Полный текст (2 090 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
لعن من آوى محدثاً
قال الشارح: [قوله: (لعن الله من آوى محدثاً) أي: منعه من أن يؤخذ منه الحق الذي وجب عليه، وآوى بفتح الهمزة ممدودة أي: ضمه إليه وحماه.
قال أبو السعادات: أويت إلى المنزل وآويت غيري وآويته، وأنكر بعضهم المقصور المتعدي، وأما (مُحْدِثاً) فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، وبالفتح: هو الأمر المُبْتَدَعُ نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه: الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم].
محدِث ومُحدَث متلازمان، فإذا أحدث الإنسان بمعنى أنه فعل المعصية التي نهي عنها، فيسمى محدثاً؛ سواء ارتكب حدّاً من الحدود التي حرمها الله، أو ارتكب جريمة في حق غيره بأن أخذ ماله أو استطال على عرضه، أو بهته بالكذب والزور وتكلم فيه بما ليس فيه، أو غير ذلك من الذنوب، سواء تعلق بحق الله، أو تعلق بحق الآخرين، وكله يصدق عليه أنه مُحْدِثٌ لأنه جاء بخلاف الشرع.
والمحدِث هو فاعل الحدث، والمحدَث هو المفعول، ولكن إذا وجد من الناس من يرضى بفعله، ويناصره عليه، ويحول بينه وبين الإنكار عليه، أو إقامة الحد أو أخذ الحق منه، فيكون هذا الذي فعل هذا مؤوياً له وناصراً له، وربما كان ذنبه وجرمه أعظم من الذي أحدث الحدث، فيكون أولى باللعن.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضَادَّ الله في أرضه) وإذا كان يُضَادُّه فهو يحاربه، والمحارب لله جل وعلا يكون من أبعد الناس عنه، قال تعالى وتقدس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥].
فالمقصود أن رواية الفتح ورواية الكسر متلازمتان.
стр. 492
لعن من غير منار الأرض
قال الشارح: [قوله ﷺ : (ولعن الله من غير منار الأرض) بفتح الميم: علامات حدودها، قال أبو السعادات في النهاية -في مادة تَخَمَ-: ملعون من غَيَّرَ تخوم الأرض، أي: معالمها وحدودها واحدها تُخْمٌ قيل: أراد حدود الحرم خاصة، وقيل: هو عام في جميع الأرض، وأراد المعالم التي يُهتدى بها في الطريق، وقيل: هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلماً قال: ويروى تخوم بفتح التاء على الإفراد، وجمعه تخم بضم التاء والخاء.
انتهى وتغييرها: أن يقدمها أو يؤخرها فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه النبي ﷺ : (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، ففيه جواز لعن أهل الظلم من غير تعيين] تخوم الأرض: الشيء الذي يجعل علامة للاهتداء به، سواء كان موضوعاً علامة على الطريق الذي يسار فيه، أو علامة على أن ملك فلان ينتهي إلى هذا، أو أن هذا يفصل ملك هذا عن هذا، وكل هذا داخل في تغيير منار الأرض، وكله منار؛ لأن المنار هو الذي يستنار به ويهتدى به، سواء في السير أو في معرفة الملك.
ومن ذلك، بل أولى وأعظم منه معالم الشرع، ومن يقوم ببيانها وإيضاحها ودعوة الناس إليها، وتغيير ذلك هو الحيلولة بين من يفعل ذلك وبين أن يستفيد الناس منه، ويقوم بما يجب عليه؛ لأن هذا واجب على كل أحد، كل من علم علماً وجب عليه أن يبينه لعباد الله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ أمرنا بالتبليغ، والله جل وعلا يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فأتباعه صلوات الله وسلامه عليه لا بد أن يكون لهم نصيب من طريقته ودعوته للناس وإلى توحيد الله جل وعلا.
فالتغيير في دين الله أعظم من التغيير في الحقوق المعينة، وسبق أن قلنا: إن هذا أيضاً يدخل فيه ما يفعله بعض الفسقة الذين قد يتولون شيئاً من معالم الأرض، أو من وثائقها التي توثق بها كالصكوك والمواثيق التي يكون فيها التحديد والإشهاد والإثبات، فربما تسول لبعض الفسقة أنفسهم أن يغيروا في الكتابة تقليلاً أو تكثيراً أو إزالة أو إخفاء، فيخفون شيئاً من ذلك أو يمزقونه؛ لأجل أن ينفعوا غيرهم أو ينتفعوا؛ فهذا أيضاً من تغيير أماكن الأرض ومنارها، فهم داخلون في اللعنة.
وأحاديث رسول الله ﷺ إذا جاءت مثل هذا، فإنها تعم كل ما يدخل فيها من المنهيات التي تخالف الشرع؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه أعطي جوامع الكلم.
стр. 493
حكم لعن الفاسق
قال الشارح: [وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: أحدهما: أنه جائز اختاره ابن الجوزي وغيره.
والثاني: لا يجوز واختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله].
ذكر أنه اختار القول الأول في المسألة رجلاً، والثاني رجلين، ومن عادة العلماء أنهم يذكرون جزئيات فقط، وإلا فالمسألة معروفة ومشهورة، والذين تكلموا فيها كثيرون جداً، ولكن هكذا كانت عادة العلماء، فإنهم يشيرون إلى رءوس المسائل فقط، ثم على طالب العلم أن يبحث عن ذلك.
стр. 494
حديث: (دخل الجنة رجل في ذباب)
قال المصنف ﵀: [وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب! قال: ليس عندي شيء أقرب.
قالوا له: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب! فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله ، فضربوا عنقه فدخل الجنة) رواه الإمام أحمد].
هذا من الأمور العجيبة! فالذباب من أخس الحيوانات وأحقرها، ومع هذا يكون سبباً لدخول رجل النار، ويكون سبباً لدخول آخر الجنة، فهذا يستغرب إذا سمع، ولكن إذا ذكر الحديث كله تبين أن المراد بذلك أعمال القلوب، وليست أعمال الجوارح، فإنه يدل على أن العمل مبناه على ما يقر في القلب وما يقصده الإنسان.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، ورواه أبو نعيم في الحلية وغيرهما، وجاء مرفوعاً كما في كتاب الزهد عن طارق، وقد اختلف في صحبته، والصواب أنه صحابي، واختلف في سماعه من رسول الله ﷺ ، فقال أبو داود وغيره: إنه رأى النبي ﷺ ولكنه لم يسمع منه، فإذا كان قد رآه فهو صحابي، وإذا كان لم يسمع فيكون حديثه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لا خلاف في قبولها؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بتعديل الله إياهم وبتعديل رسوله ﷺ لهم، فليسوا بحاجة إلى نظر الناس، فيجب قبول قول الله جل وعلا فيهم، ويجب أيضاً أن يعرف الإنسان الميزة التي امتازوا بها عن غيرهم، وهي كونهم صحبوا رسول الله ﷺ وشاهدوه، وتلقوا العلم والإيمان منه صلوات الله وسلامه عليه.
وكذلك كونهم جاهدوا معه، وامتثلوا ما أمرهم به، بل أصبحوا يتسابقون في طاعته، ويتفانون في ذلك.
ثم إن هذا فيما يظهر كان في بني إسرائيل، والرسول ﷺ كان كثيراً ما يحدث عنهم، وبنو إسرائيل كان فيهم عجائب، وذكر هذا الحديث لبيان عِظَمِ التوحيد، وعظم حق الله جل وعلا، وعظم قدر الشرك، وأنه وإن كان العمل فيما يقدمه العامل غير مقصود وغير مراد وغير منتفع به، لكن النظر إلى عمل القلب الذي انطوى عليه، ونيته التي نواها؛ لأنه لا شيء ينتفع به أصحاب الصنم من تقريب الذباب، ولا صنمهم ينتفع، وإنما قصدوا بذلك النية التي تكون في القلب.
أما الذباب فهو تافه لا قيمة له، ولا أحد يريده، وهذا مما يدل على أن أعمال القلوب -حتى عند الكفرة الفجرة المشركين- هي المقصودة والمرادة، وإذا الجوارح وافقت ما في القلب فهذا أمر آخر؛ لأنه قد يكون ظاهر العمل مخالفاً لما في القلب.
стр. 495
الفرق بين الصنم والوثن
في هذا الحديث أن هؤلاء القوم كان لهم صنم، والصنم هو ما كان منحوتاً أو مصوراً على صورة مجسدة كصورة إنسان أو صورة حيوان، وأما الوثن فهو ما كان على خلاف ذلك كالقبر والشجرة والبناء والحجر إذا قصدت بالعبادة، فقد جاء أن الرسول ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبد) فأخبر أنه لو عبد لصار وثناً.
فكذلك القبور التي تعبد، وليس معنى عبادة القبور أن يأتي الإنسان ويضع جبهته عليها ساجداً، ويزعم أن صاحب القبر له شركة في السماوات والأرض مع الله، أو أنه يحيي ويميت؛ فإن هذا لا يعتقده مشرك من المشركين السابقين، وإنما عبادتهم لأصحاب القبور أنهم يزعمون أنهم يشفعون لهم عند الله بدون إذنه، بل لو دعاهم وقال: اشفعوا لي بإذن الله فإن هذا يكون من الشرك الأكبر؛ لأن الشفاعة تُطْلَبُ من الله.
والمقصود أن الوثن يطلق على ما لا صورة له إذا كان معبوداً، والصنم يطلق على ما كان مصوراً على شكل إنسان أو حيوان أو ما أشبه ذلك، وقد يطلق كل واحد على الآخر، فيسمى الصنم وثناً، والوثن صنماً، فهي إطلاقات تتعاقب، وقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك.
وعلى كل حال هذا الكلام في اللغة، وإذا جاء في القرآن ما يدل على أن الوثن يسمى صنماً، والصنم يسمى وثناً، فالقرآن جاء باللغة العربية، فيكون ذلك دليلاً على أن ذلك موجود في اللغة التي جاء بها كتاب الله جل وعلا.
стр. 496
يقع الشرك بالقربان لغير الله ولو بذباب
في هذا الحديث أنه لم يكن لهذا الإنسان مُخْلَصٌ من العبور إلا بأن يقدم لصنمهم الذي يدعون إليه القربان، فظن أنه إذا قال: ليس عندي شيء أقربه أنه يتخلص بذلك، فقالوا: قرب ولو ذباباً، فأرادوا منه صورة الفعل، وإلا الذي يقصد منه عمل القلب، أي: العبادة القلبية، ورضوا بهذا، ففعل ذلك تخلصاً منهم، وظاهر الحديث يدل على أنه كان مسلماً؛ إذ لو لم يكن مسلماً ما حسن أن يقال: دخل النار في ذباب، ولقال: دخل بكفره، أي: السابق، فلما جعل دخوله النار بسبب هذا الفعل، دل هذا على عظم الشرك، وأنه وإن كان قليلاً -مرة واحدة- ثم مات عليه صاحبه أنه يكون من أهل النار، وقد مضى في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قال: (من لقي الله يشرك به شيئاً دخل النار، ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة)، فهذا مثله.
стр. 497
الأخذ بالعزيمة والصبر على الموت في سبيل التوحيد
في الحديث أن أهل التوحيد يعرفون قدر الشرك وقدر التوحيد؛ فلهذا صبر هذا الرجل على إزهاق نفسه ولم يقرب ذباباً، وإن كان بإمكانه أن يقرب ظاهراً مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وقد جاء أن مثل هذا يكون معذوراً، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] لكنه اختار أن يقتل ولا يكون فعله موافقاً للشرك، ولو في الصورة الظاهرة فقط؛ لأنه يعلم عظم الشرك عند الله جل وعلا، ويعلم عظم الإخلاص والتوحيد لله جل وعلا، ولهذا جازاه ربه جل وعلا بأن أدخله الجنة.
وقد يقال: أليس مأذوناً لمثل هذا أن يوافق في الظاهر؟ فنقول: نعم.
ولكن لا يلزمه أن يوافقهم في الظاهر وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان، بل إذا صبر فقد أخذ بالعزيمة وذلك أفضل، والظاهر في شرع من قبلنا أنه ليس من دينهم العفو على الإكراه، لقول رسول الله ﷺ فيما يروى عنه: (عفي عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فقوله: (أمتي) يدل على أنه لم يعف لغيرهم، وإنما هذا من خصائصهم.
وهذه الأمة لها خصائص لا توجد لمن كان قبلهم كما هو معروف عند أهل العلم، وهو ظاهر في أحاديث رسول الله ﷺ .
والمقصود بهذا أن يبين عِظَم الشرك، وكذلك عظم ثواب التوحيد، وكذلك عظم قدر الشرك في قلوب عباد الله المؤمنين الذين عرفوا قدر الله وعظموه، فيصبر أحدهم على القتل وإن كان بإمكانه أن يتخلص بدون أن يكون مشركاً، إلا أنه اختار أن يموت، ولا يوافقهم ولو في صورة الفعل الظاهرة.
стр. 498
تعريف الصحابي
قال الشارح: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: (دخل رجل الجنة في ذباب) الحديث.
وطارق بن شهاب: هو البجلي الأحمسي أبو عبد الله رأى النبي ﷺ وهو رجل.
قال البغوي: نزل الكوفة، وقال أبو داود: رأى النبي ﵌ ولم يسمع منه شيئاً، قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح، وكانت وفاته ـ على ما جزم به ابن حبان ـ سنة ثلاث وثمانين].
تعريف الصحابي على القول المختار: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، وإن لم يرو عنه، فمن لم يلقه في حياته فإنه لا يكون صحابياً وإن آمن به، وهذا الذي يقال فيه: مخضرم، أي: أنه أدرك الجاهلية والإسلام ولكنه لم يلق رسول الله ﷺ .
وخرج بقوله: (مؤمناً به) الذين التقوا به وهم غير مؤمنين به، فلا يكونون صحابة.
وخرج بقوله: (ومات على ذلك) من لقيه وآمن به ثم ارتد، ومثل هذا لم يقع في الصحابة إلا لاثنين أحدهما رجع، والآخر مات كافراً، وكذلك جاء في حديث ضعيف أنه وقع ذلك أيضاً لرجل ثالث.
إذاً: كل من رأى رسول الله ﷺ وهو مؤمن به فهو من الصحابة، وقد رآه خلق كثير، ولا سيما في حجة الوداع فقد كانوا كثيرين جداً، قال أبو زرعة: إن الصحابة الذي توفي عنهم رسول الله ﷺ أكثر من ثلاثمائة ألف؛ مع أن الذين سجلوا وحاول العلماء معرفة أسمائهم ما زادوا عن اثني عشر ألفاً، فليس كل الصحابة لهم أحاديث رويت وعرفت أسماؤهم.
стр. 499
دخول رجل الجنة في ذباب
قال الشارح: [قوله: (دخل الجنة رجل في ذباب) أي: من أجله.
وقوله: (قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله!) كأنهم تقالوا ذلك وتعجبوا منه، فبين لهم النبي ﷺ ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيماً يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار].
قوله: (دخل رجل النار في ذباب)، (في) هنا سببية، ومثلها ما جاء في الحديث الصحيح: (دخلت امرأة النار في هرة)، أي: بسبب هرة ربطتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، يقول الرسول ﷺ : (فرأيتها في النار والهرة تخمش وجهها بسبب ذلك).
قال الشارح: [قوله: (مر رجلان على قوم لهم صنم)؛ الصنم ما كان منحوتاً على صورة ويطلق عليه الوثن كما مر.
وقوله: (لا يجاوزه) أي: لا يمر به، ولا يتعداه أحد].
الوثن في الواقع كل ما صد عن عبادة الله، ويطلق عليه طاغوت، والوثن قد يكون مجسداً وقد يكون معنى من المعاني، فقد يكون مالاً، وقد يكون شخصاً، وقد يكون رئاسة، وقد يكون لعبة، أو أي شيء يتعلق به قلبه حتى يترك من أجله عبادة الله، ويصبح هذا الشيء مستولياً على قلبه، فيحبه ويعمل من أجله؛ وذلك لأن الإنسان خلق لعبادة الله، فكل ما صده عن هذه العبادة فهو وثن.
ولهذا فإن من تمام عدل الله وحكمته جل وعلا أنه إذا جمع الناس ليوم القيامة، وقاموا لرب العالمين، وقد اشتدت عليهم الأهوال، وتمنوا فصل القضاء ولو إلى النار، فيأتون إلى الأنبياء ويبدءون بسيدنا آدم ﵇، ويسألونه أن يشفع لهم عند الله تعالى لفصل القضاء، فيعتذر لذنبه، ويرسلهم إلى نوح، فيعتذر نوح ويردهم إلى إبراهيم، وهكذا حتى يأتوا محمداً ﷺ ، يقول صلوات الله وسلامه عليه: (فأذهب إلى مكان تحت العرش، فأخر ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ساجداً، ويفتح علي من الدعاء والمحامد والثناء، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، وهذه هي الشفاعة الكبرى ليقضى بين العباد ويرتاحون من هذا الموقف، ثم يخاطبهم الله جل وعلا ويقول: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟)، وهذا هو الشاهد؛ وعند ذلك كل من كان يعبد شيئاً فإنه يؤتى بذلك الشيء في الموقف على صورته وهيئته وحالته التي كان يعبده في الدنيا، فإن كان المعبود من عباد الله المؤمنين جيء بشيطان على صورته؛ لأن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك ودعاهم إليه، ثم بعد ذلك يقال لهم: اتبعوا معبوداتكم فيتبعونهم إلى جهنم، فيكبكبون فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، فهؤلاء لا يحتاجون إلى محاسبة؛ لأنهم مشركون وكفرة، فلا يقام لهم يوم القيامة وزن.
ثم يبقى الذين يحاسبون، وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، مقابل أولئك الذين يذهب بهم إلى جهنم بلا حساب، ويقابلهم طوائف من المؤمنين يذهب بهم إلى الجنة بلا حساب، وقد مر أن الرسول ﷺ أخبر أن من هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب.
فيبقى الذين يحاسبون، وهؤلاء هم الذين تنصب لهم الموازين كما جاء تفصيل ذلك مبيناً موضحاً في سنة رسول الله ﷺ .
стр. 500
المسائل المستفادة من حديث القربان بالذباب
قال الشارح: [قوله: (قالوا له: قرب ولو ذباباً) إلى آخره، هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
وفي هذا الحديث: التحذير من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار.
وفيه: أنه دخل النار بسببٍ لم يقصده ابتداء، وإنما فعله تخلصاً من شر أهل الصنم.
وفيه: أن ذلك الرجل كان مسلماً قبل ذلك، وإلا فلو لم يكن مسلماً لم يقل دخل النار في ذباب.
وفيه: أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
ذكره المصنف بمعناه.
وقوله: (وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب) إلى آخره فيه بيان فضيلة التوحيد والإخلاص].
стр. 501
مسائل باب ما جاء في الذبح لغير الله
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] المسألة الثانية: تفسير قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] المسألة الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
المسألة الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك].
بدأ لعن من ذبح لغير الله لأن الذابح لغير الله أعظم جرماً مما ذكر بعده، أي: أن الذبح لغير الله أعظم من لعن الوالدين، وأعظم من تغيير منار الأرض، وأعظم من إيواء المحدث، هذا المقصود بكونه بدأ به.
[المسألة الخامسة: لعن من آوى محدثاً، وهو الرجل يحدث شيئاً يجب فيه حق الله فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك].
يعني: أن هذا فرد من أفراد الإيواء، وإلا فالإيواء أنواع كثيرة.
стр. 502
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٢]
حرم الله تعالى الذبح لغيره، وجعله شركاً به، وحرم أيضاً ما كان وسيلة إلى الشرك، أو كان فيه مشابهة للمشركين، حتى إنه حرّم أن يذبح المرء لله في مكان يذبح فيه لغير الله.
стр. 503
قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله تعالى].
هذا من وسائل الشرك التي يجب أن تُمْنَعَ، وليس ذلك شركاً، ولكنه وسيلة قد توصل إلى الشرك، لأنه يكون فيه مشابهة المشركين، وفيه أيضاً بعث لمن كان يذبح في هذا المكان أن يذبح فيه.
والمؤلف رحمه الله تعالى أدرك أهل وقته الذين كانوا يذبحون للجن، ويجعلون مكاناً في البيت معيناً يذبح فيه للجن إذا أرادوا -مثلاً- أن يُخَلِّصُوْا من تلبس به الجني، والجن يتسلطون عليهم بذلك، وهذا من الشرك، فأراد أن ينبه على أنه لو قدر أن تاب الإنسان وأخلص دينه لله، وقد علم أن هذا المكان كان يذبح فيه لغير الله؛ فإنه لا يجوز الذبح فيه لأمرين: الأمر الأول: أنه وسيلة إلى الشرك.
الأمر الثاني: أنه مشابهة للمشركين.
واستدل على هذا بالنصوص التي سيذكرها من كتاب الله جل وعلا، وأحاديث رسوله ﷺ .
قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]].
هذه الآية نزلت في شأن مسجد ضرار، ومسجد ضرار مسجد بناه المنافقون الذين يريدون الصد عن سبيل الله، ومقاومة دعوة الرسول ﷺ ، وكان قرب مسجد قباء، وكان هذا في آخر حياة الرسول ﷺ ، وكان بأمر أبي عامر الفاسق الذي كان يسمى الراهب، فسماه الرسول ﷺ : الفاسق.
فجاء المنافقون إلى النبي ﷺ وهو يتجهز للخروج إلى غزوة تبوك، فقالوا موهمين للنبي ﷺ والناس أنهم يريدون خيراً: قد بنينا مسجداً للمريض أو لليلة المطيرة أو الباردة لئلا يشق عليهم الذهاب إلى مسجد قباء، فنريد أن تأتي إلينا فتصلي فيه، فقال: (نحن على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله).
فلما رجع من تبوك، وبقي بينه وبين المدينة يوم نزل القرآن في شأنه، فأمر الرسول ﷺ بعض المؤمنين ممن كانت دورهم قريباً من هذا المسجد أن يذهبوا إليه ويحرقوه على من فيه، فذهبوا سراعاً فصار بعضهم يجمع الحطب، وبعضهم يأتي بالنيران فحرقوه، والله جل وعلا يقول: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)).
ومن المعلوم أن الرسول ﷺ لو قام فيه فإنما يقوم عابداً لله مخلصاً له جل وعلا، ومع ذلك نهاه أن يقوم فيه، فصار القياس أنه لو كان هناك مكان يذبح فيه لغير الله، فإنه لا يجوز للذي يذبح لله مخلصاً أن يذبح فيه لئلا يشابه أولئك، ولأنه صار مكان معصية، فالاستدلال بهذه الآية من باب القياس، وهو قياس واضح وجلي، حيث إن الله جل وعلا نهى رسوله ﷺ أن يقوم في هذا المسجد الذي بني على الفساد، وعلى المضرة بالإسلام وأهله، فصار من معصية الله أن يقوم فيه وإن كان مصلياً لله.
стр. 504
تعيين أول مسجد أسس على التقوى
قوله: ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)) المقصود به مسجد قباء، فإنه هو المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فإن الذي خطه هو رسول الله ﷺ ، وبناه المؤمنون متقين الله جل وعلا، مطيعين له، متبعين لرسوله ﷺ .
وقوله: ((فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا))؛ جاء في المسند وفي صحيح ابن حبان وغيرهما أن الرسول ﷺ قال لأهل قباء: (إن الله قد أحسن الثناء عليكم في قصة مسجدكم، فما هذه الطهارة التي تتطهرون؟ قالوا: ما هو والله يا رسول الله إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم بعد قضاء الحاجة، فرأيناهم ففعلنا مثل فعلهم، فقال: هو ذاك فعليكموه) يعني: الزموا هذا.
وأما ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (أن رجلين تماريا في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فسألا رسول الله ﷺ فقال: هو مسجدي هذا؟) فالمعنى أنه من باب الأولى، أي: فإذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ أولى أن يكون كذلك وأحرى.
فلا ينافي ما ذكر من أن القصة في مسجد قباء؛ لأن المضارة بمسجد ضرار كانت بجواره، فالسياق وسبب النزول واضح في ذلك.
وقوله: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ))، فيه دليل على إثبات محبة الله جل وعلا، وأنه يحب المتنزه من النجاسات الحسية، كما أنه يحب المتنزه من أرجاس الذنوب؛ لأن الذنوب نجاسات معنوية، والنجاسات المعنوية أعظم ضرراً من النجاسة الحسية.
يقول الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: فيه دليل على استحباب الصلاة مع الصالحين وأهل الطهارة والنظافة؛ لأن الله جل وعلا أثنى على هؤلاء، ومن أثنى الله جل وعلا عليهم فإنه يكون محباً لهم جل وعلا.
والدليل الذي استدل به المؤلف على هذا كما قلنا: من باب القياس، وهو واضح.
стр. 505
وجه الدلالة في آية مسجد الضرار على تحريم الذبح لله في مكان المعصية
قال الشارح: [قوله: باب: لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله تعالى.
لا: نافية ويحتمل أنها للنهي وهو أظهر] إذا قيل: إنها نافية فهي تتضمن النهي، وقد يكون النفي الذي يتضمنه النهي أبلغ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] فلا في الآية لا تصلح أن تكون ناهية، وإنما هي نافية، ومع ذلك فهي أبلغ في النهي كما قال أهل البيان.
قال: [وقوله: وقول الله تعالى ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] الآية قال المفسرون: إن الله تعالى نهى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار، والأمة تبع له في ذلك، ثم إنه تعالى حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله ﵌، وجمعاً لكلمة المؤمنين، ومعقلاً ومنزلاً للإسلام وأهله].
امتثل الرسول ﷺ هذا الأمر، فكان يزور مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً، وقد جاء في الترغيب في ذلك قوله: (من توضأ في بيته ثم خرج إلى مسجد قباء فصلى فيه ركعتين فكأنما أتى بعمرة)، وهذا أمر ينبغي أن ينتهز، فالعمرة هي الحج الأصغر، والحج بنوعيه الأصغر والأكبر، أمره عند الله جل وعلا وكبير.
وقد جاء أن من حج لله مخلصاً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهنا ينبغي الامتثال لأمر الله جل وعلا حيث قال: ((لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)).
стр. 506
الأماكن تكتسب الآثار السيئة بالسيئات
يستدل بهذه الآية وقصة مسجد الضرار على أن الأماكن تكتسب الآثار السيئة بالمعاصي فتكون مبغضة إلى الله، وتكون محل معصية، ويكون الجلوس والسكون فيها ممنوعاً؛ ولهذا السبب كان الرسول ﷺ إذا مر بوادي محسر أسرع وأمر بالسرعة؛ لأن وادي محسر -الذي بين مزدلفة ومنى- هو المكان الذي أنزل الله جل وعلا فيه العذاب على أصحاب الفيل.
وكذلك لما ذهب إلى تبوك ومر بديار ثمود نهى أصحابه أن يستقوا من الماء، ومن سبقه وأخذ ماء وعجن به أمر أن يعطى العجين للبهائم وألا يؤكل، وأمرهم أن يأخذوا الماء من بئر الناقة فقط، ونهاهم أن يدخلوا تلك المساكن، وقال: (لا تدخلوا عليهم إلا أن تكونوا باكين، لا يصيبكم ما أصابهم) فهذا يدل على أن الأماكن التي نزل بها غضب تكتسب آثاراً من الغضب؛ ولهذا قال العلماء: لا يجوز سكنى تلك البلاد لهذا الحديث، فإنه يخشى على من سكنها أن يصيبه ما أصاب القوم سواءً من الأمر الظاهر الحسي، أو الأمر المعنوي من قسوة القلوب، والبعد عن الله جل وعلا، واكتساب المآثم والمعاصي حتى يكون مثل أولئك الذين كذبوا الرسل.
وهكذا مسجد الضرار يأخذ هذا الحكم، فيكون النهي مؤبداً؛ ولهذا قال: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾؛ لأنه اكتسب الأثر السيئ من معصية أولئك.
وكذلك محل الطواغيت والأصنام ونحوها، ولا يعترض على هذا بما وقع في قصة اللات، فإن الرسول ﷺ لما جاءه أهل الطائف مسلمين اشترطوا فيما اشترطوا عليه أن تبقى لهم اللات سنتين فأبى، ثم قالوا: سنة، فأبى، فقالوا: فتول أنت أمرها، فأرسل المغيرة بن شعبة ﵁ فهدمها، ثم بنى مكانها مسجداً، وهو مسجد ابن عباس المعروف اليوم، فلا يقال: إن هذا يعارض ما سبق؛ لأن هذا لمصلحة اقتضت ذلك، لأنه لو ترك مكانها لأوشك أن تبعث مرة أخرى، فلما جعل مكانها مسجداً نسيت ونسي مكانها، وأصبح لا يعرفه إلا أهل العلم، ومحل اللات هو محل المنارة، وليس قلب المسجد.
стр. 507
فضل مسجد قباء
قال الشارح: [ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة في مسجد قباء كعمرة)، وفي الصحيح: (أن رسول الله ﵌ كان يزور قباء راكباً وماشياً)، وقد صرح أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغيرهم.
قلت: ويؤيده قوله في الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨].
وقيل: هو مسجد رسول الله ﵌ لحديث أبي سعيد قال: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال رجل: هو مسجد قباء وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﵌: هو مسجدي هذا) رواه مسلم وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم.
قال ابن كثير: وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية والحديث؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى، وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧] فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة].
стр. 508
قصة مسجد الضرار والدلالة على تحريم الذبح في مكان المعصية
قوله: ((وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ)) الذي كان يرصد له هو أبو عامر الفاسق فإنه خرج مغاضباً ومتوعداً يقول للرسول ﷺ : والله لأملأنها عليك خيلاً، فذهب إلى هرقل وطلب منه أن يمده بالجيش ليقاتل رسول الله ﷺ فقتله الله هناك، فمات بغيظه، والذين كانوا ينتظرونه في هذا المسجد أمرهم أن يبنوا هذا المسجد حتى يكون محلاً لهم، حتى إذا أرسل رسولاً يكون قاصداً لهذا المسجد، فيتلقون رسائله وأوامره من هذا المسجد، فهذا معنى قوله: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وأما كونهم يحلفون أنهم ما أرادوا به إلا الحسنى، فهذا شأن المنافقين يعتمدون على الحلف والكذب، ويسترون أعمالهم بالكذب، وقد أخبر الله جل وعلا أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يصنعون هذا الصنيع لله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨] كأمرهم في الدنيا؛ وذلك أن الإنسان يبعث على الحالة التي مات عليها، من مات على حالة في هذه الدنيا بعث عليه حتى في الصفة، فالصفة التي يموت عليها يبعث عليها، وفي هيئته الباطنية التي تكون في عقيدته وإيمانه أو كفره، وكذلك هيئته الظاهرة حتى يعرفه من كان يعرفه في الدنيا، والمقصود أن الجزاء من جنس العمل، فالله جل وعلا يقابل هؤلاء بما يستحقونه.
стр. 509
نهي الله لرسوله عن الصلاة في مسجد الضرار
قال الشارح: [فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة، وكان الذين بنوه جاءوا إلى النبي ﷺ قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلي فيه، وأنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية فقال: (إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله) فلما قفل ﵇ راجعاً إلى المدينة، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل قدومه إلى المدينة.
ووجه مناسبة الآية للترجمة: أن المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، كما أن هذا المسجد لما أعد لمعصية الله صار محل غضب لأجل ذلك، فلا تجوز الصلاة فيه لله، وهذا قياس صحيح يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي].
قد يقال مثلاً: الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون في كنائس النصارى، ومن المعلوم أن كنائس النصارى فيها من الصور والصلبان ما هو معبود من دون الله جل وعلا.
ونقول: نعم.
ولكن ما كانوا يصلون في الكنيسة التي فيها الصور أو فيها الصليب حتى يخرجوه أو يمزقوه، والكنائس تكون محلاً للعبادة، وكذلك البيع بنيت لعبادة الله جل وعلا إلا أن الشرك طرأ عليها، وإذا كان الشرك طارئاً فإنه يزال، وإن كان هؤلاء يتعبدون بضلال وشرك، فالأصل في دينهم أنه حق، ولكن غيروا وبدلوا بعد رسولهم الذي بعث إليهم وهو عيسى ﵇، فهذه الأماكن تفارق المكان الذي اتخذ للشرك محضاً، ولا تكون مماثلة له.
стр. 510
الثناء على طهارة أهل قباء
قال الشارح: [قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] روى الإمام أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: (إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدك)].
هذا يدل على أن الصحابة ما كانوا يعرفون الاستنجاء بالماء، ولهذا قال كثير من الفقهاء إن الاستنجاء لم يأت به نص من كتاب الله، وإنما جاءت هذه الأشياء فيما بعد، لا سيما وهذه القصة في آخر حياة النبي ﷺ ، وإنما كانوا يستجمرون بالحجارة، ولهذا جاء الأمر بالاستجمار كثيراً ولم يأت الاستنجاء، والاستنجاء هو إزالة النجو بالماء.
والماء لا شك أنه أبلغ إزالة، ولكن إذا اقتصر الإنسان على إزالة أثر الخارج بالحجارة، أو ما هو مماثل للحجارة، فهذا جائز باتفاق العلماء، ولا يلزمه أن يتبع أثر ذلك بالماء، وإنما يكون هذا فضل؛ لأن الله أثنى على هؤلاء، ويكون فيه مبالغة في الطهارة.
ومعلوم أن الحجر يترك أثراً لا يزيله إلا الماء، ولكن هذا الأثر معفو عنه؛ لأنه أزال الشيء الذي يستطيع إزالته، وبقي الشيء الذي لا يزيله إلا الماء، فلو صلى بالاستجمار وإن كان الماء عنده فصلاته صحيحة باتفاق العلماء.
فعلى هذا يستحب للإنسان أن يجمع بين الحجارة والماء إذا أمكن، وإذا اقتصر على أحدهما فهو جائز.
قال الشارح: [قال رسول الله (فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا) وفي رواية عن جابر وأنس: (هو ذاك فعليكموه) رواه ابن ماجه وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم.
قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] قال أبو العالية: إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب].
أي: فهذا من باب الأولى كما مضى في حديث أبي سعيد أن الرسول ﷺ قال: (هو مسجدي هذا) فمسجد الرسول ﷺ أولى أن يوصف بأنه أول مسجد أسس على التقوى من أول يوم؛ وهذا مثله، فإن الطهارة من الذنوب هي المقصودة، ولكن واضح أن الآية للتطهر الحسي من الخارج من البدن، والله يحب من تطهر لذلك وتنظف، ولكن كونه يتطهر من الذنوب أولى بأن يحب، فهذا كقوله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] تزودوا: أي: بالطعام والشراب الذي تحتاجونه في سفركم، أمرهم بالتزود ثم نبه أن زاد التقوى خير وأفضل، وهذا كثير في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ وكلام السلف.
стр. 511
إثبات صفة المحبة والرد على من أنكرها
قال الشارح: [وفيه إثبات صفة المحبة خلافاً للأشاعرة ونحوهم].
المحبة من صفات الله جل وعلا، وهي ثابتة من الجانبين، أما من جانب العبد فهو أمر لا بد منه، فالذي لا يحب الله لا يكون مسلماً أصلاً؛ لأن (لا إله إلا الله) مبنية على التأله؛ بأن يكون الله هو المألوه الذي يألهه القلب ويحبه ويخافه وينيب إليه ويخضع له ويذل له، فلا بد من محبة العبد لربه، وهذا أمر معلوم من الدين الإسلامي بالضرورة، والعجيب أن الأشاعرة ونحوهم من أهل البدع ينكرون المحبة من الجانبين: من جانب العبد ومن جانب الرب.
أما من جانب العبد فيقولون: إن المحبة لا تكون إلا للمجانسة، فلا يحب الإنسان إلا من هو مجانس له.
وأما من جانب الرب فهم يقولون: إنها تدل على الفقر؛ لأن الحب هو الميل إلى الملائم، والله جل وعلا لا يكون محباً لشيء يميل إليه فيلائمه؛ لأنه الغني، ولأنه ليس له نظير أو مثيل، فهذه شبهتهم التي نسوا بها ما دل عليه كتاب الله بل ما جاء به الإسلام ضرورة، وهي شبه لا أصل لها في الدين الإسلامي.
والجواب عنها أن يقال: العبد عبد، ومعنى عبد أنه معبد، والعبادة هي الذل والخوف والخضوع والذل، وذلك لا بد أن يكون متضمناً للحب، وهذا هو التأله، والذي لا يوجد عنده تأله لا يكون عابداً لله جل وعلا، أي: أن الذي لا يكون محباً لله لا يكون عبداً لله جل وعلا.
وأما أنها تكون للمجانسة فهذا لا يلزم، والعبد فقير لله جل وعلا لا ينفك فقره عنه، وإذا لم يعبد ربه ويحبه فإن في ذلك شقاءه وعذابه.
وأما كون محبة الرب جل وعلا هي الميل للشيء الذي يريده، فهذا وصف محبة العبد لا محبة الرب.
أما محبة الله جل وعلا فهي محبة تليق به كما أن محبة العبد تليق به، ولا يمكن أن تكون صفة الله جل وعلا مماثلة لصفة المخلوق؛ لأن الله جل وعلا ليس له مثيل ولا شبيه في ذاته فكذلك صفته، فإن الصفة تتبع الموصوف.
فالعبد صفته تليق به، وصفة الله جل وعلا تليق به، هذا لو قلنا بمقتضى القياس والعقل الذي يحتجون به، مع أنه يجب أن نقول بما قاله الله جل وعلا وقاله رسوله وإن خالف العقل، والذي يقوله الله جل وعلا ويقوله رسوله لا يخالف العقل، بل العقل متفق معه.
فالمحبة من الله جل وعلا ليست للافتقار ولا للحاجة، ولكنها تكرم وجود وفضل يتفضل به على عباده.
ومثل ذلك سائر الصفات، فالأشاعرة مع إثباتهم للأسماء والصفات يؤولونها، وتأويلها إنكار لها، لأنهم يثبتون لفظها ثم يتأولونه فيقولون: المحبة معناها محبة الطاعة، ومعنى أن الله جل وعلا يحب العبد: أنه يريد منه الطاعة، فيجعلون المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، فمرة يؤولونها بالإرادة، ومرة يؤولونها بشيء مخلوق وهو الجزاء الذي يعطاه العبد.
أما أن تكون صفة يتصف بها الله جل وعلا فهذا ينكرونه، ومعلوم أن هذا أمر حادث لم يقله به أحد من السلف، ولا يجد الإنسان على هذا أي دليل من كتاب الله، ولا من أحاديث رسوله ﷺ ، وإنما بنوه على التواطؤ الذي تواطئوا عليه، والمذهب الذي تلقاه بعضهم من بعض، فبه نفوا معاني كلام الله، ومعاني كلام رسوله ﷺ .
стр. 512
التأويل مخالف لظاهر الخطاب الشرعي ولم يأت ما يوافقه من كتاب ولا سنة
من المعلوم أن الله خاطب الناس باللغة التي يعرفونها ويتخاطبون بها، وأن الرسول ﷺ بين لهم البيان الذي أمره الله جل وعلا به، ولم يأت لا في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف أن الرسول ﷺ قال: ليس المراد بالمحبة أو بالفرح أو بالضحك أو بالنزول أو بالاستواء أو ما أشبه ذلك، ظاهره، وإنما المراد أمر آخر.
ولو كان الذي أراده الله جل وعلا غير الظاهر لبينه الرسول ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧] وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا اتخذ السلف هذه الآية قاعدة يردون بها كل بدعة، فكل ما لم يبينه الرسول ﷺ فهو بدعة مردود على قائله، وهذا أمر واضح وظاهر.
стр. 513
كثرة النصوص المثبتة للصفات
وكما أنه جل وعلا له وجه وله عينان وله يد وله رجلان، وغير ذلك مما أثبته الله جل وعلا لنفسه، وليس كمثله شيء، فقد جاءت النصوص الكثيرة التي تثبت هذه الصفات، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال الرسول ﷺ : (إن الله يأخذ السماوات بيمينه والأرض بشماله فيهزهما ويقول: أنا الجبار أين المتكبرون؟ أين الجبابرة؟).
وفي الصحيحين: أن يهودياً من أحبار اليهود جاء إلى الرسول ﷺ فقال: (يا محمد! إن الله يوم القيامة يضع السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر خلقه على أصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
أما ما يقوله أهل البدع فإنه مردود عليهم بكتاب الله جل وعلا وبما بلغه رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه عن ربه جل وعلا.
وقد كان صلوات الله وسلامه عليه يخطب على المنبر وفي المجامع بذكر صفات الله جل وعلا، كان يخطب يوماً فقال: (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، فقام إليه رجل أعرابي كان حاضراً فقال: يا رسول الله! أويضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك) فلم ينكر عليه الرسول ﷺ ، بل أقره على هذا، وهذا كثير جداً في أحاديث رسول الله ﷺ .
والرسول ﷺ كما في الصحيحين يقول: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده التائب من أحدكم تضل راحلته عليها متاعه وطعامه وشرابه في أرض دوية، فيطلبها فييئس من وجودها، ثم يأتي إلى شجرة يقول: أموت تحت هذه، فيضع رأسه ينتظر الموت، وبينما هو كذلك إذا راحلته واقفة على رأسه، فيأخذ بخطامها ويقول: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك!! أخطأ من شدة الفرح!).
أما ما ذكره بعض الناس أن الإمام مالكاً ﵀ كان يكره أن تذكر الصفات عند العوام فهذا باطل، فإن الرسول ﷺ هو معلم الخير وهو القدوة، وهو الذي كان يبلغ هذه الصفات ويجب أن يقتدى به، ومع ذلك يجب أن ينفى عن الرب جل وعلا توهم الجاهلين والكاذبين.
стр. 514
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٣]
لقد مدح الله الموفين بالنذر في كتابه الكريم فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) ولا يمدح الله إلا ما هو عبادة شرعاً؛ ولهذا فلا يجوز صرف النذر لغير الله سبحانه، والنذر سواء كان مجازاة أو إبراراً تترتب عليه الأحكام الخمسة: الحرمة والكراهة والإباحة، والوجوب والاستحباب.
стр. 515
بعض الأحكام المتعلقة بالنذر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وإسناده على شرطهما].
هذا الحديث نص في المسألة التي بوب عليها، وهو أن هذا الرجل أتى إلى النبي ﷺ وأخبره أنه نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، وبوانة: هضبة، يقول بعض أهل الغريب: إنها في أسفل مكة، ويقول أبو السعادات بن الأثير: إنها تقع شمال ينبع، وهي المعروفة إلى اليوم بهذا الاسم، تقع بين ينبع وبين أملج على ساحل البحر، ولا تزال تعرف بهذا الاسم بوانة، وهي المقصودة في هذا الحديث، وهذا عين هذا المكان؛ لأنه عين أن يذبح هذه الإبل في هذه الهضبة.
стр. 516
متى يجب الوفاء بالنذر
جاء في رواية أنه نذر إن ولد له مولود ذكر أن يذبح على بوانة خمسين رأساً من الغنم، أو قال: من الإبل، وأنه أتى إلى النبي ﷺ يستفتيه في حجة الوداع، يعني: في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟) والوثن: عام في كل ما يعبد من دون الله سواء كان ميتاً أو كان حجراً أو غير ذلك، يعني: كان قبراً أو شجراً أو حجراً أو غير ذلك، وسبق بيان الفرق بين الوثن والصنم: فالصنم ما كان على صورة حيوان أو إنسان، وأما الوثن: فهو أعم سواء كان شجراً أو حجراً أو قبراً أو غير ذلك، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فقوله: (هل كان فيها وثن؟) عام في كل ما يعبد من دون الله، وهذا استفصال منه واستفسار، فقالوا: لا، لم يكن فيها شيء من ذلك، فقال: (هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟) العيد اسم لما يعود ويتكرر، سواء يعود بالفعل، أو يعود بالزمن، أو مكان يعاود إليه، وهذا كله جاءت النصوص به، وكلها تسمى عيداً، الأفعال مع الوقت كقول ابن عباس: (شهدت العيد مع رسول الله ﷺ يقصد الصلاة مع الوقت.
وأما المكان فمثل قول النبي ﷺ : (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ أينما كنتم) (لا تجعلوا قبري عيداً) يعني: لا تتردوا إليّ (وصلوا عليّ أينما كنتم) هذا يكون في المكان.
وأما في الزمن فمثل ما جاء أن يوم الأضحى ويوم الفطر عيد المسلمين، وكذلك يوم الجمعة يسمى عيداً، فهذا يقصد به الزمن، ولكن لا بد أن يتبعه فعل، فقوله: (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟) يشمل هذا كله، سواء كان مكاناً يجتمعون فيه، أو كان مكاناً يعملون فيه أي: عمل من أعمال الجاهلية، سواء من الأعمال العادية أو التعبدية؛ يكون عيداً من أعيادهم، فلا يجوز أن يوافقوا على هذا، وفي هذا دليل على أنه يجب مخالفة الكفار في كل أفعالهم وأعيادهم التي يتخذونها سواء كانت عادات أو عبادات، فلابد أن يخالفوا في هذا؛ لأنه مطلوب شرعاً، ولأن النصوص دلت على هذا.
فلما ذكر له أنه لم يكن فيها وثن ولا عيد من أعيادهم، قال له: (أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) يقول العلماء: إنه إذا جاء الحكم مذكوراً بالفاء، مرتباً على وصف سابق، فإنه يكون علة فيه، ويجب أن تتوافر تلك الصفات وإلا لا يكون الحكم ثابتاً، والحكم هنا: الوفاء بالنذر، والصفة التي ذكرت كونه لم يكن فيه وثن ولا عيد، فدل هذا على أنه لو كان فيه وثن أو عيد أنه يكون نذر معصية، ونذر المعصية الوفاء به حرام؛ لقوله ﷺ : (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) (لا وفاء) هذا نفي، أي: لا يجوز الوفاء بالنذر في معصية الله.
فدل على أن الإنسان إذا خصص مكاناً لأداء النذر فيه، وكان خالياً من هذه الموانع حيث لم يكن محلاً للتعبد في الجاهلية ولو كان سابقاً ولو كان قديماً، ولو كان قد زال وذهب؛ فإن الوفاء بهذا النذر معصية، أو كان فيها عيد كالأسواق التي يترددون إليها للعب والاجتماع وما أشبه ذلك من أعيادهم التي يعتادونها، فإنه لا يجوز الوفاء بهذا.
стр. 517
نذر الطاعة ونذر المعصية
النذر يكون طاعة ويكون معصية، فالنذر إذا كان طاعة وجب الوفاء به، وقد أثنى الله جل وعلا على الذين يوفون بالنذر كما قال الله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] اليوم الذي يخافونه هو يوم القيامة، فهو الذي يكون شره مستطيراً يعني: ظاهراً وجلياً، يخافون ذلك اليوم، وهو الوقوف بين يدي الله جل وعلا، فقرن خوفهم الذي يقتضي الإيمان باليوم الآخر بالوفاء بالنذر، فدل على أن الوفاء بالنذر عبادة، والله جل وعلا لا يثني ويمدح إلا على فعل يحبه ويرضاه، فيكون عبادة.
فالنذر إذا كان طاعة وقربة يجب الوفاء به، ولا يجوز أن يصرف النذر لغير الله جل وعلا؛ لأن النذر عبادة، وهذا معصية، وإذا كان معصية فلا يجوز الوفاء به، كأن ينذر الإنسان مثلاً أن يشرب خمراً، أو ينذر مثلاً ألا يكلم أخاه، أو ينذر مثلاً ألا يعطي فلاناً حقه أو ما أشبه ذلك، فإن هذا نذر بمعصية لا يجوز الوفاء به، بل يحرم الوفاء به.
стр. 518
حكم من نذر نذر معصية
اختلف العلماء فيمن نذر نذر معصية هل يلزمه كفارة؟ الصواب أنه يلزمه كفارة يمين لحديث عائشة: (لا وفاء لنذر في معصية الله، وعليه كفارة يمين) والحديث رواه أهل السنن الأربع، وهو حديث صحيح.
القول الثاني: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أنه لا يلزمه شيء.
ولكن الصواب هو ما دل عليه حديث عائشة أنه يلزمه كفارة يمين إذا نذر نذْر معصية، ولا يجوز أن يفي بهذا النذر، وعليه أن يكفر كفارة يمين.
وقوله: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) أيضاً إذا نذر الإنسان أن يتقرب بشيء لا يملكه فإنه لا وفاء له بذلك؛ لأنه أيضاً لا يملك ذلك، وهو في الواقع خرج عما هو مأمور به مثل أن يقول: إن شفي مريضي فعليّ أن أتصدق ببيت فلان، أو بمال فلان، أو أن أعتق عبد فلان أو ما أشبه ذلك، فهذا إذا عين المال أنه مملوك لغيره فإنه لا وفاء له بهذا النذر، وهل يلزمه كفارة مثل السابق؟ تلزمه كفارة يمين.
وإذا نذر مثلاً في شيء لا يملكه وأطلق، فقال: عليّ أن أتصدق بألف ريال إذا شفي مريضي أو قدم غائبي، أو مثلاً: إن حصل لي كذا وكذا عليّ أن أذبح ناقة، أو أن أتصدق مثلاً بألف ريال، وليس ذلك عنده، فإنه يلزمه ويكون في ذمته، إذا وجد ذلك لزمه أن يفي به، وإن لم يجده يكون ديناً عليه.
ولكن هذا لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يكون هذا المنذور في ذمته.
стр. 519
مسائل باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
[فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨].
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال].
قوله ﵀: [فيه مسائل] يعني: في الباب الذي سبق مسائل في المعنى المراد من كون المكان الذي يذبح فيه لغير الله لا يجوز الذبح فيه لله جل وعلا، فذكر منها أولاً: تفسير قوله تعالى: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)، والمقصود نهي الله جل وعلا لنبيه ﷺ عن القيام والتعبد لله في المسجد الذي قصد به الإضرار بالمسلمين، وقصد به أن يكون محلاً لمأوى المحاربين لله جل وعلا ولرسوله، فصار ذلك المكان مكان معصية لا يقام فيه للتعبد لله جل وعلا.
وقوله: (أَبَدًا) يدل على أن هذا الحكم مستمر في هذه البقعة أبداً، وأخذ من هذا: أن المعصية تؤثر في الأماكن كما أن الطاعة تؤثر في الأماكن، ومن ذلك كون المساجد أحب بقاع الأرض إلى الله جل وعلا لتأثير الطاعة فيه.
ومنه كون البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وآل عمران يفر منه الشيطان، ولا يدخله أبداً، وما أشبه ذلك كثير، هذا من تأثير الطاعة في المكان.
وأما كون المسألة المشكلة ترد إلى المسألة الواضحة، أو أن المسألة التي فيها إجمال ترد إلى المسألة التي يكون فيها التفصيل فهذا أخذ من قوله ﷺ : (هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية؟ هل كان فيه عيد من أعيادهم؟) فلما أخبر أنه ليس فيه شيء من ذلك، أخبره بالحكم، وهو أنه يجب الوفاء بهذا النذر.
والمسألة المجملة هي قوله: (إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة)، فهذا شيء مجمل، يحتمل أن تكون في بوانة وثن، ويحتمل أن يكون فيها عيد من أعياد الجاهلية فجاء التفصيل.
والمقصود بهذا أن المفتي يجب عليه أن يستفصل من المستفتي في كلامه؛ لأنه قد يكون هناك تفصيل، والحكم يختلف باختلاف الإجمال والتفصيل.
[الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع].
يعني: كون المكان يخصص بأن يذبح فيه لله جل وعلا كذا وكذا؛ جائز إذا لم يكن هناك مانع من الموانع التي فهمناها من هذا الحديث، وهكذا الصلاة، والاعتكاف، والصوم، وما أشبه ذلك له هذا الحكم إلا أنه لو نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد غير المساجد الثلاثة فإنه لا يتعين، بل يعتكف في أي مسجد من المساجد؛ لأنه إذا كان هذا يتطلب سفراً فإن حديث الرسول ﷺ دل على المنع، وهو الحديث المتفق عليه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يعني: لا تشد الرحال لأداء العبادة (إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عن رجل نذر أن يأتي مسجد قباء، فقال: يأتي مسجد الرسول ﷺ ويكفي، فسئل عن رجل نذر أن يأتي المدينة، فقال: إن كان أراد الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ يلزمه ذلك وإلا لا يجوز لقوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).
فالمقصود أن تخصيص البقعة بالنذر إذا كانت خالية من الموانع فلا بأس بها، وذلك جائز.
[المسألة السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله.
المسألة السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله].
العيد قد مر أنه اسم لزمن يعود ويتكرر، ويكون اسماً للمكان، ويكون اسماً للعمل، كالأعمال التي تفعل في وقت معين، والأعياد في هذه الأزمان -أعياد الجاهلية- كثيرة جداً، أصبح لكل مناسبة عيداً، وسواء سموه عيد الشجرة أو عيد المعلم، أو غير ذلك، كلها أعياد جاهلية؛ لأن الإسلام ليس فيه إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولهذا قال الرسول ﷺ : (إن الله أبدلكم بأعياد الجاهلية عيدين في الإسلام: الفطر والأضحى) فالمسلمون ليس لهم إلا هذين العيدين.
والذي يشارك في الأعياد الأخرى هو يشارك في أفعال الجاهلية مخالفاً أمر الرسول ﷺ ؛ فيكون بذلك آثماً.
لا بأس بكون الناس يهتمون بأمر الزراعة أو يهتمون بأمر الصحة، أو يهتمون بأمور دينهم وديناهم، ولكن لا يجعل يوماً معيناً يسمى عيداً، وإنما هذا الشيء النافع يكون الاهتمام به مطلقاً؛ لأن الشيء الذي يهم المسلمين في أمر دينهم أو دنياهم أمر مطلوب منهم شرعاً، ولا يكون مخصصاً في وقت من الأوقات؛ لأن تخصيصه في وقت من الأوقات أو يوم من الأيام اتباع لأعداء الإسلام، فيكون فيه مشابهة، فيكون ممنوعاً من هذا الباب ومن هذه الناحية، فهو ممنوع من باب المشابهة، أي: مشابهة الكفار.
ومعلوم أن الإنسان إذا رأى من يوافقه في عمل من الأعمال أو في لباس وهيئة فإنه يحب الميل إليه، ويجد شيئاً من المودة له، وهذا شيء جبلت عليه النفوس، ومن هنا جاء الشرع بالنهي عن التشبه بالكفار، قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم).
[المسألة الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية].
هذا إذا كان فيها وثن أو كان فيها عيد، فيصبح نذر معصية، ودل هذا على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، بل يحرم أن يفي الإنسان بنذر المعصية، إذا نذر مثلاً: أن يشرب الخمر، حرام عليه أن يفي بنذره أو نذر ألا يصلي حرام عليه أن يفي بنذره، لا وفاء بنذر في معصية الله جل وعلا.
[المسألة التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده].
يعني: لو لم يقصد المشابهة ولو في الصورة فإنه ممنوع للمسلم أن يكون مشابهاً للكافر ولو في مجرد صورة العمل والفعل من غير أن يقصد موافقتهم في ذلك؛ لأن قوله: (من تشبه بقوم فهو منهم) عام؛ ولأن نهي الرسول ﷺ عن التشبه بالكفار مطلق، حتى جاء النهي في العبادة، لما قيل له ﷺ : (إن اليهود يصومون يوم عاشوراء، قال: لئن عشت إلى السنة القابلة لأصومن التاسع) يعني: مخالفة لهم، ومخالفتهم مطلوبة.
[المسألة العاشرة: لا نذر في معصية].
يعني: أن النذر في المعصية محرم لا يجوز، وكذلك الوفاء به.
[المسألة الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك].
وذلك كونه ينذر شيئاً لا يملكه، كأن ينذر مثلاً أن يتصدق بمال فلان، أو بعبد فلان، أو بسيارة فلان أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز الوفاء به، وهل يلزمه بذلك كفارة؟ فيه خلاف بين العلماء، منهم من يقول: يلزمه كفارة يمين كنذر المعصية، وقد جاء الحديث في هذا، ومنهم من يقول: لا يلزمه شيء لقوله ﷺ في هذا الحديث: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) ولم يذكر كفارة.
ولكن من المعلوم أنه إذا جاء حديث آخر يثبت حكماً زائداً على الحديث الذي قبله أو الحديث المروي أنه لا يكون هناك معارضة فيؤخذ بالحكم الزائد، ويبقى العمل بالجميع.
стр. 520
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٤]
النذر عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، ومن نذر لغير الله من ولي أو نبي أو قبر فقد أشرك بالله، وهو مخلد في النار إن لم يتب قبل موته.
والنذر أنواع منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وكفارة النذر كفارة يمين.
стр. 521
النذر لغير الله وأحكامه
[باب: من الشرك النذر لغير الله] بعد أن ذكر في الباب الذي قبله أنه لا يجوز الوفاء بنذر لله جل وعلا إذا خصص له مكاناً كان يعبد فيه غير الله، أو كان فيه من طقوس الجاهلية وأوضاعهم التي كانوا يتعارفون عليها، أراد هنا أن يبين أن النذر يكون عبادة، وأن العبادة إذا صرفت لغير الله جل وعلا يكون ذلك من الشرك بالله.
وسبق أن الشرك بالله ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر يخرج من الدين الإسلامي، وإذا مات عليه الإنسان يكون من أهل النار خالداً فيها، وإن كان يصوم ويصلي ويحج، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، فأخبر جل وعلا أن الجنة حرام على المشرك بالله، وكذلك جاء في الآيات الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فجعل مشيئة المغفرة لمن لم يشرك بالله، أما المشرك فقطع الأمر فيه قطعاً أن الله لا يغفر له.
وهذا هو أعظم الذنوب، وهو الذي جاءت الرسل تحذر منه وتخوف العباد بالنار لمن فعله، وكل رسول يأتي إلى قومه يبدأ دعوتهم بالنذارة من الشرك، ويقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالأمر بعبادة الله نهي عن عبادة غيره، والعبادة سبق أنها تشمل كل ما أمر الله جل وعلا به ورضيه، وأحبه، أو أمر به رسوله ﷺ ، وكذلك ترك كل ما نهى عنه وأبغضه.
فأراد أن يبين أن النذور التي تقع من كثير من الناس في بلاد المسلمين أنها من الشرك، مثل النذور التي تقدم إلى أصحاب القبور والتي توضع عند الأضرحة، ويقال: إن هذه للولي الفلاني، وللأسف إلى الآن يستمرون على هذا الشرك في كثير من بلاد المسلمين حتى شابه الناس في بعض البلاد المشركين الأوائل الذين أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم: ﴿َجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] يعني: أنهم يجعلون من حروثهم، ومن أنعامهم نصيباً للشركاء، فما أطارت الريح من الزرع والسنابل أو غيرها إلى نصيب الأصنام والأوثان تركوه وقالوا: الله غني وهذه فقيرة.
وأما إذا كان العكس ردوه، فإذا أطارت الريح شيئاً من نصيب الأصنام إلى ما هو مجعول لله ردوه، قالوا: الأصنام فقيرة والله غني عنه.
وهؤلاء وللأسف الآن يجعلون من زروعهم نصيباً للبدوي أو غيره، بل يجعلون من أولادهم نصيباً له، فإذا تزوجت البنت مثلاً جاء بشيء من صداقها ووضعه في صندوق البدوي وقال: هذا نصيبك يا سيد بدوي! ونحو ذلك.
ويجعلون له في السنة ثلاثة موالد يجتمع فيها من الخلق ما الله به عليم، ويحصل من الفساد والاختلاط والشرك بالله جل وعلا ما هو مشاهد، ولا ينكره منكر، وكذلك غيره في بلاد كثيرة، حتى أصبح كثير من الناس لا يعرف إلا السادة، فإذا ضاقت به الضوائق، وحدثت به الحوادث اتجه إلى رفات مقبور تحت التراب، يدعوه ويتضرع إليه يقول: يا سيد فلان أنقذني! وينسى رب العالمين.
هذا ما كان شرك المشركين -شرك أبي جهل وأضرابه- يصل إليه، فشركهم أقل من هذا الشرك؛ لأنهم كانوا إذا حدثت لهم الضوائق والكربات اتجهوا إلى رب العالمين، ونسوا ما كانوا يشركون به، وإذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، ولكن إذا جاءت العافية، وذهبت الكربات عادوا إلى شركهم، فهذا أقل شركاً من شرك هؤلاء الذين يزعمون أنهم مسلمون.
ومن المؤسف أن العلماء يشاهدونهم ويرونهم في شركهم، وربما شارك بعضهم الناس في الشرك أو يسكت عنهم، والساكت عن الباطل كفاعله، وكل هذا من تقصير المسلمين بعضهم مع بعض.
فهم قصروا في طلب العلم، قصروا في معرفة الله، وقصروا فيما أوجب الله جل وعلا عليهم، مع أن هذا لا يعذر فيه إنسان مهما كان، لا يعذر إنسان في كونه يتجه إلى مقبور يسأله ويتضرع إليه، يقول: أنا جاهل أحتاج إلى تعليم، لأن الرسول ﷺ كان التوحيد أصل دعوته، والمسلم يجب أن يعرف ما الذي دعا إليه رسول الله، وإلا كيف يكون مسلماً وهو لا يعرف ما جاء به الرسول ﷺ .
стр. 522
أصول الإسلام المتفق عليها
ولهذا اتفق العلماء على أن الإسلام مبني على أصول ثلاثة، وأن الذي لا يعرف هذه الأصول الثلاثة ليس مسلماً.
стр. 523
معرفة العبد لربه
الأصل الأول: أن يعرف يقيناً أن الله هو المعبود وحده، لأن الدلائل على هذا واضحة وشاهدة في نفسه وفيما حوله من المخلوقات من السماء والأرض والنبات والجبال، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم وغير ذلك، كلها تشهد على أن الله هو الخالق، وإذا كان الله هو الخالق المدبر فيجب أن يكون هو المعبود وحده، وهذا لا يحتاج إلى أفكار وفلسفات، بل يدركه من صرف نظره إلى ذلك.
стр. 524
معرفة العبد لدينه
الأصل الثاني: أن يعرف أن الدين الذي جاء به الرسول ﷺ هو عبادة الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، فيعرفه عن يقين ومعرفة في القلب ليس عن عادة وجد عليها الناس، فإنه لو وجدهم على خلاف ذلك لفعل الشيء الذي يجدهم عليه.
стр. 525
معرفة العبد لنبيه
الأصل الثالث: معرفة من جاء بالدين، وهو الرسول ﷺ ، وليس معنى معرفته أن يقول: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم إلى آخر نسبه.
بل معرفته ﷺ أن يعرف حقاً بأنه رسول فيعرفه بحالته وبآياته التي دلت على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، بحيث لا يرتاب بأنه رسول من الرسل.
وهذه الأصول الثلاثة التي بني عليها الدين هي التي يسأل عنها الميت في قبره، كل ميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان فيسألانه عن هذه الأمور الثلاثة، فدل هذا على أن الإنسان لا يعذر بالجهل في ذلك، فليس هؤلاء الذين يعملون هذه الأعمال الشركية معذورين في أفعالهم كما يقوله من يقوله، لأن هذا أمر ظاهر وواضح، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] فإن هذا الميثاق أخذه الله جل وعلا على بني آدم كلهم، وهم في صلب أبيهم، استخرجهم كأمثال الذر، ثم استشهدهم فشهدوا أن الله ربهم، أي: معبودهم الذي لا يجوز أن يعبد غيره، ثم فطرهم على هذا، وصار الإنسان منهم يولد على الفطرة، وهي: الميل إلى عبادة الله وحده، مثل كونه يميل ويطلب ثدي أمه بدون أن يعلمه معلم.
كذلك دين الله! وإنما تتغير هذه الفطرة بالتعليم والتربية، إذا علم وربي على خلاف ذلك، ظهر عليه.
стр. 526
أسباب الشرك في النذر
ولهذا كان الشرك من الأمور الظاهرة الجلية التي لا تحتاج إلى إقامة براهين، ولا تحتاج إلى أدلة دقيقة يعرفها العلماء، بل هو أمر ظاهر جلي فلا يعذر إنسان فيه بجهل.
ومعلوم أن الإنسان إذا سمع بالنبي ﷺ وجب عليه أن يتعرف على ما جاء به، كما جاء في قوله ﷺ : (والله لا يسمع بي أحمر أو أبيض ثم لا يؤمن بي إلا أقحمه الله النار) وجعل الأمر يتعلق بمجرد السماع، وفي القرآن: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] أي: من بلغه القرآن فقد تمت نذارته، وليس البلاغ هو الفهم، وإنما البلاغ أن يسمع بالكلام فقط، فإذا سمع به فقد بلغه؛ فعليه بعد ذلك أن يتفقه.
стр. 527
نذر الأموال للمقبورين في تحصيل مرغوب أو دفع مرهوب
أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن هذه الأمور التي تقع لكثير من الناس أنها من الشرك الأكبر الذي ينافي التوحيد نهائياً، كونهم ينذرون أموالهم للمقبورين ليتقربوا بذلك إليهم إما في تحصيل مرغوب، أو في دفع مرهوب، إذا فعلوا ذلك فقد أشركوا؛ لأن في ظنهم أن هذا الميت يتصرف، وأنه يستطيع أن ينفع ويدفع، مع أن الأمر الضروري الذي عرفه من وقاه الله جل وعلا شر الانحراف وشر الشرك أن الميت لا ينفع ولا يتصرف، بل هو مرتهن بعمله، لا يستطيع أن يستزيد حسنة واحدة، ولا أن يحط من سيئاته سيئة واحدة، وهو كذلك لا يملك شيئاً؛ لأنه ميت، فالحي أقدر منه على التصرف، وأقدر منه على النفع والضر.
стр. 528
جعلهم الأمور الغيبية الخاصة بالله لغيره
الأمر الثاني: أنهم جعلوا الأمور الغيبية التي هي محض حق الله لهذا المخلوق المسكين الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الدود الذي يأكل لحمه، فهذا من الشرك الذي يجعل الإنسان إذا مات عليه من المشركين.
فهو أراد أن يبين هذا الشيء بالنذر فأثبت أولاً أن النذر عبادة في ذكر الآيات كقوله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية تدل على الثناء على هؤلاء؛ لأنه لما ذكر أن: ﴿الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦] يعني: هذه التي تمزج للأبرار تخلط لهم خلطاً يشربها أولئك الأبرار خالصة ليس فيها كدر.
ثم ذكر الثناء عليهم، فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) يعني: كان هذا عملهم في الدنيا، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٧ - ٨] إلى آخره.
والله جل وعلا لا يثني على أحد إلا على فعل الواجب أو المستحب، أو ترك المحرم والمكروه، ولا يثني على أحد بكثرة أكله أو كثرة نومه أو ما أشبه ذلك، فالشيء الذي ليس عبادة لا يثني الله جل وعلا على الإنسان به، وإنما يثني عليه بما هو عبادة.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] ومعنى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ في ضمنه الجزاء أي: أنه في علم الله مدخر لكم، وسوف يجازيكم عليه.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أمر بالوفاء بالنذر، والله لا يأمر بشيء مباح، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: (خير القرون قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون) فهذا من القدح فيهم، (ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن) يعني: أنهم يرغبون في الدنيا أكثر، فيظهر السمن فيهم؛ لكثرة المشتهيات وكثرة المأكولات، ونحو ذلك.
المقصود أنه بيّن أن من أوصافهم التي يذمون عليها أنهم لا يوفون بالنذر؛ فدل على أن النذر عبادة، وأن الوفاء به مطلوب، فإذا كان الوفاء به مطلوباً فهو عبادة، فإذا تبين أنه عبادة فصرفه لغير الله جل وعلا يكون شركاً بالاتفاق، فصرف العبادة التي أوجب الله جل وعلا فعلها وأثنى على فاعلها لغيره يكون شركاً، هذا أمر متفق عليه، وهذا هو وجه الاستدلال بالآيات.
стр. 529
النذر الذي يكون محرماً وشركاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك النذر لغير الله تعالى].
قال الشارح: [أي: لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فيكون النذر لغير الله تعالى شركاً في العبادة.
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر، ومدح من فعل ذلك طاعة لله، ووفاءً بما تقرب به إليه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه.
إذا علمت ذلك: فهذه النذور الواقعة من عباد القبور، تقرباً بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم، أو ليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦]].
معنى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾: أنهم إذا جمعوا هذا النصيب من الحرث -الزرع- أو من التمر أو من غير ذلك، ثم حصل أنه اختلط ما جعلوه لله مع ما هو لشركائهم فإنهم يتركونه لشركائهم، ويقولون: الله غني، وإن قدر أن ما لشركائهم ذهب منه شيء لما جعلوه لله فإنهم يردونه ويقولون: الشركاء يحتاجون والله جل وعلا غني عنه.
هذا كله في زعمهم الكاذب، وإلا فالله ليس له شركاء تعالى وتقدس، وكل شيء ملك لله جل وعلا، ولكنها أوضاع وجدوا عليها آباءهم، فقلدوا آباءهم فجعلوها ديناً وهو شرك بالله، حتى في الربوبية وفي الأمور الظاهرة أشركوا مع الله جل وعلا غيره، وهؤلاء شابهوا أولئك وزادوا عليهم ما أربى على شرك المشركين القدامى بكثير.
قال الشارح: [قال شيخ الإسلام: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي ﵌: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).
وقال فيمن نذر للقبور أو نحوها دهناً لتنور به -ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين- وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به] الدهن: المقصود به الإسراج عليها بالليل، وهذه أمور بدائية كما هو معروف، يسرجون على القبور بالدهن والزيت فينذرون شيئاً للإيقاد، فينور القبر مثلما تنور المساجد، وهذا محادة لله جل وعلا، أما الآن فأصبحت مصابيح الكهرباء بدلاً عن ذلك، كما هو مشاهد الآن.
[وكذلك إذا نذر مالاً للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهاً من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]].
الواقع أن المجاورين لها شياطين يريدون أكل أموال الناس، ووجدوا ناساً شبه بهائم إذا رأوا أن سوقهم قد كسد أوجدوا من الموالد الشيء المعروف، ولهذا يجعلون في السنة ثلاثة موالد، إنسان ولد في السنة ثلاث مرات، ثلاث موالد يجعلونها في السنة حتى تكثر النذور والعطايا التي تأتي من هؤلاء، وهم الذين يسحبون ما في هذه الصناديق، فالميت الرفات ما له علم بذلك، ولا يدري ماذا يجري عنده، قاصر عن هذا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] لا يدرون إلا حين يحشرون، وإذا حشروا وسئلوا قيل لهم: أنتم عبدكم الناس في كذا وكذا، فهناك يتبرءون ويكفرون بعبادتهم.
أما الآن فلا يشعرون بالشيء الذي يفعلونه، وإنما هؤلاء الشياطين السدنة هم الذين يوجدون هذه الأمور حتى تدر عليهم الأرزاق، فيأكلون منها ويكونون لهم تجارات ثم يوجدون الأمور والحكايات التي تكثر لهم الأموال في هذا السبيل، وربما ابتلي الإنسان بشياطين تتسلط عليه وتثبت هذا الشرك في قلبه كما هو معروف، وكثيراً ما تحدث الأحوال الشيطانية عند القبور، فإنها تكون حاضرة تدعو إلى هذا وتزينه.
وربما يدعو الإنسان بدعاء فيبتلى فيستجاب، فيظن أن الميت هو الذي أجابه إلى ذلك؛ لأن الله جعل له عهداً؛ أنه إذا سأل شيئاً أعطيه، هكذا يقولون.
ثم ينزلون بهم حاجاتهم وفقرهم، ويسألونهم الرزق والأولاد إذا لم يكن لهم أولاد، ويسألونهم كذلك الشفاعة في الآخرة، وكل هذا ضلال، الله ما جعل بينه وبين عباده وسائط، بل الله جل وعلا أينما دعوته في أي مكان وفي أي وقت، فهو قريب منك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] هذا شيء.
الشيء الثاني: إن الله علام الغيوب، ومطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يفوته شيء من الكلام، فليس بحاجة إلى من يوكل إليه حاجات العباد، فهذا من التشبيه الذي يكون شركاً بالله جل وعلا، وكونهم يقولون: هذا وسيلة نسأله، ثم هو يسأل لنا الله، يكون ذلك أقرب إلى الإجابة، وهذا هو أصل شرك المشركين.
على كل حال: مثل هذه الشبه لا تنطلي على المسلم، فإنها شبه شركية قديمة، جاء القرآن بإبطالها، والرسل أبطلتها وبينت بطلانها، والعقل كذلك يدل على بطلانها.
стр. 530
ابتلاء الله للعباد الناذرين لغيره
قال الشارح: [والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] والذين اجتاز بهم موسى ﵇ وقومه، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد التي في الهند والمجاورين عندها.
وقال الأذرعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك -وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة والمشهد، أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء، ويستجلب بها النعماء، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر].
يقبل النذر يعني: أنه يحصل لهم ما أرادوا إذا نذروا، إذا مرض الإنسان فنذروا له يشفى، وإذا غاب إنسان فنذروا أن يأتي هذا الغائب جاء وما أشبه ذلك، هذا معنى (يقبل النذر)، يعني: أنه يقبل العبادة ويتصرف فيغيثهم ويعطيهم ما طلبوا، ويمنعهم مما رهبوا وخافوا، يعني: أنه يتصرف مع الله، فهذا الحجر يفعل شيئاً من ذلك، وهذا كان كثيراً جداً في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت هناك حجارة وأشجار ونيران وكثيراً ما ينذر لها، كان بين الدرعية والعيينة غار يسمونه غار بنت الأمير، يقصدونه من كل جانب وينذرون له، ويتقربون إليه، والسبب فيه أنهم يقولون: إن بنت أمير من الأمراء سارت في هذه الطريق، فأتاها فجار يريدون نفسها، فلجأت في هذا الغار فحماها الغار، وكلها ترهات وحكايات يحكيها شيطان من الشياطين.
وفي العيينة نفسها كان هناك نخلة من النخل، وكانت المرأة إذا تأخر الزواج عنها جاءت إليه وسمت وقالت: يا فحل الفحول! أريد زوجاً قبل الحول، وإذا تأخرت الولادة أو لم يأتها ولد جاءت إليه وقالت: يا فحل الفحول! أريد ولداً قبل الحول، وهكذا! شجر وحجارة وقبور ونيران، وأشخاص يمشون على وجه الأرض، يقولون إنهم سادة، ينذرون لهم ويعبدونهم، يعني: أن شرك الجاهلية القديمة عاد إليهم، بل أكثر من ذلك.
ولكن الله طهر ذلك كله بسبب دعوة هذا الرجل جزاه الله خيراً، فإنه جاء بنور النبوة، ولهذا يقول بعض العلماء: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي أثر رؤية الرسول ﷺ عندما قال: (رأيت مهاجرة بلاد ذات نخل، فظننت أنها اليمامة، فإذا هي يثرب) وقال: قوله: (وظننت أنها اليمامة) من أثر قوله هذا ظهور هذا الرجل في هذه البلاد، وقيامه بالدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ ، وقريباً منها هو أثر هذه الرؤية.
وعلى كل حال: لا تزال هذه الدعوة -والحمد لله- آثارها باقية وقائمة، وقد تأثر بها كثير من المسلمين في الشرق والغرب والشمال وسائر البلاد.
следующие страницы →