← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أسباب الشرك في النذر ولهذا كان الشرك من الأمور الظاهرة الجلية التي لا تحتاج إلى إقامة براهين، ولا تحتاج إلى أدلة دقيقة يعرفها العلماء، بل هو أمر ظاهر جلي فلا يعذر إنسان فيه بجهل. ومعلوم أن الإنسان إذا سمع بالنبي ﷺ وجب عليه أن يتعرف على ما جاء به، كما جاء في قوله ﷺ : (والله لا يسمع بي أحمر أو أبيض ثم لا يؤمن بي إلا أقحمه الله النار) وجعل الأمر يتعلق بمجرد السماع، وفي القرآن: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] أي: من بلغه القرآن فقد تمت نذارته، وليس البلاغ هو الفهم، وإنما البلاغ أن يسمع بالكلام فقط، فإذا سمع به فقد بلغه؛ فعليه بعد ذلك أن يتفقه.

стр. 527

نذر الأموال للمقبورين في تحصيل مرغوب أو دفع مرهوب أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن هذه الأمور التي تقع لكثير من الناس أنها من الشرك الأكبر الذي ينافي التوحيد نهائياً، كونهم ينذرون أموالهم للمقبورين ليتقربوا بذلك إليهم إما في تحصيل مرغوب، أو في دفع مرهوب، إذا فعلوا ذلك فقد أشركوا؛ لأن في ظنهم أن هذا الميت يتصرف، وأنه يستطيع أن ينفع ويدفع، مع أن الأمر الضروري الذي عرفه من وقاه الله جل وعلا شر الانحراف وشر الشرك أن الميت لا ينفع ولا يتصرف، بل هو مرتهن بعمله، لا يستطيع أن يستزيد حسنة واحدة، ولا أن يحط من سيئاته سيئة واحدة، وهو كذلك لا يملك شيئاً؛ لأنه ميت، فالحي أقدر منه على التصرف، وأقدر منه على النفع والضر.

стр. 528

جعلهم الأمور الغيبية الخاصة بالله لغيره الأمر الثاني: أنهم جعلوا الأمور الغيبية التي هي محض حق الله لهذا المخلوق المسكين الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الدود الذي يأكل لحمه، فهذا من الشرك الذي يجعل الإنسان إذا مات عليه من المشركين. فهو أراد أن يبين هذا الشيء بالنذر فأثبت أولاً أن النذر عبادة في ذكر الآيات كقوله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية تدل على الثناء على هؤلاء؛ لأنه لما ذكر أن: ﴿الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦] يعني: هذه التي تمزج للأبرار تخلط لهم خلطاً يشربها أولئك الأبرار خالصة ليس فيها كدر. ثم ذكر الثناء عليهم، فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) يعني: كان هذا عملهم في الدنيا، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان:٧ - ٨] إلى آخره. والله جل وعلا لا يثني على أحد إلا على فعل الواجب أو المستحب، أو ترك المحرم والمكروه، ولا يثني على أحد بكثرة أكله أو كثرة نومه أو ما أشبه ذلك، فالشيء الذي ليس عبادة لا يثني الله جل وعلا على الإنسان به، وإنما يثني عليه بما هو عبادة. وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] ومعنى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ في ضمنه الجزاء أي: أنه في علم الله مدخر لكم، وسوف يجازيكم عليه. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أمر بالوفاء بالنذر، والله لا يأمر بشيء مباح، وفي الحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: (خير القرون قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون) فهذا من القدح فيهم، (ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن) يعني: أنهم يرغبون في الدنيا أكثر، فيظهر السمن فيهم؛ لكثرة المشتهيات وكثرة المأكولات، ونحو ذلك. المقصود أنه بيّن أن من أوصافهم التي يذمون عليها أنهم لا يوفون بالنذر؛ فدل على أن النذر عبادة، وأن الوفاء به مطلوب، فإذا كان الوفاء به مطلوباً فهو عبادة، فإذا تبين أنه عبادة فصرفه لغير الله جل وعلا يكون شركاً بالاتفاق، فصرف العبادة التي أوجب الله جل وعلا فعلها وأثنى على فاعلها لغيره يكون شركاً، هذا أمر متفق عليه، وهذا هو وجه الاستدلال بالآيات.

стр. 529

النذر الذي يكون محرماً وشركاً قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك النذر لغير الله تعالى]. قال الشارح: [أي: لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فيكون النذر لغير الله تعالى شركاً في العبادة. وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] الآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر، ومدح من فعل ذلك طاعة لله، ووفاءً بما تقرب به إليه. وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]. قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين به ابتغاء وجهه. إذا علمت ذلك: فهذه النذور الواقعة من عباد القبور، تقرباً بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم، أو ليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦]]. معنى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾: أنهم إذا جمعوا هذا النصيب من الحرث -الزرع- أو من التمر أو من غير ذلك، ثم حصل أنه اختلط ما جعلوه لله مع ما هو لشركائهم فإنهم يتركونه لشركائهم، ويقولون: الله غني، وإن قدر أن ما لشركائهم ذهب منه شيء لما جعلوه لله فإنهم يردونه ويقولون: الشركاء يحتاجون والله جل وعلا غني عنه. هذا كله في زعمهم الكاذب، وإلا فالله ليس له شركاء تعالى وتقدس، وكل شيء ملك لله جل وعلا، ولكنها أوضاع وجدوا عليها آباءهم، فقلدوا آباءهم فجعلوها ديناً وهو شرك بالله، حتى في الربوبية وفي الأمور الظاهرة أشركوا مع الله جل وعلا غيره، وهؤلاء شابهوا أولئك وزادوا عليهم ما أربى على شرك المشركين القدامى بكثير. قال الشارح: [قال شيخ الإسلام: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي ﵌: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله). وقال فيمن نذر للقبور أو نحوها دهناً لتنور به -ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين- وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به] الدهن: المقصود به الإسراج عليها بالليل، وهذه أمور بدائية كما هو معروف، يسرجون على القبور بالدهن والزيت فينذرون شيئاً للإيقاد، فينور القبر مثلما تنور المساجد، وهذا محادة لله جل وعلا، أما الآن فأصبحت مصابيح الكهرباء بدلاً عن ذلك، كما هو مشاهد الآن. [وكذلك إذا نذر مالاً للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهاً من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]]. الواقع أن المجاورين لها شياطين يريدون أكل أموال الناس، ووجدوا ناساً شبه بهائم إذا رأوا أن سوقهم قد كسد أوجدوا من الموالد الشيء المعروف، ولهذا يجعلون في السنة ثلاثة موالد، إنسان ولد في السنة ثلاث مرات، ثلاث موالد يجعلونها في السنة حتى تكثر النذور والعطايا التي تأتي من هؤلاء، وهم الذين يسحبون ما في هذه الصناديق، فالميت الرفات ما له علم بذلك، ولا يدري ماذا يجري عنده، قاصر عن هذا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] لا يدرون إلا حين يحشرون، وإذا حشروا وسئلوا قيل لهم: أنتم عبدكم الناس في كذا وكذا، فهناك يتبرءون ويكفرون بعبادتهم. أما الآن فلا يشعرون بالشيء الذي يفعلونه، وإنما هؤلاء الشياطين السدنة هم الذين يوجدون هذه الأمور حتى تدر عليهم الأرزاق، فيأكلون منها ويكونون لهم تجارات ثم يوجدون الأمور والحكايات التي تكثر لهم الأموال في هذا السبيل، وربما ابتلي الإنسان بشياطين تتسلط عليه وتثبت هذا الشرك في قلبه كما هو معروف، وكثيراً ما تحدث الأحوال الشيطانية عند القبور، فإنها تكون حاضرة تدعو إلى هذا وتزينه. وربما يدعو الإنسان بدعاء فيبتلى فيستجاب، فيظن أن الميت هو الذي أجابه إلى ذلك؛ لأن الله جعل له عهداً؛ أنه إذا سأل شيئاً أعطيه، هكذا يقولون. ثم ينزلون بهم حاجاتهم وفقرهم، ويسألونهم الرزق والأولاد إذا لم يكن لهم أولاد، ويسألونهم كذلك الشفاعة في الآخرة، وكل هذا ضلال، الله ما جعل بينه وبين عباده وسائط، بل الله جل وعلا أينما دعوته في أي مكان وفي أي وقت، فهو قريب منك؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] هذا شيء. الشيء الثاني: إن الله علام الغيوب، ومطلع على كل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يفوته شيء من الكلام، فليس بحاجة إلى من يوكل إليه حاجات العباد، فهذا من التشبيه الذي يكون شركاً بالله جل وعلا، وكونهم يقولون: هذا وسيلة نسأله، ثم هو يسأل لنا الله، يكون ذلك أقرب إلى الإجابة، وهذا هو أصل شرك المشركين. على كل حال: مثل هذه الشبه لا تنطلي على المسلم، فإنها شبه شركية قديمة، جاء القرآن بإبطالها، والرسل أبطلتها وبينت بطلانها، والعقل كذلك يدل على بطلانها.

стр. 530

ابتلاء الله للعباد الناذرين لغيره قال الشارح: [والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] والذين اجتاز بهم موسى ﵇ وقومه، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد التي في الهند والمجاورين عندها. وقال الأذرعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك -وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة والمشهد، أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء، ويستجلب بها النعماء، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر]. يقبل النذر يعني: أنه يحصل لهم ما أرادوا إذا نذروا، إذا مرض الإنسان فنذروا له يشفى، وإذا غاب إنسان فنذروا أن يأتي هذا الغائب جاء وما أشبه ذلك، هذا معنى (يقبل النذر)، يعني: أنه يقبل العبادة ويتصرف فيغيثهم ويعطيهم ما طلبوا، ويمنعهم مما رهبوا وخافوا، يعني: أنه يتصرف مع الله، فهذا الحجر يفعل شيئاً من ذلك، وهذا كان كثيراً جداً في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت هناك حجارة وأشجار ونيران وكثيراً ما ينذر لها، كان بين الدرعية والعيينة غار يسمونه غار بنت الأمير، يقصدونه من كل جانب وينذرون له، ويتقربون إليه، والسبب فيه أنهم يقولون: إن بنت أمير من الأمراء سارت في هذه الطريق، فأتاها فجار يريدون نفسها، فلجأت في هذا الغار فحماها الغار، وكلها ترهات وحكايات يحكيها شيطان من الشياطين. وفي العيينة نفسها كان هناك نخلة من النخل، وكانت المرأة إذا تأخر الزواج عنها جاءت إليه وسمت وقالت: يا فحل الفحول! أريد زوجاً قبل الحول، وإذا تأخرت الولادة أو لم يأتها ولد جاءت إليه وقالت: يا فحل الفحول! أريد ولداً قبل الحول، وهكذا! شجر وحجارة وقبور ونيران، وأشخاص يمشون على وجه الأرض، يقولون إنهم سادة، ينذرون لهم ويعبدونهم، يعني: أن شرك الجاهلية القديمة عاد إليهم، بل أكثر من ذلك. ولكن الله طهر ذلك كله بسبب دعوة هذا الرجل جزاه الله خيراً، فإنه جاء بنور النبوة، ولهذا يقول بعض العلماء: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي أثر رؤية الرسول ﷺ عندما قال: (رأيت مهاجرة بلاد ذات نخل، فظننت أنها اليمامة، فإذا هي يثرب) وقال: قوله: (وظننت أنها اليمامة) من أثر قوله هذا ظهور هذا الرجل في هذه البلاد، وقيامه بالدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ ، وقريباً منها هو أثر هذه الرؤية. وعلى كل حال: لا تزال هذه الدعوة -والحمد لله- آثارها باقية وقائمة، وقد تأثر بها كثير من المسلمين في الشرق والغرب والشمال وسائر البلاد.

стр. 531

أنواع النذر وأحكامه قال الشارح: [ويقولون: القبر الفلاني، أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك: أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض، أو قدوم غائب وسلامة مال، وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقاً].

стр. 532

نذر المجازاة النذر أنواع منه: نذر مجازاة، وهو أن يعلق النذر على شيء يحصل له، فإذا قال: إن جاء فلان الغائب فقد نذرت لله عليّ كذا، أو إن شفي مريضي فلله عليّ كذا، فهذا يسمى نذر مجازاة؛ لأنه علقه على حصول شيء، كأنه شرْط شرطه، فإذا وجد الشرط الذي فرض وجب عليه الوفاء به إذا كان نذر طاعة. أما إذا كان نذر معصية فلا يجوز الوفاء به مطلقاً.

стр. 533

نذر التبرر وقد يكون نذر تبرر يعني: تقرب وطاعة، كأن يقول مثلاً: لله عليّ صوم، لله عليّ حج، لله عليّ اعتكاف، فهذا أيضاً يجب الوفاء به مطلقاً، وإذا لم يستطع ذلك بقي في ذمته. والنذر الذي جاء النهي عنه هو نذر الجزاء، أما نذر الطاعة فالله جل وعلا أمر بالطاعة مطلقاً، إذا نذر الإنسان أن يفعل طاعة وجب أن يفعلها، وليس الأمر كما قال بعض العلماء: إن الطاعة إذا لم يكن لها أصل واجب في الشرع فإنه لا يجوز النذر فيها كقول الإمام أبي حنيفة ﵀، فإن الحديث يدل على خلاف هذا، ومعنى ذلك أنه يقول: إذا نذر الإنسان أن يعتكف فإن هذا ليس له في الشرع أصل ثابت يجب؛ لأن الاعتكاف ليس واجباً، وإنما هو مندوب إليه، وكذلك غيره من الطاعات التي ليست واجبة في أصل الشرع، بخلاف الصلاة والصوم والحج والصدقة، فإنها في أصل الشرع واجبة. ولكن إذا كان طاعة فكما قال الرسول ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) هذا مطلق، ولم يأت التفصيل فيه بأنه لابد أن يكون أصله واجباً، أو ليس أصله واجباً، بل هو حديث مطلق دل على وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة مطلقاً، وهذا هو الصواب من أقوال العلماء.

стр. 534

النذر المكروه والمباح قد يكون النذر مكروهاً: كأن ينذر مثلاً أن يطلق زوجته، فمثل هذا ينبغي له أن يكفر كفارة يمين ولا يفعل، أو ينذر مثلاً أن يذهب إلى المكان الفلاني وليس له فيه غرض معين، وليس له فيه أيضاً معصية، فمثل هذا يكون مباحاً، وإذا ذهب إليه فهو مخير بين أن يذهب إلى المكان وبين أن يكفر. والكفارة تكون كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، هذه الأمور الثلاثة الإنسان مخير فيها، فإن لم يجد ينتقل إلى الصيام، وكثير من الناس يبدأ بالصيام أولاً وهو يستطيع أن يطعم، فهذا لا يجزئه الصيام وهو يستطيع الإطعام؛ لأن الله جل وعلا رتب الصوم على عدم الاستطاعة في الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة.

стр. 535

النذر المحرم كذلك من النذر ما هو محرم، مثل إذا نذر أن يضرب فلاناً بلا سبب، أو نذر أن لا يصلي أو نذر أن يشرب خمراً أو ما أشبه ذلك، فإن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به. واختلف العلماء هل تلزم الناذر الكفارة؟ فمن العلماء من يقول: لا يلزمه شيء، ولا يجوز أن يفي به، ومنهم من قال: يلزمه كفارة يمين؛ لأنه جاء في الحديث الذي في رواية الطحاوي: (وعليه كفارة يمين) وابن القطان يقول: أنا في شك من هذه الزيادة، هل هي ثابتة عن الرسول ﷺ أم لا. ولكن جاء في حديث آخر رواه أهل السنن أن من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وعليه كفارة يمين.

стр. 536

النذر المستحب وكذلك النذر قد يكون مثلاً مستحباً، وهذا في الأمور المستحبة، فالمقصود أن النذر تجري فيه الأحكام الخمسة، فيكون واجباً، ويكون محرماً، ويكون مستحباً، ويكون مكروهاً، ويكون مباحاً يستوي فعله وتركه، ونذر المجازاة هو الذي جاء النهي عنه، وأنه لا يأتي بخير، أما نذر الطاعة فلا يقال: إنه ينهى عنه، نذر الطاعة مطلوب ومأمور به، وإنما النذر المنهي عنه نذر الجزاء وذلك إذا رتب عليه حصول شيء، فإنه قد يوقع الإنسان في حرج، فالأمر كما قال الرسول ﷺ (النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) فهو لا يقدم حياة أحد ولا يؤخر موته، فإنه إنما يستخرج به من البخيل. وقد يقع الإنسان في حرج كأن ينذر ثم لا يستطيع أن يفي بنذره، فيبقى آثماً في ذلك، قد ينذر مثلاً أن ينفق كذا وكذا أو ينحر كذا وكذا، ثم إذا حصل له ما علق النذر عليه يتساهل بذلك ويفعله، فيكون آثماً، هذا هو معنى النهي عن نذر الجزاء. [ومن ذلك: نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل ﵇، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء]. وهذه أمور وهمية، وإلا فالخليل له آلاف السنين، فلا يدرى أين قبره، مثل البلد التي يسمى الآن الخليل يعبد فيها القبر، ويتقرب إليه ويقولون: هذا قبر إبراهيم خليل الرحمن، كلها أمور وهمية ليس عليها من دليل.

стр. 537

حرمة نذر المعصية بالاتفاق قال الشارح: [قوله: (في الصحيح) أي: في صحيح البخاري. قوله: (عن عائشة) هي أم المؤمنين، زوج النبي ﷺ ، وابنة الصديق ﵄، تزوجها النبي ﷺ وهي ابنة سبع سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع، وهي أفقه النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيها خلاف. ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح ﵂. قوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، أي: فليفعل ما نذره من طاعة الله، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه، كإن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه إن حصل على ما علق نذره على حصوله. وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم الوفاء إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع كالصوم، وأما ما ليس كذلك كالاعتكاف فلا يجب عليه الوفاء به. قوله: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) زاد الطحاوي: (وليكفر عن يمينه)، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية]. قول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) الطاعة: هي كل أمر أحبه الله جل وعلا وأمر به، يعني: شرعه على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، وقد تكون الطاعة غير واجبة على الإنسان. والنذر: هو إلزام الإنسان نفسه شيئاً غير لازم شرعاً، وسبق أن النذر منهي عنه في الأصل، وأنه لا يغير من قدر الله شيئاً، وإنما قد يستخرج به من البخيل كما قال النبي ﷺ . وقد يوقع النذر الإنسان في أمر غير محمود عقباه؛ كأن يلزم نفسه -مثلاً- بنذر لله جل وعلا على حصول شيء يتوقعه، فإذا حصل تراخى وتساهل، ثم لم يوف بذلك؛ فيقع في الإثم؛ لأنه إذا نذر طاعة وجب الوفاء مطلقاً، إلا إذا نذر شيئاً لا يملكه، كأن جعل النذر بأن يعتق أو يتصدق بمال فلان، فهذا مر الحديث أنه لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولكن هذا كما قال العلماء: يلزمه كفارة، والكفارة هي كفارة يمين. ففي هذا الحديث وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (فليطعه) والأمر إذا جاء من الرسول ﷺ حمل على الوجوب إلا أن يصرفه صارف، ولم يأت في هذا، فإذاً الوفاء بالنذر الذي هو طاعة واجب. وأما قوله في الشطر الآخر: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) فهذا يدلنا على أن الإنسان لو نذر نذر معصية أنه يحرم عليه أن يفي بنذره، فلا يجوز له أن يفي بنذره، فهذا مثال للنذر الذي يحرم الوفاء به، وهو مثل أن ينذر أن يشرب خمراً، أو ينذر أن لا يصلي، أو ينذر أن لا يكلم أخاه فلاناً بدون مناسبة، أو ما أشبه ذلك فهذا يسمى نذر معصية. كذلك إذا نذر أن يذبح للولي الفلاني، أو أن يجعل مالاً في صندوق النذور الذي يوضع عند الضريح، فهذا نذر لا يجوز الوفاء به؛ لأنه نذر معصية.

стр. 538

كفارة نذر المعصية قال الشارح: [قال الحافظ: اتفقوا على تحريم النذر في المعصية، وتنازعوا: هل ينعقد موجباً للكفارة أم لا؟ وتقدم. وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره يؤيده: ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأحمد والترمذي عن بريدة: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال أوفي بنذرك)]. هذه المرأة نذرت لما غزا الرسول ﷺ في بعض غزواته إذا رجع أن تضرب على رأسه الدف، والضرب بالدف إذا لم يصحبه مزمار أو غناء أو طرب أو ذكر محاسن النساء أو ذكر مثالب الناس، أو إطراء في المدح وخروج عن الواقع فإنه يكون مباحاً، أما إذا صحب بشيء من هذه الأمور فهو يخرج من الإباحة إلى المحرم. فلما رجع أخبرته بأنها نذرت أن تضرب على رأسه الدف إذا رجع، فقال: (أوفي بنذرك) وهذا أمر مباح. فإذاً يدل ذلك على أن النذر يصح لأمر مباح، مثل أن ينذر أن يخرج ليتفرج في الجبال والأودية أو في البحر، وينذر مثلاً أن يأكل كذا وكذا أو ينذر أن ينام كذا وكذا في ساعة كذا في مكان كذا إذا لم يتضمن ترك واجب فإنه يكون مباحاً، فالعلماء يرون أن مثل هذا لا يلزم الوفاء به، وإنما يباح الوفاء به، ولو ترك ليس عليه شيء، ولهذا قسموا النذر إلى أقسام خمسة: واجب الوفاء به، ومحرم الوفاء به، ومستحب أن يفي به، ومكروه أن يفي به، ومباح مستوي الطرفين، ومثلوا للمباح بمثل هذا. أما الواجب والمحرم فسبق كما في الحديث، وأما المستحب فما كان فعله مستحباً وليس لازماً، وأما المكروه فما كان فعله مكروهاً، مثل أن ينذر أن يطلق زوجته بدون مناسبة فهذا مكروه، والمكروه والمحرم عند بعض العلماء إذا لم يف به ففيه كفارة يمين، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد ذلك انتقل إلى الصيام، فالصوم لا يذهب إليه إلا إذا لم يجد الكسوة أو الإطعام أو العتق، أما أن يصوم من أول الأمر وهو يقدر فصيامه غير صحيح ولا يكون ذلك مكفراً عن يمينه ولا عن نذره، لأنه ترك ما أمر الله جل وعلا به، فإن الله جل وعلا أمر أولاً بالعتق أو الكسوة أو الإطعام، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] فجعل الصيام مرتباً على عدم الوجود.

стр. 539

نذر اللجاج وأحكامه قال الشارح: [وأما نذر اللجاج والغضب: فهو يمين عند أحمد، فيخير بين فعله وكفارة يمين، لحديث عمران بن حصين مرفوعاً: (لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين) رواه سعيد بن منصور وأحمد والنسائي. فإن نذر مكروهاً كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله]. اللجاج: هو أن يستلج على الإنسان نظره في العاقبة، فيكون بدون تفكير وبدون نظر في العاقبة، بل غضب غضباً أخرجه عن حاله الطبيعي العادي، إذا وقع الإنسان في مثل هذه الحالة ونذر فإنه ليس عليه شيء، ولكن يلزمه كفارة في قول بعض العلماء.

стр. 540

مسائل باب من الشرك النذر لغير الله قال المصنف: [وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجوب الوفاء بالنذر]. النذر إذا كان طاعة يجب الوفاء به، أما إذا كان معصية فيحرم الوفاء به. [المسألة الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك]. وقد ثبت أن النذر عبادة فإذاً: النذر لغير الله كالنذر لولي أو لضريح أو ما أشبه ذلك، من الشرك الأكبر الذي لو مات الإنسان عليه يكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] والشرك أمره عظيم، يجب أن يحذره الإنسان؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنه لا يغفره لصاحبه قطعاً، وأن الذنوب ما عدا الشرك كلها تحت مشيئته جل وعلا، إذا شاء أن يغفرها غفرها، ولو لم يتب الإنسان منها، يعني: إذا مات عليها فإنها تكون تحت مشيئة الله جل وعلا، أما الشرك فلا بد من التوبة منه، والإقلاع عن فعله قبل أن يموت الإنسان، أما إذا مات وهو على الشرك فإن الله جل وعلا أخبر أنه لا يغفر للمشرك، وأخبر في الآية الأخرى أن المشركين مأواهم النار، وأن الجنة عليهم محرمة، وكذلك في آيات أخر أخبر أن الجنة حرام على المشرك. فإذاً: يجب على الإنسان أن يبحث عن الشرك ويسأل عن الشرك ما هو؛ خوفاً من أن يقع فيه وهو لا يدري. وكثير من الناس من يخفى عليه مسائل كثيرة من مسائل الشرك قد تلتبس وتخفى عليه؛ لأن الإنسان إذا ابتعد عن العلم، وعن معرفة معاني كتاب الله، ومعاني أحاديث الرسول ﷺ ، ولم يتبصر في دعوة النبي ﷺ ، فإنه يجهل أشياء كثيرة من أمور دينه التي يجب أن يكون عارفاً بها. [المسألة الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به].

стр. 541

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٥] من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ومن ذلك دعاء الجن والاستعاذة بهم، والواجب إفراد الله وحده بالدعاء والاستعاذة به وحده، ولا يعذر الإنسان في ذلك بجهله.

стр. 542

من الشرك الاستعاذة بغير الله قال المصنف ﵀: [باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى]. قد سبق أنه عقد باباً قال فيه: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ثم لما فرغ من ذلك قال: وكل ما أذكره في هذا الكتاب تفسير لهذا الباب، فهذا منه، يعني: أن الاستعاذة عبادة، وأنها داخلة في معنى لا إله إلا الله؛ لأن معنى لا إله إلا الله: أن تكون الألوهية لله وحده يعني: لا معبود بحق إلا الله جل وعلا، فهي تتضمن نفي العبادة عن غير الله وإثباتها لله وحده. والاستعاذة من العبادة، وتكون مما يحذر ويخاف أمره، واللياذ يكون مما يرغب ويرجى، والمستعاذ هو الذي يعتصم به ويلتجأ إليه مما يخاف وقوعه، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فأمر جل وعلا أن نستعيذ به، ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] فأمر أن تكون الاستعاذة به وحده، جل وعلا، وكون الاستعاذة من المخوف، واللياذ من الشيء الذي يؤمل ويرجى هذا هو ما دل عليه كلام العرب في الجملة كما قال الشاعر: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره وهذا الشاعر يقول ذلك في رجل من الناس، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرب العالمين جل وعلا، فالعياذ الذي هو الاعتصام والالتجاء يجب أن يكون لله وحده، وكذلك كون الإنسان يرغب ويرجو ويطلب يجب أن يكون رجاؤه ورغبته وطلبه من الله وحده جل وعلا. يجب أن يكون رجاء المسلم ورغبته وطلبه من الله وحده جل وعلا، ولهذا حرم الله جل وعلا علينا أن نسأل الناس إلا فيما اضطررنا إليه، وقد جاء في الحديث: (إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: رجل أصيب بجائحة اجتاحت ماله فتحل له المسألة حتى يجد قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه يشهدون أنه أصيب بفاقة فتحل له المسألة حتى يجد قواماً من عيش، ورجل تحمل حمالة) يعني: يصلح بين الناس، ويتحمل مالاً في سبيل الإصلاح يدفعه لمن يصلح بينهم، فمثل هذا تحل له المسألة حتى يوفي هذا التحمل، أما ما عدا ذلك فالمسألة سحت، وهي خدوش أو خموش في وجه صاحبها، يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، وذلك لأن المسألة فيها افتقار لغير الله، وفيها التفات إلى غير الله، فجوزي الإنسان بطلبه من المخلوق بأن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، وهي حرام كما قال الرسول ﷺ : (سحت فليستكثر أو ليستقل) وجاء أن المسألة تكون ناراً على من سأل إذا لم يكن يستحقها، كل هذا صيانة من الله جل وعلا لوجه عبده ولقلبه أن يلتفت إلى غيره أو يطلب من غيره. إذاً: الاستعاذة والطلب الذي هو اللياذ واللوذ يجب أن يكونا بالله وحده، ولكن كون الإنسان يجهل بعض الأحكام التي يجب أن يكون عالماً بها، هل يكون ذلك عذراً له؟ في مثل هذه الأمور لا يكون عذراً له، لماذا؟ لأن التقصير منه، وإلا فالله جل وعلا قد بين، ورسوله ﷺ أنذر وأعذر، ولم يترك شيئاً إلا وضحه، فيجب على المرء أن يبحث عن أمر دينه، وأن يسأل إذا كان لا يعلم، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذا فيه وجوب المسألة لمن لا يعلم. والمقصود: أن الاستعاذة يجب أن تكون بالله جل وعلا وحده، فمن استعاذ بغير الله فقد وقع في المحذور، وقع في الشرك كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، وهذا فعل المشركين الذين أخبر الله جل وعلا عنهم بأنهم يعوذون بالمخلوق، وقد أخبر الرب جل وعلا أن المشرك لا يزداد بشركه إلا ضراً وخسراناً وبعداً عن الخير، لهذا أخبر أنهم زادوهم رهقاً، وسيأتي بيان ذلك.

стр. 543

معنى الاستعاذة قال الشارح: [الاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذاً وملجأً، فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، واعتصم واستجار به والتجأ إليه، وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل له، أمر لا تحيط به العبارة، قاله ابن القيم ﵀]. يعني: أن الإنسان إذا انطرح بين يدي ربه جل وعلا، وعرف حقه، وأصبح ينزل كل حاجاته بالله وحده، فإنه يستغني به عن كل من سواه، ويرتفق بهذا، ويفرح فرحاً عظيماً لا يوازيه فرح الدنيا؛ لكونه عرف ربه وعبده واعتصم به ولجأ إليه، وأصبح غنياً بالله جل وعلا عن كل ما سواه، والحقيقة أن هذا هو العز المطلق، والغنى المطلق. أما أن يكون له عز ظاهر في الدنيا، وهو منقطع عن الله؛ فهذا سوف يذهب، ولا ينفعه، وكذلك إذا كان له غنى ظاهر وهو مستغنٍ عن الله فسوف يذهب غناه ويعود فقراً، كما حكى الله جل وعلا عن الذي يؤتى كتابه بشماله يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٤ - ٢٨] كان له سلطان، وعنده مال، ولكن أصبح ماله وسلطانه عليه وبالاً، وذلك لأنه استغنى عن الله بسلطانه في الدنيا، ولأنه اعتز بذلك على عباد الله، وتطاول عليهم. فالمقصود أن العبد لا غنى له عن ربه جل وعلا طرفة عين، فيجب أن يكون مفتقراً إليه دائماً، ويجب أن يكون لاجئاً إليه دائماً، عائذاً به، معتصماً به من شر نفسه أولاً، ومن شر الخلق الذين فيهم الشر، ومن شر كل ما فيه شر، وإذا عرف الله جل وعلا ذلك من نيته وقصده فسوف يعيذه وسوف يحميه من كل ما يؤذيه. قال الشارح: [قال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير. قلت: وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عباده، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠]، وأمثال ذلك في القرآن كثير كقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة، فمن صرف شيئاً من هذه العبادات لغير الله فقد جعله شريكاً لله في عبادته، ونازع الرب في إلهيته، كما أن من صلى لله وصلى لغيره يكون عابداً لغير الله ولا فرق، كما سيأتي تقريره قريباً إن شاء الله تعالى]. وذلك أن الله جل وعلا أمر بالصلاة له، وكما أمر بالصلاة له أمر بالاستعاذة به، والاستعاذة تكون عامة في كل ما لا يقدر الإنسان على صده عن نفسه سواء كان حسياً أو معنوياً، أما إذا كان حسياً فقد يستعيذ الإنسان بمن يقدر أن يصده إذا كان قادراً حاضراً سامعاً، أما إذا كان معنوياً فلا يجوز الاستعاذة إلا بالله جل وعلا. ولهذا ذكر الله جل وعلا في القرآن الطريق للتخلص مما هو مشاهد بالإحسان إليه، بأن تحسن إليه حتى تصبح محبوباً لديه، وتصبح متخلصاً من أذاه، وأما الشيطان الذي لا تشاهده، ولا تراه، فأمر الله جل وعلا أن يستعاذ به، فقال الله جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] يعني: إذا وقعت بينك وبين إنسان عداوة فادفع هذه العداوة بالإحسان إليه، فإنه سوف يعود عليك بالمودة، وتذهب عداوته، ولكن الشيطان الذي لا تنظر إليه، ولا تراه ليس هناك طريق للتخلص منه إلا بأن تلجأ إلى الله، وتعتصم به، قال الله بعد هذه الآية: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت:٣٦]، هذا هو الطريق الوحيد للتخلص من الشيطان. والاستعاذة جاء الأمر بها مطلقاً كما سمعنا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] وهذا قول قيل للنبي ﷺ خاص به، والأمة تبع له في ذلك، يعني: الخطاب خصص للنبي ﷺ ، وأمته تبع له في ذلك، فيجب عليهم أن تكون استعاذتهم بالله وحده.

стр. 544

استعاذة المشركين بالجن قال الشارح: [وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] قال ابن كثير: أي: كنا نرى أن لنا فضلاً على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً من البراري وغيرها -كما كانت عادة العرب في جاهليتها- يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوءهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقاً، أي: خوفاً وإرهاباً وذعراً، حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذاً بهم ـ إلى أن قال ـ قال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم: رهقاً أي: خوفاً. وقال العوفي عن ابن عباس: فزادوهم رهقاً أي: إثماً، وكذا قال قتادة].

стр. 545

حقيقة الجن الجن أمة عظيمة، وهم مكلفون -كما كلف بنو آدم- بأن يعبدوا الله جل وعلا، وهم ذرية إبليس، ومنهم المؤمن، ومنهم الكافر، ومنهم المتمرد الشيطان، والله جل وعلا خاطبهم في القرآن، وأمر النبي ﷺ أن ينذرهم، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى آخر السورة، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠]، والله جل وعلا يخبر يوم القيامة عن الجن والإنس أنهم جاءتهم النذر، وجاءتهم الرسل، وقامت عليهم الحجج، وأنه لا حجة لهم، فهم مكلفون بعبادة الله جل وعلا، وفيهم المؤمن، وفيهم الكافر، وفيهم الفاسق، وفيهم الصالح وغير ذلك. وهم على الأرض يمشون مع الناس، ليسوا تحت طباق الأرض وليسوا فوقها، ولكنهم كما أخبر الله جل وعلا يروننا من حيث لا نراهم، ويسمعون كلامنا، ونحن لا نشاهدهم ولا نراهم، ولكن ينبغي بل يجب على الإنسان أن يتحرز من أعينهم، فلهذا يسن له إذا أراد أن يخلع ثوبه أن يسمي الله؛ لأن الستر الذي بينه وبينهم اسم الله جل وعلا، إذا سميت الله استترت منهم، وليس هناك شيء يسترهم من جدران أو غيرها، وقد جاء في الصحيح أن الإنسان إذا أتى إلى بيته وأراد الولوج -أي: الدخول في البيت- فإن ذكر الله وقال: باسم الله، قال الشيطان لأصحابه الذين يمشون معه: حرمتم المبيت، فإن دخل ولم يسم قال لمن معه: أدركتم المبيت، فإن قدم الطعام ولم يسم قال: أدركتم المبيت والعشاء، وربما يشارك الجني الإنسان في بيته، وفي طعامه، وفي ولده أيضاً فقد يشاركه في زوجه إذا لم يسم. ولهذا ينبغي للإنسان أن يعرف هذه الأمور، ولا يكون جاهلاً؛ لأن الرسول ﷺ أرشدنا إلى كل ما فيه الخير، وعلمنا هذه الأشياء، وقال لنا: (إن إخوانكم من الجن سألوني الطعام، فقلت لهم: لكم كل عظم ذكر عليه اسم الله تجدونه أوفر ما كان لحماً) وكذلك علف بهائمهم أرواث بهائمنا؛ ولهذا حرم علينا أن نستجمر بعظم أو روث؛ لأن العظم طعام المؤمنين من الجن، والروث طعام بهائمهم. والمقصود أن الجن مكلفون، والله جل وعلا جعل لهم عقولاً، وجعلهم أهلاً للأمر والنهي، وجعل لهم جزاء يوم القيامة، من أطاع الله منهم يكون في الجنة، ومن عصى يكون في النار، ولهذا كلما ذكر الله آية من الآيات التي فيها نعمه في سورة الرحمن يقول: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) والمقصود بالتثنية هنا الجن والإنس، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ لما تلا هذه السورة على أصحابه قال: (مالي أراكم ساكتين؟! لرد إخوانكم من الجن أحسن من ردكم، قالوا: ماذا قالوا؟ قال: كلما تلوت قوله: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) قالوا: لا -يا ربنا- ولا بشيء من ذلك نكذب، فلك الحمد).

стр. 546

إنكار وجود الجن كفر بعض الناس اليوم ينكر وجود الجن، وإنكار وجود الجن كفر وخروج من الإسلام؛ لأنه أمر تواترت عليه كتب الله، وكذلك جاءت به آثار الرسل، وقد يلتبس الجني بالإنس ويداخله؛ لأن الجن سلطوا على الإنس إذا لم يتحصنوا منهم بذكر الله وبأسماء الله، وليس هناك مخلص إلا بالالتجاء إلى الله، وذكر أسمائه وذكره، فذكر الله يطرد المردة من الجن، أما المؤمنون فهم لا يؤذون؛ لأنهم يعرفون أن هذا أمر محرم، ولكن الجهلة والكفرة والمردة يتسلطون على الإنس بسبب جهلهم، وبسبب غفلتهم وعدم ذكرهم لله، وإلا فهم ضعفاء، وإذا ذكر المؤمن ربه وتحصن بذلك فإنه يفر منه أشد الفرار، وقد جاء في وصف الذي يأكل الربا أنه يوم القيامة يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والشيطان المقصود به هنا الجنس، يعني: الجن، فإنه يداخل الإنسان فيسقطه فيصبح مجنوناً، والأمم السابقة كل أمة تتهم نبيها بأنه مجنون ويرمونه بذلك؛ لأنهم يعرفون أن الجن يلابسون الإنس، وقد ذكر الله جل وعلا أن الإنس يستمتعون بالجن، والجن يستمتعون بالإنس، واستمتاع بعضهم ببعض يكون بالطاعة، ويكون بغير الطاعة، بفعل الشهوة وغيرها، نسأل الله السلامة. فالمقصود أن الجن أمة مكلفة، وهم يحضرون مع الناس، يشاهدون الناس والناس لا يرونهم، وإذا كان يوم القيامة حشروا جميعاً كل يرى الآخر؛ لأن القيامة هي محل الجزاء، فيصبح الإنس لهم قرناء وأزواج من الجن الذين أضلوهم، يقرنون معهم في النار، فيدخلون فيها جميعاً. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:١ - ٢] إلى أن قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]. ذكر المفسرون أن العرب كانت عادتهم إذا سافر أحدهم ثم أدركه الليل، أنه يلجأ ويعوذ بكبير الجن فيقول: أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء قومه، فصار هذا فتنة للجن والإنس؛ لأن الجن بهذه الاستعاذة زادوا الإنس رهقاً يعني: تسلطوا عليهم، فأكثروا تخويفهم؛ لأنهم رءوا أنهم يعوذون بهم، فتسلطوا عليهم، وهذا هو معنى زيادتهم رهقاً، والرهق هو الخوف والهلع أو الطغيان، فإذا كان الرهق عائداً إلى الإنس فهو الخوف، وإن كان عائداً إلى الجن فهو الطغيان، يعني: أن استعاذة الإنس بالجن زادت الجن طغياناً وتعدياً، فأصبحوا يتعدون على الإنس من أجل ذلك. والآية تصلح لهذا وهذا، وقد جاء عن السلف المعنيان، جاء عن السلف أنهم جعلوا الرهق عائداً إلى الإنس، وعائداً إلى الجن، يعني: أن الجن زادوا الإنس خوفاً لما استعاذوا بهم فتسلطوا عليهم، وكذلك الإنس زادوا الجن طغياناً لما استعاذوا بهم، يعني: تكبراً وتجبراً وطغياناً على الإنس؛ لأنهم قالوا: أصبحنا سادة الجن والإنس. وعلى كل فالمقصود من الآية: أن المؤمنين من الجن أخبروا أن الإنس استعاذوا بهم، وأن هذا لا يجوز، وأنه من الشرك الذي جاء القرآن والرسول ﷺ بإبطاله، فهم يتبرءون منه، ويخبرون عن أمر وقع وهم يقلعون عن ذلك يعني: المؤمنين منهم. فدل ذلك على أن الاستعاذة عبادة، ويجب أن تكون بالله وحده، وأنها إذا وقعت الاستعاذة بالمخلوق فإن هذا شرك بذلك المستعاذ به.

стр. 547

لا تجوز الاستعاذة بالجن قال الشارح: [وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بواد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد كبير الجن، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله، وقال ملا علي قاري الحنفي: لا يجوز الاستعاذة بالجن]. لأن الاستعاذة عبادة كما سمعنا، والعبادة لا تجوز أن تكون لغير الله جل وعلا، فإذا ثبت أنها عبادة فيجب أن تكون خاصة بالله وحده، ويكون صرفها لغير الله كصرف سائر العبادات شركاً بالله. قال الشارح: [فقد ذم الله الكافرين على ذلك، وذكر الآية وقال: قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨] فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له. انتهى ملخصاً]. يقول جل وعلا للجن يخاطبهم: إنكم أضللتم أناساً كثيراً من الإنس، فيقول الإنس لرب العالمين: قد استمتع بعضنا ببعض، يعني: أنهم انتفعوا بالجن إما بإخبارهم ببعض المغيبات أو بنفعهم النفع الذي هو نفع محدود، وكذلك الجن استمتعوا بالجن بطاعتهم، وعبادتهم لهم، واستعاذتهم بهم، ويقولون: ﴿بَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: أن الأجل الذي جعل لهم في الدنيا قد انتهى، وأنهم قد حضروا بين يدي الله، ولكن هذا الإذعان، وهذا الإقرار، وهذا الاستسلام لله جل وعلا؛ لا يفيدهم شيئاً؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، فهذه النهاية التي يخبر الله جل وعلا عنها سواء في المستعيذ المستمتع أو الذي استعيذ به، وكلاهما تكون نتيجته أن الله يجازيه بما يستحق. قال الشارح: [فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه]. وقد يكون الاستمتاع في قضاء الشهوة من هذا وهذا، وهذا يقع كثيراً من الجهلة الذين تخلو قلوبهم من الإيمان، ومن ذكر الله جل وعلا، فإن الجن يستمتعون بهم، وهم يستمتعون بالجن، نسأل الله العافية. قال الشارح: [واستعاذته به وخضوعه له]. المقصود أن هذا يدل على أن الجني قد يلابس الإنسي ويداخله، وقد قال الرسول ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فإذا كان يجري منه مجرى الدم فمعنى ذلك أنه يستطيع أن يداخله ويكون في جسمه. قال المصنف: [وفيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية لا يدل على أنه ليس من الشرك]. يعني: كون الإنسي إذا استعاذ بالجني قد يعيذه، وكذلك إذا ذبح الإنسي للجن فقد يخرج الجني الذي فيه، وينفعه في هذا، فيكون في هذا نفع، ولكن هذا ليس دليلاً على أنه جائز، بل الله جل وعلا أخبرنا أن الخمر فيها منفعة، ولكن مضرتها أعظم، فليس كل ما فيه نفع يجوز فعله، والشرك قد يكون فيه منفعة كما ذكر، ولكن عاقبته وخيمة جداً، فالمقصود أنه ليس كل ما فيه نفع يكون جائزا ًفعله.

стр. 548

حديث: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) قال المصنف: [وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه مسلم. هي خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، فيقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون]. الواهبة يعني: التي جاءت إلى النبي ﷺ ووهبت له نفسها، ولكن النبي ﷺ لم يردها، وكان عنده رجل فقال: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، وذكر الحديث. وهذا الحديث: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرك ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل) يدلنا على أن الاستعاذة يجب أن تكون بالله أو بصفة من صفاته، وكلمات الله هي صفة من صفاته، وكلماته جل وعلا تنقسم إلى قسمين: كلمات دينية شرعية أمرية مثل القرآن؛ فهو كلامه الديني الأمري الذي يشرع به لعباده الأوامر، وينهاهم عن النواهي، فهذا كلام الله جل وعلا الذي تكلم به وسمعه جبريل من الله جل وعلا، ثم جاء به جبريل ﵇ إلى رسولنا ﷺ ، فسمعه الرسول ﷺ من جبريل، ثم أسمعه أصحابه، ثم لم تزل الأمة يسمع بعضها كلام الله من بعض جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا، والله جل وعلا أخبرنا أنه تولى حفظه، وهذا من حفظه، فلو حاول أي محاول أن يغير أو يبدل في كلام الله ما استطاع؛ لأن في الأمة من لا حصر لهم يحفظونه من زمن الرسول ﷺ إلى اليوم، فلو أراد مريد سوء أن يغير في المصحف شيئاً، فإن أصحاب الكتاتيب يردون عليه، ويعرفون أنه خطأ؛ لأن القرآن محفوظ، يحفظه المسلمون في صدورهم، فضلاً عن إثباته في الكتابة، والمقصود أن هذا القرآن كلامه الأمري الشرعي. القسم الثاني من كلمات الله: كلماته الكونية القدرية، وهي التي يكون بها الأشياء ويقدرها، فهي التي لا يجاوزها بر ولا فاجر. أما كلماته الدينية الشرعية فإن الفجار يتجاوزونها، يعني: يعصون أوامره، ويرتكبون نواهيه، بخلاف الكلمات الكونية فإنه لا أحد يستطيع أن يتعداها، والكلمات الكونية هي التي يقدر بها الأشياء ويكونها، فالكون كله يسير على وفق تقديره وتكونيه جل وعلا، والعباد كلهم مسخرون تجري عليهم أقداره وقهره، لا أحد يستطيع أن يخالف قدر الله جل وعلا وتكوينه، والكلمات الكونية غير الكلمات الشرعية، وكلها صفة لله جل وعلا، وكلها يستعاذ بها؛ لأنها من صفات الله. ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن القرآن كلام الله؛ لأن الرسول ﷺ لا يأمر بالاستعاذة بمخلوق، أمر أن نستعيذ بكلماته، فكلماته -إذاً- من صفاته جل وعلا؛ ولهذا كان الرسول ﷺ يستعيذ بذلك، وأخبر أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، فدل هذا على أن الاستعاذة بكلمات الله هي استعاذة بصفته جل وعلا، وكلام الله من صفاته.

стр. 549

معنى كلمات الله التامات قال الشارح: [وقوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) شرع الله لأهل الإسلام أن يستعيذوا به بدلاً عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته]. الجن لا يستطيعون أن يعيذوا الإنسان، ولكن إذا استعاذ الإنسان بالله فإن الله يحميه من كل ما يؤذيه. قال الشارح: [قال القرطبي: قيل: معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر]. الكلمات التامات إما المراد بها الدينية، فهي تامة في الصدق والعدل وكمال الشرع، تامة من جميع هذه الأمور، وإما أن يراد بها الكونية فهي التي لا يمكن أن يلحقها نقص أو يتخلف مرادها بحال من الأحوال، فهي تامة من هذه الناحية. [وقيل معناه: الشافية الكافية، وقيل: الكلمات هنا هي القرآن، فإن الله أخبر عنه بأنه: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى. ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى كان من باب المندوب إليه المرغب فيه، وعلى هذا فحق المستعيذ بالله أو بأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه. قال شيخ الإسلام ﵀: وقد نص الأئمة كـ أحمد على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك؛ ولهذا نهى العلماء عن التعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك]. التعاويذ التي تكون بكلمات أعجمية أو كلمات مركبة أو حروف ليس لها معنى، لا يجوز الاستعاذة بها؛ لأن الاستعاذة تكون بكلمات الله وبأسماء الله وصفاته المعروفة المفهومة باللغة العربية، فلا بد أن يكون لها معنى مفهوم يعرف، أما إذا كانت حروفاً، يقول: آخذ حرفاً من اسم الله، وحرفاً من الرحمن، وحرفاً من العزيز، وحرفاً من الكريم، وما أشبه ذلك فيجمعها ويقول: أنا أستعيذ بأسماء الله، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون لها معنى معروف، وقد تكون الحروف المركبة أسماء شياطين، فيستعيذ بالشياطين، وهذا شرك.

стр. 550

معنى قوله: (من شر ما خلق) قال الشارح: [وقال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه، واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداماً -وصدق- هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له، ولا يعبده كما يفعل هو به اهـ. قوله: (من شر ما خلق) قال ابن القيم ﵀: أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره، إنسياً كان أو جنياً أو هامة أو دابة أو ريحاً أو صاعقة، أو أي نوع من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة. و (ما) هنا موصولة وليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل المراد التقييدي الوصفي، والمعنى: من شر كل مخلوق فيه شر، لا من شر كل ما خلقه الله، فإن الجنة والملائكة والأنبياء ليس فيهم شر، والشر يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضى إليه]. قوله: قوله: (من شر ما خلق) يدلنا على أن الشر في المخلوق، وليس الشر من صفات الله، ولا من أفعال الله جل وعلا، وإنما هي في المخلوق الذي يخلقه الله جل وعلا، أما الله جل وعلا فكما قال الرسول ﷺ في مناجاته لربه: (والشر ليس إليك)؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه جل وعلا، لا وصفاً ولا فعلاً، بل ينزه عنه؛ لأن أفعاله كلها خير، وصفاته خير، وهو لا يفعل إلا الخير جل وعلا، وإنما الشر يكون في المفعول المخلوق كما قال مؤمنو الجن فيما قصه الله جل وعلا علينا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:٩ - ١٠] (أَشَرٌّ أُرِيد) لم يذكروا الفاعل، فحذف الفاعل هنا تأدباً مع الله جل وعلا، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] لما جاء الرشد أضافوه إلى الله جل وعلا، أما الشر فيحذف فاعله ويدخل في العموم، أو يضاف إلى المخلوق كقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] فجعل الشر للمخلوق، ولا يضاف إلى الله جل وعلا؛ وذلك أن أوصاف الله جل وعلا وأفعاله ليس فيها شر، والشر إضافي بمخلوقاته، بمعنى أنه ما كان شراً لقوم يكون خيراً للآخرين، فمثلاً: المطر إذا جاء قد يغرق من يغرق فيه، ويهلك ماله، فيكون بالنسبة إليه فيه شر، ولكن أكثر الناس هو خير لهم وللأرض، ومثل ذلك الشمس والليل والنهار وغير ذلك. فالمقصود أن الشر يكون في مخلوقات الله، ولا يكون في فعل الله جل وعلا ولا في وصفه، وليس الشر إليه؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يعني: لما أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فهو الشر الذي يكون في المخلوق. والشر أصله الخلو من الخير، فإذا وجد الخير يكون هذا الخير الذي وجد أصله من الله، فهو الذي أوجد الخير، وهو الذي وضعه في هذا المحل، وإذا أخلى الله جل وعلا فضله من هذا المكان جاء الشر من قبل المخلوق، فلهذا ما يصيب الإنسان شيء إلا من جراء فعله ومن جراء ذنبه الذي يفعله، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] فكل الخير يكون من الله، أما المصائب والشرور وما يترتب على ذلك فهو من أفعال الإنسان ومعاصيه ومخالفاته، وكون الله جل وعلا يخلق هذا وهذا لا يدل على أنه يتصف به تعالى وتقدس؛ لأن كونه قدر هذا الشيء ودخل في مخلوقاته هو وصف لمن قام به، فالشر وصف لمن قام به وهو المخلوق.

стр. 551

فائدة هذا الذكر قال الشارح: [قال قوله: (لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك) قال القرطبي: هذا خبر صحيح، وقول صادق علمنا صدقه دليلاً وتجربة]. أما دليلاً فصحيح، وأما تجربة فليس بصحيح لكل أحد، ولا ينبغي أن نختبر أخبار الرسول ﷺ بالتجربة؛ لأن الإنسان قد يجرب هذا الشيء فيتخلف المخبر به، فيظن أنه كذب، وإنما التخلف يكون من قبله هو، قد لا يكون صادقاً في قوله والتجائه واستعاذته، فيتخلف مقتضى ذلك، ولا يجوز أن يظن أن الخبر ليس بصحيح، فالمقصود أن الأخبار لا تقاس بالتجربة، بل إذا ثبتت بالسند وجب قبولها واعتقاد صحتها وثبوتها، والناس في تطبيقها يختلفون، منهم من يكون صادقاً فتنطبق عليه، ومنهم من لا يصدق في الفعل والاعتقاد والالتجاء والصدق فيتخلف المخبر به، فلا يظن أن هذا يكون مقياساً أو أن هذا يجب أن ترجع إليه الأخبار. [قال: فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغتني عقرب بالمهدية ليلاً، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات].

стр. 552

مسائل باب من الشرك الاستعاذة بغير الله قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن]. آية الجن هي: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] وقد مر معناها. [الثانية: كونه من الشرك]. يعني: أن الاستعاذة بالجن من الشرك، هذا هو المقصود، وكذلك بقية المخلوقات، والاستعاذة بالأموات أعظم من ذلك؛ لأن الأموات لا يملكون أي تصرف، وليس عندهم سماع لما يقال، ولا غير ذلك. [الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك]. أي: أن كلمات الله من صفاته، وأنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن الاستعاذة بالمخلوق شرك. إذاً: تكون الاستعاذة بكلماته، وكلماته من صفاته، والاستعاذة بها استعاذة بكتابه. [الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره]. لأن الرسول ﷺ قال: (لا يضره شيء)، وهذا فضل عظيم ينبغي للإنسان أن يحفظ هذا الدعاء، وألا يخل به، وأن يصدق مع الله في ذلك. أما الاستدلال بأن كلمات الله جل وعلا غير مخلوقة فأمر واضح، وكان هذا في وقت ظهرت فيه الزنادقة الذين أرادوا أن يفسدوا عقائد المسلمين، فلبسوا على الناس بأمور مركبة يزعمون أنها عقلية، وأنها أدلة برهانية ثم استطاعوا أن يصلوا إلى خلفاء المسلمين، وأن يكونوا هم الذين يوجهونهم، فزينوا لهم دعوة الناس إلى ذلك، بل إرغام الناس على هذا، فحصل من الفساد ومن القتل وسفك الدماء من جراء ذلك ما هو في الواقع عار إلى الآن في تاريخ أولئك، حتى أنهم زينوا لبعض الخلفاء أن يكتب على ستار الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، فراراً من قوله: (وهو السميع البصير)؛ لأنهم لا يثبتون الصفات لله جل وعلا، وكانوا يقولون: لو نستطيع أن نحك بعض الآيات من المصحف لحككناها، وسلطوا على المسلمين ما يسمونه عقلاً، وهو في الواقع جهل، وقتل من قتل من كبار العلماء من جراء ذلك. وصارت لهم مقالات معينة، ووضعوا أصولاً خمسة وضعوا عليها دينهم بدلاً من الأصول التي جاء بها الرسول ﷺ ، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وهذه هي أصول المسلمين التي بنوا عليها دينهم، أما هم فجاءوا بأصول أخرى غير هذه، ومن أين أتوا بها؟ لم يأتنا بها الرسول ﷺ ، وإنما لبسوا على الناس، وجاءوا بأمور من عقولهم، وتلك فتنة ذهبت ولا ينبغي بحثها. [الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية -من كف شر أو جلب نفع- لا يدل على أنه ليس من الشرك].

стр. 553

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٦] بين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة، وينبغي أن يعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فدعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ومن صرف شيئاً من الدعاء بنوعيه لغير الله فقد وقع في الشرك.

стр. 554

من الشرك أن يستغاث بغير الله أو يدعو غيره قال المصنف ﵀: [باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]. قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام ﵀: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون، وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء عنها في مادة، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة]. يعني: أن الدعاء أعم وأشمل حيث تدخل فيه الاستغاثة، والاستغاثة دعاء خاص في حالة الشدة والكرب. [وقوله: (أو يدعو غيره) اعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ويراد به في القرآن هذا تارة، وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر؛ ولهذا أنكر الله على من يدعو أحداً من دونه، ممن لا يملك ضراً ولا نفعاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦]، وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]. قال شيخ الإسلام ﵀: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]، وأمثال هذا في القرآن -في دعاء المسألة- أكثر من أن يحصر، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأن السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله والتالي لكتابه ونحوه، طالب من الله في المعنى، فيكون داعياً عابداً].

стр. 555

دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة قوله: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، معناه: أن الإنسان إذا سأل شيئاً فإنه يخضع ويذل ويستكين، وهذا هو العبادة، فيكون في ضمن السؤال عبادة. ومن هنا حرمت المسألة، أي: أن يسأل الإنسان أحداً من الخلق؛ لأنه يذل له قلبه، ويستكين له، ويخضع له، وهذا لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا؛ لأنه عبادة، فيكون تحريم المسألة صيانة للإنسان، وإكراماً له من الله جل وعلا، أكرمه الله بأن لا يخضع لمخلوق مثله، ويكون خضوعه لله وحده، ويكون استغناؤه بالله وحده، ويكون افتقاره إلى الله وحده، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (وأعوذ بك من الفقر إلا إليك)، نستعيذ من الافتقار إلى المخلوق، والافتقار إلى الله عبادة، أما الافتقار إلى المخلوق فهو شرك. فهذا معنى كون دعاء المسألة يتضمن العبادة، أما دعاء العبادة فإنه يستلزم دعاء المسألة، وذلك أن المصلي والمزكي والمتصدق والذاكر والتالي يطلب بفعله هذا الثواب، يطلب من الله أن يثيبه على ذلك، وهذا هو دعاء المسألة؛ لكونه يطلب الثواب أو يطلب الالتجاء والاستعاذة من العذاب. ومن المعلوم أن المخلوق لا بد له من طلب النفع الذي ينفعه، ومن الهرب مما يضره، يضطر إلى هذا اضطراراً، ولا بد له من ذلك، وكذلك الأسباب التي تجلب له النفع هو بحاجة إليها، وكذلك الأسباب التي بها يدفع الضر والعذاب والألم وغيرها، فالعبد مضطر إلى ما ينفعه، ومضطر إلى دفع ما يضره، ومضطر إلى تحصيل السبب الذي به جلب النافع، وإلى تحصيل السبب الذي به دفع المضر، فهو بأمس الحاجة إلى هذه الأمور، وهذه كلها يجب أن تطلب من الله وحده، ولا تطلب من المخلوق. فيتبين لنا أن الأمر كله بيد الله، وأن الإنسان يجب أن يكون خاضعاً لله، وأن يكون عبداً لله من جميع الوجوه، والدعاء داخل في هذا، سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة. قال الشارح: [فتبين بهذا قول شيخ الإسلام: إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، وقد قال الله تعالى عن خليله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]]. يعني: أن هذه الآية بينت أن الدعاء عبادة بأنواعه؛ لأنه -أولاً- قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾، ثم بعد ذلك قال تعالى: ((فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ)) فبين أن الدعاء عبادة، وأنهم إذا دعوا شيئاً فقد عبدوه، وهذا كثير في القرآن.

стр. 556

من آداب الدعاء قال الشارح ﵀: [فصار الدعاء من أنواع العبادة، فإن قوله: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ كقول زكريا: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤]]. معنى قوله: ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أي: أني إذا دعوت ربي فسوف يهب لي ما أريد ولن أشقى؛ لأن الذي يدعو ربه لا يخيب، ولا بد أن يحصل له النفع والخير، سواء في العاجل أو في الآجل. وكذلك قول زكريا: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، فبدعاء الله جل وعلا لا يشقى الإنسان، فإذا دعا ربه فإنه يهب له ما دعاه، سواء كان عاجلاً أو آجلاً، فلن يشقى الداعي الذي يخلص دعوته لله. قال الشارح ﵀: [وقد أمر الله تعالى به في مواضع من كتابه] يعني: أمر بالدعاء في مواضع كثيرة من كتابه، وكذلك جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ بالأمر بالدعاء، وأخبر أن الله إذا لم يدعوه الإنسان يغضب عليه، وهذا من كرم الله وجوده جل وعلا، فإن المخلوق إذا دعوته قد يغضب عليك، وقد يستثقل دعوتك ويكره ذلك؛ لأنه ضعيف وفقير، ومحتاج إلى ما في اليد، فلا يريد أحداً أن يأخذه منه، أو يطلب منه شيئاً. أما الرب الجواد الكريم فإنه يدعو عباده إلى أن يدعوه، وإذا لم يدعوه غضب عليهم، ويحب الملحين بالدعاء، الذين يكثرون الدعاء ويبالغون فيه، يحبهم جل وعلا لكرمه وجوده. قال الشارح ﵀: [كقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦]]. هذا التعليم من ربنا جل وعلا أن يكون دعاؤنا تضرعاً وخفية، يعني: أن يكون في الخفاء، يكون بين الإنسان وربه، وألا يرفع به صوته؛ ولهذا كان السلف يحرصون على إخفاء الدعاء، فيكون دعاؤهم همساً بينهم وبين ربهم جل وعلا؛ امتثالاً لأمر الله، وجاء عن بعضهم أن بين دعاء العلانية ودعاء الخفاء سبعون ضعفاً، فالدعاء في الخفية أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، فقد يعرض للإنسان عوارض في الدعاء المسموع الذي يسمعه غيره تعكر عليه إخلاصه؛ ولهذا أمره جل وعلا أن يخفيه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، أما التضرع فهو: الافتقار والذل والخضوع، أن يذل الداعي ويخضع ويظهر فقره لله جل وعلا، هذا هو التضرع إلى الله جل وعلا، وإذا كان الإنسان متصفاً بالتضرع والدعاء بالخفاء فلن تتخلف الإجابة إلا بأمر قدره الله جل وعلا. وكذلك قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ فهذا أيضاً هذا من الآداب التي علمنا الله جل وعلا في الدعاء، فعلى الإنسان أن تكون دعوته بين الرجاء والخوف، يدعو الله وهو يرجو أن يجيبه، ويتعلق به، ويظن به الخير والإحسان والكرم، ولكنه يخاف من نفسه، يخاف أن تتخلف الإجابة بسبب نفسه؛ لكونه لا يخلص، أو لا يصدق في دعائه، أو كونه يأكل حراماً، أو كونه يكثر الذنوب، وما أشبه ذلك من العوارض التي لا يخلو منها إنسان، والمقصود الأدب مع الله جل وعلا في هذه العبادة التي يعلمنا الله جل وعلا إياها.

стр. 557

كل أمر شرعه الله ففعله عباده قال الشارح ﵀: [وضابط هذا: أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به، ففعله لله عبادة، فإذا صرف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو مشرك]. ويدخل في هذا الأفعال والأقوال جميعها، كل أمرٍ أمر الله جل وعلا به عباده إذا فعله الإنسان فهو يدعو الله جل وعلا دعاء عبادة؛ لأنه يفعله ويطلب به الثواب، ويخاف إذا لم يفعله من عقاب الله، وهذا هو معنى السؤال. قال الشارح ﵀: [فإذا صرف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو مشرك، مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام ﵀ في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد النبي ﷺ -ممن انتسب إلى الإسلام- من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام؛ لأسباب منها: الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ﵁، بل الغلو في المسيح، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال. فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فبعث الله سبحانه رسله تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. اهـ].

стр. 558

حرمة الغلو وخطره الإنسان قد يمرق من الدين في هذه الأزمان بسبب الغلو، كما أخبر الرسول ﷺ أن ناساً يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقصد بذلك الخوارج كما بينت الأحاديث. يقول ابن تيمية: إنه يجوز أن يكون في وقتنا -ووقته في القرن السابع- من يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم بين ما كان في وقته من المروق من الدين وهو الغلو في المشايخ، يعني: في المقبورين، والغلو: هو تجاوز الحد؛ بأن يمدحهم أو يحبهم أكثر مما شرعه الله جل وعلا وأمر به، هذا هو الغلو. ثم بين أن الغلو في هذا كثير، ولكنه يتفاوت، فهو عند بعضهم يكون في علي بن أبي طالب، فجعلوا له نوعاً من الإلهية، وهذا وقع في زمن أمير المؤمنين علي ﵁، فـ عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث -الذي دخل الإسلام وتستر به حتى يتمكن من دس دسائسه على ضعاف العقول والأبصار وضعاف الإرادات من المسلمين، وتمكن من ذلك- كان يقول لأتباعه: إن علياً فيه جزء من الإلهية، وانطلى هذا القول على كثير من الناس، واعتقدوا هذا في حياة علي ﵁، حتى إنهم قابلوه، وقالوا له: أنت هو، وقال: ويلكم من أنا؟! قالوا: أنت إلهنا، يقولون له مقابلة، فقال: ويلكم ويلكم هذا الكفر! إن لم ترجعوا قتلتكم، وأمهلهم ثلاثة أيام فلم يرجعوا، فأمر بحفر تحفر، وأمر بالحطب أن يلقى فيها، فأضرمها ناراً، فأخذ من أمسك منهم وألقاهم في النار أحياء، حرقهم وهم أحياء، وذلك الماكر الخبيث فر منه، وقال: هذا دليل على أنه هو الإله؛ لأن النار لا يحرق بها إلا الله، فزاد البلاء بلاء، ولم يزل باق هذا الغلو في أتباع ابن سبأ إلى اليوم، فهم يعبدونه ويؤلهونه، وبعضهم يعتقد أنه نبي، وبعضهم يزيد ويعتقد أنه إله، ولما مات قالوا: ما مات، وإنما هو في السحاب وسوف يعود، وزعموا أن الرعد صوته، واعتقدوا الرجعة، أي: أنه يرجع إلى الدنيا فيقتل من زعم أنه مات. يقول شيخ الإسلام: (بل الغلو في المسيح ﵇؛ لأنهم جعلوا عيسى هو الله، ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة، ومنهم من قال: هو ابن الله، كما ذكر الله جل وعلا ذلك في القرآن. وهؤلاء الذين قالوا هذا القول، هم من بني آدم: لهم عقول، ولهم أبصار، ولهم أسماع، ومع ذلك اعتقدوا أن مخلوقاً مثلهم هو الذي يدبر، وهو الذي يملك الجنة والنار، ويملك ما في القلوب! فعلى الإنسان أن يخاف على نفسه أن يخرج من الدين الإسلامي بأدنى سبب؛ لأن الله جل وعلا إذا أزاغ قلب الإنسان فإنه لا يملكه، وربما يزين للإنسان سوء عمله فيراه حسناً، فيصبح لا فائدة فيه، ولا حيلة فيه إلا أن يهديه الله.

стр. 559

دعاء غير الله كفر بالإجماع قال الشارح ﵀: [وقال أيضاً: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً]. لأن هذا هو شرك المشركين في الواقع، وهو الشرك الذي ذكره الله جل وعلا عن أول الأمم إلى آخرهم، في قصص الأنبياء التي قصها علينا في القرآن لنعتبر بها ونتعظ؛ لأننا نحن المقصودون بهذه القصص، أما الأمم السالفة انتهى أمرها، انتهى أهل الخير إلى الجنة، وأهل الشرك والشر إلى النار، ولا ينفعهم ذكرهم، وما جرى لهم، وإنما المقصود بقصصهم نحن؛ لنعتبر بها، وكل أمة من الأمم المشركة التي بعث إليها رسول من رسل الله جل وعلا بين الله جل وعلا أن شركهم في أنهم يدعون وسائط يطلبون منهم أن يقربوهم إلى الله، وأن يشفعوا لهم فقط، ما فيهم من يعتقد أن المدعو الذي يدعوه -سواء كان آدمياً، أو صورة أدمي، أو قبره، أو ملكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء أو غير ذلك- خلق السماء أو بعضها، أو خلق الأرض أو شيئاً منها، أو أنه يحيي أو أنه يميت، أو أنه ينزل المطر، أو يستطيع أن ينبت نباتاً، لا أحد يعتقد هذا أبداً، كلهم يقولون: إن الذي خلق الخلق، والذي يملك الموت والحياة، والذي يملك النفع والضر، هو الله وحده لا شريك له في ذلك، ولكن عبدوا من عبدوهم ليشفعوا لهم عند الله، عبدوهم ليدعوا لهم الله فقط، ويقولون: ندعوهم وهم يدعون الله لنا؛ لأن الله جل وعلا قربهم، ولأنهم لا ذنوب لهم مثلنا، ونحن مذنبون، فإذا سألناهم كان أنجح لمسألتنا وأقرب إلى الإجابة، هذا على حد زعمهم، وقاسوا الله على ما يقع لهم فيما بينهم، وضربوا لذلك مثلاً: إذا كان هناك رئيس أو كبير قوم، وكان الإنسان بعيداً عنه ويريد شيئاً منه، فإنه يقول: أذهب إلى من هو قريب منه: إلى وزيره أو صديقه أو أخيه، فأسأله أن يشفع لي، فيكون أقرب إلى إجابة طلبي، فهم قاسوا رب العالمين جل وعلا على هذا، فصاروا يسألون الشفعاء، ويجعلون الوسائط، وهذا هو شرك المشركين قديماً وحديثاً. أما الآن فتجدهم يتجهون إلى الأولياء، ويقولون: إن الله ملكهم بعض الأشياء، وإن الله أكرمهم بأنهم إذا دعوا استطاعوا أن يجيبوا، وهذه دعوى مجردة لا برهان لها، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم ادعوا هذا، وسوف يتبين لهم أن دعواهم هذه باطلة، فهي مثل شرك المشركين تماماً. والمقصود أن هذا هو الشرك، وهذا هو أصله الذي وقع فيه الناس. قال الشارح ﵀: [وقال أيضاً: من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، كفر إجماعاً، نقله عنه صاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع وغيرهم، وذكره شيخ الإسلام في "مسألة الوسائط"، ونقلته عنه في الرد على ابن جرجيس في مسألة الوسائط. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواعه -أي: الشرك- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، وسيأتي تتمة كلامه في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى]. يعني: أن الشافع عبد من عباد الله، وكل شافع يشفع عبد لا يملك مع الله شيئاً، أما المشفوع عنده فهو الله القهار الذي بيده ملك كل شيء، وقد أخبر جل وعلا أنه لا يأذن بالشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأخبر جل وعلا أنه إذا قامت القيامة، وحضر الخلق بين يديه، وقامت الملائكة، فلا أحد يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، وللآيات في هذا كثيرة جداً، وتبين أن هؤلاء ضالون، وأنهم مخطئون أعظم الخطأ، وأنهم قد وقعوا في الشرك، وأن قولهم هذا مجرد دعوى لا دليل عليها.

стр. 560

تعظيم النبي لا يكون بدعائه قال الشارح ﵀: [وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي ﵀ في رده على السبكي في قوله: إن المبالغة في تعظيمه -أي: الرسول ﷺ واجبة: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً، حتى الحج إلى قبره، والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين]. يجب أن يكون التعظيم على حسب الشرع الذي أمر الله جل وعلا به، فتعظيم الرسول ﷺ واجب، ولكن ليس بدعوته وعبادته والاستغاثة به، وإنما هو في تعظيم أمره، وتعظيم قدره، وكما أمر الله جل وعلا بطاعته واتباعه، فهذا هو تعظيمه، فيطيعه ويتبع سنته، ويدعو الخلق إلى دينه الذي جاء به، ويجتهد في ذلك، هذا هو الذي يرضي رسول الله ﷺ ، وهو الذي يأمر به، أما أن يستغيث به أو أن يدعي له ما هو ملك لله فلا، كمن يقول: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً، وإلا فقل: يا زلت القدم وما أشبه ذلك، فيكون هو المدعو وهو المستغاث به، فهذا في الواقع تعظيم على خلاف أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وهو يوقع في الشرك، يقول محمد بن عبد الهادي ﵀: ليس للإنسان أن يعظم النبي ﵊ على حسب نظره، وعلى وفق هواه، بل يجب أن يكون متقيداً بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، في قوله وفي فعله، وفي جميع ما يرجو ثوابه ويخاف عقابه، بمعنى: أن كل عبادة يجب أن يكون العابد فيها متبعاً لرسول الله ﷺ ، وهذا أمر متفق عليه، ولا خلاف فيه بين العلماء. أما الذي يخالف في هذا فلا يعد من العلماء في الواقع، فكل العلماء يقولون: إن العبادة لها شرطان: أحدهما: أن تكون على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، فيكون الإنسان متبعاً فيها. الثاني: أن تكون خالصة لله جل وعلا، فإذا تخلف واحد من هذين الشرطين في العبادة فهي مردودة غير معتبرة. والإنسان يقدم الشرع على هواه، ويجب أن يكون متقيداً بالشرع. قال الشارح ﵀: [وفي الفتاوى البزازية -من كتب الحنفية-: قال علماؤنا: من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم: يكفر]. يعني: بأرواح المشايخ: الأموات، ويعتقد بعد موتهم أن أرواحهم حاضرة عند الإنسان تعلم ما يقول وما يفعل، فمن قال هذا فهو كافر؛ لأنه ادعى ما لله جل وعلا لغيره من المخلوقين. ومن المعلوم أن الأموات أضعف من الأحياء؛ لأن الحي يستطيع أن يتصرف، يستطيع أن يذهب ويأتي، ويستطيع أن يعمل، أما الميت لا يستطيع شيئاً، قد انتهى أمره، وأصبح مرتهناً بعمله، كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]. وأخبر جل وعلا أن نفس الميت ممسوكة عنده، فالله يمسك من يتوفاهم كما في القرآن، أما كون الميت يسمع من يسلم عليه إذا جاء إلى قبره، فهذا لا يدل على أنه يستطيع أن يجيبه أو يستطيع أن يسأل له، أو يستطيع أن ينفعه، فأمر الموت أمر غيبي لا نعرفه، ولا نعرف حقيقته، ولكن قريب منه النوم، والإنسان في نومه لا يتصرف ولا يستطيع أن يعمل شيئاً، وإن كان يرى أنه يفعل شيئاً فهو في الواقع لا يفعل، والنوم نوع من الموت؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ وقيل له: (أينام أهل الجنة؟ قال: لا)؛ لأن النوم قسم من الموت، وأهل الجنة لهم الحياة الكاملة، لا ينامون، وإذا كملت الحياة فلا يحتاج الإنسان إلى نوم، وإنما يحتاج إلى النوم ما دام ضعيفاً، وما دامت حياته ناقصة. والمقصود أن دعوى: أن الميت يعلم أو يتصرف! من اعتقد ذلك أو قال به فهو على خطر عظيم، بل هو على شفا جرف هار في نار جهنم -نسأل الله العافية-. وكون الميت يسمع لا يدل على أنه يتصرف، ولا يدل على أنه ينفع، وقد جاء في الحديث الصحيح: لما رُمي كبار الكفار من قريش في بئر بدر، وجاء عليهم ثلاثة أيام، فالرسول ﷺ ركب راحلته، وقام على البئر، وصار يناديهم بأسمائهم: (يا فلان ابن فلان! يا فلان ابن فلان! يا فلان ابن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقاً؟! فقال له أصحابه: يا رسول الله! ما تنادي من قوم قد جيَّفوا؟ -يعني: صاروا جيَفاً أمواتاً لا حراك لهم ولا حياة فيهم- قال لهم: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، إلا أنهم لا يستطيعون الإجابة) فبيَّن أنهم يسمعون ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا، ومناداته لهم وكلامه لهم من باب التبكيت والتهديد والتعذيب والتقريع، يقرعهم بذلك حيث كفروا بالله جلَّ وعلا بعدما جاءتهم البينات. وفي الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (إذا وضع الميت في قبره وولى عنه أصحابه، وهو يسمع قرع نعالهم -يسمع قرع نعالهم! - أتاه الملكان) إلخ، فكونه يسمع: أمرٌ لا نعرف حقيقته، ولكن نعلم علماً يقينياً بأنه لا يتصرف، ولا يملك شيئاً، ولا ينفع الداعي إذا دعاه، ولا يستطيع أن يشفع له، أو يقربه إلى الله، أو يكون واسطة له عند الله؛ لأن الشرع بين هذا وأوضحه غاية الإيضاح، فالذي يخالف في هذا، ويعتقد غير هذا لا عذر له بعد البيان والإيضاح الكامل من ربنا جلَّ وعلا، ومن رسولنا ﷺ .

стр. 561

الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الكون حال حياتهم وموتهم] قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي ﵀ في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم، ويُستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تُكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو: الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوَّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي؛ لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدَّق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرَاً﴾ [النساء:١١٥] ثم قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، وقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:٤٩] ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجهٍ من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفاً وملكاً، وإحياءً وإماتةً وخلقاً، وتمدَّح الرب تعالى بانفراده بملكه في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: فقوله في الآيات كلها: (مِنْ دُونِهِ) أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدتَه، من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يَمد غيره؟! إلى أن قال: إن هذا لقول وخيم وشرك عظيم إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وفي الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث:) الحديث. فجميع ذلك وما هو نحوه: دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم مُمْسَكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلاً عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدٍّ، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران ﵂ وأسيد بن حضير وأبي مسلم الخولاني قال: وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله وأبدع؛ لمصادمته قوله جلَّ ذكره: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٤]، وذكر آيات في هذا المعنى. ]

стр. 562

إيمان المشركين بربوبية الله إن القرآن يقص علينا من أول ما بعث الله جلَّ وعلا الرسل إلى آخرهم: أن المشركين الذين بُعثت إليهم الرسل كانوا يؤمنون بأن الله جلَّ وعلا هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، كما قال الله جلَّ وعلا عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن المشركين كانوا يعتقدون ويؤمنون بأن التصرف لله وحده في الكون كله: في الحياة والخلق والإيجاد والرزق وغير ذلك، ولهذا يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. وإيمانهم بالله: أنك إذا سألتهم، وقلت لهم: من خلق هذه الأشياء؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق مَن قبلكم؟ قالوا: الله، هو المتفرد بهذا الخلق. وشركهم: أنهم يعبدون مع الله غيره. ويقول جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، أقروا بأن الله جلَّ وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق مَن قبلهم، وهو الذي خلق الأرض وجعلها على هذه الصفة: يمكن الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهو الذي رفع السماء، وهو الذي ينزل من السماء الماء، فينبت به النبات الذي يأكلونه وتأكله أنعامهم فينتفعون منه، فلا يوجد أحد منهم ينازع في هذا أو ينكره، ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] تعلمون أنه جلَّ وعلا هو المتفرد بهذه الأشياء المذكورة، ليس معه أحد: لا ولي ولا نبي ولا ملَك ولا غير ذلك.

стр. 563

حال المشركين في زماننا فاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون، ويتصرفون في العطاء والمنع والنفع والضر وغير ذلك، أشد مما اعتقده المشركون، فالذي يعتقد هذا -في الواقع- ضلَّ في عقله وفي دينه، وهو ضلال لم يصل إليه ضلال أبي جهل وأضرابه من الكفار السابقين، فهو ضلال متناهٍ، فالولي عبد من عباد الله جلَّ وعلا، أكرمه الله جلَّ وعلا بأن وفقه إلى عبادته وطاعته، وقد أخبرنا جلَّ وعلا عن صفة الأولياء مَنْ هم؟ فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، هؤلاء هم الأولياء الذين آمنوا بالله جلَّ وعلا واهتدوا بهداه، واتبعوا كتابه، واقتفوا أثر رسوله ﷺ ، واتقوا أن يقعوا في المحرمات، اتقوها بطاعة الله. فما ذَكر عن هؤلاء -في الواقع- خلاف ما كان عليه القدامى من المؤمنين ومن المشركين، فهو شذوذ عقلي وفكري، لا يدل عليه عقل، ولا وضع، ولا فطرة، فضلاً عن الكتب التي نزَّلها الله جلَّ وعلا فإنه مصادَمةٌ لها.

стр. 564

الكرامات من فعل الله وأما دعوى الكرامة، فالكرامات من فعل الله جلَّ وعلا وليس للإنسان فيها صنع، ولا دخل له فيها، فإنها شيء يمن الله جلَّ وعلا به على عباده الذين يحتاجون إلى ذلك، يكرمهم به، وليس من شرط ولي الله أن يظهر على يده كرامة، فالكرامة تكون للحاجة، وهي من مقتضى ربوبية الله جلَّ وعلا، فإن رب العالمين هو الذي يربيهم بنعمه، فإذا احتاجوا إلى شيء أعطاهم إياه بمقتضى ربوبيته جلَّ وعلا. وذكر بعض أمثلتها: كما وقع لـ مريم بنت عمران حينما ذكر الله جلَّ وعلا أن زكريا كلما دخل عليها المحراب: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقَاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] يعني: بلا سعي منها، وإنما يأتي به الله جلَّ وعلا، والمقصود بـ (المحراب): المسجد المصلى الذي يُصلى فيه مكان الصلاة. وكذلك ما وقع لـ أسيد بن حضير حينما خرج من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء وهو في المدينة، وكان بيده سوط فأضاء له السوط، وصار في رأسه ضوء يبصر به طريقه، ويراه واضحاً جلياً، وكان معه أحد الصحابة، فكان هذا السوط يضيء لهما كأنه السراج، ثم لما وصلا إلى مكان يفترقان فيه -كل واحد يذهب إلى بيته- افترق هذا الضوء، فصار لكل واحد منه نصيباً، حتى وصلا إلى بيتيهما، فهذه كرامة من الله جلَّ وعلا وليست منهما. وكذلك ما ذكر أنه وقع لـ أبي مسلم الخولاني، أبو مسلم الخولاني من التابعين، وهو الذي قال له الأسود العنسي لما ادَّعى النبوة: أتؤمن بي؟ قال: لا أسمع. قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم. فأمر به أن يُلقى في نار، فصارت النار عليه برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم. فهل هذا من صنع أبي مسلم؟! ليس من صنعه، بل من صنع الله جلَّ وعلا ومن فعله، ولا دخل لـ أبي مسلم فيه. وكذلك لما ذهب في الجهاد في سبيل الله فاعترضهم البحر، فقال لهم: سيروا خلفي، فإننا عباد الله، وفي سبيله: باسم الله وعلى الله توكلنا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، فخاض البحر على فرسه، وخاض الناس خلفه، فلما عبروه وقف وقال: هل أحد منكم فقد شيئاً فأدعو الله أن يأتي به؟ فقال رجل منهم: فقدت قدحاً، فسأل ربه، فالتفت فإذا هو قد تعلق في خلف راحلته. هذا وما أشبهه من الكرامات التي يكرم بها جلَّ وعلا عباده هي من فعل الله جلَّ وعلا، وليست من فعل العباد، ولا تصرف للعباد فيها، وهي أيضاً من آيات الرسول ﷺ ؛ لأن هذه لا تكون إلَّا لأتباع الرسل، أما إذا كانت للعصاة، ولمن يخالف كتاب الله وسنة رسوله، فهي من أمور الشيطان التي يلبِّس بها، فهي -في الواقع- إهانات وليست كرامات. والمقصود: أن الملك كله لله، والعبادة كلها لله، ولا يجوز أن يُسأل مخلوق من المخلوقات -سواءً كان نبياً أو ملَكاً أو ولياً أو غيرهم- شيئاً لا يقدرون عليه.

стр. 565

جواز الاستعانة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه لا يجوز أن يُسألوا مما هو من خصائص الله جلَّ وعلا، فلا يُستغاث بهم، ولا تطلب منهم الحاجات التي لا يقدرون عليها، وإنما يُسأل الحي الحاضر المستطيع: يُسأل إذا كان مستطيعاً أن يعطيك ما تسأله، ويُستغاث به في الشيء الذي يستطيعه، كما قال الله جلَّ وعلا في قصة موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]، فبين أن الاستغاثة في مثل هذا جائزة: الاستغاثة في الشيء الظاهر، والأمر المحسوس المشاهَد، والمقدور عليه ممن يستطيع ذلك: لا بأس بها، أما الاستغاثة من ميت، أو من غائب، أو بحي حاضر غير مستطيع في أن يكشف عنه داء القلوب، أو مرض الأبدان، أو يجلب له الرزق، أو يوفقه، أو يهديه، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي هي بيد الله، فهذا شرك بالله جلَّ وعلا؛ لأنه صرفٌ لحقه للمخلوق، فلا يجوز أن يقع المسلم في مثل هذه الأمور، ويجب أن يعرف أمر الله عليه، وما أوجبه الله جلَّ وعلا على عباده، فإن لله حقاً على العباد لا يجوز أن يُجعل منه شيء لأحد من الخلق، وليس طلبُ الدعاء والشفاعة من الحاضر الذي يسمع ويقدر من هذا الباب، بل هو جائز. والخلاصة في هذا: أن المخلوق لا يُطلب منه إلَّا ما في مقدوره واستطاعته، والميت لا قدرة له، ولا استطاعة له، ولا تصرف له، وكذلك الغائب، مثل: الجني والملَك الذي لا يشاهَد ولا يُرى فإنه لا يُسأل ولا يُطلب منه، سواءً ادُّعي أنه ولي من أولياء الله، أو نبي من أنبياء الله، أو ملك من الملائكة أو غير ذلك، فإن الله جلَّ وعلا تعبَّد العباد بأنه يملك النفع ويدفع الضر، وأنه لا أحد من خلقه يشاركه في هذا.
следующие страницы →