Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
المصور ترك الأدب مع الله
[المسألة الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله لقوله: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟)].
المضاهاة هي المشابهة، كونه يشابه الرب جل وعلا بالفعل، وهذا لا يمكن للمخلوق، وإنما هو جرأة من ابن آدم؛ لأن ابن آدم كما وصفه الله جل وعلا ظلوم جهول، وإذا اجتمع الجهل والظلم تمادى الإنسان في الغي، نسأل الله العافية!
стр. 1717
تحدي الله للمصورين فيه بيان لقدرته جل وعلا وعجزهم
[المسألة الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: (فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة)].
قوله: (ليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة) هذا أمر يقصد به التعجيز، وهذا يستمر دائماً إلى قيام الساعة، مهما أوتوا من العلوم ومن الوسائل لن يستطيعوا أن يخلقوا حبة ولا شعيرة، فلا يستطيعون أن يخلقوا حبة من لا شيء، ويوجدوها من العدم كما أوجدها الله، وحتى الذرة وهي أصغر مخلوق لا يستطيعون خلقها، ولو اجتمع حذاق العلماء بما لديهم من الوسائل ما استطاعوا أن يخلقوا ذرة، لأن هذا من خصائص الله جل وعلا وحده.
стр. 1718
المصورين أشد عذاباً من الكفار يوم القيامة
[المسألة الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذاباً].
(أشد الناس عذاباً المصورون)، هكذا جاء من الحديث، وهم الذين يصورون الصور، فالناس هنا مطلق، ويفهم من هذا أنهم أشد عذاباً من الكفار، نسأل الله العافية، ومع هذا لا يجوز أن نقول: إن المصور إذا كان مسلماً وصور الصور فإنه يكون كافراً بذلك، ولكن هو معرض لهذا الوعيد، ويوشك أن يقع فيه.
стр. 1719
عذاب المصور في الآخرة على قدر ما صور في الدنيا
[المسألة الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذب بها المصور في جهنم].
وهذا أمر صعب جداً على المصور، لأن الله يخلق له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم، نسأل الله العافية، فإذا كان الإنسان يؤمن بهذا الوعيد فإنه يحدث له خوف، أما إذا لم يكن مؤمناً ولا يبالي به فهذا أمر آخر، وسيلقى ذلك وسيشاهده ولكن حين لا ينفعه الندم، ولا ينفعه الاستعتاب، ولا تكون هناك توبة، فالتوبة لمن تاب من فعل الذنب في الدنيا، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
стр. 1720
تكليف المصور بنفخ الروح فيما صوره في الدنيا
[المسألة السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح].
وهذا غير ممكن، وهو مثل ما سبق: (ليخلقوا ذرة)، (ليخلقوا شعيرة)، (ليخلقوا حبة) ويقال له: أحي ما خلقت، يعني: انفخ فيه الروح، وهل يمكن أن ينفخ فيه الروح؟ لا يمكن، وهذا من أشد العذاب أن يكلف ما لا يستطيعه، ولا قدرة له فيه.
ولا فرق في التصوير بين كونه يصور بيده أو يصور بآلة، فإذا فعل ذلك فهو مصور.
стр. 1721
وجوب طمس الصور
[المسألة السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت].
إذا وجدت الصورة الواجب أنها تطمس، يعني: تمسح بشيء يزيلها أو يحكها أو ما أشبه ذلك، وجاء أن الرسول ﷺ لما دخل الكعبة وجد فيها صوراً، ووجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام فقال: (قاتلهم الله! لقد علموا أنهما لم يستقسما بها).
стр. 1722
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٢٩]
إن من صفات المسلم البارزة أن يعظم خالقه جل وعلا، فإذا عمل عملاً ذكر ربه جل وعلا، وإذا حلف فإنه يحلف بالله، مراعياً عدم الإكثار من الأيمان، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بشيء من أمور الدنيا؛ لأن ذلك ينافي الأدب مع الله ، وممن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم: رجل جعل الله بضاعته: لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه.
стр. 1723
ما جاء في كثرة الحلف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كثرة الحلف].
قال الشارح ﵀: [أي: من النهي عنه، والوعيد].
قوله: (باب ما جاء في كثرة الحلف) يعني: أن الذي يكثر الحلف لابد أن يأثم، لأنه يحنث أي: يفعل الشيء الذي حلف ألا يفعله، وهذا إثم، وكثرة الحلف غالباً تدل على أن الذي يحلف ويكثر من ذلك لم يقدر الله حق قدره، ولم يعظمه حق تعظيمه، والواجب أن يعرف الإنسان ربه حق المعرفة، ويعظمه حق التعظيم، ولا يعمل الشيء الذي قد يترتب عليه سخط الله وعذابه، فإن الإنسان ضعيف، وإذا تعرض لمساخط الله يوشك أن يغضب الله عليه ويمقته، ثم يهلك بذلك.
ثم إن الحلف هو في الأصل ذكرك من تعظمه عند الخبر تأكيداً لما تخبر به، وأنك إذا كنت غير صادق فإنه يعذبك، هذا الأصل في الحلف، فلهذا وجب أن يكون الحلف بالله أو بصفة من صفاته، ولا يجوز أن يكون الحلف بغير الله جل وعلا، بل جاء في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
стр. 1724
لا يجوز الحلف بغير الله
نحن ممنوعون أن نحلف بغير الله أو بصفة من صفاته كأن نقول: برحمة الله، بقدرة الله، وما أشبه ذلك من الصفات التي يجوز أن يحلف بها، ومن ذلك الحلف بكلام الله أو بالقرآن؛ لأن القرآن صفة من صفات الله، أو تقول: بالله أو بالرحمن أو بالحق، أو ما أشبه ذلك، أو تأتي بالواو؛ لأن أحرف القسم ثلاثة: الواو والباء والتاء، وفي لغة العرب أن التاء تختص بالله جل وعلا، تقول: تالله، وقد جاء هذا في القرآن: حيث يقول المشركون وهم في النار، يخاطبون الذين أشركوهم مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يعني: عندما سويناكم معه في المحبة؛ لأنهم لم يسووهم معه في الخلق والإيجاد والتصرف، هذا لا يعتقده أحد.
إذاً: الحلف يجب أن يكون بالله أو بصفة من صفاته، وأي حلف يكون بغير الله جل وعلا فإنه يدخل في قوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، ولا يخرج من ذلك شيء من المخلوقات حتى المعظمة والمقربة لدى الله كالكعبة أو النبي أو جبريل أو الملائكة، فهذه كلها لا يجوز الحلف بها، وإنما يحلف بالله جل وعلا، وكثير من الناس يكثر من الحلف بالنبي ﷺ ، وهذه مخالفة صريحة لقول رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن حلف فليحلف بالله أو ليصمت) وقوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وهذا الباب قصد به المؤلف وجوب تعظيم الله وتقديره حق قدره كالأبواب السابقة؛ لأن الذي يحلف بالله كاذباً أو يحلف بغيره لم يعظم الله ولم يقدره حق قدره، ونحن ممنوعون أن نحلف بغير الله، فلا يقول قائل: إن الله جل وعلا يقسم بالمخلوقات، فالله جل وعلا لا حظر عليه، يقسم بما يشاء، ويفعل ما يشاء، ولكن نحن عبيد لله، يجب أن نمتثل أمره، وقد أكثر الله جل وعلا من القسم في القرآن بالمخلوقات كقوله جل وعلا: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:١ - ٢]، وقوله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١]، وقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]، وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١]، وما أشبه ذلك.
ولكن الله جل وعلا يقسم بما يدل على قدرته، وأنه المتفرد بالخلق والإيجاد والتصرف، وله أن يقسم بما يشاء، أما نحن عبيده فعلينا أن نمتثل الأمر، وأن نكون عبيداً تحت أمره، مجتنبين نهيه، والذي يكثر من الحلف لا يسلم من الحنث، والحنث هو المخالفة لما حلف أنه لا يقع أو يقع لا يفعله أو يفعله، ومن أكثر من ذلك وقع في الإثم؛ ولهذا ذكر المؤلف هذا الباب ليحذر منه.
ثم إن هذا لا يدخل فيه لغو اليمين المذكور في قول الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩] عقدتم يعني: الشيء الذي أكدتموه وعقدتم القلب عليه هو الذي يؤاخذ به الإنسان، أما لغو اليمين فهو الذي يقع في كلام الناس عند مخاطباتهم كأن يقول: لا والله ليس كذا، أو بلى والله إنه كذا، ولم يقصد به الحلف، ولم يقصد به تأكيد الحلف، وإنما يقع في المخاطبات الجارية بين الناس، فهذا يسمى لغواً، والله جل وعلا لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بالشيء الذي يقصد أن يحلف عليه ويقسم، فتخبر بشيء أنه كذا أو تخبر أنك لا تفعل كذا، ثم تذهب وتفعله، فهذا هو الذي يؤاخذ بالمخالفة فيه، والمقصود في الحديث الآتي وجوب حفظ اليمين، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩].
واليمين بعضه أشد من بعض؛ ولهذا جاء أن من الكبائر اليمين الغموس، واليمين الغموس هي: التي تغمس صاحبها في الإثم أو في النار، وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، ومع هذا فالحلف بغير الله أعظم من اليمين الغموس كما قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً.
لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أكبر من الكبائر، وكون الإنسان يحلف على أمر وهو يعلم أنه كاذب لا شك أن هذا يدل على ضعف إيمانه، وقلة مراقبته لله جل وعلا، فيكون توحيده إما ضعيفاً وإما معدوماً.
стр. 1725
قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم)
قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]] قوله جل وعلا: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] اختلف المفسرون فيها على قولين، وكلاهما حق، وأحدهما ملازم للآخر، القول الأول: أن معنى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا تحلفوا، وهذا يروى عن ابن عباس؛ لأنه بعدم الحلف يحفظ اليمين، ولا يقع الإنسان في الإثم والمخالفة، والقول الثاني: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا تتركوها بلا تكفير، يعني: إذا حلفتم وخالفتم فكفروا، فإن الله جل وعلا شرع الكفارة في ذلك، ولاسيما في الأمور التي يتبين للإنسان أن فعلها أو تركها أفضل، فإذا حلف الإنسان على شيء ألا يفعله فتبين له أن فعله أفضل، فإن الأولى والأحسن له أن يكفر عن يمينه ويفعله.
стр. 1726
كفارة اليمين
قال الرسول ﷺ : (إني والله إن شاء الله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)، وهكذا ينبغي للإنسان إذا حلف أن يفعل شيئاً فتبين له أن فعله ليس حسناً، بل تركه أحسن؛ فينبغي أن يكفر عن يمينه ولا يفعله.
فكل ما فيه خير وحلف على الامتناع منه فعليه أن يكفر ويفعله، وإن حلف على أن يفعل شيئاً فرأى أن تركه خير، فعليه أن يكفر عن يمينه ولا يفعله، وكفارة اليمين جاءت منصوصاً عليها في كتاب الله جل وعلا أنها إطعام عشرة مساكين ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، ومعنى (من أوسط ما تطعمون) أي: من خير ما تطعمون أهليكم؛ لأن الوسط في اللغة العربية الخيار كقوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: خياراً، فالمراد من الشيء الحسن الذي تأكلون منه وترضونه وتطعمون منه أهليكم، وإطعام عشرة مساكين بأن يعطى كل مسكين نصف صاع، ولو صنع طعاماً ودعا إليه عشرة مساكين كفى ذلك، وصار كفارة، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة:٨٩] والكسوة كما يقول العلماء: إنها الشيء الذي تصح به الصلاة، فلا يلزم أن يكسوه الكسوة الكاملة كلها، فله أن يكسوه قميصاً وسراويل أو قميصاً وعمامة، وما أشبه ذلك، وإن لم يفعل هذا انتقل للأمر الذي هو خير منه وأفضل وهو إعتاق رقبة، فهذه الأمور الثلاثة رتبها الله جل وعلا، بدأ بالأسهل ثم ما هو أحسن وأعلى، ثم ما هو أعلى، فالأسهل الإطعام، والكسوة أفضل وأعلى، ولكنها أغلى، وإعتاق الرقبة أغلى من الجميع، وهذه الأمور الثلاثة يخير فيها الإنسان، فيختار أي واحدة شاء من هذه الثلاثة، فإن لم يجد انتقل إلى الصيام، ولا يجزيه الصيام وهو يجد الكفارة؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، فشرط الصيام عدم الوجود، وكثير من الناس يبدأ بالصيام رأساً وإن كان واجداً للكفارة، وهذا لا يجزي، بل لابد أن يبدأ بما بدأ الله جل وعلا به، فإن لم يجد شيئاً من الثلاثة انتقل إلى الصيام.
стр. 1727
اليمين الغموس لا تكفر
الكفارة مشروعة، ولكن الشيء الممنوع أن يعلم أن هذا الشيء الذي يخبر به لم يقع، كالذين يحلفون عند الحاكم على شيء معين إذا توجهت إليهم اليمين، فإذا ادعى شيئاً على إنسان ما، ولم يكن له بينة، فإن اليمين تتجه إلى المدعى عليه، فإن كان يعلم أن الذي ادعى عليه صادقاً فيجب عليه أن يعترف بالحق، وإذا حلف كاذباً وهو يعرف فهذه اليمين التي ليس لها كفارة، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر، وكذلك الذي يحلف على الكذب كما سيأتي في الحديث، مثلاً إنسان يريد أن يبيع شيئاً ما، فيحلف أنه لا يبيعه إلا بكذا، ثم يبيعه بأقل من ذلك، أو يحلف أنه أعطي فيه كذا وكذا وهو كاذب، أو يحلف أنه اشتراه بكذا وكذا وهو يكذب، والصحيح أنه اشتراه بأقل من ذلك، فهذه ليس فيها كفارة؛ لأنه تعمد الكذب، وهي اليمين الغموس التي لا كفارة فيها، وهذا الذي سيأتي فيه الوعيد، أما ما ذكر من قول الرسول ﷺ : (إني إن شاء الله لا أحلف على شيء ثم أرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير) فمثاله أن يحلف ألا يدخل بيت فلان، فيتبين له أن دخوله أفضل من عدم الدخول، أو يحلف ألا يكلم فلاناً، أو أن يطلق زوجته فهذا يكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك، ومثل هذا الذي تشرع فيه الكفارة.
стр. 1728
معنى حفظ اليمين
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: لا تتركوها بغير تكفير.
وذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس: يريد لا تحلفوا، وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث].
وهذا القول الثالث الذي هو: احفظوا أيمانكم عن الحنث هو قول ابن جرير، يعني: لا تتركوها بلا تكفير، وهنا يقول: احفظوها عن الحنث، والحنث هو المخالفة لكونه حلف وخالف، فإذا حلف وخالف فهو معنى كونه لا يتركها بلا تكفير، يعني: يلزمه أن يكفر.
إذاً: يكون القول الأول والثاني: لا تتركوها بلا تكفير أو أنكم لا تحلفوا، وقد عرفنا ما هي الأيمان التي تكفر والتي لا تكفر، فالأيمان التي يحلف عليها الإنسان وهو يعلم أنه كاذب لا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، وقد سميت يميناً غموساً، أما التي تكفر فهي التي يحلف عليها لأجل الامتناع، أن يمنع نفسه أو يمنع غيره، أو لأجل الحض على فعل هذا الأمر، فيتبين له أن امتناعه من هذا الفعل خير من فعله أو أن فعله خير من الامتناع، فهذه التي تكفر، أما الحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فهذا كفارته لا تجدي شيئاً، ولا ترفع الإثم الذي فعله.
стр. 1729
كثرة الحلف سبب لزوال تعظيم الله من قلب المرء
قال الشارح ﵀: والمصنف أراد من الآية: المعنى الذي ذكره ابن عباس، فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه].
الذي يكثر الحلف لابد أن يقع في الاستخفاف بالله جل وعلا، وعدم الاكتراث بالإيمان التي يقسمها، كما هو الواقع في كثير من الناس الذين يعتادون هذا، وهذا يدل على عدم تعظيمهم الله جل وعلا وتقديره حق قدره، وبذلك يكون الإنسان آثماً -نسأل الله العافية-، ويكون على خطر عظيم، فالواجب على العبد أن يتنبه لهذه المسألة؛ لأنها كثيراً ما تقع عند الناس، ولاسيما الذين يتعاطون البيع والشراء، فيجب عليهم أن يجتنبوا الحلف، وسيأتينا أن الحلف في البيع والشراء منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
стр. 1730
حديث: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب) أخرجاه].
هذا الحديث على وجازته تضمن معاني جليلة كسائر كلام رسول الله ﷺ ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه أعطي جوامع الكلم، وجوامع الكلم هي الكلمات القليلة التي تجمع فيها المعاني الكثيرة.
فهنا يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)، وفي رواية: (ممحقة للبركة) يعني أن الإنسان إذا حلف على سلعته سواء كان بائعاً أو مشترياً فإن هذا قد يكون سبباً لأن يعطى أكثر مما يستحق أو يباع عليه بأقل مما تستحق السلعة، ولكن النتيجة أن يكون هذا ماحقاً للبركة، والمحق هو المحو والإزالة والإبادة والإذهاب، ومحق الكسب معناه ذهاب بركته وإن كانت عينه كثيرة، وإذا زالت البركة فلا خير فيه لا في عينه ولا في الانتفاع به؛ لأن البركة أصبحت ممحوقة، فإنفاق السلعة بالحلف معناه: أنه إذا حلف ألا يبيع إلا بكذا أو أنه قد اشتراها بكذا فإن هذا يكون حاملاً للمشتري على أن يقدم على شرائها فتنفق، والنفاق هو أن يرغب فيها المشتري، فهذا من المرغبات ومن المنفقات للبيع، ولكن النتيجة تأتي عكسية، والحلف في الحقيقة مطلق في كلام الرسول ﷺ ، فلا ينبغي للإنسان أن يحلف على الشيء الذي يبيعه أو يشتريه وإن كان صادقاً؛ لأن حلفه وإن كان صادقاً يدخل في هذا؛ لأن النبي ﷺ لم يذكر الحلف كاذباً فقط بل قال: (الحلف)، فمجرد الحلف في البيع منفقة ممحقة، والمفروض على المسلم ألا يحلف كاذباً.
إذاً: الحديث حتى في الذي يحلف وهو صادق، فيكون حلفه وهو صادق بهذه المثابة (منفقةٌ للسلعة) يعني: يكون سبباً لأن تنفق عند الناس، فيرغبون فيها ويشترونها، ولكن يكون ذلك محقاً للكسب، فكسبه الذي يتحصل عليه ممحوق البركة، وإذا محق الكسب فلا خير فيه، إن أكل منه لم يبارك له ولم ينتفع به، وإن أنفق منه لم يبارك له ولم ينتفع به، فتزول المنفعة والعين نفسها أيضاً، فعلى هذا تعين على العبد أن يجتنب الحلف، فلا يحلف على الشيء وإن كان صادقاً فيه إذا أراد أن يبيع أو يشتري، بل الأمر فيه سعة، (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).
стр. 1731
سبب محق الحلف للبركة
إذا اعتاد الإنسان الحلف رأى أنه لا يستغني عنه، وتصبح أموره كلها ممحوقة، نسأل الله العافية، ولا خير في مخالفة رسول الله ﷺ ، وإن تصور الإنسان أنه في المخالفة يتحصل على كسب؛ فإن هذا الكسب ممحوق البركة، لا ينتفع به لا في استعماله ولا في تحصيله واقتنائه.
أما كون الإنسان يحلف وهو كاذب فقد سبق أن هذا ليس هو المقصود من الحديث، فهذا أمر آخر، وهي اليمين الغموس التي هي من الكبائر، ولكن المقصود كثرة الحلف على الشيء وهو صادق، والسبب في هذا أن الدنيا كلها ينبغي ألا يهتم بها المسلم اهتماماً بحيث أنه يذكر اسم الله جل وعلا عليها؛ جالباً بذلك المنفعة والمصلحة منها، وإنما يذكر اسم الله جل وعلا على العبادات وعلى الأمور التي يراد بها الآخرة، فالدنيا لا ينبغي ذكر اسم الله عليها بالحلف؛ لأن هذا يدل على الرغبة فيها والتعلق بها.
وعلى المسلم أن تكون رغبته وتعلقه بالآخرة أكثر، أما في الدنيا فينبغي أن يلاحظ أموراً: الأمر الأول: أن يعرف المهمة من وجوده في هذه الحياة، فإنه وجد لعبادة الله جل وعلا، فلا يخالف أوامر الله، ولا يرتكب نواهيه.
الأمر الثاني: أن يعلم أنه يجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، فإذا كان يعرف أن هذا الشيء فيه عيب لا يعلمه المشتري فيبينه، ولا يحلف له ويغره، وقد قال الرسول ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)؛ ولهذا لما جلب بعض السلف سلعة قال له من أراد أن يشتريها: أترضاها لي؟ فقال: أنا ما رضيتها لنفسي حتى أرضاها لك! انظر مع أنه لم ير فيها عيباً، ولكنه رغب عنها.
فينبغي أن يكون دين الإنسان أهم عنده من أمور الدنيا، فإذا أقدم على الحلف فهذا يدل على رغبته في الدنيا، وعلى استخفافه بالحلف بالله جل وعلا وعدم توقيره لله جل وعلا، وهذا هو المقصود من قوله هذا: (الحلف منفقة للسلعة) وهو مجرد الحلف، فمعنى هذا: أن يكون الحلف منهياً عنه أصلاً في البيع والشراء، فينبغي للإنسان أن يجتنب الحلف.
стр. 1732
جواز الحلف بالله عند الحاجة
الأمور التي يطلب فيها تأكيد الخبر، ولا تجلب منفعة للحالف لا بأس أن يحلف عليها، مثلاً: إذا توجهت إليه اليمين في قضية ما، وطلب منه الحلف، فلا يمتنع من الحلف وهو يعلم أنه صادق؛ لأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقسم فقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، فأمره الله جل وعلا أن يقسم بالله جل وعلا على الشيء الذي يعلمه حقاً، وقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣]، وهذا حلف، فأمره الله جل وعلا أن يحلف على ذلك.
فإذا علم الإنسان الحق وهو صادق في ذلك فلا بأس بالحلف، ولا يتورع من ذلك ويمتنع ويقول: لا أحلف، لأني أخشى أن أقع في الإثم، لا، فإن الممنوع في مثل هذه الأمور أن يحلف ليجلب مصلحة دنيوية له؛ كجلب ربح أو كسب في أمور الدنيا، فهذا لا يصح.
قال الشارح ﵀: [قوله: (أخرجاه) أي: البخاري ومسلم، وأخرجه أبو داود والنسائي.
والمعنى: أنه إذا حلف على سلعته أنه أعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وقد يظنه المشتري صادقاً فيما يحكي مما حلف عليه، فيأخذها بزيادة على قيمتها، والبائع كذب وحلف طمعاً في الزيادة، فيكون قد عصى الله تعالى، فيعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة التي دخلت عليه بسبب حلفه، وربما ذهب ثمن تلك السلعة رأساً، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب وعقاب].
الحقيقة أن الحديث أعم من ذلك؛ لأنه ﷺ قال: (الحلف منفقة للسلعة)، ولم يقل: الحلف الكاذب منفقة للسلعة، بل الحلف مطلقاً، فدل ذلك على أنه ينبغي الامتناع عن الحلف في البيع والشراء مطلقاً.
والمفترض أن الإنسان إذا حلف أن يكون صادقاً، أما إذا كان كاذباً فهي اليمين الغموس التي ليس فيها كفارة، وهي أعظم من أن تكفر، ولكن المقصود الحلف مطلقاً، وهذا هو ظاهر قول رسول الله ﷺ .
стр. 1733
حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن سلمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) رواه الطبراني بسند صحيح].
هذا من الوعيد الشديد، وهذا له منطوق ومفهوم كما هو واضح، (ثلاثة لا يكلمهم الله) المعنى: ثلاثة أنواع وأجناس من الناس، والأشيمط: هو الذي اختلط بياض شعره بسواده، يقال: شمط الشعر إذا اختلط وصار بعضه أبيض وبعضه أسود، وهذا معناه أنه طعن في السن وكبر، وصار داعي الزنا عنده ضعيفاً، والشهوة عنده ليست كالشهوة عند الشاب القوي، فإن هذا يدل على ضعف الدين، وضعف المانع له من فعل الفاحشة، وضعف مراقبة الله، وضعف تعظيم حرمات الله، فأقدم على ذلك وهو محب له، ليس عنده وازع ديني أو خوف من الله أو خوف من عقابه، بخلاف من كان شاباً فإن الشهوة قد تغلبه وتسيطر عليه، ثم إذا وقع في الفاحشة عاد على نفسه باللوم، وأسف وندم، وتاب وأقلع؛ لأنه غلب بأمر قهره، بخلاف الأشيمط فهذا هو السبب في كونه خص بأنه لا يكلم ولا يزكى.
стр. 1734
المراد من نفي كلام الله لأهل المعاصي والكبائر
المراد بنفي الكلام: كلام الإكرام؛ لأن الله جل وعلا إذا كلم عبده فهو من النعيم العظيم، وليس المقصود نفي كلام التوبيخ أو كلام التعذيب والتهديد كقوله جل وعلا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فالله يخاطب أهل النار، فيكلم من شاء: لماذا فعلت كذا؟ ولماذا لم تفعل كذا؟ من باب التوبيخ والمحاسبة، وهذا من العذاب، وإنما المراد: نفي الكلام الذي فيه إكرام، وهذا يدلنا على أن الله يكلم عباده المؤمنين إكراماً لهم، وهؤلاء خصوا بأنهم لا يكلمون.
وقد جاء في الحديث الصحيح عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، فهذا عند المحاسبة.
وجاء عن عبد الله بن عمر في الصحيحين أنه سئل: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ يعني: عندما يناجي الله عبده قال: سمعته يقول: (يدني الله عبده المؤمن فيضع عليه كنفه) يعني: يستره عن الناس، فيقرره بذنوبه ويقول: فعلت كذا يوم كذا في مكان كذا، فيتغير لونه، فإذا رأى أنه قد هلك يقول له الله جل وعلا: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، فيعطى كتابه بيمينه، فيبيض وجهه.
فكونه يستره بأن يضع عليه كنفه لئلا يبصره الناس عندما يسأل فيتغير لونه، وهذا الأشيمط الزاني ليس من هؤلاء؛ لأنه لا يكلم، بل يعذب رأساً.
ومثله العائل المستكبر، والعائل هو الفقير؛ لأن الفقر ليس داعياً للكبر والغطرسة والتجبر والاستعلاء على الناس، وإنما يدعو إلى ذلك الغنى والمناصب الرفيعة والرئاسات، فهذه هي التي تدعو إلى الكبر، فالله جل وعلا يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧].
فالغنى داع للكبر، فإذا وجدت خصلة الكبر في الإنسان بدون داعٍ دل ذلك على أنه شيء متأصل فيه، وأن هذا خلق يتخلق به، وعمل من أعماله، فاستحق المقت واستحق العذاب.
أما الثالث الذي جعل الله بضاعته، يعني: أنه اتخذ الحلف بالله مكسباً، إذا أراد أن يبيع حلف أنه لا يبيع إلا بكذا وكذا ويحلف أنه اشتراه بكذا وكذا، فهذا كذلك؛ لأنه رغب في الدنيا عن الآخرة، وصارت الدنيا أرغب عنده مما عند الله، فاستحق أن الله لا يكلمه.
وقوله: (ولا يزكيهم) التزكية هي التطهير من الأدناس، أي: لم يطهرهم الله جل وعلا من آثار الذنوب والدنس، ومعنى ذلك الهلاك؛ لأن كل إنسان لا يخلو من ذلك، وكل إنسان لابد أنه يقع في مخالفات، ويقع في دنس يدنس به دينه من معاصٍ لا ينفك عنها، وهذا أمر جبل عليه الناس لا ينفكون عنه، (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) وهم الذين يرجعون إلى الله ويتوبون، فمن لم يزكه الله فمعناه أنه لم يتب عليه، وما طهره وما نقاه من عيوبه وآثامه، فيكون هالكاً، فهذا وعيد شديد لمن كانت هذه صفته.
стр. 1735
صفات الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم
هؤلاء الثلاثة اتصفوا بصفات ذميمة: الأول: فيه صفة الرغبة في الفجور -أي: الزنا- مع ضعف الداعي.
والثاني: فيه صفة التكبر مع ضعف الداعي إليه، وربما يكون معدوماً؛ لأن الفقير لا يجد شيئاً يدعوه إلى الكبر، والداعي للكبر هو أن يفضل على الناس، إما بالغنى وإما بالمعنى كالرئاسة وما أشبه ذلك، فإذا لم يوجد ذلك فمعنى هذا أنه ليس هناك داع لذلك، ولكنه أحب هذا الخلق الذميم فاستحق العذاب.
الثالث: الذي جعل الله بضاعته، فقد رغب في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، والدنيا والآخرة ضرتان، إذا مال الإنسان إلى إحداهما ضر بالأخرى، ولكن هذا ليست عنده مجرد ضرة، بل عنده رغبة متأصلة؛ ولهذا يستخف بالحلف، ويقدم الكسب الذي يحصل له على تعظيم الله جل وعلا وحفظ اليمين الذي أمره الله جل وعلا بحفظه، فاستحق المقت على ذلك من عدم التكليم وعدم التزكية من الله جل وعلا، وهذا معناه أن يكون العذاب ملازماً له، نسأل الله العافية.
стр. 1736
فضل سلمان الفارسي ﵁
قال الشارح ﵀: [قال النبي ﷺ : (سلمان منا أهل البيت، إن الله يحب من أصحابي أربعة: علياً وأبا ذر وسلمان والمقداد)].
الشيخ: هذان حديثان وليس حديثاً واحداً.
الأول: قوله: (سلمان منا أهل البيت).
والثاني: قوله: (إن الله يحب من أصحابي أربعة).
والحديث الأول ضعيف، والحديث الثاني ضعيف جداً، ولكن في الفضائل يتساهلون أكثر من هذا بخلاف الأمور التي يلزم الإنسان أن يفعلها أو يمتنع منها.
وسلمان ﵁ من أفاضل الصحابة، وأصل سلمان الفارسي من فارس من عبدة النار، بل والده كان هو القيم الذي يقوم على النار ويوقدها، وكان سلمان وحيد والده، ليس له ولد غيره، وكان يحبه حباً شديداً، ولا يصبر عنه إذا غاب.
يقول: أرسلني مرة إلى ضيعة له، والضيعة: إما غراس أو شجر أو أغنام أو غيرها، يقول سلمان: فمررت في طريقي على نصارى يتعبدون، فوقفت عندهم ونسيت حاجة أبي، حتى بعث خلفي من يطلبني ويبحث عني، فقلت لهم: دينكم خير من ديننا فأين أصل دينكم هذا؟ فقالوا: في الشام، يقول: فلما رجعت إلى أبي قلت: يا أبت! وجدت ديناً خيراً من ديننا -وهذه فطرة الله جل وعلا التي خلق الناس عليها، وكون الإنسان يعبد النار، ويتجه إليها، فإنه قد جبل على خلاف ذلك، فإن الله فطر الإنسان على عبادته، والنصارى كانوا يعبدون الله- فلما قال ذلك لوالده، قال له والده: لا بل دينك ودين آبائك خير، فقلت: بل دينهم خير من ديننا، يقول سلمان: فخاف أبي فقيدني بالحديد، فأرسلت إلى أولئك: أن إذا جاء وافدكم من الشام فأخبروني، فلما جاء أخبروه، فاحتال وكسر الحديد الذي عليه وذهب معهم إلى الشام، قال: فقلت لهم: دلوني على خيركم، فدلوني على عالم منهم، وكان من خير الناس وأفضلهم، فأحببته حباً شديداً فلما حضرته الوفاة قلت له: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً في مكان كذا في بلد كذا، فذهبت إليه فكان على طريقة صاحبه إلا أنه كان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويأخذها لنفسه فجمع أموالاً كثيرة، فلما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً في بلدة كذا، يقول: فذهبت إليه، فوجدته على طريقة الأول، من خير الناس وأفضلهم، يقول: فبقيت عنده وقتاً، واجتمع عندي شيء من المال من البقر والغنم، ولما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: ما أعلم على وجه الأرض أحداً على ما نحن عليه، ولكن قد أظلك زمن نبي يبعث، من صفته أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وأنه يهاجر إلى بلد ذات نخل بين حرتين، أعطاه هذه الصفات، ومعروف أن النخل لا يكون إلا في المدينة وما حولها أو في نجد، أو في العراق، وليست تلك صفة العراق ولا صفة نجد، يقول: فعلمت أنها في بلاد العرب، فجاء قوم من العرب فقلت: أعطيكم هذا المال من البقر والغنم وتذهبون بي إلى بلادكم؟ قالوا: نعم، فأخذوا ماله، وأخذوه وباعوه على رجل يهودي في وادي القرى، وهذا اليهودي باعه على رجل من يهود المدينة، فبقي رقيقاً مظلوماً، أخذ ماله واسترق، فبقي يعمل في الرق، وكان عند هذا اليهودي نخل، وكان سلمان يؤبر النخل ويشتغل فيه، يقول سلمان: بينما أنا في رأس نخلة إذ جاء أخ لسيدي فقال له: يا فلان! قاتل الله بني قيلة -وبنو قيلة هم الأنصار- يزعمون أنه جاءهم نبي، يقول سلمان: لما سمعت هذه الكلمة كدت أن أسقط من النخلة من شدة الفرح، فنزلت مسرعاً وقلت لسيدي: ماذا يقول؟ فأقبل علي ولطمني وقال: أقبل على شغلك، ما لك ولهذا؟ يقول: فأعرضت عنه، وجعلت أجمع شيئاً من التمر، وعلمت أنه في قباء، أي: الرسول ﷺ ، وقد قدم مهاجراً هو وأبو بكر، يقول سلمان: فلما أمسى الليل وانتهيت من عملي أخذت شيئاً من التمر وذهبت به إليه، فقلت: هذه صدقة، فدفعه إلى أصحابه وقال: (كلوا) فقلت في نفسي: هذه واحدة، فلما كانت الليلة الثانية، جئت بشيء من التمر وقلت: هذه هدية، فقدم يده وقال: (باسم الله، كلوا)، فقلت في نفسي: هذه الثانية، ثم قمت أتطلع من خلفه لأنظر إلى خاتم النبوة ففطن لي، فحسر الرداء عن كتفيه، فرأيت خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ ، فأكببت عليه أقبله فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ فقصصت عليه قصتي، فكان يحب أن يسمعها أصحابه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن فيها عبرة، فقال لي: (كاتب) يعني: اشتر نفسك من سيدك بالمكاتبة، وأمر المسلمين أن يعينوه، فكاتب على مال باهظ، على ثلاثين أوقية من الذهب، وعلى أن يغرس ثلاثمائة ودية، وأن يسقيها حتى تطلع، فأمر الرسول ﷺ أن يعان وقال: (آذنوني عندما تريدون غرسها)، فصار يغرسها بيده صلوات الله وسلامه عليه، فخرجت كلها بإذن الله جل وعلا.
فالمقصود أن هذه قصة فيها عبرة؛ ولهذا يقال: سلمان الفارسي ولا يعرف والده.
قال الشارح ﵀ في الحديث: [أخرجه الترمذي وابن ماجة.
قال الحسن: كان سلمان أميراً على ثلاثين ألفاً يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، توفي في خلافة عثمان ﵁].
يعني: كان أميراً على الصحابة عندما كانوا يقاتلون في فتوح العراق، وكان هو أحد الأمراء، وكانت له عباءة يلبسها، بعضها يفترشه، وبعضها يتغطى به في الليل إذا احتاج إلى ذلك، فكانت فراشه ولحافه وهو أمير على ثلاثين ألفاً من الصحابة؛ لأن رغبتهم كانت في الآخرة لا في الدنيا، فبقوا على ما هم عليه رضوان الله عليهم حتى بعدما فتحوا الفتوحات ووجدوا الأموال والجواهر، فكانوا يأتون بها إلى الأمير؛ ولهذا لما جمعت الأموال إلى عمر ﵁ قال لما رأها: والله إن قوماً أتوا بهذا لأمناء؛ لأنها أشياء يطمع الإنسان فيها، ولكن طمعهم فيما عند الله، ولا يطمعون في شيء من الدنيا.
ولهذا أيديهم الله جل وعلا ونصرهم، وأنزل الرعب في قلوب أعدائهم، فأصبحوا كما يصفهم أعداؤهم: رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، إذا ركبوا خيلهم لا أحد يقوم أمامهم، وإذا جنهم الليل تجدهم ركعاً سجداً، هذه صفتهم.
стр. 1737
إثبات صفة الكلام لله
قال الشارح ﵀: [قال أبو عبيد: توفي سنة ست وثلاثين عن ثلاثمائة وخمسين سنة، ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي.
قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله) نفي كلام الرب تعالى وتقدس عن هؤلاء العصاة دليل على أنه يكلم من أطاعه، وأن الكلام صفة كمال له، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين، قيام الأفعال بالله سبحانه، وأن الفعل يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئاً فشيئاً، ولم يزل متصفاً به، هو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال، والأفعال الدالة على الحال والاستقبال أيضاً، وذلك في القرآن كثير].
في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) في نفي كلام الله مع هؤلاء إثبات لكلامه مع غيرهم، فالله جل وعلا وصف نفسه بأنه يتكلم، ولا شك أن الوحي والأمر والنهي كلام، فالله يوحي إلى ملائكته بأمره الذي يأمرهم به، ويوحي إلى رسله من البشر بواسطة جبريل ﵇، والذي يأتي به هو كلام الله إليهم، وكتبه التي أنزلها هي من كلامه، وكذلك سائر شرعه الذي يشرعه لعباده؛ لأنها كلها أمر ونهي، والأمر والنهي يكون بالكلام، والكلام صفة كمال، والله جل وعلا له الكمال المطلق، وكل كمال في المخلوق فالله هو الذي وهبه، وواهب الكمال أحق به جل وتقدس، وإنما جاءت الشبه ممن دخل في الإسلام مريداً إفساده، أما المسلمون فلم ينكر ذلك أحد منهم إلا من ضل عقله وفكره، فإن من ضل ينكر ما هو كثير الورود في كتاب الله، وما هو موروث عن رسل الله من كون الرب جل وعلا يتكلم.
ومن أنكر كلام الله جل وعلا فهو في الواقع ينكر الرسالة، وينكر الشرع ينكر كونه سبحانه أرسل الرسل، وشرع الشرائع؛ لأن الرسل ترسل بالأمر والنهي، وإذا لم يكن الأمر والنهي من الله فمن أين يكون؟ إذاً: عطلوا الله جل وعلا عن كونه يأمر وينهى ويتكلم، فقد وصفوه بالنقص، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ومعلوم أن المبلغ لا يسمع كلام الله من الله وإنما يسمعه ممن يبلغه، والمقصود بكلام الله هنا القرآن، فإذا طلب كافر من المسلمين أن يطلع على شرعهم وجب عليهم أن يؤمنوه حتى يسمعوه كلام الله جل وعلا الذي تكلم به.
والأدلة على هذا متكاثرة جداً، فالذي ينكر كلام الله يلزمه إنكار الرسالة، وإنكار الشرع، بل إنكار الكمال لله جل وعلا.
والله جل وعلا توعد هؤلاء الثلاثة وغيرهم بأنه لا يكلمهم، فترك كلامهم من العذاب الذي توعدهم به جل وعلا، فيلزم من هذا أنه جل وعلا يكلم أولياءه من المؤمنين ويخاطبهم، وهم الذين اتبعوا شرعه وآمنوا بكلامه، والأدلة على هذا من كتاب الله ومن أحاديث رسوله ﷺ أكثر من أن تحصر.
стр. 1738
إنكار الجهمية لصفة الكلام لله
لم يكن أحد من المسلمين ينكر شيئاً من صفات الله، حتى جاءت فرقة يقال لها: الجهمية، وأول من عرف بإنكار ذلك رجل مشبوه دخيل في الإسلام، يظن أنه من اليهود، وإن لم يكن من اليهود فهو تلميذ لهم تربى في أحضانهم، فأول من عرف عنه إنكار هذا رجل يقال له: الجعد بن درهم، وأخذ عن أبان بن سمعان، وأبان بن سمعان هذا أخذ عن يهودي ابن ساحر من سحرة اليهود، ولشناعة قوله وقبحه، لما أظهره نفرت النفوس والفطر عنه، وأنكره كل الناس، بل استعظموا ذلك، ورفعوا أمره إلى أحد قواد بني أمية في آخر دولتهم، وهو خالد بن عبد الله القسري، فأخذه وقيده، وكان في عيد الأضحى، فجاء به مقيداً إلى المصلى، وقد جرت العادة أن القائد الذي يتولى قيادة الجيش لابد أن يستطيع أن يفصل الأمور ويقضي ويخطب ويصلي بالناس وإلا لا يصلح للقيادة، فلما حضرت صلاة العيد قام يخطب الناس، وفي آخر خطبته قال: أيها المسلمون! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم؛ لأنه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عن قوله علواً كبيراً، ثم نزل من على المنبر وقتله، فضحى به، فشكره الناس على ذلك، وأثنوا على صنيعه؛ لأن هذا ملحد خارج من دين الله وشرعه، مخالف للفطر والعقول.
ثم بعد ذلك نبغ تلميذ له يقال له: الجهم بن صفوان، ونشر فساده ثم أدرك وقتل، فهذه العقيدة الفاسدة جاءت من هؤلاء، ثم نمت الفتن وازدادت لمن يربيها وينميها قاصداً بها إفساد العقيدة، وقد علم من التاريخ أن الكفار لم يعجبهم الإسلام ولا عقائده، وما استطاعوا أن يواجهوا الإسلام بالقوة أو بالجيوش فأصبحوا مقهورين مهزومين مدحورين، من أجل ذلك ذهبوا إلى تأسيس المؤسسات التخريبية لإفساد العقيدة ومحاربتها من داخل المسلمين، فيدخل في المسلمين من ليس منهم؛ لأجل بث الفساد، وإفساد عقائدهم التي صاروا أقوياء بها، فدخل الكثير في دينهم تستراً وخفية وقصدهم الإفساد، وإلى الآن وهذه المؤسسات التخريبية تبث سمومها في أوساط المسلمين، ولكن أساليبهم وطرقهم تختلف حسب مقتضيات الحال.
والواقع أن من المسلمين المغرر بهم من ينكر كلام الله جل وعلا، ومع ذلك فالأمر واضح وجلي، يقول الرسول ﷺ كما في الحديث المتفق عليه: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، والله جل وعلا أخبرنا أنه يحاسب عباده، وأنه سريع الحساب، فهو الذي يتولى حسابهم جل وعلا.
وقال الرسول ﷺ كما في حديث الشفاعة المتفق عليه: (إن الله يأتي لفصل القضاء، وهم وقوف في الموقف، فيخاطبهم جل وعلا فيقول: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فكلهم يقولون: بلى يا رب!)، وما أظن أنه يخلو حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ولا مقطع من آيات الله جل وعلا وكتابه من إثبات أن الله يتكلم ويكلم ويخاطب ويفعل ما يريد جل وعلا، وهو فعال لما يريد، فكيف ينكر مثل هذا؟ وإذا أنكرت مثل هذا فمعنى ذلك أن تنكر عبادته وأنه هو المعبود الحق الواحد، وقد عاب الله جل وعلا على الذين عبدوا العجل والأصنام بأن هذه المعبودات لا تملك رد الخطاب إذا خاطبوها، فهذا دليل على أن المعبود الذي يجب أن تكون العبادة له يسمع من دعاه، ويخاطبه إذا شاء.
стр. 1739
بطلان شبهة من نفوا صفة الكلام لله
قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإذا قالوا لنا -يعني النفاة: فهذا يلزمه أن تكون الحوادث قائمة به قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل.
ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص والله تعالى منزه عن ذلك، ولكن يقوم به ما يشاء من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة.
والقول الصحيح هو قول أهل العلم والحديث الذين يقولون: لم يزل الله متكلماً إذا شاء، كما قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة].
ثم قال الشارح ﵀: [ومعنى قيام الحوادث به تعالى: قدرته عليها وإيجاده لها بمشيئته وأمره، والله أعلم].
الأصل عند أهل السنة أن الله جل وعلا لا يوصف ولا يسمى إلا بما وصف به نفسه، أو سمى به نفسه، أو سماه أو وصفه به رسوله، ولا يجوز أن نقيسه بالمخلوقات؛ لأن الله جل وعلا غيب، لا أحد يشاهده أو ينظر إليه، وليس مثله شيء فيقاس به تعالى وتقدس.
فعلى هذا يجب أن نقف مع النص الذي يأتينا عن ربنا جل وعلا، فإذا وصف ربنا نفسه بشيء وصفناه به، وإذا سمى نفسه بشيء سميناه به، وما عدا ذلك يجب أن يرد على صاحبه مهما كان، وكلمة الحوادث لم تأت في كتاب الله ولا في حديث رسوله ﷺ ، فلا يوصف بها الرب جل وعلا؛ ولهذا يقول: هو لفظ مجمل، ولكنهم يصطلحون ويقولون: الكلام والاستواء والنزول والمجيء، وما أشبه ذلك حوادث، ونحن نقول: إنها صفات وأفعال يفعلها الله جل وعلا إذا شاء، ولا يجوز أن نسميها حوادث, وإن سميتموها حوادث وقصدتم المعنى الصحيح، فالمعنى الصحيح يجب إثباته، واللفظ الباطل يجب رده، ويجب أن يعبر عن المعاني الثابتة لله جل وعلا بالعبارات التي جاءت عن الله وعن رسوله ﷺ .
ولكن هؤلاء يسمون هذه الأفعال والصفات بأسماء يقصدون بها تنفير الناس عن قبولها والإيمان بها، وليس قصدهم إلا ذلك، ولهذا سموا صفات الله جل وعلا أعراضاً، وقد يسمونها أبعاضاً، فيقولون: يتعالى ربنا ويتقدس عن الأعراض والأبعاض، ومقصودهم بالأعراض: أنه لا يتصف بالسمع، ولا بالبصر، ولا بالعلم، ولا يتصف بالإرادة، ولا بالمحبة، ولا بالرضا، ولا بالبغض، ولا بالغضب، ولا بغير ذلك مما وصف نفسه به.
ومرادهم بالأبعاض: أنه ليس له يد، وليس له عين، وليس له وجه، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي وصف بها نفسه، والذي يعرف مذهبهم يعرف ذلك، أما الجاهل الذي لا يعرف مذهبهم ومرادهم فيغتر بكلامهم ويتصور أنهم يريدون التنزيه، وهم يريدون الكفر والتنقص.
ثم إن هناك شبهاً يثيرونها في أوجه ضعاف المسلمين، أو ضعاف طلبة العلم، فيقولون مثلاً: قد اتفق العقلاء على أن الحوادث لا تحل إلا بحادث، ومن اتصلت به الحوادث يكون حادثاً، والله جل وعلا هو الأول بلا بداية، كما أنه الآخر بلا نهاية، وما سوى الرب جل وعلا هو المحدث المبتدع بعد أن لم يكن، فمثلاً يقولون عن صفة الكلام التي أنكروها: أنكرنا هذه الصفة لأنها تدل على الحدوث، وإذا قلنا لهم: ما هو الحدوث الذي تدل عليه هذه الصفة؟ قالوا: في قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، الباء تكون قبل السين، والسين قبل الميم، وهكذا الحروف كلها متعاقبة بمعنى: أنه يأتي واحد بعد الآخر، فالباء تسبق السين بالزمن والنطق، والسين تسبق الميم بالزمن والنطق، فهذه حوادث.
إذاً نقول لهم: ما هو الكلام المعقول الذي يثبت لله عندكم؟ قالوا: أن تختلط حروفه وتجتمع أولها وآخرها، ثم تأتي دفعة واحدة، هذا هو الكلام؟! هذا لا يمكن أن يكون كلاماً، ولا يسمع ولا يعقل، ولا يعرفه ولا يفهمه المخاطب.
ثم يقولون: التعاقب يقتضي النقص، أي نقص يقتضيه التعاقب؟ بل كونه يأتي على الوجه الذي يريده، والوجه الذي يفهمه ويعقله المخاطب فإنه يقتضي الكمال، قالوا: نحن لا نعقل كلاماً إلا ما كان بلسان وشفتين ولهوات وحنجرة وحبال الصوت، لا نعقل الكلام إلا بهذا، يقال لهم: هذا كلامكم الذي تعقلونه أنتم.
فهذا دليل على أنكم تشبهون الله جل وعلا بأنفسكم، فأردتم أن يكون كلامه ككلامكم الذي تتعارفون عليه، والله أكبر وأعظم من ذلك، فيجب أن يمحى هذا التشبيه من النفس، ومعلوم أن الله لا يشبهه أحد في ذاته سبحانه، فإذا كان كذلك -وهم لا يخالفون في هذا؛ ولا يمكنهم المخالفة- فيقال لهم إذاً: الصفة تتبع الموصوف، فإذا كانت ذاته جل وعلا لا تشبه الذوات، نقول: كذلك كلامه لا يشبه كلام الخلق، وسائر صفاته لا تشبه صفات الخلق.
ثم يقال لهم: قد عقل المؤمنون الذي آمنوا بالله وبرسله أن الكلام لا يحتاج إلى ما ذكرتموه، فلا يحتاج إلى لسان ولا إلى لهوات ولا إلى شفتين، ولا إلى حنجرة، ولا إلى حبال صوتية، فقد أخبرنا الثقات الذين نقلوا عن رسولنا ﷺ النقل المتواتر: أن الحصى كان يسبح بين يديه، ويسمعون تسبيحه، وأن الطعام كان يسبح وهو يأكله مع أصحابه، فهل الطعام له فم أو لهوات أو حناجر أو شفاه؟ هل يستطيعون أن يثبتوا هذا؟! لا.
أبداً.
وقد جاء بالنقل المتواتر: أن الرسول ﷺ كان يخطب على جذع نخلة يابس يتكئ عليه -وكان مسجده صلوات الله وسلامه عليه أعمدته من جذوع النخل، وكان سقفه جريد النخل، وإذا هطل المطر يخر من سقفه الماء، وربما سجد في الماء والطين وهو يصلي صلوات الله وسلامه عليه -ثم بعد ذلك أمر غلاماً نجاراً من الأنصار أن يصنع له منبراً، فصنع له منبراً من أعواد الطرفاء- طرفاء الغابة -فجيء به ونصب في المسجد، فلما قام النبي ﷺ يخطب على هذا المنبر صار ذلك الجذع الهامد يحن مثل حنين الناقة إذا فقدت ولدها، حتى سمع أهل المسجد كلهم حنينه، وبقي يحن حتى نزل إليه الرسول ﷺ واحتضنه، فهدأ كما يهدأ الطفل الذي يبكي إذا أخذته أمه، فهل هذا الجذع له لسان وفم وشفاه؟! وكذلك يخبرنا ربنا جل وعلا عن الأشقياء بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ أي: جاءوا إلى جهنم، ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢٢] يعني: ما كنتم تفعلون التقوى التي تمنعكم من هذا، وكذلك يقول جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] الأيدي تتكلم، والأرجل تتكلم، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٤] صح عن النبي ﷺ أنه قال: (تحديثها بأخبارها أنها تشهد بما صنع عليها) أي: أن المكان نفسه يشهد على هذا الإنسان فيقول فعل عليّ كذا يوم كذا في وقت كذا وكذا، هذه أخبارها التي تحدثها، وذلك بأن ربك أوحى لها.
ويقول جل وعلا في قصة داود أنه سخر الطير والجبال تسبح معه، ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ويخبر جل وعلا أن الشجر يسجد، وأن النجوم تسجد، وأن الشمس والقمر يسجدان، وجاء في الصحيحين أن النبي ﷺ نظر إلى الشمس وقال لـ أبي ذر: (أتدري أين تذهب؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب حتى تكون عند العرش، فتسجد وتستأذن في المضي، فيوشك أن لا يؤذن لها، ثم يقال لها: ارجعي من حيث جئت فترجع وتطلع من المغرب، عند ذلك إذا شاهدها الناس آمنوا كلهم) ولكن لا ينفعهم إيمان.
وهناك أشياء كثيرة لا حصر لها تتكلم وتنطق، وتسبح وتخضع وليس لها ألسن ولا أرجل، ولكن نحن لا نعقل كلامها.
إذا ثبت هذا في المخلوق فكيف يتصور أن كلام الرب جل وعلا ككلام المخلوق؟! فيجب أن ينزه الله عن ذلك، ويجب أن يكون له الكمال المطلق، والأدلة على هذا أكثر من تحصر، ولكن تكفي الإشارة.
стр. 1740
الكلام على حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله)
قال الشارح ﵀: [قوله: (ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات] وقد تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة وهم: رجل جعل الله بضاعته، لا يشتري ولا يبيع إلا بالحلف، والله لا أبيعه إلا بكذا، والله لا أشتري إلا بكذا والله إني اشتريته بكذا ولا أبيعه إلا بكذا وما أشبه ذلك، فجعل الله بضاعته.
الثاني: أشيمط زان، والأشيمط هو: من اختلط بياض شعره بسواده، يعني: أنه كبر وليس عنده قوة الشباب التي قد تدعوه إلى فعل الفاحشة والباطل، وقد تعمي بصيرته، فيعمى حتى يقع في المنكر، فإذا وقع في المنكر أفاق، أما هذا الأشيمط الزاني فإن فعله يدل على أن حب الزنا متأصل في نفسه فاستحق هذا العقاب.
الثالث: عائل مستكبر، والعائل: هو الفقير؛ ومن المعروف أن الذي يدعو إلى الكبر هو الغنى وتبوء المناصب العالية، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] أما الفقير فلا يوجد عنده شيء يدعوه إلى الكبر، فإذا تكبر دل هذا على أن الكبر أصيل في نفسه، فاستحق هذا العقاب.
هؤلاء هم الثلاثة: رجل كبير اختلط شيبه بسواده، فأقدم على جريمة الزنا، وآخر صارت الدنيا هي المقدمة عنده، فأصبح لا يبالي بالحلف بالله، وليس لله عنده وقار، فلا يعظمه ولا يوقره، فيحلف على أمر تافه من أمور الدنيا، حتى يتحصل له عشرة ريالات أو خمسة أو أكثر أو أقل، ولا يبالي، والثالث: فقير متكبر.
стр. 1741
المنفق سلعته بالأيمان الكاذبة
قال الشارح ﵀: [قوله: (أشيمط زان) صغره تحقيراً له؛ وذلك لأن داعي المعصية ضعيف في حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا هو محبة المعصية والفجور، وعدم خوفه من الله، وضعف الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه، بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد يغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم ولومها على المعصية، فينتهي ويراجع.
وكذا العائل المستكبر ليس له ما يدعوه إلى الكبر؛ لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال والنعم والرياسة، والعائل الفقير لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته، لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.
قوله: (ورجل جعل الله بضاعته) بنصب الاسم الشريف، أي: الحلف به، جعله بضاعته، لملازمته له وغلبته عليه، وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحداً فتوحيده ضعيف، وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه، وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها، نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من كل عمل لا يحبه ربنا ولا يرضاه].
وهذا محل الشاهد من الحديث في هذا الباب، وهو الذي جعل الله بضاعته، لا يشتري ولا يبيع إلا بالحلف رغبة في تحصيل الربح الدنيوي، وعدم تعظيم الله جل وعلا وتقديره، وقد أمرنا الله جل وعلا بحفظ أيماننا فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وتقدم أن معنى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ إما أن يكون: لا تحلفوا، أو يكون المعنى: لا تتركوها بلا تكفير إذا حلفتم بالله، ولكن المؤلف أراد المعنى الأول: لا تحلفوا؛ لأن كثير الحلف لابد أن يقع في المخالفة.
ومعلوم أن الحلف المقصود به أن يؤكد الخبر بذكر المعظم الذي إذا ذكر عند الخبر يقدر على عقاب هذا الحالف إذا كان كاذباً، هذا هو القصد من الحلف، فإذا حلف الإنسان فالمعنى أنه يقول: أنا أحلف بالله وهو القادر على عقابي إن كنت كاذباً.
ولهذا السبب منع شرعاً الحلف بغير الله جل وعلا، وصار الحلف بغير الله شركاً؛ لأنه لا يوجد أحد من الخلق يقدر على معرفة ما في ضمير هذا الإنسان، ومعرفة مخالفته، ويقدر على عقابه أو إثابته، فإذا كان صادقاً يثاب، وإذا كان مخالفاً يعاقب، كما قال ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
ومعلوم أن الكفر أعم من الشرك، وأن الشرك أخص من الكفر؛ ولهذا قال: (فقد كفر أو أشرك) فلهذا يتعين على العبد الذي يهتم بنفسه أن يجتنب كثرة الحلف، وإذا حلف على أمر من الأمور يريد المنع من فعل هذا الشيء أو يريد الحض على فعله، هذا في غير البيع والشراء، أما البيع والشراء فقد جاء هذا الحديث خاصاً بهما، فلا ينبغي أن يكون الحلف في البيع والشراء.
والبائع يجب أن يكون صادقاً فيما يقول، ويجب أن يكون مبيناً لسلعته إن كان فيها عيب، وإذا سئل صدق، ويبتعد عن الحلف، ورزقه الذي أراده الله له سوف يأتيه حلف أو لم يحلف، ولكن بعض الناس لسوء فعله وسلوكه يكون رزقه عن طريق محرم، وعن طريق سيئ؛ لأنه لم يتبع ما شرعه الرسول ﷺ .
وغالباً أن الذي يحلف عند البيع والشراء يكون كاذباً، ولا يلزم أن يكون الحالف كاذباً على الإطلاق، فإنه يوجد من يحلف وهو صادق ولكنه مخطئ في حلفه؛ لأن هذا ليس موضع الحلف، فالحلف له مواضع، وهذا الذي يحلف على البيع والشراء يدل على شدة رغبته في الكسب، وفي تحصيل الرزق، والمسلم يجب عليه أن يرغب في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، أما الدنيا فهي تبع، إن جاءت بالطريق الشرعي وإلا فلا يطلبها عن طريق محرم، وهذا مسلك المسلم الذي يجب أن يسلكه.
المقصود: أن الذي يحلف على البيع والشراء غالباً ما يقع في الكذب، ويكون في الجملة واقعاً في الإثم؛ لأنه لا يجوز الحلف في البيع والشراء، وعليه أن يقول: أنا لا أحلف، إن شئت صدقتني وإلا ذهبت إلى غيري، وهذا لا يختص بإنسان واحد، لماذا يحلف بالله على أمور تافهة؟ والله جل وعلا يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] ومن حفظها أن لا تبتذل في الأمور التافهة مثل هذه المسألة.
стр. 1742
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٠]
الكلام صفة ذاتية لله سبحانه، لا يشبهه فيها أحد من خلقه، دل على ذلك كتابه الحكيم وسنة نبيه الكريم ﵊، وأجمع على ذلك الصحابة الكرام العدول الأمناء، ثم من بعدهم من القرون الفاضلة من سلف هذه الأمة.
والله جل وعلا يكلم عباده الصالحين يوم القيامة كلام رحمة، ويكلم العصاة كلام عذاب وخزي، ويعرض عن أقوام فلا يكلمهم ولا ينظر إليهم، ومن هذا الصنف: من يكثر من الحلف والأيمان دون توقير لجناب الله .
стр. 1743
حديث: (خير القرون قرني)
стр. 1744
القرون الثلاثة الأولى مفضلة تفضيلاً مطلقاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً؟ - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)].
هذا حديث من الأحاديث التي بلغت حد التواتر وقوله ﷺ : (خير القرون قرني) وهذا ليس في الأمة فقط، بل هو تفضيل مطلق.
قوله: (ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يقول عمران بن حصين راوي الحديث: فما أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً، أي أنه قال: ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم مرتين أو قال ثلاث مرات: ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد جاء في حديث ابن مسعود أنه ذكر بعد قرنه ثلاث مرات، وفي أكثر الروايات أنه لم يذكر (ثم الذين يلونهم) بعد قرنه إلا مرتين فقط، وهذا الذي يشهد له الواقع.
وهذا صريح وظاهر في أن خير هذه الأمة صحابة رسول الله ﷺ ، وهذا الذي يعتقده المسلمون الذين سلموا من الانحراف والضلال، فالذين شاهدوا النبي ﷺ ، وتلقوا الإيمان منه، وقاتلوا معه وصلوا معه وامتثلوا لأوامر الله لا يمكن أن يكون من يأتي بعدهم مثلهم، هذه عقيدة المسلمين التي يعتقدونها.
وقد أثنى الله عليهم في كتابه في آيات كثيرة وأخبر أنه راض عنهم والله جل وعلا لا يثني على من يعلم أنه سيكون مرتداً؛ لأنه علام الغيوب.
وكذلك لا يمكن أن يكون أحد مثل الرسول في الدعوة والتأثير، والتعليم والبلاغ، فلو قلنا مثلاً: إن الصحابة ليسوا أفضل ممن أتى بعدهم، أو أنهم تركوا دينهم وارتدوا، للزم أن نقول: إن دعوة الرسول ﷺ فاشلة وليست ناجحة، وهذا معناه: أن قرنه شر القرون، فينعكس قول الرسول ﷺ : (خير الناس قرني).
وقد اختلف العلماء في تحديد القرن، والمشهور أن القرن يقدر بمائة سنة، ولكن الذي رجحه كثير من العلماء أن القرن لا يلزم أن يكون مائة سنة، فقد يكون أكثر وقد يكون أقل، والذين قالوا: مائة سنة، قالوا: إن الصحابة منهم من بقي مائة سنة ثم مات، وهذا هو الذي سار عليه الناس، ولهذا يجعلون كل مائة سنة قرناً، ويقولون: نحن الآن في القرن الخامس عشر؛ لأنه مضى على هجرة النبي ﷺ ألف وأربعمائة سنة وزيادة، هذا الذي توارثه الناس، ويكاد يكون إجماعاً منهم.
فإذاً: يكون المقصود بالذين يلونهم الذين بعدهم في المائة الثانية، والذين يلونهم في المائة الثالثة، ثم بعد ذلك يحدث ما ذكر، وهو أن يأتي قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويكثر فيهم السمن، ومعنى يخونون: تكثر فيهم الخيانة، وتقل أمانتهم، ويقدمون على الشهادة ولو لم تطلب منهم، وهذا هو معنى قوله: (يشهدون ولا يستشهدون) ومعنى هذا أن الديانة والأمانة والتقوى خفت عندهم بسبب قلة مخافتهم لله، وكثرت لديهم الرغبة في الدنيا وكثرت المخالفات والمعاصي وسهلت لديهم.
стр. 1745
فضل الصحابة في القرآن والسنة
وقوله: (يكثر فيهم السمن) يعني: يصبحون سماناً، وهذا يدل على رغبتهم في الشهوات، وطلبهم إياها، وأنهم يطلبونها بما يستطيعون، وليس عندهم الخوف من النار الذي يمنعهم من السمن، كما منع الذين من قبلهم من الصحابة وغيرهم، الذين كان يقول أحدهم: منعني الخوف من النار النوم، ولم يكونوا يتعجلون طيباتهم في الدنيا، بل يرجون الآخرة، ويرغبون فيها أكثر من رغبتهم في الدنيا، وقوله: (خير القرون قرني) هذا نص صريح في تفضيل القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ في الجملة، ولا يلزم أن يكون كل من في هذا القرن أفضل ممن يأتي بعدهم، فقد يكون في هذا القرن من لا يستحق الفضل؛ ولكن الصحابة خصوا بالفضل، وقد صح أن الرسول ﷺ لما حدث شجار بين بعض من تأخر إسلامه من الصحابة ومن تقدم إسلامه قال لهم: (لا تسبوا أصحابي فوالله لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) الخطاب هذا يوجه لبعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم، فأسلموا بعد الفتح فقال لهم: (لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فكيف بمن يأتي بعد الصحابة؟ فلا يقاس بهم أبداً ولا يكون قريباً منهم.
وقد حذرنا الرسول ﷺ من بغضهم، وقال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أحبهم فبحبي أحبهم) والله جل وعلا يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: يغيظ بأفعالهم الكفار، ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: من أغاظه فعل الصحابة فليس بمؤمن، وليس له من الغنيمة نصيب، لقوله جل وعلا: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ وكذلك أثنى جل وعلا على المهاجرين لما ذكر الفيء وذكر الغنائم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فوصفهم بأنهم فقراء وأنهم مهاجرون: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ثم بعد ذلك جاء دور الأنصار فأثنى عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ثم أثنى على الذين يأتون من بعدهم ويدعون لهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] هؤلاء هم الذين يثني الله جل وعلا عليهم، ويحبون من سبقهم بالإيمان، ويدعون لهم بالمغفرة، ويدعون ألا يكون في قلوبهم غلاً وبغضاً لهم.
وأخبر الله جل وعلا في آيات كثيرة جداً عن هذه المعاني، فلهذا قال الرسول ﷺ : (خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم) ثم يليهم في الخيرية الذين بعدهم مباشرة، ثم يليهم في الخيرية الذين بعدهم، ثم بعد ذلك لا يتوقف الخير، بل هو كثير ولكن يغلب الشر في هذه الأمة، بخلاف القرون المفضلة الثلاثة فإن الخير أغلب، والجهاد ظاهر وقائم، والعدو مقهور ومدحور، ومن رفع رأسه من الأشرار قمع، هذا معنى الخير في القرون السابقة.
وأما ما بعدهم من القرون فقد صار الشر له قوة وسلطان وأنصار وأعوان، يظهرون ويتسلمون زمام الأمور، وقد يكون لهم حكم، وقد يزيد حكمهم ويغلب وقد ينقص، هذا هو المقصود، ولا يقال: إنه بعد القرون الثلاثة انعدم الخير وانتهى، بل قد قال ﷺ : (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) يعني: حتى تقوم الساعة وهم على هذا والطائفة تصدق على ثلاثة، وتصدق على رجل واحد، كما أن لفظ (الأمة) يصدق على رجل واحد، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل:١٢٠] ويقول ابن مسعود ﵁: (إن معاذ بن جبل أمة قانتاً لله) فلما قال له: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل:١٢٠] قال: كنا نشبه معاذ بن جبل بإبراهيم، والمقصود أن الأمة تطلق على الرجل الواحد.
فإذاً: قوله: (طائفة من أمتي) يصدق على جماعة سواءً كانوا ثلاثة أو عشرة أو مائة أو ألفاً.
يقول العلماء: هذه الطائفة قد تكثر وتقوى، ويكون لها سلطان وقوة وشوكة تحارب العدو، وقد تضعف وتكون متفرقة في بلاد شتى، بين داع إلى الله، وبين عالم يظهر بالحجج، ويبطل الباطل، وبين منفق في سبيل الله، وبين مجاهد في سبيل الله، وما أشبه ذلك، ولا يلزم أن يكونوا على طريقة واحدة، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، ولا يلزم أن يكونوا في بلد معين، بل قد يكونون في وقت من الأوقات في هذا البلد، وفي وقت آخر في بلد آخر، وهكذا.
المقصود: أنه لابد أن تبقى هذه الطائفة في هذه الأمة على الحق، ولهذا يقول العلماء: إن الإجماع حجة قاطعة لهذا الحديث وما أشبهه؛ لأن الطائفة المنصورة على الحق تكون بهذا الإجماع.
стр. 1746
حقيقة الخيرية المذكورة للقرون الثلاثة
قال الشارح ﵀: [قوله: (وفي الصحيح) أي: صحيح مسلم، وأخرجه أبو داود والترمذي، ورواه البخاري بلفظ: (خيركم) قوله: (خير أمتي قرني) لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان، والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيه وكثر أهله، وقل الشر فيه وأهله، واعتز فيه الإسلام والإيمان، وكثر فيه العلم والعلماء.
(ثم الذين يلونهم) فضلوا على من بعدهم: لظهور الإسلام فيهم، وكثرة الداعي إليه، والراغب فيه والقائم به، وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل؛ كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة.
فهذه البدع وإن كانت قد ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان والقتل فيمن عاند منهم ولم يتب.
قوله: (فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً؟) هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين ﵁.
والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ثلاثة، الثالث دون الأولين في الفضل، لكثرة ظهور البدع فيه، لكن العلماء متوافرون، والإسلام فيه ظاهر، والجهاد فيه قائم، ثم ذكر ما وقع بعد القرون الثلاثة من الجفاء في الدين، وكثرة الأهواء.
فقال: (ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون) لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم للصدق، وذلك لقلة دينهم، وضعف إسلامهم.
قوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم، أو أكثرهم.
قوله: (وينذرون ولا يوفون) أي: لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم، وعدم إيمانهم.
قوله: (ويظهر فيهم السمن) لرغبتهم في الدنيا، ونيل شهواتهم والتنعم بها، وغفلتهم عن الدار الآخرة، والعمل لها.
وفي حديث أنس: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) قال أنس: سمعته من نبيكم ﷺ ، فما زال الشر يزيد في الأمة حتى ظهر الشرك والبدع في كثير منهم، حتى فيمن ينتسب إلى العلم، ويتصدر للتعليم والتصنيف.
قلت: بل قد دعوا إلى الشرك والضلال والبدع، وصنفوا في ذلك نظماً ونثراً فنعوذ بالله من موجبات غضبه].
الشاهد للباب من هذا الحديث قوله: (ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون).
قال المصنف ﵀: [وفيه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)].
قوله: (فيه) يعني: في الصحيح عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) وهذا فيه الإطلاق بأن الصحابة خير الناس، يعني: إذا كانوا خير الناس فلابد أن يخرج من ذلك الأنبياء والرسل، فهم أفضل الناس، لكن هل الناس المقصود بهم مطلقاً، أو الناس الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ؟ جاءت النصوص تدل على أن المقصود أنهم خير الناس مطلقاً، وأما الرسل فهم يخرجون من هذا بالنصوص الأخرى، وقد جاءت أحاديث في فضل القرن الأول منها: قوله: (أنكم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأفضلها)، ولا شك أن الخيرية لصحابة الرسول ﷺ أولى، وبهم أجدى، إذ هم الذين تلقوا عن النبي ﷺ ، وشاهدوا نزول الوحي، وجاهدوا معه، وكذلك بلغوا دعوته بعده.
والخيرية تنحصر في قبول الدين واتباع الرسول ﷺ ، ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه وجد من يقبل دينه ومن يناصره عليه، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد لقوا العنت والمشاق، والأمور الصعبة التي تحملوها في سبيل ذلك، وصارت عندهم سهلة ميسورة في سبيل طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ، فتفانوا في ذلك وأنفقوا أموالهم وبذلوا نفوسهم طاعة لله مغتبطين بذلك، وبذلك صاروا هم خير الناس، ثم الخيرية فيمن بعدهم تتفاوت لتفاوت القبول لهذا الدين، والتأثر به، والقيام به على حسب أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وكلما بعد بالناس العهد بالنبوة قل التأثر، وقل التقى واتباع الحق، إلى أن يكون شرار الناس هم من تقوم عليهم الساعة، كما جاء في صحيح مسلم: (شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد، ومن تقوم عليهم الساعة) وفي الصحيح عن أنس (ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) ثم يقول: سمعت ذلك من نبيكم ﷺ .
ومعلوم أن الخيرية ليست في الذوات والأجساب، والتفاخر في الدنيا، والتكاثر فيها بالأموال والأولاد، وإنما الخيرية في طاعة الله وحبه ومعرفته، وهذا أمر لا يجادل فيه من يعرف الحق، ولا شك أن الصحابة أولى الناس بذلك، إذ هم الذين فهموا الوحي وقبلوه على الوجه الذي ينبغي، ثم إنهم قاموا ببذل أموالهم وأنفسهم في الذب عن دين الله، وبذل الطاعة للنبي ﷺ ، مغتبطين بهذا راغبين فيه، فاستحقوا بذلك أن يكونوا خير الناس.
والصحابي يطلق على كل من رأى النبي ﷺ وهو مؤمن به.
ولا شك أن النبي ﷺ في آخر عهده رآه خلق كثير جداً وهم مؤمنون به، وذلك في حجة الوداع، وإن كانت مرة واحدة فهو يصدق عليهم اسم الصحابي.
стр. 1747
ذكر ما حصل للناس بعد وفاة النبي ﷺ
ثم لما توفي صلوات الله وسلامه عليه حصل الارتداد لكثير من الناس، ولم يثبت على الدين الإسلامي إلا عدد قليل في مكة والطائف والمدينة وكذلك البحرين، أما بقية المدن فكلهم ارتدوا، وعلى هذا يحمل الحديث الذي جاء في الصحيحين من قوله ﷺ وهو على حوضه يوم القيامة: (ليردن عليَّ الحوض رجال من أمتي أعرفهم بسيماهم) -لأنه أخبر أنه يذود عن حوضه من ليس من أمته- قالوا: كيف تعرفهم؟ قال: (يردون عليَّ غراً محجلين من آثار الوضوء)، وهذا من خصائص هذه الأمة، ثم قال ﷺ : (فيحال بيني وبينهم فأقول أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين، فأقول: سحقاً سحقاً) وفي رواية: (فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) فهؤلاء هم الذين ضعف إيمانهم، وقد شاهدوا النبي ﷺ في آخر حياته مرة، ولكن إيمانهم لم يثبت.
أما الذين صحبوه وشاهدوا نزول الوحي، وجاهدوا معه، فهؤلاء قد برأهم الله جل وعلا من ذلك، وطهرهم وأثنى عليهم الثناء الحسن الجميل، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه في آيات كثيرة، ولا يثنى الله جل وعلا على من يعلم أنه سيرتد لأنه علام الغيوب.
стр. 1748
حال الصحابة مع أهل الردة
ثم بعد ذلك قام خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر ﵁ فجاهد الذين ارتدوا حتى رجعوا للإسلام.
وقد كانت أسباب ردتهم مختلفة، فمنهم من منع الزكاة معللاً ذلك بأنه كالجزية التي تؤخذ من الكفار.
ومنهم من قال: أخرجها أنا لمن أريد ولا أدفعها إلى خليفة النبي ﷺ .
ومنهم من أنكر نبوة النبي ﷺ معللاً ذلك بأنه لو كان نبياً ما مات، وهؤلاء الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم.
ولم يفرق الصحابة بين هؤلاء، بل قاتلوهم جميعاً، بل لما تردد بعضهم في قتالهم وقالوا: كيف نقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله) فقال لهم أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
والعقال حبل تعقل به الإبل، فلو منعوه وكانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم عليه، ثم كشف لهم عن وجه الحق والصواب فقال: ألم يقل النبي ﷺ : (إلا بحقها)؟ يعني: بحق لا إله إلا الله وأن الزكاة من حقها، فأجمعوا على قتالهم، فقاتلوهم حتى استتب الأمر وعادت الجزيرة كلها إلى حظيرة الإسلام، ولم يقبض أبو بكر إلا وجزيرة العرب كلها مذعنة منقادة للإسلام وكانت خلافته قرابة سنتين وأشهر.
ثم بعد ذلك امتثلوا أمر ربهم الذي جاء به رسوله ﷺ ، من الله جل وعلا بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] فبدءوا بقتال الكفار الذين يلونهم، وهم الفرس والروم، فبدأت الفتوحات في آخر عهد أبي بكر، ثم توفاه الله جل وعلا وقام بالأمر بعده إخوانه بقيادة خيرهم وأفضلهم عمر ﵁.
فهؤلاء هم الواسطة الذين بلغونا دين ربنا، الدين الذي جاء به النبي ﷺ ، وهم الذين نقلوا إلينا القرآن، ومعاني القرآن، وأحاديث رسول الله ﷺ ، وأفعاله وأقواله بالتواتر.
والدين لم ينقله رجل واحد أو رجلان أو عشرة، فلو نقله رجل واحد لكان غير مأمون وغير موثوق به، وإنما نقله جميع الصحابة إلى من بعدهم، ثم الذين بعدهم نقلوه إلى من بعدهم، وهكذا إلى اليوم.
ولهذا لا يمكن أن يقول أحد: إن الصلوات المفروضة ست صلوات أو يقول: صلاة المغرب أربع ركعات وليست بثلاث، أو يقول: إنها ركعتان، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا أمر نقل إلينا بالتواتر، ولم ينقله شخص واحد فيقال: ربما أنه أخطأ أو نسي أو وهم، بل نقلته أمة بأكملها، فهم الذين نقلوا إلينا ديننا، فالذي يطعن فيهم فهو إنما يطعن في الدين الإسلامي، والله جل وعلا أخبر أنه رضي عنهم، والرسول ﷺ أخبر بأنهم خير الناس.
فإذا كانوا خير الناس فمن المحال أن يكون أكثرهم أو جلهم ارتد عن الدين الإسلامي، أو أنه منافق كان يظهر خلاف ما يبطن، هذا من المحال.
ثم إن أفعالهم وقيامهم بالأمر بعد النبي ﷺ تدل غاية الدلالة على أنهم خير الناس.
ولهذا نقول: يجب على المسلم أن يطلع على سيرة النبي ﷺ وسيرة أصحابه؛ لأن هذا مما يثبت الدين ويقويه، ويزيل الشبه التي قد يلقيها بعض الأعداء.
قوله: (خير الناس قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم) كلمة (ثم) تدل على أن الذين أتوا بعدهم أقل منهم خيرية.
وكذلك القرن الذي يلي قرن الصحابة أقل من الذين قبلهم خيرية، وهكذا، ثم تنتهي الشهادة للقرون بالخيرية.
وفي هذا الحديث أن القرون أربعة، قرن الصحابة الذين فيهم النبي ﷺ ، وثلاثة بعده، ولكن أكثر الروايات الصحيحة الثابتة أنها ثلاثة قرون، والقرن الرابع لم يثبت لا في صحيح مسلم ولا في صحيح البخاري، ولهذا فالراجح أن الثلاثة قرون هي التي ثبتت، وهي قرن الصحابة، وقرنان بعده، ويشهد لهذا الواقع، فإن ظهور البدع وكثرة الخلافات والانحراف الجماعي لكثير من الناس، وغلبة الشر على الخير، حدثت بعد القرون المفضلة.
فالخير في القرون المفضلة أكثر من غيرها، وقرن الصحابة هو خير القرون المفضلة، والخيرية فيه لجميع الناس، ولا يزال الخير موجوداً فيمن بعدهم ولكنه قليل.
стр. 1749
حال القوم الذي يأتون بعد القرون الثلاثة
ثم وضح هذا وبينه بقوله: (ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) وهذا سببه ضعف تقوى الله عندهم، وضعف الوازع الديني، فيصبح أحدهم لا يبالي بالشهادة ولا باليمين، فيشهد وإن كانت الشهادة غير متيقنة، وغير معلومة، وكذلك يحلف وإن كان آثماً حانثاً، فمعنى: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) أنهم يبذلون الشهادة عند أدنى طلب، وكذلك اليمين فليس عندهم من الدين ما يمنعهم من بذله، بل الدين خف عندهم وضعف، بخلاف من يحفظ يمينه، ويوقر ربه، ويقدره حق قدره، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه، فإنه لا يكون بهذه المثابة.
وكذلك في الرواية الأخرى أنهم يخونون ولا يؤتمنون، وهي بمعنى كونهم تكثر فيهم الشهادة وإن كانت زوراً، واليمين وإن كان كذباً، فهذا من الخيانة، وعدم الائتمان، فإذا لم يؤتمن الإنسان على دينه فهو لغيره أخون، فيكون معنى هذه الرواية والتي قبلها واحد.
قال المصنف ﵀: [وفيه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)].
قال الشارح ﵀: [وهذه حال من صرف رغبته إلى الدنيا ونسي المعاد، فخف أمر الشهادة واليمين عنده تحملاً وأداء لقلة خوفه من الله، وعدم مبالاته بذلك، وهذا هو الغالب على الأكثر.
والله المستعان].
قوله: (تحملاً وأداءً) يعني: المسلم يجب عليه إذا شهد على الشيء أن يحمل الشهادة، وإذا طلبت منه أن يؤديها على الوجه الشرعي، وأن يقول الحق وإن كان على نفسه، وإن كان المقول عليه قريباً منه.
أما التحمل فهو واجب، إذا حمل الشهادة وجب أن يحملها، يعني: إذا قيل له: اشهد، فإنه يشهد بالشيء الذي شاهد ورأى، وأداء الشهادة واجب إذا طلبت منه، وإن كتمها فهو آثم قلبه كما قال الله جل وعلا، ومعنى ذلك: أنهم مرتكبون جرماً عظيماً؛ لأنه حق جحد، وباطل ظهر، واستولي على الحق بسبب كتمان الشهادة، فيكون الذي كتم الشهادة قد ارتكب إثماً عظيماً بالنسبة للذي أكل الباطل، وبالنسبة للذي أخذ حقه، فتكون أوزارهم عليه.
فالمقصود أن تحمل الشهادة وأداءها من الفروض على كل من شاهد شيئاً، فيجب عليه أن يؤديه إذا طلب منه كما شاهده وكما سمعه، ويجب عليه أن يقول الحق، وإن كان المقول عليه ذا قربى، وإن كان على نفسه.
أما إذا صار يؤثر قرابته وأصدقاءه فمعنى ذلك أنه جعل دينه عرضة لأمر الدنيا، وهذا الصنف لم يكن موجوداً في القرون المفضلة، ولكنه جاء بعدهم، وأصبح يزداد حتى أصبح الناس يشهدون بالأجرة، فإذا بذل له شيء من المال شهد كذباً وزوراً، وهذه الشهادة قد جاء أنها تعدل الشرك بالله جل وعلا، وقد حذرنا الله جل وعلا منها، وأخبر الرسول ﷺ أن فاعل ذلك قد استحق غضب الله جل وعلا.
قال الشارح ﵀: [فإذا كان هذا قد وقع في صدر الإسلام الأول فما بعده أكثر بأضعاف، فكن من الناس على حذر].
والمقصود بصدر الإسلام: القرن الرابع والخامس، هذا الذي يقصده، وأنه قد وقع فيهم أن شهادة أحدهم تسبق يمينه، ويمينه شهادته، فكيف فيمن بعدهم من القرون المتأخرة التي يكون الناس فيها أقل ديانة، وأقل وازعاً يزعهم ويمنعهم من ارتكاب المحرمات؟! لأنه كلما ابتعد عهد الناس عن عهد النبوة يخف إيمانهم بلا شك؛ لأن الذي يؤثر في الإيمان هو رسالة الرسول ﷺ .
стр. 1750
تربية السلف لأبنائهم على تعظيم شعائر الدين
قال المصنف ﵀: [وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد، ونحن صغار].
إبراهيم هو إبراهيم النخعي وهو من التابعين، يعني: في القرن الثاني الذي يلي قرن الصحابة، فكانوا في هذا القرن يضربون الصبيان إذا شهد أحدهم بالشهادة التي ليست على الوجه المطلوب، ومعلوم أن الصبي غير مكلف، ولكن يؤدبونهم ويدربونهم على الحق من الصغر، حتى يخرجوا وقد رسخ في قلوبهم بغض الباطل وكراهيته، وحب الحق وإيثاره، هذا المقصود وهو مأخوذ من قول النبي ﷺ : (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) وأجمع العلماء على أن ابن عشر لا تجب عليه الصلاة، ومع ذلك أمر الرسول ﷺ أن يضرب عليها إذا تركها، فالأدب هو الذي يجعله يلتزم، أما الأمر والتدريب فيبدأ بابن سبع، تأمره وتدربه على الصلاة حتى تغرس حبها في قلبه، فيصير آلفاً لها، بخلاف ما إذا ترك يسرح ويمرح كيف يشاء، فإنه إذا بلغ وهو متروك عن التأديب بالصلاة وتعليمه عليها يصعب عليه الالتزام بعد ذلك.
وكذلك هنا: يؤدبونهم من الصغر على حب الخير، وكراهية المكروه، والابتعاد عنه، وهذا واجب ولي الأمر لمن تحت يده، وقد قال الرسول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها، والإمام راع ومسئول عن رعيته) كل إنسان له مسئولية يسأل عنها يوم القيامة، فيجب أن يقوم بها حسب الأمر الشرعي، فالقرون المفضلة كانوا يهتمون بهذا الأمر كثيراً، فكانوا يضربون الصبيان على العهد أو الشهادة التي لا يكون لها أثر، إذ إن شهادة الصبي وحلفه ليس له أثر وغير مؤاخذ بها، ومع ذلك يؤدبونهم على هذا الشيء، حتى يشبوا وهم يألفون الحق ويبتعدون عن الباطل.
стр. 1751
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الشارح ﵀: [وذلك لكثرة علم التابعين، وقوة إيمانهم، ومعرفتهم بربهم، وقيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من أفضل الجهاد، ولا يقوم الدين إلا به، وفي هذا رغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم].
يعني: أن الأمر بالمعروف يكون من أفضل الجهاد، والجهاد المقصود به بذل الجهد في طاعة الله وفي أن يطيع الناس ربهم، ويتابعوا دينهم، هذا هو الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الباب، فيأمر الإنسان بالخير وبالإسلام وبالحق وبالهدى ويبذله للناس ويرشدهم إليه، وينهى عن ضد ذلك، ويبين لهم بالطرق المناسبة والأساليب اللائقة التي يمكن أن تقبل وأن تؤثر، فهذا من أفضل الجهاد، وقد عده بعض العلماء من أركان الإسلام، فجعلوا أركان الإسلام ستة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) فبين أن هذا أمر واجب متعين على كل واحد، وهذا مأخوذ من قوله: (من رأى منكم منكراً) و (من) هذه للعموم والشمول، وكذلك الأحاديث الأخرى التي بينت هذا.
فلا شك في وجوب الأمر بالمعروف على الأمة الأسلامية ولكن هذا من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط عن البقية، وإلا أثم الجميع، وهذا في الأمور الظاهرة التي ترى وتشاهد، أما الأمور الخفية فيلزم إنكارها على من علمها، والأمور التي تكون في البيوت المسئول عنها قيم البيت، وهو الذي يسأل يوم القيامة، ولهذا جاء في الحديث: (أن الإنسان يتعلق بالآخر يوم القيامة، ويقول: يا رب! خذ بحقي من هذا، فيقول المتعلق به: يا رب! والله ما ظلمته، لا في مال، ولا في عرض، فيقول المتعلق: صدق ولكنه رآني على منكر فلم ينهني، فخذ لي بحقي منه) فالواجب على المسلم أن يسقط الواجب عنه اليوم قبل أن يسأله الله جل وعلا يوم القيامة، فيؤخذ من حسناته أو يؤخذ من سيئات غيره فتوضع عليه، ثم بعد ذلك يلقى في النار؛ لأن الأمة الإسلامية مثلها كمثل الرجل الواحد إذا مرض جزء منه أو عضو منه مرض الرجل كله، كما قال الرسول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فيجب على الأمة الإسلامية أن تكون قائمة على الحق، متعاونة على البر والتقوى، متناصحة فيما بينها، حتى لا تكون مسئولة أمام الله جل وعلا، وهذا أمر أوجبه الله علينا ولم يوجبه أحد من الخلق، ولهذا قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] الخيرية هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فليسوا خير أمة.
стр. 1752
مسائل باب ما جاء في كثرة الحلف
стр. 1753
الوصية بحفظ الأيمان
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: الوصية بحفظ الأيمان].
الوصية بحفظ الأيمان؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وعرفنا معنى حفظ الأيمان، إما أن الإنسان لا يحلف خوفاً من المخالفة، وهذا الذي أراده المؤلف بحفظ الأيمان، وهذا يكون لمن خاف الله، فإنه يجتنب الحلف مطلقاً، إلا في ما ألزم به ودعت الحاجة إليه، فهذا قد يتعين عليه، مثل الذي تتوجه عليه اليمين عند القاضي إذا ادعى عليه مدعٍ بشيء غير صحيح، فإذا لم يقم المدعي البينة توجهت اليمين على المنكر، فإذا طلب منه اليمين يحلف إذا كان صادقاً، ولا ضير عليه.
وكذلك إذا كان المقصود باليمين بيان الحق وتأييده، فإنها تكون مستحبة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] فأمر الله جل وعلا نبيه أن يحلف بالله على البعث، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] فأمره جل وعلا أن يحلف بالله، فإذا كان الحلف مقصوداً به بيان الحق وإيضاحه وتقريره وثبوته يحلف، وهو بهذا مأجور.
أما إذا كان الحلف يراد به أمر من أمور الدنيا، فيجب عليه أن يحفظ اليمين عنه مطلقاً.
أما إذا حلف الإنسان على شيء يريد الامتناع منه، أو يريد حض غيره على فعله كأن يحلف على غيره أنه لا يدخل بيته بسبب مشاكل بينهم، ثم بعد ذلك يتبين له أن عدم الحلف أولى، فهذا ينبغي أن يكفر عن يمينه، وأن يفعل الشيء الذي حلف على الامتناع منه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة:٢٢٤] معنى الآية: أنكم إذا حلفتم على شيء ثم رأيتم أن هذا الذي حلفتم عليه خير من تركه فلا يمنعكم الحلف، كفروا عن أيمانكم وافعلوا هذا الذي حلفتم على عدم فعله، هذا معنى قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤].
وكذلك جاءت الأحاديث بمعنى هذه الآية يقول الرسول ﷺ لـ عبد الرحمن بن سمرة: (يا عبد الرحمن! لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها وكلت إليها، وإن أتتك بدون طلب أعنت عليها) ثم يقول (وإذا حلفت على شيء ورأيت غيره خيراً منه فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير).
وكذلك ثبت عنه ﷺ أنه قال: (والله إني إن شاء الله لا أحلف على الشيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير).
أما الذي يحلف على أمور الدنيا مثل البيع والشراء والأخذ والعطاء، وما أشبه ذلك، فهذا الذي لا يجوز، وفاعل ذلك قد ضعف إيمانه، وضف تقدير الله عنده، فلهذا يكثر من الحلف، ومثل هذا لابد أن يقع في الإثم.
стр. 1754
الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة
[المسألة الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة].
عرفنا معنى: (منفقة للسلعة) أنه إذا حلف ألا يبيع هذا الشيء إلا بكذا وكذا فيقدم عليها المشتري ويشتريها؛ لأن المفروض أنه صادق، وإذا حلف أنه اشتراها بكذا وكذا يقبل المشتري ويبذل زيادة ويأخذ السلعة.
فإذاً: هذا وإن كان صادقاً لا يجوز له الحلف؛ لأنه جعل الحلف طريقاً لكسب المال، ومن جعل يمينه طريقاً لكسب المال فهو في الحقيقة يقدم حب الدنيا على قول الله، وعلى تعظيمه وتقديره؛ لأن الله يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أما إذا كان كاذباً فالإثم عليه عظيم، ولكن هذا الحديث في الذي يحلف وهو صادق، وقوله ﷺ : (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب) لم يرد الحلف الكاذب، ولكنه أراد الحلف مطلقاً وإن كان صادقاً؛ لأنه طريق لإنفاق السلع والناس إذا سمعوه يحلف يقتنعون بذلك، فيقدمون على الشراء، فيصير بهذا المعنى منفقة لسلعته.
ولكن النتيجة أنه يمحق البركة، والمحق هو إبطال الشيء وإزالته، وإذا محقت البركة فلا خير فيه.
стр. 1755
الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه
[المسألة الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه].
يعني: مطلقاً سواء كان صادقاً أو غير صادق.
следующие страницы →