← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

النذر عبادة لا تكون إلا لله، والنذر للقبور شرك قال الشارح ﵀: [ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له]. معنى قولهم: تقبل النذر، يعني: إذا نذر لها حصل بالمنذور الذي طلبه الناذر، هذا معنى قولهم: تقبل النذر، يعني: أننا إذا سألناها وقدمنا إليها بما يقدم لها من ذبح أو مال أنه يحصل لنا مطلوبنا، فمعنى ذلك: أنها تستجيب، وأنها تسعدنا بمطلبنا، وهذا هو الشرك الأكبر بعينه، فالعبادة يجب أن تكون لله جل وعلا، ولا يجوز أن تكون لغيره مهما كانت كبيرة أو صغيرة، بل يجب أن تكون لله وحده، وإلا وقع الإنسان في الشرك والمخالفات. قال الشارح ﵀: [وسيأتي ما يتعلق بهذا الباب عند قوله ﵌: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)]. المقصود بهذا أنه صلوات الله وسلامه عليه سأل ربه أن لا يكون قبره وثناً يعبد، فمفهوم هذا أنه لو قدر -ولا يكون إن شاء الله- يعبد قبره فسيكون وثناً. فإذاً: قبور غيره بنبغي من باب أولى أن تسمى أوثاناً، والواقع أن العبادة ما تقع عليه، وإنما تقع على من زين هذا وأمر به، وإلا فالعابد والمعبود إذا كان قد رضي بهذا فكلاهما سواء، ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: (الطاغوت كل من عبد من دون الله) وإن كان بعض الناس استدرك عليه، وقال: ينبغي أن يقيد هذا، وأن يقال: كل من عبد من دون الله وهو راضٍ؛ لأن كثيراً من الرسل كعيسى ﵇ وعزير، وكذلك كثير من الأولياء يُعَبدون من دون الله وليسوا طواغيت، ولكن مقصود القائل بهذا أن من تقع عليه العبادة بالصورة أنه طاغوت؛ لأنه معبود، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ في ذكر الشفاعة الكبرى؛ عندما يقف الناس الوقوف الطويل العظيم ثم يلهمهم الله جل وعلا -إذا أراد أن يرحمهم- بأن يطلبوا الشفاعة، فيطلبون الشفاعة من الرسل، وكل واحد يدفعها إلى من بعده من أولي العزم حتى تصل إلى سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيشفع، وذكر صفة الشفاعة أنه يذهب إلى مكان معين تحت العرش فيخر ساجداً، ويفتح الله عليه من المحامد والثناء الشيء الذي يرضى الله جل وعلا به. ثم بعد ذلك يقول له: اشفع، وقبل أن يقول له: اشفع لا يشفع؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيسأل ربه أن يأتي ليفصل بين خلقه ويحاسبهم، هذه هي الشفاعة الكبرى، وهي شاملة لجميع الأمم ليست خاصة بالأمة هذه، ولهذا سمي هذا المقام بالمقام المحمود التي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهذا مثل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حقيقة الشفاعة: إن في الشفاعة إرادة رحمة الله بالمشفوع وإظهار كرامة الشافع، هذه حقيقتها، وإلا فهي لله كما قال جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]. والمقصود: أنه إذا جاء ربنا جل وعلا ليحاسب عباده فهو الذي يتولى المحاسبة جل وعلا، كما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن كل واحد منكم سيلقى ربه فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، فيقول: يا عبدي! ألم تفعل كذا وكذا في وقت كذا وكذا) إلى آخره. ولكن هذا للمؤمنين الذين يحاسبون هذه المحاسبة، ويسألون هذه المساءلة، أما الخلق وعموم الكفار والمشركين فإنه إذا جاء جل وعلا ليفصل بينهم، يكلمهم جميعاً، ويقول تعالى وتقدس: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) فكلهم يقولون: بلى يا رب! هذا عدلك، عند ذلك قال صلوات الله وسلامه عليه: (فيؤتى بكل معبود في الدنيا إلى عابده، ومن كان يعبد المسيح وعزير والملائكة، يؤتى بشياطين على صور تلك المعبودات، ثم يقال لهم: اتبعوهم إلى جهنم، فيتبعونهم) وهذا كما قال الله جل وعلا في كتابه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: العابد والمعبود، أما إذا كان المعبود نبياً أو صالحاً فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، لأنهم في الواقع ما عبدوهم، وإنما عبدوا شيطاناً زين لهم هذا الشيء، ولهذا يؤتى بذلك الشيطان على صورة ما يتخيله العابد، فيقال له: هذا معبودك فاتبعه.

стр. 457

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٣٩] الدلائل على معرفة الله جل وعلا كثيرة ومبثوثة في الإنسان وفي الكون، وكذلك الدلائل على صدق نبوة محمد ﷺ كثيرة ومتوافرة، ومنها: القرآن الكريم الذي تحدى به عمالقة البيان، وأرباب الفصاحة، ومنها إخباره بأمور غيبية، تحققت في حياته، وجاءت كما أخبر، وغير ذلك من الآيات الدالة على صدقه ونبوته ﵊.

стр. 458

التبرك بالأشجار والقبور والأحجار شرك قال الشارح ﵀: [وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك، ولا يُغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة، فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسناً وطلبوه من النبي ﵌، حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله واتخذوه قربة]. هناك كثيرون ممن اشتغلوا بالكلام وبالعلم والكتابة، بل وبتفسير القرآن، وبشرح الحديث أخطئوا في هذا المعنى، وضلوا فيه؛ بسبب بعد عهدهم بالنبوة، وبسبب كثرة الواقعين في ذلك، فتوارثوا هذا الشيء وصار كأنه أمر مسلم لا خطأ فيه، ولا ينكره أحد، فقبلوه، وهذا مثل ما يقول كثير من المتكلمين: معنى الإله: هو القادر على الاختراع، وهذا من أكبر الخطأ؛ لهذا يقول بعض العلماء: من اعتقد هذا فهو مشرك، والإله ليس معناه: القادر على الاختراع، بل الإله معناه الذي جاء به الرسول ﷺ : ألا يعبد إلا هو جل وعلا، أما القادر على الاختراع فهو معنى الرب، وكذلك بعض المفسرين -الذين تفاسيرهم مشهورة- أكثروا من ذكر هذا المعنى في تفاسيرهم، حتى إن أحدهم لما جاء إلى قصة بني إسرائيل مع موسى حرف الكلام، وقال: هذا لا يعقل أن يقع، فجاء بأمور عجيبة! والسبب أنه اعتقد أن قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] أن معناه: اجعل لنا رباً مثل الله، وهذا هو الذي دعاه إلى التحريف والتأويل، وهذا خطأ من الأصل: خطأ في الفهم، وخطأ في الشيء الذي بنى عليه، فإذا كان مثل هذا يقع من علماء كبار، فيخشى أن يقع ممن لم يصل إلى ما وصلوا إليه في العلم. فالمقصود: أن الإنسان يجب أن يعتني بهذا الأمر كثيراً، وألاّ يفرط في ذلك بعدم السؤال وعدم البحث؛ لأن هذا أمر مهم جداً، الإنسان ليس له إلا عمر واحد وحياة واحدة، فإذا ذهبت حياته وهو على غير الهدى فمن أين له أن يستدرك ذلك؟! فينبغي أن يهتم بنفسه قبل فوت الأوان.

стр. 459

العبرة بالمعاني والأحكام لا بالأسماء قال الشارح ﵀: [وفيها: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمى دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيماً ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك. قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم) بضم الموحدة وضم السين أي: طرقهم ومناهجهم، وقد يجوز فتح السين على الإفراد أي: طريقهم، وهذا خبر صحيح، والواقع من كثير من هذه الأمة يشهد له، وفيه علم من أعلام النبوة من حيث إنه وقع كما أخبر به ﷺ . وفي الحديث: النهى عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد ﵌]. يعني: أن ما يفعله اليهود والنصارى -سواءً كان من الأمور الدينية أو من الأمور الاعتيادية- لا يجوز لمسلم أن يتشبه بهم ويقتدي بهم في ذلك، إلا إذا جاء الدليل من الكتاب والسنة على أن هذا مشروع لنا، فلا ننظر إلى فعلهم، يعني: وافقونا أو لم يوافقونا، بل نتبع كتابنا وسنة رسولنا ﷺ ، أما إذا لم يأت دليل على مشروعيته؛ فإنه لا يجوز لنا أن نفعل ذلك؛ لأنه يكون تشبه بهم.

стр. 460

المسائل التي يسأل عنها الإنسان في قبره قال الشارح ﵀: [وفيه التنبيه على مسائل القبر أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما: ما دينك؟ فمن قولهم: (اجعل لنا إلهاً) إلخ]. قوله: فيه التنبيه على مسائل القبر، أما: من ربك؟ فواضح، وأما: من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلهاً، المقصود بهذا: أن يقول: إن الأصول الثلاثة كانت معروفة وواضحة، والأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها الإنسان في قبره، وهي معرفة الإنسان لربه، ومعرفته لنبيه ﷺ ، ومعرفته لدينه، ويقول: إن هذا شيء متقرر عندهم وواضح، وإن كان التنبيه على ذلك جاء من الوحي، ولكن فيه ما هو واضح وجلي، فاتفق الوحي والفطرة والعقل عليه، وهذا معنى قوله: أما من ربك؟ فواضح، يعني: أن الدلائل على معرفة الله جل وعلا متواترة ومتكاثرة، وموجودة في النفوس بالفطر، وموجودة في الآيات، وموجودة في المخلوقات، وكذلك دعت إلى ذلك الشرائع التي جاءت بها الرسل، هذا معنى قوله: أما: من ربك؟ فواضح، يعني: وضوح من ناحية الدلائل الظاهرة البينة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال (﴿كل مولود يولد على الفطرة).

стр. 461

بعض الدلائل على معرفة الله والمقصود بالفطرة التي ذكرها في هذا الحديث -على القول الصواب الصحيح: أنها ما خُلق عليه الإنسان من حبه للدين وإيثاره وقبوله له، وكما أنه فطر على التقام ثدي أمه إذا خرج من بطنها فكذلك فطر على دين الله، فهي خلقة خلقه الله جل وعلا عليها، وخلقها فيه، وإنما يغير هذه الفطرة المربي الذي يربيه، فإذا تركت فإنه عارف قابل، وليس معنى ذلك أنه يخرج من بطن أمه عالماً بالإسلام عارفاً به، ولكنه مؤثراً له وقابلاً له ومستعداً لقبوله، بل يكون استكنانه به في قلبه ومحبته له مثل استكنان قبوله لثدي أمه، فهو مفطور على هذه الفطرة. ولهذا إذا وقع الإنسان في كرب وفي شدة يهرع إلى ربه جل وعلا ويسأله، ويرفع يديه إليه متضرعاً داعياً مستغيثاً، فهذا من ناحية الفطرة وناحية النفس. أما من ناحية الآيات المشاهدة في المخلوقات فهي كثيرة جداً: في الأرض، وفي السماء، وفي النبات، وفي الأنفس، وفي غير ذلك، وقد نبه الله جل وعلا على شيء من ذلك فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، والأمر في هذا واضح، وقال سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يعني: هناك آيات في الأنفس، ولهذا أكثر الله جل وعلا من تنبيه الناس إلى النظر إلى خلقهم، فقال: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]؛ لأن هذه من أكبر العبر، وأكبر الأدلة على الله جل وعلا، فكون أصله ماء مهين، قطرة ماء ثم يخلق منها عظام وأعصاب ولحم، ويفتح له جوف فيه قلبه، وفيه الأشياء التي لا يمكن أن يكون للأب أو من الخلق في ذلك تصرف، ثم يكون بعد ذلك ذكراً أو أنثى، ويجعل فيه السمع والبصر والعقل وأشياء كثيرة، كل هذا ليعتبر الإنسان في خلقه، فإن فيه هذه الآيات الباهرة التي تدل على وجود الله، ولهذا نبه عليها جل وعلا. وكذلك المخلوقات: في السماء، وفي الأرض، وفي اختلاف الليل والنهار، وفي النجوم، وفي الشمس، والقمر، والجبال، والسحاب، والمطر وغيرها، إذا نظر الإنسان إليها بعقله فإنه يتبين له ذلك، وجاءت الرسل بالوحي مؤيدة في هذا، ولهذا لما أعرض بعض الكفار عن رسلهم، وكذبوا ما قالوا لهم، قال لهم رسلهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ﴾ [إبراهيم:١٠]، يعني: هذا أمر مسلم، فهذا معنى قوله: (أما: من ربك؟ فواضح) أي: جلي لكل عاقل يبصر ذلك أو يضطر إليه، ولكن الإعراض والتكبر والعادات قد يغفل الإنسان بسببها عن هذا.

стр. 462

بعض المعجزات والدلائل على صدق نبوة النبي ﷺ وقوله: (وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب) يعني: معرفة النبي جاءت بالآيات التي جاء بها، وبالمعجزات التي دلت على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وهي كثيرة؛ لهذا قال: (فمن إخباره بأنباء الغيب) يعني: هذا شيء منها، وإلا فهي كثيرة جداً، منها: ما هو متصف به صلوات الله وسلامه عليه بنفسه من الصدق والأمانة ومراقبة الله جل وعلا، ومنها التحدي، فكونه يأتي إلى قوم كفار فيخالفهم في دينهم، ويخبرهم بأنه منابذ لهم ومعادٍ لهم على هذا الدين، وأنه يلزمهم ترك دينهم ومتابعته، فإن لم يفعلوا فإنه سوف يكون عذابهم في الدنيا والآخرة، ويتوعدهم على هذا وهو وحده، وليس معه سلطان ولا جيش ولا قوة، وحده يقوم أمام أمة تخالفه وتعاديه وتنابذه فيتحداهم بهذا الشيء، ويقول لهم: إنكم لن تصلوا إليَّ بسوء، إذا لم يرده الله جل وعلا بي. وهكذا كانت الرسل، كما قال هود ﵇ لقومه لما قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦]، وهكذا الرسل كلهم قالوا هذه المقالة، وآخرهم وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فهذا دليل من أعظم الأدلة على صدقه حيث تبين ثقته وصدقه: ثقته بالله جل وعلا بتحدي هؤلاء الذين يعاديهم ويعادونه، ثم يخبرهم أنهم لن يصلوا إليه، وإذا قام أحدهم يريد به كيداً أو أذىً وتوعده وقال له: سوف أقتلك؟ يقول ﷺ له: بل أنا الذي أقتلك، ثم يصبح خائفاً من هذا القول؛ لأنهم عرفوا صدقه، وعرفوا أنه لا يقول قولاً إلا ويرون صدقه. ولهذا لما أنزل الله جل وعلا عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] خشي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون قصر في الإنذار والدعوة، فقام مسرعاً، وصعد على الصفا، وصار يهتف: (واصباحاه) وكانت عادة العرب إذا دهم الإنسان أمر قريب يقول كذا، فاجتمعوا إليه، والذي لم يأت إليه بنفسه أرسل من ينوب عنه من ولد أو أخ أو غير ذلك، فلما اجتمعوا قال لهم: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشاً يريد أخذكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبة واحدة) فهم كانوا يعرفون صدقه وأمانته. ثم كذلك الآيات الأخرى، مثل: انشقاق القمر، فلما طلبوا منه آية انشق القمر، وصار فلقتين: فلقة من جهة الشمال، وفلقة من جهة الجنوب في السماء، فصار يريهم ويقول: (اللهم اشهد) ومع ذلك قالوا: هذا سحر، يا للعجب، السحر يصل إلى القمر؟!! لكنه التكبر والعناد والإباء. وكذلك إجابة دعوته، فقد كان يدعو بالدعاء فيُستجاب. وكذلك القرآن الذي نزل عليه، تحداهم -وهم أمراء البيان في البلاغة والفصاحة- أن يأتوا بأقصر سورة من سوره فلم يستطيعوا وعجزوا، والعاقل من الناس من لم تسول له نفسه أن يفعل شيئاً من ذلك؛ لأنه أمر لا يطاق، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]، وهذا يدخل فيه بعضه ليس كله. أما سخفاء العقول الذين تزين لهم شياطينهم، ويزين لهم توهمهم وطغيانهم في السيطرة والرئاسة إذا جاءوا بشيء من هذا صاروا أضحوكة للعقلاء، مثل ما فعل مسيلمة فقد ذكر ابن كثير ﵀ وغيره من المؤرخين: أن عمرو بن العاص قبل أن يسلم كان صديقاً لـ مسيلمة، وأنه اجتمع به فسأله: ماذا أنزل على صاحبكم؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة بليغة وجيزة، قال: ما هي؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ [العصر:١ - ٣] ففكر في نفسه قليلاً ثم قال: وأنا أنزل عليّ مثلها، قال: ما هي؟ قال: يا وبر يا وبر! إنما أنت رأس وصدر، وباقيك حقر نقر، ماذا تقول يا عمرو؟! قال: والله! إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب! فلم يكتف أن يخبر عن علمه هو، بل قال: أنت تعرف في نفسك أني أعلم أنك كاذب، يعني: أنك تكذب كذباً واضحاً جلياً، وهكذا كل من تحاول له نفسه أن يأتي بشيء من ذلك يصبح أضحوكة للناس، فهذا من أعظم الآيات التي أوتيها رسول الله ﷺ . ولكن لا يعرف هذا على الوجه المطلوب إلا الذي يعرف لغة العرب، ويعرف الفصاحة والبلاغة. ومنها: الأمور التي تقع على خلاف العادة التي أجراها الله جل وعلا في خلقه على يد رسوله ﷺ ، مثل: كون الماء القليل يكفي الجيش بأكمله، وخروج الماء من بين أصابعه ﷺ ، وينبع منها كأنها عيون، فيشربون ويتوضئون من هذا الإناء، وكذلك الطعام القليل الذي يكون مصنوعاً لثلاثة فقط يكفي الجيش بأكمله، ثم يبقى كما هو كأنه لم يؤكل منه شيء إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وقعت له صلوات الله وسلامه عليه. ومن المعلوم -عند كل إنسان له عقل يفكر- أن الذي يأتي إلى الناس ويقول: أنا نبي، أنه أحد رجلين: إما أن يكون أتقى الناس وأبر الناس وأصدق الناس وأقرب الناس إلى الله، أو يكون أكذب الناس وأفجر الناس وأبعدهم من الله جل وعلا، ولا يمكن أن يلتبس هذا بهذا، بل مستحيل أن يلتبس هذا بهذا؛ لأنه إما أن يكون صادقاً براً رسولاً حقاً، أو يكون كاذباً على الله، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٢] أي: قد تناهى في الظلم، وهذا معنى قوله: (وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب). وقوله: (وأما ما دينك؟ فمن قولهم: ((اجعل لنا إلهاً)) يعني: أنه متقرر عندهم أن الدين مبني على وروده من الرسول ﷺ ، على الأمر والنهي، وليس بالاستحسان ولا بالعقل ولا بالأوضاع التي وجد عليها الناس، وهذا هو الذي يسأل عنه الإنسان في قبره، ويقال له: ما دينك؟ فإذا أجاب الإنسان، قيل له: وما يدريك أن هذا هو دينك؟ فإما أن يقول: وجدت الناس على شيء ففعلت مثل فعلهم، أو يقول: قرأت كتاب الله وآمنت به، فإن كان الأول: فهو الضال المرتاب الذي يعذب، وإن كان الثاني: فهو المؤمن، هذا هو معنى ما ذكره في هذا التنبيه. قال الشارح ﵀: [وفيه: أن الشرك لابد أن يقع في هذه الأمة خلافاً لمن ادعى خلاف ذلك]. هذا مأخوذ من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) والذين قبلنا وقعوا في الشرك، ووقعوا في أشياء كثيرة، والرسول ﷺ إذا أخبر بخبر فلابد من وقوعه؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى.

стр. 463

غضب النبي ﷺ إذا انتهكت محارم الله قال الشارح ﵀: [وفيه: الغضب عند التعليم، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى فإنه قاله لنا لنحذره، قاله المصنف ﵀]. أما الغضب عند التعليم فهذا إذا اقتضى الأمر ذلك، وهذا يؤخذ من قوله: سبحان الله، أو قوله: الله أكبر على حسب ما جاء في الرواية، ففي رواية أنه قال: (الله أكبر! الله أكبر!)، وفي رواية أنه قال: (سبحان الله! سبحان الله!) وهذا يدل على أنه غضب؛ لأن هذا تنزيه لله جل وعلا وتكبير له، أن يجعل لهم سدرة يعكفون عندها ويعلقون فيها أسلحتهم ويتبركون بها، وقد وقع له صلوات الله وسلامه عليه نظير هذا في بعض المسائل، كما سيأتي في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد في القصة التي سيذكرها المؤلف وهي: (أن أعرابياً أتى إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله! استسق لنا، فقد جاع العيال، ومات الحلال، وانقطعت السبل، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فأكبر صلوات الله وسلامه عليه ذلك القول، وقال: ويحك أتدري ما الله؟!.) إلى آخره، فهذا مثله أيضاً، وهكذا صلوات الله وسلامه عليه إذا انتهك شيء من حقوق الله فإنه يغضب، ولا أحد يقوم لغضبه صلوات الله وسلامه عليه. أما عند التعليم دون أن يكون هناك انتهاك لمحارم الله فهو أكمل الناس خلقاً، وأتمهم حلماً، ويسع الجاهل ما لا يسعه غيره، ولهذا لما دخل الأعرابي إلى المسجد فأناخ بعيره في المسجد، ثم جلس يبول في المسجد انتهره الناس، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: (دعوه، لا تزرموه، فتركه حتى انتهى ثم دعاه، فقال: إن المساجد لا تصلح لهذ، اوأمر بأن يصب على البول ذنوباً من ماء)، وفي الحديث الصحيح من حديث أنس أن أعرابياً لقيه صلوات الله وسلامه عليه، وعليه درع غليظ الحاشية، فأمسك بالنبي ﷺ وجبذه جبذة شديدة، يقول أنس: حتى رأيت أثرها في رقبة رسول الله ﷺ ، أي: يكاد الدم يخرج، يقول: فلم يعنف عليه، وأمر أن يحسن إليه، إلى غير ذلك. فصلوات الله وسلامه عليه كان يعلم الجاهل برفق ولين، وأما إذا انتهكت المحارم فإنه يغضب لله جل وعلا، ولما جاءه الذي يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت غضب، والمرأة المخزومية هي من قريش، فثقل ذلك على بعض رجالات قريش، وقالوا: كيف تقطع يدها وهي شريفة وهي كذا وكذا؟! ثم قالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ، قالوا: ما أحد يجرأ على كلامه إلا ابن حبه أسامة بن زيد، فكلموه، فذهب وكلمه فغضب صلوات الله وسلامه عليه وقال: (تشفع في حد من حدود الله؟ وأيم الله! لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها، إنما جاء النقص على بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم تركوه، وإذا سرق الوضيع فيهم أقاموا عليه الحد) والمقصود: أن غضبه ليس دائماً، وإنما هو عند انتهاك المحارم. وأما قوله: وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى فإنه قاله لنا لنحذره فهذا واضح؛ لأن اليهود في قصتهم مع نبيهم شيء قد مضى أمره وانتهى، وهم أيضاً لم يؤمنوا برسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وإنما الذي آمن به منهم-في وقته- قلة لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، فهذا في وقته، وكونه جل وعلا يذكر ذلك الأمر إنما أراد به أن يبين ما فعلوه وذموا عليه لئلا نقع في ذلك، وهذا في جميع القرآن وليس خاصاً ببني إسرائيل، بل كل القصص التي جاءت عن الأمم وعن الأنبياء نحن المقصودون بها؛ لأن هذه سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، من خالف الرسل وكذبهم وعصاهم فإن مصيره إلى ما صار إليه أولئك المخالفون لرسلهم، ومن أطاع الرسل واتبعهم ونصر الله ودينه، فالعاقبة تكون له في الدنيا والسعادة في الآخرة، هذا هو مضمون القصص الذي قصه الله جل وعلا علينا في القرآن، سواء عن بني إسرائيل أو عن غيرهم.

стр. 464

الأدلة على عدم جواز التبرك بآثار الصالحين قال الشارح ﵀: [وأما ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع من وجوه: منها: أن السابقين الأولين من الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي ﷺ ، لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وأفضل الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقد شهد لهم رسول الله ﷺ فيمن شهد له بالجنة، وما فعله أحد من الصحابة والتابعين مع أحد من هؤلاء السادة، ولا فعله التابعون مع ساداتهم في العلم والدين وأهل الأسوة، فلا يجوز أن يقاس على رسول الله ﷺ أحد من الأمة، وللنبي ﷺ في حال الحياة خصائص كثيرة لا يصلح أن يشاركه فيها غيره. ومنها: أن في المنع عن ذلك سداً لذريعة الشرك كما لا يخفى]. يقول بعض المتأخرين مثل الإمام النووي ﵀ وغيره: قد جاءت بعض الأحاديث التي فيها أن الرسول ﷺ كان يوزع شعره على صحابته للتبرك به، وكذلك كان إذا توضأ سارعوا إلى فضلة وضوئه يتبركون بها، وإذا تفل أو تنخم صلوات الله وسلامه عليه أحب كل واحد منهم أن تكون بيده حتى يدلك بها وجهه؛ تبركاً به صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا أمكن أحدهم أن يأخذ شيئاً من ثيابه التي تلي جسده أخذها، وبعض الصحابيات التي لها صلة بالرسول ﷺ كان إذا عرق تأخذ عرقه وتضعه في الطيب؛ لأن عرقه صلوات الله وسلامه عليه أحسن من الطيب، والمقصود أن هذا شيء مشهور ومعروف، فكانوا إذا جاءوا إلى مثل هذه القضايا قالوا: هذا فيه جواز التبرك بالصالحين وبآثارهم، والمؤلف هنا يقول: هذا خطأ من وجوه: الوجه الأول: أن هذا خاص بالنبي ﷺ ، بدليل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا هذا مع أحد منهم، فما فعلوه مع أبي بكر ولا مع عمر ولا مع عثمان ولا مع علي، ولا مع غيرهم من سادات الصحابة، وهم أعلم برسول ﷺ وبما أنزل عليه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. الوجه الثاني: أنه لا يجوز أن يقاس غير الرسول ﷺ عليه، وهذا لا يقول به من يعرف رسول الله ﷺ ، فلا يجوز أن يقاس آحاد الناس على رسول الله ﷺ في هذا، بل ولا يجوز أن يدان به، وهذا قياس مع الفارق البعيد جداً، فإذا جاء القياس مع الفارق فهو قياس باطل غير معتبر شرعاً. الوجه الثالث: أن هذا فيه سد للذرائع كما قال المؤلف، وهي قاعدة معروفة في الشرع، والمعنى: أننا لو أجزنا ذلك لجر هذا إلى ما لا يجوز، ولصار طريقاً إلى الشرك وإلى سؤاله والتوسل به، وما أشبه ذلك، وكل ما كان وسيلة إلى ما هو محرم فممنوع. وهناك أيضاً وجه رابع لم يذكره المؤلف وهو: أن الصلاح أمر لا يعرف إلا من قبل الوحي؛ لأنه في القلب وليس للإنسان إلا الظاهر، فيجوز أن يكون في الباطن غير ما هو في الظاهر، ويجوز أن يتبدل في آخر حياته ويتغير، بخلاف الذين أخبر الله جل وعلا -كالصحابة- أنه رضي عنهم؛ فإن الله لا يخبر جل وعلا عن شيء يتبدل ويتغير. فإذا قال قائل: هذا من التبرك بالصالحين قلنا: هذا أمر مظنون غير متيقن، وإنما هو من باب الظن، وباب الظن لا يجوز أن تبنى عليه الأحكام في مثل هذا، إلى غير ذلك من الأوجه التي تمنع ذلك، وكل وجه من هذه الأوجه يكفي في منع ذلك. والخلاصة: أن التبرك بالآثار ومماسة الجسد وما أشبه ذلك خاص برسول الله ﷺ ، فهو من خصائصه لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الناس. وأما والذين استدلوا بفعل ابن عمر، ففعل ابن عمر كان اتباع آثار الرسول ﷺ ، وليس من هذا الباب، وإنما هو اتباع آثاره، يعني: كان يتتبع الأثر الذي صلى فيه الرسول فيصلي فيه، والمكان الذي جلس فيه فيجلس فيه، وما أشبه ذلك؛ لأنه كان يرى أن هذا سنة، وأنه اتباع للرسول ﷺ ، فليس من باب التبرك، وإنما الكلام في التبرك بما لامس جسد رسول الله ﷺ أو انفصل عنه، وهذا شيء معروف عند الصحابة رضوان الله عليهم حتى أنه جاءت الأحاديث فيه إلى حد التواتر.

стр. 465

مسائل باب: (من تبرك بشجرة أو حجر ونحوها) قال المصنف ﵀: [وفيه مسائل: المسألة الأولى: تفسير آية النجم]. المقصود بآية النجم قوله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:١٩ - ٢١]، فهذه الآيات إلى آخرها قد مر معناها. [المسألة الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا]. يعني: معرفة صورة الأمر الذي طلبوه من رسول الله ﷺ ، وهو أنهم ظنوا أن هذا أمر مقرب إلى الله، وأنه محبوب لله جل وعلا ولرسوله، أما لو كانوا يعرفون أنه منكر، وأنه داخل في أقسام الشرك، ويناقض معنى لا إله إلا الله فلا يمكن أن يقدموا عليه ويطلبوه، ومعنى ذلك: أن الإنسان لا يعذر بالجهل في مثل هذه الأبواب؛ لأن الرسول ﷺ أنكر عليهم وأغلظ لهم في ذلك. [المسألة الثالثة: كونهم لم يفعلوا]. يعني: أنهم طلبوا ولم يفعلوا حتى لا يقال: إن هذا فيه العذر للجاهل، وإنه معذور في هذا الباب؛ وسبق أنه يضاف إلى هذا أنهم حدثاء عهد بشرك، يعني: عهدهم بالشرك قريب، ولم يعرفوا ما يعرفه غيرهم ممن سبقهم إلى الدين، وأن غيرهم يعرف أنه لا يجوز. [المسألة الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه]. هذا يدلنا على أن التقرب إلى الله جل وعلا لا يجوز إلا بالشرع الذي جاء به الرسول ﷺ ، يعني: إذا كان الإنسان قصده حسناً، ولكن فعل ما هو مخالف للشرع، فإن هذا لا يبرر الفعل المخالف، بل يجب إنكاره، ويعاقب عليه ولا يثاب؛ لأن الله جل وعلا قد أنزل الكتاب، والرسول ﷺ قد بلغ، فليس للناس عذر في جهلهم دينهم الذي جاءهم به الرسول ﷺ ، والعلماء أخذوا من هذا قاعدة وهي: أن العبادات ممنوعة -أصلها ممنوع- حتى يأتي الأمر بها، فالأصل في العبادة المنع والتحريم حتى يأتي الشرع بالإذن بها، بخلاف الأمور المباحة: مثل المعاملات والمأكولات والمطعومات وغيرها، فإن الأصل فيها الحل حتى يأتي الشرع بتحريمها، يعني: عكس العبادات. قال الماتن ﵀: [المسألة الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل]. يقصد الناس الذين جاءوا بعدهم وليسوا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن صحبة الرسول ﷺ بركة، ولا يمكن أن يكون من يأتي بعدهم مثلهم، ولهذا أخبر الرسول ﷺ أن خير الخلق بعد الأنبياء هم الذين صحبوه فقال: (خير الناس القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). [المسألة السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم]. قصده بهذا: أنه لو قدر أن هذا من الإثم ومن الشرك فإنهم ليسوا كغيرهم، فلهم من السوابق والحسنات ما لا يصل إليه غيرهم، ولكن الإنسان إذا جاء بشرك لا ينظر إلى حسناته؛ لأن الله جل وعلا يقول لنبيه ولمن سبقه من الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، والله ليس بينه وبين أحد من الخلق نسب ولا صلة إلا بالطاعة والعبادة، ولما ذكر أفضل الخلق وهم الأنبياء قال بعد قصصهم والثناء عليهم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، فالشرك يحبط الأعمال كلها، وهو أعظم الذنوب التي يعصى بها الله جل وعلا، نسأل الله العافية، ولهذا أخبر جل وعلا أن الذي يموت عليه يكون خالداً في النار، لكن الإنسان -مثلاً- قد يقع في مخالفة ثم يكون معذوراً لأسباب: إما لأنه لم يبلغه الأمر، أو أنه جهل وظن أن هذا مشروعاً ووقع فيه، أما إذا كان لا يجهل ذلك فهذا لا يعذر. [المسألة السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم في الأمر، بل رد عليهم بقوله: (الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم) فغلظ الأمر بهذه الثلاث]. يعني: تغليظه لهم في قولهم ذلك، فإنه ذكر الآية بعد قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) وهذا من باب التغليظ لهم للأمر، وهو الواقع الظاهر، ويكفي في هذا قوله ﷺ : (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى).

стр. 466

ترك الشرك من معاني (لا إله إلا الله) [المسألة الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بنى إسرائيل لما قالوا لموسى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨]. المسألة التاسعة: أن نفى هذا من معنى (لا إله إلا الله)، مع دقته وخفائه على أولئك]. يعني: أن ردّ هذا الطلب وبيان أنه من الشرك من معاني (لا إله إلا الله)؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أن لا يؤله ويعبد إلا الله، وطلب البركة والعكوف من العبادة، والعبادة كلها يجب أن تكون لله، وكلها داخلة في قوله: لا إله إلا الله، فلهذا قال الصحابة: إن الدين كله من الأوامر والنواهي والأحكام من حق لا إله إلا الله.

стр. 467

جواز الحلف على الفتيا [المسألة العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة] هذا ليبين المطابقة، ويبين أن هذا القول يماثل ما قال أولئك لموسى، وأنه لا فارق في المعنى بين هذا وهذا، وإن اختلف اللفظ. وكذلك ليبين أن هذا من الشرك، وأن نفيه من التوحيد، وأن هذا واجب على الإنسان؛ لأنه أكد هذا بالحلف.

стр. 468

الشرك قسمان: أكبر وأصغر [المسألة الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا]. كأنه يشير إلى أن هذا من الشرك الأصغر، وليس كذلك، بل هذا من الشرك الأكبر، فطلب الإنسان أن يكون له شجرة يتبرك بها أو يعكف عندها أو يعلق بها ثوبه أو ما أشبه ذلك حتى تحصل له البركة هذا يعد من الشرك الأكبر، وليس من الأصغر، وهذا أمر واضح. وأما ما وجه كونهم لم يرتدوا بذلك؟ فلم يرتدوا بذلك للأمرين اللذين سبق ذكرهما: لأنهم لم يفعلوا، ولأنهم كانوا جاهلين هذا؛ لقرب عهدهم بالشرك، ولأنهم لم يعرفوا التوحيد كما ينبغي، كما عرفه الذين سبقوهم، هذا هو وجه كونهم لم يرتدوا.

стр. 469

التكبر عند التعجب [المسألة الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. المسألة الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب خلافاً لمن كرهه]. بعض العلماء كره ذلك، ولكن لا دليل له على هذه الكراهة، فالسنة واضحة في هذا، وهي جاءت في أكثر من حديث.

стр. 470

التشبه بالكفار من الذرائع التي يجب سدها [المسألة الرابعة عشرة: سد الذرائع. المسألة الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية]. هذا مأخوذ من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) فإنه يفهم منه أن هذا القول فيه التحذير من اتباعهم، وقد جاء هذا صريحاً في قول رسول الله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، وكذلك التشبه بأهل الكتاب.

стр. 471

اتباع المتأخرين للمتقدمين سنة كونية [المسألة السادسة عشرة: الغضب عند التعليم. المسألة السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله ﷺ : (إنها السنن)]. قصده بالقاعدة الكلية أن الناس يتبع بعضهم بعضاً، وأن هذه سنة، ولهذا ذكر الله جل وعلا عن الأولين والآخرين أن الأنبياء إذا جاءوهم يدعونهم إلى عبادة الله جل وعلا وترك الشرك قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وكذلك كل رسول يأتي قومه يردون عليه بهذا القول، وهذا لا يزال في الناس ولن يزال، فأنت -مثلاً- إذا وجدت إنساناً ودعوته إلى أمر لا يعرفه يقول: الناس على خلاف ما تقول، فقول هذا مثل قول أولئك، يعني: أنهم وجدوا الناس قبلهم يعملون هذه الأعمال فاتبعوهم، وحجتهم هي كما قال فرعون لموسى: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] يعني: لماذا لم يعملوا بما تقول، واتبعوا خلاف ما تقول؟! فهذه هي الحجة المطّردة عند الكفار كلهم. وإبراهيم ﵇ لما كسر الأصنام وجعلها جذاذاً، ثم علق الفأس في رقبة الكبير ولم يكسره؛ حتى يكون ذلك حجة عليهم، فلما قالوا: أنت فعلت هذا بآلهتنا؟ قال: كلا، بل الذي فعله كبيرهم هذا، فسألوهم إن كانوا ينطقون؟ فعند ذلك جاء دور العقل، فنظروا ورجعوا إلى أنفسهم فقالوا: الواقع أننا ظلمة! كيف نعبد هذه وهي لا تستطيع أن تدفع عن نفسها، ولا تنطق، ولا ترد كلاماً، ولا تخبر بمن فعل بها هذا الشيء؟! ثم نكسوا، وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، فقال لهم: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٦٧] يعني: طلب منهم الحجة، كيف تعبدون هؤلاء؟ فجاء أتباع الآباء والتقليد فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤]، فهذه هي الحجة التي يملكون: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) وهل هذه حجة؟! هذه ليست حجة، وإن كانت حجة فهي حجة باطلة. ولهذا يقول عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة: (لا يكن أحدكم إمعة) يعني: إمعة مع الناس، فإن اهتدى الناس اهتدى، وإن ضل الناس ضل، بل عليه أن يستعمل عقله، ويستعمل الدليل، وينظر ما جاء به الرسول ﷺ فيتبعه. هذا معنى قوله: إنها قضية عامة في الناس، يعني: أنهم يتبعون بعضهم بعضاً، وينظرون إلى الكثرة وإلى الإرث الذي توارثوه، والعادة التي اعتادوها فيتبعونها.

стр. 472

تقليد المسلمين لأهل الكتاب علم من أعلام النبوة [المسألة الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر]. يعني: أن قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) علم من أعلام النبوة، وهذا لا يزال يقع على حسب التتبع، والناس اليوم يتبعون اليهود والنصارى شبراً بشبر، كما أخبر الرسول ﷺ ، فالشيء الذي أخبر به لابد أن يقع، وليس معنى ذلك أن في هذا الخبر إقراراً له، بل هو من باب التحذير، وأن نحذر هذا ونبتعد عنه، ومع ذلك لابد من وقوعه؛ لأن الجهل يغلب والمعاصي تكثر في الأمة، فالناس يتبعون أهل الكتاب ويكثر اتباعهم لهم، وتقليدهم لهم، وهذا الآن يزداد، فإذا نظر الإنسان في وضع الناس يجد أن أكثرهم يقلد الغرب تماماً في كل شيء، حتى أصبح الأمر أنهم يقلدونهم في الأمور السخيفة والسافلة، مثل جعل الكلاب في البيوت أو في السيارات، ومثل الأكل باليد الشمال والشرب بها، حتى صار التقليد في اللباس والمساكن وفي كل شيء، فهذه ظاهرة وقعت كما أخبر الرسول ﷺ .

стр. 473

تحريم اتباع اليهود والنصارى مأخوذ من ذم الله لهم [المسألة التاسعة عشرة: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا. المسألة العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: (اجْعَل لَنَا) إلى آخره. المسألة الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين]. ولهذا نهينا عن اتباعهم، وهذا في الأمور التي لم يأت شرعنا بها، أما ما جاء شرعنا به فلا ننظر إلى موافقتهم لنا أو مخالفتهم، بل نتبع الشرع. [المسألة الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم ﵃: (ونحن حدثاء عهد كفر)]. وهذا معناه واضح.

стр. 474

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٠] الذبح عبادة من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله ، ولعظم هذه العبادة وأهميتها قرنها الله بالصلاة في مواضع من كتابه الكريم، ولهذا كان صرفها لغير الله شرك، فإذا ذبح العبد لغير الله تقرباً إليه -كما يفعل عباد القبور في ذبحهم لقبورهم- فقد وقع في الشرك، والعياذ بالله.

стр. 475

حكم الذبح لغير الله قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء في الذبح لغير الله وقوله الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]]. قوله: باب: ما جاء في الذبح لغير الله يعني: ما جاء من المنع، وأنه من الشرك؛ لأن الذبح عبادة لله جل وعلا، بل من أجل العبادات، ولهذا استدل بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].

стр. 476

وجه اقتران النسك بالصلاة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وجه الدلالة من ذلك أن الله جل وعلا قرن النسك بالصلاة، والنسك هو: الذبيحة التي تذبح تقرباً إلى الله. فإذا ذبحت الذبيحة تقرباً إلى الله فهي عبادة من أفضل العبادات، وقد قرنت بأشرف العبادات وأعظمها التي هي الصلاة، فيكون جعلها لغير الله جل وعلا من الشرك الأكبر، ووجه الدلالة من ذلك واضح، وقد تكلم العلماء على هذه الآية وما أشبهها وكون الذبائح تقرن بالصلاة، وقالوا: إن الصلاة من أعظم الأفعال والأعمال التي يتقرب بها إلى الله؛ لأنها تشتمل على الدعاء بأنواعه، وتشتمل على القيام والركوع والسجود والقراءة والتكبير والتحميد وغير ذلك، وهي في الواقع صلة بين العبد وبين ربه، وهي أيضاً ما وصل الله جل وعلا به رسوله صلوات الله وسلامه عليه لما قربه إليه وعرج به إلى السماء، ففرض عليه الصلاة، وهذا مما يدل على عظمها وأن شأنها كبير وعظيم جداً، فهي الصلة الكبرى التي وصل الله جل وعلا بها حبيبه صلوات الله وسلامه عليه يوم قربه ورفعه إلى فوق السماوات، ففرضها عليه وأمره بها. ثم جاءت النصوص الكثيرة التي تحث عليها، وتبين أنها الصلة بين العبد وبين ربه، وأنه إذا قام فيها فإنه يناجي ربه، وإذا رفع يديه وكبر فكأنه يستأذن في الدخول على الله، فهو يقف بين يديه، وعليه أن يعلم أنه يناجي ربه، كما قال الرسول ﷺ : (إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه فلا يبصقن أمامه). فالصلاة من أعظم القربات إلى الله، ولهذا يبدأ بها جل وعلا في ذكر الأعمال، ويختم الأعمال بها كما في أول سورة المؤمنين وكذلك في سورة المعارج وغيرهما، وذكر أن الذين هم في صلاتهم خاشعون هم الذين يرثون الفردوس، إلى غير ذلك. كذلك كونه قرن النسك بها يدل على عظم هذه العبادة، يقول العلماء: يجتمع للإنسان في هاتين العبادتين ما لا يجتمع له في غيرهما؛ لأن في الذبح تقرب إلى الله جل وعلا بإزهاق الأرواح، مع كونه يحب ذلك ويؤثر المال، ومع ذلك يحب أن يتقرب ويكثر من ذلك، والذبح يجعل قلب الإنسان فرحاً بهذا الأمر، ويجعله موقناً بالله، ويجعله مستغنياً بالله، ويحصل له من الحياة ما لا يحصل للذين لا يفعلون ذلك. وكان رسول الله ﷺ كثير الذبح لله، وكثيراً ما يقرب القرابين لله جل وعلا، ففي حجته نحر مائة من الإبل، وكذلك في عمرة الحديبية، وأحياناً كان يرسل الهدي وهو في المدينة ليذبح في مكة، ويوكل من يذبحه، وكذلك كان يضحي في الأضحى، ويتقرب إلى الله جل وعلا بهذا النسك، فكل هذا يدل على أنها عبادة من أشرف العبادات، فكونها تُجعل لغير الله جل وعلا يكون هذا من الشرك الأكبر، لهذا قرنها بالصلاة في قوله جل وعلا: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) ومعنى الصلاة والنسك ظاهر، وأما قوله: (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) فمعنى ذلك: ما أحيا عليه من الأعمال وآتيه كله أتقرب به إلى الله (وَمَمَاتِي) يعني: ما أموت عليه من الإيمان، والرجاء والخوف، كله لله جل وعلا نيته وفعله وباطنه وظاهره. وأما قوله جل وعلا: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فهو مثلها تماماً، أمر الله جل وعلا رسوله ﷺ أن يصلي وينسك له وحده، وقد قال بعض العلماء: إن هذه الصلاة المقصود بها: صلاة العيد، ولكن الظاهر أنها عامة في كل صلاة، فإن الصلاة يجب أن تكون لله جل وعلا، وكذلك النسك يجب أن يكون لله، فإذا كان هكذا فصرفه لغير الله من الشرك الأكبر، وهذه الآية هي كآية سورة الأنعام. وقوله: (فَصَلِّ) جاءت الفاء مقرونة بالأمر بالصلاة، والسبب: أن الله أنعم عليه وتفضل عليه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] يعني: الخير الكثير في الدنيا والآخر، فشكر الله جل وعلا هو بالصلاة والنحر له سبحانه. وأما ما رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب أن الرسول ﷺ قال لجبريل لما نزلت هذه الآية: (ما هذه النحيرة التي أمرت بها؟ فقال له: ليست هذه نحيرة) إلى آخره، فالحديث هذا موضوع.

стр. 477

الذابح لغير الله داخل في وعيد المشركين قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في الذبح لغير الله، أي: من الوعيد وأنه شرك بالله. وقوله الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ) الآية. قال ابن كثير: يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذي يعبدون غير الله ويذبحون له: بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد: النسك الذبح في الحج والعمرة، وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: (ونسكي) أي: ذبحي وكذا قال الضحاك: وقال غيره (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: وما آتيه بحياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) خالصاً لوجهه (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ) الإخلاص (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) أي: من هذه الأمة لأن إسلام كل نبي متقدم. قال ابن كثير: وهو كما قال فإن جميع الأنبياء قبله كانت دعوتهم إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وذكر آيات في هذا المعنى. ووجه مطابقة الآية للترجمة: أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات، فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون كل ما سواه، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكاً في عبادته، وهو ظاهر في قوله: (لا شَرِيكَ لَهُ) نفى أن يكون لله تعالى شريك في هذه العبادات، وهو بحمد الله واضح. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين وهما: الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفاً من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) الآية. والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه. فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله تعالى من الكوثر. وأجل العبادات البدنية: الصلاة، وأجل العبادات المالية: النحر. وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن: أمر عجيب، وكان النبي ﷺ كثير الصلاة كثير النحر. انتهى. قلت: وقد تضمنت الصلاة من أنواع العبادات كثيراً، فمن ذلك: الدعاء والتكبير، والتسبيح والقراءة، والتسميع والثناء، والقيام والركوع، والسجود والاعتدال، وإقامة الوجه لله تعالى والإقبال عليه بالقلب، وغير ذلك مما هو مشروع في الصلاة، وكل هذه الأمور من أنواع العبادة التي لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله، وكذلك النسك يتضمن أموراً من العبادة كما تقدم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عليه].

стр. 478

الذابح لغير الله ملعون قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن علي بن أبي طالب قال: (حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غيَّر منار الأرض) رواه مسلم]. يقول رحمه الله تعالى: (باب ما جاء في الذبح لغير الله)، يعني: ما جاء فيه من الآيات من كتاب الله، والأحاديث عن رسول الله ﷺ تبين أنه من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان مصراً على ذلك بغير توبة يكون من أهل النار، بل يكون خالداً فيها، ويكون من الذين قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]؛لأنهم أشركوا بالله جل وعلا، والذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فأخبر أن المشرك مقطوع يأسه من رحمة الله جل وعلا، وأنه إذا مات على الشرك فإنه يكون هذا جزاءه. ووجه الدليل من الآيتين على أن الذبح لغير الله جل وعلا شرك واضح جلي؛ وذلك أن الله جل وعلا قرن بين الصلاة وبين النسك. وقوله جل وعلا آمراً عبده ورسوله ﷺ أن يقول: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) * (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) يعني: كونه يجعل العبادة كلها لله جل وعلا، ومنها: النسك الذي قرن بالصلاة، والنسك المقصود به: كل ما يذبح ويتقرب به، سواء تقرب بها إلى الله، أو إلى غيره فهي نسك. وكون النسك قُرن بالصلاة يدل على عظمه عند الله جل وعلا؛ لأن الصلاة هي عماد الدين، وهي من أعظم ما يتقرب به عباد الله إليه، وقد جُعلت الصلاة قرة عين رسول الله ﷺ ؛ وذلك لما فيها من العبادات المتنوعة، وأعظمها الإقبال على الله والخشوع له، وتوجيه الوجه إليه مقبلاً خاشعاً، ثم فيها الدعاء بنوعيه؛ لأن الدعاء يأتي على نوعين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وكلاهما موجود في الصلاة، وكلاهما من أعظم العبادات التي أمر الله جل وعلا بها، كما قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] فالله جل وعلا يأمر رسوله أن يقول هذا، وأمته تبع له، فكل من آمن برسول الله ﷺ يجب أن يكون هذا دينه، والصلاة المقصود بها: كل صلاة يتعبد بها سواء كانت فريضة أو نفلاً، وفي أي وقت كانت، فالصلاة من أعظم العبادة، ولا يجوز أن تكون لغير الله جل وعلا، وكذلك الذبح قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] يعني: ذبيحتي الذي أذبحها لله جل وعلا.

стр. 479

الذبح عبادة، وصرفها لغير الله شرك النسك مأخوذ من النسك وهو: التعبد، فإذا تعبد الإنسان قيل: إنه ناسك ومتنسك، والتعبد يكون بأنواع شتى، وجامع العبادة: أن تكون مأموراً بها، سواء أمر إيجاب أو أمر استحباب، أو يكون يثنى على صاحبها ويكون ممدوحاً، مما يدل على أن الله يحبه، وكل فعل أثنى الله جل وعلا على فاعله فهو داخل في العبادة؛ لأنه يحبه ويرضاه، فالذبيحة لا يجوز أن تكون مأكولة وحلالاً حتى تشتمل على التعبد لله جل وعلا بأي نوع كان، سواء كانت مما يذبح في مناسك الحج أو مما يذبح في أي مكان كان، فلابد أن يكون فيها عبادة لله جل وعلا، بأن يسمي الله جل وعلا عند ذبحها، وأن يكون الذابح أهلاً للذبح، ويكون مسلماً أو يكون ممن يؤمن بالله واليوم الآخر وله دين ثابت مثل اليهود والنصارى إذا لم يكونوا ملاحدة مشركين، وإلَّا لا تحل الذبيحة بحال من الأحوال، فإذا ذبحها مرتد لا يصلي أو ذبحها مشرك أو ملحد -وإن قال: باسم الله- فإن ذبيحته تكون حراماً؛ لأنه ليس من أهل الذبح. إذاً: الذبيحة فيها تعبد لله، وكل عمل يعمله المسلم يجب أن يكون متعبداً فيه، وكل عمل يجب أن يكون لله وإن كان من أمور الدنيا، حتى الأكل إذا أكل الإنسان فينبغي أن يسمي الله، وأن يشكر الله على نعمته؛ لأنه هو الذي وهبه، وهو الذي أسداه لك، وهو الذي أساغه، وهو الذي يبقي فيك منفعته ويذهب عنك مضرته، فوجب أن تشكره على ذلك. وأما الذبيحة إذا أريد بها التقرب فهي عبادة محضة، وإذا جعلت لغير الله فهي من الشرك الأكبر، فمراد المؤلف أن يبين أن هذا منافٍ لقول: لا إله إلا الله، فإذا ذبح الذابح عند قبر يرجو نفعه أو لولي أو لجنيٍ أو ما أشبه ذلك -وإن قال: باسم الله- فالذبيحة مهل بها لغير الله جل وعلا فهي شرك، وهذا الذابح يكون مشركاً، وهذه الذبيحة حرام أكلها؛ لأنها أولاً: مما أهل به لغير الله، وثانياً: أنها أصبحت ذبيحة مرتد أرتد عن الإسلام بهذا الذبح، وإن كان قبل ذلك مسلماً. وهذا بين واضح في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ ، وقد كان المشركون يذبحون عند أصنامهم متقربين إليها، وهل تقربهم لهم بأن يذبحوا هذه الذبيحة ولا يأكلونها؟ الجواب لا، بل يريقون الدماء تقرباً إلى هذا المعبود، ثم يأكلون الذبيحة ولا يدعونها لهذا الصنم أو لغيره، ومع ذلك تكون عبادة تُوجه لغير الله جل وعلا، ويكون الذابح بذلك مشركاً. ثم إن هذه العبادة من أعظم العبادات، ولهذا شرع للمسلمين أن يتقربوا إلى الله جل وعلا بالذبح في الأضاحي وفي الهدايا التي تهدى إلى البيت، والواقع أنها تهدى لله، ولكنها تذبح هناك في المشاعر التي شرعها لنا رسول الله ﷺ لنذبح فيها. وكذلك العقيقة، والنذر، وغير ذلك مما يفعله الإنسان متقرباً به إلى الله، فهذا من أجل العبادات وأعظمها؛ وذلك لأنه إذا بذل ماله وأقدم على ذبح الحيوان متقرباً به إلى الله مع رحمته له ومع محبته للحيوان فإن حب الله وعبادة الله له تدعوه إلى أن يقدم على ذلك مختاراً مغتبطاً، ويكون بذلك عابداً لله جل وعلا بهذه الذبيحة. ولهذا كان رسول الله ﷺ كثير الذبح لله جل وعلا كما كان كثيراً ما يصلي لله جل وعلا، وهذا هو سر قرن الذبيحة بالصلاة، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) يعني: ذبائحي التي أذبحها لله، فأنا أتبرأ مما يفعله المشركون وأراغمهم حيث إنهم يذبحونه لأصنامهم، وأنا أذبح لربي متقرباً بذلك إليه، ومخالفاً لهم، ومعادياً لهم على فعلهم ذلك. وقوله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ) يعني: كل أعمالي التي أفعلها في حياتي أفعلها تعبداً لله جل وعلا، وكذلك: (وَمَمَاتِي) أي: ما أموت عليه وما أقدمه بعد حياتي هو خالص لله، لا شريك له في كل أعماله وتصرفاته الظاهرة والباطنة. وقوله: (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) يعني: أن هذا أمر من الله، وأنه يتعين، وليس للعبد في ذلك اختيار، فإذا لم يفعل ذلك فقد عصى الله جل وعلا، وسوف يعاقبه. وقوله: (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي: أمر من الله حتم يجب أن يطاع ويتبع، وإلا فسيكون الإنسان ضالاً وخاسراً، وسوف يلاقي الله جل وعلا، ثم يعاقبه على ذلك. وقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الإسلام معناه: هو الاستسلام والانقياد لله، وأن يسلم وجهه وقواه وجوارحه لله منقاداً مطيعاً غير معترض على الله، وغير متمرد عن أمره، بل يفعل أمره مذعناً خاضعاً ذالاً معظماً لله جل وعلا، هذا هو معنى الإسلام: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) أي: الذين يفعلون ذلك على هذه الصفة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ هو أول من أطاع الله من هذه الأمة، وإلَّا فالرسل الذين قبله كلهم على الإسلام كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في كتابه، وأن كل رسول يقول لأمته: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وهذا هو الإسلام. وقوله في الآية الأخرى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] هذه مثل التي قبلها، حيث قرن النحر بالصلاة، وهو النسك المذكور في الآية السابقة؛ ولهذا قال بعض المفسرين: إن المقصود بالصلاة هنا: صلاة العيد خاصة؛ لأنها هي التي يعقبها النحر، والصواب: أن هذا عام في كل صلاة، وكذلك النحر عام في كل نحيرة، يجب أن يكون لله جل وعلا، وأن يكون خالصاًً له. وأما ما روي في الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه أن النبي ﷺ سأل جبريل لما نزلت هذه الآية فقال: (ما هذه النحيرة التي أمرت بها؟ فقال جبريل: إنها ليست نحيرة وإنما هي وضعك يديك في الصلاة على نحرك) فهذا حديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ قاله الواضعون الكذابون الذين يكذبون على رسول الله ﷺ ، وإنما هي نحيرة يعرفها رسول الله ﷺ ، وهي: كل ذبيحة يذبحها متقرباً بها إلى الله جل وعلا، وكذلك إذا ذبحها للأكل فإنها تكون لله؛ لأنه يذبحها لله، ولكن الذبيحة التي تقدم إما نذراً أو أضحية أو نسيكة في الحج تكون أكمل وأعظم من الذبيحة التي تذبح لأجل أن يؤكل لحمها؛ لأنها عبادة محضة قدمت لله جل وعلا. فهذا واضح جلي في كون الذبائح إذا ذبحت لغير الله فهذا الذبح شرك، وهذا مثل الصلاة إذا صليت لغير الله، فلا فرق بين هذه وهذه حيث قرنت الذبيحة بالصلاة، وأمر الله أن تكون له وحده جل وعلا. فعلى هذا إذا ذبح الإنسان عند القبر أو ذبح للجني كأن يقول له دجال من الدجاجلة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل: إن هذا المريض فيه جني لا يخرج حتى تذبحوا له ذبيحة، وقولوا: باسم الله، وفرقوها على كذا وكذا، وعلى الفقراء أو غيرهم، فهذا شرك أكبر؛ لأنها قصد بها الجني، وذبحت له، فيجب أن تكون الذبيحة لله وحده، مراداً بها وجه الله، وسواء كانت الذبيحة بعيراً أو بقرة أو شاة أو دجاجة أو غير ذلك من أي نوع كان مما يذبح؛ إذا ذبح وقصد به غير الله جل وعلا فإنه يكون شركاً. وكذلك الذين يذبحون عند القبور، ويقصدون التقرب إلى الأموات والنفع الذي يرجونه منهم، وإن كانوا يذبحونها ويأكلونها أو يفرقونها؛ فإنها تكون مما أهل به لغير الله، ومما تقرب به لغير الله، وإن كان يذكر عليها اسم الله عند الذبح؛ لأن المراد النية، والألفاظ والأسماء لا تغير من المعنى شيئاً، فإذا ذبح الإنسان ذبيحة وقال: باسم الله، ولكن نيته أنها لغير الله فإنها تكون مما أهل به لغير الله، كما أن النصراني -مثلاً-: إذا ذبح للمسيح وقال: باسم الله فإن ذبيحته حرام، وهي مما أهل لغير الله جل وعلا، وهذا باتفاق العلماء لا أحد يخالف في ذلك، وهو واضح وظاهر من النصوص ومنها هاتين الآيتين.

стр. 480

شرح حديث: (لعن الله من ذبح لغير الله) في صحيح مسلم أنه قيل لـ علي ﵁: (هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء لم يقله للناس؟ فقال: لا، ما خصنا بشيء لم يقله للناس، ولكني سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سب والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض) واللعن من الله جل وعلا ومن رسوله ﷺ هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله، والملعون هو: من لعنه الله أو لعنه رسوله ﷺ ، أو من حق عليه ذلك وطرد ولو لم يواجه بهذا، أو يقال فيه: ملعون، والله جل وعلا يلعن من يشاء، كما أنه يرحم من يشاء، فبعض عباده يلعنهم الله جل وعلا، وإذا لعن الله إنساناً لعنته الملائكة وعباد الله، ويلعنه اللاعنون في السماءً وفي الأرض، فيكون طريداً بعيداً. وهنا لعن أربعة أجناس من الناس وهم: الجنس الأول: الذابح لغير الله، وهذا يدلنا على أن الذبح لغير الله من أعظم المحرمات، وأن فاعله يستحق الطرد من رحمة الله، أو أنه قد صار مطروداً من رحمة الله ومبعداً إذا لم يتداركه الله جل وعلا برحمته بأن يتوب ويندم ويرجع إلى الله جل وعلا، وإلا فقد حق عليه ذلك، وهذا مطلق فيمن ذبح لغير الله أي ذبيحة ذبحها ولأي شيء ذبح، سواء للجن أو للأصنام أو للملائكة أو للأولياء أو لغيرهم من الأغراض التي يذبح لها الإنسان، والناس لهم أغراض شتى في هذا. ومنهم من لا يظهر أنه يقصد غير الله، وإنما يظهر بذلك أنه يفرح، كالذي يبني بيتاً، وإذا أراد أن ينزل فيه يأتي بالذبائح ويذبحها، ومقصوده بهذا: أن يتخلص من أذى الجن حتى لا يؤذوه ويأتوا إليه في هذا البيت، فإن هذا من ذبائح الجن التي تكون لغير الله جل وعلا؛ لأن المقصود النية والقصد، وإن قال في الذبح: إني ما أقصد هذا، أو أنه سمى الله وذبح، ودعا الناس ليأكلوه أو أظهر أنه للفرح أو غير ذلك؛ لأن الأمر كما قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فالنية معتبرة في الأعمال، فكل عمل قصد به غير الله يكون شركاً. ومن أعظم ذلك الذبائح، ومن فعل ذلك فهو داخل في لعنة رسول الله ﷺ حيث قال: (لعن الله من ذبح لغير الله).

стр. 481

لعن الوالدين كبيرة من الكبائر الجنس الثاني: الذي يلعن والديه، سواءً الأب والأم أو الجد والجدة وإن علوا، وسواء باشر ذلك بنفسه أو كان سبباً للعنهما، كما جاء ذلك مفسراً في صحيح البخاري وغيره عن النبي ﷺ ، فلما قال ذلك قيل له: كيف يلعن الرجل والديه؟ يعني: يستبعد الصحابة رضوان الله عليهم أن يقع هذا من مسلم، بل من عاقل، فكيف يلعن الرجل والديه؟ فقال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) يعني: أنه يكون سبباً للعن والديه، فيكون ملعوناً؛ لأنه تسبب في ذلك، أما إذا فعل ذلك مباشرة فهو أعظم جرماً. ولعن الوالدين ضد البر والإحسان الذي أمر الله جل وعلا به، فهو محادة لله جل وعلا، كما أن الذبح لغير الله ضد الإخلاص والتوحيد الذي أوجبه الله جل وعلا وأمر به، فإذا وجد ذلك فإنه يكون محادة لله جل وعلا ولرسوله. وقد قرن الله جل وعلا حق الوالدين بحقه في آيات كثيرة في القرآن، وقال الرسول ﷺ : (لا يدخل الجنة عاق)، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة، وقال: (رضا الله في رضا الوالدين)، وأخبر: أن الأم حقها أعظم وآكد لشدة ما تقاسيه، وكثرة ما تزاوله من التعب والنكد بسبب هذا الولد؛ من حمله وإرضاعه وتربيته صغيراً وإزالة الأذى عنه والقيام عليه والسهر وغير ذلك، فإذا كبر واستغنى يصبح كما قال القائل: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني فإذا استغنى وكبر يقابل الوالد بالقسوة والعنف والمعصية والعقوق والأذى، بل ربما باللعن والشتم، فهذا هو الملعون الذي لعنه رسول الله ﷺ ، وإذا لعن الله إنساناً فإنه طريد بعيد من رحمة الله جل وعلا، وسوف يلاقي جزاءه يوم القيامة، وهو عذاب الله نسأل الله العافية.

стр. 482

المُحْدِث ملعون قوله: (ولعن الله من آوى محدثاً) الإيواء هو: الحماية، آواه إذا حماه ودافع دونه أو رضي بفعله وانضم إليه وصار معه على هذا الفعل، ويقال: أويته وآويته، إذا حماه وساعده ودفع عنه ما يقصد به من إقامة حد أو إنكار منكر أو ما أشبه ذلك. وقوله: (محدثاً) بفتح الدال وبكسرها محدَثاً ومحدِثاً، فإذا كان محدِثاً فهو اسم فاعل، يعني: الجاني العاصي هو الذي يُؤوى، وإذا كان محدَثاً فهو الحدث نفسه، فيكون معنى إيوائه: الرضا به والمدافعة عنه. وإذا كان بالكسر فمعنى ذلك: أنه يحمي ذلك الرجل المحدث من أن يقام عليه الحد، أو أن يُنكر عليه فعله أو يزال ما يفعله، وهذا معناه أنه محادّ لله جل وعلا ولرسوله ﷺ ؛ لأنه صار في حد، والله ورسوله في حد، يعني: صار في جانب، والله ورسوله في جانب، ويصبح محارباً لله جل وعلا ولرسوله. إذاً: معنى المحاداة: المحاربة والمبارزة بالمعاصي، وإذا كان محدَثاً فمعنى ذلك: كل بدعة تبتدع في الدين، فمن رضي بها أو حماها فهو ملعون. أما إذا كان بالكسر فمعناه: أن كل فاعل لبعض هذه الأفعال فمن حماه وآواه وساعده يكون ملعوناً، والواقع أن الحديث يعم الاثنين، يعم الحدث والمحدِث، فالذي يرضى بالحدث -الذي هو البدعة التي تبتدع في دين الله- يكون داخلاً في هذا الوعيد، وكذلك الذي يدافع عن المبتدع نفسه ويحميه ويساعده على بدعته من أجل بدعته يكون داخلاً في هذا الوعيد.

стр. 483

المغير لمنار الأرض ملعون وقوله: (ولعن الله من غير منار الأرض) المنار هو: العلامات التي يستنار بها يعني: يستدل ويهتدى بها، فهي المراسيم التي توضع لتميز حق هذا من حق هذا، فمن غيرها لأجل أن ينفع واحداً ويضر الآخر أو يزيد في حق هذا من حق هذا فهو ملعون. وكذلك تطلق على العلامات التي توضع على الطرق ليهتدي بها المسافر والسائر في الطريق، فالذي يغيرها بأن يزيلها داخل في هذا الوعيد؛ لأن هذا من منار الأرض وعلاماتها التي يهتدى بها، فإذا كان من صنع ذلك يكون ملعوناً وهو لا يتعلق بحقوق الناس فكيف بما يتعلق بدين الله؟! ومن هذا ما يفعله بعض الفسقة الذين يتولون -مثلاً- سجلات أو يكون بأيديهم دفاتر يكتبون فيها ضبط حقوق الناس بعضهم من بعض، فإذا غيروا فيها لأجل نفع إنسان ومضرة آخر فإن هذا داخل في هذا الوعيد، وكذلك الذي يغير الوثائق التي توثق للإنسان بأن هذا حقه فيغيرها ويبدلها إما بالمسح أو يخفيها أو يمزقها أو ما أشبه ذلك فإنه داخل في هذا الوعيد؛ لأن هذا من تغيير منار الأرض؛ لأن الوثائق والصكوك من علامات الأرض التي تميز هذا عن هذا، فإذا غيرت وبدلت فإن هذا الفاعل يكون مغيراً لمنار الأرض ويكون داخلاً في اللعنة. وقد جاء أن أظلم الناس من ظلم الناس بالناس، يعني: من ظلم هذا لأجل أن ينفع الآخر، لا لأجل نفسه، فهذا هو أظلم الناس، وقد قال بعض العلماء: إن منار الأرض يقصد بها الهداة والدعاة الذين يدعون إلى دين الله وإلى هدايته؛ لأنهم هم الذي يستنار بهم، وهم الذين يهتدى بأقوالهم وبما يدلون عليه، فإذا -مثلاً- قتلهم الجاني أو منعهم من ذلك فهو تغيير لمنار الأرض؛ لأنهم هم نجومها التي يهتدى بها؛ ولهذا جاء في الحديث: (العلماء كالنجوم التي يهتدى بها)، فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أمر الله، وإذا ذهب العلماء من الأرض جاءها أمر الله الذي وعده الله، فإذا مُنعوا أو قُتلوا فإن المانع والقاتل داخل في هذا الوعيد، ومعلوم أن رسول الله ﷺ أُعطي جوامع الكلم فكلامه يكون جامعاً عاماً.

стр. 484

حكم لعن المعين في هذا الحديث دليل على جواز لعن العصاة والفسقة، وقد اختلف العلماء في جواز لعن المعين منهم، أي: المعين الفاسق هل يجوز أن يلعن بعينه؟ الصواب: أنه لا يجوز، وإنما يلعنون بالعموم كما في هذا الحديث، وكما في قوله ﷺ : (لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه) وكذلك لعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وساقيها، ومستقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، ومؤكله، فكلهم ملعونون، وهؤلاء أنواع من الفسقة وليس رجلاً بعينه. وبعض العلماء أجاز لعن الفاسق بعينه، وبعضهم منع ذلك، وذلك مثل الحجاج بن يوسف ويزيد بن معاوية ونحوهما من الظلمة الذين هم مسلمون، واختلف العلماء هل يلعنون أولا؟ فبعضهم قال: يجوز، وأكثر العلماء على أن هذا ممنوع لا يجوز، وإنما يلعنون بالعموم فيقال: ألا لعنة الله على الظالمين، وكما في هذا الحديث: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض) وهؤلاء أجناس، وليس رجلاً بعينه، ما عدا العمل الذي يدل على الكفر والخروج من الإسلام؛ لأن الخلاف في الفاسق المسلم، وليس الخلاف في الكافر المعين، أما الكافر المعين فيجوز لعنه بعينه، وإنما الخلاف في الفاسق المسلم؛ لأن المسلم لا يخرج من الدين الإسلامي بفعل المعاصي ما عدا الشرك، فالشرك هو الذي يخرجه من الدين الإسلامي، أما المعاصي فإنها لا تخرجه، ولكنها تجعله فاسقاً.

стр. 485

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤١] إن الله كما أنه يصلي على عباده الصالحين -أي: يثني عليهم- فإنه يلعن المستحقين للعن من العصاة، وقد جاء في الشرع لعن من يستحق اللعن، كمن لعن والديه أو آوى محدثاً، أو غير منار الأرض، فعلى المسلم اجتناب ما يعرضه للعن من الله تعالى وهو الطرد من رحمته سبحانه.

стр. 486

حديث علي: (لعن الله من ذبح لغير الله) قال الشارح ﵀: [قوله: وعن علي ﵁ قال: (حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض) رواه مسلم من طرق، وفيه قصة. ورواه الإمام أحمد كذلك عن أبي الطفيل قال: قلنا لـ علي: أخبرنا بشيء أسرَّه إليك رسول الله ﷺ فقال: (ما أسرَّ إليّ شيئاً كتمه الناس، ولكن سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم الأرض) يعنى المنار]. الرسول ﷺ بعث إلى الناس كافة، بل بعث إلى الثقلين: الجن والإنس، فهو رسول لجميع من على وجه الأرض، والذين على وجه الأرض هم الجن والإنس، فلا يمكن أن يخص إنساناً بعينه بشيء جاء به من عند الله؛ لأنه مبلغ عن الله جل وعلا، فهو يبلغ عموم الناس، ولهذا كان إذا حدث بالحديث أعاده ثلاثا، ً ثم يقول: (بلغوا عني)، ويقول: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما وعاها، فرب مبلغ أفقه من سامع) أو كما قال ﷺ . فالذي يعتقد أن الرسول ﷺ خص قوماً دون آخرين بما يبلغه فهو ضال، ولم يشهد لرسول الله ﷺ بالبلاغ، والله جل وعلا يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ولا يعترض على هذا بأنه ﷺ أسرَّ إلى حذيفة، وسمي صاحب السر؛ لأن إسراره إلى حذيفة كان بأسماء أناس معينين من المنافقين، قال له: فلان منافق، وفلان منافق، وفلان منافق، وهؤلاء كانوا يخضعون لأحكام الإسلام، وكانوا مع الرسول ﷺ في الجهاد وفي الصلاة وفي غير ذلك، إلا أنهم أبطنوا كفراً ونفاقاً، فأخبره بذلك وقال له: لا تخبر أحداً، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر ﵁ إذا مات الرجل ينظر إلى حذيفة هل يصلي عليه أو لا يصلي عليه؟ فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه، وإذا لم يصل عليه امتنع من الصلاة عليه. والسبب في هذا: أن الرسول ﷺ لما عاد من غزوة تبوك كان يسير ذات ليلة في الليل، وكان أمامه جبل وفيه عقبة فقال للمسلمين: (إني سالك في هذه العقبة فلا يسلكها أحد حتى انتهي أو أذهب) فانتهز بعض المنافقين فرصة، وقالوا: هذه فرصة لنذهب ونكمن له في عرض الجبل فإذا توسط به نفرنا به ناقته فيسقط من عليها ويموت، هكذا خططوا ودبروا فسار الرسول ﷺ ومعه حذيفة يقود ناقته، ومعه كذلك عمار بن ياسر يسوقها، فلما صار في أثناء الجبل في الطريق وهو يصعد نفذوا مخططهم، وساروا في وجه ناقة الرسول ﷺ ، فصار حذيفة يضرب وجوه ركائبهم وكانوا متلثمين فهربوا خوفاً من أن يعرفوا، فقال له رسول الله ﷺ : (هل عرفت القوم؟ قال: لا، ولكني عرفت بعض الرواحل، فأخبره بأسمائهم وقال: هم فلان وفلان وفلان وفلان، ثم قال له: لا تخبر أحداً) لأن الله جل وعلا أمره أن يأخذ علانيتهم وأن يكل سرائرهم إلى الله، فإذا قال الإنسان: آمنت وامتثل الواجبات والفروض كالصلاة والصوم والزكاة فيحكم بأنه مسلم، وإن كان مكناً في نفسه التكذيب والكفر، فالذي في القلب إلى الله. والمقصود: أن الرسول ﷺ ما كان يسر شيئاً من الدين لأحد، ولهذا تقول عائشة ﵂: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] لأن هذا معاتبة له، ومع ذلك أظهره وبينه، ولم يخف شيئاً من ذلك، ولا يمكن أن يكون؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أمين الله على وحيه، وهو الذي يبلغه إلى خلقه، وهو الواسطة بيننا وبين ربنا في إبلاغنا الدين، ولا يكون هذا المبلغ والواسطة إلا أميناً صادقاً حتى لا يكتم شيئاً، وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، فلا يمكن أن يتحلى الإنسان بأنه يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ إلا إذا تيقن يقيناً أنه جاء بالدين كله من عند الله، وبلغه البلاغ المبين، ولم يكتم شيئاً، ولم يسر لأحد شيئاً من هذا الدين.

стр. 487

العشرة المبشرون بالجنة قال الشارح ﵀: [وعلي بن أبي طالب: هو الإمام أمير المؤمنين أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء، كان من أسبق السابقين الأولين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه مشهورة ﵁، قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين]. العشرة المشهود لهم بالجنة هم: أبو بكر ﵁ وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هؤلاء هم العشرة الذين قال فيهم الرسول ﷺ : (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، والزبير في الجنة، وطلحة في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة) شهد لهم في هذا الحديث وجمعهم هكذا، ولهذا سموا العشرة المشهود لهم بالجنة، أي: الذين شهد لهم الرسول ﷺ أنهم في الجنة. وهناك غيرهم من الصحابة ممن أخبر الرسول ﷺ أنهم في الجنة، مثل: ثابت بن قيس بن شماس، فإنه لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] وكان ﵁ جهوري الصوت، وكان خطيب رسول الله ﷺ أي: أنه كان إذا جاءت الوفود أمره أن يخطب عنه ﷺ ، فلما نزلت هذه الآية اعتزل وصار يبكي وقال: إذاً: قد حبط عملي؛ لأني أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ ، فجلس في بيته، ففقده الرسول ﷺ ، فسأل عنه، فقيل: إنه يبكي منذ نزلت هذه الآية، وقال: إنه هو المقصود بها، فقال: (بل هو من أهل الجنة)، ثم أرسل إليه ودعاه. وكذلك الحسن والحسين، أخبر: أنهما من أهل الجنة، وكذلك عبد الله بن عمر، وكذلك عبد الله بن سلام، وغيرهم، وهكذا أهل بيعة الرضوان أخبر الله جل وعلا أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وكانوا ألفاً وخمسمائة، وأهل بدر كذلك، وغيرهم، بل يقول الإمام ابن حزم: الذي نعتقده ونجزم به أن جميع صحابة رسول الله ﷺ في الجنة، وهم خير الناس الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بنص أحاديث رسول الله ﷺ ، فإنه كان يقول: (بعثت في خير القرون) ويقول: (خير الناس قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون) فجعل القرون المفضلة ثلاثة، وخيرهم قرنه ثم رتب الذين بعدهم بثم؛ لأنهم دونهم في الفضل، ثم الذين بعدهم كذلك رتبهم بثم؛ لأنهم دونهم في الفضل، والله جل وعلا أخبر عن الصحابة عموماً أنه يحبهم ويحبونه، وأنه أعد لهم جنات، كما قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ. . ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآية وذكر في آخرها: أنه جعلهم بهذه الصفة ليغيضوا الكفار؛ ولهذا قال الإمام مالك ﵁: كل من غاضه شأن الصحابة فليس بمؤمن، لقول الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] كما أنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] أي: من كان في قلبه غل لصحابة رسول الله ﷺ فليس له حق في الفيء وفي المغانم. وعلى كل حال المقصود: أن هؤلاء العشرة هم المقصودون بقوله: العشرة المشهود لهم بالجنة.

стр. 488

معنى الصلاة واللعن قال الشارح ﵀: [قوله: (لعن الله): اللعن: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها قيل: واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها، قال أبو السعادات: أصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء. قال شيخ الإسلام ﵀ ما معناه: إن الله تعالى يلعن من استحق اللعنة بالقول، كما يصلي سبحانه على من استحق الصلاة من عباده قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤] وقال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١]. والقرآن كلامه تعالى، أوحاه إلى جبريل ﵇، وبلغه رسوله محمداً ﷺ ، وجبريل سمعه منه، كما سيأتي في الصلاة إن شاء الله تعالى، فالصلاة ثناء الله تعالى كما تقدم، فالله تعالى هو المصلي وهو المثيب كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة، قال الإمام أحمد ﵀: (لم يزل الله متكلماً إذا شاء)]. يقول: إن الله يصلي كما أنه يلعن، ومعنى يصلي: أي: يثني، وصلاته جل وعلا هي: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية فيما ذكره البخاري في صحيحه، فالصلاة ضد اللعنة، فبعض عباد الله يكون قريباً إلى الله جل وعلا، متبعاً أوامره، مجتنباً نواهيه، مسارعاً في مرضاته، يحب ما يحبه، ويبغض ما يبغضه، ويحارب أعداءه، ويجاهد في سبيله. فهؤلاء هم الذين يصلي عليهم الله جل وعلا، والله جل وعلا إذا صلى على عبده فمعنى ذلك: أنه رضي عنه، ويلزم من ذلك الرضا بفعله، وإلا فصلاته غير رضاه. أما الصلاة من الخلق فهي الدعاء، وأصل الصلاة التي جاء بها الشرع هي الصلاة المعروفة التي تفتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، وتشتمل على القيام والقراءة والركوع وغير ذلك، وأصلها مأخوذ من الدعاء. قال الله جل وعلا آمراً نبيه ﷺ : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] يعني: ادع لهم فهذا بالنسبة للخلق، ومعلوم أن الفعل يختلف بإضافته وصدوره من الخلق عما إذا صدر من الله جل وعلا، فالله جل وعلا له أفعال تخصه كما أن له صفات يختص بها، وعباده كذلك، وليس بين الله جل وعلا وبين خلقه مشابهة أو مماثلة، ولكن يجب أن يثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ولا يجوز التحريف أو التأويل الذي يخرج الكلام عن مراد المتكلم. وهذا هو طريق أهل السنة، وهو الذي يجب اتباعه؛ لأنه هو الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهج صحابته رضوان الله عليهم، وهذا الطريق من خالفه فقد خالف سبيل المؤمنين، ومن خالف سبيل المؤمنين، وسلك غير طريقهم فالله جل وعلا يوليه ما تولى، ويصليه جهنم.

стр. 489

ما أهل به لغير الله شرك وإن سمى الذابح اسم الله عند ذبحه قال الشارح ﵀: [قوله: (من ذبح لغير الله) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٣]: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقول: هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني للحم وقال فيه: باسم المسيح أو نحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه: باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله. وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه يحرم، وإن قال فيه: باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان: الأول: أنه مما أهل به لغير الله. والثاني: أنها ذبيحة مرتد. ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن ذبائح الجن)]. الإهلال لغير الله جل وعلا المقصود به: الإعلان للشيء، فيعلم أن هذا لفلان، وسواء كان ذلك قبل الذبح أو في حالة الذبح، فإنه إذا عين هذه الذبيحة وقال: هذه للشيخ الفلاني أو للقبر الفلاني أو للولي الفلاني فهذا مما أهل به لغير الله، ولو ذبحها وقال: باسم الله فإنها تكون محرمة؛ لأنها مما أهل به لغير الله جل وعلا؛ لأن الاعتبار هو بالنية والقصد وليس بالألفاظ، فالألفاظ ما تغير من المقاصد شيئاً، فإذا قصد ذلك بنيته وفعله الذي يسبق تسميته فإنه له حكم ذلك، ويكون بهذا قد ذبح لغير الله، وهذا ليس خاصاً بالذبائح، بل الأطعمة التي تعين وتوزع على أولئك العاكفين عند القبور أو على الأضرحة أو توضع في الصناديق التي تعد للنذور هي مما أهل به لغير لله، وهي من المحرمات، وفاعل ذلك يكون قد فعل شركاً أكبر، وإذا كان عالماً بهذا ومات عليه يكون خالداً في النار -نسأل الله العافية-، وإن كان جاهلاً يجب أن يتوب ويرجع إلى الله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ حرم على الناس أن يفعلوا هذا، وقد كانوا يفعلونه في زمنه صلوات الله وسلامه عليه فنهاهم عنه. فكل عمل من قول أو فعل يتعدى نفعه -مثل الصدقات والذبائح وغيرها- أو فعل يكون خاصاً به -من الدعاء والركوع والانحاء وما أشبه ذلك- يجعل لغير الله فهو شرك، ومثله الطواف ومثله الجلوس والعكوف في المكان الذي يرجى بركته، أو يجلس في مكان من الأمكنة التي يعبد فيها غير الله مثل الأضرحة وقبور الأولياء، فإذا جلس عندها طلباً للبركة فهو من العاكفين عند الأوثان؛ لأن العكوف في مساجد الله عبادة، ولا يجوز أن يكون العكوف لغير الله، يعني: طلب البركة والخير إذا قصد به التقرب فهو عبادة، كما أن الطواف في بيت الله عبادة من أعظم العبادات، وكذلك الدوران على القبور والأضرحة والأمكنة التي تعظم إذا قصد بذلك تعظيمها فهي عبادة لغير الله، وهو شرك أكبر يجعل الفاعل لهذا خارجاً من الدين الإسلامي. والمقصود: أن هذا ليس خاصاً بالدماء التي تراق، بل هو عام لكل ما يُقرب من نذور لهذا الميت، ويرجى بها التقرب إليهم، وإن كان يسميها أصحابها تقرباً أو توسلاً أو محبة أو ما أشبه ذلك، فالأسماء لا عبرة بها، وإنما الاعتبار بالفعل الذي يفعل وإن سمي بأي اسم كان، فصاحبه له حكم المشركين الذين نزل القرآن وجاءت دعوة الرسل بالإخبار بأنهم مشركون، وأنهم إذا بقوا على هذا فإن الله برئ منهم ورسوله. قال الشارح: [قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوها أو استخرجوا عيناً، ذبحوا ذبيحة خوفاً أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك. وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أُهلَّ به لغير الله]. وليس هذا خاصاً بالسلطان، فإذا استقبل شخص من الأشخاص بحيث يذبح له حينما يطلع تعظيماً له وتقرباً، فهذه الذبيحة مما أهل به لغير الله، وذابحها بذلك إن كان مسلماً فإنه يكون مرتداً بهذا الفعل، وذبيحته تكون حراماً؛ لأنها قد اجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أُهلَّ به لغير الله، وقد نهانا ربنا جل وعلا أن نأكل مما أُهلّ به لغيره. والثاني: أنها ذبيحة مرتد؛ لأنه ارتد بهذا الفعل.

стр. 490

لعن من لعن والديه قال الشارح: [وقوله: (لعن الله من لعن والديه) يعني: أباه وأمه، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)]. هذا إذا كان تسبباً، وأما إذا كان بالفعل والمواجهة فهو أعظم مما إذا كان متسبباً في شتمهما، ومعلوم أن هذا يكون مضاداً لأمر الله جل وعلا ببر الوالدين، والإحسان إليهما، فإنه بهذا يضع بليغ الإساءة موضع الإحسان، فمثل هذا استحق اللعن من الله جل وعلا: (لعن الله من لعن والديه) وسواء كان الوالد أباً مباشراً أو جداً وإن علا، وإن كان جدَّ جدَّ الجد، وكذلك الأم وإن كانت أم أم أم أم فلا يجوز أن يكون الإنسان سبباً للعن والديه بفعله الذي يفعله، فإن فعل ذلك فإنه يكون ملعوناً على لسان رسول الله ﷺ .

стр. 491

لعن من آوى محدثاً قال الشارح: [قوله: (لعن الله من آوى محدثاً) أي: منعه من أن يؤخذ منه الحق الذي وجب عليه، وآوى بفتح الهمزة ممدودة أي: ضمه إليه وحماه. قال أبو السعادات: أويت إلى المنزل وآويت غيري وآويته، وأنكر بعضهم المقصور المتعدي، وأما (مُحْدِثاً) فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، وبالفتح: هو الأمر المُبْتَدَعُ نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه: الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم]. محدِث ومُحدَث متلازمان، فإذا أحدث الإنسان بمعنى أنه فعل المعصية التي نهي عنها، فيسمى محدثاً؛ سواء ارتكب حدّاً من الحدود التي حرمها الله، أو ارتكب جريمة في حق غيره بأن أخذ ماله أو استطال على عرضه، أو بهته بالكذب والزور وتكلم فيه بما ليس فيه، أو غير ذلك من الذنوب، سواء تعلق بحق الله، أو تعلق بحق الآخرين، وكله يصدق عليه أنه مُحْدِثٌ لأنه جاء بخلاف الشرع. والمحدِث هو فاعل الحدث، والمحدَث هو المفعول، ولكن إذا وجد من الناس من يرضى بفعله، ويناصره عليه، ويحول بينه وبين الإنكار عليه، أو إقامة الحد أو أخذ الحق منه، فيكون هذا الذي فعل هذا مؤوياً له وناصراً له، وربما كان ذنبه وجرمه أعظم من الذي أحدث الحدث، فيكون أولى باللعن. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضَادَّ الله في أرضه) وإذا كان يُضَادُّه فهو يحاربه، والمحارب لله جل وعلا يكون من أبعد الناس عنه، قال تعالى وتقدس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥]. فالمقصود أن رواية الفتح ورواية الكسر متلازمتان.

стр. 492

لعن من غير منار الأرض قال الشارح: [قوله ﷺ : (ولعن الله من غير منار الأرض) بفتح الميم: علامات حدودها، قال أبو السعادات في النهاية -في مادة تَخَمَ-: ملعون من غَيَّرَ تخوم الأرض، أي: معالمها وحدودها واحدها تُخْمٌ قيل: أراد حدود الحرم خاصة، وقيل: هو عام في جميع الأرض، وأراد المعالم التي يُهتدى بها في الطريق، وقيل: هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلماً قال: ويروى تخوم بفتح التاء على الإفراد، وجمعه تخم بضم التاء والخاء. انتهى وتغييرها: أن يقدمها أو يؤخرها فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه النبي ﷺ : (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، ففيه جواز لعن أهل الظلم من غير تعيين] تخوم الأرض: الشيء الذي يجعل علامة للاهتداء به، سواء كان موضوعاً علامة على الطريق الذي يسار فيه، أو علامة على أن ملك فلان ينتهي إلى هذا، أو أن هذا يفصل ملك هذا عن هذا، وكل هذا داخل في تغيير منار الأرض، وكله منار؛ لأن المنار هو الذي يستنار به ويهتدى به، سواء في السير أو في معرفة الملك. ومن ذلك، بل أولى وأعظم منه معالم الشرع، ومن يقوم ببيانها وإيضاحها ودعوة الناس إليها، وتغيير ذلك هو الحيلولة بين من يفعل ذلك وبين أن يستفيد الناس منه، ويقوم بما يجب عليه؛ لأن هذا واجب على كل أحد، كل من علم علماً وجب عليه أن يبينه لعباد الله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ أمرنا بالتبليغ، والله جل وعلا يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فأتباعه صلوات الله وسلامه عليه لا بد أن يكون لهم نصيب من طريقته ودعوته للناس وإلى توحيد الله جل وعلا. فالتغيير في دين الله أعظم من التغيير في الحقوق المعينة، وسبق أن قلنا: إن هذا أيضاً يدخل فيه ما يفعله بعض الفسقة الذين قد يتولون شيئاً من معالم الأرض، أو من وثائقها التي توثق بها كالصكوك والمواثيق التي يكون فيها التحديد والإشهاد والإثبات، فربما تسول لبعض الفسقة أنفسهم أن يغيروا في الكتابة تقليلاً أو تكثيراً أو إزالة أو إخفاء، فيخفون شيئاً من ذلك أو يمزقونه؛ لأجل أن ينفعوا غيرهم أو ينتفعوا؛ فهذا أيضاً من تغيير أماكن الأرض ومنارها، فهم داخلون في اللعنة. وأحاديث رسول الله ﷺ إذا جاءت مثل هذا، فإنها تعم كل ما يدخل فيها من المنهيات التي تخالف الشرع؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أعطي جوامع الكلم.

стр. 493

حكم لعن الفاسق قال الشارح: [وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: أحدهما: أنه جائز اختاره ابن الجوزي وغيره. والثاني: لا يجوز واختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله]. ذكر أنه اختار القول الأول في المسألة رجلاً، والثاني رجلين، ومن عادة العلماء أنهم يذكرون جزئيات فقط، وإلا فالمسألة معروفة ومشهورة، والذين تكلموا فيها كثيرون جداً، ولكن هكذا كانت عادة العلماء، فإنهم يشيرون إلى رءوس المسائل فقط، ثم على طالب العلم أن يبحث عن ذلك.

стр. 494

حديث: (دخل الجنة رجل في ذباب) قال المصنف ﵀: [وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب! قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب! فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة) رواه الإمام أحمد]. هذا من الأمور العجيبة! فالذباب من أخس الحيوانات وأحقرها، ومع هذا يكون سبباً لدخول رجل النار، ويكون سبباً لدخول آخر الجنة، فهذا يستغرب إذا سمع، ولكن إذا ذكر الحديث كله تبين أن المراد بذلك أعمال القلوب، وليست أعمال الجوارح، فإنه يدل على أن العمل مبناه على ما يقر في القلب وما يقصده الإنسان. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، ورواه أبو نعيم في الحلية وغيرهما، وجاء مرفوعاً كما في كتاب الزهد عن طارق، وقد اختلف في صحبته، والصواب أنه صحابي، واختلف في سماعه من رسول الله ﷺ ، فقال أبو داود وغيره: إنه رأى النبي ﷺ ولكنه لم يسمع منه، فإذا كان قد رآه فهو صحابي، وإذا كان لم يسمع فيكون حديثه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لا خلاف في قبولها؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بتعديل الله إياهم وبتعديل رسوله ﷺ لهم، فليسوا بحاجة إلى نظر الناس، فيجب قبول قول الله جل وعلا فيهم، ويجب أيضاً أن يعرف الإنسان الميزة التي امتازوا بها عن غيرهم، وهي كونهم صحبوا رسول الله ﷺ وشاهدوه، وتلقوا العلم والإيمان منه صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك كونهم جاهدوا معه، وامتثلوا ما أمرهم به، بل أصبحوا يتسابقون في طاعته، ويتفانون في ذلك. ثم إن هذا فيما يظهر كان في بني إسرائيل، والرسول ﷺ كان كثيراً ما يحدث عنهم، وبنو إسرائيل كان فيهم عجائب، وذكر هذا الحديث لبيان عِظَمِ التوحيد، وعظم حق الله جل وعلا، وعظم قدر الشرك، وأنه وإن كان العمل فيما يقدمه العامل غير مقصود وغير مراد وغير منتفع به، لكن النظر إلى عمل القلب الذي انطوى عليه، ونيته التي نواها؛ لأنه لا شيء ينتفع به أصحاب الصنم من تقريب الذباب، ولا صنمهم ينتفع، وإنما قصدوا بذلك النية التي تكون في القلب. أما الذباب فهو تافه لا قيمة له، ولا أحد يريده، وهذا مما يدل على أن أعمال القلوب -حتى عند الكفرة الفجرة المشركين- هي المقصودة والمرادة، وإذا الجوارح وافقت ما في القلب فهذا أمر آخر؛ لأنه قد يكون ظاهر العمل مخالفاً لما في القلب.

стр. 495

الفرق بين الصنم والوثن في هذا الحديث أن هؤلاء القوم كان لهم صنم، والصنم هو ما كان منحوتاً أو مصوراً على صورة مجسدة كصورة إنسان أو صورة حيوان، وأما الوثن فهو ما كان على خلاف ذلك كالقبر والشجرة والبناء والحجر إذا قصدت بالعبادة، فقد جاء أن الرسول ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبد) فأخبر أنه لو عبد لصار وثناً. فكذلك القبور التي تعبد، وليس معنى عبادة القبور أن يأتي الإنسان ويضع جبهته عليها ساجداً، ويزعم أن صاحب القبر له شركة في السماوات والأرض مع الله، أو أنه يحيي ويميت؛ فإن هذا لا يعتقده مشرك من المشركين السابقين، وإنما عبادتهم لأصحاب القبور أنهم يزعمون أنهم يشفعون لهم عند الله بدون إذنه، بل لو دعاهم وقال: اشفعوا لي بإذن الله فإن هذا يكون من الشرك الأكبر؛ لأن الشفاعة تُطْلَبُ من الله. والمقصود أن الوثن يطلق على ما لا صورة له إذا كان معبوداً، والصنم يطلق على ما كان مصوراً على شكل إنسان أو حيوان أو ما أشبه ذلك، وقد يطلق كل واحد على الآخر، فيسمى الصنم وثناً، والوثن صنماً، فهي إطلاقات تتعاقب، وقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك. وعلى كل حال هذا الكلام في اللغة، وإذا جاء في القرآن ما يدل على أن الوثن يسمى صنماً، والصنم يسمى وثناً، فالقرآن جاء باللغة العربية، فيكون ذلك دليلاً على أن ذلك موجود في اللغة التي جاء بها كتاب الله جل وعلا.
следующие страницы →