Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الشارح ﵀: [وذلك لكثرة علم التابعين، وقوة إيمانهم، ومعرفتهم بربهم، وقيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من أفضل الجهاد، ولا يقوم الدين إلا به، وفي هذا رغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم].
يعني: أن الأمر بالمعروف يكون من أفضل الجهاد، والجهاد المقصود به بذل الجهد في طاعة الله وفي أن يطيع الناس ربهم، ويتابعوا دينهم، هذا هو الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذا الباب، فيأمر الإنسان بالخير وبالإسلام وبالحق وبالهدى ويبذله للناس ويرشدهم إليه، وينهى عن ضد ذلك، ويبين لهم بالطرق المناسبة والأساليب اللائقة التي يمكن أن تقبل وأن تؤثر، فهذا من أفضل الجهاد، وقد عده بعض العلماء من أركان الإسلام، فجعلوا أركان الإسلام ستة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) فبين أن هذا أمر واجب متعين على كل واحد، وهذا مأخوذ من قوله: (من رأى منكم منكراً) و (من) هذه للعموم والشمول، وكذلك الأحاديث الأخرى التي بينت هذا.
فلا شك في وجوب الأمر بالمعروف على الأمة الأسلامية ولكن هذا من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط عن البقية، وإلا أثم الجميع، وهذا في الأمور الظاهرة التي ترى وتشاهد، أما الأمور الخفية فيلزم إنكارها على من علمها، والأمور التي تكون في البيوت المسئول عنها قيم البيت، وهو الذي يسأل يوم القيامة، ولهذا جاء في الحديث: (أن الإنسان يتعلق بالآخر يوم القيامة، ويقول: يا رب! خذ بحقي من هذا، فيقول المتعلق به: يا رب! والله ما ظلمته، لا في مال، ولا في عرض، فيقول المتعلق: صدق ولكنه رآني على منكر فلم ينهني، فخذ لي بحقي منه) فالواجب على المسلم أن يسقط الواجب عنه اليوم قبل أن يسأله الله جل وعلا يوم القيامة، فيؤخذ من حسناته أو يؤخذ من سيئات غيره فتوضع عليه، ثم بعد ذلك يلقى في النار؛ لأن الأمة الإسلامية مثلها كمثل الرجل الواحد إذا مرض جزء منه أو عضو منه مرض الرجل كله، كما قال الرسول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فيجب على الأمة الإسلامية أن تكون قائمة على الحق، متعاونة على البر والتقوى، متناصحة فيما بينها، حتى لا تكون مسئولة أمام الله جل وعلا، وهذا أمر أوجبه الله علينا ولم يوجبه أحد من الخلق، ولهذا قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] الخيرية هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فليسوا خير أمة.
стр. 1752
مسائل باب ما جاء في كثرة الحلف
стр. 1753
الوصية بحفظ الأيمان
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: الوصية بحفظ الأيمان].
الوصية بحفظ الأيمان؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] وعرفنا معنى حفظ الأيمان، إما أن الإنسان لا يحلف خوفاً من المخالفة، وهذا الذي أراده المؤلف بحفظ الأيمان، وهذا يكون لمن خاف الله، فإنه يجتنب الحلف مطلقاً، إلا في ما ألزم به ودعت الحاجة إليه، فهذا قد يتعين عليه، مثل الذي تتوجه عليه اليمين عند القاضي إذا ادعى عليه مدعٍ بشيء غير صحيح، فإذا لم يقم المدعي البينة توجهت اليمين على المنكر، فإذا طلب منه اليمين يحلف إذا كان صادقاً، ولا ضير عليه.
وكذلك إذا كان المقصود باليمين بيان الحق وتأييده، فإنها تكون مستحبة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] فأمر الله جل وعلا نبيه أن يحلف بالله على البعث، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] فأمره جل وعلا أن يحلف بالله، فإذا كان الحلف مقصوداً به بيان الحق وإيضاحه وتقريره وثبوته يحلف، وهو بهذا مأجور.
أما إذا كان الحلف يراد به أمر من أمور الدنيا، فيجب عليه أن يحفظ اليمين عنه مطلقاً.
أما إذا حلف الإنسان على شيء يريد الامتناع منه، أو يريد حض غيره على فعله كأن يحلف على غيره أنه لا يدخل بيته بسبب مشاكل بينهم، ثم بعد ذلك يتبين له أن عدم الحلف أولى، فهذا ينبغي أن يكفر عن يمينه، وأن يفعل الشيء الذي حلف على الامتناع منه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة:٢٢٤] معنى الآية: أنكم إذا حلفتم على شيء ثم رأيتم أن هذا الذي حلفتم عليه خير من تركه فلا يمنعكم الحلف، كفروا عن أيمانكم وافعلوا هذا الذي حلفتم على عدم فعله، هذا معنى قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤].
وكذلك جاءت الأحاديث بمعنى هذه الآية يقول الرسول ﷺ لـ عبد الرحمن بن سمرة: (يا عبد الرحمن! لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها وكلت إليها، وإن أتتك بدون طلب أعنت عليها) ثم يقول (وإذا حلفت على شيء ورأيت غيره خيراً منه فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير).
وكذلك ثبت عنه ﷺ أنه قال: (والله إني إن شاء الله لا أحلف على الشيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير).
أما الذي يحلف على أمور الدنيا مثل البيع والشراء والأخذ والعطاء، وما أشبه ذلك، فهذا الذي لا يجوز، وفاعل ذلك قد ضعف إيمانه، وضف تقدير الله عنده، فلهذا يكثر من الحلف، ومثل هذا لابد أن يقع في الإثم.
стр. 1754
الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة
[المسألة الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة].
عرفنا معنى: (منفقة للسلعة) أنه إذا حلف ألا يبيع هذا الشيء إلا بكذا وكذا فيقدم عليها المشتري ويشتريها؛ لأن المفروض أنه صادق، وإذا حلف أنه اشتراها بكذا وكذا يقبل المشتري ويبذل زيادة ويأخذ السلعة.
فإذاً: هذا وإن كان صادقاً لا يجوز له الحلف؛ لأنه جعل الحلف طريقاً لكسب المال، ومن جعل يمينه طريقاً لكسب المال فهو في الحقيقة يقدم حب الدنيا على قول الله، وعلى تعظيمه وتقديره؛ لأن الله يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أما إذا كان كاذباً فالإثم عليه عظيم، ولكن هذا الحديث في الذي يحلف وهو صادق، وقوله ﷺ : (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب) لم يرد الحلف الكاذب، ولكنه أراد الحلف مطلقاً وإن كان صادقاً؛ لأنه طريق لإنفاق السلع والناس إذا سمعوه يحلف يقتنعون بذلك، فيقدمون على الشراء، فيصير بهذا المعنى منفقة لسلعته.
ولكن النتيجة أنه يمحق البركة، والمحق هو إبطال الشيء وإزالته، وإذا محقت البركة فلا خير فيه.
стр. 1755
الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه
[المسألة الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه].
يعني: مطلقاً سواء كان صادقاً أو غير صادق.
стр. 1756
التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي
[المسألة الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي].
هذا أخذ من قوله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله) وذكر منهم الأشيمط الزاني، والعائل المستكبر، فالأشيمط الزاني ضعفت قوة الشهوة عنده، فإقدامه على الزنا يدل على أنه يحب الفاحشة ويريدها، وليس هناك شيء يدفعه بالقوة ويغطي عقله عليه حتى يقدم على هذا الشيء، أما الشاب فإنه قد لا يستطيع كبح الشهوة، فيقدم على الفعل الشنيع، ثم إذا وقع فيه انكشف له الأمر، فندم وعاد على نفسه بالتوبيخ واللوم والتوبة، بخلاف الأشيمط الزاني فإنه ربما يفعل ذلك حباً لهذه الجريمة، فيكون عذابه مضاعفاً، فهذا يدل على أن من كانت دواعي الأفعال عنده قليلة، ثم فعل أن عقابه يتضاعف.
ومثله العائل المستكبر يعني: الفقير المستكبر؛ لأن الفقر ليس دافعاً إلى التكبر، إنما يدل هذا على أن هذا خلق عنده، بخلاف الغني، فإن الغنى يدعو إلى البطر والتكبر كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] إذا رأى الغنى طغى.
стр. 1757
ذم من يحلف من غير أن يستحلف
[الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون].
هذا في الذين جاءوا بعد القرون المفضلة فإنهم يحلفون بدون استحلاف، بل الواحد منهم يبذل الحلف لأدنى الأمور.
[السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث].
يقصد: أن هذا من علامات نبوته ﷺ ؛ فقد ظهر ذلك جلياً لكل من له نظر، ومن قرأ السير والتأريخ يظهر له هذا جلياً بارزاً جداً، فإنه قد ظهر ما أخبر به الرسول ﷺ .
стр. 1758
ذم من يشهد دون أن يستشهد
[السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون].
يعني: أنهم يؤدون الشهادة ولم تطلب منهم، يعني: أنها تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، وهذا دليل على الاستخفاف بشأن الشهادة، وشأن اليمين.
[الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد].
يعني: تدريباً لهم كما عرفنا.
стр. 1759
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣١]
جهاد الكفار قائم إلى قيام الساعة، وقد جعل له الشرع ضوابط وأحكاماً، يجب على المجاهد معرفتها، ومن هذه الأحكام أن الكفار يخيرون قبل أن يقاتلوا بين ثلاث: إما الدخول في الإسلام، وإما أن يدفعوا الجزية، وإما أن يقاتلوا، والجزية من الأحكام التي عُطلت اليوم؛ وذلك لنكول المسلمين عن الجهاد، وخضوعهم لسيطرة أعدائهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1760
وجوب الوفاء بالعهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: (ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه)].
قلنا فيما سبق في الباب الذي قال فيه: (باب: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]) إن هذا بدء بفن جديد من نوع جديد من أنواع التوحيد، ولا يزال مستمراً فيه إلى آخر الكتاب، فهنا يقول: (ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ والمقصود بالذمة: العهد الذي يعطيه الإنسان، مثل أن يقول: عليّ عهد الله أني ما أفعل كذا وكذا، أو أني أفعل كذا وكذا، وهذه العهود تكون بين الأمم غالباً، وتكون بين القبائل والجماعات التي تعقد العهود بالمواثيق، وقد تكتب العهود كتابة، فإذا أعطي عهد الله في مثل هذا فالأمر فيه صعب جداً، ومن خان ذلك فقد خان الله، ومن يخن الله فقد باء بالسخط والغضب، والله لا يترك من أخفر ذمته.
المقصود من هذا: تعظيم الله وتوقيره وتقديره حق قدره، والابتعاد عن مساخطه، وهذا من معاني ربوبيته جل وعلا؛ لأن معنى الرب: المالك المتصرف الذي ينفذ أمره في الخلق، ويجب أن يكون أمره هو المطاع، وأن يوقف عند الذي منع منه ولا يُتجاوز، فإن الإنسان إذا لم يفعل ذلك فقد تجرأ جرأة عظيمة، ويوشك الله أن يأخذه عاجلاً في الدنيا قبل الآخرة.
ثم إنه أراد بهذا: أن الإنسان يعلم هذا الشيء ويجتنبه، فإذا قدر أنه وقع بينه وبين غيره عهود وذمم فعليه أن يبذل ذمته هو، فيقول: أعطيك ذمتي ولا أعطيك ذمة الله وذمة رسوله، بل تكون ذمتي بيني وبينك.
فإذا وقع الخلاف -وإن كان عظيماً- فإنه يكون في ذمته، وهذا أسهل من أن يكون وقع خلاف في ذمة الله وذمة رسوله، وهذا في العهود الجماعية التي تكون -مثلاً- في الحروب بين قوم وآخرين، والحرب يكون لها قائد، والقائد هو الذي ينفذ هذه الأشياء، فإذا أعطى لمن يحاربهم ذمة الله وذمة رسوله فقد يخالف أحد الأفراد من المقاتلين، فيكون بذلك قد أخفر ذمة الله وذمة رسوله؛ لأن فعل واحد منهم كأنه فعل الجميع، فهذا الذي أراد التنبيه عليه، فإذا حصل مثل هذا الشيء فينبغي على الذي عقد العقد أن يعطي ذمته لا ذمة الله وذمة رسوله، فإن الرسول ﷺ أرشد إلى هذا كما سيأتي في الحديث.
ثم إن الله جل وعلا أمرنا بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤] وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وقال: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١] والأيمان هنا هي الأيمان الجماعية التي تكون بين الجماعات وبين الأمم، فيجب أن يوفى لهم بما عُقد لهم وبما عوهدوا عليه، فإذا حصل النقض منهم صار قتلهم مباحاً؛ لأن الخيانة جاءت منهم، كما حدث من قريش لما عاهدهم النبي ﷺ بالحديبية فإنه كتب عهداً بينه وبينهم: أن الحرب تُوضع عشر سنوات لا يكون بينهم قتال فيها، ومن أراد من القبائل أن يدخل في حلف رسول الله ﷺ وعهده دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ وحلفه، وأسلم منهم من أسلم، فاعتدت عليهم قبيلة بنو بكر وكانت محالفة لقريش، وأعانتهم قريش على ذلك، ولما حصل هذا صار ذلك خيانة ونقضاً للعهد، فغزاهم النبي ﷺ وفتح مكة.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) وصفة الحلف الذي كان في الجاهلية: أنه كانت تجتمع قبيلتان -مثلاً- ويعقدوا بينهم حلفاً وعهداً على التناصر والتعاون على العدو، والإسلام ليس فيه هذا؛ لأن الإسلام أغنى عن ذلك كله، فقد جعل الناس كلهم على دين واحد وعلى ملة واحدة وعلى طريق واحد متعاونين متآخين، متناصرين على الحق مدافعين للباطل، هذا شأنهم، وهذا الذي يجب عليهم، ولهذا قال: (لا حلف في الإسلام) ولكن إذا وجد الحلف فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، هذا هو المقصود هنا، فلا يقال: هذا نظير ما سبق، بل هذا أمر آخر أخص منه.
стр. 1761
نقض العهد ذنب عظيم
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]].
معنى الآية: أن الله جل وعلا أمرنا إذا أعطينا غيرنا عهد الله أننا لا نفعل كذا أو أننا نفعل كذا فإنه يجب الوفاء بهذا العهد، وإن كان الذي أعطيناه العهد كافراً فيجب أن يوفى له بذلك.
ثم نهى عن نقض هذا العهد، فقال: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وقد أكدت بذكر الله؛ لأنه يقول: لك عهد الله عليّ، أو لك يمين الله عليّ أنه ما يحصل كذا أو يحصل كذا، ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ يعني: جعلتم الله عليكم رقيباً وشاهداً فيما فعلتم، وقلتم: إن الله جل وعلا هو الكفيل، يعني: الذي يأخذ لكم الحق إذا خانوكم، ومن قال ذلك وجب عليه أن يحذر المخالفة؛ فإنه إن خالف فهو على خطر عظيم.
قال الشارح ﵀: [قال العماد ابن كثير: وهذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة.
ولهذا قال: ((وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)) ولا تعارض بين هذا وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] وبين قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: لا تتركوها بلا تكفير، وبين قوله ﷺ في الصحيحين: (إني والله! إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها -وفي رواية- وكفرت عن يميني) لا تعارض بين هذا كله وبين الآية المذكورة هنا وهي قوله: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في هذه الآية: يعني: الحِلف أي: حِلف الجاهلية.
ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) وكذا رواه مسلم، ومعناه: أن الإسلام لا يُحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل:٩١] تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها] يعني: أن هذه الآية لا تعارض قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
стр. 1762
شرح حديث بريدة: (كان رسول الله إذا أمر أميراً)
قال المصنف ﵀: [وعن بريدة قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، فقال: اغزوا باسم الله، في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبو فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟) رواه مسلم] الذمة المقصود بها: العهد، وعهد الله هو: الميثاق الذي يتعاقد به بين فريقين، وهذا خلاف ما سبق في الباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله المقصود به: الحلف الذي يحلفه الإنسان على أمر إما يريد منه الحث على فعله، أو يريد الامتناع من فعله، وأما هنا فالمقصود به: العهد الذي يكون بين الدول أو بين المتحاربين أو بين قبائل أو بين الجماعات، يتعاهدون على شيء معين ويجعلون بينهم عهوداً ومواثيق، ومن نقض هذا العهد والميثاق فهو معرض لعقاب الله جل وعلا، فإذا أراد أن يتعاهد مع أحد فيتعين أن يكون العهد على عهودهم ومواثيقهم هم، فلا يقولون: بيننا وبينكم عهد الله، أو ميثاق الله، أو ذمة الله؛ لأن هذا أمره خطير جداً، وإذا نقضه أحد الأفراد انتقض، ولا يلزم أن يكون الجماعات هم الذين ينقضونه، بل يكفي في نقضه فرد من الجماعة، ولهذا الرسول ﷺ لما حصل بينه وبين كفار قريش ميثاق نحو هذا، فبعض كفار قريش أعان الذين قاتلوا حلفاء رسول الله ﷺ ، بالمال وبالسلاح فصار هذا نقضاً للميثاق، فغزاهم رسول الله ﷺ ؛ لأنهم نقضوا الميثاق، فإذا قدر أن يكون هناك عهود فيجب على المسلمين أن يعطوا المعاهد عهد المسلمين؛ لأنهم إذا نقضوا فإن الذي ينقض هو عهد المسلمين، وهذا أهون وأسهل من أن يُنقض عهد الله وذمة الله وميثاقه، وفي هذا أنه يعمل أقل الأمرين ضرراً، ويتجنب أعظمهما ضرراً، وكذلك مثله ما إذا حاصر المسلمون أهل حصن أو أهل بلد ثم أراد أهل البلد الاستسلام، وقالوا: نريد أن تجعلوا لنا عهد الله على أنه ما ينالنا كذا وكذا، أو قالوا: نريد أن ننزل على أن تحكموا فينا بحكم الله، فلا يعطون ذلك؛ لأن حكم الله يجب أن يعمل به ويمتثل، وحكم الله فيهم يخفى على كثير من الناس، ولكن يقال لهم: تنزلون على حكمنا، ونحكم فيكم على ضوء ما نرى أنه الحق مما جاءنا عن الله وعن رسولنا، وهذا يدلنا على أن حكم الله واحد لا يتغير في الأشياء كلها، وأن المجتهد قد يصيب حكم الله وقد يخطئه، وأن كون الإنسان يحكم باجتهاده لا يمكن إلا إذا كان أهلاً للاجتهاد، أما الجاهل فهو لا يحكم، بل الجاهل لا يجوز أن يحكم أصلاً، وكونه يُنصِّب نفسه للحكم هو في الحقيقة يسلك طريقه إلى النار؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، أما اللذان في النار فرجل عرف الحق فقضى بخلافه، فهو في النار، والآخر لا يعرف الحق، فهو يقضي بجهل، فهو في النار) وإن أصاب الحق فهو في النار؛ لأنه ما عرف الحق، وإنما أصابته للحق قد تكون مصادفة، ليس عن علم وقصد، أما الذي في الجنة فهو الذي يعرف الحق ويقضي به، وكذلك القاضي يكون قاضياً بين متخاصمين ولو في قضية واحدة، فإذا جاءك اثنان يحكمانك في أمر من الأمور فأنت قاضٍ، ويشملك هذا الحكم، فإذا رضي شخصان بحكمك وقالا: اقض بيننا ولو في قضية معينة فهذا قضاء، ومثله المفتي الذي يُستفتى فيفتي؛ لأنه يستفتى عن حكم الله في دينه وشرعه، فإن هذا أيضاً على خطر عظيم؛ لأنه يخبر الناس بحكم الله ويقول: الحكم في هذه القضية كذا وكذا، بل المفتي أشد خطراً من القاضي وأعظم؛ لأن المفتي يفتي عموم الناس، والقاضي يقضي في قضية معينة بين اثنين أو جماعتين، أما هذا فهو يفتي لكل الناس، فيعمل بفتواه خلق عظيم، فيصبح الخطر أشد من القضاء بكثير.
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا جاء من يسأل، كل واحد يود أن يُسأل غيره، وكل واحد لا يريد أن يجيب هو، ويقول: لعله يذهب إلى فلان؛ لأنهم يعرفون القضايا كما جاءت، أما في وقتنا فإذا جاء المستفتي رأيت الناس يتسارعون إلى الإجابة، وهذا بسبب قلة الدين عندهم في الحقيقة، وخفة المسئولية، وكونهم لا يبالون؛ لأنهم جهلوا فأقدموا؛ ولهذا جاء في الأثر: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) يعني: هذا هو الذي يذهب إلى النار بجرأة.
نسأل الله العافية.
المقصود من هذا: أن الرسول ﷺ كان إذا أرسل جيشاً أو سرية أوصاهم.
والفرق بين الجيش والسرية كما قال الحربي ﵀: السرية هي: ما تتكون من أربعمائة مقاتل فأقل، والآن قد تسمى كتيبة، وما كان أكثر من ذلك يقول: يسمى جيشاً، وقد جاء في الأثر: (لن يغلب ألف من قلة) وهذا يدل على أن الألف جيش، وإن كانت الأنظمة الآن قد اختلفت حسب اتباع الأنظمة الغربية؛ لأن المسلمين الآن لم يعد لهم استقلال في أي شيء، بل كل شيء يتبعون فيه أعداءهم، وللأسف! فكان ﷺ إذا أرسل من يقاتل في سبيل الله سواء كانوا كثرة أو قلة يؤمر عليهم أميراً قائداً يقودهم، ويوصيهم بطاعته وعدم المخالفة، ويوصيه بالرفق بهم وتقوى الله فيهم، ولا يحملهم ما لا يطيقون ولا يلجئهم إلى ما يهلكهم.
وكذلك يوصيهم بتقوى الله، وتقوى الله هي: أن يجعل الإنسان بينه وبين عقاب الله وقاية، أي: واقياً يقيه وساتراً يستره من عذاب الله، وهذا لا يكون إلا بطاعة الله واتباع أمره واجتناب نهيه، فتقوى الله كما يقول طلق بن حبيب هي: (أن تفعل ما أمرت به على نور من الله رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه، وأن تجتنب ما نهيت عنه على نور من الله ترجو ثوابه وتخشى عقابه) هذه هي تقوى الله.
ثم يقول: (اغزوا باسم الله) يعني: اشرعوا في الغزو مستعينين بالله جل وعلا، ذاكرين اسمه للاستعانة به في ذلك، فإن لم يعنكم الله فلا عون لكم، وأنتم المخذولون؛ فالأمور كلها بيد الله.
ثم يقول: (قاتلوا من كفر بالله) وهذا عام يعم قتال جميع الكفرة، سواء نصبوا الحرب للمسلمين أو لم ينصبوها كما قال الله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] وهذا خلاف ما يقوله كثير من علماء المسلمين الذي يجارون المستشرقين والكفار الذين أصبحوا يطعنون في الإسلام بأي شيء رأوه مخالفاً لأذواقهم وعقولهم وأوضاعهم وقوانينهم، فأصبح كثير من المسلمين يجارونهم، ويُخشى أن يكون هذا طعناً في الإسلام؛ لأنهم يقولون: القتال في الإسلام ما شرع إلا للدفاع عن النفس فقط، فإذا جاء الكفار لقتال المسلمين شرع لهم القتال، أما أن المسلمين يذهبون لقتال الكفار فهذا لا يشرع، ولماذا؟! لأن هؤلاء الكفرة يعيبون على الإسلام بأنه يرغم الناس على الدخول فيه بالقوة، ويقولون: الإنسان حر يجب أن تترك له الحرية، وهذا على قوانينهم الوضعية الشيطانية التي ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان، فمن شاء أن يكفر -على قوانينهم- يكفر، ومن شاء أن يفجر أمام الناس يفجر، فهو يفعل ما يريد بحجة الحرية، وهذا لا يدعو إليه إلا كل منافق مندسٍ في المسلمين، وهو في الحقيقة يدعو إلى الكفر، وإلى أن يكون الإنسان مطلق العنان يفعل ما يشاء من الكفر والفسوق والفجور في كل مجال.
وكذلك يقولون: إن الإنسان له أن يعبر عما يشاء، وإن له حرية الرأي، ولكن في دين الله وأمره ليس له حرية، وهذا أمر عجيب!! فالمقصود: أن النصوص جاءت كثيرة جداً تأمر بقتال الكفار كما في هذا النص، يقول ﷺ : (قاتلوا من كفر بالله) فهذا يشمل كل كافر يكفر بالله جل وعلا.
والكفر أنواع متعددة: منه ما هو كفر عناد، ومنه ما هو كفر جحود، ومنه ما هو كفر نفاق، ومنه ما هو كفر شرك، أي: شرك بالله، ومنه ما هو كفر إعراض بالكلية، وعدم اهتمام بالدين، وهذا عند من لا يرفع به رأساً، ولا يهتم به، بل تكون همته دنياه فقط، فهذا يكون معرضاً.
ثم قال: (لا تقتلوا وليداً) يعني: صبياً ليس له في القتال شأن، سواء كان ذكراً أو أنثى، ومثل ذلك الشيخ الفاني الذي لا دخل له في القتال، ومثل ذلك أهل الصوامع والبيع المعتزلون للتعبد، فهؤلاء لا يُقتلون ولا يُقاتلون، ومثل ذلك النساء، فإنه لا يجوز قتلهن، إلا إذا كنَّ يقاتلن كما هو في شرع الكفار وقوانينهم -فإنهن يقتلن، وكذلك كبار السن إذا أعانوا الكفار على القتال سواء بالرأي أو بالتدبير أو بالفعل فإنهم يقتلون، أما الذي لا شأن له في القتال فلا يجوز قتله، وقد رأى النبي ﷺ في إحدى غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك، وقال: (على ما تقتل؟)؛ فلا يجوز قتل النساء، وإنما يُقتل المقاتل الذي يقاتل المسلمين، أما غير المقاتلين فلا يجوز قتلهم.
ثم يقول: (ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا) أما الغلول فهو: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، والغنيمة تكون للمقاتلين الذين يقاتلون، فإذا غنموا من أموال الكفار شيئاً تقسم الغنيمة بينهم بالسوية، ولكن على قدر مكانتهم في القتال، فالقسمة كانت أ
стр. 1763
حكم التمثيل بالقتلى
قال الشارح ﵀: [قوله: (عن بريدة هو ابن الحصيب الأسلمي، وهذا الحديث من رواية ابنه سليمان عنه.
قاله في المفهم.
قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى) فيه من الفقه تأمير الأمراء ووصيتهم.
قال الحربي: السرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، والجيش ما كان أكثر من ذلك.
وتقوى الله: التحرز بطاعته من عقوبته.
قلت: وذلك بالعمل بما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه.
قوله: (ومن معه من المسلمين خيراً) أي: ووصاه بمن معه أن يفعل معهم خيراً: من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وخفض الجناح لهم، وترك التعاظم عليهم.
وقوله: (اغزوا باسم الله) أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين له.
قلت: فتكون الباء في (باسم الله) هنا للاستعانة والتوكل على الله.
وقوله: (قاتلوا من كفر بالله) هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر، المحاربين وغيرهم، وقد خصص منهم من له عهد والرهبان والنسوان، ومن لم يبلغ الحلم، وقد قال متصلاً به: (ولا تقتلوا وليداً) وإنما نهى عن قتل الرهبان والنسوان؛ لأنه لا يكون منهم قتال غالباً، وإن كان منهم قتال أو تدبير قُتلوا.
قلت: وكذلك الذراري والأولاد.
قوله: (لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا) الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها.
والغدر: نقض العهد، والتمثيل هنا: التشويه بالقتيل، كقطع أنفه وأذنه والعبث به، ولا خلاف في تحريم الغلول والغدر، وفي كراهية المثلة.
وقوله: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال أو خصال) الرواية بالشك، وهو من بعض الرواة، ومعنى الخلال والخصال واحد].
الصواب: أن المثلة محرمة؛ لأن النصوص صريحة في ذلك، ولا يصرف معنى التحريم إلى الكراهة شيء، إلا أن بعض العلماء رخص في المثلة بقتلاهم إذا مثلوا بقتلانا، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن الحديث يقول: (ولا تخن من خانك) ومن عصى الله فيك فلا تعص الله فيه، والمسلم يجب أن يلتزم بحكم الله، ولا يتعداه لكون الكفار تعدوا حكم الله.
فالصواب: أن التمثيل محرم للنصوص الناهية عنه، وفي هذا النص لم يفرق بين التمثيل والغلول والغدر، بل جعله معها.
стр. 1764
أوجه الإعراب في (أيتهن)
قال الشارح ﵀: [قوله: (فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) قيدناه عمن يوثق بعلمه وتقييده بنصب (أيتهن) على أن يعمل فيها أجابوك لا على إسقاط حرف الجر، و (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: جئتك إلى كذا وفي كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف جر.
قلت: فيكون في ناصب (أيتهن) وجهان -ذكرهما الشارح-: الأول: منصوب على الاشتغال.
والثاني: على نزع الخافض].
المقصود بالشارح: شارح صحيح مسلم، والوجهان الأول: أنه يكون منصوباً بالفعل، والفاعل في أيتهن أجابوا، والثاني: أن يكون على تقدير حرف الجر، أي: فإلى أيتهن ما أجابوك فاقبل، فإذا حذف حرف الجر نصب المجرور ويقال فيه: إنه نصب على نزع الخافض.
стр. 1765
حكم الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام
قال الشارح ﵀: [قوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام) كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم (ثم ادعهم) بزيادة (ثم) والصواب: إسقاطها كما روي في غير كتاب مسلم كمصنف أبي داود، وكتاب الأموال لـ أبي عبيد؛ لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال.
وقوله: (ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين) يعني: المدينة، وكان في أول الأمر وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرها].
الهجرة هي: الانتقال من بلد الشرك والكفر إلى بلد الإسلام، وهي باقية حتى تطلع الشمس من مغربها، أي: إلى قيام الساعة، وأما قول الرسول ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) فالمقصود بالفتح: فتح مكة، أي: أنه لا هجرة من مكة بعد الفتح؛ لأن مكة أصبحت دار إسلام، وإلا فالهجرة من بلاد الكفار باقية.
والهجرة قد تجب على الإنسان وجوباً عينياً لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧] وهؤلاء إذا كانوا لا يستطيعون أن يمارسوا شعائر دينهم، ولا يستطيعون أن يظهروا دينهم، كأن يكونوا في بلد لا يستطيعون أن يصلوا ويصوموا جهاراً، ولا يستطيعون أن يظهروا عبادة الله جهاراً، فإنه يجب عليهم في هذه الحالة أن يهاجروا إلى البلد الذي يستطيعون إظهار دينهم فيه، ولا يلزم أن تكون الهجرة إلى بلد معين، لا المدينة ولا غيرها، بل أي بلد يستطيعون إظهار دينهم فيه فيجب عليهم الهجرة إليه.
أما إذا كانوا مستطيعين إظهار الدين ولا أحد يمنعهم من ممارسة شعائر دينهم، ولا أحد يمنعهم من أن يظهروا توحيد الله وعبادته فإنه لا يجب عليهم أن يهاجروا في هذه الحالة، بل يبقون في البلد الذي يستطيعون فيه أداء شعائر دينهم ظاهراً.
стр. 1766
سبب انقطاع الهجرة في هذا الزمن
قال الشارح ﵀: [قوله: (فإن أبوا أن يتحولوا) يعني: أن من أسلم ولم يهاجر ولم يجاهد لا يُعطى من الخمس ولا من الفيء شيئاً، وقد أخذ الشافعي ﵀ بالحديث في الأعراب، فلم يرَ لهم من الفيء شيئاً، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم فترد على فقرائهم].
هذا من الأحكام التي تركت، ولم يعد يُعمل بها؛ لأن المسلمين تركوا الجهاد في سبيل الله، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه أخبر أنه يوشك أن تتداعى علينا الأمم من أقطار الأرض فقالوا: يا رسول الله! أمن قلة نحن؟ قال: (لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) وغثاء السيل لا خير فيه، فالسيل إذا جاء يأخذ معه الشيء الذي لا خير فيه ويرميه على الجانب، هذا هو الذي يسمى غثاء السيل (ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله من قلوب أعدائكم المهابة) يعني: لم يعودوا يهابونكم ولا يرهبونكم، (ويقذف في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، ويقول في حديث آخر: (إذا اتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه من قلوبكم حتى تراجعوا دينكم) هذا هو الذل الذي يُقذف في القلب بسبب حب الدنيا وكراهة الموت، فإذا كان الإنسان يحب الدنيا ويكره الموت فلا يمكن أن يجاهد؛ لأنه يخشى أن يقتل فيترك الدنيا التي يحبها، فالموت مكروه عنده، ويصبح نظير الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء أخبر الله جل وعلا عن حالهم السيئة إذا تركوا الجهاد، بل أصبح الناس الآن إخواناً لا فرق بين ملحد ومؤمن وكافر وتقي إلا عند من شاء الله، ولهذا السبب صار هناك من الناس من دعاه هذا الأمر إلى التطرف وإلى رد الفعل فجاء بمنكر آخر لا يسوغه الإسلام، وهو أنه أصبح يكفر الناس بالعموم، ويقول: كل من مالأ الذين يحكمون بالقوانين ويتركون الشرع أو رضي بهذا الوضع فهو كافر، وهذا منكر من القول وزور، والذي يدعو إليه هو الجهل.
نسأل الله العافية.
المقصود: أنه لابد أن يقوم لدين الله من يقوم بإذن الله جل وعلا، ولكن هناك فترات -كما هو معروف- يحصل من الناس فيها جفاء للدين وفترات يحصل منهم إقبال على الدين، وإن من الجفاء أن يجفو الناس بأسرهم، ومن الإقبال أن يتفقهوا في دين الله ويرغبوا فيه بأسره، لكن أخبرنا الرسول ﷺ أن القتال سيبقى في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وأنه سيكون في هذه الأمة من يقاتل الدجال، والدجال من المفسدين الذين يظهرون في آخر الزمان، وأول ما يظهر يدعو إلى الإصلاح ويزعم أنه مصلح وأنه جاء بالعدل، فيتبعه أكثر الناس، ولكن بعد ذلك يزعم أنه نبي، ثم بعد ذلك يزعم أنه الله رب العباد، فيُبتلى الناس به، فتكون فتن عظيمة، حتى إنه يأتيه الرجل فيقول له الدجال: إذا أحييت أباك وأمك وجئت بهما أمامك تؤمن بأني ربك، فيتمثل شيطانان أحدهما بصورة أمه والآخر بصورة أبيه، فيقولان: يا بني! أطعه فإنه ربك، ويقول للسماء: أمطري فتمطر، ويقول للأرض: أنبتي فتنبت، ويأتي القوم فيدعوهم إلى طاعته فإذا أطاعوه أُغدقت عليهم الدنيا، وكثرت أموالهم، ودرت عليهم الخيرات، ويأتي الآخرين ويردون دعوته.
فيفتقرون، والناس عند الافتتان بهذه الأمور قليل من يصبر، وقليل من يثبت، هذا في آخر الزمان؛ ونحن الآن لا شك أننا في آخر الزمان، ولكن لم تأت الآيات الكبيرة التي تكون الساعة قريبة منها؛ فإن من علامات الساعة ما هو كبير ومنها ما هو متوسط ومنها ما هو صغير، كبعثة النبي ﷺ وموته، وقد قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] والرسول ﷺ يقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى) والفرق بينهما يسير.
ومن أسمائه ﷺ نبي الساعة؛ لأنه ليس بعده نبي، وعلى أمته تقوم الساعة، والجهاد يبقى إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة آخر اليهود، حتى إن الحجارة تتكلم والشجر يتكلم.
стр. 1767
بيان الأصناف الباقية من مستحقي الزكاة
قال الشارح ﵀: [كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة عنده، ومصرف كل مال في أهله، وسوى مالك ﵀ وأبو حنيفة ﵀ بين المالين، وجوَّزا صرفهما للضعيف].
وهذه أحكام قد تركت، وأصبح لا يلتفت إليها، يعني: الصدقات أصبحت موكلة للإنسان نفسه غالباً، فإن كان مؤمناً وتقياً يخاف الله أخرجها وإلا فوزرها عليه، وبعضهم يكتب في الأوراق الرسمية أن ماله كذا، ويكتب جزءاً بسيطاً من ماله، والباقي يخفيه خوفاً من أن تؤخذ منه زكاة، وهذا من التحايل الذي لا يجوز.
والمقصود: أنه إذا لم يكن عنده إيمان فقد لا يخرجها، ثم الصدقة الآن غالباً ما تُدفع إلى نوع واحد من الأنواع الثمانية فقط وهم الفقراء، أما البقية كعتق الرقاب فأصبح لا وجود له، وكذلك الجهاد في سبيل الله كثير من الناس يرغب عنه، وإن كان الجهاد أمره واسع، فالدعوة إلى الله من الجهاد في سبيل الله، وكون الإنسان يخرج الزكاة فيها فقد أخرجها في مصرف حق.
وكذلك الغزاة؛ لأن الغزاة لا يوجد منهم الآن إلا من يغزو متبرعاً، إلا من شاء الله في بعض الجهات، وهذا نادر، وإن حصل فهو من أشخاص وأفراد وليس من أمم ودول.
وكذلك ابن السبيل لا يُعطى نصبيه، وابن السبيل هو: المسافر الذي انقطع.
وكذلك المؤلفة قلوبهم لا وجود لهم الآن، فلا يُعطون شيئاً؛ لأن الكفر هو الذي أصبح يرفع عنقه الآن، وهو الذي يريد أن يسيطر على الدنيا كلها، وكذلك بقية الأقسام التي ذكرها الله جل وعلا، فالغنيمة لا وجود لها، حتى يقال: إنها لا تعطى إلا الغارمين، فالجهاد ليس بموجود، ومن ناحية المفهوم هل الغنيمة غير الصدقة؟ لا شك أنها غيرها؛ لأن الله جل وعلا جعل لأهل الجهاد نصيباً في الصدقة، والصدقة المقصود بها الزكاة، فإذا كان لهم نصيب في الزكاة فللفقراء نصيب من خمس الغنيمة؛ لأن الله أخبر أن الخمس لله ولرسوله، وللفقراء والمساكين وابن السبيل وهؤلاء الفقراء والمساكين وابن السبيل هم من أهل الزكاة.
فإذاً: لا فرق بين هذا وهذا.
وعلى كل حال إذا جاءت الحاجة لمثل هذا فالأحكام واضحة بإذن الله تعالى، ولكن ما دام أن الأحكام أصبحت لا تطبق فلا فائدة فيها.
стр. 1768
من تؤخذ منهم الجزية من غير المسلمين
قال الشارح ﵀ [قوله: (فإن هم أبوا فاسألهم الجزية) فيه حجة لـ مالك وأصحابه والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر، عربياً كان أو غيره، كتابياً كان أو غيره، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنها تؤخذ من الجميع إلا من مشركي العرب ومجوسهم، وقال الشافعي لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، وهو قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وتؤخذ من المجوس].
وهذا الحكم من أحكام الشرع التي لا يُعمل بها الآن، ولن يُعمل به حتى يكون للإسلام السيطرة والقوة، أما ما دام أهل الإسلام تاركين الجهاد في سبيل الله فكيف الطريق إلى الجزية؟! بل ربما أخذت الجزية الآن -أو شبه الجزية- من المسلمين، فقد أصبح أعداؤهم يسلبونهم ما بأيديهم كما هو موجود في كثير من الأقطار، ويفرضون عليهم أشياء يسمونها ضريبة، وهذه الضرائب أشبه بالجزية، فإذا صار المسلمون أقوياء وصاروا مسيطرين على الكفار فإن كفار أهل الكتاب أو غيرهم يخيرون بين أمور ثلاثة: فيقال لهم: إما أن تدخلوا في الإسلام، ويكون لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، ولا فرق بينكم وبين المسلمين؛ لأن الأرض كلها لله يورثها أهل الإسلام.
فإن لم يقبلوا هذا قيل لهم: إذن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، ذليلون حقيرون، ولهذا ينبغي أن يُذلوا ويهانوا عند أخذها، حتى يدعوهم ذلك إلى الدخول في الإسلام، فإن امتثلوا هذا أخذت منهم الجزية وتركوا، وصار على المسلمين حمايتهم من الظلم وممن أرادهم بقتل أو غيره، وهذا بدل الجزية التي يدفعونها، وهذه الحماية تكون لهم إذا كانوا في بلاد المسلمين، وهؤلاء هم أهل الذمة الذين يعطون العهد بأن يتركوا على دينهم بشرط ألا يظهروا دينهم، ولا يدعوا إليه؛ لأنهم إذا أظهروه بين المسلمين فقد يغتر بهم من يغتر من جهال المسلمين، وإنما يمارسونه في صوامعهم وفي أماكن عباداتهم كما هو معروف.
فإن أبوا قبول هذا قيل لهم: بقيت خصلة ثالثة وهي القتال، ولابد من قتالكم، ويد الله مع من يشاء، ومن أراد الله نصره يُنصر.
فكل من يقاتل في سبيل الله إذا أتى الكفار يخيرهم بين هذه الأمور الثلاثة: يدعوهم أولاً إلى الإسلام فإن أجابوا فهذا المطلوب، وإذا جابوه وجب أن يتركهم في بلادهم وأموالهم، ولا يتعرض لهم بشيء، فإن لم يجيبوه طلب منهم الجزية.
وحد الجزية اختلفوا فيه: فالمشهور في مذهب الإمام مالك أنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الفضة، والمشهور من مذهب الشافعي أنه لا فرق بين الفقير والغني فيؤخذ من كل واحد دينار، في السنة، وهذا أمر سهل وبسيط، والمشهور في مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد أن على الأغنياء أربعين ديناراً وعلى الفقراء عشرة، وعلى المتوسطين عشرين، وهناك رواية أخرى في تحديدها، وعلى كل حال فهذه تقديرات اجتهادية.
والمقصود: أن يفرض عليهم شيء يؤخذ منهم، كما فرضه الرسول ﷺ على مجوس أهل البحرين، فإنه كان يأخذ منهم الجزية سنوياً.
وهذا من الأحكام المتروكة المنسية التي لا يعمل بها، وإذا احتيج إليها فهي سهلة.
قال الشارح ﵀: [قلت: لأن النبي ﷺ أخذها منهم، وقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)].
وقد اختلفوا فيمن تؤخذ منهم الجزية، وهل تؤخذ من كل كافر؟ والصواب: أنها تؤخذ من الكفار عموماً، وهو مذهب الإمام مالك ﵀، أما عند الإمام أبي حنيفة فيخرج بذلك الكفار العرب وقال: لا تؤخذ منهم؛ لأن الرسول ﷺ ما أخذها منهم، يعني: أنهم إما أن يقتلوا أو يسلموا، وليس هناك مجال آخر، ويقول الإمام أبو حنيفة: إذا كانوا من أهل الكتاب فتؤخذ منهم الجزية، يعني: اليهود العرب أو المجوس العرب، ويلحقون بأهل الكتاب؛ لأن النبي ﷺ أخذ الجزية منهم، والصحابة كذلك سنوا بهم هذه السنة.
стр. 1769
مقدار الجزية
قال الشارح ﵀: [وقد اختلفوا في القدر المفروض من الجزية: فقال مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق، وهل ينقص منها الضعيف أو لا؟ قولان: قال الشافعي: فيه دينار على الغني والفقير، وقال أبو حنيفة ﵀ والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهماً والوسط أربعة وعشرون درهماً، والفقير اثنا عشر درهماً، وهو قول أحمد بن حنبل ﵀.
قال يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي ﵀: وقاتل يهوداً والنصارى وعصبة الـ مجوس فإن هم سلموا الجزية أصدد على الأدون اثني عشر درهماً افرضن وأربعة من بعد عشرين زيد لأوسطهم حالاً ومن كان موسراً ثمانية مع أربعين لتنقد وتسقط عن صبيانهم ونسائهم وشيخ لهم فانٍ وأعمى ومقعد وذي الفقر والمجنون أو عبد مسلم ومن وجبت منهم عليه فيهتدي].
يعني: أن الجزية لا تؤخذ من الفقراء ولا من الشيوخ الكبار الفانين، ولا من النساء ولا من الصبيان، ولا من الأعمى ولا من الأعرج، ولا ممن أسلم.
стр. 1770
لا يجزم الحاكم في المسائل الاجتهادية بأنه حكم فيها بحكم الله
قال الشارح ﵀: [قوله: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه) الذمة: العهد، وتخفر: تنقض يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد كجملة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعدٍ معتدٍ كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى.
والله أعلم.
قوله: وقول نافع وقد سئل عن الدعوة قبل القتال، ذكر فيه أن مذهب مالك يجمع بين الأحاديث في الدعوة قبل القتال، قال: وهو أن مالكاً قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا، ولا تلتمس غرتهم.
إلا أن لم يكونوا قد بلغتهم الدعوة فيجوز أن تلتمس غرتهم، وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح؛ لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سبباً مميلاً لهم إلى الانقياد إلى الحق، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم يقاتلون للملك وللدنيا فيزدادون عتواً وبغضاً.
والله أعلم].
قوله ﷺ : (إذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله أو حكم رسوله، فلا تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم) هذا فيه دليل على أن الله له في كل قضية حكم، ولكن هذا الحكم المعين قد لا يصيبه المجتهد، وإذا أخطأ وهو أهل للاجتهاد فخطؤه مغفور، وهو مأجور على اجتهاده، ولكن لا يقل: إن هذا حكم الله، بل يقول: هذا اجتهادي، فإن أصبت فهو بمنة الله وفضله، وإن أخطأت فالخطأ عليّ أنا، ولا ينسبه إلى الإسلام، فالإسلام منه بريء إذا كان خطأً.
وفيه دليل على جواز الاجتهاد، وأنه يجوز حتى في زمن النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أمر الصحابة أن يجتهدوا في إنزالهم القوم على حكمهم، فإن أصابوا فهو بفضل من الله، وإن أخطئوا فالخطأ يكون مغفوراً لهم، وهذا لمن كان أهلاً للاجتهاد، وأما الجاهل فهو ليس أهلاً للاجتهاد، فلا يجوز له أن يفعل ذلك، فالجهلة الذين ليسوا أهلاً للاجتهاد حكمهم باطل على كل حال، سواء أصابوا الحق أو أخطئوه، كما قال الرسول ﷺ : (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وواحد في الجنة، أما اللذان في النار: فأحدهما عرف الحق وقضى بخلافه، فهو في النار، والثاني لم يعرف الحق فقضى بجهل، فهو في النار) وهذا معناه: وإن أصاب الحق فإنه يكون من أهل النار؛ لأنه ليس أهلاً للقضاء، ولأنه نصب نفسه لشيء لا يحسنه، وليس هو من أهله.
وكذلك الاجتهاد في المسائل.
والقضاء أمر عام، حتى وإن كان بين اثنين في قضية خاصة، فيعتبر من يقضي فيها قاضياً ما دام أنهما رضيا به أن يكون قاضياً، فيجب أن يقضي بالحق إذا كان يعرفه، وإن كان لا يعرفه فيجب ألا يقدم على ذلك.
ثم إن في هذا أنه ليس كل مجتهد يصيب، بل كثير من المجتهدين يخطئون، فإذا اجتهد في المسألة عدد من الناس، فقال فيها أحدهم بقول، وقال الآخر بخلاف قوله كما يحصل كثيراً من طلبة العلم، فإن المصيب يكون واحداً، أما الذي يخالفه فهو مخطئ، وهذا في كل قضية تحدث، وذلك أن كتاب الله وأقوال رسوله ﷺ جاءت بقضايا عامة كلية جامعة، وأما أفعال المكلفين فهي لا حصر لها.
فمثلاً: إذا صلى إنسان صلاة معينة فإنه لا يمكن أن يستدل على قبول صلاته من الكتاب والسنة؛ لأن هذا الفعل يتوارد إليه أسباب ويتوارد عليه موانع من القبول، فلا ندري ما حكمها عند الله، وإنما على الإنسان أن يجتهد في الظاهر، وكذلك إذا فعل فعلاً من أمور الدنيا وطلب الحكم فيه، فيجتهد في إصابة الحق فيه، فإن أصاب الإنسان ذلك فهذا المطلوب، وإن لم يصبه فحكم الله غيره، وقد ذكر الله جل وعلا عن نبيين كريمين أن أحدهما حكم في قضية معينة فأخطأ، وحكم الآخر فيها فأصاب، فأثنى الله جل وعلا عليهما جميعاً، ولكن أثنى على الذي أصاب أكثر، وهي القضية التي حدثت لداود وسليمان في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، فحكم فيها داود ﵇ بأن يأخذ أصحاب الحرث الغنم، بدل حرثهم الذي أكلته، أما سليمان فلم يرض بهذا، وقال: أرى أن أصحاب الحرث يأخذون الغنم يستغلونها حتى يقوم الذين أكلت غنمهم هذا الحرث عليه بالسقي والتعاهد فيعود مثلما كان، فإذا عاد مثلما كان أخذوا غنمهم واستلم هؤلاء حرثهم، فأثنى الله عليه بهذا الحكم؛ لأن هذا هو الحق وقد أصابه؛ ومع ذلك قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] أي: لداود وسليمان.
فدل على أن الاجتهاد لا يكفي في الإصابة، وكون المجتهد يجتهد لا يكفي في كونه يصيب، وإنما الإصابة يجب أن تكون موافقة لما حكم الله جل وعلا به في هذه القضية بعينها، ولله في كل قضية حكم معين، وهذا الذي يفتي أو يذكر حكم المسألة لا يجوز له أن يجزم جزماً معيناً وهو غير متيقن من الدليل، وإنما يقول: الذي أرى أن حكمها كذا وكذا، والعلم عند الله تعالى.
стр. 1771
مسائل في باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه
стр. 1772
إخفار ذمة المسلمين أهون من إخفار ذمة الله ورسوله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين].
يعني: أن ذمة الله وذمة نبيه سواء، ونقضهما عظيم جداً، بخلاف ذمة المسلمين فإن نقضها وإن كان محرم ولكنه أسهل من نقض ذمة الله وذمة رسوله.
стр. 1773
على المسلم أن يفعل أخف الضررين في أي أمر
[الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطراً].
هذا عام في كل أمر من الأمور، وفي كل مسألة من المسائل، فإذا عرض لك أمران أخذت بأخفهما، فإن كان من الممنوعات فعليك أن تختار أخفها ضرراً، وإن كان من المأمورات تختار أيسرهما وأسهلما، وهذا يتطلب نظراً وبصيرة من الإنسان للأمور، والله جل وعلا يحب البصير عند توارد الشبه، كما أنه يحب الصابرين عند توارد الشهوات.
стр. 1774
الاستعانة بالله واجبة في كل الأمور
[الثالثة: قوله: (اغزوا باسم الله في سبيل الله)].
معنى الاستعانة بالله جل وعلا: أن المسلم لا يستعين إلا بربه جل وعلا، فيتعلق بربه ويعتمد عليه، ويذكره بأسمائه وصفاته.
стр. 1775
قتال الكفار واجب
[الرابعة: قوله: (قاتلوا من كفر بالله)].
يعني: أن هذا عموم يشمل جميع الكفار، سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو مشركين أو ملاحدة أو غيرهم، ويشمل الذين يقاتلون المسلمين ويريدون صدهم عن دينهم والاستيلاء على بلادهم أو الذين لا يقاتلون؛ لأنه قال: (قاتلوا من كفر بالله) وهذا هو الواجب على المسلمين؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] وكثير من المفسرين وغيرهم يقولون: إن هذه الآية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ هي آية السيف التي أمرت المسلمين بسله وشهره على جميع الكفار، فهي ناسخة لكل آية فيها الأمر بالتحمل والصبر والدفع بالتي هي أحسن، ولكن هذا -في الحقيقة- ليس صحيحاً؛ إذ إن المسلمين على حالة واحدة دائماً، وأحياناً قد يضعفون ولا تكون عندهم قوة ولا استطاعة للدفاع فيصبح التحمل والدفع بالتي أحسن والصبر واجباً عليهم حتى يتمكنوا كما وقع للنبي ﷺ لما كان في مكة، فإن الله أمره بالتحمل والصبر ودفع الأذى بالتي هي أحسن، وليس بالحسنى فقط، إنما بما هو أحسن، أمره أن يصبر ويتحمل هو وأصحابه، حتى صار له قوة وجنود، وصار له دولة عند ذلك أمره الله جل وعلا بقتال الكفار عموماً.
وهكذا تكون حالة المسلمين إذا ضعفوا، فيجب عليهم أن يتحملوا ويصبروا حتى يكون لهم قوة تمنعهم وتمنع بلادهم وأولادهم وذراريهم ومن تحت أيديهم من المسلمين، ولو: أقدموا على القتال وليس عندهم قوة لصار هذا فساده أعظم من المنافع التي ترجى منه؛ لأنه قد يتسلط عليهم العدو ويقتلهم، ويقضي عليهم نهائياً.
فالواجب النظر في سيرة النبي ﷺ واتباع ما أمره الله جل وعلا به.
стр. 1776
الاعتماد على الله واجب في كل أمر
[الخامسة: قوله: (استعن بالله وقاتلهم)] هذا أيضاً فيه أن المسلم يجب أن يعتمد على الله جل وعلا في جميع شئونه، وأن القتال يكون بالاعتماد على الله وبعونه، لا بالاعتماد على الكفار الذين يقال: إنهم أصدقاء أو غيرهم، بل الاعتماد يكون على الله جل وعلا، ولكن هذا لابد له أيضاً من الاستعداد؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فإذا ترك المسلم الاستعداد فمعنى ذلك أنه عاص، وأنه مفرط لم يتمثل الأمر، والله جل وعلا جعل لكل شيء سبباً، فلابد من فعل الأسباب، ثم بعد فعل الأسباب يعتمد على ربه جل وعلا ويستعين به في حصول مراده، هذا هو شأن المؤمنين، وهذا هو الذي أمر الله جل وعلا به.
стр. 1777
حكم الله واحد في كل قضية
[السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء].
لأن الله له حكم في كل قضية معينة، وسوف يحكم الله بين خلقه يوم القيامة في كل دقيقة وجليلة، وكل قضية حصلت سوف تعاد يوم القيامة ويحكم الله جل وعلا فيها بالحق، وهو خير الحاكمين جل وتقدس.
أما حكم العلماء وحكم المجتهدين فيجوز عليه الخطأ، بل كثيراً ما يكون خطأً، ويجب أن يضاف إليهم ذلك لا إلى الله جل وعلا.
стр. 1778
الاجتهاد جائز لمن كان أهلاً له
[السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا].
يعني: أن الاجتهاد جائز، حتى لو قدر أن الإنسان يمكنه الرجوع إلى من يعلم القضية يقيناً فإنه يجتهد إذا وكل في هذا؛ لأن مسائل المسلمين لا يجوز أن تعطل حتى يطلب الحكم يقيناً، ويبحث عنه بأي مكان كان، بل يجب ألا تتعطل أعمال المسلمين، فيحكم فيها الحاكم ويجتهد غاية ما يمكنه، ثم الأمر إلى الله، وإذا كان نيته ومراده الحق وقد بذل وسعه فإنه مأجور وخطؤه مغفور.
стр. 1779
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٢]
الجنة والنار ملك لله جل وعلا يدخل فيهما من يشاء، فلا يجوز للعبد التألي على الله جل وعلا، والحكم بأن هذا من أهل النار، أو أن هذا من أهل الجنة، إلا من ورد فيه نص من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، فلينتبه الإنسان من لسانه، فرب كلمة توبق دنياه وآخرته.
стр. 1780
حكم الإقسام على الله
قال رحمه الله تعالى: [قال المصنف ﵀: باب ما جاء في الإقسام على الله].
هذا أيضاً من جنس ما سبق، وهو مما يتعلق بالربوبية وبجناب الرب جل وعلا، وذلك أن الرب جل وعلا هو المالك لكل شيء، وليس لأحد معه تصرف ولا سلطة، فلا يجوز لمخلوق أن يقسم على الله ويقول: والله يا رب! إنك ستفعل كذا.
أو يقول لآخر: والله إن الله سيفعل بك كذا وكذا.
أو: إن الله سيعاقبك بكذا وكذا.
أو: إن الله لا يغفر لك.
أو: إن الله سيدخلك الجنة.
أو: سيدخلك النار أو ما أشبه ذلك، فهذا كله لا يجوز؛ لأن هذا في الحقيقة تدخل في شئون الرب جل وعلا، ولا يجوز للعبد أن يتدخل في شئون ربه، بل يجب أن يعرف قدره، وأن يعرف أنه عبد يتصرف الله جل وعلا فيه كيف يشاء، فعليه أن يعرف ذلك ويقف عند حده.
أما إن ذهب يتألى على الله ويحلف عليه ويقسم عليه فإنه في الحقيقة قد تعدى طوره وركب رأسه، فيوشك أن يأخذه الله جل وعلا ويعاقبه، هذا هو المقصود في هذا الباب.
ثم لا يرد على هذا أنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، وذكر منهم: البراء بن مالك، ولما وقع من الربيّع ما وقع عند أن كانت جارية صغيرة تلعب في الشارع وقع منها اعتداء فكسرت ثنية جارية أخرى، فجاء أهل الجارية المجني عليها إلى النبي ﷺ يشتكون فقال: (إن لم تعفوا فتكسر ثنية الربيع فقال أخوها: أتكسر ثنية الربيع؟ قال: نعم.
كتاب الله القصاص.
فقال: والله لا تكسر ثنية الربيع)، فرضي القوم بالصلح وقالوا: لا نريد القصاص.
عند ذلك قال النبي ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) فـ أنس بن النضر لم يقل: والله إني أقسم عليك أن لا تكسر ثنية أختي.
فإن مثل هذا قد يقوله الإنسان المخاصم أو الذي يجادل أخاه، فقد يقول: والله لا يصير هذا.
وهو يريد أن يفعل الأمور والأسباب التي يتخلص بها من هذا الشيء، ولا يريد التألي على الله.
وكذلك ورد أن الصحابة إذا كانوا في قتال يقولون للبراء بن مالك ﵁: أقسم على ربك أن ينصرنا، فكان يقول: (يا رب! أقسم عليك أن تمنحنا أكتافهم) فينصرون، وفي آخر مرة طلبوا منه ذلك وألحوا عليه فقال: (يا رب! أقسم عليك أن تمنحنا أكتافهم وتجعلني أول قتيل من المسلمين) فنصروا وانهزم العدو، وصار هو أول قتيل قتل، فهذا ليس معناه أنه يتعدى على الله ويدل عليه، وإنما كان يثق بربه ويسأله سؤالاً جازماً، وصورته صورة الإقسام فقط، أما أن يقسم قسماً يريد من الله أن يفعل هذا الشيء للتأكيد فهذا لا يجوز بحال من الأحوال؛ لأن الله جل وعلا هو الذي يتصرف بخلقه, وكل خلقه ملك له.
ومن المسلّم به عند كل مسلم أن رسول الله ﷺ هو أفضل الخلق، وأعلم الناس بالله وأتقاهم وأخشاهم، وهو كذلك أقربهم وأحبهم إلى الله جل وعلا، ومع ذلك لما صارت وقعت بدر كان يجتهد بالدعاء والابتهال، وكان الصحابة كلهم قد ناموا في الليل إلا هو صلوات الله وسلامه عليه فإنه بات قائماً يتهجد ويصلي ويدعو، حتى كان في آخر الليل فصار يلح إلحاحاً بليغاً ويرفع يديه ويقول: (يا رب! وعدك الذي وعدتني يا رب! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض) حتى رحمه أبو بكر ﵁، وقد سقط رداؤه من على كتفيه لشدة إلحاحه ورفعه يديه، فأخذ أبو بكر رداءه ووضعه على كتفيه والتزمه وقال: (يكيفك مناشدتك ربك)، فالرسول ﷺ جاز عنده أن الله جل وعلا يسلط الكفار على المسلمين؛ لأنهم كلهم ملكه وعبيده، وقوله ﷺ : (لا تعبد بعد اليوم) أي أن الإسلام سيمحى كله، فلا يجوز لإنسان أن يدل على الله إدلال الواثق الذي يقسم بأنه يصير كذا وكذا، بل يجب أن يكون خاضعاً لله ذالاً له؛ لأن كل شيء ملك لله، ولهذا السبب لما ذكر الله جل وعلا الجنة وأهلها قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، ولماذا جاء هذا الاستثناء ((إلا ما شاء ربك))؟ لئلا يطمعوا أن يكونوا مشاركين لله في البقاء والخلود دائماً أبداً، بل الأمر كله بمشيئة الله، لو شاء لأزال ذلك، فالأمر بيد الله جل وعلا.
وكذلك إذا كان الإنسان يقرر مسألة من مسائل الشرع ثم رأى غيره مخالفاً له فصار يتهدده ويتوعده ويقول: لك النار، وسوف يأتيك كذا وكذا.
أو يحلف له بأنه يحصل له كذا وكذا فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا تألٍ على الله، فكلاهما من عباد الله، والله هو الذي يحكم بينهما، وإنما على الإنسان أن يسلك أمر الله الذي أمره ولا يتعداه.
أما الحكم في العباد ومآلهم وعذابهم أو إثابتهم فهو إلى الله جل وعلا.
стр. 1781
شرح حديث: (قال رجل: والله! لا يغفر الله لفلان)
[قال المصنف ﵀: عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان.
فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك) رواه مسلم].
قوله: (يتألى) أي: يحلف.
والأليّة -بالتشديد- الحلف.
وصح من حديث أبي هريرة.
قال البغوي في شرح السنة -وساق بالسند إلى عكرمة بن عمار - قال: دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ فقال: يا يمامي! تعال وما أعرفه، قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة.
قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه.
قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة والآخر -كأنه يقول- مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه.
قال: فيقول: خلني وربي.
قال: فوجده يوماً على ذنب استعظمه فقال: أقصر.
فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة أبداً.
قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي.
وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ قال: لا يا رب.
قال: اذهبوا به إلى النار) قال أبو هريرة: (والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)، ورواه أبو داود في سننه، وهذا لفظه: عن أبي هريرة ﵁ يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر.
فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر.
فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ قال: والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة، فقبضت أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما في يدي قادراً؟ فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار)].
стр. 1782
الكلمة قد توبق على الإنسان دنياه وآخرته
[قال المصنف ﵀: وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: (تكلم كلمة أوبقت ديناه وآخرته)].
يشير إلى قوله في هذا الحديث: (أحدهما مجتهد في العبادة)، وفي هذه الأحاديث بيان خطر اللسان، وذلك يفيد التحرز من الكلام، كما في حديث معاذ (قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك -يا معاذ -! وهل يكب الناس في النار على وجوهم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!) والله أعلم].
في هذا الحديث عبرة، وكونهما متآخيين يعني أنهما ليسا أخوين من النسب، وإنما هما متآخيان على شيء معين، وأحدهما مجتهد في الطاعة والآخر عنده تقصير، وكلاهما مؤمن بالله متبع لشرعه، ولكن كان أحدهما مقصراً يفعل المعاصي ويترك بعض الواجبات، فكان المجتهد يحض أخاه شفقة عليه وغيرة على دين الله، ويغضب لله لا لنفسه، وكان يشفق على أخيه أن يصاب بالعذاب، فكان يلومه كثيراً كلما رآه على ذنب، إما أمر يقصر فيه أو لا يقوم بالأمور الواجبة كما ينبغي، أو ذنب يرتكبه، فكان ينهاه ويزجره ويقول له: (اقصر) يعني: اترك هذه الأعمال وأقلع عنها وخف ربك وهذا المقصر يقول: دعني وربي، ربي هو الذي يحاسبني، وأنت لا تحاسبي ولست عليّ رقيباً، ولكن لشدة اجتهاده وخوفه من أن يناله العذاب كان يلومه، وفي هذه المرة لما رآه على ذنب استعظمه قال هذه المقولة، وهي مقوله ما قالها إلا لأنه غضب، وغضبه لأن محارم الله انتهكت فقط، ولكنه أساء -في الحقيقة- وتعدى طوره، فقال له: (والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة)، وهذا تألٍ على الله، والتألي: هو التعدي في الحلف.
فقبضهما الله جل وعلا وأحضرهما بين يديه، فسأل هذا الحالف المتألي: أكنت قادراً على ما في يدي؟ أكنت تمنع ما أريد وترد مشيئتي وأمري؟ قال: لا يا رب فقال للملائكة: اذهبوا به إلى النار.
فهذا مجتهد وغضب من المعاصي ومع ذلك ذهب دينه بكلمة قالها، كما قال أبو هريرة: (تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) يعني: أهلكته، وهذا دليل على الخطر الشديد، فالإنسان يجب أن يكون مراقباً دائماً لربه، مراقباً لنفسه أيضاً، ناهجاً الطريق الذي أُمر بسلوكه، ودائماً يستحضر أنه عبد لله يتصرف فيه كيف يشاء، ويستحضر دائماً فقره وفاقته، ويعلم أنه فقير إلى الله لا ينفك عن الفقر لحظة واحدة، وإن وكله الله جل وعلا إلى نفسه هلك، فيتعلق برحمة الله ويرجوه دائماً وأبداً، ولابد من سلوك الشرع في هذا، وإلا هلك، أما هذا المقصر المذنب فغُفر له بسبب هو من أكره الأسباب إليه، وهو كون أخاه قابله بكلام مكروه إليه جداً، فلو جاءك إنسان وقال: أنت من أهل النار ماذا يكون موقفك من هذا القائل؟! سيكون موقفاً صعباً، لكن قد يكره الإنسان شيئاً ويكون خيراً له، وقد يكون شيء مكروه لديه جداً فيكون خيراً له مثل ما وقع لهذا.
ثم إن في هذا دليلاً على أن الإنسان قد يترك دينه لمجرد كلمة، مثل ما ذكر في حديث معاذ، وحديثه عظيم جداً في هذا الباب، وهو أن معاذاً ﵁ لفقهه وعلمه كان يقول: كان يدور في نفسي مسألة أحب أن أسأل عنها رسول الله ﷺ .
ولكنه كان يتحين الفرص التي يجد فيها رسول الله ﷺ مقبلاً عليه، وكانوا قد نهوا عن كثرة السؤال، فأصبحوا لا يقدمون على السؤال إلا لأمر ضروري، وكان يسير معه في مسير غزوة غزاها رسول الله ﷺ فوجد الرسول خالياً، فكان يسايره في الليل ويكلمه فقال: (يا رسول الله! أخبرني عن كلمة أمرضتني وأسقمتني قال: نعم سل.
قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.
فقال الرسول ﷺ : لقد سألت عن عظيم -وهذا دليل على فقهه- وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
ثم قال ﷺ : يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير؟ فقلت: بلى يا رسول الله.
قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، -يعني أن صلاة الرجل في جوف الليل أيضاً تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار-، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]، ثم قال له ﷺ : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بلى، يا رسول الله.
فقال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ثم قال ﷺ : ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى، يا رسول الله.
قال: كف عليك لسانك فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟! فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) يعني: جراء ما يتكلمون به مما يكون فيه العقاب.
وفي صحيح البخاري وغيره أن الرسول ﷺ قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية: (يتكلم بالكلمة ليضحك بها القوم يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
والله جل وعلا أخبر أن الإنسان مسئول عن لسانه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] أي: تسأل يوم القيامة عن هذه، فتسأل عن سمعك هل استمعت به إلى الملاهي والمزامير والأغاني، أو إلى كلام الرحمان؟ لأن السمع خلق لك لتستعمله في عبادة الله وتستعمله في ما ينفعك، لا لتستعمله في طاعة الشيطان، فهذه نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليك فلا تعص الله بها، ولا تستعن بنعم الله على معاصي الله.
وكذلك تسأل عن البصر الذي أنعم الله جل وعلا به عليك هل استعملته في طاعة الله؟ وهل قادك ودعاك إلى معرفة الله والاستدلال بآياته عليه، أو أنك استعملته بما يضر وما يعود عليك باللوم والعقاب؟ وكذلك تسأل عن الفؤاد -والفؤاد هو القلب- فتسأل عن نياتك ومقاصدك وإرادتك، وهذه النيات هي قبل النطق، وهي التي تدعو اللسان إلى التكلم، واللسان يتكلم بما وراءه، فيجب أن يكون اللسان مقيداً بالشرع، وكذلك السمع والبصر والأيدي والأرجل وجميع ما أعطاك الله جل وعلا يجب أن يكون مقيداً بالشرع، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، واللسان يزني وزناه النطق، والقلب يتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أي: فيواقع الزنا الأكبر.
فالنظر إلى المحرم زناً، والاستماع إلى المحرم والنطق به كذلك، وهذا إذا كان القلب مريضاً مرض الشهوة تكون أعماله كلها هكذا، نسأل الله العافية.
والمقصود أن الإنسان خلق لعبادة الله، فيجب أن يكون مقيداً بالعبودية، ولا يكون -كما يقول الملاحدة اليوم- الإنسان حراً، وإذا نهيت إنساناً أو أمرته فقال لك: أنا حر فقل له: حر في ماذا؟ حر في اتباع الشيطان؟! لو كنت حراً لفسدت الدنيا كلها، ولا يمكن أن يستقيم عليها مجتمع أبداً؛ لأنه لابد أن يتقيد الناس بالقيود، وإن لم يتقيدوا فسوف تفسد أوضاعهم، فالإنسان لا يمكن أن يترك هكذا، فقول من يقول: إن الإنسان حر كذب، ما هو بحر، إنما قد يكون حراً في شيء أراده لنفسه، والله جل وعلا جعله عبداً ولم يجعله حراً، فهو عبد معبد لله جل وعلا، فيجب أن يكون طائعاً لله جل وعلا، فهذا الحديث فيه عبرة.
стр. 1783
وجوب الإيمان بعذاب القبر، وبيان ضلال من أنكر ذلك
ثم في هذا الحديث دليل على أن الناس إذا ماتوا تكون أرواحهم في البرزخ في الجنة أو في النار، أو تكون محبوسة معذبة في مكان ما لأنها لا تستحق عذاب النار، وإنما تعذب بما هو أقل من ذلك، ولهذا هذان الرجلان أُحضرا إلى الله بعد موتهما مباشرة إلى الله، فقال لأحدهما: ادخل الجنة.
وقال للآخر: ادخل النار.
وهذه المسألة من الأصول التي خالف فيها أهل البدع، فهم يقولون: الإنسان بعد الموت لا يعذب ولا ينعم؛ لأنه يصبح تراباً.
وروحه أين تذهب؟! قالوا: ما ندري.
وهذا مخالف لكتاب الله ولأحاديث رسوله ولإجماع السلف، فإن الله جل وعلا ذكر عذاب المقبور في آيات كثيرة، كما قال جل وعلا في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فأخبر أنهم يعرضون على النار بالغدو والعشي لتعذيبهم فيها، ثم يوم القيامة يدخلون أشد العذاب.
ويقول الله جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:١ - ٣] أي: تعلمون ماذا يكون بعد الموت من العذاب ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٤] أي: بعد النفخ في الصور.
وقال جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١]، فالعذاب الأدنى هو: الذي يكون بعد الموت، والأكبر الذي يكون بعد نفخ الصور.
أما الأحاديث فهي كثيرة جداً، منها قول الرسول ﷺ : (إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال)، ومر صلوات الله وسلامه عليه بقبرين قد دفنا حديثاً فقال: (هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا.
فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى -يعني: يعذبان في كبير- أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله)، فأخبر أن المعاصي تكون سبباً لعذاب القبر، وذكر النميمة، والنميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد.
وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، يعني: لم يكن يتنزه من بوله ويتنظف ويتطهر منه، بل كان يصيبه شيء منه ويتركه ولا يبالي به.
فصار من أسباب عذاب القبر، ولهذا يقول العلماء: إن من أسباب عذاب القبر عدم التطهر الطهارة الكاملة، وكذلك من أسباب عذاب القبر أن يكون الإنسان جاهلاً بربه وبدينه، وكذلك من أسبابه بعض المعاصي المعينة كالتهاون في الصلاة والنميمة والإفساد بين الناس، والظلم عموماً، هذه بعض أسباب عذاب القبر.
والمقصود أن العذاب يكون في القبر بعد الموت مباشرة، والقبر اسم لما بعد الموت، وليس بلازم أن يُدفن الإنسان في الأرض، بل لو ألقي في البحر لجاءه عذابه أو نعيمه، ولو أحرقته النار لجاءه نعيمه أو عذابه، ولو أكلته الطيور والسباع لابد أن يأتيه النعيم أو العذاب، والعذاب عند أهل الحق يكون على البدن وعلى الروح معاً، وليس على الروح فقط، والروح تبقى حية لا تموت، وإنما تخرج من البدن ويحصل الموت للبدن، ثم هذا البدن قد يصير تراباً، وقد تأكله النار فيصير رماداً وما أشبه ذلك، وقد يلقى في البحر فتأكله الحيتان ودواب البحر، وقد يخرج من بطونها دقيقاً قد طحنته أجوافها وأسنانها ومع ذلك هذه الأجزاء تعذب أو تنعم، هذه الأجزاء الصغيرة التي صارت تراباً تحس بالألم وتحس بالنعيم.
فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، بل قد يدفن جماعة في حفرة واحدة جميعاً ويصبح واحد منهم يعذب وواحد منهم ينعم، وهذا الذي يعذب لا يصل إلى من بجواره من عذابه شيء، والذي ينعم لا يصيب الذي بجواره من نعيمه شيء، وكل هذا من أمور الآخرة التي لا تقاس بأمور الدنيا، وإنما تتوقف على النصوص التي جاءت عن الله وعن رسوله، ففي هذا الحديث بيان أن الله عجل هذا إلى الجنة والآخر إلى النار بعد أن حكم الله جل وعلا بينهما.
وفيه أيضاً أنه يجوز أن يحبط عمل الإنسان بفعل يفعله، فهذا الرجل تكلم بهذه الكلمة فأحبط عمله -نسأل الله العافية-، ولكن مذهب أهل السنة أن الإنسان لا يكفر بالذنوب، ولكنه معرض لعذاب الله، والأمر بيد الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه وعاقبه، وإن شاء أحبط عمله مثل هذا.
وفيه أنه لا يجوز لإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة أن يحكم لمعين من الناس بأن هذا في الجنة أو في النار إلا ما جاء عن النبي ﷺ .
стр. 1784
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٣]
لا يجوز الاستشفاع بالله على أحد من خلقه؛ لأن ذلك ينافي تقدير الله وتعظيمه، أما الاستشفاع بالمخلوق إن كان حياً فجائز، بل قد يكون مستحباً، إذا كان هذا الحي صالحاً يرجى إجابة دعوته، وهذا الذي كان يطلبه الصحابة من الرسول ﷺ في حياته، أما بعد وفاته ﷺ فلم يطلب أحد من الصحابة الشفاعة؛ لعلمهم أن هذا يدخل في الشرك.
стр. 1785
حكم الاستشفاع بالله على خلقه
قال المصنف ﵀: [باب: لا يستشفع بالله على خلقه].
قوله رحمه الله تعالى: [باب: لا يستشفع بالله على أحد من خلقه] الاستشفاع: هو طلب الشفاعة، والله جل وعلا الملك الحق له الملك كله، وله الخلق كله ولا لأحد معه في سلطانه شركة، فلا يجوز أن يُجعل الله جل وعلا شفيعاً عند أحد من الخلق؛ فإن هذا ينافي تقدير الله وتعظيمه، وينافي تمام ملكه جل وعلا، ولهذا أنكر النبي ﷺ ما وقع من الأعرابي، كما سيأتي.
أما الاستشفاع بالخلق فمعناه: طلب شفاعته إذا كان حياً حاضراً، فيجوز أن يطلب منه الدعاء والاستشفاع في أمر من الأمور، بل قد يكون مستحباً إذا كان الإنسان ترجى إجابة دعوته، وهذا الذي كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبونه من الرسول ﷺ في حياته، فإنهم كانوا يطلبون منه أن يشفع لهم بالدعاء، فكان يدعو لهم أن الله جل وعلا يعطيهم من الخير الدنيوي والأخروي.
أما بعد وفاته ﷺ فلم يطلب منه أحد من الصحابة، ولهذا لما وقع المسلمون في الجدب الشديد في خلافة عمر ﵁ وأراد أن يستسقي طلب من العباس أن يدعو، وهذا هو معنى الاستشفاع به، فخرج به لما صلوا الصلاة فقال: (يا عباس! قم فادع) فجعل العباس يدعو وهم يؤمنون على دعائه، وهذا معنى الاستسقاء به الذي ذكره العلماء، أي: بدعائه وطلبه ولو كان الاستشفاع بالنبي ﷺ بعد وفاته مشروعاً أو جائزاً لم يعدلوا عن ذلك إلى العباس ﵁، وإنما عدلوا إلى العباس؛ لأن هذا ممتنع بعد وفاة النبي ﷺ ، والعباس ﵁ هو أقرب الناس إلى النبي ﷺ ، فطلبوا دعاءه من أجل ذلك.
فالمقصود: أن الاستشفاع من المخلوق جائز بشرط أن يكون حياً حاضراً قادراً على إجابة الطلب، أما طلب الشفاعة من الميت أو من الغائب فهذا يدخل في الشرك، نسأل الله السلامة، ولهذا جاء النهي عنه كما سيأتي.
وأما الاستشفاع بالله على أحد من الخلق فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي عظمة الله، وينافي تقدير الله حق قدره؛ إذ إن العباد كلهم خلق الله وملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، وسلطانه نافذ فيهم، ولا أحد له سلطان مع الله حتى يكون الرب جل وعلا هو الشافع عند ذلك المخلوق، تعالى الله وتقدس.
стр. 1786
شرح حديث: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت)
قال الشارح ﵀: [وذكر الحديث، وسياق أبي داود في سننه أتم مما ذكره المصنف ﵀، ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بأصابعه مثل القبة عليه-، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب) قال ابن بشار في حديثه: (إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته).
قال الحافظ الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن عنده في (الرد على الجهمية) من حديث محمد بن إسحاق بن يسار].
في هذا أن النبي ﷺ لما قال هذا الذي سأل منه الشفاعة ما قال سبح وكرر التسبيح: سبحان الله، سبحان الله وهذا معناه: أنزه لله جل وعلا عما قلت؛ لأن الله جل وعلا ينزه أن يكون شافعاً عند أحد من الخلق؛ لأن هذا ينافي سلطانه وينافي تمام ملكه وقهره، فإن العباد كلهم تحت تصرفه جل وعلا، سواء الأنبياء والملائكة أو غيرهم؛ فلا أحد له مع الله سلطان، بل الملك كله لله .
هذا هو سبب تسبيحه ﷺ بقوله: سبحان الله، سبحان الله، والتسبيح: هو التنزيه والتقديس لله جل وعلا عما لا يليق به.
وهذا القول مما لا يليق به.
وأما معنى الحديث فقوله: (جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال) يعني أنه أصابهم الجدب، وتأخر المطر فأمحلت الأرض وقلَّ الحليب أو انعدم وكانوا يعتمدون على مواشيهم في الأكل والشرب والحمل، فإذا قل ما في الأرض جاع من جراء ذلك العيال وغيرهم، فجاء إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يستسقي ربه جل وعلا حتى يأتي بالمطر فقال: (إنا نستشفع بك على الله)، وهذا اللفظ لم ينكره النبي ﷺ ، فالاستشفاع بالنبي ﷺ إلى الله شيء كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تقدم أن معناه: أن يطلبوا منه أن يدعو لهم فيما يهمهم في أمر دينهم أو دنياهم، أو آخرتهم، فهذا لا ينكر، والرسول ﷺ كان يفعل ما طلب منه إذا لم يكن مخالفاً لأمر الله جل وعلا، وإنما أنكر على الأعرابي قوله: (ونستشفع بالله عليك) يعني: نجعل الله شافعاً لنا عندك حتى تقبل قولنا وتدعو لنا، هذا هو الذي أنكره، وسبح الله جل وعلا من أجله تنزيهاً وتعظيماً لله؛ لأنه ينافي حق الله جل وعلا وملكه.
ومثل هذا كل ما فيه تنقص لله جل وعلا في أسمائه وأوصافه أو في حقوقه أو في سلطانه وملكه، فيجب أن ينزه الرب جل وعلا عن ذلك؛ لأنه لا حق لأحد عند الله، فضلاً عن أن يكون أحد شريكاً لله جل وعلا في التصرف في الملك حتى يكون الرب جل وعلا يشفع عند هذا المخلوق، تعالى الله وتقدس.
وفي هذا أن الرسول ﷺ أنكر عليه، فقال: (ويحك! أتدري ما تقول؟)، فدل هذا على أن هذا الرجل جاهل، يجهل حق الله جل وعلا، ويجهل ما يجب لله جل وعلا، فعمله الرسول ﷺ ، ونزه الله جل وعلا عن قوله منكراً له.
стр. 1787
وجوب إثبات علو الله جل وعلا
ثم أخبر بشيء من عظمة الله جل وعلا مما يدعو الإنسان إلى تعظيم الله جل وعلا، فقال: (إن الله فوق عرشه) والعرش هو سقف المخلوقات وأعلاها، وهو أعظمها وأكبرها وأوسعها، وهو الذي اختصه الله جل وعلا بأن يستوى عليه، والاستواء على الشيء: هو الارتفاع عليه والعلو عليه، وهذا جاء في كتاب الله في مواطن متعددة، وكذلك جاء في أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي هذا دليل على علو الله جل وعلا وارتفاعه وأنه فوق خلقه تعالى وتقدس، ولهذا قال: (والله فوقه) يعني: فوق العرش.
يقول الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ - ١٧] يعني أنه جل وعلا فوق، والسماء هنا المقصود بها العلو، وليس المقصود السماء المبنية حتى تكون (في) ظرفية، بل المقصود: من فوقكم في العلو.
وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في آيات متعددة يذكر ربنا جل وعلا أنه بعدما خلق السماوات والأرض استوى على عرشه، وعرشه جل وعلا هو أعظم المخلوقات، كما جاء أن السماوات -على سعتها وعظمها- تكون بالنسبة للعرش كسبعة دراهم ملقاة في أرض من الفلاة، فالعرش هو أعظم المخلوقات وهو أرفعها وأعلاها، وليس فوق العرش إلا رب العالمين جل وعلا، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة ووسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فعرش الرحمن هو أعلى المخلوقات على الإطلاق.
ثم إنه لا ينكر هذا إلا أهل البدع الذين ضلوا عن هداية نصوص كتاب الله جل وعلا وأحاديث رسوله ﷺ بأفكارهم وعقولهم القاصرة، فإنهم اعتمدوا على عقولهم، والذي جعلهم يعتمدون على عقولهم ويضلون هو أنهم قاسوا رب العالمين على الخلق -تعالى الله وتقدس- ولو لم يصرحوا بهذا، ولكنهم يتكلمون بما يعقلون وبما تدركه عقولهم فقط، والله جل وعلا أعلى وأجل من أن تدركه العقول ومن أن تقيسه المخلوقات، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] يعني: إذا وصل الفكر إلى الله فيجب أن ينتهي؛ لأنه لن يعود بطائل، فالله أعظم من كل شيء، وفوق أن يتصوره متصور، كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعالى وتقدس، وكما قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، والند هو: المثل والنظير في أي شيء كان، ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: هل تعلم له مثيلاً ونظيراً يساميه تعالى وتقدس.
والواجب اتباع ما جاء عن الله جل وعلا وما قاله الرسول ﷺ ، والعقل لا ينافي هذا، وكذلك الفطر التي فطر الله جل وعلا خلقه عليها؛ فإن الله فطر عباده على كونه جل وعلا فوقهم، ولهذا تجد كل داع إذا دعا ربه يرفع يديه إلى السماء، ويقول: يا رب! ولا يتجه يميناً ولا شمالاً ولا تحت، بل فطرة الله التي فطر الناس عليها هي على هذا الشيء، وأن الله فوقهم، وإنما تتغير الفطر بالتعليم وبالتربية، كما قال الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، والمقصود بالأبوين من يتولى تربيته، سواء الأبوان أو المدرس أو المعلم أو المربي أو غيرهم، فإذا رباه على خلاف الحق فقد رباه ضد الفطرة التي خلق عليها، وأما العقل فإن الله جل وعلا لا يجوز أن يكون حالاً في خلقه أو يكون شيء من الخلق فوقه -تعالى الله وتقدس عن ذلك-؛ لأنه أعلى من كل شيء، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فالسماوات كلها على سعتها يطويها جل وعلا بيده، وتكون صغيرة بالنسبة إليه تعالى وتقدس.
فلا يجوز أن يظن ظان أن شيئاً من المخلوقات يمكن أن يحيط بالله جل وعلا وتعالى وتقدس.
стр. 1788
وجوب إثبات صفة الإتيان لله جل وعلا
وأما كونه جل وعلا يأتي يوم القيامة إلى الأرض ليفصل بين عباده ويقضي بينهم فهو يأتي وهو على عرشه وهو عالٍ على كل شيء، ولا يمكن أن يكون شيء فوقه لا في الوقت الحاضر ولا يوم القيامة ولا غيره؛ لأنه سبحانه أكبر وأعظم من كل شيء.
فيجب أن يعظم الله جل وعلا، ويجب أن تُعتقد معاني النصوص التي جاءت عن الله جل وعلا في كتابه اعتقاداً صحيحاً، وهكذا ما جاء عن رسوله ﷺ فيما أوحاه الله جل وعلا إليه، فإن الرسول ﷺ بين هذا ووضحه إيضاحاً لا يكون بعده محلاً للكلام؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه علمنا كل ما يلزم أن نعتقده، ووضح ذلك وبينه بياناً شافياً.
أما الذي يعتاض عن ذلك بقول متكلم أو متفلسف فإنه في الحقيقة يعتاض عن الهدى بالباطل؛ لأن الهدى لا يتعدى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو باطل يجب أن يرد على قائله.
وفي هذا تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به، وأنه يجب أن ينزه عما يخالف عظمته أو ينافيها أو ينافي معاني أسمائه وأوصافه جل وعلا.
وفيه أنه إذا جاء كلام يشتمل على حق وباطل يبين ويفصل، فيرد الباطل ويقبل الحق، ولهذا رد الرسول ﷺ على هذا الأعرابي قوله: (نستشفع بالله عليك)، وأقر قوله: (نستشفع بك على الله).
стр. 1789
الشفاعة الجائزة
وفيه أن الشفاعة التي تطلب من الله تكون بالدعاء، والله جل وعلا أخبر أن الشفاعة لا تقع إلا بعد إذنه؛ لتمام ملكه، كما قال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فالشفاعة لا تقع إلا بإذن الله، ولا أحد يستطيع أن يتقدم يطلب الشفاعة من الله إلا يوم القيامة إذا أذن له.
وقد جاء بيان ذلك وتفصيله عن الرسول ﷺ بياناً واضحاً، فإنه إذا وقف الخلق يوم القيامة لرب العالمين وقوفا طويلاً مدة خمسين ألف سنة، حتى يوجد من الشدة ما يتمنى بعضهم أو كثير منهم أن يقضى بينهم ولو إلى النار؛ لأنهم يتصورون أن ما بعده أهون منه، والأمر بالعكس، فليست النار بأهون منه، وهم مجتمعون كلهم في صعيد واحد، غير أن هذا الوقوف شدته وهوله وسهولته تتفاوت على حسب أعمال الناس، فإذا وقفوا هذا الموقف الهائل يلهمهم الله جل وعلا أن يقولوا: لماذا لا نطلب من الأنبياء أن يشفعوا لنا عند الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف الشديد؟ فيقول بعضهم لبعض: من أولى بذلك من أبيكم آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنته جنته؟! فيذهبون إليه -وآدم موجود معهم في الموقف، وكذلك الرسل موجودون معهم في الموقف- فيعرفونه، ويقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف فيعتذر ويقول: إن ربي جل وعلا قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته، نفسي نفسي.
اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض، وقد سماه الله جل وعلا عبداً شكوراً، فيأتون إلى نوح فيعرفونه مع الرسل، ويطلبون منه ذلك فيعتذر مثل ما اعتذر آدم، ويرسلهم إلى إبراهيم ويقول: إنه خليل الرحمن، فيأتون إليه، فيعرفونه ويطلبون منه أن يشفع لهم، فيعتذر ويقول مثل ما قال نوح، ثم يرسلهم إلى موسى ويقول: إن الله فضله بكلامه بلا واسطة، اذهبوا إليه، فيذهبون إليه فيعتذر ويقول: إني قتلت نفساً بغير حق، كما أن إبراهيم ﵇ يقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ويقول نوح ﵇: إني دعوت ربي ما ليس لي به علم، اذهبوا إلى غيري، وكلها أمور مغفورة لهم، ولكن الموقف هائل فموسى يرسلهم إلى عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يرسلهم عيسى إلى خاتم الرسل محمد ﷺ ، فيقول ﷺ : (فإذا جاءوا إليّ ذهبت إلى مكان تحت العرش، فإذا رأيت ربي سجدت له فيدعني ما شاء الله أن يدعني ويفتح عليّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن، ثم يقول جل وعلا لنبيه محمد: ارفع رأسك، واشفع تشفع)، وقبل أن يقول له: (اشفع) لا يشفع، وهكذا كل شافع عند الله لا يشفع حتى يقول له جل وعلا: اشفع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فلتمام ملكه وعظمة سلطانه ما أحد يتجاسر على طلب الشفاعة قبل أن يأذن له.
стр. 1790
الشفاعة المحرمة التي كان المشركون يتعلقون بها
والشفاعة التي يتعلق بها المشركون قديماً وحديثاً هي من باب قياس الخالق على المخلوقين تعالى الله وتقدس، فهم يرون العظماء لا يأتي إليهم طالب الحاجة منهم إلا بواسطة شفاعة المقربين لديهم، فجعلوا رب العالمين بهذه المثابة، تعالى الله وتقدس، والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة، بل إذا أردت ربك، فاسأله في أي مكان كنت، وعلى أي حالة كنت، ولا حاجة إلى أن تذهب تبحث عن الوسائط، فالله لم يجعل لك وسائط تتوسط بها عند الله، بل جعل هذا شركاً يمنع من قبول دعوتك إذا دعوته، ويوجب لمن فعل ذلك أن يكون خالداً في النار إذا مات عليه، نسأل الله العافية.
وإنما الوساطة في الحق هي وساطة الرسل في تبليغ الدعوة وفي تبليغ الوحي فقط، فهم الوساطة بيننا وبين ربنا جل وعلا، ورسولنا ﷺ هو الوساطة بيننا وبين ربنا في تبليغ أمره وشرعه ونهيه، أما العبادة فليس بينك وبين الله وساطة، بل يجب أن تعبد ربك رأساً، وتطلب منه ما أردت بدون أن تجعل بينك وبينه وسائل ووسائط.
فالمقصود: أن الشفاعة التي يتعلق بها المشركون تكون سبباً لحرمانهم من الشفاعة، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، الإخلاص هو أن يكون الدعاء خالصاً لله ليس لغيره منه شيء، فأهل الإخلاص هم الذين يشفع فيهم الرسل.
أما أهل الشرك فشركهم يمنعهم من إجابة الشفاعة لهم، والمقصود أن الشفاعة التي جاء ذكرها في القرآن جاءت على قسمين: قسم مثبت، وقسم منفي، فالمثبت هو ما يقع بعد إذن الله ولمن يرضاه ربه جل وعلا، أما المنفي فهو الذي لم يأذن الرب جل وعلا له، كما يزعمه المشركون؛ فإنهم يجعلون أوثانهم وأصنامهم ومعبوداتهم وسائط بينهم وبين الله لتشفع لهم، كما أن في الوقت الحاضر كثير من الناس يجعلون الأولياء وسائط لهم ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يطلبون من الأولياء أن يشفعوا، ويقولون لهم: اشفعوا لنا، وهم أموات لا يستطيعون أن يزدادوا حسنة ولا أن ينقص من سيئاتهم سيئة، ومع ذلك يطلبون منهم الشفاعة، زاعمين أن هذا ينفع، وهذا خلاف ما جاء به الرسول ﷺ ، وهذا أمر عظيم جداً ينبغي للإنسان أن يعرفه؛ لأن كثيراً من الناس ضل بسببه، وكثير من الناس يسمي هذا توسلاً ويزعم أنه يقرب إلى الله، وأن الولي محبوب لدى الله، وأن هذا العمل مشروع، وفي الحقيقة هو ينافي التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن التوحيد هو أن يوحد الله في الطلب وفي الدعاء وفي القصد والإرادة، فيوحد الله في ذاته، ولا يطلب من أحد غيره.
أما الادعاءات والتعلقات بالباطل وعلى قول فلان وفلان فهذا لا قيمة له، بل يضمحل إذا حصص الحق، وإذا تبين يوم القيامة للإنسان ما قدم عض على يده نادماً، فالواجب على الإنسان أن يعرف الحق، وما دام أنه بالإمكان أن يعمل ويتوب ويتعرف على الحق وعلى الباطل فليعمل ذلك، وليتمسك بالحق ويجتنب الباطل.
следующие страницы →