Полный текст (2 090 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أثر حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه
قال المصنف ﵀: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]].
стр. 422
قطع حذيفة للخيط واعتباره له من الشرك
حذيفة بن اليمان ﵁ دخل على رجل مريض يزوره، فمس عضده كعادة الزائر يضع يده على يد المريض أو على رجله أو على رأسه حتى يكون في ذلك مواساة له، ولينظر في بدنه هل فيه حمى؟ حتى يدعو له، فسقطت يده على خيط مربوط في عضده فقال: ما هذا؟ فقال: من الحمى، فقطعه، وتلا هذه الآية، وفي رواية أنه قال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، لأنه ارتكب شركاً، فتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
معلوم أن هذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، يعني: في عبادة اللات والعزى ومناة وغيرها من الأصنام والأوثان، وسبق أن عرفنا أن عبادة المشركين لهذه الأصنام هي طلبهم الشفاعة منها، وما كانوا يعتقدون أنها شريكة مع الله، وأنها تتصرف وتنزل المطر أو تحيي الموتى، أو أنها تأخذ بيد عابدها وتضعه في الجنة وتمنعه من النار، ما كان أحدهم يعتقد شيئاً من ذلك أبداً.
وإنما كانوا يعتقدون أنها تشفع لهم عند الله فقط -هذا هو شركهم وعبادتهم- وأنهم ينالون البركة بالجلوس عندها، والطواف عليها؛ فلهذا أخبر الله جل وعلا أنهم إذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من الذي ينزل المطر وينبت النبات؟ يقولون: الله، ولهذا قال العلماء: إيمانهم هو قولهم: إن الله هو الذي خلقهم، وخلق كل شيء، وشركهم كونهم يطلبون الشفاعة من غير الله جل وعلا، ويدعون هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى.
حذيفة ﵁ استدل بهذه الآية على أن تعليق الخيط من أجل الحمى شرك، وقوله: من الحمى، أي: حتى يخفف هذا الخيط ألم الحمى، أو يمنعها، أو يرفعها.
فأخبره أن هذا شرك بالله جل وعلا واستدل بهذه الآية، وفي هذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم يدخلون الشرك الأصغر في الأكبر، ويستدلون على منعه وحرمته بما نزل في الشرك الأكبر، وهو دليل على معرفة الصحابة بالشرك دقيقه وجليله، ولم يزل العلماء يستدلون بهذا الشيء.
وما ذكر من الحكم يدل على أن هذا من أعظم المحرمات، المقصود أن كل شيء يفعله الإنسان من هذا النوع يكون له هذا الحكم بخلاف الأدوية الطبيعية التي تكون مركبة سواء كيماوية أو غير كيماوية؛ لأنها ليست من هذا الباب، وإنما هي تقاوم المرض بشيء ظاهر معروف وليست من باب الاعتقاد، أما هذه فهي لا تنفع، بل تضر.
стр. 423
سند الأثر وترجمة حذيفة
قال الشارح: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً فقطعه أو انتزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] وابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي التميمي الحنظلي الحافظ صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرهما].
وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا رأى مثل هذا الشيء يقطعه ويزيله، ولو لم يرض صاحبه؛ لأن هذا من المنكرات التي تجب إزالتها، ولهذا قطعه حذيفة بدون أن يأخذ رأيه أو يستشيره، بل نزعه بقوة ورماه؛ لأنه في الواقع يخلص هذا المسكين مما وقع فيه من الشرك، فهو ناصح له في ذلك، وهكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يريد في ذلك خلاص من وقع في هذا المنكر، وإذا كان من هذا القبيل فهو شرك، والشرك من أعظم المنكرات.
стр. 424
سبب تسمية حذيفة بصاحب السر
قال الشارح: [مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وحذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان: حسيل بمهملتين مصغراً، ويقال: حسل -بكسر ثم سكون- العبسي بالموحدة حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر، وأبوه أيضاً صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي ﵁ سنة ست وثلاثين].
سبب تسميته بصاحب السر: أن الرسول ﷺ لما رجع من غزوة تبوك كان معه منافقون في تلك الغزوة، وكانوا يتربصون برسول الله ﷺ ، فكان سائراً في الليل وأمامه عقبة، يعني: طريقاً في جبل سيسلكه، فقال للناس: إني ذاهب! فلا يذهب أحد في هذه العقبة، وذهب معه حذيفة وعمار بن ياسر، حذيفة يقود ناقته، وعمار يسوقها، فلما علم المنافقون أنه سيسلك هذا الطريق ذهبوا وكمنوا له في عرض جبل يريدون أن ينفروا ناقته به لعله يسقط في هذا الجبل فيموت، فلما سار وصار في أثناء العقبة نفذوا مؤامرتهم، فصار حذيفة يضرب وجوه رحائلهم، وخافوا أن يعرفهم فهربوا في الليل، فقال له الرسول ﷺ : (هل عرفت القوم؟) قال: لا، القوم متلثمون، ولكن عرفت رحل فلان وفلان، فأخبره الرسول ﷺ بأسمائهم، وقال: (هؤلاء منافقون، فلان وفلان وفلان وفلان) وصار يسرد عليه أسماءهم، ثم قال له: (لا تخبر أحداً).
فهذا سبب تسميته صاحب السر، فكان عمر ﵁ وبعض الصحابة إذا مات الإنسان ينظرون إلى حذيفة: هل يصلي عليه؟ فإن صلى عليه صلوا عليه، وإن لم يصل عليه امتنعوا؛ لئلا يكون من الذين أخبر الرسول ﷺ بأنهم منافقون، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] أي: المنافقون.
وأما ما يقوله الصوفية من أنه أعطي السر اللدني، وأن الرسول ﷺ أعطاه من الأسرار كما أعطي الخضر الشيء الذي لا يعرفه موسى، فهذا من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما سمي صاحب السر لأن الرسول ﷺ أخبره بأسماء هؤلاء.
وجاء في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أسر إليه أموراً ستقع من الفتن، مثل كون المسلمين يقتلون خليفتهم، وما أشبه ذلك، وذكر أناساً سيتولون، ويكون في توليتهم شر على الإسلام والمسلمين، من تأخير الصلاة وغير ذلك.
جاء في بعض الآثار أن الرسول ﷺ أيضاً أخبره بهذا، ولكن هذا ليس خاصاً به، فقد أخبر به غير حذيفة، وأحاديث الفتن كثيرة منتشرة عن رسول الله ﷺ ؛ ولهذا جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين: أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو أعلمتكم به لقطعتم هذا البلعوم، ويشير إلى حلقه) قيل: إنه يقصد بذلك أنه لو أخبرهم أنهم يقتلون خليفتهم لم يصدقوه وربما آذوه، فهذا منه.
والمقصود: أن الرسول ﷺ ما كان يخص هذه الأمور برجل بعينه، وإنما أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين.
стр. 425
إنكار المنكر بالقول والفعل
قال الشارح: [قوله: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى أي: عن الحمى، وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى.
وروى وكيع عن حذيفة: أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك.
وفيه إنكار مثل هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب، فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها.
وأما التمائم والخيوط والحروز والطلاسم ونحو ذلك مما يعلقه الجهال فهو شرك يجب إنكاره وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه.
قوله: وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] استدل حذيفة ﵁ بالآية على أن هذا شرك، ففيه صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما أنزل الله في الشرك الأكبر لشمول الآية له، ودخوله في مسمى الشرك، وتقدم معنى هذه الآية عن ابن عباس وغيره في كلام شيخ الإسلام وغيره، والله أعلم.
وفي هذه الآثار عن الصحابة ﵃ ما يبين كمال علمهم بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله].
стр. 426
مسائل باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك].
يعني: مثل ذلك في النفع أو الدفع، فإذا كان الإنسان يلبس شيئاً من ذلك فهو مشرك، وسواء كان شركاً أكبر أو أصغر حسب ما يقوم بقلبه.
[المسألة الثانية: أن الصحابي لو مات وهى عليه ما أفلح.
فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
المسألة الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
المسألة الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر، لقوله ﷺ : (لا تزيدك إلا وهنا)].
قوله ﷺ : (لا تزيدك إلا وهناً) يعني: أن هذه الحلقة تضر، وإن زعم أنها تنفع فهي لا تزيده إلا وهناً، والوهن هو الضعف، أي: يزداد مرضاً إلى مرضه، هذا في العاجل، أما في الآجل فهي شرك يعاقبه الله عليه.
[المسألة الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
المسألة السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئاً وكل إليه.
المسألة السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
المسألة الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
المسألة التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة ﵃ يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة].
وسبق أن التعلق يكون في القلب، ويكون بالفعل، ولكن إذا حصل بالفعل لا بد أن يكون صدر من القلب، إلا أن يكون الإنسان غبياً، أو لا يعقل، أما إذا كان عاقلاً فالعاقل إنما يبعثه على عمله ما في القلب من نية، وهذا هو تعلق القلب، فمن علق شيئاً من ذلك فقد وقع في الشرك، والشرك وإن كان أصغر فأمره عظيم ليس سهلاً، فلا يجوز التساهل في مثل هذه الأمور، والإنسان إذا اعتمد على الله جل وعلا وتوكل عليه فإنه يكفيه.
وإذا وقع في مرض أو في أمر من الأمور التي يخشاها فعليه أن يلجأ إلى الله، وعليه أن يدعو ربه، ويتجه إليه، ويتوكل عليه، وينزل به حاجته، هذا هو الذي ينفعه في الواقع، مع أنه لا مانع من فعل الأسباب المباحة من الأدوية وغيرها، فإنه يجوز أن يتداوى إن لم يكن ذلك مستحباً كما مضى، فإذا لم يكن الدعاء ممنوعاً محرماً فإنه يكون من الأسباب المباحة، أو الأسباب المسنونة المستحبة.
стр. 427
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٧]
لا تجوز الرقى والتمائم إلا ما استثناه أهل العلم بشروطه، أما التولة فلا تجوز مطلقاً؛ لأنها نوع من السحر، والرقية بالقرآن والأذكار جائزة، بل مستحبة، وقد جاء الوعيد الشديد لمن علق وتراً أو غيره معتقداً أن ذلك يدفع العين، وحرمت تلك الأشياء لأنها تنافي التوحيد.
стр. 428
ما جاء في الرقى والتمائم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرقى والتمائم].
يقول ﵀: باب ما جاء في الرقى والتمائم، الرقى: جمع رقية، والتمائم: جمع تميمة، والرقى منه ما هو ممنوع وشرك، ومنها ما هو مشروع ومستحب.
وكذلك التمائم منها ما هو منصوص عليه بأنه من الشرك، ومنها ما هو مختلف فيه، ولهذا جعل الترجمة مبهمة فقال: ما جاء في الرقى والتمائم، يعني: من النهي ومن الجواز، وهذا الباب من الأبواب التي يفسر بها التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنه يذكر في هذا الباب ما يضاد التوحيد، أو ما ينقصه ويذهب بكماله، ويكون هذا من باب التفسير.
والرقى المحرم منها: هو ما كان بغير أسماء الله جل وعلا مثل: أسماء الشياطين وأسماء الجن وغير ذلك مما هو ممنوع، أو مثل: الاستعاذة بغير الله، والاستعانة بغير الله، وكذلك ما كان من كلام لا يعرف معناه.
والتمائم كذلك، فإذا كانت التميمة التي تعلق يكتب بها كتابات لا يعرف معناها، أو كتابات بأسماء الجن وأسماء الشياطين، أو أسماء الذين يستعان بهم، أو بحروف مقطعة وكلمات لا تؤدي إلى معنى مفهومٍ واضح أو بكلامٍ غير عربي، وما أشبه ذلك؛ فهذا ممنوع، وهو من المحرمات التي لا يجوز أن يستعملها المسلم.
وأما إن كانت التميمة بآيات من القرآن، وبأدعية، وبأسماء الله وأوصافه: فإن هذا فيه خلاف بين العلماء، منهم من أباح ذلك وأجازه، ومنهم من منعه، وسيأتي ذلك.
وسبق أن قلنا: إن التميمة سميت تميمة من باب التفاؤل، حتى يتم لصاحب المقصد مقصده، وهذا من عادة العرب في التسمية، والرسول ﷺ -كما سبق- دعا على الذي يعلق تميمة بأن الله لا يتم له مراده، سواء كان ما قاله النبي دعاء أو خبراً -كما سبق.
وسيأتي: أن الرقية جائزة في أمور نص عليها رسول الله ﷺ ، مثل: العين والحمى، وتجوز في غيرهما أيضاً، ولكن بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون بأسماء الله وصفاته.
الشرط الثاني: أن تكون بكلام مفهوم معروف.
الشرط الثالث: ألا يعتقد أنها تؤثر بنفسها، وإنما المؤثر هو الله جل وعلا، فيكون ذلك من الأسباب المشروعة.
وأما التميمة: فقد تكون مكتوبة أو غير مكتوبة كأن تكون من خرز وودع ومما يعتقد بأن فيه نفعاً كأن يكون من نحاس، أو من فضة، أو من صفر، وقد تكون من حبال، والناس يختلفون في هذا كثيراً، حتى إن بعضهم يعلق نعلاً! ويزعم أن هذا النعل إذا علقه في السيارة أو في البيت أو في الدكان، أو المصنع أو غير ذلك؛ فإنه يمنع من عين الحاسد، وبعض الناس يعتقد أنه يمنع وصول الجن، وهي عقائد جاهلية موروثة عن الجاهلية.
وبعضهم يجعل ذلك لأمور معينة يعني: أمراضاً معينة، حتى لا يصيبه هذا المرض المعين، وهذه أيضاً وراثة عن الجاهلية، وقد سبق أنه كان في الجاهلية ناس يعلقون حبالاً بأعضادهم وأيديهم، ويقولون: إنها تمنع من الواهنة، وبعضهم يجعل ذلك حلقاً من الصفر ويقول: إنها تمنع من الواهنة، والواهنة شيء يشبه الروماتيزم، قد يصيب الإنسان في كتفه، وبعضهم يقول: هي ما يسمى بعرق النسا، ولكن ليس ذلك، والإنسان قد يتوهم أمراضاً وهمية، ويكون الوهم أشد مرضاً من المرض العادي الحقيقي، ثم إذا تعلق بشيء من ذلك، ووجد الشفاء توهم أنه بسبب ذلك، فيتعلق بهذا الأمر، وقد يأتي الشيطان ويفتن كثيراً من الناس كما سيأتي، فإنه قد يمسك عضواً من أعضاء الإنسان أو يؤلمه بشيء مما يستطيعه، فإذا تعلق بشيء أو علق شيئاً زال عنه ما يجده، ومن ثم استمر في هذا الشيء المعلق، فيصبح قد تعلق بغير الله، فيقع في الشرك؛ لأن الشيطان حريص جداً على إغواء الإنسان.
والله جل وعلا يخبرنا أنه من يتوكل على الله فإنه يكفيه جل وعلا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، ولا يضره شيء، ولكن الذي يتعلق قلبه بغير الله، يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلق عليه ويضره، ويتسلط عليه الشيطان، وتتسلط عليه العوارض الأخرى؛ جزاءً لكونه أعرض عن الله جل وعلا.
فأراد المؤلف ﵀ أن يبين شيئاً من هذه الأمور في هذا الباب؛ لأن هذا قد يقع فيه كثير من العوام ومن الجهلة، ولا سيما النساء، فإنهن يعلقن على الأطفال هذه الأمور، وقد يغترون بمن يدعي شيئاً من المعرفة، فيذهبون إليهم، ويكتبون لهم طلاسم فيها أسماء شياطين، وفيها استعانة بجن، وقد يأمرونهم بأمور شركية، فأراد أن يبين ﵀ أن هذا من الأمور التي قد تنافي التوحيد، وقد تقدح فيه وتنقصه، فيكون ذلك من تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 429
حكم تعليق القلادة إذا كان من أجل الدفع أو النفع
قال المصنف: [في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ (أنه كان مع رسول الله ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)].
كان أبو بشير ﵁ -راوي هذه القصة- في مسير من مسيرات رسول الله ﷺ ، فأرسل رسولاً كلفه بأن يعلم الناس ويبلغهم بألا يبقى في رقبة بعير قلادة -أو قال: قلادة من وتر- إلا قطعت وأزيلت، يعني: أن الراوي شك: هل قال الرسول ﷺ : قلادة مطلقاً بدون قيد، أو أنها قيدت بأنها قلادة من وتر؟ وهذا سئل عنه الإمام مالك فقال: لا أعرف كراهتها إلا أن تكون من وتر؛ وذلك أن القلائد قد تتخذ للزينة، فقد توضع على البعير لأجل الزينة، وتكون من حبل أو من غير ذلك، وقد يوضع حبل في الرقبة حتى يمسك البعير به أو غير ذلك، فإذا كان لأجل ذلك فهذا لا مانع منه، ولهذا قال: إلا إذا كانت من وتر، فإنها تتخذ للاعتقاد.
والضابط في هذا: أن القلادة إذا وضعت في البعير، أو في غير البعير من آدمي وغيره، إن كان يرجى من وضعها نفع، أو دفع لما يتوقع من الضر، فلا يجوز وضعها مطلقاً من أي نوع كان؛ لأن هذا تعلق بغير الله جل وعلا.
أما إذا كانت للزينة أو لغرض بأن تقاد هذه الدابة به، أو أن يعلق على رقبتها حبلاً، حتى إذا احتيج إلى ربطها به، أو عقلها به صنع ذلك، فهذا لا بأس به.
فيكون المعنى أنها مقيدة بالوتر وبما أشبه ذلك مما يقصد به النفع أو الدفع، فإذا كان كذلك فهي ممنوعة، ويكون من نوع الشرك، وهو تعلق بغير الله؛ لأن هذا لا يمنع ولا يدفع، قلادة تعلق بالرقبة أو بغير ذلك أي فائدة فيها من دفع الضر أو منع وقوع الضر؟! ومن اعتقد أن الضر يرفع بعد وقوعه أو يدفع قبل وقوعه، فقد وقع في الشرك، فهو محرم من أي نوع كان من القلائد، هذا بالنسبة للقلادة وهي نوع من أنواع التمائم.
قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في الرقى والتمائم أي: من النهي وما ورد عن السلف في ذلك.
قوله: وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري (أنه كان مع النبي ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر -أو قلادة- إلا قطعت) هذا الحديث في الصحيحين.
قوله: (عن أبي بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة، قيل: اسمه قيس بن عبيد قاله ابن سعد، وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق، ومات بعد الستين، ويقال: إنه جاوز المائة.
قوله: (في بعض أسفاره) قال الحافظ: لم أقف على تعيينه.
قوله: (فأرسل رسولاً) هو زيد بن حارثة روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في مسنده قاله الحافظ.
قوله: (ألا يبقين) بالمثناة التحتية والقاف المفتوحتين، وقلادة مرفوع على أنه فاعل، والوتر -بفتحتين- واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب؛ اعتقاداً منهم أنه يدفع عن الدابة العين.
قوله: (أو قلادة إلا قطعت) معناه: أن الراوي شك هل قال شيخه: قلادة من وتر أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيده؟ ويؤيد الأول ما روي عن مالك أنه سئل عن القلادة؟ فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، ولـ أبى داود (ولا قلادة) بغير شك.
قال البغوي في شرح السنة: تأول مالك أمره ﵊ بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، ويظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي ﵌ عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئاً.
قال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار؛ لئلا تصيبها العين فأمرهم النبي ﵌ بإزالتها؛ إعلاماً لهم بأن الأوتار لا ترد شيئاً، وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) رواه أبو داود، وهى ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك انتهى].
стр. 430
حديث: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود].
ابن مسعود ﵁ دخل على زوجته ومد يده إليها ووجدها ربطت بيدها خيط فقطعه، وقال: ما أغنى آل عبد الله عن الشرك، فقالت: تقول هذا وعيني لا تزال تقذف، فأختلف إلى اليهودي الفلاني فيرقى لي فيها فيذهب، يعني: القذف، قال: ذاك الشيطان يضع أصبعه في عينك، فإذا ذهبتِ إليه ورقى لك أزاله، يكفيك أن تقولي: أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، ثم ذكر الحديث وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
المقصود بالرقى التي فيها الاستعانة بغير الله -كما سبق- أو فيها ذكر الشياطين والجن، أو فيها مثلاً طلسمات لا تعرف، مثل الخطوط التي يخطها بعض الناس، أو فيها التصريح بالاستعانة بأسماء معينة من أسماء الشياطين، كما يفعله كثير ممن يأكل أموال الناس بالباطل، ويستعمل الشرك في ذلك.
أما التمائم فهنا أطلق، قال: التمائم مطلقاً، والتمائم كل ما علق ويقصد به الشفاء من مرض وقع، أو يقصد به منع ما يتوقع من عين أو ألم أو غير ذلك، كل ذلك تميمة.
أما التولة فهي: نوع من أنواع السحر، يسميه النساء محبب، ويزعمن أنه إذا اتخذ حبب الزوج إليها، أو يحببها إلى الزوج، والسحر لا ينفك عن الشرك، ويكون بواسطة الشياطين، فأخبر أن هذه الأمور الثلاثة شرك، فيكون هذا إما منافياً للتوحيد أو يكون قادحاً فيه ومنقصاً له، بحسب ما يقوم في قلب الإنسان وفعله.
وسيأتي التفصيل في الرقى، وأن السلف اختلفوا فيه، وقد سبق في الباب الثاني أن النبي ﷺ لما سئل عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم من السبعين ألفاً، أخبر أنهم: هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فجعل الاسترقاء -الذي هو طلب الرقية من الغير- من موانع السبق إلى الجنة بغير حساب، ولكن هذا لا يدل على أنه إذا قام بالإنسان ذلك، وسعى له أنه يكون مشركاً، أو يكون ممنوعاً من دخول الجنة، وإنما يدل على أنه لا يدخل الجنة بغير حساب، وقد قيل: إن السبب في ذلك تعلق قلبه بغير الله في كونه طلب من غير الله جل وعلا -من المخلوقين- أن يرقيه، بخلاف ما إذا رقى نفسه أو رقي له بغير أن يطلب، فإنه ليس ممنوعاً بالشروط السابقة للرقية.
وقد تكون الرقية مستحبة، ويؤجر عليها الإنسان، إذا رقى نفسه موقناً ومستعيناً بالله، بأسمائه وبصفاته وبآياته، ومستعيذاً بذلك، وسيأتي أن الرسول ﷺ أمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات، وقال: (من نزل منزلاً وقال: أعوذ بكلمات الله التامة لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) وكلمات الله يقصد بها: الكلمات الشرعية التي يأمر بها وينهى، وهي كلامه الذي في القرآن، ويقصد بها: كلماته الكونية التي تكون بها الأشياء، وهي التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، بخلاف الشرعية، فإن أكثر الخلق يجاوزونها يعني: يعصون ما أمرت به، ويخالفون مقتضاها، أما الكونية فلا أحد يجاوزها.
ويدل هذا على جواز الاستعاذة بكلام الله، فهو من صفات الله جل وعلا.
стр. 431
الخلاف في تعليق القرآن حرزاً
جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه إذا كان الحرز من القرآن ومن آيات الله جل وعلا وأسمائه وصفاته فلا بأس به، وكان يكتب تعويذات من الآيات التي فيها المعاني العظيمة، مثل آية الكرسي، ومثل المعوذتين، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويعلقها.
وجاء كذلك عن أم المؤمنين عائشة ﵂ ما يدل على جواز هذا، وفي رواية عن الإمام أحمد قال: إن هذا يجوز، وابن القيم ﵀ في كلامه -في زاد المعاد- ما يدل على أنه يجوز ذلك عنده، وهو قول طائفة من السلف.
القول الثاني: أنه ممنوع مطلقاً، وهذا قول ابن مسعود وأصحابه الذي تعلموا عليه، وكذلك يدل عليه ما جاء عن حذيفة وعبد الله بن عكيم وغيرهم من الصحابة، وهذا القول هو الراجح، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً، وهو الصواب لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن النصوص التي جاءت في المنع من التميمة مطلقة، ليس فيها تقييد أنه إذا كان من كذا وكذا فهو جائز، ويجب أن تؤخذ النصوص على إطلاقها، وعلى الذي يقيدها أن يأتي بالدليل، ولا دليل على ذلك، وهذا إذا أخذناه وحده يكفي في المنع.
الأمر الثاني: أن تعليق شيء من آيات الله وأسمائه وأوصافه لا يخلو المعلق له من امتهانه، فقد ينام ويضعه تحت رأسه، وقد يدخل به إلى مكان قضاء الحاجة، ولا سيما إذا كان على صبي، أو من لا يعقل، أو من لا يقدر الله حق قدره، فيكون فيه امتهان، حتى آل الأمر بكثير من الناس أنهم يكتبون مصاحف صغيرة جداً، فيضعونها على رقابهم أو في جنوبهم على أنها تمائم، وهذا موجود ويباع في المكاتب، ويتخذ لهذا الغرض، فهذا من امتهان كلام الله جل وعلا وكتابه -نسأل الله العافية.
الأمر الثالث: أن هذا قد يكون وسيلة إلى تعليق ما لا يجوز.
لهذه الأمور الثلاثة نقول: إن الراجح والصواب المنع مطلقاً من تعليق التمائم، وهذا أسلم للإنسان، وأبعد له من الوقوع في المحرمات، وهي أيضاً داعية لغيره لأن يفعل شيئاً من ذلك فيقع المحذور؛ لهذا جاءت النصوص كلها تدل على أن التميمة ممنوعة مطلقاً، والعلم عند الله جل وعلا.
стр. 432
الرقية: حكمها وأقسامها
قال الشارح: [وعن ابن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود، وفيه قصة، ولفظ أبي داود: عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: إن عبد الله رأى في عنقي خيطاً فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلانٍ اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقي كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) ورواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبى].
وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: جواز الرقية، فهي جائزة كما كان الرسول ﷺ يقول: (أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي) وهذه رقية، وسبق أنه صلوات الله وسلامه عليه جاء عنه في الحديث أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) وسبق أن معنى هذا الحديث أن الرقية من هذين الأمرين -من العين والحمة- تنفع أكثر من غيرهما، وأن هذا مثل قول الإنسان: لا فتى إلا فلان، ولا كريم إلا فلان، وليس المعنى أنه ينفي الكرم عن جميع الناس أو الفتوة عن جميع الفتيان، وإنما يريد أن يخبر أن هذا هو الكامل في فتوته، وهو الكامل في الكرم، ولا ينفي أن يكون غيره كريماً أو فتى، فهذا مثله، والمعنى أن الرقية الناجحة الشافية الكاملة من شيئين: الأول: العين وهي إصابة العائن للآخر بعينه، وأن الرقية من ذلك تنفع وتجدي، وهذا أمر مجرب ومعلوم.
والثاني: الحمة، والحمة: هي ذوات السموم كالعقرب والحية وما أشبه ذلك، فإن الرقية منها من أنجح ما يكون، ولا سيما إذا صدرت من مؤمن مخلص موقن بما يقول، وقد جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ذهب مع طائفة من الصحابة في سرية، أرسلهم الرسول ﷺ لغرض من الأغراض في سبيل الله، وأنهم استضافوا حياً من العرب، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل ممكن، فلم يجدوا له شفاءً، ثم قال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط -يقصدون أصحاب الرسول ﷺ لعل أن يكون عندهم رقية، فجاءوا إليهم يطلبون ذلك، فقال لهم أبو سعيد: نعم أنا أرقي، ولكن أنتم لم تضيفونا، فلن أرقيه إلا بجعل تجعلونه لنا، قالوا: نعم، واتفقوا على أن يجعلوا له قطيعاً من الضأن، فأقبل يقرأ الفاتحة ويتفل عليه، فقام كأنما كانت يده مربوطة بحبل فانحل الحبل، وصار يمشي لا بأس به، شفي تماماً! ثم لما قدموا على النبي ﷺ أخبروه، فأخبره أنه رقاه بفاتحة الكتاب، فقال: (وما يدريك أنها رقية؟) يعني: الفاتحة رقية ناجحة، فهذا يدل على أن ما قاله صلوات الله وسلامه عليه يشفى به الإنسان عاجلاً، وهذا أمر مجرب.
ولكن ليس كل راق يحصل منه هذا الأمر، وإنما يحصل من المؤمن الموقن الصادق، فإذا رقى من كانت هذه صفته، لا يمكن أن يتخلف الشفاء المرغوب فيه، وإن كان المرقى عليه كافراً، ولا يلزم أن يكون مؤمناً كما في هذه القصة.
стр. 433
أقسام الرقية
الأمر الثاني الذي يدل عليه حديث ابن مسعود: أن التمائم والرقى التي فيها تعلق بغير الله جل وعلا نوع من الشرك، فتحمل الرقية على الشيء الشركي الذي فيه الاستعانة بغير الله، ويستنتج من ذلك أن الرقية تنقسم إلى أقسامٍ ثلاثة: القسم الأول: رقية جائزة بل مستحبة، وهي الرقية بأسماء الله وصفاته وآياته، فإذا رقى الإنسان بذلك على نفسه أو على غيره فلا بأس، وأما إذا طلب الرقية فإنها تكون جائزة أيضاً، ولكن ذلك يمنع من دخول الجنة بلا حساب.
القسم الثاني: الرقية الشركية، وهي ما كانت بأسماء الشياطين، أو بأسماء الجن، أو ما أشبه ذلك من الاستعانة بغير الله.
القسم الثالث: الرقية التي يتوقف فيها حتى يتبين أمرها، وهي ما كانت مجهولة المعنى، فهذا يكون ممنوعاً في الجملة، ولا تجوز أن تكون الرقية إلا بالشيء المفهوم الذي يعرف ما هو.
وأما التمائم فليس فيها تفصيل على القول الصحيح.
وأما التولة فهي نوع آخر خارج عن ذلك، ولا أحد يجيز شيئاً من السحر إلا ما سيأتي من قول ابن المسيب ﵀ في النشرة، والنشرة هي: حل السحر عن المسحور، فقد قال: إن ذلك لا بأس به إذا أريد به النفع، يعني: إذا أرادوا به الإصلاح وإزالة الأذى، هذا نقل عن ابن المسيب، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله.
قال الشارح: [قوله: (إن الرقى) قال المصنف: هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة.
يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركاً هي التي يستعان فيها بغير الله، وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله وصفاته وآياته والمأثور عن النبي ﵌ فهذا حسن جائز أو مستحب.
قوله: فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد].
وجاء الترخيص أيضاً في غير العين والحمة، ولا يفهم من الترخيص أنه مجرد رخصة، بل جاء ما يدل على أنها مستحبة يثاب الإنسان عليها، وجاء الترخيص أيضاً من الدم، والمقصود بالدم الرعاف، وجاء أيضاً من النملة، وهي بثرة تخرج في جسد الإنسان، والأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الترخيص في الرقية ليست خاصة بالعين والحمة، بل جاءت أيضاً في غيرهما.
قال الشارح: [قوله: فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد، وكذا رخص في الرقى من غيرها كما في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: (كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) وفي الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان ﵇ قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله شرك].
قوله: (إنه رقى) فكان يرقي بعض أهله صلوات الله وسلامه عليه، وأما كونه رقي فإن جبريل ﵇ رقى النبي ﵊، جاء إليه وقال: باسم الله أرقيك، الله يشفيك.
.
إلى آخره.
فالرقية حصلت له بدون طلب منه، فهذا يدل على الجواز مطلقاً إن لم يكن مستحباً، والإنسان عليه أن يتحصن بأسماء الله وصفاته، وينبغي أن يكون له ورد من ذلك في أول النهار وآخره، يذكر من آيات الله، ومن أسماء الله ما يكون له حصناً، وقد جاءت أحاديث كثيرة جداً في أن من قال حين يمسي كذا وكذا لم يضره شيء، ومن قال حين يصبح كذا وكذا لم يضره شيء، وقد أفرد هذه الأمور العلماء بكتب مؤلفة، ومن أفضل ما كتب في ذلك وأحسنه ما كتبه الإمام النووي ﵀ في كتابه الأذكار، فإن هذا الكتاب مما لا يستغني عنه المسلم، وينبغي له أن يراجعه دائماً، ويقرأ فيه، ويحفظ ما ينبغي حفظه منه.
فالمقصود: أن هذا من الباب الذي يتزود به المؤمن ويتحصن به، كونه يلجأ إلى الله بأسمائه وصفاته جل وعلا، ويتعوذ بها ويتحصن به، فهو أمر مرغوب فيه، وفيه فضل عظيم؛ لأنه عبادة لله جل وعلا.
قال الشارح: [قلت: من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم، وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به، ولو عرف معناه؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعاراً فليس من دين الإسلام].
يكره الدعاء بغير العربية أو -مثلاً- طلب مسائل العلم؛ لأن الإنسان لا يفهم خطاب الله جل وعلا، وكلام رسوله ﷺ إلا بالعربية؛ ولهذا صار تعلم اللغة العربية واجب من واجبات الدين؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله، وكلام رسوله ﷺ إلا بذلك، وإذا كان الإنسان لا يعرف اللغة العربية، والأمر ضروري يضطر إليه، فيجب عليه أن يتعلم.
стр. 434
شروط جواز الرقية
قال الشارح: [وقال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.
قال المصنف ﵀: التمائم: شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁، والرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﵌ من العين والحمة، والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته].
التولة من أنواع السحر الذي يصنعه من لا خلاق له، والسحر لا يكون إلا بواسطة الشيطان، بأن يطيعه الإنسان، وقد يسجد له، وقد يقرب له قرباناً، فينتفع بذلك، وهو من استمتاع بعض الجن ببعض الإنس، كما أخبر الله جل وعلا أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨] يعني: بعضهم ينتفع ببعض، هذا يقدم منفعة، وهذا يقدم منفعة، وهذا نوع منه، وقد ذكر العلماء أن السحر لا يمكن أن يحصل من دون شرك؛ لأن السحر كله بواسطة الشيطان.
قال الشارح: [قوله: (التمائم) قال المصنف: شيء يعلق على الأولاد من العين، وقال الخلخالي: التمائم: جمع تميمة، وهى ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وبأسمائه وصفاته].
التمائم تكون من الخرزات أو من العظام، وكل ما علق من أي نوع كان ويقصد به النفع فهو تميمة؛ لأن العبرة بالمقاصد، وليس بذوات الأشياء، مقاصد القلوب والنيات هي العبرة، فيعتبر مقصد الإنسان ونيته، فإذا علق شيئاً يقصد به دفع المؤذي من مرض أو ما أشبه ذلك، أو رفعه بعد نزوله فهو تميمة، وهو نوع من الشرك.
стр. 435
ترجيح المنع من تعليق التمائم ولو كانت من القرآن
قال الشارح ﵀: [اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
قلت: هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سد الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أنه إذا علق فلابد أن يمتهنه المعلق؛ لحمله معه في حال قضاء الحاجة، والاستنجاء ونحو ذلك.
وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف رضي الله تعالى عنهم يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصاً إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور، واتخاذ المساجد عليها، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف جل الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حق الله تعالى إليها من دونه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر].
مقصده بهذا القول، أنه إذا كانت التمائم منعت لكونها تعلقاً بغير الله جل وعلا، وجعلت من الشرك؛ فكيف بمن يذهب إلى القبور، ويدعو أصحابها، أو يعكف عندها طلباً للبركة من تربتها، أو ممن سكنها، وهم رفات رميم مرتهنون بأعمالهم، أو يذهب يطوف بها تعبداً وتقرباً، أو يظن أن العبادة عندها أفضل من عبادة الله عند غيرها؟! فإن كل هذا إما شرك أو وسيلة للشرك الأكبر الذي يكون منافياً للتوحيد، فالتوحيد يكون بأن الإنسان لا يتعلق بغير الله جل وعلا، ويخلص اتجاهه وعمله لله وحده، في فعله وفي نيته ومقصده، والذي يكون بهذه المثابة هو الذي يكون مخلصاً، ويكون سالماً من التعلقات بالمظاهر الأخرى سواء كانت تمائم أو غير تمائم.
ويقول: إن هذا الموحد يكون غريباً؛ لأن هذه الأمور من التعلق بالقبور وقعت حتى من بعض العلماء الذين هم قدوة، فإذا كان هذا يقع منهم فكيف بالعامة؟! وهذا مما يجعل الدين الإسلامي غريباً، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ)، ومعلوم أنه بدأ برسول الله ﷺ فقط، ثم كان الناس يدخلون في الإسلام واحداً بعد آخر.
وفي هذا الحديث جاء ذكر ثلاثة أشياء: الرقى والتمائم والتولة، وقد فسرت في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود راوي الحديث، وأخبر أن الرقى والتمائم معروفة، وهي كل رقية بقراءات وتعويذات سواء كانت بأسماء الله أو آياته أو بغير ذلك، فهذا يطلق عليه أنه رقية، ولكن الشرك هو ما كان فيه تعوذ بغير الله جل وعلا، أو فيه طلب شفاء لمرض نزل أو لشيء يتوقع من غير الله جل وعلا.
وأما التمائم: فهي الحروز التي يكتب فيها أو بدون كتابة، سواء كانت توضع على موضع معين كاليد والرجل أو الرقبة، أو يؤتى بالحرز ويوضع في الجيب أو غير ذلك، وسواء كانت فيه كتابة أو ادعي أنه بطبعه وخاصيته يدفع وينفع.
والتولة نوع من السحر، وهي التي تسمى بالعاطف، يعني: يعطف الإنسان على غيره بأن يحببه إليه، ولا سيما بين الزوجين، فإن هذا معروف إلى اليوم، تصنعه المرأة وتزعم أنه يعطف زوجها عليها، ويجعلها محبوبة له، وهو نوع من السحر.
والسحر لا يكون إلا بواسطة الشياطين، وله تأثير في الأبدان وفي الأفكار والعقول، قد يفسد العقل وقد يفسد البدن وقد يقتل، ولكنه كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فالشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، وهو صنعة يمكن تعلمه، ولكن بواسطة الشيطان وهو أنواع كثيرة، وكل نوع منه محرم، وسيأتي وصفه والكلام فيه في باب مستقل، وكذلك العلاج منه والذي يسمى بـ (النشرة) سيأتي له باب مستقل.
فهذه الأمور الثلاثة أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أنها شرك، والشرك هو أعظم الذنوب على الإطلاق، كما أخبر الله جل وعلا أن كل ذنبٍ تحت مشيئته قد يغفره إذا شاء إلا الشرك، فإن الله لا يغفره لمن يموت عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، فالمشرك الذي يموت على الشرك هو في النار قطعاً بدون استثناء.
والشرك أنواع: منه الشرك الأكبر، ومنه الشرك الأصغر، والشرك الأصغر كيسير الرياء، وكالحلف بغير الله جل وعلا، ومثل هذا إذا مات الإنسان عليه لا يكون من أهل النار، ولكنه يأثم، ويستحق أن يعاقب؛ لأن هذا أعظم من الكبائر، أعظم من الزنا، ومن السرقة كما قال العلماء، ومع ذلك لا يخرج الإنسان من دين الإسلام.
والتمائم سبق أنها سميت تمائم أخذاً من أنه سيتم مراد الواضع لها، فهي سميت بذلك من باب التفاؤل، يعني: تفاءلوا عندما وضعوا هذا الشيء بأنه سيتم مقصود الواضع لدفع الأذى أو لجلب النفع، فمن هذا المعنى سميت تميمة، وقد قال الرسول ﷺ : (من تعلق تميمة فلا أتم الله له)، وسبق أن هذا إما أن يكون دعاء وإما أن يكون خبراً، وكلاهما يدل على نقيض مراد الواضع لذلك؛ وذلك أن من وضع التميمة فإن قلبه قد تعلق بغير الله، والتفت إلى غيره، وهذا نوع من الشرك، ونوع من رجاء النفع من المخلوق، والتعلق به، والنفع والدفع لا يكون إلا من الله جل وعلا، فهذا هو وجه كون التميمة شركاً.
أما الرقية: فإنها إذا كانت بتعوذ بالشياطين أو بالملائكة أو بالأولياء والصالحين الغائبين أو الميتين الذين لا يقدرون على أن يوصلوا إليه ما طلب منهم، أو يعيذوه مما استعاذ منه؛ فإن هذا من الشرك.
وإذا كانت الرقية بآيات الله وأوصافه جل وعلا فهي مستحبة كما سبق، وقوله: خص الدليل منها ما كان بآيات الله وأوصافه فإنه جائز، بل هو مستحب، وأما التميمة التي فيها القرآن أو صفات الله جل وعلا فقد اختلف فيها العلماء على قولين: أحدهما: أنه جائز بالشروط التي ذكرها السيوطي وقال: إنها بالإجماع، وهي ثلاثة: الأول: أن تكون بآيات الله وأسمائه.
الثاني: أن تكون بكلام عربي معروف المعنى.
الثالث: أن يكون الذي وضعها يعتقد أنها لا تؤثر بنفسها، وإنما المؤثر هو الله جل وعلا.
فذكر أن عبد الله بن عمرو بن العاص يريد هذا النوع، وقال: إنه ظاهر ما روي عن عائشة، وجمهور السلف والتابعين على أنه لا يجوز، ورجح هذا بأمور ثلاثة: أحدها: أن الأدلة مطلقة لم تخص شيئاً من ذلك، فمن ادعى الخصوصية فعليه الدليل، ولا دليل على هذا.
الأمر الثاني: إذا قيل بالجواز فإنه يجر إلى ما لا يجوز، فيكون وسيلة إلى المحرم، والوسائل لها أحكام المقاصد، إذا كان المقصد محرماً فالوسيلة محرمة، وإذا صارت النتيجة تئول إلى شيء محرم، فالسبب أن الذي يجر إليها يكون حراماً، وهذه قاعدة معروفة قررها العلماء، وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على هذه القاعدة كقوله جل وعلا: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] يعني: لا تسبوا أصنامهم وتذموها وتعيبوها؛ فإنهم إذا سمعوا ذلك سبوا إلهكم الذي هو الله، فنهوا عن هذا من أجل ما يئول إليه.
وفي الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال ل عائشة: (لولا أن قومك حديثي عهد بالشرك لنقضت الكعبة، وجعلتها على أساس إبراهيم، وجعلت لها باباً لاصقاً في الأرض من الشرق، وآخر من الغرب؛ لأن قومك لما أرادوا بناء البيت قصرت بهم النفقة، ورفعوا الباب حتى لا يدخلها إلا من يريدون) فذكر أن ذلك كان فيه مصلحة، وأمر محبوب، ولكن منعه من ذلك كون المشركين حديثي العهد بالشرك، فخاف أنه إذا نقضها صار ذلك فتنة لهم، فترك ذلك، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على هذه القاعدة.
الأمر الثالث: أن المعلق لا يخلو من الامتهان، كأن يستنجي الإنسان وهو عليه، أو يدخل به الحمام ليقضي حاجته، وما أشبه ذلك، ولا سيما إذا كان على طفل أو إنسان لا يفقه، فإنه لا يخلو من هذا.
فهذه الأمور الثلاثة رجح بها المنع، يقول: وهو مذهب جمهور العلماء، وهذا أحوط للإنسان، وأسلم لدينه، فالإنسان إذا توكل على الله واعتمد عليه فإن الله جل وعلا يكفيه ويشفيه من كل ما يقع فيه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢].
قال الشارح: [قوله: التولة، فسرها ابن مسعود راوي الحديث كما في صحيح ابن حبان والحاكم قالوا: يا أبا عبد الرحمن! هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء، يتحببن به إلى أزواجهن.
قال الحافظ: التولة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففاً، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهي ضرب من السحر، والله أ
стр. 436
حديث: (من تعلق شيئاً وكل إليه)
قال الشارح: [وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه) رواه أحمد والترمذي].
سبق أن لفظة تعلق تكون بفعل القلب، وتكون بفعل الجوارح، وغالباً تطلق على فعل القلب، ولا سيما في مثل هذا الذي يرجى منه النفع الغيبي ومن الأمر الذي لا يشاهد، فإن هذا يراد به تعلق القلب.
(من تعلق تميمة) يعني: تعلق قلبه بها، بأن رجا أنها تدفع عنه الضر أو تجلب له النفع، ومن فعل هذا فقد رجا غير الله، والتفت إلى غيره، وهذا كما سبق نوع من الشرك.
قال الشارح: [وعبد الله بن عكيم هو بضم المهملة مصغرة، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي، قال البخاري: أدرك زمن النبي ﷺ ولا يعرف له سماع صحيح، وكذا قال أبو حاتم، قال الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة، وذكر ابن سعد عن غيره أنه مات في ولاية الحجاج.
قوله: (من تعلق شيئاً وكل إليه) التعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما (وكل إليه) أي: وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه].
قوله: (شيئاً) هذا عام، (من تعلق شيئاً وكل إليه)، والمقصود أن الذي يتعلق بغير الله فإن الله يكله إلى ذلك الغير، وإذا وكل الإنسان إلى غير الله فإنه يوكل إلى عوره وإلى ضيعة، فلا يحصل له مقصوده، بخلاف الذي يتعلق بالله جل وعلا، فإنه يكون ناجحاً يحصل له مراده، ويكون مطيعاً في ذلك لله جل وعلا، ويأتيه الخير من حيث لا يحتسب.
ففرق بين من تعلق بالله ومن تعلق بالمخلوقات التي لا تنفع نفسها فضلاً عن غيرها من الأمور التي يتوقع نفعها، أو الأمور التي يتوقع ضررها بأن تدفع، فإن هذا لا يكون إلا بيد الله جل وعلا كما في حديث عبد الله بن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك) فالأمور كلها بيد الله.
ولكن إذا كان الإنسان يقينه ضعيفاً، وإيمانه ضعيفاً، فإن تعلقه بالله يصبح ضعيفاً، وتجده يتشبث بأدنى سبب يتوهمه، فإذا كان هكذا فإن الله لا يبالي في أي وادٍ هلك.
بخلاف الذي يكون إيمانه قوياً، وثقته بالله قوية، فإنه لا يضره أي توهم يمر به من الشيطان أو من غيره، فإنه يعتمد على الله بعد فعل السبب، فالأسباب مطلوب فعلها، ولكن لا يعتمد عليها، وإنما الاعتماد على الله جل وعلا، فهو إذا شاء جعل السبب مؤثراً، وإذا شاء أبطل السبب وإن كان قوياً، ويصبح لا تأثير له.
فالمقصود أن الأمور كلها بيد الله، فما حصل لك من خير فهو من الله، وإن كان هناك أسباب فالأسباب سببها الرب جل وعلا.
فيجب على العبد أن يكون تعلقه بالله وحده، وألا يلتفت إلى المخلوقات، ولا يعلق قلبه بها، فلا يرجو نفعها أو أن تدفع عنه ضراً، وهذا لا ينافي كونك تستعيذ بمن يقدر على إعانتك ممن هو حاضر عندك، ويستطيع أن يساعدك على عمل ما، فإن هذا غير ممنوع (من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه)، والمسلمون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضاً، فلا بد من التعاون، ولكن المقصود بالمنع الأمور الغيبية التي يتوقع نفعها كالشفاء من المرض، وكدفع الآفات، وما أشبه ذلك، فهذه يجب أن يكون التعلق فيها بالله وحده.
قال الشارح: [فمن تعلق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه؛ كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير؛ ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك؛ وكله الله إلى ذلك، وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]].
معنى حسبه: يعني: كافيه، من يتوكل على الله فإن الله يكفيه كل ما خافه، ويعطيه ما أمله ورجاه.
قال الشارح: [وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا أبو سعيد المؤدب قال: حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت: حدثني حديثاً أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: (نعم، أوحى الله ﵎ إلى داود: يا داود! أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجاً، أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالى بأيّ أوديتها هلك)].
стр. 437
حديث: البراءة ممن عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم
قال الشارح: [وروى أحمد عن رويفع قال: قال رسول الله ﷺ : (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه)].
هذا من أحاديث الوعيد التي يتوعد من فعل ما ذكر فيها بأن الرسول ﷺ برئ منه، أو بأن الله يفعل به كذا وكذا، إما أن يلقيه في النار، أو يغضب عليه، أو يلعنه، أو أن من فعل كذا وكذا فليس منا، وما أشبه ذلك، وللعلماء في هذا مذهبان سنذكرهما إن شاء الله.
قوله: (لعل الحياة ستطول بك) قد وقع ما ترجاه الرسول ﷺ ، ومثل هذا الأسلوب قد يأتي لأمر مجزوم به متيقن، ومع ذلك يقول: لعله كذا وكذا، وهو عارف أنه سيقع؛ لأن هذا أسلوب عربي استعمله القرآن، وكذلك استعمله الرسول ﷺ .
وقوله: (أخبر الناس) هذا ليس خاصاً بـ رويفع، وإنما هو عام لكل من كان عنده علم من شرع الله جل وعلا مما بينه الرسول ﷺ ، فإنه يجب أن يخبر الناس بذلك، إذا كانوا محتاجين إليه، ومثل هذا إذا كان واحداً فإنه يتعين عليه، أما إذا كانوا جماعات عندهم هذا العلم، فإن الأمر يكون بالنسبة إليهم من فروض الكفاية، يعني: إذا قام به من يكفي للبيان والإيصال فيسقط الإثم عن البقية، ولا يلزم كل واحد بعينه أن يبين ويوصل ذلك إلى الناس.
وهذا عام في كل ما احتاج إليه الناس من أمر دينهم، والخطاب وإن كان لشخص بعينه فقد علم من قواعد الشرع أنه يقصد به كل من حمل شيئاً عن الرسول ﷺ ، فيجب عليه أن يبينه للناس إذا كانوا محتاجين إليه.
стр. 438
حرمة تقلد الوتر
وقوله: (أخبر الناس أن من تقلد وتراً، أو عقد لحيته أو استنجى برجيع دابة فإن محمداً برئ منه)، أما الوتر: فقد تقدم أنه أحد أوتار القوس، وهو السلاح المعروف قديماً، فإذا اخلولق الوتر الذي يرمون به علقوه على دوابهم، وربما علق على الصبيان، ويزعمون أنه يدفع عنهم عين الإنسان، وكذاك أذى الجان، وهذا هو النفع الغيبي الذي قلنا: إنه إذا علق لأجل النفع الغيبي، أو الدفع الغيبي فإنه يكون من الشرك؛ فلهذا أخبر الرسول ﷺ أنه برئ ممن فعل هذا، ومن تبرأ منه الرسول ﷺ فأقل ما يقال فيه: إنه فعل جريمة من الجرائم التي يستحق عليها عقاب من الله جل وعلا.
стр. 439
حرمة عقد اللحية
الأمر الثاني: عقد اللحية، وعقد اللحية فسره العلماء بشيئين: أحدهما: ما كان من فعل بعض المتكبرين والمتجبرين من الأعاجم ومن العرب، فكانوا في القتال يعقدون لحاهم ويفتلونها ويعقدونها على هيئة معينة؛ ليكون ذلك شوهة بحيث من رآهم خاف، ويكون منظرهم مخيفاً، وهم يفعلون هذا تكبراً وتجبراً.
المعنى الثاني: أن المقصود معالجة الشعر حتى يتعقد ويتجعد، ويكون له عقد من نفسه؛ ليكون هذا من باب التجمل والتزين بتعقيد الشعر، وقد جاء في حديث آخر النهي عن عقد اللحية في الصلاة؛ لما فيه إما من الكبر والتجبر على عباد الله، أو لما فيه من التأنث والتأنق والتشبه بالنساء التي تتجمل وتتزين وليس هذا من شأن الرجال.
стр. 440
حرمة الاستنجاء برجيع دابة أو عظم
المقصود برجيع الدابة: روث الدواب من الإبل والبقر وغيرها، فلا يجوز للإنسان إذا قضى حاجته أن يتمسح بروث الدواب؛ فإن هذا من المحرمات، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه بريء ممن فعل هذا، وقد جاءت علة النهي في أحاديث معروفة عن الرسول ﷺ ، وفيها أنه أخبر أن الرجيع علف دواب الجن من المسلمين، فإن الرسول ﷺ أخبر أنه التقى بالجن، ودعاهم إلى الله، وأنهم أسلموا، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال ﷺ لهم: (لكم كل عظم ذكر عليه اسم الله جل وعلا، تجدون عليه لحماً أوفر ما كان) هذا لهم، فلهذا حرم الاستنجاء بالعظام من أجل ذلك؛ لأن هذا يفسدها على الجن.
وأما دوابهم فأرواث دواب الإنس يكون علفاً وطعاماً لدوابهم، وهذا خاص بالمؤمنين من الجن، أما الكافرون منهم فإنهم لا يجدون من ذلك شيئاً، وإنما يطعمون ما يطعمهم الله جل وعلا حلالاً أو حراماً.
أما ما يجيء من الوعيد في الحديث كأن يقول: فإن محمداً ﷺ برئ منه أو يقول: فإنه ليس منا، أو يقول: من فعل كذا وكذا فقد كفر، كما في السنن: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وكذلك قوله: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وكذلك: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] وما أشبه ذلك كثير؛ فإن للعلماء في هذا مذهبين مشهورين: المذهب الأول: أنه لا بد من تأويل ذلك؛ لأن الفاعل لهذه الأمور لا يكون كافراً، فقالوا في مثل قوله ﷺ : (إن محمداً بريء منه) يعني: بريء من فعله، أو أنه برئ منه في هذه الحال، فإذا راجع ربه، وتاب، وأقلع عن ذلك الذنب، فإنه لا يكون بريئاً منه، وفي مثل قوله: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ يعني: أنه كفر دون كفر، لا يكون كفراً مخرجاً من الملة والدين رأساً، وقالوا: في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يعني: لو جازاه، ولكن الله يعفو، وهكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ وما أشبه ذلك، وهذا مشهور في كتب التفسير، وفي شروح الأحاديث إذا نظرت فيها، فإنهم يشرحونها بمثل هذه الألفاظ.
المذهب الثاني: مذهب كثير من المحققين يقولون: هذا التأويل خطأ، وإنما الواجب أن تبقى هذه النصوص كما جاءت مع اعتقاد أن الفاعل لها لا يكون كافراً، ولا يكون خارجاً من الملة، ولكن لا يجوز لنا أن نتأولها؛ لأن تأويلها يكون فيه محذوران: الأول: الخطر في ذلك، لأننا لا ندري مراد الله ومراد الرسول ﷺ من هذا، فإذا عينا شيئاً فإننا نكون على خطر، فقد يكون هذا الشيء الذي عيناه ليس هو مراد الله ولا مراد رسوله ﵊.
الثاني: أن هذه النصوص إذا تركت كما جاءت فإن هذا يكون أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف مثل هذه الذنوب، وهذا هو الراجح، فإذا جاءت مثل هذه الأخبار فإنها تترك كما جاءت، مع الاعتقاد بأن الفاعل لهذه الأمور ليس كافراً وليس خارجاً من الدين، والله أعلم.
قال الشارح: [الحديث رواه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق والحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن ابن لهيعة، وفيه قصة اختصرها المصنف، وهذا لفظ الحسن: قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا عياش بن عباس عن شييم بن بيتان قال: حدثنا رويفع بن ثابت قال: كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل والريش وللآخر القدح، ثم قال لي رسول الله ﷺ الحديث.
ثم رواه أحمد عن يحيى بن غيلان قال: حدثني المفضل قال: حدثنا عياش بن عباس أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان القتباني الحديث.
ابن لهيعة فيه مقال، وفي الإسناد الثاني شيبان القتباني قيل فيه: مجهول، وبقية رجالهما ثقات.
قوله: (لعل الحياة ستطول بك) فيه علم من أعلام النبوة، فإن رويفعاً طالت حياته إلى سنة ست وخمسين، فمات ببرقة من أعمال مصر أميراً عليها وهو من الأنصار، وقيل: مات سنة ثلاث وخمسين.
قوله: (فأخبر الناس) دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصاً بـ رويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية قاله أبو زرعة في شرح سنن أبي داود.
قوله: (أن من عقد لحيته) بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم قاله الجوهري.
قال الخطابي: أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها قال أبو السعادات: تكبراً وعجباً.
ثانيهما: أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث، وقال أبو زرعة العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة كما دلت عليه رواية محمد بن الربيع وفيه: أن من عقد لحيته في الصلاة.
قوله: (أو تقلد وتراً) أي: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وفي رواية محمد بن الربيع (أو تقلد وتراً) يريد تميمة.
فإذا كان هذا فيمن تقلد وتراً فكيف بمن تعلق بالأموات، وسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات الذي جاء النهي عنه وتغليظه في الآيات المحكمات؟! قوله: (أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه) قال النووي: أي: بريء من فعله، وهذا خلاف الظاهر، والنووي كثيراً ما يتأول الأحاديث بصرفها عن ظاهرها فيغفر الله تعالى له.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن)، وعليه لا يجزئ الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد؛ لما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران)] يعني: لو أن الإنسان استنجى بالعظم أو بالروث فإن طهارته غير مجزئة، هذا إذا اقتصر على الاستجمار، أما إذا استنجى بالماء، فإن هذا لا أثر له، وإن كان فعله محرماً؛ لأن نهي الرسول ﷺ يدل على الفساد، فكل ما نهى عنه من هذا القبيل، ثم ارتكب ذلك النهي، فإنه لا يجزئه إذا رتب عليه عبادة.
والاستجمار يكفي الإنسان إذا استجمر بثلاثة أحجار أو بغير الأحجار مما يزيل وينقي، ولا يجب الاستنجاء بالماء، بل يتوضأ ويبدأ بوجهه بعد الاستجمار، ويغسل يديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه، وبهذا يكون قد كمل وضوءه.
وهذا أمر كان مشهوراً عند الصحابة، بل كثير منهم ما كان يعرف إلا هذا، وما كانوا يعرفون الاستنجاء بالماء، حتى أن الله جل وعلا لما أنزل قوله لأهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] قال لهم الرسول ﷺ : (إن الله قد أحسن عليكم الثناء، فما هذه الطهارة؟ قالوا: ما هو إلا أننا رأينا اليهود يغسلون أدبارهم بعد قضاء الحاجة، ففعلنا ذلك، فقال: هو ذاكم فعليكموه)، والمقصود أن الإنسان يجزئه في الوضوء الاستجمار إذا استعمل الشيء الطاهر المأذون فيه، أما إذا استجمر بعظم أو بروث وإن كان منقياً مزيلاً للخارج، ثم تطهر بعد هذا ولم يستنج، فإن طهارته باطلة؛ لنهي الرسول ﷺ عن ذلك.
стр. 441
أثر ابن جبير: (من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة)
قال الشارح: [وعن سعيد بن جبير قال: (من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة) رواه وكيع، وهذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون هذا مرسلاً؛ لأن سعيداً تابعي، وفيه فضل قطع التمائم؛ لأنها شرك.
ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي ثقة إمام صاحب تصانيف منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، مات سنة سبع وتسعين ومائة].
وفي هذا الحديث الحث على إزالة المنكر، والإنسان إذا أزاله فإنه يؤجر على ذلك، ولا سيما إذا كان من نوع الشرك، ولهذا قال: (من قطع تميمة من إنسان كانت كعدل رقبة) يعني: مثل الذي يعتق الرقبة، وليس المقصود قطع التميمة فقط، بل المقصود بقطع التميمة أيضاً تنبيه الذي علقها، وتعليمه أن هذا قد يؤدي به إلى الخلود في النار إذا أشرك بالله ومات على هذا، فهو ينقذه من هذا الفعل الذي قد يكون سبباً لخلوده في النار، فيكون بذلك كمن أعتق رقبة، وعتق الرقبة فضله عظيم، حث الله جل وعلا عليه، وأخبر أن من أعتق إنساناً فإن الله يعتقه من النار.
فإذا كان الأمر هكذا فكيف بمن ينقذ خلقاً كثيراً من هذه الورطات؟ فإنه يكون له أجر عظيم، له أجر بعددهم، كأنه أعتق هؤلاء الذي أرشدهم وأخبرهم بأن هذا الأمر الذي وقعوا فيه شرك، وأنهم لو استمروا على ذلك وماتوا عليه لكانوا هالكين، ففي هذا الترغيب لدعوة من يقع في المحذورات، ولكن الدعوة يجب أن تكون برفق وبحكمة وبعلم، ومعرفة بالأحكام التي تترتب على هذا؛ لأن الإنسان إذا لم يدع بحكمة وبرفق فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح، وإذا كان يدعوهم بقوة وعنف فإنهم يأبون قبول كلامه، ويكون ذلك داع لهم بالتمسك بما هم عليه؛ ولهذا كان الرسول ﷺ في أول الأمر يأتي إلى أحد الكفار، ويعرض عليه الدعوة عرضاً فيقول: يا أبا فلان! ألا تسمع مني؟ فإن قال: بلى، كلمه، وإن قال: لا، تركه، فهكذا ينبغي للإنسان أن يتأسى برسول الله ﷺ ، وقد أمره الله جل وعلا بأن يصبر صبراً جميلاً، وأن يصفح عمن أذاه، سواء كانت الأذية بالكلام أو بالفعل، حتى يكون عنده قوة يستطيع أن يمنع المعاند بها بعد أن تبين له الحق، فإن مثل هذا لا يفيد معه الكلام، وإنما يفيد معه الحديد الذي قرنه الله جل وعلا بالكتاب، فإن الله أنزل الكتاب وأنزل الحديد، فالحديد للمعاند المتكبر الذي تبين له الحق فأبى قبوله وحاربه، أما الإنسان الذي يكون جاهلاً، وربما يكون قصده الحق ولكن أخطأه؛ فمثل هذا يجب أن يستعمل معه اللين والرفق والبيان بأسلوب يجعله يقبل ما معه، ولا سيما إذا كان بينه وبينه، ليس على رءوس الأشهاد، فإن الرسول ﷺ كان إذا رأى من أحد أمراً فيه مخالفة لا يخصه بعينه، بل يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) فيأتي بالكلام مجملاً عاماً حتى لا يكون على من وجه إليه ذلك حرج، فمن نصح أمام الناس فإنه يتضايق من ذلك، فالمسلم يجب عليه أن يقتدي برسول الله ﷺ ، ويجب عليه أن ينظر في المصلحة التي قصد منها الأمر بالمعروف، والمقصود من الأمر بالمعروف ثلاثة أمور: أحدها: أن تبرأ ذمتك؛ لأنك إذا رأيت منكراً ولم تغيره، فإن الله سوف يسألك عنه يوم القيامة، فإذا قال الإنسان: خفت الناس، يقول الله جل وعلا: أنا أحق أن تخافني، ففي هذا خلاص نفسه.
الأمر الثاني: امتثال أمر الله جل وعلا، وأداء للدعوة تأسياً بالرسول ﷺ ، فإن الله جل وعلا يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فأتباع الرسول لا بد أن يكون لهم نصيب من دعوته ﷺ .
الأمر الثالث: رحمة بهذا الإنسان الذي وقع في هذه المخالفة، فترحمه وتخشى عليه أن يقع في العذاب، فأنت تحاول أن تنقذه، هذا هو مقصود الأمر بالمعروف، وليس المقصود به فضيحة الناس وتشهيرهم بأمور لا يريدونها، فإن هذا لا يجوز.
لهذا كان من أعظم ما يفيد ويجدي في الأمر بالمعروف أن تأتي إلى الإنسان وتنصحه بينك وبينه، وتقول له بنصح وحسن نية سراً بينك وبينه: اتق الله، هذا لا يجوز، وتأتيه أيضاً بأسلوب ليس خشناً حتى يقبل منك، فالله جل وعلا يقول لموسى لما أمره أن يذهب إلى فرعون هو وأخوه هارون: ﴿فقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]؛ لأن فرعون كان يقول: أنا ربكم الأعلى، ومع هذا يأمر الله جل وعلا موسى أن يقول له قولاً ليناً؛ ولهذا امتثل موسى ذلك، وعرض عليه عرضاً فيه اللين والهدوء، أما القسوة وخشونة الكلام فهذا لا يجدي شيئاً.
стр. 442
أثر إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن
قال الشارح: [وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن].
إذا جاء مثل هذا عن السلف: كانوا يكرهون كذا وكذا، فإن المقصود بذلك التحريم؛ لأن عندهم الكراهة للشيء تعني التحريم، وليس الكراهة التي اصطلح عليها المتأخرون وهي كراهة التنزيه، فهذه لم تكن معروفة عند السلف، وإنما هذا اصطلاح حادث فيما بعد، فإن الفقهاء المتأخرين قسموا الكراهة إلى قسمين: كراهة تحريم، وكراهة تنزيه، أما بلسان السلف فهي قسم واحد، وهي للتحريم فقط.
[وإبراهيم هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء، قال المزي: دخل على عائشة، ولم يثبت له سماع منها، مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة أو نحوها.
قوله: كانوا يكرهون التمائم إلى آخره، مراده بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود كـ علقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم، وهو من سادات التابعين وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم من حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحافظ العراقي وغيره].
стр. 443
مسائل باب ما جاء في الرقى والتمائم
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
المسألة الثانية: تفسير التولة.
المسألة الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
المسألة الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
المسألة الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي جائزة أم لا؟ المسألة السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب من العين لا يجوز أيضاً.
المسألة السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وتراً.
المسألة الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
المسألة التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله].
стр. 444
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٨]
قد يستحسن الإنسان فعلاً يظن أنه يقربه إلى الله، وهو في الحقيقة يبعده من رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور، من الغلو فيها وصرف العبادة لها، ويحسبون أنهم على شيء، وهو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى.
стр. 445
حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل؛ بجامع أن كلاً طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ففيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئاً يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور، من الغلو فيها وصرف جل العبادة لها، ويحسبون أنهم على شيء، وهو الذنب الذي لا يغفره الله].
في هذه الجملة في قوله صلوات الله وسلامه عليه: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) الرسول ﷺ يخبر أن هذه المقالة هي كمقالة الذين طلبوا الشرك صراحة؛ لأنهم قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، أما هؤلاء فقالوا: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) وسبق أن بينا أن معنى ذات أنواط: شجرة تعلق بها الأسلحة لتحصل منها البركة، وكانوا يجلسون عندها تعظيماًَ لها، وهذا يعد من العبادة، ففي هذا دليل واضح على أن طلب التبرك بالشجر ومثله الأبنية أو الأضرحة أو الحجارة أو البقاع أو الأماكن يكون شركاً، ويكون من الشرك الأكبر، وهذا واضح جداً من هذا النص الجلي.
стр. 446
السبب في عذر الصحابة وعدم تكفيرهم بقولهم: (اجعل لنا ذات أنواط)
وقد يأتي سؤال هنا ويقال: ما دام أن الطلب الذي قاله هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم -وهو طلبهم من الرسول ﷺ أن يجعل لهم شجرة يعلقون بها أسلحتهم- كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فلماذا لم يترتب -على ذلك- الحكم عليهم بالشرك؟
الجواب
لم يترتب عليهم الحكم بالشرك لسببين: الأول: ما أشار إليه من أنهم يجهلون هذا؛ لأنه قال: (ونحن حدثاء عهد بشرك) وهذا دليل أن غيرهم لا يجهله وأنه واضح، والجاهل إذا جهل الشيء وفعله على سبيل الاجتهاد يعذر بجهله ولو كان من الأمور الكبيرة العظيمة التي جاء بها الرسول ﷺ نصاً وبياناً وإيضاحاً، فعبادة الله جل وعلا وكون الدين لا يكون إلا بما شرعه الرسول ﷺ كان متقرراً عندهم؛ ولهذا قالوا له: ((اجْعَل لَنَا)) وهذا أمر واضح لا يخفى، فإذا كان خافياً مثل هذا فإنهم يعذرون بذلك.
الأمر الثاني: أنهم لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكانوا -بلا إشكال- قد وقعوا في الشرك، ولكنهم استأذنوا وطلبوا أن يجعل لهم شيئاً يفعلونه، فبين لهم أن هذا الطلب لا يجوز، فامتنعوا، ولا يمكن أن يقال: إنهم طلبوا شيئاً يريدونه استحساناً؛ لأنهم أعظم من أن يخالفوا رسول الله ﷺ أو يخالفوا الله جل وعلا، ثم إن الرسول ﷺ في قسمه قال: (قلتم والذي نفسي بيده) ومعنى قوله: (والذي نفسي بيده) قسم بالله؛ لأن النفوس بيد الله جل وعلا، يتصرف فيها كيف يشاء، إن شاء أن يقبضها قبضها وإن شاء أن يرسلها أرسلها، كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] أي: إلى أجل مسمىً فقط، وإلا فسوف يقبضها، فالنفوس بيد الله، ولهذا قد يكون الإنسان صحيحاً معافاً ثم يسقط في لحظة ويموت، فالأمر بيد الله، هذا شيء.
الشيء الثاني: أنه جل وعلا هو الذي يصرف القلوب كيف يشاء، فالأمر إليه جل وعلا من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، ولكن الله جل وعلا -وله المنة والفضل- جعل للإنسان عقلاً واختياراً، وجعل له قدرة، ثم كلفه على حسب مقدرته بالأوامر والنواهي، ووكل الأمر إليه، وقال له: إن فعلت ما أمرت به، جوزيت الجنة والسعادة العاجلة والآجلة، أما إن خالفت ما أمرت به وعاندت، وفعلت خلاف الأمر، فإنك لن تفوت الله، وسوف يجزيك العذاب، والعاقل يعرف الذي ينفعه من الذي يضره.
وهذا هو مقتضى الجزاء، وإلا لو أن الإنسان ليس له اختيار فلا يكون حينئذٍ فائدة للجزاء والعقاب! ومع ذلك الله يعلم قبل وجود الخلق أن هذا المخلوق سوف يوجد ويعمل هذه الأعمال التي يعملها باختياره ومقدرته، وهذا شيء يجده الإنسان من نفسه، وكل واحد يشعر من نفسه أنه يأتي ويذهب إلى أيّ مكان باختياره، وقد كتب هذا وقدر وعلمه الله سابقاً.
كذلك يجد من نفسه أنه يذهب إلى أغراضه التي يطلبها لنفسه مختاراً، مع أنها مكتوبة ومقدرة، ولا يمكن أن يقع حدث إلا وقد كتب وسجل.
فالمقصود إذاً: أن الله يعلم أن هذا المخلوق سيوجد ويفعل كذا وكذا باختياره ومقدرته، والله هو الذي خلق له الاختيار والمقدرة، فيكون فعله مخلوقاً لله جل وعلا كما أنه هو مخلوق، فليس في هذا متعلق لأهل البدع الذين يزعمون أن العباد شركاء مع الله؛ لأنهم يخلقون أفعالهم، كما تقوله القدرية.
وكذلك ليس فيه متعلق للجبرية الذين زعموا أن العبد بمنزلة الآلة التي تدار ليس له أيّ تصرف.
стр. 447
هل الإنسان مسير أم مخير ؟
وكثيراً ما يسأل الناس ويقولون: هل العبد مسير أم مخير؟ فالجواب عن هذا: أن هذا كلام مجمل، وبجملته باطل، فلا يجوز أن نقول: لا مسير ولا مخير، فإذا قلت: مسير فهو خطأ، وإن قلت: مخير على الإطلاق فهو خطأ، بل العبد عبد لله جل وعلا، جعل الله جل وعلا له قدرة وله اختيار، وكلفه بما يستطيعه، فقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ومع هذا ليس العبد حراً يفعل ما يشاء، وليس الأمر باختياره، بل يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] يعني: لا يقع فعل من العبد إلا بإرادة الله ومشيئته، وإن كان بقدرته واختياره، وهذا من تمام قدرة الله جل وعلا أنه جعل هذا العبد يفعل ما كتبه الله جل وعلا عليه باختياره، وبهذا يتبين لدى العاقل أنه يجب عليه أن يفتقر إلى ربه، ويخضع له، ويذل له، ويسأله الهداية دائماً، ويظهر فقره إلى الله وذله وخضوعه؛ لأنه يعلم أنه لا غنى له عن ربه جل وعلا، وأنه إذا لم يهده ربه جل وعلا فليس له من غيره هادياً، ولهذا من فضله وكرمه وجوده فرض علينا أن نعبده بهذا السؤال في كل ركعة من ركعات الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وإذا لم يهدنا ربنا فلا هداية لنا من أنفسنا، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، وكذلك أوجب علينا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] يعني: أنه إذا لم تحصل لنا الإعانة منه جل وعلا على عبادته فإنها لا تقع، وهذه لابد منها، فأنت تعبد ربك وتستعين على عبادته به جل وعلا.
والخلاصة: أن الملك كله لله، والخلق كلهم لله يتصرف فيهم كيف يشاء، فيجب على العبد أن يعلم هذه الأمور ويعترف لله جل وعلا بها، ويعبده على ضوئها ذالاً خاضعاً مفتقرًا يُظهِر فقره، ويعلم أنه إذا لم يهده الله جل وعلا فإنه ضال، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم فقير إلا من أغنيته فاسألوني أعطكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته) إلى آخره.
стр. 448
من هو إسرائيل؟ ومن هم بنوه ؟
قوله ﷺ : (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل) بنو إسرائيل: يقصد بهم هنا أتباع موسى، وإلا فإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومعنى إسرائيل: عبد الله، وهكذا كل اسم آخره جاء في (يل) فإنه معبد لله مثل: جبريل وميكائيل وإسرافيل، فكلهم معبدون لله، وإسرائيل هذا هو أبو الأسباط الذين جعلهم الله جل وعلا أنبياء، ثم إن ذريته هم الذين صاروا أتباعاً لموسى، وموسى أرسل إليهم والى القبط أيضاً، وكان القبط أتباع فرعون وقومه، وكانوا مستعبدين بني إسرائيل بمصر، والذي أدخلهم إلى مصر في ذلك الوقت هو يوسف، كما ذكر الله جل وعلا لنا في القرآن أن إخوة يوسف هددوه على كون أبيه يحبه حباً كثيراً أكثر منهم، فتآمروا على أنهم يبعدونه عنه، فحصل ما ذكره الله جل وعلا، ثم ذهب إلى مصر، فلما منَّ الله جل وعلا عليه بالملك طلب من إخوته أن يأتوا بأهلهم، كما ذكره الله جل وعلا في قصة يوسف، فسكنوا في مصر وتكاثروا.
стр. 449
قصة موسى مع فرعون
ثم جاء فرعون بعد ذلك واستعبد بني إسرائيل، وصار يقتل أبناءهم ويبقي نساءهم للخدمة.
ثم إن قومه سخروا بني إسرائيل في الأعمال العظيمة التي ألهبوا ظهورهم بالسياط من أجلها، كبناء الأهرامات وغيرها بالقهر والقوة والظلم والجبروت، وأرادوا أن يبقوا تحت أيديهم مقهورين مذللين، فقالوا: إذا قتلنا كل مولود فلن يبقى عندنا عمال نسخرهم، فاتفقوا على أنهم يقتلون الأولاد سنة ويبقونهم سنة، حتى يبقى عندهم من يعمل ومن يستخدمونه، والسبب في هذا: أنه قيل لفرعون - قبحه الله وأخزاه وقد فعل: إن ملكك سيكون زواله على يد رجل من بني إسرائيل، فهذا هو السبب في كونه كان يفعل هذه الأفاعيل.
ومن حكمة الله جل وعلا وتمام مقدرته أن هذا الرجل -من بني إسرائيل- يتربى في بيته، يأكل من طعامه، ويشرب من شرابه إلى آخر القصة التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه، وهذا فيه معتبر، ولكن العجيب الذي ينبغي أن يؤخذ منه عبرة هو: الآيات الباهرة التي جاء بها موسى، حتى لا يكاد يشك من رآه بأنه نبي مرسل من عند الله جل وعلا، وقد تيقن فرعون وقومه بهذا كما أخبرنا الله جل وعلا، وكذلك بنو إسرائيل تيقنوا يقيناً أنه رسول؛ لأنهم شاهدوا الآيات العظيمة.
ومن العبرة التي ينبغي أن نتفطن لها في هذه القصة: أن الله جل وعلا لما أمر موسى ﵇ بأن يسري بقومه ليلاً من مصر، هارباً من فرعون وقومه، علم فرعون بخروجهم، فحشد جنوده وقال لهم: هؤلاء شرذمة قليلون، فلحقهم إلى أمام البحر، فصار البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم، عند ذلك قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] يعني: أدركنا فرعون، كيف الطريق؟ ولكن موسى ﵇ واثق بأمر الله ووعده، ولهذا قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فأمره الله جل وعلا أن يضرب البحر، فضربه بعصاه فانفلق، فكان سبعة طرق، كل طريق مثل السوق العظيم الكبير، والماء واقف، وأرضه يابسة ليس فيها مدحضة ولا مزلة كأنه لم يجر عليها ماء.
ثم من تمام المنة والحكمة كما يقول المفسرون: أن جعل البحر الذي بين كل طريق وآخر لا يستر من يسلكه، حتى يروا أصحابهم، فكل واحد في طريقه يرى أصحابه الذين في الطريق الآخر فيطمئن، ثم مع هذه الآية الباهرة العظيمة في كونهم يسلكون البحر تبعهم فرعون وسلك هذه الطرق -والبحر هو: البحر الأحمر- ثم لما خرج بنو إسرائيل وتكامل خروجهم وقد تكامل جند فرعون في البحر أمر الله جل وعلا البحر فالتحم عليهم وأغرقهم.
وذكر المفسرون أن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، وقالوا: لم يمت، فألقى الله جل وعلا ببدنه، فلما رأوه وشاهدوه عرفوا أنه قد مات، قال الله جل وعلا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢].
ومع هذا كله مروا -بعد خروجهم بقليل- على قوم يعكفون على أصنام لهم -وهذا هو المقصود الذي نعتبر به- فسألوا موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة يعكفون عليها، كما عكف أولئك المشركون عليها، وهذا شرك ظاهر جلي لا خفاء فيه، بل قد يظهر للإنسان الذي يتأمل أن هذا فيه نوع من العناد والمكابرة، وكثيراً ما حصل العناد منهم لنبيهم، حتى قالوا له: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] لما أمرهم الله جل وعلا على لسان رسوله أن يدخلوا على الجبارين، ووعدهم النصر، قالوا هذه المقالة، وهذا تحدٍ ومكابرة وعناد وعدم ثقة بوعد الله وأمره.
ثم مع هذا كله يقول رسولنا صلوات الله وسلامه عليه لهؤلاء الذين قالوا له هذه المقالة: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) والرسول ﷺ إذا حلف وأقسم إنما يقسم على ما فيه مصلحة، وذلك حتى نتأكد ونعلم مطابقة الأمر، وإن كان فيه تفاوت، فالنتيجة واحدة، وهي أن طلب البركة وكذلك العكوف على شيء مخلوق كالشجرة ونحوها -تعبداً وتألهاً- لغير الله شرك، وإن كان الشرك يتفاوت، فبعضه أعظم من بعض، ولكن هذا يدلنا على أن ذلك من الشرك الأكبر وليس من الشرك الأصغر.
فعلى هذا إذا تقدم إنسان إلى صاحب قبر -سواء قال: إنه نبي أو ولي- يطلب منه العون والمساعدة والمدد، أو جلس عند قبره يتبرك به، أو أخذ من ترابه يتبرك به، أو ما أشبه ذلك فإن هذا من الشرك الأكبر، وإن مات على هذا فهو من المشركين.
أما إذا تاب فباب التوبة مفتوح، والتوبة تكون من كل ذنب، ولكن هذا هو الذي نريد أن نعتبر به، ونأخذ الدرس منه من هذه الناحية، وهذا هو وجه الشبه الذي ذكره رسول الله ﷺ .
стр. 450
من هو إسرائيل؟ ومن هم بنوه ؟
قوله ﷺ : (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل) بنو إسرائيل: يقصد بهم هنا أتباع موسى، وإلا فإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومعنى إسرائيل: عبد الله، وهكذا كل اسم آخره جاء في (يل) فإنه معبد لله مثل: جبريل وميكائيل وإسرافيل، فكلهم معبدون لله، وإسرائيل هذا هو أبو الأسباط الذين جعلهم الله جل وعلا أنبياء، ثم إن ذريته هم الذين صاروا أتباعاً لموسى، وموسى أرسل إليهم والى القبط أيضاً، وكان القبط أتباع فرعون وقومه، وكانوا مستعبدين بني إسرائيل بمصر، والذي أدخلهم إلى مصر في ذلك الوقت هو يوسف، كما ذكر الله جل وعلا لنا في القرآن أن إخوة يوسف هددوه على كون أبيه يحبه حباً كثيراً أكثر منهم، فتآمروا على أنهم يبعدونه عنه، فحصل ما ذكره الله جل وعلا، ثم ذهب إلى مصر، فلما منَّ الله جل وعلا عليه بالملك طلب من إخوته أن يأتوا بأهلهم، كما ذكره الله جل وعلا في قصة يوسف، فسكنوا في مصر وتكاثروا.
стр. 451
قصة موسى مع فرعون
ثم جاء فرعون بعد ذلك واستعبد بني إسرائيل، وصار يقتل أبناءهم ويبقي نساءهم للخدمة.
ثم إن قومه سخروا بني إسرائيل في الأعمال العظيمة التي ألهبوا ظهورهم بالسياط من أجلها، كبناء الأهرامات وغيرها بالقهر والقوة والظلم والجبروت، وأرادوا أن يبقوا تحت أيديهم مقهورين مذللين، فقالوا: إذا قتلنا كل مولود فلن يبقى عندنا عمال نسخرهم، فاتفقوا على أنهم يقتلون الأولاد سنة ويبقونهم سنة، حتى يبقى عندهم من يعمل ومن يستخدمونه، والسبب في هذا: أنه قيل لفرعون - قبحه الله وأخزاه وقد فعل: إن ملكك سيكون زواله على يد رجل من بني إسرائيل، فهذا هو السبب في كونه كان يفعل هذه الأفاعيل.
ومن حكمة الله جل وعلا وتمام مقدرته أن هذا الرجل -من بني إسرائيل- يتربى في بيته، يأكل من طعامه، ويشرب من شرابه إلى آخر القصة التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه، وهذا فيه معتبر، ولكن العجيب الذي ينبغي أن يؤخذ منه عبرة هو: الآيات الباهرة التي جاء بها موسى، حتى لا يكاد يشك من رآه بأنه نبي مرسل من عند الله جل وعلا، وقد تيقن فرعون وقومه بهذا كما أخبرنا الله جل وعلا، وكذلك بنو إسرائيل تيقنوا يقيناً أنه رسول؛ لأنهم شاهدوا الآيات العظيمة.
ومن العبرة التي ينبغي أن نتفطن لها في هذه القصة: أن الله جل وعلا لما أمر موسى ﵇ بأن يسري بقومه ليلاً من مصر، هارباً من فرعون وقومه، علم فرعون بخروجهم، فحشد جنوده وقال لهم: هؤلاء شرذمة قليلون، فلحقهم إلى أمام البحر، فصار البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم، عند ذلك قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] يعني: أدركنا فرعون، كيف الطريق؟ ولكن موسى ﵇ واثق بأمر الله ووعده، ولهذا قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فأمره الله جل وعلا أن يضرب البحر، فضربه بعصاه فانفلق، فكان سبعة طرق، كل طريق مثل السوق العظيم الكبير، والماء واقف، وأرضه يابسة ليس فيها مدحضة ولا مزلة كأنه لم يجر عليها ماء.
ثم من تمام المنة والحكمة كما يقول المفسرون: أن جعل البحر الذي بين كل طريق وآخر لا يستر من يسلكه، حتى يروا أصحابهم، فكل واحد في طريقه يرى أصحابه الذين في الطريق الآخر فيطمئن، ثم مع هذه الآية الباهرة العظيمة في كونهم يسلكون البحر تبعهم فرعون وسلك هذه الطرق -والبحر هو: البحر الأحمر- ثم لما خرج بنو إسرائيل وتكامل خروجهم وقد تكامل جند فرعون في البحر أمر الله جل وعلا البحر فالتحم عليهم وأغرقهم.
وذكر المفسرون أن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، وقالوا: لم يمت، فألقى الله جل وعلا ببدنه، فلما رأوه وشاهدوه عرفوا أنه قد مات، قال الله جل وعلا: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢].
ومع هذا كله مروا -بعد خروجهم بقليل- على قوم يعكفون على أصنام لهم -وهذا هو المقصود الذي نعتبر به- فسألوا موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة يعكفون عليها، كما عكف أولئك المشركون عليها، وهذا شرك ظاهر جلي لا خفاء فيه، بل قد يظهر للإنسان الذي يتأمل أن هذا فيه نوع من العناد والمكابرة، وكثيراً ما حصل العناد منهم لنبيهم، حتى قالوا له: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] لما أمرهم الله جل وعلا على لسان رسوله أن يدخلوا على الجبارين، ووعدهم النصر، قالوا هذه المقالة، وهذا تحدٍ ومكابرة وعناد وعدم ثقة بوعد الله وأمره.
ثم مع هذا كله يقول رسولنا صلوات الله وسلامه عليه لهؤلاء الذين قالوا له هذه المقالة: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) والرسول ﷺ إذا حلف وأقسم إنما يقسم على ما فيه مصلحة، وذلك حتى نتأكد ونعلم مطابقة الأمر، وإن كان فيه تفاوت، فالنتيجة واحدة، وهي أن طلب البركة وكذلك العكوف على شيء مخلوق كالشجرة ونحوها -تعبداً وتألهاً- لغير الله شرك، وإن كان الشرك يتفاوت، فبعضه أعظم من بعض، ولكن هذا يدلنا على أن ذلك من الشرك الأكبر وليس من الشرك الأصغر.
فعلى هذا إذا تقدم إنسان إلى صاحب قبر -سواء قال: إنه نبي أو ولي- يطلب منه العون والمساعدة والمدد، أو جلس عند قبره يتبرك به، أو أخذ من ترابه يتبرك به، أو ما أشبه ذلك فإن هذا من الشرك الأكبر، وإن مات على هذا فهو من المشركين.
أما إذا تاب فباب التوبة مفتوح، والتوبة تكون من كل ذنب، ولكن هذا هو الذي نريد أن نعتبر به، ونأخذ الدرس منه من هذه الناحية، وهذا هو وجه الشبه الذي ذكره رسول الله ﷺ .
стр. 452
تخليق الحيطان والعمد
قال الشارح ﵀: [قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بـ أبي شامة في كتاب البدع والحوادث: ومن هذا القسم أيضاً ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد].
قصده بتخليق الحيطان والعمد: وضع الخيوط عليها، فالخيوط والخرق كانت توضع -مثلاً- على الشجر أو غيرها لأجل البركة، وكانوا يميزونها فيقولون: هذا الخيط الفلاني وهذا الخيط لفلان، وكذلك كانوا يضعون عليها خرق وما أشبه ذلك، خرقة فلان وخرقة فلان، فتبقى في هذه الشجرة وقتاً، ثم يأتي صاحبها ويأخذها، فتكون قد اكتسبت البركة في زعمهم.
وهذا في الواقع وثنية جاهلية، وللأسف أنه يوجد في بلاد المسلمين وممن يصلي ويصوم ويتصدق ويزعم أنه موحد يوجد ذلك منه، وهذا مخالف للتوحيد، وما زال العلماء ينكرون هذه الأمور ويبينون أنها مثل ذات أنواط تماماً، وأن الإنسان يجب أن يطهر قلبه وعمله من كونه يلتف في ذلك إلى غير الله، بل يجب أن يكون عبداً خالصاً لله، وما زال العلماء يعلمون هذا، وينكرون من خالفه بأشد ما يملكون من الإنكار، إن استطاعوا باليد -كقطع الشجر وهدم البناء- فعلوا، وإن لم يستطيعوا بينوا بالقول والكتابة.
стр. 453
دعاء القبور شرك، والإسراج عليها وسيلة إليه
[وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم؛ فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى].
أبو شامة كان في القرن السابع أو السادس ومع هذا يقول: كانت هذه الأشياء موجودة، وحتى قبل ذلك الوقت وجد هذا الشيء، وقصده بالعيون: المياه التي تنبع، وتسمى الآن (مياه طبيعية)، ولا يزال الناس يستشفون بها، وقد يتعلق بها بعض الجهال، ويقصدها من أماكن متعددة، ويرى أن فيها الشفاء، والواقع أنه لا شفاء فيها، وإنما الشيطان يزين ذلك حتى يتعلق الإنسان بغير الله جل وعلا.
وقد يشفى الإنسان من باب القدر وليس من باب أن هذا يؤثر، وإنما هو من باب تقدير الله جل وعلا، كما أنه قد ينال مطلبه عندما يتوجه إلى صاحب قبر يدعوه ويستغيث به من باب القدر، أي: أن الله قدر هذا، فيكون في هذا ابتلاء له، فيتسلط عليه الشيطان، ثم يرسخ هذا الشيء في قلبه ويصبح ثابتاً ومتعلقًا به أكثر، وكثير من الناس إذا حصل له ضر أو مرض أو اعتداء من أحد أو مصيبة أو ما أشبه ذلك ذهب يستنجد بهذا المقبور الميت، فإن حصل له مقصوده نسب ذلك إلى الميت السيد الفلاني، وإن لم يحصل له مقصوده يعود على نفسه باللوم، ويقول: أنا اعتقادي بالسيد ليس جيداً، ولو كان اعتقادي بالسيد جيداً وتاماً لوجد مقصودي، فوصل بهم هذا الأمر إلى هذا الحد، وقد حدثني بعض طلبة العلم في بعض البلاد التي زارها: أنه لقي بعض الناس من هذا النوع، فصار يجادلهم ويقول لهم: القبور لا تفيد أحداً، ولا يصلح للإنسان أن يستغيث إلا بالله جل وعلا الذي يملك كل شيء، يقول: في النهاية قالوا لي: لا تجادلنا؛ فعندنا الاقتناع التام بما نحن فيه، ونحن لا نصدقك ولا نقبل كلامك؛ لأننا جربنا هذه الأمور فرأيناها واقعة، فقلت لأحدهم: كيف؟ قال: إنه كان في وقت ما وذهبنا إلى بلد ما فلم نجد من يستقبلنا ولا من يأوينا، وكان الوقت بارداً، فاستغثنا بالشيخ عبد القادر الجيلاني وطلبنا منه الغوث، فجاء إلينا بنفسه يحمل معه بطانيات، فوزع علينا لكل واحد بطانية، يقول: فقلت لهم: ليس هذا عبد القادر الجيلاني، هذا شيطان ذهب وسرق من بعض الحوانيت هذه البطانيات وجاءكم بها ليفتنكم، وهذا هو الواقع، وإلا فـ عبد القادر ميت، لا يخرج من قبره، ولا يستطيع أن يغيث أحداً، وكل ميت هذه صفته، وكل ميت مرتهن في قبره وروحه كذلك لا تأتي ولا تتجدد، ولكن الشيطان هو الذي أضلكم، وتصور لكم بهذه الصورة؛ حتى يثبت الشرك بقلوبكم، وهذا هو الواقع.
فالمقصود: أن الإنسان يفتن في هذه الأشياء، وإذا لم يكن عنده يقين بالله وإيمان به وصدق مع الله فقد يضل، وينبغي للإنسان أن يسأل ربه السلامة والهداية دائماً، وإذا كان الإنسان في بيئة من هذا القبيل تربى فيها وعاش فيها فقد يقتنع بهذا، ويصبح غير قابل لما يقال له.
стр. 454
من المشاهد الشركية في مدينة دمشق
[وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق].
يقول: الشجرة الملعونة؛ لأنها تعبد من دون الله، وهو يقول: إنها ملعونة، وإلا فالناس لا يسمونها ملعونة، بل يسمونها شجرة مباركة، ومع ذلك هي شجرة يابسة هامدة، وهذه مواضع قد زالت، ولكن يعقبها غيرها كثير من هذا النوع، وأكثر القبور التي تعبد من هذا القبيل، فيأتي إنسان ويقول: أتاني آتٍ في النوم فأخبرني أن في هذا المكان ولي من الأولياء، وقد يعين له كـ الحسين ﵁، أو فلان وفلان، فيبنى عليها البناء، ويعظم، ويتوارث، إلى أن يصبح كأنه أمر واقعي، والآن نعرف أن الحسين ﵁ له أماكن متعددة في العراق وفي سوريا وفي مصر، والإنسان لا يكون له قبور متعددة! والغريب أن هذا أيضاً يقال في غيره.
على كل حال هذه طرق الشيطان يضل الناس بها، والعجيب أن هذا يقع ممن عندهم كتاب الله وعندهم سيرة رسول الله ﷺ ، ويعلمون أنهم عبيد الله، وأنه يجب أن تكون عبادتهم لله، ومع ذلك يتعلقون بهذه الخرافات وهذه الترهات، ويتركون الأمر الواضح الجلي، مما يدل على ميل النفوس إلى الباطل وحبها التعلق بغير الله جل وعلا، فإذا لم تترب على دين الله وعلى الوحي فإنها قد تضل، وهذا كثير في بعض البلاد.
стр. 455
تسارع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان
قال الشارح ﵀: [وذكر ابن القيم ﵀ نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله].
أبو شامة في القرن السادس وابن القيم في القرن الذي بعده وتوفي في القرن الثامن، وما زال العلماء قبلهم وبعدهم يذكرون من هذه الأشياء أشياء كثيرة، والإنسان إذا نظر الآن في بلاد المسلمين -وللأسف- يجد أشياء كثيرة موجودة من هذا النوع، إما قبراً أو ما أشبه ذلك، والقبر يتعلق به وقد يطاف به ويسأل صاحبه، وقد يسمون هذا توسلاً أو يسمونه تشفعاً أو يسمونه تبركاً، أو يسمونه حباً للصالحين وتعلقاً بهم، أو يسمونه بأسماء مختلفة، أما أن يسمى شركاً فهم لا يقبلونه، ويقولون: هذا ليس بشرك؛ لأنهم يقولون: الشرك هو أن تدعو من تعتقد أنه يحيي ويميت، أو أنه يتصرف مع الله، وأما نحن فنقر بأن هؤلاء عبيد لله، ولكن الله جل وعلا أكرمهم بأن أعطاهم الشفاعة، فنحن ندعوهم لأجل ذلك.
و
الجواب
أن هذا هو قول المشركين بحروفه ومعناه، فهم كانوا يقولون: الشجر والحجارة مملوكة لله، ولا تتصرف مع الله، ولكن نحن قوم لنا ذنوب فندعو الله بواسطة هذه؛ لأنها لا ذنوب لها حتى تشفع لنا، وتقربنا إلى الله زلفاً، فهذا هو الشرك بعينه، وما وجدت الدنيا من بني آدم من يقول: إن حجرًا أو شجراً أو ميتاً يحيي ويميت، وينزل المطر من السماء، ويتصرف مع الله جل وعلا، فهذا لا وجود له، ولا يقوله عاقل، فالشرك هو الشرك، سواء سمي شركاً أو سمي تشفعاً أو سمي توسلاً أو تعلقاً بالصالحين أو حباً لهم أو غير ذلك.
стр. 456
النذر عبادة لا تكون إلا لله، والنذر للقبور شرك
قال الشارح ﵀: [ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له].
معنى قولهم: تقبل النذر، يعني: إذا نذر لها حصل بالمنذور الذي طلبه الناذر، هذا معنى قولهم: تقبل النذر، يعني: أننا إذا سألناها وقدمنا إليها بما يقدم لها من ذبح أو مال أنه يحصل لنا مطلوبنا، فمعنى ذلك: أنها تستجيب، وأنها تسعدنا بمطلبنا، وهذا هو الشرك الأكبر بعينه، فالعبادة يجب أن تكون لله جل وعلا، ولا يجوز أن تكون لغيره مهما كانت كبيرة أو صغيرة، بل يجب أن تكون لله وحده، وإلا وقع الإنسان في الشرك والمخالفات.
قال الشارح ﵀: [وسيأتي ما يتعلق بهذا الباب عند قوله ﵌: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)].
المقصود بهذا أنه صلوات الله وسلامه عليه سأل ربه أن لا يكون قبره وثناً يعبد، فمفهوم هذا أنه لو قدر -ولا يكون إن شاء الله- يعبد قبره فسيكون وثناً.
فإذاً: قبور غيره بنبغي من باب أولى أن تسمى أوثاناً، والواقع أن العبادة ما تقع عليه، وإنما تقع على من زين هذا وأمر به، وإلا فالعابد والمعبود إذا كان قد رضي بهذا فكلاهما سواء، ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: (الطاغوت كل من عبد من دون الله) وإن كان بعض الناس استدرك عليه، وقال: ينبغي أن يقيد هذا، وأن يقال: كل من عبد من دون الله وهو راضٍ؛ لأن كثيراً من الرسل كعيسى ﵇ وعزير، وكذلك كثير من الأولياء يُعَبدون من دون الله وليسوا طواغيت، ولكن مقصود القائل بهذا أن من تقع عليه العبادة بالصورة أنه طاغوت؛ لأنه معبود، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ في ذكر الشفاعة الكبرى؛ عندما يقف الناس الوقوف الطويل العظيم ثم يلهمهم الله جل وعلا -إذا أراد أن يرحمهم- بأن يطلبوا الشفاعة، فيطلبون الشفاعة من الرسل، وكل واحد يدفعها إلى من بعده من أولي العزم حتى تصل إلى سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيشفع، وذكر صفة الشفاعة أنه يذهب إلى مكان معين تحت العرش فيخر ساجداً، ويفتح الله عليه من المحامد والثناء الشيء الذي يرضى الله جل وعلا به.
ثم بعد ذلك يقول له: اشفع، وقبل أن يقول له: اشفع لا يشفع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيسأل ربه أن يأتي ليفصل بين خلقه ويحاسبهم، هذه هي الشفاعة الكبرى، وهي شاملة لجميع الأمم ليست خاصة بالأمة هذه، ولهذا سمي هذا المقام بالمقام المحمود التي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهذا مثل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حقيقة الشفاعة: إن في الشفاعة إرادة رحمة الله بالمشفوع وإظهار كرامة الشافع، هذه حقيقتها، وإلا فهي لله كما قال جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤].
والمقصود: أنه إذا جاء ربنا جل وعلا ليحاسب عباده فهو الذي يتولى المحاسبة جل وعلا، كما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن كل واحد منكم سيلقى ربه فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، فيقول: يا عبدي! ألم تفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا) إلى آخره.
ولكن هذا للمؤمنين الذين يحاسبون هذه المحاسبة، ويسألون هذه المساءلة، أما الخلق وعموم الكفار والمشركين فإنه إذا جاء جل وعلا ليفصل بينهم، يكلمهم جميعاً، ويقول تعالى وتقدس: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) فكلهم يقولون: بلى يا رب! هذا عدلك، عند ذلك قال صلوات الله وسلامه عليه: (فيؤتى بكل معبود في الدنيا إلى عابده، ومن كان يعبد المسيح وعزير والملائكة، يؤتى بشياطين على صور تلك المعبودات، ثم يقال لهم: اتبعوهم إلى جهنم، فيتبعونهم) وهذا كما قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: العابد والمعبود، أما إذا كان المعبود نبياً أو صالحاً فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، لأنهم في الواقع ما عبدوهم، وإنما عبدوا شيطاناً زين لهم هذا الشيء، ولهذا يؤتى بذلك الشيطان على صورة ما يتخيله العابد، فيقال له: هذا معبودك فاتبعه.
стр. 457
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٩]
الدلائل على معرفة الله جل وعلا كثيرة ومبثوثة في الإنسان وفي الكون، وكذلك الدلائل على صدق نبوة محمد ﷺ كثيرة ومتوافرة، ومنها: القرآن الكريم الذي تحدى به عمالقة البيان، وأرباب الفصاحة، ومنها إخباره بأمور غيبية، تحققت في حياته، وجاءت كما أخبر، وغير ذلك من الآيات الدالة على صدقه ونبوته ﵊.
стр. 458
التبرك بالأشجار والقبور والأحجار شرك
قال الشارح ﵀: [وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك، ولا يُغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة، فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسناً وطلبوه من النبي ﵌، حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله واتخذوه قربة].
هناك كثيرون ممن اشتغلوا بالكلام وبالعلم والكتابة، بل وبتفسير القرآن، وبشرح الحديث أخطئوا في هذا المعنى، وضلوا فيه؛ بسبب بعد عهدهم بالنبوة، وبسبب كثرة الواقعين في ذلك، فتوارثوا هذا الشيء وصار كأنه أمر مسلم لا خطأ فيه، ولا ينكره أحد، فقبلوه، وهذا مثل ما يقول كثير من المتكلمين: معنى الإله: هو القادر على الاختراع، وهذا من أكبر الخطأ؛ لهذا يقول بعض العلماء: من اعتقد هذا فهو مشرك، والإله ليس معناه: القادر على الاختراع، بل الإله معناه الذي جاء به الرسول ﷺ : ألا يعبد إلا هو جل وعلا، أما القادر على الاختراع فهو معنى الرب، وكذلك بعض المفسرين -الذين تفاسيرهم مشهورة- أكثروا من ذكر هذا المعنى في تفاسيرهم، حتى إن أحدهم لما جاء إلى قصة بني إسرائيل مع موسى حرف الكلام، وقال: هذا لا يعقل أن يقع، فجاء بأمور عجيبة! والسبب أنه اعتقد أن قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] أن معناه: اجعل لنا رباً مثل الله، وهذا هو الذي دعاه إلى التحريف والتأويل، وهذا خطأ من الأصل: خطأ في الفهم، وخطأ في الشيء الذي بنى عليه، فإذا كان مثل هذا يقع من علماء كبار، فيخشى أن يقع ممن لم يصل إلى ما وصلوا إليه في العلم.
فالمقصود: أن الإنسان يجب أن يعتني بهذا الأمر كثيراً، وألاّ يفرط في ذلك بعدم السؤال وعدم البحث؛ لأن هذا أمر مهم جداً، الإنسان ليس له إلا عمر واحد وحياة واحدة، فإذا ذهبت حياته وهو على غير الهدى فمن أين له أن يستدرك ذلك؟! فينبغي أن يهتم بنفسه قبل فوت الأوان.
стр. 459
العبرة بالمعاني والأحكام لا بالأسماء
قال الشارح ﵀: [وفيها: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمى دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيماً ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك.
قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) بضم الموحدة وضم السين أي: طرقهم ومناهجهم، وقد يجوز فتح السين على الإفراد أي: طريقهم، وهذا خبر صحيح، والواقع من كثير من هذه الأمة يشهد له، وفيه علم من أعلام النبوة من حيث إنه وقع كما أخبر به ﷺ .
وفي الحديث: النهى عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد ﵌].
يعني: أن ما يفعله اليهود والنصارى -سواءً كان من الأمور الدينية أو من الأمور الاعتيادية- لا يجوز لمسلم أن يتشبه بهم ويقتدي بهم في ذلك، إلا إذا جاء الدليل من الكتاب والسنة على أن هذا مشروع لنا، فلا ننظر إلى فعلهم، يعني: وافقونا أو لم يوافقونا، بل نتبع كتابنا وسنة رسولنا ﷺ ، أما إذا لم يأت دليل على مشروعيته؛ فإنه لا يجوز لنا أن نفعل ذلك؛ لأنه يكون تشبه بهم.
стр. 460
المسائل التي يسأل عنها الإنسان في قبره
قال الشارح ﵀: [وفيه التنبيه على مسائل القبر أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما: ما دينك؟ فمن قولهم: (اجعل لنا إلهاً) إلخ].
قوله: فيه التنبيه على مسائل القبر، أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلهاً، المقصود بهذا: أن يقول: إن الأصول الثلاثة كانت معروفة وواضحة، والأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها الإنسان في قبره، وهي معرفة الإنسان لربه، ومعرفته لنبيه ﷺ ، ومعرفته لدينه، ويقول: إن هذا شيء متقرر عندهم وواضح، وإن كان التنبيه على ذلك جاء من الوحي، ولكن فيه ما هو واضح وجلي، فاتفق الوحي والفطرة والعقل عليه، وهذا معنى قوله: أما من ربك؟ فواضح، يعني: أن الدلائل على معرفة الله جل وعلا متواترة ومتكاثرة، وموجودة في النفوس بالفطر، وموجودة في الآيات، وموجودة في المخلوقات، وكذلك دعت إلى ذلك الشرائع التي جاءت بها الرسل، هذا معنى قوله: أما: من ربك؟ فواضح، يعني: وضوح من ناحية الدلائل الظاهرة البينة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال (﴿كل مولود يولد على الفطرة).
следующие страницы →