Полный текст (2 090 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
المحبة الخالصة لله وحده
قوله: إن المحبة الخاصة يجب أن تكون لله، قصده بالخاصة التي يختص بها الله جل وعلا، وهي محبة العبادة وقلنا: إن المحبة التي تكون لله يجب أن تتضمن الذل والتعظيم، لأن الإنسان قد يحب محبوباً فإذا كان يحبه وهو ذال له معظم له، فهذا يكون عبادة، أما إذا كان يحبه لحظ نفسه، لأمر من الأمور، ولكنه لا يخضع له، ولا يعظمه، ولا يذل له ويستكين له، فإن هذا حب لا يكون عبادة.
وسبق أن قلنا: إن الحب ينقسم إلى قسمين: حب يكون خاصاً، وهذا يجب أن يكون خالصاً لله، وهو حب العبادة الذي فيه الذل والتعظيم.
وحب يكون مشتركاً بين الخلق كلهم حتى البهائم، وهذا أقسام: منه -مثلاً- حب الألفة والمصاحبة، إذا صاحب إنسان إنساناً وألفه، وكان معه في عمل من الأعمال أو في مكان من الأمكنة، وطال التردد وكثر الاجتماع؛ فإنه تحصل محبة بينهم، وهذا مشترك بين الخلق كلهم حتى البهائم، البهيمة إذا أخذت من بين البهائم صارت تصيح وتحن إلى إلفها، ولا تسكن حتى ترجع إلى المكان الذي أخذت منه، فالمقصود أن هذا مشترك بين الخلق.
ونوع آخر من الحب وهو حب يتضمن حاجة كحب الطعام، وحب الشراب، فإذا حصل له حاجته أصبح لا يحبه.
وحب يتضمن رحمة ورأفة كحب الصغير وحب الضعيف وحب المسكين، ومنه حب الولد، فإن هذا حب حنان ورحمة.
ومنه أيضاً: حب تقدير وإجلال كحب الوالد مثلاً، يقدره ويجله، ولكنه لا يتضمن الذل والخضوع، يقدر ويجل بحيث يعمل معه الأدب، ولكن لا يسجد له، ولا يخضع له، ومن هذا القبيل أيضاً حب الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، فهذه الأنواع كلها لا لوم على الإنسان في شيء منها، فهي مشتركة بين الخلق، ولا بد منها.
وإنما الذي يجب أن يكون لله هو الحب الخاص، وهو حب العبادة، حب الذل والتعظيم والخضوع الذي يتضمن استكانة القلب وذله، وخضوع الجسم والجوارح، فهذا يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون لمخلوق من المخلوقات، أحد الصحابة رجع من سفر رأى فيه بعض الأعاجم يسجدون لعظمائهم وملوكهم، فقال الرسول ﷺ : ألا نسجد لك فأنت أولى من أولئك؟ قال (لا، السجود لله، ولو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها) ولكن العبادة يجب أن تكون لله وحده، لا يكون لمخلوق منها شيء، والعبادة إذا خلت من الحب والذل والتعظيم فليست عبادة، ولا تكون عبادة إلا بذلك.
أما كون الإنسان يحب ما يحتاجه فهذا من الحب الطبيعي الذي لا يؤاخذ عليه؛ لأن الله جل وعلا خلق الناس على هذا الشيء، وعين العبادة وحددها وبينها حتى يعمل عباد الله على أمر الله، ويجتنبون نهيه، وكل هذا مأخوذ من معاني النصوص التي دلت عليه من كتاب الله، وأحاديث رسوله ﷺ .
стр. 387
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٣]
حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه) من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها، ولا معرفة معناها، ولا الإقرار بها عاصماً للدم والمال، إلا إذا صاحب ذلك الكفر بما يعبد من دون الله تعالى.
стр. 388
الكفر بما يعبد من دون الله
قال المصنف ﵀: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه وحسابه على الله)].
هذا الحديث يبين معنى لا إله إلا الله بياناً شافياً؛ فهو من جنس الآيات السابقة، والباب يقول فيه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
فهذا الحديث يفسر شهادة أن لا إله إلا الله؛ وذلك لأنه لم يكتف الرسول ﷺ بقول لا إله إلا الله، بل قيد الأمر بشيئين: الأول: قول لا إله إلا الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا حصل أحدهما وتخلف الآخر لم يحصل المقصود الذي قصده الرسول ﷺ ، والكفر بما يعبد من دون الله معناه: بغضه والابتعاد عنه بعد التخلي عنه نهائياً، قال الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فهذا هو معنى الكفر بما يعبد من دون الله، أول شيء يتخلى عنه إذا كان يعمل شيئاً منه، ثم يبغضه ويعاديه، ويبغض ويعادي من يفعله، ويتبرأ منه، وإذا لم يحصل ذلك فمعنى ذلك أنه لم يأت بالكفر المطلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، مما يدل على أن هذا شرط في صحة قول لا إله إلا الله.
فإذا لم يكفر الإنسان بما يعبد من دون الله لا ينفعه قول: لا إله إلا الله، وهذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، والقيود التي قيدت بها هذه الكلمة كثيرة، ومنها أن يعلم معناها، فيقولها عن علم، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وشهادة الحق هي شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله جل وعلا: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) جملة حالية، يعني: حالة كونهم يعلمون ما يشهدون به.
وأيضاً الإخلاص فقد جاءت مقيدة به كما قال الرسول ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فالإخلاص ينافي الشرك والرياء.
أيضاً اليقين الذي ينافي الشك والتردد.
والانقياد بحيث إن الإنسان يقولها وينقاد لما دلت عليه، أما أن يقولها ويأبى أن يعمل، فهذا لا يفيد.
ومنها الاستسلام والتسليم.
ومنها: الرضا بما دلت عليه.
ومنها: المحبة، أن يحب ذلك ويرضاه، فإذا وجدت هذه القيود فيمن يقول: لا إله إلا الله فهذا الذي يموت مخلصاً، ويلقى الله جل وعلا خالصاً ليس معه شيء من الشرك، ويكون من الذين يسلكون إلى الجنة؛ لأنه إذا قالها بهذه القيود لا يمكن أن يقوم به شرك من الأعمال.
стр. 389
الرغبة فيما عند الله
ما ذكره المؤلف قبل هذا يدلنا على أن العبد يجب في عبادته أن يحب الله وأن يخشاه، وأن يكون في عبادته طالباً للنجاة من الله جل وعلا، طالباً لثوابه وجزائه، هارباً من عقابه، وليس كما يقول من يقوله من المغرورين: أنا لا أعبد الله ولا أحبه لأجل جنته أو خوفاً من ناره، فإن هذا غرور وجهل بالواقع، فالإنسان ضعيف، ولو أن الإنسان أصيب بعذاب فإنه سوف يظهر ضعفه بسرعة، وسوف يتنصل مما يقول، وقد ذكر عن بعض السلف الذين كانوا معروفين بالتصوف -وهو الشبلي ﵀ أنه كان يقول: أنا لا أعبد الله طلباً لجنته، فابتلي بحبس البول، انحبس البول فصار يمشي إلى الصبيان ويقول: استغفروا لشيخكم الكذاب، فإنه تبين كذبي؛ إذ إني لا صبر لي على العذاب.
وهذه موعظة وعظ بها.
أما ما ذكر عن رابعة العدوية أنها كانت تقول: أنا لا أعبده لجنته ولا خوفاً من ناره، وإنما أعبده لحبه، فهذا لا يصح عنها، وإنما هو من قول الذين لهم شطحات ممن هم غير عارفين بالشرع، وإلا فالله جل وعلا قد أكثر من ذكر الجنة وذكر النار في كتابه، حتى يكون هذا حادياً على العبادة الرغبة والرهبة، وقد أخبر عن سادات أوليائه الذين هم الأنبياء أنهم كانوا يعبدونه رغباً ورهباً، رغباً في ثوابه، ورهباً من عقابه جل وعلا، ولا تستقيم العبادة إلا بهذا، فلا صبر للعبد على عذاب الله، كما أنه لا غنى له عن رحمته، فهو ضعيف مسكين محتاج إلى ربه جل وعلا، والله جل وعلا غني عنه من كل وجه، وطاعة الطائعين لا تنفع الله، كما أن معصية العاصين لا تضر الله جل وعلا، وإنما الطائعون يطيعون لأنفسهم، ويجتنبون المعاصي وقاية لأنفسهم من عذاب الله، وإلا فقد قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل سائل مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).
والمقصود بالمخيط الإبرة، فالإبرة إذا أدخلت في البحر ثم نزعت هل تنقص من البحر شيئاً؟ لا، ذلك أنه جل وعلا إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، وكل شيء في ملكه.
ثم يقول الله جل وعلا في آخر الحديث: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه)، فالعمل لأجل النجاة، والرسول ﷺ يقول: (كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) كيف يبيعها ويعتقها؟ بائع هنا معناه مشتري، بائع نفسه يعني: مشتريها، إما أن يشتريها بطاعة الله جل وعلا، واجتناب المعاصي، فيعتقها من عذاب الله، أو يبيعها في طاعة الشيطان فيوبقها، وإباقها كونه يعمل بالمعاصي ثم يجزى شراً.
فلا غنى للعبد عن محبة الله وعبادته، ومحبة الله تكون خوفاً من عذابه، ورجاءً لثوابه، العبادة مبناها على الخوف والرجاء، فيجب أن يكون العبد خائفاً راجياً دائماً.
أما إذا عبد الله جل وعلا بالخوف وحده فإنه -كما قال السلف- يكون حرورياً، والحروري معناه: الخارجي، فالخوارج يكفرون المسلمين بمجرد الذنوب، ويخلدونهم في النار، فمن فعل ذنباً من الذنوب قالوا: إنه كافر يجب قتله، وإذا مات فهو خالد في جهنم؛ لأنهم عبدوا الله بالخوف.
وإذا عبد الإنسان ربه بالرجاء صار مرجئاً، والمرجئة أضل من هؤلاء، فإنهم تركوا الأعمال وقالوا: يكفي الإيمان القائم في القلب، فلا بد للعبد أن يكون ممتثلاً لأوامر الله جل وعلا مع ما يقوم في قلبه من حب الله وتعظيمه والذل له والإخلاص له، ويقصده بالعمل كله.
стр. 390
شرح حديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله)
قال الشارح ﵀: [قوله: في الصحيح: أي: صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ فذكره، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة، مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم - بالمعجمة والمثناة التحتية وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعي صحابي له أحاديث، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه].
الصحابة رضوان الله عليهم كثيرون جداً ,ليس كل صحابي عرف اسمه، أو عرفت روايته أو نقل عنه، المنقول عنهم قلة، والذين عرفوا ما يتجاوزون اثني عشر ألفاً من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث، وقد قال أبو زرعة: الذين اجتمعوا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع أكثر من ثلاثمائة ألف، فيكون كلهم من الصحابة، وهؤلاء أكثرهم لم يعرف اسمه، ومعرفة الأسماء تكون برواية الأحاديث، والأحاديث دونت وسجلت بعد ذهاب الصحابة رضوان الله عليهم، ثم هم رضوان الله عليهم ما كانوا يحرصون على التحديث كثيراً كما جاء في الصحيح أن رجلاً صحب الزبير من المدينة إلى مكة فقال: ما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ ، فسأله فقال: إن الحديث عن رسول الله ﷺ عظيم، فقد سمعته يقول: (من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار) هم يقولون: (متعمداً) والله ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (متعمداً) يعني: أنه ذكر هذا مطلقاً، فامتنع من التحديث من أجل ذلك، ولكن إذا وجب الأمر لا بد أن يذكروا ذلك، إذا احتاجوا إلى ذكر العلم ذكروه ولا يكتمونه.
ثم هم رضوان الله عليهم كانوا يهتمون بالعمل أكثر؛ ولهذا كانت دعوتهم بأعمالهم أكثر من دعوتهم بأقوالهم.
وقد سبق أن قول: لا إله إلا الله شرط في صحة الإسلام، وأن الإنسان ما يدخل دين الإسلام إلا بقول: لا إله إلا الله، والقول وحده لا يكفي.
وهذا الحديث بين المراد من الأحاديث الأخرى التي فيها أن الرسول ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) وما في معنى ذلك، وأنه ليس المراد مجرد القول، وإنما يجب أن ينضاف إلى القول العلم والاعتقاد الجازم، ويتبع العلم العمل.
وكذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اختل شيء من هذه الأمور في الإنسان لم يصح دينه وإسلامه، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله، وأن يقولها عن علم واعتقاد، وأن يعمل بمقتضاها وما دلت عليه، وأن يكفر بالمعبودات التي تعبد من دون الله جل وعلا.
стр. 391
تفسير هذا الحديث لمعنى لا إله إلا الله
هذا الحديث بيان وشرح لقول لا إله إلا الله؛ لأنه قال: (وكفر بما يعبد من دون الله)، والكفر بما يعبد من دون الله يقتضي مجانبته وبغضه وكراهيته، ويتبرأ منه ومن عابده، فلا بد أن يكون الإنسان عاملاً بذلك حتى يصح دينه ويسلم، ويتحصل على الموعود الذي وعد به من قال: لا إله إلا الله بأن يدخل الجنة.
وبهذا يتبين أن الذين يتعلقون بغير الله جل وعلا، ويزعمون أنهم لم يأتوا بمخالفٍ مغرورون، قد اغتروا بجهلهم؛ لأن الرسول ﷺ بيّن غاية البيان، ووضح الأمر، فلا عذر لهم؛ لأنهم لم يعتنوا ببيانه الذي كلفه الله جل وعلا به، وقام به كما ينبغي صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا تجد كثيراً من الناس يتعلق بالصالحين أو بقبورهم أو بغير ذلك، ويزعم أنه لم يأت بمخالف؛ لأنه يعد هذا توسلاً، ويقول: التوسل مشروع، وقد سبق أن التوسل الذي أمر الله به هو فعل الطاعة ابتغاء الوسيلة إلى الله، فيطيع الله جل وعلا ويتبع رسوله ﷺ ، أما التعلق بغير الله جل وعلا فهو تأله، والتأله يجب أن يكون لله وحده، ولا يجوز أن يتعلق القلب بغير الله تعالى، فإن وجد التعلق بغير الله جل وعلا فإما أن يكون ذلك منافياً للتوحيد بالكلية، أو منقصاً له وخادشاً له، ويصبح الإنسان معرضاً لعذاب الله جل وعلا.
يعني: إذا كان التعلق من نوع الشرك الأكبر فهو منافياً للتوحيد، ومن مات على الشرك الأكبر فهو من أهل النار بلا تردد قطعاً؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] أما إذا كان ليس من الشرك الأكبر كتعليق التميمة، وطلب البركة من موضع أو ما أشبه ذلك، فإن هذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر كما سيأتي، ويكون بحسب ما يقوم بقلب الإنسان، ويترتب عليه النقص أو المنافاة بما جاء به الرسول ﷺ .
والواجب على العبد أن يخلص دينه لله جل وعلا، وأن يكون الدين خالصاً لله جل وعلا، وتعلق القلب كله بالله جل وعلا، وألا يتعلق بشيء من المخلوقات التي لا تنفع ولا تضر، فكلها مخلوقة ضعيفة، والله جل وعلا يتصرف فيها كيف يشاء، وكل مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره دفعاً ولا نفعاً، ولكن كثير من الجهال يغترون بالأوضاع التي يجدون عليها أهل زمانهم، والأوضاع ليست دليلاً على الدين، الدين هو ما جاء به رسول ﷺ ، فعلى الإنسان أن يتعرف على ذلك ويحرص عليه.
стр. 392
رواية: (من وحد الله)
قال الشارح: [وفي مسند الإمام أحمد عن أبى مالك قال: وسمعته يقول للقوم: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ورواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن أبيه، ورواه أحمد عن عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك قال: قلت: لأبى: الحديث، ورواية الحديث بهذا اللفظ تفسير: لا إله إلا الله] وذلك أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه) فدل على أنه لا يحرم مال الإنسان ودمه على المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله إلا بذلك، قال الله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]؛ لأن الفتنة هي الشرك، فلا يحرم ذلك حتى يوجد هذا الذي ذكر في الحديث، فالفتنة التي ذكرها الله جل وعلا هي الشرك، وإذا وجد الشرك فإنه قد أمر بقتالهم، وأموالهم تكون حلالاً، ودماؤهم كذلك، ويشرع قتلهم حتى يحصل ما شرطه الرسول ﷺ .
ولهذا يتبين أنه لو قال: لا إله إلا الله وهو يعبد غير الله ويتعلق بغيره، أنها لا تنفعه لا إله إلا الله، وإنما تنفع الذي يقولها عن علم، ويعمل بما دلت عليه، ويكفر بما يعبد من دون الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فبين أن الكفر بالطاغوت واجب متعين على المسلم، والطاغوت كل ما عبد من دون الله، فكل المعبودات من دون الله طواغيت؛ لأن الطاغوت مأخوذ من الطغيان وهو تجاوز الحد، والمخلوقات كلها حدها أن تكون خاضعة ذليلة لله، ما تكون معبودة وما تكون آلهة، فإذا كانت آلهة فقد تعدت حدها، وتجاوزت طورها، فأصبحت من الطواغيت، فالحديث دل على ما دلت عليه الآية من أنه لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله، ولا بد من الكفر بالطواغيت كلها، أما إنسان يقول: أنا لا أكفر بالطاغوت ولا أتبرأ منه، وإنما أعبد الله، فهذا لا تفيده عبادته؛ لأن هذا شرط لا بد منه، وإذا قال ذلك فإن ماله ودمه لم يحرم؛ لأنه لم يأت بالعاصم الذي يعصم دمه وماله.
стр. 393
مجرد التلفظ بلا إله إلا الله لا يعصم الدم والمال حتى يكفر بما يعبد من دون الله
قال الشارح ﵀: [قوله: (من قال: لا إله إلا الله وكفر يما يعبد من دون الله) اعلم أن النبي ﷺ علق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله عن علم ويقين كما هو قيد في قولنا في غير ما حديث كما تقدم والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها والعمل بها.
قلت: وفيه معنى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع! قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذا الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً].
الخمس هي: الأول: القول، أن يقول: لا إله إلا الله.
الثاني: العلم، أن يكون عالماً بمعناها.
الثالث: العمل، أن يعمل بما دلت عليه.
الرابع: الإقرار؛ لأنه قد يقول الإنسان هذا الشيء عن علم، ولكن يجحده بلسانه ظاهراً، وإن تيقن قلبه، فلا بد من الإقرار والانقياد والإذعان.
والخامس: الكفر بما يعبد من دون الله، فلا بد أن يجمع الإنسان هذه الأمور الخمسة، وإلا لا يصح إسلامه، فإذا اجتمعت فيه فهذا هو المراد الذي أراده الرسول ﷺ ، وإلا فاليهود يقولون: لا إله إلا الله، ويعلمون أنه لا إله إلا الله، وقد لا يقع منهم شرك، ومع ذلك لا تنفعهم لا إله إلا الله؛ لأنهم لم يكفروا بما يعبد من دون الله، ولم يتبرءوا منه؛ ولأنهم لم يقروا للرسول ﷺ بالرسالة، ولم يتابعوه، فلا بد من اجتماع هذه الأمور الخمسة.
стр. 394
وجوب العمل بما دلت عليه كلمة الإخلاص
قال الشارح ﵀: [قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذا الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعاً.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)].
وهذا أيضاً من أعظم ما يبين شهادة أن لا إله إلا الله ويشرحها ويوضحها إذ إن المقصود ليس مجرد التلفظ بها، فالتلفظ بلا عمل لا يفيد شيئاً.
وإنما المقصود العمل بمعناها الذي دلت عليه، ومعناها: هو أن يكون التأله كله لله، وتكون العبادة لله وحده، ولا يكون شيئاً منها لغيره، فإن وجد من الإنسان عبادة لغير الله جل وعلا فهو لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله.
وقد علم أن المشركين الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ، وبعث بلسانهم، وجاءهم بلغتهم؛ أنهم طلبوا من الرسول ﷺ مطالب منها: أن يسكت عنهم، ولا يقدح في دينهم وفي دين آبائهم، ويسكتوا عنه، وما يتعرضوا له بشيء، فأبى صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وذكر أنه لا بد من بيان فساد دينهم والتبرؤ منه، والكفر به، وبغضه، ومعاداته، ومعاداة أهله، فلا بد من ذلك، الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]؛ لأن هذا من معنى لا إله إلا الله.
وأخبرنا ربنا جل وعلا أن لنا أسوة في إبراهيم والذين معه، فإبراهيم تبرأ من قومه وما يعبدون، واستثنى من ذلك ربه جل وعلا فقال: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] يعني: الذي خلقني، وهو الله، وهذا يدل على أن قوم إبراهيم يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، فتبرأ من المعبودات غير الله، واستثنى ربه جل وعلا؛ لأنه هو الذي يجب أن تكون له العبادة وحده.
وكل الأنبياء جاءوا بهذا الأمر، يدعون قومهم إلى أن يخلصوا عبادتهم لله وحده.
والشأن في معرفة العبادة ما هي؟ ومعرفة الإله ما هو؟ وما معنى الإله في اللغة؟ فالإله هو الذي يؤله ويعبد، كل ما ألهه القلب بالحب والخوف والذل فهو إله، فيجب هذا أن يكون لله وحده.
والعبادة أنواعها كثيرة جداً، منها الدعاء، ومنها الذبح، ومنها النذر، ومنها طلب البركة، ومنها الخوف والرجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة، وكلها يجب أن تكون لله وحده، وكلها دلت عليها كلمة لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله دلت على أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، فإذا وجد شيء من العبادة لغير الله فإن الإنسان لم يأت بالعبادة لله، فالذي يقول ذلك أو يفعله لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله، ولم يصحح إيمانه، بل لم يدخل في الإسلام وإن زعم أنه مسلم؛ لأن الإسلام كلٌ لا يتجزأ، إذا وجد بعض منه وبعض تخلف فكأنه لم يأت بشيء، فالله هو أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معه شيئاً من المخلوقات فإنه يكون لذلك الشريك، والله بريء منه كما أخبر الرسول ﷺ بذلك.
قال الشارح: [وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)].
حق لا إله إلا الله هو كل واجب جاء به الرسول، كل ما وجب في دين الإسلام فهو من حق لا إله إلا الله، وإذا ترك الإنسان الواجب فمعنى ذلك أنه يقاتل حتى يأتي به سواء الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، بل حتى ولو ترك قوم الأذان الذي هو من الأمور الكفائية في الشرع، فلو اتفق أهل بلد على ترك الأذان فإنهم يقاتلون حتى يلتزموا ذلك ويأتوا به باتفاق العلماء؛ لأن هذا من حق لا إله إلا الله، فليست المسألة مجرد قول لا إله إلا الله، ثم يصبح الإنسان يفعل ما يريد كما يغتر بذلك كثير من الجهال، ويظنون أن من قال: لا إله إلا الله فهو موعود بدخول الجنة ويكفي، وقد يترك الصلاة وقد يترك الصوم، وقد يعبد غير الله، بأن يتعلق بالمقبورين، ويسألهم النفع ودفع الضر، أو يتبرك بقبورهم، أو يقدم لهم النذور أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا من الشرك الأكبر الذي ينافي قول لا إله إلا الله، وسبب وقوع ذلك هو جهل الإنسان بمعنى لا إله إلا الله، وكذلك جهله باللغة التي خاطبنا رسول الله ﷺ بها، ولو عرف ذلك لفهم؛ لأنه من المعلوم أن الرسول ﷺ لما قال للمشركين: لا إله إلا الله، أبوا ونفروا، وليس المراد عرفوا أنه ليس المراد مجرد التلفظ بها، بل قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، و ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف:٧٠]، لأنه كان يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
وهكذا جميع الرسل جاءت بهذا، فلا خير في إنسان مسلم يكون الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله، يجب أن يكون عالماً بمعناها وما دلت عليه، وكذلك بما ينافيها ويناقضها أو ينقص ما دلت عليه من توحيد الله جل وعلا.
الإنسان إذا ما عرف الشر لم يعرف الخير، والأمور قد تتبين بأضدادها، فاعتماد هذا الأمر مهم جداً على المسلم، لأن الله جل وعلا أخبرنا أن الإنسان إذا مات على الشرك فهو غير مغفور له، ويجوز للإنسان أن يقع في شيء يظنه عبادة مرضية لله وهي شرك، يجوز أن يقع الإنسان في مثل هذا إذا لم يتعرف على الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وبهذا خسر الإنسان نفسه، ومعنى ذلك أنه هلك الهلاك الذي لا يرجى معه سعادة أو صلاح أبداً.
ليست المسألة مجرد ذنب من الذنوب، إذا كان الإنسان لا يعبد إلا الله فأمر الذنوب سهل، ولكن المشكل أن يقع الإنسان في الشرك؛ لأن الشرك قطع الله جل وعلا رجاء من وقع فيه نهائياً إذا مات عليه، وأخبر أنه يكون خالداً في النار وما هو بخارج منها، وأن الجنة عليه حرام، إذا كان الأمر هكذا فإن من أشد ما يتعين على الإنسان ويجب عليه أن يعتني به ويتعرف عليه؛ الشرك وأنواعه وأقسامه حتى يتجنبه، وبضدها تتبين الأشياء.
ولهذا لما كان الصحابة رضوان الله عليهم قد عرفوا الشرك تماماً صاروا من أبعد الناس عنه، وصاروا يبغضون الشرك أشد البغض، وينفرون منه أشد النفرة، بخلاف الذي يجهله، فإنه قد يقع فيه ويظنه عملاً صالحاً، كما وقع فيه كثير من الناس، بل وقع فيه بعض خواص الناس ممن يفسر كتاب الله ويشرح حديث رسوله ﷺ ؛ بسبب البعد عن عهد النبوة، والجهل باللغة، وإلف الشيء الذي وجد عليه الآباء والأجداد وأهل البلد، فيستبعد أن يكون هذا شركاً فيقع فيه، والإنسان لا يعذر بذلك، لا يقال: إنه جاهل؛ لأن الله جل وعلا قطع الحجة وقطع العذر بإرسال الرسول ﷺ ، وإنزال القرآن، يقول جل وعلا: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة؛ لأن عليه أن يتعرف على معانيه وما دل عليه، وليس المراد منه أن يقرأه مجرد ألفاظ يتلوها وما يدري ماذا تدل عليه، فهذا لا يجدي شيئاً، ولا يفيد شيئاً، وليس هذا مطلوباً ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن أنزل للتدبر والعمل.
ويجب على الإنسان أن يعتني بهذه الأمور كثيراً؛ ولهذا نرددها ونكررها لأهميتها، وعظم الحاجة إليها.
стр. 395
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٤]
كلمة الإخلاص تعني البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وصرف العبادة لله وحده لا شريك له، وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرة من كتاب الله، وأحاديث صحيحة من سنة رسول الله ﷺ .
стр. 396
العمل بما دلت عليه كلمة الإخلاص
قال الشارح ﵀: [وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال وآية براءة، وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها؛ أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول: لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره.
انتهى ملخصاً.
وقال النووي: لابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية (ويؤمنوا بي وبما جئت به) وقال شيخ الإسلام لما سئل عن قتال التتار فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم، قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها؛ فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام.
انتهى.
قوله: (وحسابه على الله) أي: الله ﵎ هو الذي يتولى حساب الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقاً جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقاً عذبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد، ولم يأت بما ينافيه ظاهراً، والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه].
هذا يدل على أن الحكم على الظاهر في الدنيا، أما ما في القلب فأمره إلى الله جل وعلا، إن كان الإنسان صادقاً في قوله وعمله، فهذا هو المخلص الذي يكون فائزاً بوعد الله جل وعلا، وبجزائه يوم الدين.
أما إن كان في قلبه خلاف ما يظهره بعمله وبقوله، فسوف يحاسبه الله جل وعلا على ذلك يوم يلقاه، وليس له من أجر ثوابه وعمله شيء، وإنما يعاقب عقاب الكفار والمنافقين؛ لأن الأعمال الظاهرة تكون تبعاً لما في القلب الباطن.
ولهذا أخبر الله جل وعلا أن الذي يريد الدنيا وزينتها ليس له في الآخرة من نصيب، ومعنى يريد: أن تكون نيته وقصده، وإن عمل بخلاف ما في قلبه موافقاً ما جاء به الشرع، فإنما العبرة عند الله جل وعلا بالإرادة وبالنية والقصد، والعبرة عند المسلمين على الأحكام الظاهرة، فمن أظهر خيراً وجبت محبته وأخوته، وإن كان مبطناً شراً فالله يتولى حسابه، فهو الذي يحاسبه على ذلك فيصبح من المنافقين الذين يظهرون الخير ويبطنون الشر، وهم شر من الكفار الذين يصرحون بالكفر ويظهرونه، وإذا كان يوم القيامة صاروا تحتهم في طبقات النار كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقد كانوا يصلون مع المسلمين ويجاهدون ويؤدون الزكاة ومع ذلك يكونون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم أظهروا وفاقاً وأبطنوا نفاقاً، وهم يخادعون الله والذين آمنوا ولا يخدعون إلا أنفسهم، يظنون أنهم يخادعون وأنهم أهل العقل، وهم في الواقع أطاعوا شياطينهم وغروا أنفسهم، وسولت لهم أنفسهم أمراً قادهم إلى جهنم -نسأل الله العافية-.
وعلى هذا فالكفار الأصليون الذين لم يدخلوا في الإسلام إذا قال أحدهم: لا إله إلا الله وجب الكف عنه حتى ينظر هل يلتزم بما دلت عليه هذه الكلمة أو لا يلتزم؟ فإن التزم بذلك وحكم بإسلامه، وإلا لم يفده مجرد قوله: لا إله إلا الله، فمجرد القول لا يكفي، وإنما العبرة بالعمل الذي يتبع العقيدة، والعلم الذي في القلب.
стр. 397
بيان ما تدل عليه كلمة الإخلاص
قال الشارح ﵀: [قلت: وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول: لا إله إلا الله، ولا يكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت بما يعصم دمه وماله كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث.
قوله: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب].
يعني: أنه سيذكر بعد هذا الباب أبوباً كثيرة كلها توضح هذا المعنى وتبينه، والترجمة هي قوله: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ثم لما ذكر الآيات والحديث قال: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب يعني: أن الأبواب التي ستأتي بعضها في ذكر بعض الشركيات، وبعضها في ذكر بعض التعلقات على غير الله، وكلها تبين معنى لا إله إلا الله وتفسره؛ لأن الأمور تتبين بأضدادها، وسيبدأ بعد ذلك بحكم الذي يعلق تميمة أو يتبرك بشجرة أو حجر أو قبر، يطلب نفعه أو دفع الضر، بدء بهذا لأن هذا من الشرك الواضح الجلي، وهو أيضاً يفسر لا إله إلا الله كما سيأتي.
قال الشارح ﵀: [قلت: وذلك أن ما بعدها من الأبواب فيه ما يبين التوحيد ويوضح معنى: لا إله إلا الله، وفيه أيضاً: بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع مما تركه من مضمون لا إله إلا الله، فمن عرف ذلك وتحققه تبين له معنى لا إله إلا الله، وما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، وبضدها تتبين الأشياء، فبمعرفة الأصغر من الشرك يعرف ما هو أعظم منه من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، وأما الأصغر فإنما ينافي كماله، فمن اجتنبه فهو الموحد حقاً، وبمعرفة وسائل الشرك -والنهي عنها لتجتنب- تعرف الغايات التي نهى عن الوسائل لأجلها، فإن اجتناب ذلك كله يستلزم التوحيد والإخلاص بل يقتضيه، وفيه أيضاً من أدلة التوحيد إثبات الصفات وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وكل ما يعرف بالله من صفات كماله وأدلة ربوبيته يدل على أنه هو المعبود وحده، وأن العبادة لا تصلح إلا له، وهذا هو التوحيد، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله].
الله جل وعلا أخبر أنه هو الخالق وحده، وهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي ينزل المطر وينبت النبات، وهو الذي يجب أن تكون العبادة له، وكل هذا من الكمالات التي يجب أن تعتقد لله جل وعلا.
وإذا صرف من ذلك شيء لغيره فإنه تنقص لله جل وعلا، فالمشرك الذي يدعو غير الله من مقبور أو أحجار أو غيرها هو يتنقص الله جل وعلا بما ينافي كماله؛ لأنه هو الإله وحده، وكونه يتعلق بغيره فإنه يصرف حقه لغيره؛ ولهذا إذا ذكر الله جل وعلا الشرك يقول: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣] ينزه نفسه عن شركهم؛ لأن الشرك تنقص لله جل وعلا، ودل على أنه يجب أن تثبت له صفات الكمال، وهذا من باب المفهوم، وقد جاءت نصوص من كتاب الله جل وعلا وأحاديث رسوله ﷺ في وجوب اعتقاد اتصاف الرب جل وعلا بالصفات التي نص عليها، والتي تعرف بها إلى عباده؛ لأنه جل وعلا غيب، لا يطلع عليه أحد، ولم يره أحد، وإنما تعرف إلى عباده بأوصافه التي يصف نفسه بها، أو يصفه رسوله ﷺ .
ومنها: كونه جل وعلا الإله وحده، والتأله له وحده، ومنها: كونه جل وعلا الخالق وحده، والرازق وحده، لا شريك له في ذلك، ومنها كونه جل وعلا مستوياً على عرشه، عالياً على خلقه، ومنها كونه جل وعلا عالماً بكل شيء لا يخفى عليه شيء، يعلم ما في ضمائر عباده، وما يكنون في قلوبهم، ومنها: كونه جل وعلا يحب المؤمنين، والتوابين، والمتطهرين، ومنها: كونه جل وعلا كلم رسله وأنزل كلامه عليهم الذي هو نور وهدى لمن آمن به واتبعه، إلى غير ذلك من أوصافه التي جاءت في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسوله ﷺ وهي من التوحيد.
ولهذا السبب قسم العلماء التوحيد إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: توحيد الربوبية الذي يدل على أنه من فعل الله جل وعلا وحده كالخلق والرزق والأمر والنهي والشرع أي: أنه هو الذي يشرع وحده، فمن نازع الرب جل وعلا في شرع يضعه للناس فقد جعل نفسه شريكاً لله جل وعلا، ومن اتبع الشرع الذي يشرعه المخلوق فقد اتخذ رباً غير الله جل وعلا، فهذا من خصائص الربوبية.
القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات، مثل عليم وحليم وكريم، وكونه جل وعلا يسمع ويرى، وأنه مع عباده جل وعلا، يعلم ما في ضمائرهم ويشاهدهم، ولا يخفى عليه خافية، وهو محيط بهم، وهم في قبضته، وكونه جل وعلا له وجه كما وصف جل وعلا نفسه بذلك، وله يدان، وأنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأن الإنسان إذا تصدق بصدقة من كسبٍ طيب -والله لا يقبل إلا طيباً- فالله يتقبلها بيمينه جل وعلا فيربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل وإن كانت تمرة، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يذكرها الرسول ﷺ للمؤمنين ليؤمنوا بها، هذا يسمى توحيد الأسماء والصفات.
القسم الثالث: توحيد العبادة التي تصدر من العباد أنفسهم: نحو الدعاء والرجاء والخوف والإنابة والنذر وغير ذلك.
وهذه الأقسام مترابطة، لا ينفك بعضها عن بعض؛ فمن أتى بقسم منها ولم يأت بالبقية لا يصح دينه، ولا يصح إسلامه، فلا بد منها جميعاً.
стр. 398
معنى قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه)
قال الشارح ﵀: [بيان أن هذا هو الشرك الأكبر].
آية الإسراء هي قوله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] وقد ذكر المؤلف ﵀ ما روى أهل التفسير من أن هذه الآية نزلت في عيسى ابن مريم وأمه والعزير، وعيسى ﵇ نبي كريم، بل هو من أولي العزم من الرسل، وأمه صديقة، وعزير نبي من الأنبياء، فمن الناس من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو العزير، ومنهم من يدعو مريم، ويدعونهم للشفاعة، وليس ذلك لأنهم ينزلون المطر، وينبتون النبات، ويحيون الموتى، لكن يدعونهم للشفاعة، ويطلبون منهم الشفاعة، ويقولون: اشفعوا لنا عند الله.
أخبر الله جل وعلا عن هؤلاء المدعوين أنهم يتسابقون بالخيرات، كل واحد منهم يجتهد في العمل الصالح لعله يكون أقرب إلى الله من الآخر، يعني: أنهم يتنافسون في فعل الطاعة، ويتسابقون بفعل الطاعات ليسبق كل واحد منهم الآخر، وكل واحد يريد أن يكون هو الأقرب إلى الله.
والمعنى أنهم فقراء ما يملكون شيئاً مما يدعون من أجله، بل هم عباد يدعون الله كما أنكم أنتم عباد تدعونهم وتدعون الله، فهم مثلكم، فتبين بهذا أن الدعوة وطلب الشفاعة عبادة يجب أن تكون موجهة إلى الله جل وعلا وحده.
والقول الثاني: أنها نزلت في قوم من الجن كانوا مشركين، وأناس من الإنس يدعونهم، فأسلم الجن والإنس لم يعلموا بذلك، فبقي الإنس على دعوتهم وشركهم، وقد أسلم الجن وصاروا يتقربون ويتسابقون إلى الله جل وعلا بالعبادة.
والمعنى واحد سواء نزلت في هؤلاء أو هؤلاء، وكل مدعو يدعى من دون الله فهو لا يستطيع كشف الضر الذي نزل بالداعي، ولا يستطيع تحويله من موضع من جسده إلى موضع آخر، لا يستطيع إزالته بالكلية، ولا يستطيع تخفيفه، والمعنى أنهم لا يملكون شيئاً مما يدعون من أجله، فتصبح دعوة الداعي سبهللاً ضائعة لا فائدة فيها، بل فيها الضر لأنها شرك يعود على الداعي بالضر، وهذا في كل مدعو من دون الله جل وعلا، وإن كانت الآية نزلت في قوم صالحين كما قال المؤلف سواء كانوا من الأنبياء أو كانوا من الجن الذين كان الإنس يعبدونهم قبل إسلامهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، وسواء كان هذا أو هذا فكل مدعو من دون الله جل وعلا فإنه لا يملك نفع الداعي ولا يملك دفع الضر عنه، وإذا نزل به الضر ما يستطيع رفعه، ولا تخفيفه، ولا تحويله من مكان إلى آخر.
стр. 399
معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
قال الشارح ﵀: [ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً مع أن تفسيره الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم].
الآية في أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] والأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا.
وبين أن تفسيرها الواضح جاء عن الرسول ﷺ في حديث عدي بن حاتم، وفسرها بأنها طاعتهم في معصية الله، وكان عدي بن حاتم نصرانياً، فسمع الرسول ﷺ يقرأ هذه الآية، فقال له: يا رسول الله! إننا لم نعبدهم، قال: (بلى، ألم يحرموا عليكم الحلال فحرمتموه، ويحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) فتبين بهذا أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جل وعلا عبادة لذلك المخلوق، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا، فمن أطاع مخلوقاً في معصية الله وهو يعلم أنها معصية فقد اتخذه رباً كما في هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة:٣١] والأرباب جمع رب، والرب معناه هنا: المعبود الذي يعبد ويتأله، فدل على أن الشرك يكون في الطاعة، وأن الطاعة يجب أن تكون لله ولرسوله ﷺ ، ولمن أمر بطاعة الله وطاعة رسوله.
وأما إذا أمر المخلوق بمعصية الخالق جل وعلا فلا طاعة له، مهما كان سواء كان والداً أو غير والد، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا، فمن أطاع ذلك المخلوق في معصية الله، فقد اتخذه رباً من دون الله جل وعلا، وليس المعنى أنهم يعبدونهم بمعنى يصلون لهم ويسجدون لهم، لكن يكفي كونهم يطيعونهم في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، هذه هي عبادتهم.
стр. 400
معنى قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون) الآية
قال الشارح ﵀: [ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨].
والكلمة عبارة عن هذا المعنى الذي هو التبرؤ من المعبودات غير الله جل وعلا، واتخاذ الرب جل وعلا معبوداً وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن قول القائل: (لا إله) نفي، والنفي في ضمنه التبرئ، وقوله: (إلا الله) إثبات الإلهية لله جل وعلا وحده، فهو ينفيها عن كل ما سوى الله، ويثبتها لله وحده، فهذه هي الكلمة التي جعلها الله جل وعلا باقية في عقب إبراهيم في ذريته؛ لأن ذرية إبراهيم فيهم الأنبياء، وآخرهم وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين هو من ذرية إبراهيم.
وقد بعث الله جل وعلا في العرب قبله أباه إسماعيل بن إبراهيم فإنه نبي أرسله الله جل وعلا إلى العرب يعني: أهل مكة وغيرهم، فدعاهم إلى توحيد الله، ونبينا ﷺ من ولده من ذريته.
وهذه الكلمة لم تزل باقية من وقت إبراهيم إلى اليوم في ذريته، جعلها كلمة باقية فيهم، وهي التبري من الشرك وأهله، والإخلاص لله جل وعلا وحده.
стр. 401
معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)
من المسائل التي توضح معنى لا إله إلا الله وتفسرها: الآية التي في سورة البقرة وهي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧] أخبر أنهم لا يخرجون من النار بسبب أنهم اتخذوا مع الله أنداداً يحبونهم كحبهم لله تعالى، وهذا الحب هو حب التأله الذي يتضمن الخوف والرجاء والذل وطلب الرغبة من هذا المحبوب؛ لأن هذا لا يجوز أن يكون لغير الله جل وعلا، فحب التأله الذي يتضمن الذلة والخوف والرغبة والرهبة لا يجوز أن يكون لمخلوق، ويجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فإذا جعل هذا الحب أو بعضه لغير الله جل وعلا صار هذا الذي عمل ذلك مشركاً شركاً أكبر، وإذا مات عليه يكون خالداً في النار كما أخبر الله جل وعلا في هذه الآيات، وهذا هو معنى قول: لا إله إلا الله يعني: أن الحب الذي فيه الذل والخوف والرغبة يجب أن يكون لله وحده، وهذا هو التأله، وهذا هو الذي نفي عن غير الله جل وعلا في كلمة الإخلاص وأثبت لله وحده.
وأخبر أن هؤلاء يحبون أندادهم كحبهم لله، فدل على أنهم يحبون الله حباً شديداً، ولكن هذا الحب لم ينفعهم لأنه حب شركي، أشركوا مع الله غيره في هذا الحب، فصار هذا الحب غير نافع بل هو ضار، بل هو الشرك الذي يفعله المشركون، ولم يذكر الله جل وعلا في كتابه ولا ذكر المؤرخون الذين يذكرون أحوال الناس من القدم أن أحداً من الخلق اعتقد أن مخلوقاً من المخلوقات شريكاً لله في الخلق والإحياء والإماتة والتصرف، وإنما الشرك الذي وقع في بني آدم هو شرك إما في الحب أو في الوساطة بأن يتخذ هذه المحبوبات أو المدعوات وسائط يسألها أن تقربه إلى الله زلفاً يعني: يطلب منها الشفاعة كما هو الواقع عند كثير من الناس، يتجهون إلى من هو رميم في قبره، وقد أكله الدود، وتفتت عظامه، ويسألونه أن يشفع لهم عند الله، وربما سألوه أموراً في الدنيا، ويعتقدون أنه يستطيع أن يفعل ما يطلبونه منه، وهذا أمر توارثوه وليس لهم عليه أي دليل، بل الأدلة من العقل ومن كتاب الله ومن سيرة الرسل تدل على أنهم ضلوا ووضعوا السؤال في غير موضعه، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] يعني: أن الاستجابة تحصل لهم إذا حشروا وبعثهم الله جل وعلا، وجمع الداعي والمدعو، فيسأل المدعو ويقال له: هؤلاء الذين يدعونك اتخذوك شركاء مع الله، هل أمرتهم بذلك؟ فيكفر بهم ويتبرأ منهم، ويعلن بأنه غافل عن ذلك وليس له علم، وأنه كافر بهذه الدعوة، ثم يكون عدواً لهذا الداعي، فيصبح بعضهم يلعن بعضاً، هذه هي نتيجة من يتجه بالدعاء أو بالحب الذي هو حب الخضوع والذل إلى غير الله جل وعلا كما قال الله جل وعلا في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥] يعني: أن المدعو يلعن الداعي، والداعي يلعن المدعو كما في هذه الآية ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٧] ((لَوْ أَنَّ)) يعني: يا ليت لنا كرة، يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا فنتبرأ من هؤلاء الذين كنا ندعوهم كما تبرءوا منا، ولكن هيهات انتهى الأمر! فهذا خبر من الله جل وعلا بما سيقع لهؤلاء الذين يدعون غير الله، ومن أصدق من الله خبراً، تعالى الله وتقدس.
فالمقصود أن هذه الآية من الآيات التي توضح معنى لا إله إلا الله وتبينه، وما أكثر الآيات التي توضح ذلك وتبينه؛ لأن هذا هو أصل الدين، وأصل دعوة الرسول ﷺ ، وقد بين هذا غاية البيان حتى لا يبقى للناس حجة، وقد قامت حجة الله على خلقه بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب عليه، فإذا وقع الإنسان في شيء من هذه الأمور فاللوم عليه؛ لأن التقصير حصل منه، أما الرسول ﷺ فقد وضح وبلغ، وبين غاية البيان، وقامت الحجة على جميع الخلق.
стр. 402
الأمور الواجبة على من يتكلم بكلمة الإخلاص
قال الشارح ﵀: [ومنها: قوله ﷺ (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه.
فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع].
هذا أيضاً من الأمور التي توضح معنى لا إله إلا الله وتبينه، وذكر المؤلف ﵀ خمسة أمور لا بد أن تجتمع فيمن يتكلم بهذه الكلمة حتى ينتفع بقول: لا إله إلا الله: الأمر الأول: النطق بها، لا بد أن ينطق ويتكلم بها، أما لو علم معناه واعتقده في قلبه، ولم يتلفظ بها، فإنه لا يعد مسلماً؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، وفي رواية: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) لا بد من قولها، والله جل وعلا يقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، والإيمان بالله جل وعلا هو عبادته، أن يعبد ويمتثل أمره، ويجتنب نهيه جل وعلا.
ثم مع النطق بها لا بد من معرفة معناها؛ لأنه لو تكلم بها وهو لا يعرف المعنى فإنه لا يفيده شيئاً، لا بد من معرفة أن معناها: نفي التأله عن غير الله، وإثبات التأله لله وحده، وأنه لا يجوز أن يكون شيء من التأله الذي هو العبادة لغير الله، فإن حصل تردد في هذا أو شك فإسلام الإنسان غير صحيح.
الأمر الثالث: الإقرار، أن يقر بذلك، والإقرار ضد الجحود، فإن الإنسان قد يكون قائلاً لها وعالماً بمعناها، ولكن يجحد ذلك تكبراً أو عناداً أو لأمور أخرى غير ذلك.
والأمر الرابع: أن يكفر بما يعبد من دون الله، والكفر بما يعبد من دون الله معناه: مفارقته وبغضه، وكراهته والتبري منه ومن عابده، هذا معناه كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
الأمر الخامس: الانقياد والتسليم، يسلم بذلك وينقاد، ولا يكون عنده تردد أو تضجر من هذا أو رغبة في غيره، بل يسلم وينقاد ويذعن لذلك ويغتبط به، يفرح به ويكون محباً لهذا، ويكون متيقناً بصحته، وأن النجاة لا تكون إلا بذلك.
فلابد من هذه الأمور حتى ينتفع الإنسان بهذه الكلمة العظيمة التي تفرق بين المؤمن والكافر، وهي التي أرسل بها الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهي التي من أجلها خلقت الجنة والنار، وهي التي عليها يثيب الله جل وعلا، ويعاقب على هذه الكلمة؛ ولهذا أخبر الرسول ﷺ أنه أُمِر بقتال الناس حتى يقولوها، فإذا قالوها امتنع من قتالهم، وحرمت أموالهم ودماؤهم إلا بحقها، وحق هذه الكلمة كل واجب أوجبه الله جل وعلا على عباده؛ لأنها في الواقع هي الدين كله، فلهذا احتيج إلى إيضاحها لمن لا يعرفها، وإلا فهي واضحة وجلية، ولكن قد يكون الإنسان غافلاً أو يكون جاهلاً أو يكون في بيئة لا تساعده على معرفتها فيحتاج إلى بيانها له، وبيان معناها، وإيضاح ذلك، وهذا أمر حتمي، فواجب على من عرف ذلك أن يوضحه ويبينه، ويجب على من لا يعرفه أن يبحث عنه ويطلبه، ويطلب من يبين له ويوضحه، وهو -والحمد لله- واضح جلي من كتاب الله، وأحاديث رسوله ﷺ ، وسيرته.
стр. 403
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٥]
من الشرك بالله لبس الحروز والتمائم، واعتقاد أنها تدفع الضر أو ترفعه، وقد يكون تعليقها شركاً أكبر أو أصغر بحسب ما يقوم في قلب من تعلقها، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في التحذير من ذلك وبيان أنه شرك بالله تعالى يجب الابتعاد عنه.
стр. 404
من صور الشرك لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء ودفعه
قال المصنف ﵀: [باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه].
بعد ما انتهى المؤلف من باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله قال في آخره: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، وهذا أول باب بدأ فيه بالشرح، فهو يذكر ما ينافي التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله أو ينافي كمالها، وبدأ بلبس الحلقة أو الخيط لأجل دفع البلاء الذي لم ينزل، أو لأجل رفعه إذا كان نازلاً في الإنسان.
فمن لبس شيئاً من الملبوسات سواء كان خيطاً، أو خرزات أو نحاساً أو فضة أو تمائم فيها طلاسم أو قراءات أو غير ذلك لأجل هذا، فقد وقع في المحذور، وقع إما فيما ينافي أصل التوحيد أو فيما ينافي كماله الواجب الذي يجب على كل عبد، فيصبح معرضاً لعقاب الله أو معرضاً للخلود في النار، فذكر هذا، وسيأتي ذكر أشياء كثيرة كلها توضح هذا المعنى وتبينه.
وهذه الأمور مما يجب على عموم المسلمين جميعاً أن يعرفوها ويعلموها ويجتنبوها؛ لأنها تنافي أصل دينهم، وقد حذر منها رسول الله ﷺ .
وطريقة المؤلف أنه إذا ذكر هذه الأشياء استدل عليها بآيات من كتاب الله، ثم أتبع ذلك بما يوضح الآيات من أحاديث رسول الله ﷺ ، وليس بعد ذلك استدلال، لأن هذا هو الأصل الذي يجب أن يرجع إليه المسلمون: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والإنسان لا يسأل عن غير ذلك، فلا يسأل عن عقله ولا عن قياسه وفكره، ولا عن أوضاعه التي يتعارف عليها الناس ويجد عليها أهل بلده، بل هذه قد تضره ولا تنفعه، وإنما السؤال عن معرفة الله جل وعلا، من يعبد؟ وبأي شيء يعبده؟ ومن الذي جاءه بما يتعبد به؟ هذه الأمور الثلاثة هي التي يسأل عنها كل إنسان يوضع في قبره، يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فإن كان متيقناً عارفاً عالماً بذلك فإنه يجيب بكل طمأنينة فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، وهذا رسول الله ﷺ .
ولا ينتهي السؤال عند ذلك، بل يقال له بعد ذلك: وما يدريك؟ يعني: هات الدليل على قولك! فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به واتبعت، عند ذلك يكون هذا دليل مقنعاً، وهذا هو الدليل، ولا يقول: نظرت بعقلي، أو نظرت في فكري، أو أخذت ذلك عن شيخي، أو عن أهل بلدي، أو غير ذلك، وإذا قال ذلك فهو هالك.
أما إذا كان غير عالم بذلك، وغير موقن به، فإنه يتلعثم في الجواب ويتردد ويقول: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، عند ذلك يقال له: لا دريت ولا تليت، يعني: لا تعلمت وعرفت، ولا قرأت كتاب الله القراءة التي تعلم بها ما خلقت من أجله، فيكون هذا مبدأ العذاب، فيضربه الملك الذي يسأله بمطراق من النار يلتهب عليه قبره ناراً، ويصيح صيحة يسمعه كل من يليه من المخلوقات إلا الجن والإنس فإنهم لا يسمعونه؛ لأن عذاب القبر أخفي عن الجن والإنس لأنهم هم المكلفون وهم المرادون به، ولو ظهر ما استطاع أحد أن يدفن أحداً كما قال الرسول ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يريكم عذاب القبر)، ولكن لو ظهر ذلك لما استطاع أحد أن يذهب إلى المقابر لشدة الهول! والمقصود أن هذا أمر واجب متعين حتمي لا بد منه، ويجب على الإنسان أن يعتني به أشد العناية، وقد كثرت هذه الأمور الشركية في الناس من تعليق التمائم ولبس الخيوط والحلق وما أشبه ذلك، ويزعمون أن بها الشفاء أو بها دفع الجن أو دفع عيون الناس أو ما أشبه ذلك، وهذا كله اعتقاد باطل، بل هو إما أن يكون منافياً لأصل الدين الإسلامي أو منافياً لكماله الواجب الذي يجب على الإنسان أن يعمله ويكمل به دينه.
فبدأ بذلك تفسيراً له، وقوله: لدفع البلاء أو رفعه، يعني: أنه إذا لبس هذه الأمور من أجل دفع الشر الذي يتوقع نزوله أو من أجل رفعه بعد حصوله، أما دفعه قبل أن ينزل فبأن يعتقد أن هذا يمنع من إصابة العين أو إصابة الجن أو إصابة حسد الحاسد أو ما أشبه ذلك، أو أنه يمنع الروماتيزم كما يقوله الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً من دين الله، أو أنه يزيل المرض الذي يسمى واهنة أو يسمى ريحاً أو غير ذلك، فمن فعل ذلك فإنه قد وقع في الشرك، فإما أن يكون شركاً أكبر منافياً للتوحيد أو يكون شركاً أصغر، فإن كان يعتقد أن هذه الملبوسات من خيوط أو خرزات وحروز وما أشبه ذلك تنفع بنفسها وتدفع، فهذا شرك أكبر يكون منافياً لأصل التوحيد، وإن اعتقد أنها مجرد سبب، والنافع والدافع هو الله جل وعلا؛ فهذا شرك أصغر يكون منافياً لكمال التوحيد، وإن كان اعتقد أن هذا قد يكون سبباً فإن الأسباب لا يجوز تعاطيها إلا إذا كانت مباحة، والأسباب المحرمة لا يجوز فعلها، وقد بين الرسول ﷺ أن شفاء هذه الأمة ليس فيما حرم عليها، وإنما فيما أباحه الله جل وعلا.
стр. 405
معنى قوله تعالى: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر)
قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]].
بعد ما أخبر الله عن الكفار أنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ فإنهم يقرون بأنه الله جل وعلا لا شريك له في ذلك، ولا معين له ولا مظاهر له في ذلك.
أمر نبيه ﷺ أن يسألهم من باب التقرير والتحدي وإبطال دعوتهم عن المدعوات التي يدعونها من الآلهة بأنواعها، وقد علم أن آلهتهم التي يدعونها مختلفة، منها: ما هو شجر، ومنها ما هو حجر، ومنها ما هو ميت مقبور، ومنها ما هو ملك من الملائكة، ومنها ما هو كوكب من الكواكب، ومنها ما هو نبي أو ولي من الأولياء، وكلها داخلة فيما أمر الله جل وعلا به نبيه أن يوجه السؤال إليهم، يقول: ((أَفَرَأَيْتُمْ)) أي: أخبروني عن هذه المدعوات التي تدعونها من دون الله، إن أرادني الله بضر، أي: بمرضٍ أو ألمٍ أو مصيبة أو غير ذلك؛ هل تستطيع أن ترد هذا وتمنعه؟! أو أرادني برحمة، أي: بخير وإحسان وصحة ونصر وتأييد وقوة وعزة وعلم وخير؛ هل تستطيع أن تمنع ذلك؟! الرسول ﷺ وجه إليهم هذا السؤال فسكتوا؛ لأنهم يعلمون أنها لا تنفع ولا تدفع، وما استطاعوا أن يقولوا: نعم، بل علموا يقيناً أنها لا تنفع، وفي هذا إبطال دعواهم، فإذا كانت هذه المدعوات لا تنفع في منع البلاء، ولا تدفعه بعد حصوله، فأي فائدة في دعوتها؟! ثم أخبر أن الكافي والحسيب الذي يكفي عبده ويدفع عنه البلاء قبل وقوعه، ويرفعه عنه إذا وقع فيه هو الله وحده، وقد اعترفوا بهذا وأقروا به، اعترفوا بأن الذي يكشف الضر ويجيب المضطر هو الله وحده لا شريك له في ذلك، وبهذا تبطل دعوتهم ويبطل شركهم، ولكنهم يكابرون ويعاندون، ويأبون أن يتركوا ما هم عليه؛ لأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، وليس لهم حجة إلا أنهم وجدوا آباءهم عليه، فضرهم تعظيم الآباء وتقليدهم، فمنعهم ذلك من قبول الحق واتباعه، هذا هو السبب فقط وإلا فقد تيقنوا أنها لا تنفع لا في دفع البلاء ولا في رفعه بعد حصوله.
والخيوط والخرز والتمائم شرك من أي نوع كانت، سواء كانت من فضة كما يفعلها بعض الناس، ويزعم أن فيها بركة، أو من نحاس وصفر كما يفعله بعض الناس ويزعم أنها تشفي من الروماتيزم أو أنها مثلاً تنفع من عين الإنسان، أو تنفع من إصابة الجن، أو ما أشبه ذلك كما يعتقده كثير من الجهلة، وهي سنة المشركين الذين كانوا يتعلقون بغير الله جل وعلا، ومن فعل شيئاً من ذلك فهو داخل في هذه الآية؛ لأن هذه الآية عامة في كل ما فيه شيء من هذا المعنى من الدعوة أو الاعتقاد أو الادعاء، وإلا فهي لا تنفع في جلب شيء من الخير، ولا في دفع شيء من الشر، وأمرها في هذا ظاهر وواضح.
فتبين بهذا أن من فعل ذلك فإنه مشابه للمشركين في دعوتهم غير الله جل وعلا، وإن كان هذا ليس من الشرك الأكبر إذا اعتقد أن هذا مجرد سبب كما مضى، أما إذا اعتقد أن هذه المعلقات بنفسها تدفع وتمنع فإن هذا كالذي يدعو اللات والعزى فمكون مشركاً شركاً أكبر، ولكن هذا لا يحصل من عاقل ولا من مسلم، وإنما جهلة المسلمين قد يظنون أنها أسباب، أو فيها شيء من الخصائص جعلها الله فيها وما أشبه ذلك، ومع ذلك فهذا من الشرك الأصغر الذي يجب أن يجتنب، ويجب أن ينزه الإنسان دينه ويطهره من ذلك، وإلا فقد تعرض لعقاب الله جل وعلا، ويكون ذلك وسيلة إلى الشرك الأكبر، ويجب أن يعلق رجاءه وطلبه بالله وحده جل وعلا، وأن يتخلى عن كل مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، فهي لا نفع فيها، وإنما هي متعبدة أو مخلوقة للمنافع التي ينتفع بها فيما أباحه الله جل وعلا وأذن فيه.
стр. 406
حديث: (رأى رجلاً في يده حلقة من صفر)
قال المصنف: [عن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهى عليك ما أفلحت أبداً) رواه أحمد بسند لا بأس به].
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين، وأقره الإمام الذهبي على ذلك، ورواه ابن حبان في صحيحه، ورواه غيرهم من أئمة العلم، وأكثر رواياته تدور على المبارك بن فضالة، قال الإمام أحمد فيه: إنه يرفع ما كان موقوفاً؛ ولهذا قال الذي حشى على الكتاب: إنه ضعيف، وهذا خطأ فاحش، فالحديث صحيح، وقد جاء من غير رواية مبارك بن فضالة، فقد رواه الطبراني بأسانيد عدة من طريق هشيم عن منصور عن الحسن عن عمران بن حصين وهذا سند صحيح لا مطعن فيه، وكذلك رواه من طرق أخرى، فهو حديث صحيح عن رسول الله ﷺ .
وفي هذا أن الرسول ﷺ رأى في عضد الرجل حلقة من صفر أو حلقة -يعني: أنها من غير الصفر- فقال: (ما هذه؟)، فيحتمل أن الاستفهام عن السبب، ولكن جاء في رواية أنه قال: (ويحك! ما هذا؟!)، فدل على أن هذا إنكار من أول الأمر، وأنه منكر، ولا يجوز وضع مثل هذه الأشياء في الأيدي، ولا في الأرجل، ولا على أي شيء من أعضاء الإنسان؛ لأنها لا نفع فيها، فلما قال له: إنها من الواهنة، والواهنة مرض يعتقد أهل الجاهلية أنه يصيب الإنسان ويأخذه في كتفه، أو في عضده، وأنه يصيب الرجال دون النساء، وأن اتخاذ هذه الحلق والخرزات تخفف ذلك أو تزيله، وهو اعتقاد جاهلي شركي.
ثم قال له: (انزعها) والنزع هو الأخذ بقوة، (فإنها لا تزيدك إلا وهناً) والوهن هو الهلاك، يعني: أنها تزيدك شراً وهلاكاً؛ لأنها تعلق بغير الله جل وعلا وهو شرك، شرك بالله، وفي رواية أنه قال: (فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، وهذا يدلنا على أنها ليست من الشرك الأصغر؛ لأن الذي لا يفلح أبداً يكون ممن استحكم هلاكه، ومنع من دخول رحمة الله وجنته، وهذا لمن اعتقد أنها تدفع البلاء قبل نزوله أو ترفعه بعد حصوله، فمن اعتقد ذلك فإنه إذا مات وهو يفعل هذا الشيء فإنه لا يفلح أبداً.
فدل هذا على أنه يحرم على الإنسان أن يعلق بفعله شيئاً من الخيوط أو من النحاس أو من غيرها من التمائم مما يفعله أهل الجاهلية وأهل الشرك أو أشباههم الذين يتشبهون بهم، وهذا أمر يوجد في الناس إلى الآن، ويعتقدون أن هذا المرض الذي تسميه الجاهلية واهنة موجود، وأن هذه التي تعلق من الخيوط والخرزات أو من الفضة والنحاس والسلاسل التي يعلقها الجهال وأشباههم أنها تنفع من ذلك، وهذا -كما سمعنا في هذا الحديث عن النبي ﷺ لا يزيد الإنسان إلا وهناً أي: لا يزيده إلا هلاكاً، وإذا كان معتقداً فيه النفع بنفسه أو أنه يرفع البلاء والمرض الذي ينزل بالإنسان فإنه إذا مات على ذلك لا يفلح أبداً.
وهذا أمر صعب جداً، ويجب على من تهمه نفسه أن يعتني بذلك، وأن يتجنبه، وأن ينصح أخاه الذي يقع في مثل هذا، والرسول ﷺ بين ذلك ووضحه في هذا الحديث.
стр. 407
كلام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم ما تدعون من دون الله)
قال الشارح: [قوله: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، رفعه: إزالته بعد نزوله، ودفعه: منعه قبل نزوله قال: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]، قال ابن كثير: أي: لا تستطيع شيئاً من الأمر ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: الله كافي من توكل عليه ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] كما قال هود ﵇ حين قال قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦].
قال مقاتل في معنى الآية: فسألهم النبي ﷺ فسكتوا أي: لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها].
هكذا المشركون يخوفون أهل التوحيد وأهل الإيمان بآلهتهم؛ لهذا تجد الذي يتعلق بالأولياء أو بالمقبورين يسلك هذا المسلك، وإذا قيل له: لا تدع هؤلاء! قال: هل أنت لا تخاف من الصالحين أن يصيبوك بمرض أو بألم أو بشيء لأنك تعاديهم وتبغضهم؟ فهذا كقول قوم هود له: ((إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)) يعني: أنه أصابك بعض الآلهة بجنون أو بخبل فأصبحت تدعونا أن نترك عبادة هذه الآلهة، فقال مجيباً لهم: ((إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ)) أي: مما تشركون من دون الله، ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ)) يعني: اجتمعوا أنتم وآلهتكم واستعينوا بمن تريدون فوجهوا لي الشيء الذي تستطيعونه من الضر أو الجنون أو غير ذلك، فلن تصلوا إليّ؛ لأني ((تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، فهذا شأن الموحد المؤمن الذي لا يتعلق إلا بالله جل وعلا، أما المشرك فإنه يخاف من المخلوق الضعيف، بل من الميت الرميم المرتهن في قبره بعمله.
والميت نفسه مرتهنة ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] رهينة لا تستطيع أن تعمل شيئاً أو تتصرف أو تذهب أو تأتي أو تجيء، فإن كان من أهل السعادة، ومن أهل التقى؛ فهي منعمة في قبره، وإن كان من أهل الشقاوة فهو مشغول بالعذاب، وكلاهما مشغول عمن يناديه ويدعوه.
أما إذا كانت أحجاراً أو أشجاراً فالأمر في ذلك واضح وجلي، وقد علمنا أن هؤلاء الذي يدعون الآلهة من دون الله ما كانوا يعتقدون أنها تتصرف بالعطاء والمنع وإنزال المطر وإنبات النبات ودفع العدو، وإنما كانوا يتبركون بها، ويتخذونها شفعاء عند الله.
ومن اعتقد أن الأموات يتصرفون ويستطيعون أن يأتوا بالخير ويمنعوا العدو؛ فقد ضل في عقله بعد ضلاله في دينه، فأصبح لا عقل له ولا دين، وهذا ما كان أبو جهل وأبو لهب وأشباههما يعتقدونه، بل عقولهم تمنعهم من ذلك.
فعلى هذا فدعوة غير الله جل وعلا من أي نوع كانت هي ضلال وخروج عن الصراط المستقيم الذي بعث به رسل الله، فكل رسول بعث بالإنذار من هذا الشيء، والتحذير منه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، كل رسول يقول هذا، وهذا هو معنى لا إله إلا الله التي أخبر الرسول ﷺ أنه أمر أن يقاتل الناس عليها حتى يذعنوا لها ويقولوها.
وفي هذا إبطال لدعوة هؤلاء بالأمثلة والتقديرات والإيضاح الذي يقرون به، ولا يستطيعون إنكاره، فيكون هذا إلزاماً لهم في إبطال معبوداتهم، ووجوب عبادة الله وحده، ومع هذا الإلزام وهذا الإيضاح الجلي عاندوا وكابروا، وامتنعوا من اتباع رسول الله ﷺ ، وبقوا على شركهم مع علمهم العلم اليقيني أنه ضلال، وأن هذه المعبودات لا تنفع ولا تضر.
стр. 408
شبهة المشركين في عبادة غير الله أنهم اتخذوها وسائط وشفعاء عند الله
قال الشارح ﵀: [وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله، لا على أنهم يكشفون الضر ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٥٣ - ٥٤]].
((إِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)) أي: تدعونه بتضرع ورفع صوت، وإلحاح وحاجة شديدة.
إذا مسهم الضر كان هذا شأنهم، فهم لا يلتفتون إلى آلهتهم التي يعبدونها، وهذا من الأمور التي فارق فيها المشركون الأوائل أهل الشرك المتأخرين، فإنهم إذا مسهم الضر ازداد شركهم ودعوتهم لغير الله جل وعلا، وهرعوا إلى القبور يدعونها، ويلجئون إليها، والأمر كما قلنا: لا عقل ولا دين عندهم، ذهبت عقولهم، وأديانهم، وجهلوا اللغة، وبعد ذلك جهلوا دينهم، فصار الشرك عندهم أعظم وأشد.
أما المشركون القدامى فإنهم إذا وقعوا في الشدة فإنهم يخلصون الدعاء لله وحده؛ لأنهم يعلمون يقيناً أنه لا ينجيهم من الشدائد ويكشف عنهم الضر إلا الله وحده: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] أي: إذا ركبوا البحر وهاجت بهم الرياح أخلصوا الدعوة لله وحده، وكفروا بآلهتهم، وإذا كان معهم شيء من أصنامهم ألقوها في البحر، وقالوا: إنها لا تنفع، ولا ينجيكم في مثل هذه المواطن إلا الإخلاص، ودعوة الله وحده، وهذا أمر معروف ومتقرر.
ذكر المؤرخون أن الرسول ﷺ لما دخل مكة فاتحاً فر من فر من المشركين ومنهم عكرمة بن أبي جهل ﵁، فقد كان مشركاً وكان يأبى أن يقبل الإسلام، ففر هارباً وترك مكة وأهله وزوجته، فوفق له أنه وجد أهل سفينة يريدون اليمن قرب جدة، فركب معهم فهاجت بهم الريح عند ذلك، فقال بعضهم لبعض: أخلصوا الدعاء لله، وألقوا ما معكم من الأصنام، فإنه لا ينجيكم في هذه الحالة إلا الإخلاص، ودعوة الله وحده، عند ذلك فكر في نفسه فقال: إذاً: إلى أين أهرب؟! لئن أنجاني الله جل وعلا من هذه الكربة لأذهبن إلى محمد ﷺ ، وأضع يدي في يده فليصنع بي ما شاء، وهذا سبب إسلامه.
والمقصود أن هذا أمر واضح، وقد ذكر الله جل وعلا عنهم في القرآن أنهم إذا وقعوا في الشدائد أخلصوا لله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا مستدلاً على وجوب توحيده وحده، وإلزامهم بذلك: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، وكلهم يقرون بأنه الله وحده، لا اللات ولا هبل، ولا مناة ولا العزى، ولا غير ذلك من الآلهة التي كانوا يدعونها، بل يعترفون أنه الله جل وعلا وحده، وهذا لا يحتاج إلى استدلال عليه؛ لأنه أمر ظاهر جلي، وإنما احتيج إلى ذلك لما جهل الذين يدعون غير الله هذا الأمر، وصاروا يعتقدون أن الشرك هو أن يدعو الإنسان من يعتقد أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت، فيقول: إذا دعوت المقبور وأنت لا تعتقد أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت فليس في هذا شرك، هذا ما قاله أحد من خلق الله، وإنما قاله هؤلاء الذين خرجوا عن المعقولات بعد خروجهم عن المشروعات التي جاءت بها الرسل، وهو أمر واضح جلي جداً.
فالمقصود أن دعوة غير الله جل وعلا كلها من باب اتخاذ الوسائط والتبركات والشفاعة.
قال ﵀: [قلت: فهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وأن ذلك شرك بالله، وفي الآية بيان أن الله تعالى وسم أهل الشرك بدعوة غير الله، والرغبة إليه من دون الله، والتوحيد ضد ذلك، وهو ألا يدعو إلا الله، ولا يرغب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وكذا جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها كما تقدم].
стр. 409
معنى حديث: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً)
قال الشارح: [قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، قال: حدثنا المبارك عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ أبصر على عضد رجل حلقة -قال: أراها من صفر- فقال: ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهناً، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: (فإنك إن مت وكلت إليها)، والحاكم وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي، وقال الحاكم: أكثر مشايخنا على أن الحسن سمع من عمران وقوله في الإسناد: أخبرني عمران يدل على ذلك.
قوله: عن عمران بن حصين أي: ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد - بنون وجيم - مصغر، صحابي ابن صحابي، أسلم عام خيبر ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة].
وكان من علماء الصحابة وأفاضلهم، والصحابة كلهم ﵃ فضلاء وعلماء؛ لأنهم تعلموا وتربوا على يد رسول الله ﷺ ، فنالوا البركة من رؤيته وسماع كلامه، وكذلك امتثال أوامره؛ فلهذا أخبر الرسول ﷺ أنهم خير قرون هذه الأمة، وأنه بعث في خير هذه الأمة، وحذر من الكلام فيهم أو سبهم، وأخبر أن أحداً لن يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ في ذلك مد أحدهم ولا نصيف المد.
وهذا تمثيل ومخاطبة لمن جاء بعدهم، فكيف بمن يأتي متأخراً ثم يحط من شأنهم وربما سبهم وذمهم؟! فهذا من الضلال الأكبر، ومن الخروج عن السنن التي جاء بها رسول الله ﷺ .
وعمران بن حصين ﵁ كان ممن تسلم عليه الملائكة، فإنه رضوان الله عليه أصيب ببواسير، فاكتوى من أجل ذلك، فامتنعت الملائكة من التسليم عليه، ثم ترك الكي فعادت إلى السلام عليه، وقد أخبر بعض تلامذته بذلك وقال: لا تخبر بهذا حتى أموت.
وفضائل الصحابة وكراماتهم معروفة ومشهورة، ويجب على المسلم أن يحبهم ويتبعهم ويعرف قدرهم؛ لأنهم هم الوساطة بيننا وبين رسولنا في إبلاغ الدين، ونقل أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه، فديننا أخذناه عنهم، وهم الذي بلغونا إياه عن رسولنا ﷺ .
قال الشارح: [قوله: (رأى رجلاً) في رواية الحاكم: (دخلت على رسول الله ﷺ وفي عضدي حلقة صفر فقال: ما هذه؟) الحديث، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث.
قوله: (ما هذه؟) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهو أظهر.
قوله: (من الواهنة) قال أبو السعادات: الواهنة عرق يأخذ في المنكب واليد كلها فيرقى منها، وقيل هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهى عنها؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد.
قوله: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً) النزع هو الجذب بقوة، أخبر أنها لا تنفعه بل تضره وتزيده ضعفاً، وكذلك كل أمر نهي عنه فإنه لا ينفع غالباً، وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه].
وقد يكون الشيء المحرم فيه منفعة، ولكن ليس كل ما فيه منفعة يجوز استعماله أو فعله، وقد قال الله جل وعلا في الخمر والميسر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فأخبر أن فيها من المنافع، ولكن الضر أكبر.
وهكذا المحرمات، قد ينتفع الزاني بالزنا وهو محرم، فليس كل شيء فيه نفع يجوز فعله، بل يجب أن يتبع الإنسان في ذلك شرع الله، فما أباحه الله جل وعلا وأذن فيه فعله، وما منع منه يجب أن يمتنع منه سواء كان فيه نفع أو ليس فيه نفع، والغالب أن ما نهى الله جل وعلا عنه ونهى عنه رسوله أن نفعه مستغرق في مضراته، وضره أعظم وأشد وأكثر.
стр. 410
مسألة العذر بالجهل
قال الشارح: [قوله: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً) النزع هو الجذب بقوة، أخبر أنها لا تنفعه بل تضره وتزيده ضعفاً، وكذلك كل أمر نهي عنه فإنه لا ينفع غالباً، وإن نفع بعضه فضره أكبر من نفعه قوله: (فإنك لو مت وهو عليك ما أفلحت أبداً)؛ لأنه شرك، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فيه شاهد لكلام الصحابة ﵃ أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة، وفيه الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك].
ذكر المؤلف أنه لا يعذر بالجهل أحد؛ لأنه قال صلوات الله وسلامه عليه: (إنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، وهذا الخطاب موجه إلى الصحابي رضوان الله عليه، فيقول: إن هذا يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل؛ لأنه كان جاهلاً بالحكم، ولو كان يعلم أن هذا من الشرك لم يكن ليقدم عليه، ومع ذلك يقول له: (إنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) فدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل، في الأمور التي تعبد الله جل وعلا بها عباده، مثل تعلق ودعاء وطلب النفع، ودفع الضر، وما أشبه ذلك مما هو من توحيد الله جل وعلا.
الإنسان لا يعذر بجهله في ذلك، فكيف بمن صرف أصل العبادة لله جل وعلا في السجود والنداء وطلب كشف الكربات وإجابة الدعوات، وما أشبه ذلك مما يفعله كثير ممن هو في بلاد المسلمين ويصلي ويصوم، ويزعم أنه مسلم في ذلك؟! إذا قارنا بين فعل هؤلاء مع ما ذكره الرسول ﷺ في هذا الحديث تبين البون الشاسع.
وذلك أن الله جل وعلا خلق عباده لعبادته، وفطرهم على ذلك، فالعبادة أمر مفطور عليه الإنسان؛ ولهذا السبب تجد أن الذي لا يعبد الله لا بد أن يعبد غيره، فلا يمكن أن يوجد بنو آدم منفكين عن العبادة نهائياً حتى الملاحدة، الملاحدة الذين يزعمون أنه لا إله والحياة مادة، وأن الأديان كلها خرافة هم يتعبدون، ولكن للشيطان! ويعبدون شهواتهم من فروجهم وبطونهم وساداتهم الذين يوجهونهم ويأمرونهم وينهونهم، فهم عباد لهؤلاء، فسنة الله جل وعلا في خلقه أن الذي لا يعبد الله يعبد الشيطان باختلاف مظاهره.
فالشيطان له مظاهر كثيرة، قد يظهر في مظهر صورة بارزة، وقد يظهر بمظهر شخص، وقد يظهر بمظهر شهوة وهوى، إلى غير ذلك، فالمقصود أن عبادة الله جل وعلا لا يجوز أن يكون الإنسان جاهلاً فيها، بل لا بد أن يكون على علم ويقين.
يدل على هذا أنه جاء في حديث ثابت عن النبي ﷺ أن كل ميت يسأل في قبره عن ثلاث: يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ وإذا تلعثم أو تردد أو قال: ما أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته؛ لم يقبل ذلك منه، بل يعذب ويقال له: لا دريت ولا تليت، ومعنى ذلك أنك كنت مقلداً ليس عندك علم، وليس عندك يقين وبرهان من هذا الدين الذي جاءت به الرسل، وكنت لا تعبد إلا الله جل وعلا.
فهذا لا يعذر فيه إنسان، ولا بد من مساءلة الميت عن ذلك، فإن كان موقناً عن علم ويقين فإنه يجيب، وإذا كان متردداً جاء بالتردد، ويقول: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، عند ذلك يعذب، فيضربه الملك بمطراق من حديد يلتهب عليه قبره ناراً -نسأل الله العافية-، وهذا يدلنا على أنه غير معذور بجهله في أصل الدين، فعلى الإنسان أن يهتم بهذا.
стр. 411
التوبة تجب ما قبلها
مما نستفيده من قوله ﷺ : (إنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، أن الرجل إذا ترك الذنب وتاب منه لم يضره، وأن أولياء الله يقعون في الذنوب، فإن عمران بن حصين من أولياء الله، وقد مر معنا أن الملائكة كانت تسلم عليه، وهو أخبر بذلك رضوان الله عليه، قال: كان بي بواسير فاكتويت، فذهبت ثم تركت ذلك فعادت، والصحابة رضوان الله عليهم كلهم من أولياء الله، بل هم أفضل أولياء الله من هذه الأمة، بل هم أفضل أولياء الله على الإطلاق بعد الأنبياء والرسل، فما كان مثلهم، هم الذي صحبوا رسول الله ﷺ ، وتعلموا الإيمان منه، وتربوا على يديه، وقاتلوا مطيعين له ناشرين لدين الله، ثم أخذوا الدين عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، وبلغوه لمن بعده.
فلهذا يكون لهم أجر من أتى بعدهم وأخذ عنهم، والذين أخذوا عن الذين أخذوا عنهم، يكون لهم من الأجر مثل أجور هؤلاء، وربما امتد الأمر إلى يوم القيامة؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر المهتدين شيئاً.
ولا يمكن أن يكون الإنسان منفكاً عن الذنوب؛ ولهذا جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم)؛ وذلك أنه لا بد أن تظهر آثار أسماء الله جل وعلا وصفاته، فهو الغفور الرحيم التواب البر الذي يرحم ويعفو ويغفر ويستر ويجبر، فآثار أسمائه وأوصافه لا بد أن تظهر على عباده، فالذي يقترح أن المؤمن لا يقع في الذنوب فهو جاهل في الواقع، وهو اقتراح لا يمكن وجوده، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، الذين يتوبون ويرجعون.
وفي الحديث الصحيح عن أنس أن الرسول ﷺ يقول عن الله جل وعلا: (إن عبداً من عباد الله أذنب فقال: ربي! إني أصبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لك، ثم أذنب ذنباً فقال: أي رب اغفر لي، فقال الله جل وعلا: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لك، ثم أذنب ذنباً فقال: أي رب اغفر لي، قال الله جل وعلا: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لك، اعمل ما شئت) يعني: كل ما أصبت ذنباً فاستغفرت فإن الله يغفره، ولو تكرر ذلك مراراً، ولكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يصر على فعل الذنوب، ويصير الذنب محبوباً إليه، ويصير عزمه الإقامة على فعله، ولا يريد تركه، وإنما يستغفر بلسانه، فإن هذا يسمى استغفار الكاذب، ولكن المعنى أنه يندم إذا وقع في الذنب وتركه وأسف على وقوعه فيه وعزم على ألا يعود إليه، وإذا كان بهذه المثابة ولو يقع في اليوم في ذنوب كثيرة، ويتصف بهذه الصفة؛ فإن الله يغفر له ولا يبالي.
فالمقصود أن أولياء الله لا ينفكون عن الذنوب، ولكن يوفقهم الله جل وعلا للتوبة.
стр. 412
ترجمة الإمام أحمد بن حنبل
قال الشارح: [قوله: رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به، هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان - الإمام العالم أبو عبد الله الذهلي ثم الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام أهل عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعاً ومتابعة للسنة، وهو الذي يقول فيه بعض أهل السنة: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها.
стр. 413
شيوخ الإمام أحمد وتلامذته
خرج به من مرو وهو حمل فولد ببغداد سنة أربع وستين ومائة في شهر ربيع الأول، وطلب الإمام أحمد العلم سنة وفاة الإمام مالك، وهي سنة تسع وسبعين ومائة، فسمع من هشيم وجرير بن عبد الحميد وسفيان بن عيينة ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان ومحمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وعبد الرحمن بن مهدي، وخلق لا يحصون بمكة والبصرة والكوفة وبغداد واليمن وغيرها من البلاد، روى عنه ابناه صالح وعبد الله والبخاري ومسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي وعبد الله بن أبي الدنيا وأبو بكر الأثرم وعثمان بن سعيد الدارمي وأبو القاسم البغوي وهو آخر من حدث عنه، وروى عنه من شيوخه عبد الرحمن بن مهدي والأسود بن عامر، ومن أقرانه علي بن المديني ويحيى بن معين، قال البخاري ﵀: مرض أحمد ليلتين خلتا من ربيع الأول، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه، وقال حنبل: مات يوم الجمعة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة، وقال ابنه عبد الله والفضل بن زياد: مات في ثاني عشر ربيع الآخر رحمه الله تعالى].
стр. 414
محنة الإمام أحمد
الإمام أحمد ﵁ ممن جعل الله جل وعلا له لسان صدق في الآخرين؛ بسبب تقواه وقيامه بأمر الله جل وعلا، وصبره على البلاء؛ لأن الإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين، وقد تحلى هو بذلك ﵁.
وقد ابتلي في دولة المعتزلة، وذلك لما كانت المعتزلة لهم الدولة، وكانوا هم الذين تخرج على أيديهم خلفاء المسلمين، فغروا خلفاء المسلمين، وزينوا لهم الباطل، ثم أمروهم بفتنة الناس وابتلائهم، وكان إذا تردد الخليفة في شيء من الأمر جاءوا إليه يقسمون له، ويحلفون له، ويقولون: إذا كان في هذا الأمر إثم فهو علينا، نحن نتحمله عنك، ويحلفون له بذلك، وقد يقولون: اقتل هذا الرجل وأنت مأجور، وإذا كان فيه إثم فهو علينا.
وقد أمروه بقتل الإمام أحمد وقالوا له مثل ما قالوا لغيره، وصار الأمر صعباً جداً، فهم أمروا الخليفة بأن يمتحن الناس بخلق القرآن، وكل من لم يقل: إن القرآن مخلوق يجب أن يقتل، ولا سيما العلماء، فبدءوا بالعلماء الكبار؛ لأنهم قدوة الناس، فقتلوا خلقاً على ذلك بهذه الفتنة.
أما الموظفون في الجيش أو في القضاء أو في غير ذلك، فإذا لم يجب أحدهم إلى ذلك فإنه يعزل ويطرد ويمنع من العطاء يعني: من بيت المال الذي هو حق لجميع المسلمين، هذا إن لم يقتل، فصارت فتنة عظيمة.
لهذا صار الإنسان يؤتى به مقيداً بالحديد من أول الأمر وإن كان من كبار العلماء، ويؤتى به إليهم في مجالسهم التي فيها من الأبهة ومن الأمور التي تبهر، وليس بينه وبين أن يقتل إلا أن يقال: اقتلوه فقط؛ فلهذا أجاب كثير من العلماء بالقول بأن القرآن مخلوق، وهم يعتقدون أنه كلام الله صفة من صفاته خوفاً من القتل.
وصبر الإمام أحمد على ذلك، وضرب حتى أغمي عليه مراراً، يضرب حتى تسيل الدماء من جسده كله، ثم سجن ما يقرب من سنتين، وكل ذلك وهو صابر، ويقول: القرآن كلام الله، وبذلك جزاه الله جل وعلا في الدنيا قبل الآخرة الذكر الحسن، وكذلك القبول في جميع الأمة، فلا تجد من يتكلم فيه وإن كان مخالفاً له وعدواً له لهذا السبب، وهذا من نصر الله جل وعلا؛ لأنه وعد جل وعلا أن من ينصر الله ينصره.
وقد قتل من نظرائه خلق من العلماء بهذا السبب، قتلوا لأنهم قالوا: إن القرآن كلام الله، ولكن الإمام أحمد لما كان له من الشهرة ومن العلم والقبول عند الناس ثم صبر وقاوم هذه الفتنة العارمة العظيمة؛ جعل الله جل وعلا له من الذكر والقبول ما يناسب ذلك.
стр. 415
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٦]
حرم الله تعالى الشرك به صغيره وكبيره، ومن ذلك تعليق التمائم والخيوط لدفع الضر أو تخفيفه، وقد أنكر ذلك الصحابة، وعدوه شركاً، والشرك وإن كان من النوع الأصغر؛ إلا أنه أعظم جرماً من الكبائر.
стр. 416
معنى حديث: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له)
قال المصنف ﵀: [وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)].
стр. 417
حكم التعلق بالتمائم ومعناه
التعلق يقصد به تعلق القلب، ويقصد به تعلق الفعل، يقصد به هذا وهذا، ومن يعلق تميمة لا بد أن يكون قلبه تعلق بها، وهذا شرك.
والتميمة هي كل ما يعلقه الإنسان على بدنه أو في سيارته أو في بيته، أو في متجره، أو في مصنعه، يريد بذلك أن يدفع عنه عين الإنسان أو أذى الجان أو ينفعه في شيء من المنافع، سواء كان المعلق من القرآن، ومن أسماء الله وصفاته، أو من أسماء الشياطين والجن، أو من الحروف والطلسمات التي يفعلها الكهنة والسحرة وأشباههم من الجهال.
ولكن إذا كان المعلق من القرآن، ومن صفات الله جل وعلا وأسمائه فقد اختلف العلماء في ذلك كما سيأتي، منهم من جوزه وقال: إنه جائز، ومنهم من منعه، وجعله من قسم الممنوع الذي لا يجوز فعله، وسيأتي بحث ذلك في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله.
والتميمة سميت تميمة من باب التفاؤل -كعادة العرب- تفاؤلاً بأن من علقها يتم له أمره، كما أنهم يسمون اللديغ سليماً تفاؤلاً بأنه سيسلم، ويسمون الأرض المهلكة التي ليس فيها لا ماء ولا أناس ولا قرى مفازة تفاؤلاً بأن الذي يسلكها سيفوز وينجو، وهذا كثير في كلام العرب، ومنه تسميتهم التميمة تفاؤلاً بأنه سيتم مقصوده، ولهذا دعا النبي ﷺ على من فعل ذلك ألا يتم الله له أمره، فقال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) فهذا دعاء من النبي ﷺ بأن يعامل بنقيض قصده ومراده، وفي هذا دليل على أن من ارتكب معصية أنه يستحق الدعاء، وأنه يعاقب بنقيض ما أراد؛ لأن الرسول ﷺ دعا عليه.
وأما الودع فهو شيء يستخرج من البحر، وهو معروف، ويعلقونه على أولادهم زعماً منهم أنه يقي من أذى الجن، أو يقي من عين الإنسان، وقد يعلقونه على البهائم، وقد يعلق على غير ذلك، ولكن تختلف الأحوال الآن فهناك أمور جدت، المعنى واحد والأسماء اختلفت، فقد يعلق بعضهم الآن سلسلة من صفر أو من فضة، أو خاتماً يوضع فيه فص، أو نحو ذلك، ويزعم أنه ينفع من أمراض معينة، ومن أذى الجن، وأذى الإنسان الذي يصيب بالعين، وقد يؤخذ مثلا ًحلقة من فضة، ويزعم أنها تمنع من البواسير، وقد يجعل في عضده حلقة من صفر، أو سلسلة من نحاس، ويزعم أنها تنفع من الروماتيزم، أو تنفع مما يسمى واهنة، وهي نوع من الروماتيزم، ولكن فيها عقائد جاهلية، كل هذه من أمور الشرك، ومن أمور الجاهلية، ويجب على المسلم أن يطهر نفسه واعتقاده منها، وكذا من له به صلة من أهله وأولاده؛ لئلا تصيبه دعوة رسول الله ﷺ ، ولئلا يعاقبه الله جل وعلا على الشرك.
стр. 418
مرتبة الشرك الأصغر بين الذنوب
وقد مر معنا حديث عمران أن الرسول ﷺ قال له: (لو مت وحلقة الصفر عليك ما أفلحت أبداً)، وإن كان هذا قد يكون شركاً أصغر، والشرك الأصغر لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، ولكنه أكبر من الكبائر، فهو أكبر من الزنا ومن السرقة، فيستحق عليه العذاب إن لم يتب منه، أو يعفو الله جل وعلا عنه.
وقد قال بعض العلماء: إن من وقع في ذلك ولم يتب منه فإنه لا بد من تعذيبه، وأن ذلك لا يدخل تحت المشيئة التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته جل وعلا إن شاء عفا عنها بدون مؤاخذة، وإن شاء عاقب صاحبها، ثم بعد ذلك يكون مآله إلى الجنة، أما الشرك فإنه لا يغفره.
ويقول البعض: إن الشرك الأصغر داخل في الأكبر، فلا يوجد شيء يخرجه؛ لأن هذا عموم يشمل الأكبر والأصغر: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ))، ولبس الحلقة من الشرك، فهو لا يغفر إلا بالتوبة منه.
فإذا كان الأمر هكذا فيتعين على الإنسان أن يبتعد عن هذه الأمور الجاهلية، وهذه الاعتقادات الفاسدة، وليعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا الله جل وعلا، وإن كان الإنسان يقول: أنا أعلم ذلك ولكن هذا سبب، قد يقول قائل هذا القول، ولاسيما إذا وصف ذلك الأطباء مثلاً، فربما ركن إلى ذلك أكثر، فيقال: الأطباء ليسوا مرجعاً في هذا، المرجع في هذا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأكثر الأطباء جهلة بدين الله لا يعرفون شيئاً منه.
وليس كل ما فيه نفع يكون جائز الفعل، فعبادة الشيطان قد يكون فيها نفع لمن يعبد الشيطان، مثلاً إذا عبد أحد الشيطان يذهب الشيطان ويأتيه بشيء مما يريده ويطلبه من أمور الدنيا أو المنافع المعنوية، وهذا يقع كثيراً وهو من أعظم المحرمات، فليس الشيء الذي فيه منفعة مباحاً، بل يجب على الإنسان أن يتقيد بشرع الله جل وعلا، ويتقيد بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مع أن هذه الأمور في الواقع لا تنفع ولا تضر، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] يعني: هو كافي من توكل عليه، فمن يكون حسبه فهو يكفيه وحده.
وهؤلاء المشركون يعلمون أنها لا تملك النفع الذي يرسله الله جل وعلا إلى عبده، ولا تدفع عنه الضر الذي يريد الله جل وعلا به عبده، وإنما كانوا يتعلقون بها يطلبون شفاعتها هذا هو أصل عبادتهم؛ وذلك لأنهم عندهم عقول أدركوا بها أن الله جل وعلا هو الذي خلق كل شيء، وهو الذي ملك كل شيء، وهو الذي يتصرف بكل شيء، ولكن لما فقدوا نور النبوة دخل عليهم النقص شيئاً فشيئاً حتى صاروا مشركين لأوثانهم وأصنامهم من الأشجار والأحجار وغيرها، ويقولون فيها كلها: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، والعبادة هي اتجاه إلى الشيء بدعاء أو تعلق بالقلب.
فلا يجوز للإنسان أن يفعل شيئاً من ذلك، وأهم ما لدى الإنسان دينه، وإذا سلم له دينه فهو السعيد، أما إذا فسد الدين فلو أتته الدنيا كلها بحذافيرها فإنها لا تغني عنه شيئاً.
стр. 419
معنى قوله: (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)
وقوله ﷺ : (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)، هذا أيضاً دعاء عليه، ومعنى (ودع له) يعني: ما جعله الله في دعة وسكون، والدعة هي الراحة، يعني: دعاء عليه بالقلق وعدم السكون بنقيض ما أراد وقصد.
ويحتمل أن يراد بهذا الخبر وبالذي قبله أن الرسول ﷺ يخبر أن من تعلق تميمة فإن الله لا يتم له مراده، بل يعاقبه بنقيض قصده، وكذلك من علق ودعة، فإن الله لا يدعه في دعة وسكون وراحة، بل يعامله بنقيض ما أراد فيكون سقيماً قلقاً، أصيب بنقيض ما طلب جزاءً عادلاً قبل الآجل، وسواء كان خبراً أو كان دعاء فإنه يدل على أن هذا من المحرمات.
وأما في الرواية الأخرى التي فيها: (من تعلق تميمة فقد أشرك) فهذا صريح بأن تعليق التميمة شرك، وقد يكون شركاً أصغر، وقد يكون أكبر بحسب ما يقوم بقلب الإنسان وفعله من التعلق بذلك، إن كان يعتقد أن هذه التميمة تدفع بنفسها وتنفع، فهذا من الشرك الأكبر، وإن كان يعتقد أن الله جعلها سبباً، فهذا من الشرك الأصغر، ومعلوم أن الشرك الأكبر ينافي التوحيد مطلقاً، أما الشرك الأصغر فلا يكون الإنسان خارجاً به من الدين الإسلامي.
стр. 420
تخريج الحديث وكلام العلماء في ألفاظه ومعناه
قال الشارح: [الحديث الأول رواه الإمام أحمد كما قال المصنف ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
قوله: وفي رواية، أي: من حديث آخر رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن أسلم قال: حدثنا يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري عن عقبة بن عامر الجهني (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وأمسكت عن هذا! فقال: إن عليه تميمة، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك) وروى الحاكم نحوه ورواته ثقات.
قوله: عن عقبة بن عامر صحابي مشهور فقيه فاضل، ولي إمارة مصر لـ معاوية ﵁ ثلاث سنين، ومات قريباً من الستين.
وقوله: (من تعلق تميمة) أي: علقها متعلقاً بها قلبه في طلب خير أو دفع شر، قال المنذري: خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى.
وقال أبو السعادات: التمائم جمع تميمة، وهى خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام.
وقوله: (فلا أتم الله له) دعاء عليه.
وقوله: (ومن تعلق ودعة)، الودع: بفتح الواو وسكون المهملة قال في مسند الفردوس: شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين.
وقوله: (فلا ودع الله له) بتخفيف الدال أي: لا جعله في دعة وسكون، قال أبو السعادات: وهذا دعاء عليه].
التميمة مثل ما يكون من خرزات، بل من أي نوع كان، فإذا علق الشيء سواء من خرزات أو من حجر أو من نحاس أو من صفر أو من فضة وذهب أو غير ذلك، لهذا الغرض فإنه يكون تميمة.
وكذلك إذا كان فيه كتابة في ورق، أو في جلد، أو في خرقة، وما أشبه ذلك، وعلق فإنه تميمة، ولكن إذا كان هذا الذي علق من القرآن، أو من أسماء الله جل وعلا، والأدعية التي وردت عن النبي ﷺ ، فهذا فيه خلاف كما سيأتي، هل يجوز أو لا يجوز؟ من العلماء من جوزه، ومنهم -وهم الأكثر والجمهور- من منعه، وسيأتي ذكر الأدلة على ذلك والترجيح في هذا.
[قوله: وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك) قال أبو السعادات: إنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه].
الواقع أنهم أرادوا الدفع مطلقاً، ولا يلزم أنهم أرادوا منع المقادير، وإنما أرادوا أن ينتفعوا بذلك، وأن يمتنع عنهم الشر، ويكون ذلك سبباً.
ومعلوم أنهم يعلمون أن الذي يقدر المقادير ويخلق هذه الأمور هو الله، ولكن يرون أن هذا سبب، والواقع أنه ليس سبباً، ولهذا خرجوا عن الأمر المعتدل الذي يدركون به مرادهم إلى عكس ما أرادوا من النفع، ووقعوا في الضر من ذلك، فهم أرادوا النفع مطلقاً والدفع مطلقاً.
أما إضافة رد المقادير فقد لا يخطر في بالهم مثل هذا، فإذا انضاف إليه فهو زيادة شر على شر؛ لأن ما قدره الله لا بد أن يقع، ولكن الإنسان لا يدري ماذا قدر له، فهو يفعل سبباً، والسبب الشرعي المباح مأمور بفعله، ولكن هذا ليس منه، هذا أمر محرم لا يجوز فعله.
стр. 421
أثر حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه
قال المصنف ﵀: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]].
стр. 422
قطع حذيفة للخيط واعتباره له من الشرك
حذيفة بن اليمان ﵁ دخل على رجل مريض يزوره، فمس عضده كعادة الزائر يضع يده على يد المريض أو على رجله أو على رأسه حتى يكون في ذلك مواساة له، ولينظر في بدنه هل فيه حمى؟ حتى يدعو له، فسقطت يده على خيط مربوط في عضده فقال: ما هذا؟ فقال: من الحمى، فقطعه، وتلا هذه الآية، وفي رواية أنه قال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، لأنه ارتكب شركاً، فتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
معلوم أن هذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، يعني: في عبادة اللات والعزى ومناة وغيرها من الأصنام والأوثان، وسبق أن عرفنا أن عبادة المشركين لهذه الأصنام هي طلبهم الشفاعة منها، وما كانوا يعتقدون أنها شريكة مع الله، وأنها تتصرف وتنزل المطر أو تحيي الموتى، أو أنها تأخذ بيد عابدها وتضعه في الجنة وتمنعه من النار، ما كان أحدهم يعتقد شيئاً من ذلك أبداً.
وإنما كانوا يعتقدون أنها تشفع لهم عند الله فقط -هذا هو شركهم وعبادتهم- وأنهم ينالون البركة بالجلوس عندها، والطواف عليها؛ فلهذا أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من الذي ينزل المطر وينبت النبات؟ يقولون: الله، ولهذا قال العلماء: إيمانهم هو قولهم: إن الله هو الذي خلقهم، وخلق كل شيء، وشركهم كونهم يطلبون الشفاعة من غير الله جل وعلا، ويدعون هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى.
حذيفة ﵁ استدل بهذه الآية على أن تعليق الخيط من أجل الحمى شرك، وقوله: من الحمى، أي: حتى يخفف هذا الخيط ألم الحمى، أو يمنعها، أو يرفعها.
فأخبره أن هذا شرك بالله جل وعلا واستدل بهذه الآية، وفي هذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم يدخلون الشرك الأصغر في الأكبر، ويستدلون على منعه وحرمته بما نزل في الشرك الأكبر، وهو دليل على معرفة الصحابة بالشرك دقيقه وجليله، ولم يزل العلماء يستدلون بهذا الشيء.
وما ذكر من الحكم يدل على أن هذا من أعظم المحرمات، المقصود أن كل شيء يفعله الإنسان من هذا النوع يكون له هذا الحكم بخلاف الأدوية الطبيعية التي تكون مركبة سواء كيماوية أو غير كيماوية؛ لأنها ليست من هذا الباب، وإنما هي تقاوم المرض بشيء ظاهر معروف وليست من باب الاعتقاد، أما هذه فهي لا تنفع، بل تضر.
стр. 423
سند الأثر وترجمة حذيفة
قال الشارح: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً فقطعه أو انتزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] وابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي التميمي الحنظلي الحافظ صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما].
وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا رأى مثل هذا الشيء يقطعه ويزيله، ولو لم يرض صاحبه؛ لأن هذا من المنكرات التي تجب إزالتها، ولهذا قطعه حذيفة بدون أن يأخذ رأيه أو يستشيره، بل نزعه بقوة ورماه؛ لأنه في الواقع يخلص هذا المسكين مما وقع فيه من الشرك، فهو ناصح له في ذلك، وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يريد في ذلك خلاص من وقع في هذا المنكر، وإذا كان من هذا القبيل فهو شرك، والشرك من أعظم المنكرات.
стр. 424
سبب تسمية حذيفة بصاحب السر
قال الشارح: [مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وحذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان: حسيل بمهملتين مصغراً، ويقال: حسل -بكسر ثم سكون- العبسي بالموحدة حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر، وأبوه أيضاً صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي ﵁ سنة ست وثلاثين].
سبب تسميته بصاحب السر: أن الرسول ﷺ لما رجع من غزوة تبوك كان معه منافقون في تلك الغزوة، وكانوا يتربصون برسول الله ﷺ ، فكان سائراً في الليل وأمامه عقبة، يعني: طريقاً في جبل سيسلكه، فقال للناس: إني ذاهب! فلا يذهب أحد في هذه العقبة، وذهب معه حذيفة وعمار بن ياسر، حذيفة يقود ناقته، وعمار يسوقها، فلما علم المنافقون أنه سيسلك هذا الطريق ذهبوا وكمنوا له في عرض جبل يريدون أن ينفروا ناقته به لعله يسقط في هذا الجبل فيموت، فلما سار وصار في أثناء العقبة نفذوا مؤامرتهم، فصار حذيفة يضرب وجوه رحائلهم، وخافوا أن يعرفهم فهربوا في الليل، فقال له الرسول ﷺ : (هل عرفت القوم؟) قال: لا، القوم متلثمون، ولكن عرفت رحل فلان وفلان، فأخبره الرسول ﷺ بأسمائهم، وقال: (هؤلاء منافقون، فلان وفلان وفلان وفلان) وصار يسرد عليه أسماءهم، ثم قال له: (لا تخبر أحداً).
فهذا سبب تسميته صاحب السر، فكان عمر ﵁ وبعض الصحابة إذا مات الإنسان ينظرون إلى حذيفة: هل يصلي عليه؟ فإن صلى عليه صلوا عليه، وإن لم يصل عليه امتنعوا؛ لئلا يكون من الذين أخبر الرسول ﷺ بأنهم منافقون، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] أي: المنافقون.
وأما ما يقوله الصوفية من أنه أعطي السر اللدني، وأن الرسول ﷺ أعطاه من الأسرار كما أعطي الخضر الشيء الذي لا يعرفه موسى، فهذا من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما سمي صاحب السر لأن الرسول ﷺ أخبره بأسماء هؤلاء.
وجاء في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أسر إليه أموراً ستقع من الفتن، مثل كون المسلمين يقتلون خليفتهم، وما أشبه ذلك، وذكر أناساً سيتولون، ويكون في توليتهم شر على الإسلام والمسلمين، من تأخير الصلاة وغير ذلك.
جاء في بعض الآثار أن الرسول ﷺ أيضاً أخبره بهذا، ولكن هذا ليس خاصاً به، فقد أخبر به غير حذيفة، وأحاديث الفتن كثيرة منتشرة عن رسول الله ﷺ ؛ ولهذا جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين: أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو أعلمتكم به لقطعتم هذا البلعوم، ويشير إلى حلقه) قيل: إنه يقصد بذلك أنه لو أخبرهم أنهم يقتلون خليفتهم لم يصدقوه وربما آذوه، فهذا منه.
والمقصود: أن الرسول ﷺ ما كان يخص هذه الأمور برجل بعينه، وإنما أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين.
стр. 425
إنكار المنكر بالقول والفعل
قال الشارح: [قوله: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى أي: عن الحمى، وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى.
وروى وكيع عن حذيفة: أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك.
وفيه إنكار مثل هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.
وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهال فهو شرك يجب إنكاره وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه.
قوله: وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] استدل حذيفة ﵁ بالآية على أن هذا شرك، ففيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزل الله في الشرك الأكبر لشمول الآية له، ودخوله في مسمى الشرك، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره، والله أعلم.
وفي هذه الآثار عن الصحابة ﵃ ما يبين كمال علمهم بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله].
следующие страницы →