Полный текст (2 090 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
شرح حديث: (أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله! جهدت)
قال الشارح ﵀: [وذكر الحديث، وسياق أبي داود في سننه أتم مما ذكره المصنف ﵀، ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: (أتى رسول الله ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بأصابعه مثل القبة عليه-، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب) قال ابن بشار في حديثه: (إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته).
قال الحافظ الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن عنده في (الرد على الجهمية) من حديث محمد بن إسحاق بن يسار].
في هذا أن النبي ﷺ لما قال هذا الذي سأل منه الشفاعة ما قال سبح وكرر التسبيح: سبحان الله، سبحان الله وهذا معناه: أنزه لله جل وعلا عما قلت؛ لأن الله جل وعلا ينزه أن يكون شافعاً عند أحد من الخلق؛ لأن هذا ينافي سلطانه وينافي تمام ملكه وقهره، فإن العباد كلهم تحت تصرفه جل وعلا، سواء الأنبياء والملائكة أو غيرهم؛ فلا أحد له مع الله سلطان، بل الملك كله لله .
هذا هو سبب تسبيحه ﷺ بقوله: سبحان الله، سبحان الله، والتسبيح: هو التنزيه والتقديس لله جل وعلا عما لا يليق به.
وهذا القول مما لا يليق به.
وأما معنى الحديث فقوله: (جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال) يعني أنه أصابهم الجدب، وتأخر المطر فأمحلت الأرض وقلَّ الحليب أو انعدم وكانوا يعتمدون على مواشيهم في الأكل والشرب والحمل، فإذا قل ما في الأرض جاع من جراء ذلك العيال وغيرهم، فجاء إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يستسقي ربه جل وعلا حتى يأتي بالمطر فقال: (إنا نستشفع بك على الله)، وهذا اللفظ لم ينكره النبي ﷺ ، فالاستشفاع بالنبي ﷺ إلى الله شيء كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، وقد تقدم أن معناه: أن يطلبوا منه أن يدعو لهم فيما يهمهم في أمر دينهم أو دنياهم، أو آخرتهم، فهذا لا ينكر، والرسول ﷺ كان يفعل ما طلب منه إذا لم يكن مخالفاً لأمر الله جل وعلا، وإنما أنكر على الأعرابي قوله: (ونستشفع بالله عليك) يعني: نجعل الله شافعاً لنا عندك حتى تقبل قولنا وتدعو لنا، هذا هو الذي أنكره، وسبح الله جل وعلا من أجله تنزيهاً وتعظيماً لله؛ لأنه ينافي حق الله جل وعلا وملكه.
ومثل هذا كل ما فيه تنقص لله جل وعلا في أسمائه وأوصافه أو في حقوقه أو في سلطانه وملكه، فيجب أن ينزه الرب جل وعلا عن ذلك؛ لأنه لا حق لأحد عند الله، فضلاً عن أن يكون أحد شريكاً لله جل وعلا في التصرف في الملك حتى يكون الرب جل وعلا يشفع عند هذا المخلوق، تعالى الله وتقدس.
وفي هذا أن الرسول ﷺ أنكر عليه، فقال: (ويحك! أتدري ما تقول؟)، فدل هذا على أن هذا الرجل جاهل، يجهل حق الله جل وعلا، ويجهل ما يجب لله جل وعلا، فعمله الرسول ﷺ ، ونزه الله جل وعلا عن قوله منكراً له.
стр. 1787
وجوب إثبات علو الله جل وعلا
ثم أخبر بشيء من عظمة الله جل وعلا مما يدعو الإنسان إلى تعظيم الله جل وعلا، فقال: (إن الله فوق عرشه) والعرش هو سقف المخلوقات وأعلاها، وهو أعظمها وأكبرها وأوسعها، وهو الذي اختصه الله جل وعلا بأن يستوى عليه، والاستواء على الشيء: هو الارتفاع عليه والعلو عليه، وهذا جاء في كتاب الله في مواطن متعددة، وكذلك جاء في أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي هذا دليل على علو الله جل وعلا وارتفاعه وأنه فوق خلقه تعالى وتقدس، ولهذا قال: (والله فوقه) يعني: فوق العرش.
يقول الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ - ١٧] يعني أنه جل وعلا فوق، والسماء هنا المقصود بها العلو، وليس المقصود السماء المبنية حتى تكون (في) ظرفية، بل المقصود: من فوقكم في العلو.
وكذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في آيات متعددة يذكر ربنا جل وعلا أنه بعدما خلق السماوات والأرض استوى على عرشه، وعرشه جل وعلا هو أعظم المخلوقات، كما جاء أن السماوات -على سعتها وعظمها- تكون بالنسبة للعرش كسبعة دراهم ملقاة في أرض من الفلاة، فالعرش هو أعظم المخلوقات وهو أرفعها وأعلاها، وليس فوق العرش إلا رب العالمين جل وعلا، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة ووسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفه عرش الرحمن)، فعرش الرحمن هو أعلى المخلوقات على الإطلاق.
ثم إنه لا ينكر هذا إلا أهل البدع الذين ضلوا عن هداية نصوص كتاب الله جل وعلا وأحاديث رسوله ﷺ بأفكارهم وعقولهم القاصرة، فإنهم اعتمدوا على عقولهم، والذي جعلهم يعتمدون على عقولهم ويضلون هو أنهم قاسوا رب العالمين على الخلق -تعالى الله وتقدس- ولو لم يصرحوا بهذا، ولكنهم يتكلمون بما يعقلون وبما تدركه عقولهم فقط، والله جل وعلا أعلى وأجل من أن تدركه العقول ومن أن تقيسه المخلوقات، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] يعني: إذا وصل الفكر إلى الله فيجب أن ينتهي؛ لأنه لن يعود بطائل، فالله أعظم من كل شيء، وفوق أن يتصوره متصور، كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعالى وتقدس، وكما قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، والند هو: المثل والنظير في أي شيء كان، ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: هل تعلم له مثيلاً ونظيراً يساميه تعالى وتقدس.
والواجب اتباع ما جاء عن الله جل وعلا وما قاله الرسول ﷺ ، والعقل لا ينافي هذا، وكذلك الفطر التي فطر الله جل وعلا خلقه عليها؛ فإن الله فطر عباده على كونه جل وعلا فوقهم، ولهذا تجد كل داع إذا دعا ربه يرفع يديه إلى السماء، ويقول: يا رب! ولا يتجه يميناً ولا شمالاً ولا تحت، بل فطرة الله التي فطر الناس عليها هي على هذا الشيء، وأن الله فوقهم، وإنما تتغير الفطر بالتعليم وبالتربية، كما قال الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، والمقصود بالأبوين من يتولى تربيته، سواء الأبوان أو المدرس أو المعلم أو المربي أو غيرهم، فإذا رباه على خلاف الحق فقد رباه ضد الفطرة التي خلق عليها، وأما العقل فإن الله جل وعلا لا يجوز أن يكون حالاً في خلقه أو يكون شيء من الخلق فوقه -تعالى الله وتقدس عن ذلك-؛ لأنه أعلى من كل شيء، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فالسماوات كلها على سعتها يطويها جل وعلا بيده، وتكون صغيرة بالنسبة إليه تعالى وتقدس.
فلا يجوز أن يظن ظان أن شيئاً من المخلوقات يمكن أن يحيط بالله جل وعلا وتعالى وتقدس.
стр. 1788
وجوب إثبات صفة الإتيان لله جل وعلا
وأما كونه جل وعلا يأتي يوم القيامة إلى الأرض ليفصل بين عباده ويقضي بينهم فهو يأتي وهو على عرشه وهو عالٍ على كل شيء، ولا يمكن أن يكون شيء فوقه لا في الوقت الحاضر ولا يوم القيامة ولا غيره؛ لأنه سبحانه أكبر وأعظم من كل شيء.
فيجب أن يعظم الله جل وعلا، ويجب أن تُعتقد معاني النصوص التي جاءت عن الله جل وعلا في كتابه اعتقاداً صحيحاً، وهكذا ما جاء عن رسوله ﷺ فيما أوحاه الله جل وعلا إليه، فإن الرسول ﷺ بين هذا ووضحه إيضاحاً لا يكون بعده محلاً للكلام؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه علمنا كل ما يلزم أن نعتقده، ووضح ذلك وبينه بياناً شافياً.
أما الذي يعتاض عن ذلك بقول متكلم أو متفلسف فإنه في الحقيقة يعتاض عن الهدى بالباطل؛ لأن الهدى لا يتعدى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكل ما خالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو باطل يجب أن يرد على قائله.
وفي هذا تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به، وأنه يجب أن ينزه عما يخالف عظمته أو ينافيها أو ينافي معاني أسمائه وأوصافه جل وعلا.
وفيه أنه إذا جاء كلام يشتمل على حق وباطل يبين ويفصل، فيرد الباطل ويقبل الحق، ولهذا رد الرسول ﷺ على هذا الأعرابي قوله: (نستشفع بالله عليك)، وأقر قوله: (نستشفع بك على الله).
стр. 1789
الشفاعة الجائزة
وفيه أن الشفاعة التي تطلب من الله تكون بالدعاء، والله جل وعلا أخبر أن الشفاعة لا تقع إلا بعد إذنه؛ لتمام ملكه، كما قال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فالشفاعة لا تقع إلا بإذن الله، ولا أحد يستطيع أن يتقدم يطلب الشفاعة من الله إلا يوم القيامة إذا أذن له.
وقد جاء بيان ذلك وتفصيله عن الرسول ﷺ بياناً واضحاً، فإنه إذا وقف الخلق يوم القيامة لرب العالمين وقوفا طويلاً مدة خمسين ألف سنة، حتى يوجد من الشدة ما يتمنى بعضهم أو كثير منهم أن يقضى بينهم ولو إلى النار؛ لأنهم يتصورون أن ما بعده أهون منه، والأمر بالعكس، فليست النار بأهون منه، وهم مجتمعون كلهم في صعيد واحد، غير أن هذا الوقوف شدته وهوله وسهولته تتفاوت على حسب أعمال الناس، فإذا وقفوا هذا الموقف الهائل يلهمهم الله جل وعلا أن يقولوا: لماذا لا نطلب من الأنبياء أن يشفعوا لنا عند الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف الشديد؟ فيقول بعضهم لبعض: من أولى بذلك من أبيكم آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنته جنته؟! فيذهبون إليه -وآدم موجود معهم في الموقف، وكذلك الرسل موجودون معهم في الموقف- فيعرفونه، ويقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى الله حتى يأتي ليفصل بيننا ويريحنا من عناء هذا الموقف فيعتذر ويقول: إن ربي جل وعلا قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته، نفسي نفسي.
اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض، وقد سماه الله جل وعلا عبداً شكوراً، فيأتون إلى نوح فيعرفونه مع الرسل، ويطلبون منه ذلك فيعتذر مثل ما اعتذر آدم، ويرسلهم إلى إبراهيم ويقول: إنه خليل الرحمن، فيأتون إليه، فيعرفونه ويطلبون منه أن يشفع لهم، فيعتذر ويقول مثل ما قال نوح، ثم يرسلهم إلى موسى ويقول: إن الله فضله بكلامه بلا واسطة، اذهبوا إليه، فيذهبون إليه فيعتذر ويقول: إني قتلت نفساً بغير حق، كما أن إبراهيم ﵇ يقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ويقول نوح ﵇: إني دعوت ربي ما ليس لي به علم، اذهبوا إلى غيري، وكلها أمور مغفورة لهم، ولكن الموقف هائل فموسى يرسلهم إلى عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يرسلهم عيسى إلى خاتم الرسل محمد ﷺ ، فيقول ﷺ : (فإذا جاءوا إليّ ذهبت إلى مكان تحت العرش، فإذا رأيت ربي سجدت له فيدعني ما شاء الله أن يدعني ويفتح عليّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن، ثم يقول جل وعلا لنبيه محمد: ارفع رأسك، واشفع تشفع)، وقبل أن يقول له: (اشفع) لا يشفع، وهكذا كل شافع عند الله لا يشفع حتى يقول له جل وعلا: اشفع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فلتمام ملكه وعظمة سلطانه ما أحد يتجاسر على طلب الشفاعة قبل أن يأذن له.
стр. 1790
الشفاعة المحرمة التي كان المشركون يتعلقون بها
والشفاعة التي يتعلق بها المشركون قديماً وحديثاً هي من باب قياس الخالق على المخلوقين تعالى الله وتقدس، فهم يرون العظماء لا يأتي إليهم طالب الحاجة منهم إلا بواسطة شفاعة المقربين لديهم، فجعلوا رب العالمين بهذه المثابة، تعالى الله وتقدس، والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين خلقه واسطة، بل إذا أردت ربك، فاسأله في أي مكان كنت، وعلى أي حالة كنت، ولا حاجة إلى أن تذهب تبحث عن الوسائط، فالله لم يجعل لك وسائط تتوسط بها عند الله، بل جعل هذا شركاً يمنع من قبول دعوتك إذا دعوته، ويوجب لمن فعل ذلك أن يكون خالداً في النار إذا مات عليه، نسأل الله العافية.
وإنما الوساطة في الحق هي وساطة الرسل في تبليغ الدعوة وفي تبليغ الوحي فقط، فهم الوساطة بيننا وبين ربنا جل وعلا، ورسولنا ﷺ هو الوساطة بيننا وبين ربنا في تبليغ أمره وشرعه ونهيه، أما العبادة فليس بينك وبين الله وساطة، بل يجب أن تعبد ربك رأساً، وتطلب منه ما أردت بدون أن تجعل بينك وبينه وسائل ووسائط.
فالمقصود: أن الشفاعة التي يتعلق بها المشركون تكون سبباً لحرمانهم من الشفاعة، ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، الإخلاص هو أن يكون الدعاء خالصاً لله ليس لغيره منه شيء، فأهل الإخلاص هم الذين يشفع فيهم الرسل.
أما أهل الشرك فشركهم يمنعهم من إجابة الشفاعة لهم، والمقصود أن الشفاعة التي جاء ذكرها في القرآن جاءت على قسمين: قسم مثبت، وقسم منفي، فالمثبت هو ما يقع بعد إذن الله ولمن يرضاه ربه جل وعلا، أما المنفي فهو الذي لم يأذن الرب جل وعلا له، كما يزعمه المشركون؛ فإنهم يجعلون أوثانهم وأصنامهم ومعبوداتهم وسائط بينهم وبين الله لتشفع لهم، كما أن في الوقت الحاضر كثير من الناس يجعلون الأولياء وسائط لهم ليشفعوا لهم عند الله، ولهذا يطلبون من الأولياء أن يشفعوا، ويقولون لهم: اشفعوا لنا، وهم أموات لا يستطيعون أن يزدادوا حسنة ولا أن ينقص من سيئاتهم سيئة، ومع ذلك يطلبون منهم الشفاعة، زاعمين أن هذا ينفع، وهذا خلاف ما جاء به الرسول ﷺ ، وهذا أمر عظيم جداً ينبغي للإنسان أن يعرفه؛ لأن كثيراً من الناس ضل بسببه، وكثير من الناس يسمي هذا توسلاً ويزعم أنه يقرب إلى الله، وأن الولي محبوب لدى الله، وأن هذا العمل مشروع، وفي الحقيقة هو ينافي التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن التوحيد هو أن يوحد الله في الطلب وفي الدعاء وفي القصد والإرادة، فيوحد الله في ذاته، ولا يطلب من أحد غيره.
أما الادعاءات والتعلقات بالباطل وعلى قول فلان وفلان فهذا لا قيمة له، بل يضمحل إذا حصص الحق، وإذا تبين يوم القيامة للإنسان ما قدم عض على يده نادماً، فالواجب على الإنسان أن يعرف الحق، وما دام أنه بالإمكان أن يعمل ويتوب ويتعرف على الحق وعلى الباطل فليعمل ذلك، وليتمسك بالحق ويجتنب الباطل.
стр. 1791
وجوب تعظيم الله وإثبات صفاته كما جاءت
قال الشارح ﵀: [قوله: (ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه) فإنه تعالى رب كل شيء ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، والخلق وما في أيديهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، وهو الذي يشفع الشافع إليه، ولهذا أنكر على الأعرابي.
قوله: (وسبح لله كثيراً وعظَّمه) لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه وبحمده، إن شأن الله أعظم من ذلك.
وفي هذا الحديث إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سماواته، وفيه تفسير الاستواء بالعلو كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة خلافاً للمعطلة والجهمية والمعتزلة ومن أخذ عنهم، كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد في أسماء الله وصفاته وصرفها عن المعنى الذي وضعت له ودلت عليه من إثبات صفات الله تعالى التي دلت على كماله جل وعلا، كما عليه السلف الصالح والأئمة ومن تبعهم ممن تمسك بالسنة، فإنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من صفات كماله على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل].
تفسير الاستواء بالعلو ثبت عن السلف، وقد فسروا الاستواء بألفاظ أربعة، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي العالية قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يعني: علا، ففسروه بالعلو، كما فسروه بالارتفاع فقالوا: معنى استوى: ارتفع، وفسروه أيضاً بالصعود فقالوا: استوى: صعد، وفسروه أيضاً بالاستقرار فقالوا: استوى: استقر، فهذه ألفاظ أربعة جاءت مروية عن السلف الصحابة والتابعين وغيرهم في تفسير الاستواء.
وأما تفسير أهل البدع فهو تفسير باطل؛ لأنهم فسروه بالاستيلاء فقالوا: معنى استوى: استولى، والاستيلاء يكون مخالفاً لمعنى الاستواء، ويستدلون ببيت ينسب للأخطل النصراني: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق مع أنه لا يوجد حتى في شعره، وهذا عجيب! كيف يترك كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ وكلام الصحابة التابعين الذين فهموا عن الله وعن رسوله ويؤخذ ببيت مجهول لمجهول، أو لضال ضل في ذلك؟! ولكن هكذا أهل الباطل، وهذا إلحاد في أسماء الله جل وعلا، والاستيلاء معناه: المغالبة، أي أنه كان مغلوباً عليه ثم غالب هذا الغالب فغلبه، مثل بشر، فقد كان العراق لواحد آخر فقاتله حتى غلبه فاستقر له، والله يتعالى ويتقدس عن هذا المعنى، فكل شيء ملك له تعالى، فالاستواء معناه ظاهر وواضح وجلي لا يجوز تفسيره إلا بما جاء عن السلف الصالح الذين فهموا عن الله وعن رسوله ﷺ ، وكل أسماء الله وأوصافه يجب أن يوقف على النص فيها، ولا يتجاوز كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلى قول أحد من الخلق خالف ما في الكتاب والسنة، ولهذا يقول العلماء: أسماء الله توقيفية أي: أنه يوقف فيها على النص فقط، فإذا جاء النص في ذلك قيل به، وقيل بمقتضاه، وإذا لم يأت نص لا يجوز أن نقول فيها برأينا أو باجتهادنا؛ لأنها في الحقيقة مبنية على شيئين: أحدهما: أن الله ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يقاس بغيره.
الثاني: أن الله غيب لم يره ولم يطلع عليه أحد، فلا يجوز أن يتكلم متكلم فيما هو غائب عنه، وإن تكلم في ذلك فهو يظن ظنوناً، والظن لا يغني من الحق شيئاً، فلهذا لا يجوز أن نصف الله جل وعلا إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ .
ويكفي هذا؛ لأن الله جل وعلا خاطبنا بما نفهم، والرسول ﷺ بين لنا ما أمره الله جل وعلا ببيانه، ووضحه، فلم يترك الأمر ملتبساً مشتبهاً، بل جلاه غاية الجلاء ووضحه وبينه غاية الوضوح والبيان، وقد علّمنا أشياء أقل من هذا أهمية بكثير، مثل أدب الأكل، وآداب الجلوس، وآداب النوم، وآداب دخول المنزل، وكذلك آدب قضاء الحاجة، علمنا هذه الأمور مع أن هذه لو تركها الإنسان ما كان آثماً، فكيف يترك باب معرفة الرب جل وعلا ملتبساً مشتبهاً، فلا يمكن أن يتركه حتى يشتبه حقه بالباطل، ومن أقر للنبي ﷺ بأنه بلغ عن الله فيجب عليه أن يعتقد أن الرسول ﷺ بين باب معرفة الله جل وعلا بياناً واضحاً، وقد قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧]، فأمره الله جل وعلا أن يبلغ ما أنزله الله إليه، ولو ترك شيئاً لم يوضحه والناس بحاجة إليه ما كان بلغ البلاغ الكامل الذي طلب منه، ولهذا كان السلف يستدلون بهذه الآية على رد البدع كلها، ويقولون: هذه البدع لو كانت حقاً لبينها الرسول ﷺ ؛ لأن الله قال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] يعني: إن لم تبلغ فالله يعذبك ويعاقبك على ذلك، وقد بلغ الرسول ﷺ ، وأشهد على الناس في أعظم موقف يوم عرفات أو يوم النحر لما خطب الناس خطبته البليغة فقال: (أيها الناس! إنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟) أي: إن الله سيسألكم عني، فيقول لكم: هل بلغكم؟ (فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، فجعل ﷺ يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) أي: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي بالبلاغ، فالرسول ﷺ بلغ، ومن الفروض العينية التي يجب على كل إنسان بعينه أن يعتقدها ويؤمن بها أن الرسول ﷺ بلغ ما أنزل إليه من ربه.
فالذي يظن أن الرسول ﷺ لم يبلغ أوصاف الله ولم يبينها ويوضحها لنا فهو في الحقيقة ما شهد للرسول ﷺ بالبلاغ، وبهذا يختل إيمانه بالله وبالرسول ﷺ .
والمقصود أننا لسنا بحاجة إلى قول متكلم أو فلسلفة متفلسف أو متحذلق، قد أغنانا الله جل وعلا عنهم بما بلغه الرسول ﷺ ، فيجب على المسلم أن يستغني بذلك.
стр. 1792
سفر القلب إلى الله تعالى
قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في (مفتاح دار السعادة) -بعد كلام سبق فيما يُعرِّف العبد بنفسه وبربه من عجائب مخلوقاته- قال بعد ذلك: والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء، فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السماوات السبع والأراضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة، ويرى الملائكة حافين من حول العرش لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها، فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإنشاء ملك وسلب ملك، وتحويل نعمة من محل إلى محل، وقضاء الحاجات على اختلافها وتبيانها وكثرتها: من جبر كسير، واغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورد آبق، وأمان خائف، وإجارة مستجير، ومدد لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان، فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلاف لغاتها وتبيانها واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقاً لهيئته خاشعاً لعظمته عانياً لعزته، فيسجد بين يدي الملك الحق المبين، سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد، فهذا سفر القلب، وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه، فيا له من سفر وما أبركه وأروحه، وأعظم ثمرته وربحه، وأجل منفعته وأحسن عاقبته، سفر هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب، لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب.
انتهى كلامه ﵀].
سفر القلب: هو معرفته ووصوله إلى حقيقة العلم، والمعرفة تكون بالوحي الذي أوحاه الله جل وعلا، ويجب على العبد أن يهاجر إلى الله وإلى رسوله ويترك ما قد يعترضه من العوائق والمؤثرات التي تؤثر في سيره إلى الله جل وعلا، فإذا حصل عائق أو مؤثر فإنه قاطع يقطعه عن الله جل وعلا، والقواطع والعوائق كثيرة، والسفر لا يكون إلا بواسطة الوحي الذي أوحاه الله جل وعلا إلى رسوله.
والله جل وعلا غيب لا يُدرَك ولا يُعلَم، ولا أحد يطلع عليه ويشاهده، ولا له مثيل فيقاس عليه تعالى الله وتقدس، فتتوقف معرفته على وصفه نفسه، وقد تعرف جل وعلا إلى خلقه بأوصافه التي وصف نفسه بها في كتابه، وكذلك وصفه بها رسوله ﷺ كما في هذا الحديث ونحوه.
فسفر القلب يكون بهذه الواسطة، أي: أنه يعلم أن الله مستوٍ على عرشه، وأن الله عظيم وكبير لا مثيل ولا نظير له، ويعرف أن الله أنزل الوحي وهو على عرشه، والأوامر تنفذ إلى من يشاء من خلقه ورسله، وهو جل وعلا كل يوم في شأن: يعز من يشاء، ويذل من يشاء، يجيب دعوة، ويجبر كسيراً، ويرحم ضعيفاً، ويقصم جباراً، فليس معه جل وعلا متصرف في الخلق كله.
وأما ما في أيدي الخلق فهو أمر وهبه الله لهم، إذا شاء جل وعلا سلبه منهم، وسوف يسلب حياة الإنسان عن قرب؛ لأنها قصيرة ومحدودة، فيذهب ويترك كل ما خوله من هذه الدنيا ليس معه إلا خرقة ملفوف بها جسده، وقد يكون جسده ليس ملفوفاً بخرقة، ثم عن قرب يكون مرتعاً للدود تحت طباق الأرض، لا يستطيع جلب منفعة لنفسه ولا دفع مضرة عن نفسه، وإنما الأمور كلها بيد الله جل وعلا، وكل الخلق يرجعون إليه يوم القيامة، قد جعل لهم داراً للاختبار وللابتلاء، فهذه الدار جعلها الله جل وعلا ليختبرنا ويمتحننا، فهي دار امتحان، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
فالله جل وعلا جعل ذلك غيباً حتى يتبين من يصدق ومن يعمل بالوحي الذي يأتي به الرسول ﷺ ويوقن بذلك ممن لا يؤمن إلا بمحسوس، ويتبين من يعبد الله ممن يعبد غيره، ولهذا جعل للخلق دارين باقيتين أبد الآباد: الجنة والنار، الجنة لمن أطاع وامتثل الأمر وآمن بالله جل وعلا وصدق بما جاء به الرسول ﷺ واتبعه، والنار لمن كذب وأبى اتباع الوحي، فيجب أن يكون هذا أهم المهمات لدى قلب الإنسان، يتعرف عليه وينظر فيه دائماً، ويتفكر فيه، ولا يجوز أن ينساه.
ثم إن السفر الذي يجب على العبد أن يسافره هو السفر إلى الله بقلبه وبعمله وبعبادته، وأما إلى الرسول ﷺ فإلى سنته وإلى الوحي الذي جاء به ليجعله دليلاً له في عمله، وهذا أنفع ما يكون للإنسان، بل وإذا تركه الإنسان فهو الخاسر وهو الضال، وهو الذي يكون يوم القيامة من النادمين، نسأل الله العافية.
стр. 1793
دعاء الميت والاستشفاع به
قال الشارح ﵀: [وأما الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصاً به ﷺ ، بل كل حي صالح يرجى أن يستجاب له فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي ﷺ لـ عمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: (لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك).
وأما الميت فإنما يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك، وهذا هو الذي يشرع في حق الميت، أما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة، أي: ينكره ويعادي من فعله كما في آية الأحقاف: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] فكل ميت أو غائب لا يسمع ولا يستجيب ولا ينفع ولا يضر].
قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
يقول الله جل وعلا: قد ضل الفاعل هذا الفعل الضلال البليغ المتناهي: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: أن الأموات من الحجارة وغيرها ما تستجيب دعوة الداعي إلا إذا حشر الناس وجمعوا فهناك تجيب وتكفر به وتقول: كفرت بك، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦].
وبين أن هذا الدعاء عبادة، فالذي يدعو الميت ويذهب إلى قبره ويقول: يا فلان! اشفع لي أو أعطني كذا أو أنا في حاجتك أو ظلمني فلان فانتقم لي منه أو أريد ولداً أو أريد مالاً أو أريد نصراً على العدو أو ما أشبه ذلك فهذا ضال متناهٍ في الضلال، وما يفعله شرك بالله جل وعلا؛ لأنه دعا ميتاً لا يجيب ولا يستطيع أن يستجيب، فإذا كان يوم القيامة جُمع هذا الداعي ومن دُعي ويقول الله جل وعلا له: اذهب إلى من كنت تدعوه فليستجب دعاءك، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إن الناس إذا اجتمعوا يوم القيامة وجاء ربنا جل وعلا ليفصل بينهم يخاطبهم بخطاب يسمعونه ويقول لهم: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا، فكلهم يقولون: بلى يا رب! فيمثل لكل داعٍ ما كان يدعوه) فيمثل للذين كانوا يدعون الشمس الشمس، وللذين كانوا يدعون القمر القمر، وللذين كانوا يدعون الأصنام الأصنام، وأما الذين كانوا يدعون الأنبياء أو الأولياء فيؤتى بشياطينهم؛ لأن الشياطين هي التي أمرتهم بذلك، (فيقال لهم: اتبعوهم -أي: هؤلاء الذين تدعونهم اتبعوهم-.
فيذهبون بهم إلى جهنم، فيلقون في النار ويقتحمون في النار خلفهم) هذا حكم الله فيمن يدعو غيره، وكل الخلق يقر بأن هذا عدل من الله أن يولي الداعي ما كان يدعو، (أما المؤمنون فإنهم يبقون في ذلك الموقف -يبقون بعد ما ذهب من يدعو غير الله- فيأتيهم الله جل وعلا فيقول: ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا رباً ننتظره، وقد فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم) يعني: لما كنا نحتاجهم أما اليوم فلسنا بحاجة إليهم؛ لأنه لا أحد يغني عن أحد في ذلك اليوم، (فيأتيهم الله جل وعلا فيعرفونه فيتبعونه) لأنهم يعبدونه.
فالإنسان يتبع يوم القيامة معبوده: فإن كان يعبد شجراً يتبعه إلى جهنم، وإن كان يعبد ولياً أو نبياً فإنه يمثل له شيطان ذلك النبي أو الولي.
وقد أخبر الله جل وعلا عن ذلك في القرآن بقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] ولما نزلت هذه الآية احتج بعض المشركين وقالوا: إذاً: نحن نعبد الملائكة، وهناك من يعبد عيسى ويعبد أمه! فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] فالرسول ﷺ فسر هذه الآية وبينها، فقال: (إن من كان يعبد عيسى ومن كان يعبد عزيراً يأتيه شيطان عيسى وشيطان عزير) وكذلك الأولياء تأتي شياطينهم؛ لأن الشياطين هي التي أمرت بعبادتهم، وهي التي أمرت بدعائهم، فيتبع من كان يعبدهم شياطينهم.
فهذا معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] يعني: إذا جمعوا معهم صار المدعو عدواً للداعي مبغضاً له، كافراً بدعوته، يتبرأ إلى الله منه، سواء أكان هذا المدعو ولياً أم نبياً أم غير ذلك، فإن كل معبود يكفر بعابده.
стр. 1794
الصحابة ﵃ لم يسألوا النبي ﷺ بعد موته ولم يستشفعوا أو يستسقوا به
قال الشارح ﵀: [والصحابة ﵃ لا سيما أهل السوابق منهم كالخلفاء الر، اشدين ولم ينقل عن أحد منهم ولا عن غيرهم أنهم أنزلوا حاجتهم بالنبي ﷺ بعد وفاته، حتى في أوقات الجدب، كما وقع لـ عمر ﵁ لما خرج ليستسقي بالناس خرج بـ العباس عم النبي ﷺ فأمره أن يستسقي؛ لأنه حي حاضر يدعو ربه، فلو جاز أن يستسقى بأحد بعد وفاته لاستسقى عمر ﵁ والسابقون الأولون بالنبي ﷺ ، وبهذا يظهر الفرق بين الحي والميت؛ لأن المقصود من الحي دعاؤه إذا كان حاضراً، فإنهم في الحقيقة إنما توجهوا إلى الله بطلب دعاء من يدعوه ويتضرع إليه، وهم يدعون ربهم، فمن تعدى المشروع إلى ما لا يشرع ضل وأضل، ولو كان دعاء الميت خيراً لكان الصحابة إليه أسبق وعليه أحرص، وبهم أليق، وبحقه أعلم وأقوم، فمن تمسك بكتاب الله نجا، ومن تركه واعتمد على عقله هلك.
وبالله التوفيق].
الاستشفاع والتوسل من الأمور المجملة التي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً عند كثير من الناس، فالاستشفاع أو التوسل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً، وفي وقتنا تستعمل هذه الألفاظ غالباً في الباطل لعدم الفهم، ولعدم التفريق بين الحق والباطل لأجل الجهل، فكثير من الناس يجهل معنى التوسل، ويجهل معنى الاستشفاع، والتوسل المستحب هو التوسل بأهل الصلاح والخير في وقت الجدب عند الاستسقاء في الصلاة، وهذا هو الذي يقول العلماء معناه: التوسل بدعاء الصالحين إذا كانوا أحياءً حاضرين فقط، أما إذا كانوا غائبين أو كانوا ميتين فلا أحد من العلماء يقول بذلك، ودعوة الرسول ﷺ جاءت بإبطال هذا.
وكذلك يكون حكم الاستشفاع إذا كان المقصود به الدعاء؛ لأن كلمة (شفع) مأخوذة من الشفع الذي هو ضم الشيء إلى غيره، فهو يضم دعاءه إلى دعائه، ولكن كثيراً من الناس جهل هذا المعنى وقال: الاستشفاع هو أن أطلب به الشفاعة من الله، أو أطلبه أن يشفع لي ولو كان ميتاً، ولو كان غائباً، وأقول: يا فلان! اشفع لي، أو أنا أدعوك أن تشفع لي، وهذا -في الحقيقة- هو دين المشركين، فلم يكن المشركون يعتقدون أن مع الله خالقين ومدبرين ومتصرفين في الكون لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما كانوا يعبدون أصناماً أو أحجاراً أو أشجاراً أو رجالاً صالحين من الجن والإنس أو الملائكة أو الأنبياء، يعبدونهم ويقولون: نحن نطلب الشفاعة منهم وأن يتوسطوا لنا عند الله، هذه عبادتهم، وهذا هو الذي جاءت الرسل بإبطاله وبالتصريح بأنه شرك بالله جل وعلا، فيجب على المسلم أن يفرق بين دين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ودين أبي جهل ولكلٍ وارث، فالأنبياء لهم ورثة، والمشركون لهم ورثة، فيجب على العبد أن يفرق بين الحق والباطل.
والصحابة رضوان الله عليهم سلكوا الطريق الحق الذي جاءهم به كتاب الله ودعوة رسوله ﷺ ، فلما حصل الجدب في خلافة عمر ﵁ -والسنة التي أقرها رسول الله ﷺ : أن المسلمين إذا أجدبوا فإنهم يصلون لله، ويدعونه، ويخشعون ويتضرعون، ويظهرون فقرهم لله جل وعلا لعله يرحمهم -خرج المسلمون في زمن عمر ﵁ يستسقون ويطلبون المطر من الله جل وعلا، وتوسلوا بـ العباس، ومعنى (توسلوا بـ العباس): أنهم أخذوه معهم فدعا؛ لأنه أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وهو الحي الذي يقدر أن يدعو، فقال عمر: (يا عباس! قم فادع) فجعل العباس يدعو وهم يؤمنون على دعائه.
فتبين بهذا أن التوسل الذي قصده هو التوسل بدعائه، وإلا فلو كان التوسل بذاته لتوسلوا بالرسول ﷺ ؛ لأنه لا فرق -إذا كان التوسل بالذات- بين الحياة والموت، بل كله سواء، فلما عدلوا عن الرسول ﷺ إلى العباس وقال عمر ﵁: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) تبين بهذا أن المقصود بالتوسل التوسل بدعاء الحي الحاضر، وهذا هو الذي تقرر في دعوة رسول الله ﷺ ، فإنه لا يجوز أن يدعى أحد مع الله، ولا يجوز أن يُسأل الله بالمخلوق، كأن يقول الإنسان: يا رب! أسألك بفلان، فكون الإنسان يسأل ربه بمخلوق كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، أو أسألك بعمل فلان، أو أسألك بفلان هذا من البدع التي حدثت ولم يأت بها الشرع، وإنما إذا كان الإنسان ترجى إجابته فيستحب أن يطلب منه الدعاء، فيقال له: ادع الله لنا، فيدعو هذا الذي ترجى إجابة دعوته والحاضرون يؤمنون على دعائه كما فعل الصحابة، هذا هو الذي يجوز.
أما أن يذهب الإنسان إلى ميت فيقول لهذا الميت: اشفع لي، أو أعطني كذا، أو امنعني من كذا، أو أنا أستجير بك من كذا، أو فلان ظلمني فانتصر لي منه، أو ما أشبه ذلك، فهذا دين المشركين، وليس من دين الإسلام في شيء، بل هو الشرك بعينه، ومن اعتقده ومات عليه فإنه يكون مشركاً، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وليس دين المشركين إلا هذا، فالمشركون ما كانوا يعتقدون أن الحجر يدبر، ولا كانوا يعتقدون أن الصنم ينزل المطر أبداً، بل كانوا إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا الدعاء لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقد جاء أنهم كانوا إذا ركبوا في السفينة فهبت ريح شديدة يلقون أصنامهم في البحر ويقولون: هذه لا تنفع ولا تضر، ويتجهون بدعائهم إلى الله خالصاً، ثم إذا أنجاهم الله جل وعلا إلى البر وجاء الرخاء عادوا إلى شركهم، هكذا كان صنيعهم.
فهم في الحقيقة أصح عقولاً ونظراً ممن ينزل فقره بالمقبور الذي قد دفن وأصبح طعاماً للدود، لا يستطيع أن يخلص بدنه من الدود الذي يأكله، فكيف يذهب إنسان يدعوه ويترك رب العالمين الذي بيده كل شيء؟! والله جل وعلا لم يجعل بينه وبين عبده وساطة تدعى، بل أمر بأن يدعى وحده ولا يدعى معه غيره، ففي أي مكان كنت فاتجه إلى ربك جل وعلا، فإنه سميع قريب عليم يعلم ما في النفوس، بخلاف الخلق فإنهم عاجزون، وهم أيضاً فقراء إلى الله كلهم ملائكتهم وبشرهم، إنسهم وجنهم، ولا يملكون مع الله شيئاً، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، فكل من يدعى من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، فلا فائدة من دعوتهم، وهذا أمر عام: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هؤلاء الذين زعمتم أنهم يُدعون من دون الله سواء أكانوا عقلاء، أم غير عقلاء، كانوا أنبياء أم غير أنبياء، ملائكة أم جناً أم غيرهم، كلهم داخلون في هذه الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ فإذا كانوا لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعوهم العاقل؟! وماذا تجدي دعوتهم؟! ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يعني: ما لهؤلاء المدعوين من دون الله من شركة في السماء ولا في الأرض، بل هم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، وإذا أراد أن يهلكهم أهلكهم.
ثم قال جل وعلا: ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)) يعني: من معاون ومساعد تعالى الله وتقدس.
إذاً: فإذا كان ما لهم شيء يملكونه استقلالاً، ولا يشاركون المالك في شيء منه، ولا المالك أيضاً يتخذهم معاونين ومساعدين، فماذا بقي؟ بقيت الشفاعة، فنفاها جل وعلا بقوله: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، فبين أن الشفاعة ما تنفع إلا إذا أذن رب العالمين.
قد يقول قائل -مثلاً-: إذا كانت تنفع فأنا أطلبها من الولي أو من النبي والله يأذن له! فيقال: ليس هذا الطلب طريقاً للإذن بالشفاعة، وإنما طريق الإذن للشفاعة هو إخلاص الدعوة لله، وإخلاص الدعاء له، وإخلاص العبادة، كما جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال للرسول ﷺ : (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) يعني أن الشفاعة تكون لأهل الإخلاص، أما الذين يدعون مع الله غيره فالله لا يأذن بالشفاعة فيهم.
وقال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: كيف تتخذونهم ليكونوا شفعاء وهم لا يملكون شيئاً؟! فهو جل وعلا ينكر عليهم.
ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤]، وسائر سور القرآن مملوءة من معنى هذا الذي ذكرنا.
فلا يجوز للمسلم أن يجهل مثل هذا؛ لأن هذا من أصول الدين، وكل من مات سيسأل عن هذا، فإذا وضع في قبره أول ما يوضع يأتيه ملكان عظيمان ينتهرانه بقوة وشدة ويقولان له: من ربك؟ ومن كنت تعبد؟ وبأي شيء تعبد؟ ومن الذي جاءك بما تعبد؟ يسألانه عن هذه المسائل الثلاث، فإذا كان الإنسان ليس عابداً على الحقيقة وليس عالماً بذلك يتلعثم ولا يستطيع أن يجيب، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه إذا سئل وكان غير موقن فإنه يتلعثم ويقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته؛ لأنه بنى دينه على تقليد، وكان يرى الناس يفعلون شيئاً فيفعل كما يفعلون، فهكذا يقول في القبر، يقول: رأيت الناس يفعلون
стр. 1795
حكم الاستشفاع بالله على خلقه
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك].
سبق أن معنى (نستشفع بالله عليك): أنه تنقص لله جل وعلا، فالله جل وعلا لا يجوز أن يكون شافعاً عند أحد من الخلق، وإنما يشفع عند الله؛ لأن الله جل وعلا له الملك كله، وله الخلق كله، وبيده الخير كله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا أحد يجبر الله أو يرغمه على شيء، أو يجعل الله يفعل شيئاً من الأشياء، بل الله أعظم وأكبر من أن يُجعل شفيعاً عند مخلوق من الخلق، تعالى الله وتقدس عن ذلك علواً كبيراً، ولهذا كبر الرسول ﷺ ، وفي رواية أنه فسبح، قال: (سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله)، فصار يكرر التسبيح؛ لأن الأعرابي قال قولاً تنقص فيه رب العالمين، وبتسبيحه هذا إنكار، ثم لم يكف عن هذا الأعرابي، بل عاد عليه وقال: (ويحك!) و (ويح) كلمة توجع، يعني: إنك وقعت في أمر مهلك، (أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟)، فأخبر أن الله جل وعلا قاهر فوق الخلق كلهم، وكلهم تحت تصرفه، وفي قبضته، لا يمكن أن يملكوا معه شيئاً، فيجب أن ينزه الله جل وعلا من هذا المعنى، ولا يجوز أن يتكلم بالكلام الذي فيه تنقص بالله جل وعلا، فضلاً عن أن يعتقد، أما اعتقاد ذلك فهو كفر بالله جل وعلا، نسأل الله العافية، فلهذا بادر بالإنكار عليه، ونزه الله جل وعلا من أن يكون شافعاً لأحد من الناس عند النبي ﷺ ، تعالى الله وتقدس، ولم ينكر عليه قوله: (ونستشفع بك على الله) بل أقره على ذلك، وهذا هو الذي كان يطلب من الرسول ﷺ أن يشفع عند الله لمن سأل، كما طلب عكاشة بن محصن، فإنه لما أخبر الرسول ﷺ عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وقال: (هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، قام عكاشة بن محصن الأسدي وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: اللهم اجعله منهم) فهذا طلب شفاعة فشفع له بذلك.
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون منه هذا، ولكن بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه لم يطلب أحد منهم شيئاً منه.
стр. 1796
وجوب الغضب إذا انتهكت محارم الله جل وعلا
قال المصنف ﵀: [الثانية: تغيره تغيراً عُرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة].
يعني أن هذا الأعرابي لما قال: (ونستشفع بالله عليك) تغير وجه الرسول ﷺ حتى تغيرت وجوه أصحابه من أجل ذلك من شدة تغير وجهه، غيرة وغضباً لله جل وعلا لكونه تنقص الله جل وعلا بهذه الكلمة، والرسول ﷺ كان إذا انتهكت محارم الله لا يمكن أن يسكت، ولا أحد يقوم لغضبه صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا عرف ذلك في وجوه أصحابه، فإنها تغيرت لتغير وجه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا التغير وقع غيرة لله جل وعلا لكون هذا الرجل الجاهل استنقص حق الله جل وعلا وملكه، فمن أجل ذلك وقع ما وقع للرسول ﷺ عملاً وقولاً.
стр. 1797
معنى: (سبحان الله)
قال المصنف ﵀: [الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله).
الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله)].
يعني أن معنى (سبحان الله): تنزيه لله، و (سبحان) مأخوذ من (السبح) وهو الإبعاد في الجري، يقال: فرس سبوح: إذا كانت تبعد في سيرها وجريها، فهو يقول: إن الله بعيد كل البعد عما قلت، ويتنزه ويتقدس عما قلت، هذا معنى قوله: (سبحان الله).
стр. 1798
طلب الدعاء من المخلوق الحي جائز
قال المصنف ﵀: [الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء].
المسلمون كانوا يسألونه الاستسقاء ويسألونه الدعاء، سواء أكان خاصاً أم عاماً.
وهكذا ينبغي للإنسان إذا كان عنده من يظن به الصلاح ومن يظن أنه ترجى دعوته أن يسأله ويقول له: ادع الله لنا، وقد جاءت سنة ذلك في القرآن، فالله جل وعلا أخبرنا عن الملائكة الذين يحفون بالعرش ويؤمنون بالله أنهم يستغفرون للمؤمنين، قال تعالى حاكياً عنهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، فإذا طلب المسلم من أخيه المسلم أن يدعو له فإن هذا جائز، بل قد يكون مستحباً؛ لأنه جاء في الحديث: (إذا دعا المسلم لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله) وقول الملك: (آمين) يرجى أن الله يستجيبه، ويقول: (ولك بمثله) يعني: لك من الدعوة مثل ما دعوت لأخيك، فإذا دعا الإنسان بدعوة لأخيه فإنه في الحقيقة يسعى في طلب الخير لنفسه، ثم المسلم يجب أن يحب لأخيه المسلم مثل ما يحب لنفسه، ولهذا شرع لنا أننا نقول في الصلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعباد الله الصالحون هم كل عبد صالح، فنحن نسأل الله جل وعلا لنا وله السلامة، أن يسلمه الله من العذاب، سواء أكان من الأحياء أم الأموات، والذي لا يهمه أمر المسلمين ليس منهم، والرسول ﷺ كثيراً ما كان يدعو للأمة عموماً، أي: الأمة التي آمنت، أمة الاستجابة التي استجابت لدعوته، وليس أمة الدعوة؛ فإن الخلق كلهم أمة له، ولكن الذين لم يستجيبوا هم من أهل النار لا يدعى لهم ولا يستغفر لهم، وإنما يدعى للمؤمنين.
والمقصود أن هذا مشروع، فكون الإنسان يسأل الله جل وعلا لأخيه السلامة في الدنيا والآخرة، ويحب له ما يحب لنفسه أمر مطلوب.
стр. 1799
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٤]
من قواعد الشرع منع ما كان وسيلة وذريعة إلى محرم، خاصة ما كان وسيلة إلى الشرك، وذلك حماية لجناب التوحيد، ومن ذلك أنه منع المدح الذي قد يفضي إلى الغلو.
стр. 1800
وجوب سد الطرق التي تؤدي إلى الشرك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد، وسده طرق الشرك].
قوله: (باب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك) يريد بهذا أن يبين أن الرسول ﷺ بعدما وضح عبادة الله إيضاحاً تاماً جاء بما يحمي هذه العبادة عن أن يدخلها شيء من النقص الذي ينقصها أو يكون وسيلة إلى شيء مما يذهب كمالها، هذا هو مقصوده.
و (الحمى) هي: جوانب الشيء، والطرق التي يدخل منها إليه، فسد الرسول ﷺ الطرق الباطلة، ومعنى هذا: أن الرسول ﷺ وضح عبادة الله إيضاحاً كاملاً، كما أنه وضح وسائل الشرك وبينها ونهى عنها وحذر منها، وهذا كثير جداً في سنته صلوات الله وسلامه عليه، وقد مر معنا أشياء من ذلك، فلما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت، قال له ﷺ : (أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده) ومعلوم أن له ﷺ مشيئة، وأنه يتصرف بمشيئته، ومع هذا نفى ذلك، ونحو ذلك الحديث السابق الذي فيه أن رجلاً من الصحابة آذاه منافق فقال: قوموا بنا إلى الرسول ﷺ نستغيث به من هذا المنافق، فقال ﷺ : (إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله) ومعلوم أن الرسول ﷺ كان يستطيع أن يأمر بقتله، ولو قال لأحد الصحابة: اقتله؛ لأسرع مبادراً إلى قتله، بل لتسابقوا إلى ذلك، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يمنع الوسائل التي يمكن أن يدخل معها إلى ما لا يجوز، ونحو ذلك أشياء كثيرة جداً بينت في الأحاديث عن النبي ﷺ .
стр. 1801
حكم المدح
قال الشارح ﵀: [حمايته ﷺ حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ كقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وتقدم].
هذا منها، يعني: التمادح في الوجه وكون الإنسان يمدح آخر مقابلاً له نهى عنه صلوات الله وسلامه عليه.
والإطراء معناه: تجاوز الحد الذي حده الله ورسوله ﷺ ، وهو: المبالغة في المدح، ولهذا قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) وفي رواية: (لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله إياها، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله) فحذر صلوات الله وسلامه عليه عن المدح الذي يدعو المادح إلى أن يتجاوز الحق.
والمدح نهى عنه رسول الله ﷺ إذا كان في وجه الممدوح، وثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: (احثوا في وجوه المداحين التراب) يعني: إذا جاءك من يمدحك في وجهك فينبغي أن تحثو في وجهه تراباً، وتقول: هذا جزاؤك؛ لأن المدح فتنة، والنفس تحب أن تمدح، حتى إن كثيراً من النفوس إذا مدحت تستأنس بالمدح، وإن كان ما قيل ليس صدقاً، فتجده يقول: لعله صدق، وهو يعرف من نفسه أنه ليس كذلك! فيستأنس بهذا ويميل إليه، ثم فيما بعد يصبح يحب هذا، والذي لا يمدحه لا يعطيه حقه، كما لو كان الممدوح مسئولاً على أمر عام على المسلمين، فإذا مدح عمل الواجب عليه، وإذا لم يمدح ظلم هذا الذي لم يمدحه، ولم يعمل العمل الذي يجب عليه.
والمفاسد التي تحدث بسبب المدح كثيرة جداً كالظلم، وترك الحق، وارتكاب الباطل، وكذلك حب النفس، بل عبادة النفس، والرسول صلوات الله وسلامه عليه طبيب القلوب، يعلم ماذا يكون أثر المدح، ولما مدح إنسان آخر في مجلسه، قال: (ويلك! قطعت عنق صاحبك، إن كنت مادحاً ولا محالة فقل: أحسبه كذا وكذا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً) هكذا ينبغي أن يقول.
أما أن يمدحه في وجهه فهذا -في الحقيقة- شأن المنافقين؛ فهم الذي يأتون يقولون في وجه الإنسان قولاً ثم إذا غابوا عنه قالوا خلافه، وقد عرف الناس أن الذي يمدحك حاضراً يذمك غائباً، ولو أن الناس امتثلوا ما أرشدهم إليه الرسول ﷺ لسلموا من هذه الورطة، ومن هذه الفتنة والبلية.
والمدح في الحقيقة مرض اجتماعي يجب أن يعالج بالوسائل التي تزيله أو تقلله، وعلاجه اتباع قول الرسول ﷺ ، وأن ينهى عن المدح، فإذا رأيت أخاك يمدحك فلا تقره على هذا، بل انصحه، وقل له: إن هذا ما ينبغي؛ لأن هذا فتنة لي ولك، فلا تمدحني، ولا تقل هذا القول.
وإن كان المدح كذباً، فسوف يحاسب الله جل وعلا عليه يوم القيامة، وإذا أقررت ذلك فستحاسب كذلك، فيجب على المسلمين أن يتناصحوا فيما بينهم، وأن يتعاونوا على الحق، وألا يكونوا أعواناً للشيطان على الباطل.
فالمقصود: أن الرسول ﷺ نهى عن كل وسائل الباطل، فسدها ومنعها ومنها، الإطراء في المدح، فإذا تكلم الإنسان فيجب أن يتكلم بحق، وأن يتكلم بالشيء الواقع، وإذا كان الكلام في الحاضر قد يجر إلى فتنة فلا يجوز أن يتكلم به، بل يدرأ الفتنة؛ لأن النفوس ضعيفة في الحقيقة، وتميل إلى طلب المدح، وإلى طلب الرفعة، وقد سمي هذا بالشهوة الخفية، وقد جاء التحذير منها، والشهوة الخفية هي: حب الرئاسة والترفع على الناس، وهذه الشهوة الخفية كامنة في النفوس، فكل نفس فيها حب العلو وحب الرفعة، ولكنه كامن فيها، فإذا ترك سكن وقر، وإذا أثير ثار، فلا يجوز إثارته، بل يجب أن تهذب النفوس بالحق الذي جاء به الكتاب والسنة، ولن تتهذب النفوس إلا بهذا.
стр. 1802
زجر المادحين
قال الشارح ﵀: [وقوله: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ونحو ذلك، ونهى عن التمادح وشدد القول فيه، كقوله لمن مدح إنساناً: (ويلك! قطعت عنق صاحبك) الحديث أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي ﷺ فقال له: (قطعت عنق صاحبك، ثلاثاً).
وقال: (إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة عن المقداد بن الأسود].
وقد امتثل المقداد بن الأسود ﵁ هذا القول، فثبت أنه كان جالساً يوماً عند أمير المؤمنين عثمان ﵁، فسمع رجلاً يمدح أمير المؤمنين، فجثا المقداد على ركبتيه، وجعل يحثو التراب في وجهه، فقال له أمير المؤمنين عثمان ﵁: مالك؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نفعل بالمداحين.
فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يمتثلون ما أمرهم به الرسول ﷺ ، وهذا يدلنا على أن المقصود به ظاهره، وليس كما قال بعض الشراح: إن معنى قوله: (احثوا وجوههم التراب) يعني: خيبوا طلبهم، فإذا جاءوا يمدحون ويطلبون شيئاً فلا تعطوهم شيئاً، ليس هذا هو المقصود، إنما المقصود هو ما فعله الصحابي رضوان الله عليه، والرسول ﷺ أفصح الناس قولاً، وأعلمهم علماً، وأنصحهم للأمة، فإذا قال قولاً فيجب أن يفهم كما قاله صلوات الله وسلامه عليه، ولا تطلب له غرائب المعاني، ولا يؤول، إلا أن يكون هناك نص آخر يعارضه؛ لأن أقوال الرسول ﷺ لا تتعارض.
стр. 1803
شرح حديث عبد الله بن الشخير: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله)
قال المصنف ﵀: [عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا فقال: السيد الله ﵎، قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) رواه أبو داود بسند جيد].
يقول عبد الله بن الشخير ﵁: كنت في وفد بني عامر، وهو وفد من الوفود التي وفدت على النبي ﷺ في سنة تسع من الهجرة، يعني: أن هذا وقع في آخر حياة النبي ﷺ ، يقول: (فلما أتينا إلى النبي ﷺ قلنا: أنت سيدنا.
فقال ﷺ : السيد الله، فقلنا: أنت أفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً -وفي رواية-: أنت سيدنا وابن سيدنا، فقال: السيد الله، قالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال: أيها الناس! قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، أنا رسول الله فقولوا: رسول الله) فهذا من الأحاديث التي أراد بها ﷺ أن يسد الطرق التي يأتي منها الشيطان، وينقص بها عبادة المسلمين، وهذا منه.
ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه سيد ولد آدم كما جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، كما في حديث أبي هريرة الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، أتدرون ما ذلك؟ قلنا: لا، إلا أن تخبرنا فقال: إذا كان يوم القيامة، وجمع الله جل وعلا الناس في صعيد واحد، ألهم الله جل وعلا الناس أن يطلبوا الشفاعة من الله جل وعلا حتى يفصل بينهم، فيذهبون إلى آدم ويطلبون منه ذلك، فيتأخر ويأبى، ثم يذهبون إلى نوح، فيتأخر ويأبى، ثم يذهبون إلى إبراهيم فيتأخر ويأبى، ثم يذهبون إلى موسى فيأبى، ثم يذهبون إلى عيسى فيأبى، ثم يأتون إليّ فأقول: نعم -يعني: أشفع لكم- فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فأبقى قدر أسبوع ساجداً ثم يقول لي جل وعلا: ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع) فيشفع في أن يأتي الله جل وعلا ليفصل بين عباده، وهذا جاء تفسيره بأنه هو المقام المحمود الذي وعد الله جل وعلا أن يبعثه إياه قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] أي: يحمده عليه الأولون والآخرون، حتى قوم نوح، فهو بذلك سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، والسيد في اللغة هو: الرئيس المقدم بالقوم، ولكن كره صلوات الله وسلامه عليه أن يكون هذا طريقاً للشيطان بأن يأتي إليهم ويقول: هو سيدكم، ثم يأتي إليهم ويقول: اسألوه الشفاعة، ثم يتدرج بهم ويقول: اسألوا الرسول وإن كان ميتاً، اسألوه أن يعطيكم كذا، ويشفع لكم بكذا، فيدخل بهم من هذا الباب إلى الشرك، ولهذا منع ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله ﷺ : (قولوا بقولكم أو بعض قولكم) يعني: قولوا لي كما تقولون لبعضكم بعضاً، وقد نهانا ربنا جل وعلا أن ندعوه باسمه، فلا تقول: محمد بن عبد الله، بل أمرنا أن نقول: رسول الله، نبي الله، كما قال جل وعلا: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] يعني: نحن ندعو بعضنا بعضاً بالأسماء، وأما النبي ﷺ فأمر الله جل وعلا أصحابه أن يدعوه بالنبوة وبالرسالة؛ لأن هذا هو أشرف ما أكرمه الله جل وعلا به، أن جعله نبياً رسولاً، والله جل وعلا أثنى عليه في مقامات الثناء التي أثنى عليه بها في كتابه بلفظ العبد؛ لأن أشرف وصف للإنسان أن يحقق عبودية ربه، والعبادة هي نهاية الذل ونهاية الخضوع للمعبود مع التعظيم والمحبة له، يقول جل وعلا في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] فجعله عبداً له، وقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وقال في مقام التنزيل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] فهذه المقامات الأربع هي أشرف مقامات الرسول ﷺ ، والله وصفه فيها بلفظ العبودية، لهذا قال: (أنا عبد الله)، وعيسى ﵇ لما جاءت به أمه تحمله بعد الولادة، وهو من الذين تكلموا في المهد، فأول كلمة تكلمها وواجه الناس بها أنه قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، ولما جاءت أمه به تحمله اتهموها كما قال الله عنهم: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧] يعني: أمراً عظيماً جداً؛ كيف تأتين بالولد وليس لك زوج؟! ولهذا قالوا: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩] يعني قالت: كلموه، فتعجبوا ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩] فالتفت إليهم وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] فأول كلمة قالها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فالخلق لا يخرجون عن عبودية الله جل وعلا، بل أشرف حال للإنسان أن يحقق مقام عبودية الله جل وعلا، فقوله ﷺ هنا: (السيد الله) يدلنا على أنه يطلق على الله أنه سيد، وقد اختلف الناس في هذا الإطلاق: فمنهم من منع، وقال: السيد لا يكون إلا من الجنس الذي يضاف إليه، يعني: يقال: سيد ربيعة، سيد تميم، فإذا كان رجل من ربيعة فلا يقال له: إنه سيد تميم، وإذا كان من تميم فلا يقال له: إنه سيد ربيعة، فيقولون: لا ينبغي أن نطلق هذا على الله جل وعلا، والصواب أنه إذا تكلم به الرسول ﷺ وجب علينا أن نقوله؛ لأن الرسول ﷺ لا يقول إلا الحق، وقد صح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] قال: الصمد هو: السيد الذي كمل في سؤدده، وكذلك قال غيره من السلف، وكذلك قال في قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام:١٦٤] أي: إلهاً وسيداً، هكذا كان يقول ابن عباس، ويكفينا قول الرسول ﷺ هذا، ففيه أنه يجوز إطلاق سيد على الله جل وعلا، ومعنى السيد الذي كمل في جميع صفاته، ولا يجوز أن يطلق على المنافق أنه سيد كما قال النبي ﷺ : (لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن كان سيداً فقد أغضبتم ربكم تعالى).
стр. 1804
حكم إطلاق (السيد) على البشر
قال الشارح ﵀: [قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: (يا سيدنا! قال: السيد الله ﵎.
وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) وهذا أصح من الحديث الأول.
قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي: سيد كندة، ولا يقال للملك: سيد البشر، قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك، والمولى، والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق، انتهى.
قلت: فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام:١٦٤] أي: إلهاً وسيداً، وقال في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢]: إنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد، وقال أبو وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.
وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) فالظاهر أن النبي ﷺ لم يواجه سعداً به، فيكون في هذا المقام تفصيل.
والله أعلم].
قوله: (اختلف الناس في إطلاق لفظ السيد على البشر) وقد فصل في هذا، والصواب: أنه يجوز؛ لأن السيد بمعنى المقدم في القوم، وكذلك بمعنى الرئيس، وبمعنى المولى، وما أشبه ذلك، ولكن إذا أطلق على الله جل وعلا فهو بمعنى الرب المالك المتصرف، فهو غير ما يطلق على البشر، إلا أنه لا ينبغي إطلاقه على البشر في المواضع التي منها ألفاظ مشروعة، مثل التشهد في الصلاة، فكثير من الناس يقول: أشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وهذا لم يرد عن النبي ﷺ ؛ فالعبادات توقيفية يجب أن يوقف معها على النص الذي جاء، وأما إطلاقه في غير العبادة فهو جائز، ولا سيما وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، أتدرون ما ذلك؟) ثم ذكر حديث الشفاعة.
فهذا صحيح ثابت عنه ﷺ ، وأما إطلاقه على الله جل وعلا فله معنى غير هذا، وقد بين الشارح أن معناه: المولى والمالك والمتصرف والرب الذي يربي خلقه بالنعم، وبما يصلح لهم، وما يصلحهم.
стр. 1805
مسائل باب ما جاء في حماية النبي حمى التوحيد
стр. 1806
التحذير من الغلو
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو].
الغلو هو: تجاوز الحد المشروع، أي: الزيادة على ما شرعه الله جل وعلا سواء كان في الأقوال أو في الأعمال.
ومعلوم أن النقص الذي يدخل على الناس في دينهم يأتي إما من الزيادة في المشروع أو من النقص منه، وعدم القيام به، فيجب على العبد أن يترسم الشرع، ويتبع ما جاء به رسول الله ﷺ ، وهذا أمر لابد منه في كل عبادة، فإذا لم تكن العبادة مشروعة فهي فاسدة مردودة على صاحبها، ولهذا يقول العلماء: أصل الإسلام ألا يعبد إلا الله، وألا يعبد الله جل وعلا إلا بما شرعه الرسول ﷺ ، فإن هذا هو أصل الدين، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يعني: لا نتأله بقلوبنا حباً وخضوعاً وذلاً وتعظيماً إلا لله وحده، وتألهنا وعبادتنا لا تكون إلا بأمر الله الذي أمرنا به، فإذا جئنا بشيء غير مأمور فمعنى ذلك أننا ابتدعنا، ويكون عملنا مردوداً كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: مردود على صاحبه غير مقبول، وغير معتد به، والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥] أخبر أنها تخشع وتنصب وتتعب وتكدح بالعمل، والنتيجة أنها تصلى ناراً حامية! والسبب: أنهم كانوا يتعبدون بالبدع، ويتعبدون بغير ما شرع الله جل وعلا؛ فكان جزاؤهم أنهم في النار، وكل من أراد أن يصل إلى الجنة من غير طريق رسول الله ﷺ فإن الباب يؤصد دونه، ويصد إلى النار، فلابد أن تكون العبادة بما جاء به الرسول ﷺ ، فلا نزيد فتكون غلواً، ولا نجفو وننقص فتكون معصية.
والعبد يجب عليه أن يلتزم أمر الله جل وعلا، ويتبعه فإن هذا هو الذي جاءت به رسل الله من أولهم إلى آخرهم، ألا يعبد إلا الله، وأن يعبد بالشرع الذي جاءت به الرسل.
стр. 1807
على الإنسان ألا يرضى بالمدح
[الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا].
أي: لا ينبغي للإنسان أن يعظم نفسه، ولا أن يسترسل مع هوى نفسه ومع المادح الذي يمدحه، وإنما ينبغي له أن يتواضع لله، وأن يخاف أن يزيغ قلبه، وألا يسكت إذا أثني عليه ولا يسترسل مع ذلك؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وإذا تعدى الإنسان طور العبودية فإنه يخشى عليه أن يضل ويزيغ، فينبغي أن يكون الإنسان حذراً، وعادة أهل التقى أنهم يعودون على أنفسهم باللوم والازدراء من غير أن يقصروا، وإنما يرون أنفسهم أنهم ما قاموا بالواجب عليهم لله جل وعلا، فيزدرون أعمالهم ويتواضعون لله جل وعلا، أما إذا كان تصور الإنسان أنه فوق الناس، وأنه عظيم؛ فإن الشيطان يتخذه ولياً له -نسأل الله العافية- ويغره، والعجب بالعمل أو بالنفس طريق لإبطال العمل وإفساده والخروج عن العبودية لله جل وعلا، فإذا قوبل الإنسان بالمدح والثناء فينبغي أن ينهى المادح عن ذلك، ويقول: أنا أعلم بنفسي منك، ولا يسترسل مع من يمدحه، وغالباً أن الذي يمدحك في وجهك يذمك إذا غبت عن وجهه، ينبغي للإنسان أن يكون عوناً لأخيه على التقى وعلى البر، وألا يكون عوناً للشيطان عليه، والنفوس ضعيفة، وكل نفس تحب الترفع، وتحب أن يكون لها المقام الرفيع في نفوس الخلق، فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يسترسل مع نفسه في مثل هذا.
стр. 1808
النهي عن الجائز إذا كان يؤدي إلى محرم
[الثالثة: قوله: (لا يستجرينكم الشيطان) مع أنهم لم يقولوا إلا الحق].
معنى: (لا يستجرينكم الشيطان) أي: يتخذكم جرياً له يعني: مطاياً، يركبكم ويؤزكم إلى ما يريده ويأمر به، مع أنهم قالوا: (أنت سيدنا وابن سيدنا) وهو حق، فهو سيدنا صلوات الله وسلامه عليه، ولكن نهاهم عن ذلك خوفاً من أن يدخل عليهم الشيطان ويزيد في هذا الباب فيتعدوا إلى الغلو الذي فيه الهلكة، كما وقع لكثير من الناس كما سبق التنبيه على هذا.
стр. 1809
تواضع النبي ﷺ
[الرابعة: قوله: (ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي)].
لا شك أن منزلته صلوات الله وسلامه عليه رفيعة، ولكن قصده صلوات الله وسلامه عليه بهذا أن يقولوا: نبي الله، رسول الله، فهذا أفضل ما يدعى به صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن النبوة والرسالة هما أعلى مقام يصل إليه الإنسان، فهو رسول لله جل وعلا كلفه ربه جل وعلا، بإبلاغ وحيه وشرعه، ودعوة خلقه إليه، وهذا هو الذي أراده صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1810
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٥]
يجب توحيد الله وتعظيمه، ومن ذلك الإيمان بأسمائه وصفاته، فإنها تدل على كمال الله وجماله وعظمته، ولا يلزم من إثباتها أي نقصٍ بوجه من الوجوه، وقد زعم أهل البدع ذلك، وأفسدوا عقائد المسلمين بشبهٍ بثوها فيهم، فقيّض الله لهم أئمة السنة يردون باطلهم، ويكشفون شبههم.
стр. 1811
وجوب توحيد الله وتعظيمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]].
هذا الباب هو آخر الكتاب، أراد المؤلف أن يختم كتابه بذكر توحيد الأسماء والصفات صراحة، وقد سبق أن كل الأبواب التي ذكرها بعد قوله: (باب: ما جاء في احترام أسماء الله) تتعلق بتوحيد الربوبية، وهنا أراد أن يختم بتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 1812
أقسام التوحيد
التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - توحيد العبادة.
٢ - توحيد الربوبية.
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
أما توحيد العبادة فهو إفراد الله بأفعال العبد التي يفعلها على وفق الشرع، فيجب أن يجعله واحداً، ويقصده ولا يقصد بعمله غير الله، فتوحيد العبادة يكون صادراً من العباد؛ لأنهم هم الذين يوحدون الله بأفعالهم التي يفعلونها، ويتقربون بها إلى الله جل وعلا، ولا يجعلون مع الله غيره، يعني: لا يقصدون بها غير الله.
وهذا جاء الأمر به في القرآن في مواضع كثيرة جداً، وهو الذي وقع فيه النزاع بين الأمم ورسلهم، وهو الذي أبى أكثر الناس أن ينقاد إليه، تمسكاً بما عليه آباؤهم، وما وجدوا الناس عليه، كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يعني: وجدنا آباءنا على دين يدينون به، وملة يتبعونها، فنحن نتمسك بها، ولما نهى هود ﵇ قومه عن اتخاذ الآلهة رموه بالجنون وقالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤] يعني: أصابت عقلك بخبل، كيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا وما وجدنا عليه الناس؟! فعدوا دعوته لهم جنوناً، فقال لهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥] تحداهم وقال: أنتم وآلهتكم إذا كان عندكم كيد وضر لي فأسرعوا به فلن تستطيعوا، فلو كانت آلهة لفعلت ذلك بهذا الذي يراغمها، وقد أخبر الله جل وعلا عنها بما هو أضعف من ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] فلو أن الذباب أخذ شيئاً من هذه الآلهة التي تعبد فلن تستطيع هذه الآلهة أن تأخذه من هذا الذباب.
والمقصود: أن توحيد العبادة هو الذي جاءت به الرسل صراحة، فكل رسول كان يقول لأمته: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] كل رسول قال هذا كما قص الله جل وعلا علينا ذلك في كتابه.
القسم الثاني: توحيد الربوبية، ومعناه: أن يعتقد الإنسان أن الله هو الخالق وحده، المتصرف المدبر لكل شيء، المالك لكل شيء، وهذا لم ينكره أحد، بل سائر الناس يقرون به، وإنما أنكره أفراد معينون على وجه التعنت والجحود والتكبر والعناد فقط، مثل النمرود، ومثل فرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ولكن لما أدركه الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] ولكن لم يفده ذلك؛ لأنه قاله بعد أن عاين الموت، وأيقن بالهلاك.
والله جل وعلا أخبر أن فرعون وهامان وقارون -هؤلاء المتكبرون- استيقنوا أن ما جاء به موسى حق، وأنه جاء به من عند الله، ولكنهم تكبروا وعاندوا.
وكذلك النمرود الذي أنكر على إبراهيم ﵇، ولما قال له إبراهيم: إن الله يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، فقال له إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] إن كنت صادقاً فبهت، وما استطاع أن يتكلم أو يجيب؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً مما يفعله الله جل وعلا.
فالمقصود: أن توحيد الربوبية يقر به الناس عامة، والمشركون الذين يعبدون غير الله يقرون بتوحيد الربوبية ويقولون: إن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق من قبلهم، وهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي ينزل المطر وينبت النبات، وهو الذي يتصرف في الكون كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] يعني: يعلمون أن الله هو الذي يفعل ما ذكر من كونه خلقهم، وخلق من قبلهم، وكونه جعل الأرض لهم فراشاً يتمكنون من المشي عليها والانتفاع بها، وجعل السماء بناءً، يرونها فوقهم بلا عمد، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ما يأكلونه وتأكله أنعامهم، ويعلمون أن الله هو المتفرد بذلك، فإذا كانوا يعلمون أن الله هو المتفرد بهذا وجب عليهم أن يعبدوا الله وحده؛ ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ يعني: في العبادة ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: أنه ليس معه من يتصرف بهذا الذي ذُكر أو غيره.
وهذا في القرآن كثير جداً، يحتج الله جل وعلا على المشركين بما يقرون به من توحيد الربوبية على إبطال شركهم.
وأما توحيد الأسماء والصفات فالله جل وعلا تعرَّف إلى عباده بما وصف به نفسه، وبما سمى به نفسه، فيجب أن يؤمن بما ذكره الله جل وعلا على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقد ذكر الله جل وعلا صفات كثيرة، مثل أن له العلم الكامل الشامل، وله القدرة على كل شيء، وله السمع والبصر، وله الإرادة، وله الحياة، وله يدان كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
وأخبر جل وعلا أنه يقبض السماوات والأرض يوم القيامة بيده، وتكون صغيرة حقيرة كما في هذه الآية التي ترجم بها المؤلف، وأخبر جل وعلا أنه حكم عدل لا يظلم أحداً، وأخبر جل وعلا أنه يعلم ما توسوس به النفوس، وأنه كتب كل شيء، وما أشبه ذلك من أوصافه الكثيرة التي ذكرها في كتابه.
وكذلك رسوله ﷺ ذكر أشياء كثيرة جداً يصف بها ربه، وقد آمن بها صحابته بدون شك في ذلك أو تردد فيه، أخبرهم أن الله في السماء، وأخبرهم أنه مستوٍ على عرشه، وأخبرهم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا بقي ثلث الليل الأخير، فيبسط يده للمسيء والتائب والمستغفر فيقول: هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من سائل فيعطى؟ إلى أن يطلع الفجر، وأخبر بأشياء كثيرة، وكلها يجب أن نؤمن بها على ما جاءت بدون تأويل أو تعطيل، بل يكون الأمر مثل ما قال الإمام مالك ﵁ لما سأله سائل عن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق، وصار العرق يتصبب منه، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، فأمر به فأخرج من مجلسه؛ لأن هذا لا ينكره المؤمنون، ولا يسألون عن الكيفية: كيف يد الله؟ كيف سمع الله؟ كيف بصر الله؟ الكيفية ما تعقل إلا لمن يشاهدها ويراها، والله جل وعلا غيب لا أحد يراه، وليس كمثله شيء فيقاس عليه تعالى وتقدس، وإنما علينا أن نؤمن بما قاله الله رسوله ﷺ ، بلا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل بخلقه تعالى وتقدس.
стр. 1813
قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)
قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: ما عظموه حق تعظيمه، إذ عبدوا معه غيره، إذ توجهوا بالعبادة إلى الأصنام، وإلى الرجال من الجن والإنس، وإلى الملائكة، وإلى بعض المخلوقات، صاروا يتوجهون إليها، ويجعلونها وسائط بينهم وبين الله، يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فمن فعل هذا لم يقدر الله حق قدره.
ثم ذكر شيئاً مما يجب أن يعلم عنه جل وعلا ويعظم به فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: أن مخلوقاته -الأرض بما فيها والسماء بما فيها- كلها يقبضها بيده، فتكون صغيرة حقيرة بالنسبة إلى يده الكريمة جل وعلا، كما قال ابن عباس: السماوات ومن فيها والأرض ومن فيها إذا قبضها الله جل وعلا تكون بيده كالخردلة بيد أحدكم، ولله المثل الأعلى، فالله أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، ولا يجوز أن يتصور متصور أنه إذا قال ربنا جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أن معنى ذلك: أنه في جوف السماء، أو أن السماء تحويه، أو أنها تقله، أو تظله تعالى وتقدس، بل هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وقول الرسول ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل)، ينزل إلى السماء الدنيا وهو فوق عرشه، ولا يكون فوقه شيء لا سماء ولا غيرها، وكذلك إذا جاء يوم القيامة إلى الأرض ليفصل بين عباده كما قال بعد هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٦٩] ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ يعني: إذا جاء إلى الأرض ليقضي بينهم ويحاسبهم؛ فإنه يأتي إلى الأرض وهو فوق عرشه، وفوق السماوات كلها، وفوق كل شيء، ولا يمكن أن يكون فوقه شيء تعالى وتقدس، ولهذا يقول العلماء: إن علو الله وفوقيته عقلي شرعي، دل عليه العقل والشرع، وهو ثابت بالفطرة وبالعقل وبالشرع.
أما الفطرة: فما تجد إنساناً من الناس إذا دعا ربه وقال: يا رب، إلا رفع يديه نحو السماء ثم يسأل ربه وهو يشير إلى فوق، ما يسأل ربه من تحت أو من يمين أو من شمال تعالى وتقدس، فهو فطر خلقه على معرفته بأنه فوق خلقه كلهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وكل من في السماء والأرض عباد له جل وعلا.
المقصود أنه يجب أن يعظم الله ويعرف قدره، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فقول المؤلف في هذه الآية: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقصد به: ما جاء من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ومن الآثار عن الصحابة، وذكر قليلاً مما جاء بمعناه؛ ليحتذى حذوها، وتكون دليلاً يستدل به المسلم على معرفة ربه جل وعلا؛ لأن الله تعالى تعرف إلى عباده بأوصافه التي وصف بها نفسه، فعباده المؤمنون يعرفونه بما تعرف به إليهم في كتابه وعلى ألسنة رسله، لا ما يقوله الملحدون أهل الشك والريب، الذين يقيسون الرب جل وعلا على نفوسهم، وإن كانوا يزعمون أنهم ينزهون الله، لكن الواقع أنهم يشبهون الله بخلقه.
ولهذا تجدهم ينفون الصفات ويقولون: إنها تدل على التشبيه، فهم ينفون يد الله ويقولون: إن الله ليس له يد، وليس له رجل، وقد أخبر الرسول ﷺ أن الله يضع رجله جل وعلا في النار يوم القيامة عندما يقال لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فينتهي الخلق الذين أعدوا لها من الجن والإنس وهي لا تزال تطلب المزيد وتقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؛ عند ذلك يضع الله جل وعلا فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتتضايق وتقول: قط قط، يعني: كفاني، فالله لا يظلم أحداً، فهو الجبار المتكبر الذي هو أكبر من كل شيء.
стр. 1814
وجوب أخذ كل ما جاء عن النبي ﷺ من أسماء الله وصفاته
يجب أن نؤمن بما قاله الله وما قاله رسوله ﷺ ، وعندنا قاعدة يجب على المسلم أن يعرفها، وهي أن رسول الله ﷺ هو أعلم الخلق بالله جل وعلا، وهو أغير الناس على الله، وأشدهم تعظيماً له، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- أفصح الناس، وأقدرهم على البيان، وهو كذلك -صلوات الله وسلامه عليه- أنصح الخلق للأمة، فإذا عرف الناس هذا عن النبي ﷺ ؛ فيجب عليهم أن يأخذوا ما قاله بكل اطمئنان وقبول، وأنه حق، فلو كان باطلاً لبينه الرسول ﷺ ، ولنفاه عن الله جل وعلا، ولن يترك الأمة في دينها يلتبس عليها الأمر ويشتبه، هذا ممتنع عقلاً وشرعاً وعادة من فعل الرسول ﷺ ، وإذا أردت أن تعرف هذا يقيناً، فانظر ماذا كان يعلم أصحابه صلوات الله وسلامه عليه؟ علمنا الآداب التي لو تركناها ما أثمنا، مثل أدب الأكل؛ كأن نأكل مما يلينا، ونسمي الله جل وعلا، ولا نأكل متكئين، ويعلمنا أدب الدخول إلى المنزل، فإذا أردت أن تدخل المنزل فاذكر اسم الله، وسلم على نفسك أو على من في البيت، ثم قدم رجلك اليمنى، فإنك إذا ذكرت الله فإن الشيطان يقول لأولاده ولأصحابه: منعتم من المبيت، يعني: من الدخول إلى البيت، ومعلوم أن هذا ليس بواجب، فلو تركه الإنسان لا يأثم، ولكن هذا أدب وفضل، ويعلمنا أيضاً أن الإنسان إذا أراد أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ويسمي الله، وهذا أيضاً ليس بواجب بل أدب فقط، إذا فعله الإنسان فهو خير له، وإن لم يفعله فليس عليه إثم.
وكذلك يعلمنا أدب الدخول إلى المسجد، وأدب قضاء الحاجة، وأدب السلام، وغير ذلك من الآداب التي هي فضل وليست واجبة علينا، بحيث إننا لو تركناها لم نأثم، فكيف يعلمنا هذه الأشياء المستحبة، ويترك باب معرفة الرب جل وعلا ملتبساً مشتبهاً؟ هل يجوز أن يعتقد هذا مسلم؟ لا يجوز أن يعتقده مسلم شهد للرسول ﷺ بأنه بلغ ما أرسل به، بل لا بد أن يعتقد جازماً أن كل ما قاله الرسول ﷺ هو الحق، وفيه النور والهدى والشفاء للشبهات، وأن مخالفته ضلال وخروج عن الهدى، وعن طريق الله جل وعلا، وعن سبيل المؤمنين.
стр. 1815
دين الإسلام دين كامل
قال الله جل وعلا في آخر ما أنزل عليه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فقد كمل الدين قبل أن يتوفى الله جل وعلا نبيه، ولا شك أن أصل الدين معرفة الله جل وعلا بأسمائه وأوصافه، وإلا كيف يعبد الله من لا يعرفه؟ وهذا الأمر أجمع عليه المسلمون في أول الأمر من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، لم يحدث فيهم أي خلاف حول هذا، وأول خلاف حدث في هذا يعتقد أنه جاء من اليهود والنصارى والمجوس، ومن الأمم التي قامت في وجه الإسلام لتصده وتمنع تقدمه في البلاد، فلما لم تستطع وقف زحف الإسلام بالقوة، واندحرت جيوشها وقواها، وأصبحت غنيمة للمسلمين، أصبحوا يعملون بالحيلة بالدسائس والمؤامرات، فأصبحوا يغتالون رجال الإسلام مثل: عمر ﵁ وعثمان وعلي، وكلهم قتلوا شهداء.
ومرة يخططون لإفساد عقائد المسلمين؛ لأنهم علموا يقيناً أن قوة المسلمين بعقيدتهم، فأصبحوا يخططون لإفساد هذه العقيدة.
стр. 1816
أول من أفسد العقيدة وبث الشبه
أول من عرف أنه تكلم في العقيدة لإفسادها رجل مجوسي يقال له: سوسن حيث قال: إن الله لم يعلم الأشياء قبل وجودها، وإنما يعلمها بعد وجودها، ونفى القدر، فتبعه من تبعه على هذا، فصار أئمة المسلمين يقتلون من قال هذا القول؛ لأنه كفر بالله.
ثم ظهر بعد ذلك رجل يقال له: الجعد بن درهم، وهو متهم بأنه يهودي؛ لأنه -كما قال العلماء-: تلميذ لـ أبان بن سمعان وأبان بن سمعان تلميذ لـ طالوت، وطالوت هذا تلميذ ل لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر رسول الله ﷺ ، وطالوت هو ابن أخت لبيد، فأظهر الجعد قوله: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً؛ لأن الكلام يتطلب لهاة وشفتين، وحنجرة -لأنه يريد أن يقيس رب العالمين على خلقه- تعالى وتقدس، فأصبح يلقي على الناس مثل هذه الشبه، ويقول: الرب جل وعلا لم يتخذ إبراهيم خليلاً؛ لأن الخلة تدل على الفقر والحاجة، وهذا لا يجوز، والصحيح أن خلة المخلوق هي التي تدل على الحاجة والفقر، أما خلة الرب جل وعلا فهي تدل على الكمال، وكذلك الكلام يدل على الكمال، ومعلوم أن الكلام والخلة وغيرهما أمور صرح الله جل وعلا بها في كتابه، فأخبر أنه كلم موسى تكليماً، وأنه اتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يشك المسلمون في ذلك.
ولما قال هذا الرجل هذا القول، وبلغ قوله أحد قواد بني أمية وهو خالد بن عبد الله القسري؛ طلب هذا الرجل فأخذ وجيء به مقيداً، وكان ذلك اليوم يوم عيد الأضحى، وكانت العادة أن القائد هو الذي يصلي بالناس وهو الذي يخطب، فقد كان من صفات القائد أن يكون عالماً شجاعاً بصيراً، فجاء بهذا الرجل مقيداً إلى مصلى العيد، فخطب المسلمين، وفي آخر خطبته قال: أيها المسلمون! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم؛ لأنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فنزل من على المنبر وقتله بيده أضحية؛ فشكره العلماء على صنيعه هذا؛ لأنه قتل من حرض على الكفر بالله جل وعلا.
وكان قد تتلمذ على الجعد بن درهم رجل يقال له: جهم بن صفوان، وأخذ عنه الباطل والكفر؛ فتتبعه أحد القواد -وهو: سلم بن أحوز - حتى أمسكه وقتله؛ انتقاماً لله جل وعلا، ولكن كان هذا المذهب الفاسد قد انتشر، فنسبت إليه الفرقة الضالة التي يقال لها: الجهمية، وهذه الفرقة من أعظم علاماتها أنها لا تصف الله جل وعلا بصفة، ولا تسميه باسم -تعالى وتقدس- إلا بالاسم العام المجمل الذي لا يدل على مدح ولا ثناء؛ كالوجود مثلا، ً وكونه شيء -تعالى وتقدس-، وهذه معالم كثير من الكفرة من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم.
ثم كثر الخلاف، وكثر الملاحدة المفسدون، فظهرت المعتزلة، وتقربوا إلى ولاة الأمور، وصار منهم القضاة، ومنهم رؤساء القضاء، ومنهم مستشارون لبعض ولاة المسلمين، فغروهم أن يجبروا الناس على القول بأن القرآن مخلوق، وأن الذي لا يقول بهذا القول يجب قتله.
ثم زينوا لولي الأمر أن يكتب على ستار الكعبة: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم)، غيروا كتاب الله؛ لأنهم يأبون أن يصفوا الله بالسمع والبصر -تعالى الله وتقدس-، ومع ذلك بقي الحق ظاهراً، وبقي من ثبت على الحق حتى عند الابتلاء والضرب والقتل؛ فثبت الإمام أحمد على القول بأن القرآن كلام الله، وهو صفته، منه بدأ، وإليه يعود، وأن القول بأنه مخلوق كفر؛ لأن معنى ذلك أن شيئاً من الله مخلوق تعالى الله وتقدس.
فأثبت الله جل وعلا الحق بطائفة نصرها وثبتها على الحق، ودحر الباطل وأهله، والباطل قد يكون له صولة في وقت من الأوقات، ولكن صولته لا تدوم، إذ لا بد أن يظهر الحق بإذن الله.
стр. 1817
تقييض الله للحق طائفة تنصره إلى أن يأتي أمره
الرسول ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) يعني: على الحق: قائلين به، قائمين به، عاملين به، بعض العلماء يقول: إن هذه الطائفة يجوز أن تكون أمة كبيرة، لها جيوشها ولها نظامها ولها إمامها، ويجوز أن تكون فرقة من المؤمنين، مختلفة ما بين عالم وعابد، وما بين منفق ومجاهد، ويجوز أن يكونوا مجتمعين في مكان، ويجوز أن يكونوا متفرقين، ويجوز أن يكونوا في بلد دون آخر، ويجوز أن يكونوا متنقلين من بلد إلى آخر.
المقصود أنه لا بد من وجود من يقوم بحجة الله على خلقه، حتى يأتي أمر الله، وهو ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام)، فينزل بشريعة محمد ﷺ ، فيكون من أمة محمد ﵊، وهو الذي يقتل الدجال الأعور، الكذاب الأكبر، الذي هو إمام اليهود وكبيرهم الذي ينتظرونه، وقد صح عن النبي ﷺ ذكر صفاته كأنك تشاهده، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نستعيذ من فتنته في كل صلاة لعظمها، وأخبر صلوات الله وسلامه عليه أنه ما ترك بعده على أمته أشد من فتنة الدجال؛ لأنه يأتي بفتن وبلايا عظيمة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (إذا سمعتم به فانأوا عنه، فإنه يأتيه الرجل وهو واثق بإيمانه، فيتبعه لشدة لما معه من الفتن).
المقصود أن عيسى ﵇ هو الذي يقتله في الشام، ينزل من السماء بين جناحي ملكين فيقتله، ثم يقيم شرع محمد ﷺ ، ثم بعد حدوث أمور ذكرها رسول الله ﷺ يقبضه الله إليه، ثم بعد ذلك -كما في صحيح مسلم - تأتي ريح من قبل اليمن؛ فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، فلا يبقى في الأرض إلا شرار الناس، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، هذا هو أمر الله الذي ذكر في هذا الحديث.
ومن هذا ما جاء في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: (شرار الناس الذين يتخذون المساجد على القبور، والذين تدركهم الساعة وهم أحياء) هؤلاء هم شرار الخلق.
فالمقصود أن الحق ثبت رغم ما أراد الأعداء من إفساده، والواجب على العبد أن يعتصم بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ في العقيدة والعمل؛ في العقيدة التي هي باب العلم بالله ومعرفته، وباب العمل الذي يعمله الإنسان.
إذاً: معنى قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: معناه: ما عظموه التعظيم الذي يستحقه، حيث وصفوه بما يتعالى ويتقدس عنه من كونه له شريك في الإلهية، أو له نظير في أسمائه وأوصافه.
стр. 1818
قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه)
ذكر الله شيئاً مما يجب أن يعظم به فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: أنه يقبض الأرض بيده إذا كان يوم القيامة؛ وكذلك السماوات كلها يقبضها بيده، ومفهوم الآية أن لله جل وعلا يدين؛ واحدة يقبض بها الأرض، والأخرى يطوي بها السماوات، والتي ذكر أنه يطوي بها السماوات هي يمينه، وقد جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يقبض السماوات بيمينه، والأرضين بشماله)، وهذا أيضاً ثبت عن ابن عباس في تفسيره لهذه الآية، فروى ابن جرير وغيره بأسانيد ثابتة عن ابن عباس قال: إن الله يقبض السماوات والأرض كلها بيمينه وشماله خلو، وسيذكر لنا المؤلف ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود (أن حبراً من أحبار اليهود جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يضع السماوات على ذه -فأشار إلى أصبعه الخنصر- والأرضين على ذه، والشجر على ذه، والجبال والثرى على ذه، وسائر خلقه على ذه، يشير في كل مرة إلى أصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الدنيا؟ عند ذلك ضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لما قال، وتلا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾).
وجاءت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، عن ابن عمر، وعن ابن عباس، وعن عبد الله بن مسعود، وعن أبي هريرة، وغيرهم، وهي أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، فيها ذكر أن لله جل وعلا يدين، وأنه يقبض بهما، وأن لليدين أصابع يضع عليهما مخلوقاته إذا شاء، ويهزهن ويقول: أنا الملك! أين ملوك الدنيا؟ ويجب أن يعلم الإنسان أن الله ليس كمثله شيء: لا في يديه، ولا في أصابعه، ولا في ذاته جل وعلا، ولا في سمعه وبصره، والله جل وعلا ذكر أنه خلق المخلوقات، وأنه هو الإله الحق، وأنه هو الولي الذي يجب أن يتخذ ولياً، وذكر جل وعلا أنه جعل من المخلوقات زوجين، وأنه جعل نسل بني آدم والبهائم وغيرها من زوجين من ذكر وأنثى.
قال الله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: أنكم تتعاقبون من هذا النسل، يذهب قوم ويأتي آخرون، إلى أن يأذن الله جل وعلا بنهاية هذه المخلوقات.
ثم قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ختم الله جل وعلا هذه الآية بذكر السمع والبصر، والحكمة في هذا: أن الناس وكثيراً من المخلوقات يتصفون بالسمع والبصر، فكأنه جل وعلا لما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقول لعباده: لا يدعوكم هذا التنزيه بقوله: (ليس كمثله شيء) إلى أن تنفوا السمع والبصر عن الله؛ فإنه سميع وبصير، ولكن له سمع يليق به، وبصر يليق به، ليس كسمعكم وبصركم، وهذا هو مذهب أهل السنة، أن يوصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، ولا يتعدون ما وصف الله جل وعلا به نفسه ووصفه به رسوله، فلا يجعلون العقل حاكماً على آيات الله وأحاديث رسوله ﷺ ، ولا يحرفون ويؤولون، ويقولون كما يقول أهل البدع: إن صفات الله من المتشابه الذي لا ينبغي أن نتكلم فيه، بل صفات الله من المحكم البين الواضح الذي بينه الله وبينه رسوله ﷺ ، ويؤمن بها على ما يليق بعظمة الله وجلاله.
стр. 1819
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [١٣٦]
لله الأسماء الحسنى والصفات العلى، والأصل أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به ورسوله ﷺ ، دون تحريف أو تأويل أو تعطيل أو تمثيل، ولكن كثير من المبتدعة -ممن خالفوا منهج الحق- تجاوزوا هذا الأصل، ووقعوا في المحظور.
فانطبق عليهم قوله: (وما قدروا الله حق قدره).
стр. 1820
المذهب الحق في نصوص الصفات إمرارها كما جاءت دون تأويل أو تعطيل
قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر:٦٧] الآية، أي: من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة.
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته، قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السدي: ما عظموه حق عظمته، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره].
هذه الأقوال كلها حق، ولكن المفسرون عادتهم أن كل واحد يذكر الشيء الذي يناسب السامع الذي يسمع، فيذكر بعض المعنى.
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، ومذهب السلف فيها وفي أمثالها: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ابن مسعود ﵁ قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك! فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية) متفق عليه.
وفي رواية لـ مسلم: (والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله).
وفي رواية للبخاري: (يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع) أخرجاه].
هذا حديث متفق عليه رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما -وغيرهما من أئمة الحديث- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود) والحبر هو العالم، وهو يهودي لم يسلم فقال: يا محمد! وهكذا عادة اليهود يخاطبون الرسول ﷺ باسمه، وما يخاطبونه بما أمر الله أن يخاطب به؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] يعني: لا تقولوا: محمد بن عبد الله، ولكن قولوا: رسول الله، نبي الله.
فقال: (يا محمد إنا نجد -يعني: في التوراة التي نزلت على موسى وتوارثوها- أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أنا الملك، أين ملوك الدنيا؟ أين الجبارون المتكبرون؟) هذا حين يقبضهم بيده جل وعلا، فيصبحوا كلهم في قبضته، وقد قال الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يعني: ما عظموه التعظيم الذي يجب له، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
فلما قال اليهودي هذا الكلام؛ ضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقاً لما قال هذا الحبر، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخرها.
стр. 1821
فوائد حديث الحبر الذي قال: (يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع)
هذا الحديث يدلنا على أمور: أولاً: يدلنا على عظمة الله وكبريائه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، وأن السموات على سعتها وعظمها تصبح بالنسبة إلى الله حقيرة صغيرة جداً، كما قال عبد الله بن عباس: إن الله يقبض السماوات كلها، فتكون في كفه جل وعلا كالخردلة، لا يجوز للإنسان أن يتصور أن هناك شيئاً أكبر أو أعظم من الله، وإذا كان بهذه العظمة فكيف يسوغ للإنسان أن يقول: إنه مع خلقه بذاته حال معهم؟ وكيف يسوغ لإنسان أن يقول: إن السموات تكون فوقه إذا نزل، كما قال الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (إذا بقي ثلث الليل الآخر ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيبسط يده فيقول: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من سائل فيعطى؟ إلى أن يطلع الفجر) ما يجوز أن يتصور متصور أن هذا النزول الإلهي في آخر الليل إلى السماء الدنيا تكون فيه السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعرش والكرسي والبحر فوقه تعالى الله وتقدس، بل ينزل وهو فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء.
ثانياً: قوله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] هذا يوم القيامة، وقوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] هذا أيضاً يوم القيامة حين يحشر الناس على وجه هذه الأرض بعدما يمدها، ويزيد فيها، ويذهب جبالها ووهادها؛ فتصير قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً؛ حتى تتسع للخلق من الجن والإنس، منذ خلقوا إلى آخر مولود منهم، فيجمعهم عليها راغمين ذليلين حقيرين، ترى الذي عصوا الله كالذر تطؤهم الأقدام، فإذا طال بهم الوقوف استشفعوا بالأنبياء أن يأتي ربهم جل وعلا ليقضي بينهم؛ فيأتي جل وعلا وهو على عرشه فوق سماواته بل فوق كل شيء؛ لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء.
ثالثاً: فيه أن لله يدين يقبض بهما إذا شاء أن يقبض، فيقبض السماوات والأرض، وإحداهما يمين، كما قال جل وعلا: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وفي صحيح مسلم: (يطوي السموات بيمينه، والأرض بشماله) وهذا قول رسول الله ﷺ .
وصح تفسير هذه الآية عن عبد الله بن عباس في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يقول في تفسيرها: يطوي السموات بيمينه، والأرضين بيمينه، وشماله خلو ما فيها شيء، أي: أن جميع مخلوقاته يطويها بيمينه فقط، هكذا قال حبر الأمة، ومثل هذا لا يقوله عن رأيه، إنما يقوله عن علم تلقاه من مشكاة النبوة.
رابعاً: في هذا النص التصريح بأن ليديه أصابع جل وعلا، يمسك بها ما يشاء، ويضع عليها ما يشاء، وفيها أيضاً إثبات هزه الأشياء هزاً قوياً وقوله: أنا الملك، يعني: الملك الحق الذي ليس لأحد معه ملك تعالى وتقدس، وجاء هذا موضحاً في تفسير قوله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩] وقبلها قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، يقول العلماء فيها: إن الله جل وعلا إذا كان يوم القيامة قبض على سمواته وأرضيه، ويطويها بيده، ثم يهزهن ويقول: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه فيقول: لله الواحد القهار، جاء هذا في آثار مروية عن السلف، وفيه ما هو مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وهذا من الأمور التي يجب الإيمان بها، ويجب أن يعلم الإنسان عظمة الله جل وعلا، وأن نصفه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تعالى وتقدس، فكل ما وصف الله جل وعلا به نفسه، وجاء عن رسوله ﷺ ، يجب أن نؤمن به على ظاهره، خلافاً لما يقوله الأشاعرة وأهل الكلام الذين يقولون: هذه ظواهر لا يجوز اعتقادها؛ لأنا لو اعتقدنا ظاهرها لدلت على التشبيه لله تعالى وتقدس، ونحن نقول: هذا باطل، وظن سوء بالله وبرسوله ﷺ .
أما كونه ظن سوء بالله؛ لأن الذي دعاهم إلى هذا القول هو تصورهم أن هذه الصفات مثل صفاتهم التي يعقلونها من أنفسهم، تعالى الله وتقدس، ولهذا إذا سمعوا مثل قول الرسول ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا) قالوا: كيف ينزل إلى السماء الدنيا آخر الليل، وآخر الليل يختلف باختلاف المناطق والأقاليم؟ فلو قلنا بهذا لكان النزول دائماً متواصلاً طوال أربع وعشرين ساعة! ونحن نقول: هذا القول الذي تقولونه، والتقدير الذي تقدرونه؛ لو كان النزول مثل النزول المعهود لكم، نزول جسم إلى جسم، ولكن هذا نزول الله، والله جل وعلا يستمع لخلقه كلهم في آن واحد وهم يناجونه ويعبدونه، كل واحد منهم يقول: يا رب يا رب، وهو يسمع كل واحد، لا يشغله سماع هذا عن سماع الآخر.
وكذلك يرزقهم كلهم في آن واحد، ويعلم ما في نفوسهم في آن واحد، وكذلك إذا صار يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل واحد يكلمه رب خالياً به، يرى أنه ما يكلم غيره، وهو يكلم الخلق كلهم، فالرب جل وعلا لا يجوز أن نقيسه بالمخلوقين في أفعاله وأوصافه، فالذي يقول مثل هذا القول؛ ما قدر الله حق قدره تعالى الله وتقدس.
فالمقصود: أنه يجب علينا أن نعتقد ما قاله الله في نفسه، وما قاله الرسول ﷺ عن ربه، على ما يليق بالله وعظمته وكبريائه، ولهذا يقول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فأثبت لنفسه السمع والبصر الذي هو موجود في المخلوقات، ولكن سمعه وبصره ليس كسمع المخلوق وبصره، وكذلك سائر أوصافه جل وعلا، فهذا ظن السوء بالله.
أما ظنهم السوء بالرسول ﷺ فواضح، فعلى قولهم فإن الرسول ﷺ بلغ أمته ما ظاهره الكفر، وتركهم بدون أن يوضح لهم، تعالى الله وتقدس أن يقر نبيه على هذا، فالرسول ﷺ وضح للأمة غاية الإيضاح، ولم يأت عنه ﷺ أنه لما ذكر لنا مثل هذه الأحاديث قال: لا تعتقدوا ظاهرها أبداً، بل جاء ما يدل على أنه يريد منا أن نعتقد ظاهرها على ما يليق بالله، ففي السنن عنه ﷺ أنه قال: (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب) يعني: إذا تأخر المطر، وإذا أجدبت الأرض، فمن الناس من يقنط ويستبعد الخير، يقول الرسول ﷺ في هذه الحالة: (ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب، فقال أبو رزين العقيلي: يا رسول الله! أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، فقال: إذاً لا نعدم خيراً من رب يضحك -وفي رواية إذاً: لا يعدمنا ربنا خيراً إذا ضحك-) فأقره النبي ﷺ على ذلك.
وفي حديث عائشة أنه قال: (أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: إي والله) أقسم ﷺ ، فيجب أن نقبل ما قاله الرسول ﷺ ، وأن نعظم ربنا جل وعلا، فلا يكون ضحكه كضحك المخلوق -تعالى وتقدس-، ولا تكون يده كيد المخلوق، وهكذا بقية أوصافه.
فهذه طريقة أهل السنة: يقبلون ما جاء عن الله وما قاله الرسول ﷺ مخبراً به عن ربه جل وعلا من غير تحريف يسمونه تأويلاً، وهو في الواقع تحريف، فأهل البدع قالوا: يد الله قوته، أو نعمته، أو سلطانه، أو قهره، هكذا قالوا، وهذا في اليد الواحدة فكيف باليدين، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهل يجوز أن نقول: نعمتان مبسوطتان؟ النعمة لا حصر لها، ولو كان مثل ما يقولون لبين ذلك الرسول ﷺ ، ولا سيما وهم يقولون: اعتقاد ظاهر هذه النصوص كفر، ولازمه أن الرسول ﷺ يقر الأمة على الكفر، فنقول: من اعتقد هذا فهو لم يشهد أن محمداً رسول الله في الحقيقة؛ لأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله أنه رسول بلغ ما أنزل إليه من ربه البلاغ المبين، ولم يترك الأمر مشتبهاً ملتبساً على الخلق، بل وضح وبين في آخر مشهد عظيم شهده مع أمته، لما خطب في منى وفي عرفات وفي حجة الوداع قبيل وفاته صلوات الله وسلامه عليه فقال: (إنكم مسئولون عني أيها الناس، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، -هكذا قالوا له- فصار يشهد ربه عليهم، يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكسها إليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) أي: اشهد عليهم أنهم شهدوا لي بالبلاغ، فالذي يقول هذا القول فإنه لم يشهد للنبي ﷺ بالبلاغ.
ثم يجب على العبد المسلم أن يعتقد عقيدة جازمة بأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بالله، وأنه ﷺ أتقاهم لله وأخشاهم له، وأعظمهم غيرة على الله أن يوصف بغير ما وصف به نفسه، فلا يمكن أن يقر اليهودي على مثل ذلك، قال أحد شراح الأشاعرة في شرحه لهذا الحديث -وللأسف فإنه شرح كلام الرسول ﷺ : إن النبي ﷺ ضحك تعجباً من جرأة اليهودي على التشبيه، وهذا ظن سوء بالنبي ﷺ ، حيث يضحك على الباطل، فالرسول ﷺ إذا سمع الباطل غضب ولا يقوم أحد لغضبه، فلا يقال: إنه يضحك من الباطل والكفر! فيجب أن ينزه رسول الله ﷺ عن هذا القول، بل آحاد الأمة يتنزه عن مثل هذا.
فالمقصود أن ا
стр. 1822
بعض المسائل المستفادة من الحديث
في هذا الحديث مسائل: أولاً: قد يقول قائل: سورة الزمر مكية، فكيف يقول: فنزلت الآية، وقد نزلت في مكة؟ والله جل وعلا يقول قبل هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٧] إلى آخره؟
الجواب
الواقع أنه جاء في بعض الروايات: (فقرأ رسول الله ﷺ الآية)، وقد يتكرر نزول الآية أكثر من مرة كما جاء في أن الفاتحة نزلت مرتين، وكذلك بعض الآيات، ومثل هذا جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] كما في الصحيحين: أن هذه نزلت بسبب سؤال اليهود في حديث عبد الله بن مسعود حيث قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في بعض حوائط المدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه، فمررنا على ملأ من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون، فقال واحد: والله لنسألنه، فقال: يا رسول الله! أخبرنا عن الروح، يقول عبد الله بن مسعود فسكت وبقي متكئاً وكأنه يوحى إليه ثم بعد ذلك قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فقال بعضهم لبعض: ألم نقل لكم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون؟) أي: أنهم ما أوتوا من العلم إلا قليلاً، وهم يزعمون أنهم أوتوا علماً كثيراً.
المقصود: أن سورة الإسراء مكية نزلت في مكة، والجواب أن يقال: إما أن تكون الآية نزلت مرتين، وإما أن يكون كما في الرواية الأخرى: (فقرأ رسول الله ﷺ .
الأمر الثاني مما يؤخذ من هذا الحديث: أن الحق يجب أن يقبل وإن كان من عدو لك، فالرسول ﷺ لما قال له هذا اليهودي ذلك قبل، وجاء بما يصدق قوله مما أنزل عليه.
الأمر الثالث: أن النبي ﷺ ضحك تعجباً وفرحاً بذلك؛ لأنه ﷺ يفرح أن يكون هناك شهود له ممن سبقه، ونزل عليه علم يشهدوا له بالحق الذي جاء به، فهذا هو سبب ضحكه وتعجبه ﷺ .
ثم الأمور الأخرى التي أشرنا إلى بعضها سابقاً تؤخذ من هذا أيضاً.
стр. 1823
حكم الإشارة عند ذكر صفات الله تعالى
قال الشارح ﵀: [وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسين بن حسن الأشقر قال: حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن أبي الضحى عن ابن عباس قال: (مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماوات على ذه -وأشار بالسبابة- والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾) وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به].
وهذا يؤخذ منه: أن الإشارة عند ذكر صفات الله توضيحاً وتبييناً لا بأس به، وأما ما جاء عن البعض أنه قال: لو أن إنساناً قرأ قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أو ما أشبه ذلك، أو قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وأشار بيده، فإنه يجب أن تقطع يده؛ لأن هذا تشبيه، نقول: هذا من قول الجهمية الذين لا يريدون أن يسمعوا أوصاف الله جل وعلا وقول رسول الله ﷺ وإقراره لهذه الإشارة أولى بالقبول، وقد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يذكر قبض الله جل وعلا للسماوات والأرض يوم القيامة، فجعل يقول بيده هكذا يمجد الرب نفسه، حتى رأيت المنبر يتحرك من تحته، فقلت: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟).
وكذلك جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد، فاطلعت عليها يوماً فوجدت الذئب قد أخذ شاة منها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فأسفت -يعني: غضبت- فضربتها في وجهها، ثم ندمت -فالإنسان في حالة الغضب يقع في أشياء لا يريدها- ثم ذهبت إلى رسول الله فأخبرته بذلك، فعظم ذلك عليه -يعني: كوني ضربتها- فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ فقال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال ﷺ لها: أين الله؟ فأشارت بيدها وقالت: في السماء، فقال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: اعتقها فإنها مؤمنة) وهؤلاء يقولون: لو أشارت اليد إلى الله لوجب قطعها؛ لأنهم معطلة، عطلوا الله جل وعلا عن أوصافه تعالى الله وتقدس عما يقولون ويعتقدون.
стр. 1824
أدلة إثبات اليدين لله تعالى
قال الشارح ﵀: [قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا الليث قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟) تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد قال: حدثنا عمي القاسم بن يحيى بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك) تفرد به أيضاً من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية يوماً على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرن به)].
قال المصنف ﵀: [ولـ مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)].
في هذا الحديث إثبات الشمال، والمقصود أن لله جل وعلا يدين، وأما ما جاء في الصحيحين في قصة آدم أن الله جل وعلا (قبض بيديه فقال له: اختر؟ فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين) فمقصود هذا أن كلتاهما كاملة تامة لا يلحقها نقص، ليس كالمخلوق الذي يمينه أكمل من شماله، هذا هو المقصود بقوله: (وكلتا يديه يمين).
وإذا جاء عن رسول الله ﷺ النص وجب قبوله والقول به؛ لأنه معصوم فيما يبلغ عن الله جل وعلا.
قال الشارح ﵀: [كذا في رواية مسلم، وقال الحميدي: وهي أتم، وهي عند مسلم من حديث سالم عن أبيه، وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه)].
يعني ليس في البخاري لفظ (شماله).
قال الشارح ﵀: [وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم.
].
قال المصنف ﵀: [وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم].
في هذا إثبات الكف لله جل وعلا، فليده كف، وقد ثبت هذا عن رسول الله ﷺ في صحيح البخاري وغيره، وهو من قول رسول الله ﷺ ، وكذلك القبض.
стр. 1825
عظم الكرسي بالنسبة للسماوات
قال المصنف ﵀: [قال: وقال: ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : (ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس)].
هذا هو الصواب الصحيح من أقوال العلماء أن الكرسي غير العرش، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] فالكرسي تحت العرش، وجاء عن السلف أنهم قالوا: الكرسي يكون المرقاة للعرش، يعني: الشيء الذي يجعل تحت الكرسي توضع عليه القدم، ولهذا قال ابن عباس: الكرسي موضع قدمي الرحمن جل وعلا، وإذا كانت السموات بالنسبة للكرسي على سعتها كسبعة دراهم ألقيت في ترس، فإن العرش أعظم من الكرسي، فالكرسي بالنسبة للعرش كدرهم ألقي في فلاة، فالعرش هو أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، والله جل وعلا فوق العرش تعالى وتقدس.
следующие страницы →