما أوتوا من العلوم ومن الوسائل لن يستطيعوا أن يخلقوا حبة ولا شعيرة، فلا يستطيعون أن يخلقوا حبة من لا شيء، ويوجدوها من العدم كما أوجدها الله، وحتى الذرة وهي أصغر مخلوق لا يستطيعون خلقها، ولو اجتمع حذاق العلماء بما لديهم من الوسائل ما استطاعوا أن يخلقوا ذرة، لأن هذا من خصائص الله جل وعلا وحده.
стр. 1718
المصورين أشد عذاباً من الكفار يوم القيامة
[المسألة الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذاباً].
(أشد الناس عذاباً المصورون)، هكذا جاء من الحديث، وهم الذين يصورون الصور، فالناس هنا مطلق، ويفهم من هذا أنهم أشد عذاباً من الكفار، نسأل الله العافية، ومع هذا لا يجوز أن نقول: إن المصور إذا كان مسلماً وصور الصور فإنه يكون كافراً بذلك، ولكن هو معرض لهذا الوعيد، ويوشك أن يقع فيه.
стр. 1719
عذاب المصور في الآخرة على قدر ما صور في الدنيا
[المسألة الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذب بها المصور في جهنم].
وهذا أمر صعب جداً على المصور، لأن الله يخلق له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم، نسأل الله العافية، فإذا كان الإنسان يؤمن بهذا الوعيد فإنه يحدث له خوف، أما إذا لم يكن مؤمناً ولا يبالي به فهذا أمر آخر، وسيلقى ذلك وسيشاهده ولكن حين لا ينفعه الندم، ولا ينفعه الاستعتاب، ولا تكون هناك توبة، فالتوبة لمن تاب من فعل الذنب في الدنيا، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
стр. 1720
تكليف المصور بنفخ الروح فيما صوره في الدنيا
[المسألة السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح].
وهذا غير ممكن، وهو مثل ما سبق: (ليخلقوا ذرة)، (ليخلقوا شعيرة)، (ليخلقوا حبة) ويقال له: أحي ما خلقت، يعني: انفخ فيه الروح، وهل يمكن أن ينفخ فيه الروح؟ لا يمكن، وهذا من أشد العذاب أن يكلف ما لا يستطيعه، ولا قدرة له فيه.
ولا فرق في التصوير بين كونه يصور بيده أو يصور بآلة، فإذا فعل ذلك فهو مصور.
следующие страницы →