← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الكون حال حياتهم وموتهم] قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي ﵀ في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم، ويُستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تُكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو: الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوَّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي؛ لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدَّق، ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرَاً﴾ [النساء:١١٥] ثم قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، وقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:٤٩] ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجهٍ من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفاً وملكاً، وإحياءً وإماتةً وخلقاً، وتمدَّح الرب تعالى بانفراده بملكه في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: فقوله في الآيات كلها: (مِنْ دُونِهِ) أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدتَه، من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يَمد غيره؟! إلى أن قال: إن هذا لقول وخيم وشرك عظيم إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وفي الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث:) الحديث. فجميع ذلك وما هو نحوه: دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم مُمْسَكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلاً عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدٍّ، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران ﵂ وأسيد بن حضير وأبي مسلم الخولاني قال: وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله وأبدع؛ لمصادمته قوله جلَّ ذكره: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٤]، وذكر آيات في هذا المعنى. ]

стр. 562

إيمان المشركين بربوبية الله إن القرآن يقص علينا من أول ما بعث الله جلَّ وعلا الرسل إلى آخرهم: أن المشركين الذين بُعثت إليهم الرسل كانوا يؤمنون بأن الله جلَّ وعلا هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، كما قال الله جلَّ وعلا عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن المشركين كانوا يعتقدون ويؤمنون بأن التصرف لله وحده في الكون كله: في الحياة والخلق والإيجاد والرزق وغير ذلك، ولهذا يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]. وإيمانهم بالله: أنك إذا سألتهم، وقلت لهم: من خلق هذه الأشياء؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق مَن قبلكم؟ قالوا: الله، هو المتفرد بهذا الخلق. وشركهم: أنهم يعبدون مع الله غيره. ويقول جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، أقروا بأن الله جلَّ وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق مَن قبلهم، وهو الذي خلق الأرض وجعلها على هذه الصفة: يمكن الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهو الذي رفع السماء، وهو الذي ينزل من السماء الماء، فينبت به النبات الذي يأكلونه وتأكله أنعامهم فينتفعون منه، فلا يوجد أحد منهم ينازع في هذا أو ينكره، ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] تعلمون أنه جلَّ وعلا هو المتفرد بهذه الأشياء المذكورة، ليس معه أحد: لا ولي ولا نبي ولا ملَك ولا غير ذلك.

стр. 563

حال المشركين في زماننا فاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون، ويتصرفون في العطاء والمنع والنفع والضر وغير ذلك، أشد مما اعتقده المشركون، فالذي يعتقد هذا -في الواقع- ضلَّ في عقله وفي دينه، وهو ضلال لم يصل إليه ضلال أبي جهل وأضرابه من الكفار السابقين، فهو ضلال متناهٍ، فالولي عبد من عباد الله جلَّ وعلا، أكرمه الله جلَّ وعلا بأن وفقه إلى عبادته وطاعته، وقد أخبرنا جلَّ وعلا عن صفة الأولياء مَنْ هم؟ فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، هؤلاء هم الأولياء الذين آمنوا بالله جلَّ وعلا واهتدوا بهداه، واتبعوا كتابه، واقتفوا أثر رسوله ﷺ ، واتقوا أن يقعوا في المحرمات، اتقوها بطاعة الله. فما ذَكر عن هؤلاء -في الواقع- خلاف ما كان عليه القدامى من المؤمنين ومن المشركين، فهو شذوذ عقلي وفكري، لا يدل عليه عقل، ولا وضع، ولا فطرة، فضلاً عن الكتب التي نزَّلها الله جلَّ وعلا فإنه مصادَمةٌ لها.

стр. 564

الكرامات من فعل الله وأما دعوى الكرامة، فالكرامات من فعل الله جلَّ وعلا وليس للإنسان فيها صنع، ولا دخل له فيها، فإنها شيء يمن الله جلَّ وعلا به على عباده الذين يحتاجون إلى ذلك، يكرمهم به، وليس من شرط ولي الله أن يظهر على يده كرامة، فالكرامة تكون للحاجة، وهي من مقتضى ربوبية الله جلَّ وعلا، فإن رب العالمين هو الذي يربيهم بنعمه، فإذا احتاجوا إلى شيء أعطاهم إياه بمقتضى ربوبيته جلَّ وعلا. وذكر بعض أمثلتها: كما وقع لـ مريم بنت عمران حينما ذكر الله جلَّ وعلا أن زكريا كلما دخل عليها المحراب: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقَاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] يعني: بلا سعي منها، وإنما يأتي به الله جلَّ وعلا، والمقصود بـ (المحراب): المسجد المصلى الذي يُصلى فيه مكان الصلاة. وكذلك ما وقع لـ أسيد بن حضير حينما خرج من عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء وهو في المدينة، وكان بيده سوط فأضاء له السوط، وصار في رأسه ضوء يبصر به طريقه، ويراه واضحاً جلياً، وكان معه أحد الصحابة، فكان هذا السوط يضيء لهما كأنه السراج، ثم لما وصلا إلى مكان يفترقان فيه -كل واحد يذهب إلى بيته- افترق هذا الضوء، فصار لكل واحد منه نصيباً، حتى وصلا إلى بيتيهما، فهذه كرامة من الله جلَّ وعلا وليست منهما. وكذلك ما ذكر أنه وقع لـ أبي مسلم الخولاني، أبو مسلم الخولاني من التابعين، وهو الذي قال له الأسود العنسي لما ادَّعى النبوة: أتؤمن بي؟ قال: لا أسمع. قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم. فأمر به أن يُلقى في نار، فصارت النار عليه برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم. فهل هذا من صنع أبي مسلم؟! ليس من صنعه، بل من صنع الله جلَّ وعلا ومن فعله، ولا دخل لـ أبي مسلم فيه. وكذلك لما ذهب في الجهاد في سبيل الله فاعترضهم البحر، فقال لهم: سيروا خلفي، فإننا عباد الله، وفي سبيله: باسم الله وعلى الله توكلنا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله، فخاض البحر على فرسه، وخاض الناس خلفه، فلما عبروه وقف وقال: هل أحد منكم فقد شيئاً فأدعو الله أن يأتي به؟ فقال رجل منهم: فقدت قدحاً، فسأل ربه، فالتفت فإذا هو قد تعلق في خلف راحلته. هذا وما أشبهه من الكرامات التي يكرم بها جلَّ وعلا عباده هي من فعل الله جلَّ وعلا، وليست من فعل العباد، ولا تصرف للعباد فيها، وهي أيضاً من آيات الرسول ﷺ ؛ لأن هذه لا تكون إلَّا لأتباع الرسل، أما إذا كانت للعصاة، ولمن يخالف كتاب الله وسنة رسوله، فهي من أمور الشيطان التي يلبِّس بها، فهي -في الواقع- إهانات وليست كرامات. والمقصود: أن الملك كله لله، والعبادة كلها لله، ولا يجوز أن يُسأل مخلوق من المخلوقات -سواءً كان نبياً أو ملَكاً أو ولياً أو غيرهم- شيئاً لا يقدرون عليه.

стр. 565

جواز الاستعانة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه لا يجوز أن يُسألوا مما هو من خصائص الله جلَّ وعلا، فلا يُستغاث بهم، ولا تطلب منهم الحاجات التي لا يقدرون عليها، وإنما يُسأل الحي الحاضر المستطيع: يُسأل إذا كان مستطيعاً أن يعطيك ما تسأله، ويُستغاث به في الشيء الذي يستطيعه، كما قال الله جلَّ وعلا في قصة موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]، فبين أن الاستغاثة في مثل هذا جائزة: الاستغاثة في الشيء الظاهر، والأمر المحسوس المشاهَد، والمقدور عليه ممن يستطيع ذلك: لا بأس بها، أما الاستغاثة من ميت، أو من غائب، أو بحي حاضر غير مستطيع في أن يكشف عنه داء القلوب، أو مرض الأبدان، أو يجلب له الرزق، أو يوفقه، أو يهديه، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي هي بيد الله، فهذا شرك بالله جلَّ وعلا؛ لأنه صرفٌ لحقه للمخلوق، فلا يجوز أن يقع المسلم في مثل هذه الأمور، ويجب أن يعرف أمر الله عليه، وما أوجبه الله جلَّ وعلا على عباده، فإن لله حقاً على العباد لا يجوز أن يُجعل منه شيء لأحد من الخلق، وليس طلبُ الدعاء والشفاعة من الحاضر الذي يسمع ويقدر من هذا الباب، بل هو جائز. والخلاصة في هذا: أن المخلوق لا يُطلب منه إلَّا ما في مقدوره واستطاعته، والميت لا قدرة له، ولا استطاعة له، ولا تصرف له، وكذلك الغائب، مثل: الجني والملَك الذي لا يشاهَد ولا يُرى فإنه لا يُسأل ولا يُطلب منه، سواءً ادُّعي أنه ولي من أولياء الله، أو نبي من أنبياء الله، أو ملك من الملائكة أو غير ذلك، فإن الله جلَّ وعلا تعبَّد العباد بأنه يملك النفع ويدفع الضر، وأنه لا أحد من خلقه يشاركه في هذا.

стр. 566

الأمر كله بيد الله وحده ولهذا أمر رسولَه ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرَّاً وَلا نَفْعَاً﴾ [يونس:٤٩]، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدَاً﴾ [الجن:٢٢]، وهذا أفضل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، يأمره ربه جلَّ وعلا أن يتبرأ إلى الله جلَّ وعلا بأنه لا يملك مما في يد الله شيئاً. وقد وقع له ما وقع يوم أحد، حينما شُج وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وكُسرت رباعيته، ودخلت حلقة المِغْفَر في وجنته صلوات الله وسلامه عليه، وصار الدم يسيل على وجهه، فيسلته ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟!) ثم صار يدعو على هؤلاء الذين فعلوا هذا الفعل الشنيع الفظيع دائماً في الصلاة، يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً، وسادةُ الأولياء من صحابته خلفَه يؤمِّنون، ويقولون: آمين، مكث شهراً يفعل ذلك، فأنزل الله جلَّ وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]) ثم تاب الله جلَّ وعلا عليهم -على هؤلاء- فأسلموا. فليس لأحد من الخلق مع الله تصرف، فالأمر كله بيد الله، والنفع بيد الله، فليس للأحياء شيء فضلاً عن الأموات، أما الميت فهو مرتَهَن بعمله، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] (رهينة) يعني: محبوسة ومحتبَسة بعملها، وليست مطلقة متصرفة كما يقول هؤلاء الضُّلَّال، فإنه كذب على الله جلَّ وعلا وعلى دينه، وتدخل في ملكه وتصرفه وأمره. وكذلك يقول الرسول ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله) ينقطع وينتهي، فإذا كان ينقطع عمله لنفسه، فكيف يستطيع أن يعمل لغيره؟! وكيف يستطيع أن يغيث غيره؟!

стр. 567

من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه أما الشفاعة: فإن الله جلَّ وعلا أخبرنا أن الشفاعة له جميعاً، وليست لأحد من الخلق، ولا أحد يستطيع ويجرأ أن يشفع إلا إذا أذن له، وقال له: اشفع، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] (من ذا الذي؟!) هذا استفهام إنكار، يعني: أنه لا يوجد أحد من الخلق يتقدم طالباً الشفاعة من الله إلَّا إذا أذن له الله جلَّ وعلا وقال له: اشفع، وقد أخبرنا جلَّ وعلا أن الشفاعة لا تكون لمن يطلبها من الخلق، وإنما تكون لمن يطلبها من الله، ومَن يخلص دعوته لله جلَّ وعلا، فالشفاعة لأهل التوحيد، كما قال الرسول ﷺ لما سئل: (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال ﷺ : أسعدهم بشفاعتي: مَن قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) فبين أن الشفاعة لأهل الإخلاص، أما الذي يقول: (لا إله إلَّا الله) وهو يدعو غير الله، فإنه لم يخلص، وقد أتى بما يمنع من الشفاعة؛ لأن الشفاعة لأهل التوحيد الخالص، وهذا أمر جلي وواضح، ولكن إذا كثر الجهل، وتتابع الناس على أوضاع توافقوا عليها، أو وجدوا أهل بلادهم أو آباءهم عليها: اعتقدوا أنها دين، واستبعدوا أن يكون الناس قد تتابعوا على شرك وشيء باطل، فيقع هذا في نفوسهم ويتأصل، وإذا قيل لهم أو نوقشوا في هذا، استبعدوا أن يكون المناقِش والقائل هو المهتدي، والناس الكثيرون ضلوا في هذا! فصار الشيطان يصدهم عن اتباع الحق بهذا السبب.

стр. 568

على الإنسان أن يسعى في فكاك نفسه وخلاصها من العذاب ومعلوم أن الهدى في كتاب الله جلَّ وعلا، وفي سيرة رسول الله ﷺ وسنته، وهذا بين وواضح ليس به خفاء، وإنما يقع في مثل هذه الأمور الجُهَّال، الذين لم يهتدوا بنور كتاب الله جلَّ وعلا، ولم يقتدوا برسول الله ﷺ ، وهم في ذلك -في الواقع- مقصرون؛ لأنهم تركوا ما يجب عليهم أن يهتموا به؛ فإن الواجب على الإنسان أن يعتني بأمر دينه أكثر من اعتنائه بأمر دنياه، ولا يجوز للعاقل أن تكون الدنيا عنده أهم من أمر آخرته، وأمر دينه. ومعلوم أن الجزاء يقع على فعل الإنسان في حال حياته، أما إذا مات فقد انتهى الأمر، ولا يمكن أن يُستعتب الإنسان بعد موته ويُثاب عليه، ويَطلب المغفرة لنفسه فيُغفر له! قد انتهى الأمر، وقد جاء النذير إلى الناس، جاءهم الرسول ﷺ في هذه الحياة وبلغهم، وأخبر الرسول ﷺ أن من بلغه ذكره أنه قد وصل إليه البلاغ، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (والله لا يسمع بي أحمر أو أبيض ثم لا يؤمن بي إلَّا أقحمه الله النار) فعلَّق ذلك بمجرد السماع بذكره؛ لأن العاقل إذا سمع بذلك وجب عليه أن يبحث وجب عليه أن يتعلم دينه ويعرفه، وهو ميسور والحمد لله، وليس صعباً، وكذلك يقول الله جلَّ وعلا: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن -بلغته ألفاظُه- فقد وصلت إليه الحجة وقامت عليه، فعليه هو أن يجتهد في معرفة الحق، وقد جعل الله جلَّ وعلا في الناس عقولاً وأفكاراً، فيجب أن يستعملوا عقولهم وأفكارهم فيما ينفعهم، لا أن يستعملوها في أمر الدنيا فقط، فالدنيا أمرها سهل وميسور، وهي عابرة وزائلة بسرعة، ولكن الأهوال بعد الموت؛ لأن الإنسان ما خلق ليفنى وما خلق ليموت بل خلق للبقاء السرمدي الذي لا نهاية له، ففي حياته الدنيوية إما أن يكتسب السعادة، وإما أن يجلب إلى نفسه الشقاء الأبدي، وليس هناك طريق ثالث، لأن الاستقرار بعد حشر الناس وجمعهم يوم القيامة إما في الجنة وإما في النار، ولا توجد منزلة ثالثة، ثم دخول الجنة ودخول النار ليس مؤقتاً ولا محدداً بفترة، لا بألف سنة ولا بمليون سنة ولا بمائة مليون سنة، بل حياة إلى أبد الآباد: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧]، والمصيبة أن الذي يوضع في النار لا يمكن أن يموت: ﴿لا يَمُوتُ فِيْهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَاً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، وكلما: للتكرار الذي لا نهاية له. فإذا كان الأمر هكذا: فإنه يجب على العاقل أن يسعى في فكاك نفسه، وفي خلاصها من العذاب، وفي تحصيل السعادة الأبدية التي لا تشبهها أي سعادة يعرفها الإنسان في هذه الدنيا، فإن الإنسان إذا عمل بتقوى الله وبطاعته وبرضاه، وقبل الله منه ذلك، فإنه يكون جاراً لله جلَّ وعلا في الجنة، وملائكة الله تخدمه، وتدخل عليه مسلمة وتقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، فكيف يذهب العاقل يتعلق بمخلوق ضعيف مثله، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟! هذا لا يليق بالعاقل، بل يجب أن يكون تعلقه بالخالق جلَّ وعلا بالرب الكريم بالجواد الرحيم بالذي بيده ملكوت كل شيء، وقد استدل ربنا جلَّ وعلا على المشركين في كونهم يقرون بأن الله جلَّ وعلا هو المتصرف وحده: بوجوب إخلاص العبادة له في آيات كثيرة سيأتي شيء منها إن شاء الله. [فإنه جلَّ ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، القادر على إيصال الخير، فهو المتفرد بذلك، فإذا تعين هو جلَّ ذكره خرج غيره من ملَك ونبي وولي قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية: في قتال أو إدراك عدو أو سبع أو نحوه، كقولهم: يا لَزيد! ويا لَلمسلمين! بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد: كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله، لا يُطلب فيها غيره قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجُهَّال، وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله -من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك- في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيراً فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير، وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشَ لله أن يكون أولياء الله بهذه المثابة! فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمان قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، وقال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئَاً وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]، فإنَّ ذِكْرَ ما ليس من شأنه نفع ولا دفع الضر -من نبي وولي وغيره- على وجه الإمداد منه: إشراكٌ مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره ولا خير إلَّا خيره].

стр. 569

حال المشركين الأوائل عند الشدائد المشركون القدامى لم يكونوا معتقدين في معبوداتهم -سواءً كانت أصناماً مثل: الشجر والحجر، أو كانت قبوراً مثل: اللات ونحوها -على أحد قولي العلماء-، أو مثل: عيسى وعزير وأم عيسى ﵈، أو الملائكة، أو الأجرام السماوية مثل: الكواكب والشمس والقمر وما أشبه ذلك- أنها مشارِكة لله جلَّ وعلا في العطاء والمنع والدفع والنفع، وما كانوا يعبدونها على هذا الأساس، وإنما كانوا يعبدونها زاعمين أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم، كما ذكر الله جلَّ وعلا ذلك عنهم، وهذا هو شركهم الذي كانوا يفعلونه، وهذا شيء معروف لمن نظر في التاريخ، ونظر في وقائعهم، وفي حالتهم التي كانوا عليها. ولهذا كانوا إذا وقعوا في شدة تركوا هذه الأشياء، واتجهوا إلى الله وأخلصوا له الدعوة، كما أخبر الله جلَّ وعلا ذلك عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] أي: أنهم إذا ركبوا في البحر، فهبت عليهم الريح العاصفة -التي يتوقعون أنها ستهلكهم وتغرقهم- اتجهوا إلى الله مخلصين له في دعائهم، ولا يدعون معه غيره، وقد جاءت الأخبار بأنهم إذا كانوا في مثل هذه الحالة، وكانت معهم الأصنام ألقوها في البحر، وقالوا: إنها لا تنفع في مثل هذه الحالة. فالمقصود: أن عبادتهم لهم كانت على سبيل الوساطة، يجعلونهم وسائط بينهم وبين ربهم، ويقولون: نسأل الله بهم، أي: نسألهم وهم يسألون الله لنا، ويقولون: نطلب منهم أن يشفعوا لنا عند الله، فهذا هو الشرك الذي وقعوا فيه، أما أن أحداً منهم كان يعتقد أن الشجرة -مثلاً- تنزل المطر، أو تنبت النبات، أو تجلب الرزق، أو تدفع العدو، فما كان أحد منهم يعتقد هذا، وكذلك الميت، ما كان أحد منهم يعتقد أنه ينزل المطر، أو يحيي أو يميت، أو أنه يجلب الرزق، أو أنه يدفع العدو، أو أنه يزيل المرض، أو أنه يمسك الخير، ما كانوا يعتقدون ذلك، وإنما كانوا يقولون: نطلب منه حتى يسأل الله لنا، فيعطينا الذي نريده، هذا هو شرك المشركين، ولم يكن أحد منهم يطلب مخلوقاً على وجه الاستقلال، أو وجه المشارَكة مع الله جلَّ وعلا.

стр. 570

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٧] من المعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يفعل فعلاً أو يقدم على أمر من أمور العبادة إلا بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، بخلاف أمور المعاملات والمطعومات والمشروبات فإن الأصل فيها الحل حتى يأتي الدليل بتحريمها، ولهذا فقد اتفق العلماء على أن العبادة مبنية على شرطين: الأول: أن تكون خالصة لله، والثاني: أن تكون على وفق ما جاء به نبينا محمد ﷺ .

стр. 571

لا وجود للأبدال والأقطاب والأوتاد قال المصنف ﵀: [وأما ما قالوه: إن منهم أبدالاً ونقباءَ، وأوتاداً ونجباءَ، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو: الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث أبو بكر بن العربي في سراج المريدين، وابن الجوزي، وابن تيمية ﵏. انتهى باختصار]. يعنون: أن هذا من الكذب وليس له أصل، وإنما جاء ذكر الأبدال في بعض الآثار، وفيها نظر عند بعض العلماء، وجاء: (أن الأبدال بالشام) ومعنى الأبدال: أنه كلما ذهب واحد منهم جاء غيره بدلاً عنه، وإذا صح ذلك فإن معناه: أنهم الذين يقومون بالدعوة إلى الله، والذين يقومون بالحجة على عباد الله؛ لأن حجة الله لا تضمحل ولا تزول ولا تنتهي، وفي الحديث المشهور: (يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين)، وليس فيه أن الأبدال يُدعَون مع الله، وأنهم يغيثون. أما الذي يسمونه: القطب، أو النجباء، أو السبعين، أو السبعة، أو الأربعة: فهذا من الكذب، ليس هناك ما يدل على هذا، لا من كتاب الله جلَّ وعلا، ولا من سنة رسوله ﷺ ، ولا من أقوال الصحابة وأتباعهم، وإنما هو من الكذب، وقد بين العلماء أن هذا لا أصل له، وإذا كان هناك أولياء لله جلَّ وعلا فهم لا يرضون بأن يدعَون مع الله، بل يغضبون لذلك، ويكفرون بالداعي، ويبغضونه ويتبرءون منه، كما أخبر الله جلَّ وعلا عنهم فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزَّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدَّاً﴾ [مريم:٨١ - ٨٢]، ما معنى (يكونون عليهم ضداً)؟ أي: يكونون ضدهم يوم القيامة: بأن يتبرءون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بهم، كما في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً﴾ [العنكبوت:٢٥]، وفي آية ثالثة: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]، يعني: إذا جُمعوا يوم القيامة، وقيل لهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تدعونهم، فيذهبون إليهم، ويسألونهم: أأنتم الذين نستغيث بكم ونسألكم؟ فيتبرءون منهم، ويقولون: كذبتم، نحن لا نغيث أحداً، ونحن نبرأ إلى الله منكم ومن أفعالكم، فماذا يكون مع الداعي؟! يكون معه الخيبة والضلال، وغرور الشيطان. ومعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يفعل فعلاً، أو يقدم على أمر من الأمور، إلا بدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، فالعبادة محرمة -كما يقول العلماء- حتى يأتي الدليل، بخلاف أمور المعاملات، وأمور المطعومات والمشروبات، فإن الأصل فيها الحل، حتى يأتي الدليل على التحريم، أما أمور العبادة فبالعكس، ولهذا اتفق العلماء على أن العبادة مبنية على شيئين: أحدهما: أن تكون العبادة خالصة لله جلَّ وعلا. والثاني: أن تكون على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، أما إذا كانت بالرأي، أو بالعادة التي وجد عليها الناس، فهي غير معتبرة وغير مقبولة، بل مردودة على صاحبها، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو مردود على صاحبه، فكل عمل ليس عليه أمر الرسول ﷺ لا يكون معتبراً، ولا يكون صحيحاً. [والمقصود: أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه الأمور الشركية لطال الكتاب. ]: الواقع: أنه ما وقع فيها إلَّا الجُهَّال، والجُهَّال لا عبرة فيهم، ولا يجوز للإنسان أن يغتر بهم، أما العلماء فهم لا يزالون ينصحون الأمة ويحذرونها من الوقوع في مثل هذه الأمور؛ لظهورها ووضوحها، فهي واضحة، ومن المعلوم لدى المسلمين في عقائدهم أن الإنسان يُسأل عن أصول الدين في قبره: يُسأل مَن الذي تعبُد؟ وبأي شيء تعبُده؟ ومَن الذي جاءك بما تتعبَّد به؟ هذه الأسئلة الثلاثة لا بد منها لكل ميت، فإذا كان الإنسان عارفاً عالماً بذلك، أجاب بكل سهولة وبلا تلعثم ولا تردد، فيقول: أعبد الله، ويقول: أعبده بالشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وإذا قيل له: مَن؟ قال: رسول الله ﷺ عرفتُه وصدقته فاتبعته، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا عرف اسم الرسول ﷺ ، واسم أبيه، واسم جده، وقال: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أن هذا يكفي! بل لا بد أن تعرفه المعرفة الصحيحة بأنه رسول من عند الله، تعرفه بالآيات التي جاء بها، وتقتنع بذلك، وتؤمن به إيماناً لا يعتريه الشك.

стр. 572

طرق معرفة رسول الله ﷺ ومعرفته لها طرق كثيرة: ومن أهم الطرق التي يتعرف بها على الرسول ﷺ : سيرته صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء إلى أمة كافرة مشركة وهو وحده، فصار يقول لهم: (قولوا: (لا إله إلَّا الله) تفلحوا)، وإن لم تفعلوا فإن الله جلَّ وعلا سوف يسلطني عليكم، فأقتلكم وآخذ أموالكم، أيمكن أن يأتي رجل واحد ليس معه جند ولا قوة، إلى أمة كبيرة معادية له، فيقول لهم هذا القول وهو وحده؟! معنى ذلك: أنه يغريهم بقتله، ويدعوهم إلى ذلك، ولا يقول ذلك إلَّا من يثق بالله جلَّ وعلا من كان الله معه من كان رسولاً لله، وكذلك من المعلوم عند العقلاء أن الإنسان إذا جاء إلى الناس، وقال: أنا رسول الله، فإنه لا يخلو الأمر من شيئين: إما أن يكون أصدق الناس، وأبر الناس، وأتقى الناس، وأقرب الناس إلى الله، أو يكون أكذب الناس، وأفشل الناس، وأبعد الناس عن الله جلَّ وعلا. وهل يلتبس هذا بهذا؟! أيمكن أن يلتبس هذا بهذا؟! لا يمكن أبداً؛ لأن مدعي النبوة من أبعد الخلق، ومن أكذب الخلق، ومن أخبث الخلق، أما النبي إذا جاء من الله صادقاً: فهو أبر الخلق، وأصدقهم، وأقربهم إلى الله. وهذا من الأدلة المعتبرة. ومنها: كونه يخبر بأمور الغيب يخبر بالشيء، فيقع كما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه. ومنها: كونه يسأل ربه فيعطيه. ومنها: الآيات التي وقعت على يده، وهي كثيرة جداً، ومن أعظمها: هذا الكتاب الذي جاء به من عند الله. بهذه الطرق تكون معرفة الرسول ﷺ ، وليست بمعرفة اسمه وترديده وحفظه، كما قد يغتر به من يغتر. وكذلك معرفة الله جلَّ وعلا بالأدلة المقنِعة، وهذا أمر لا يحتاج إلى ذكر أدلة؛ لظهوره ووضوحه. أما معرفة الإسلام فهو بالتعلُّم، فلا بد من تلقيه وتعلُّمه، وهذا أمر يتعين على العبد، فيتعين عليه أن يعرف كيف يعبد الله كيف يصلي كيف يصوم كيف يتوضأ، ولا يجوز أن يكون جاهلاً بهذه الأمور، بحيث لا يدري هل الصلاة ركعتين أو أربع أو ثلاث؟ أو لا يدري ماذا يقول ويفعل في الصلاة؟ فالشيء الذي يتعين على العبد فعله يجب عليه أن يكون حريصاً على معرفته كل الحرص، وليس عيباً أن يسأل وأن يحرص على معرفة الحق، بل هذا يدل على اهتمامه، ويؤجر على ذلك. قال الشارح رحمه الله تعالى: [والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن قال قولاً بلا برهان فقوله ظاهر البطلان مخالف لما عليه أهل الحق والإيمان، المتمسكون بمحكم القرآن، المستجيبون لداعي الحق والإيمان، والله المستعان وعليه التكلان].

стр. 573

ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]]: هذه الآية خطاب للرسول ﷺ ، ومعلوم أن الأمة تبعٌ له، فالله جلَّ وعلا نهى أقرب الناس إليه أن يدعو ما لا ينفعه ولا يضره، وهذا يصدق على كل مخلوق من المخلوقات: سواءً كان من الملائكة، أو من الرسل، أو من البشر، فضلاً عن الجمادات وغيرها، فأمره بقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦] ثم قال: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: دعوتَ من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]: والظلم هنا المقصود به: الشرك، وهذا كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وكذلك لما أخبر عن أنبيائه قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] يعني: لو أشركوا بالله جلَّ وعلا لحبطت أعمالهم، فليس بين العباد وبين الله صلة بقرابة أو ما أشبه ذلك إلَّا بطاعته، من أطاعه فهو وليه وهو الكريم عنده، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فإذا كان هذا الخطاب يوجه إلى الرسول ﷺ فكيف بمن عداه؟! وقوله: ((وَلا تَدْعُ)): يدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة. ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦]، فكل الخلق لا ينفعون ولا يضرون، كما قال الرسول ﷺ في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وغيره: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لن يستطيعوا ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لن يستطعيوا ذلك)، وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه من قوله ﷺ فيما يروي عن ربه جلَّ وعلا: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً وفيه: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، فالأمر كله بيد الله جلَّ وعلا، فهو الذي يملك النفع ويملك الضر، ولهذا قال له: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: إذا دعوت غير الله فقد وقعت في الظلم الذي هو الشرك بالله؛ لأن الظلم أنواع، وأعظمها: الشرك، والظلم في الأصل هو: وضع الشيء في غير موضعه، ووضع العبادة لغير من يستحقها أعظم الظلم، ولا أظلم ممن يدعو مَن لا تجوز دعوته، وفي هذه الآية دليل على أن الإله المدعو يجب أن يكون مالكاً للنفع والضر، يملك ما يُدعى من أجله، وهذا لا يكون للمخلوق، ولا يكون إلَّا لله جلَّ وعلا، الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي إذا أراد نَفْعَ عبده نَفَعَه، وإن شاء ضُرَّه ضَرَّه، أما الخلق فلا يستطيعون شيئاً من ذلك، إلا إذا أراد الله جلَّ وعلا، والله لم يجعل الشرك سبباً لجلب الخير أو دفع الشر، بل هو سبب للشرور. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٧] يعني: أن هذا منفي عن جميع الخلق، فلا يستطيع أحد أن يدفع عنك شراً أو مصيبة قدرها الله عليك، وذلك إنما هو بيد الله، فإن شاء أزاله عنك، وإن شاء أبقاه ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] أي: أنه لا يستطيع أحد أن يمنع فضلاً أراده الله لك، فإذا أراد بعبده رحمة: من صحة وعافية وهدىً ورزق وغير ذلك، فإنه لا أحد يستطيع رد فضله، إذاً: فالأمر كله بيده، فيجب أن يُعبد وحده، وتكون العبادة خالصة له، ويكون الدعاء له وحده. وقوله تعالى: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس:١٠٧] أي: يصيب بفضله من يشاء، فالأمر إليه، وليس للإنسان ولا للخلق. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] الله جلَّ وعلا غفور رحيم مع كثرة الخطائين، وتجاوزهم لأمر الله جلَّ وعلا، فهو غفور لمن استغفر ورجع وتاب، ورحيم بالمؤمنين الذين يؤمنون، وإن كانت عندهم ذنوب وأخطاء، فإنه يغفر لهم ويرحمهم. قال الشارح ﵀: [قال ابن عطية: معناه: قيل لي: (وَلا تَدْعُ)، فهو عطف على ﴿أَقِمْ﴾ [يونس:١٠٥]، وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﷺ ] أي: أن الله جل وعلا أمره أن يقيم وجهه، ثم عُطف عليه قوله: ((وَلا تَدْعُ))، فهو أمر؛ لأن قوله: ﴿أَقِمْ﴾ أمر، وكذلك قوله: ((وَلا تَدْعُ)) معطوف عليه، فهو أمر من الله جلَّ وعلا لرسوله ﷺ ، والمقصود: أمته فهي تبع له في ذلك. [وهذا الأمر والمخاطبة للنبي ﵌. إذا كانت هكذا، فأحرى أن يحذر من ذلك غيره، والخطاب خرج مخرج الخصوص، وهو عام للأمة]: يعني: أن الخطاب خوطب به الرسول ﷺ والمقصود به: العموم، فكل الخلق مخاطبون بذلك.

стр. 574

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قال الشارح ﵀: [قال أبو جعفر بن جرير في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: ((وَلا تَدْعُ)): يا محمد! من دون معبودك وخالقك شيئاً ((لا يَنْفَعُكَ)): في الدنيا ولا في الآخرة ((وَلا يَضُرُّكَ)): في دين ولا دنيا، يعني بذلك: الآلهة والأصنام، يقول: لا تعبدها راجياً نفعها أو خائفاً ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر ((فَإِنْ فَعَلْتَ)): ذلك فدعوتها من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] يقول: من المشركين بالله الظالم لنفسه]: قوله: يعني بذلك: الأصنام، ليس معنى هذا تخصيص الدعاء بالأصنام فقط، فإن الآيات عامة، ويدخل فيها كل مدعو، ولكنه أراد الواقع الذي نزلت فيه الآية، وقيل: لما خوطب الرسول ﷺ بذلك: كان القوم الذين قُصدوا بهذا الخطاب يدعون الأصنام، فكذلك إذا كان غيرهم يدعو مَن يقوم مقام الأصنام، مثل: صالح من الصالحين، أو ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء، يدعونه الدعوة التي لا تجوز إلا لله: ككشف الضر أو جلب النفع، فإن هذا الخطاب يكون شاملاً لهم، وهذا باتفاق العلماء: أنه لا يعتبر خصوص السبب الذي نزل الخطاب من أجله، وإنما المعتبر عموم اللفظ، وهذا شيء مشهور، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، في جميع خطاب الشرع. قال الشارح ﵀: [قلت: وهذه الآية لها نظائر: كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]، وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]]: يعني: نظيرها في مخاطبة الرسول ﷺ بمثل ذلك الخطاب، ومعلوم أن الله جلَّ وعلا كرمه ونزهه وحماه أن تقع منه دعوة لغير الله جلَّ وعلا، وفائدة هذا: أن ينتبه الإنسان إلى خطورة الشرك، فإذا كان أشرفُ الخلق لو وقع منه ذلك لوقع عليه العذاب فغيره من باب أولى، هذا هو المقصود من الخطاب، أعني: التنبيه.

стр. 575

يجب الإخلاص لله في العبادة سواء كانت ظاهرة أو باطنة قال الشارح ﵀: [ففي هذه الآيات بيان أن كل مدعو يكون إلهاً، والإلهية حق لله لا يصلح منها شيء لغيره، ولهذا قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨]، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، والدين: كل ما يُدان الله به من العبادات الظاهرة والباطنة] المقصود بالعبادات الظاهرة: كالدعاء، والقراءة والتسبيح، والتكبير، والصلاة، والزكاة، وأمثال ذلك. أما العبادات الباطنة: فكالخوف، والرجاء، والخشية، والإنابة، أي: أفعال القلب والنيات، وهي من العبادات، ويجب أن تكون لله فقط، ليس فيها لأحد من الخلق شيء، ولا يُراد بها الدنيا، ولهذا توعد الذين يقصدون بها الدنيا، فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، فالإرادة هي: أعمال القلوب. ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦]: فالذين يريدون الدنيا بأعمالهم يكون هذا جزاؤهم. والخلاصة: أن الأعمال تنقسم إلى قسمين: ظاهرة وباطنة: فالظاهرة: التي تظهر للرائي المشاهِد أو يسمعها السامع: من ذكر وتسبيح وغير ذلك، هذه تسمى ظاهرة؛ لأنها تظهر للناس، تُسمع أو تُرى. أم الباطنة فهي: التي تكون في القلب، ولا يطلع عليها إلَّا رب العباد جلَّ وعلا. ولهذا قد يكون ظاهر العمل أنه لله وفي الواقع هو لغير الله؛ لأن النية يُراد بها غير الله، وهذا يحاسب عليه رب العباد جلَّ وعلا، وقد جاءت الأخبار بأنه: (يأتي قوم بأعمال عظيمة يوم القيامة، فإذا جاءوا بها يقول الله جلَّ وعلا لملائكته: هذه حابطة وهم من أهل النار) لأنهم أرادوا بها غير وجه الله أرادوا بها أموراً أخرى من أمور الدنيا وغيرها، وفي الحديث: (من عمل عملاً فأشرك فيه مع الله غيره فإن الله يتركه وشريكه) يعني: يترك العمل للشريك فقط؛ لأنه جلَّ وعلا أغنى الشركاء، فهو لا يقبل عملاً فيه اشتراك، والعمل الذي يقبله هو ما كان خالصاً له جلَّ وعلا ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلَاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ [الكهف:١١٠]، فقوله: (لا يشرك) هنا: يعم جميع العمل، و (أحداً): يعم جميع الخلق.

стр. 576

لا يملك النفع والضر إلا الله قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفسره ابن جرير في تفسيره: بالدعاء وهو فرد من أفراد العبادة، على عادة السلف في التفسير: يفسرون الآية ببعض أفراد معناها، فمن صرف منها شيئاً لقبر، أو صنم، أو وثن، أو غير ذلك: فقد اتخذه معبوداً، وجعله شريكاً لله في الإلهية التي لا يستحقها إلا هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فتبين بهذه الآية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال. وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فإنه المتفرد بالملك والقهر، والعطاء والمنع، والضر والنفع، دون كل ما سواه، فيلزم من ذلك: أن يكون هو المدعو وحده، المعبود وحده، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، ولا يملك ذلك ولا شيئاً منه غيره تعالى، فهو المستحق للعبادة وحده دون من لا يضر ولا ينفع. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]]: هذا أيضاً خطاب الله جلَّ وعلا يتحدى فيه الكفار: بأن يدعوا أصنامهم وآلهتهم؛ لتجلب لهم شيئاً من النفع والنعم التي لم يقدرها الله جلَّ وعلا ولم يُردها، أو أن تدفع شيئاً من النقم والمصائب التي قدرها. ويقول جلَّ وعلا في أول الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨] (قل أفرأيتم) أي: أخبروني عن هذه التي تدعونها من دون الله. ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨]، أي: هل تستطيع -إن أرادني بمرض، أو أصابني بفقر، أو أصابني بإدالة عدو، أو ما أشبه ذلك- أن تمنع هذا وتصرفه؟! الجواب لا تستطيع. ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]، هل تستطيع أن تمسك رحمته، وأن تأتي إلى هذا الذي أراده الله جلَّ وعلا بالرحمة فتمنعها عنه؟! لا تستطيع. ثم يقول: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: هو كافيني، وهو الذي أعتمد عليه، وأدعوه وأعبده دون غيره. يقول مجاهد ﵀: إن الرسول سألهم؛ لأن الله أمره أن يسألهم: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ (قل): هذا أمر من الله أن يقول لهم، فسألهم وقال لهم: (أرأيتم هذه الأصنام: هل تدفع الضر عمن أراد الله جلَّ وعلا به الضر، أو تمسك الرحمة أن تصل إلى من أراد الله به الرحمة؟ فسكتوا) يقول: سألهم فسكتوا، لماذا (سكتوا)؟ لأنهم يعلمون أنها لا تفعل شيئاً من ذلك، ولكنهم يكابرون؛ ومتمسكون بدين آبائهم! وليس لهم في ذلك حجة إلَّا أنهم وجدوا آباءهم يعبدون هذه الأصنام، مع أنهم لا يعتقدون أنها شاركت الرب جلَّ وعلا في التدبير، أو شاركته في الملك، أو شاركته في الخلق والإيجاد، ولهذا بدأ بسؤالهم عن خالق السماء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] يعني: ليس عندهم شك أن الخالق هو الله، فهم يقرون بهذا، ومعنى هذا: أن الله يحتج عليهم بكونهم يقرون بأن الله هو الذي يتفرد بالخلق والنفع والضر ولا يشاركه أحد، فإذا كان كذلك فيجب أن يُفرَد بالعبادة، وألا يُدعَى غيره، هذا وجه التحدي ووجه إقامة الحجة عليهم، وهذا كثير جداً في القرآن، فكل الآيات التي فيها النهي عن الشرك والأمر بالعبادة تُبنى على هذا الشيء، كقوله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، يعلمون أن الله هو الخالق وحده هو الذي خلق السماوات وخلق الأرض على هذه الصفة، وهو الذي ينزل المطر فينبت النبات، يعلمون حقاً أن الله هو المتفرد بهذا، فإذا كانوا يعلمون ذلك: فلماذا يدعون معه غيره؟! ما حجتهم وما برهانهم وما دليلهم؟!

стр. 577

ليس للمشركين حجة ولا برهان على شركهم ليس لهم أي حجة ولا برهان إلَّا أنهم قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] فقط، وهكذا يقول مَن بعدهم، إذا قيل لهم: لا تدعوا الأموات، لا تطلبوا من الأموات شيئاً، رأيتهم يسمونه توسلاً أو تقرباً أو تشفعاً، مع أن التسمية لا تغير من الواقع شيئاً، فلو سُمِّي الربا بغير اسمه، أو سُمِّي الخمر بغير اسمه، فإن الحكم لا يتغير، والمقصود: أن الناس من أول ما وقعت المخالفة فيهم، إلى آخر أمة أرسل فيهم آخر رسول صلوات الله وسلامه عليه، كلهم يقرون بأن الله جلَّ وعلا -وحده- هو الذي يخلق، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي ينزل المطر، وهو الذي ينبت النبات، ويدر الرزق، وهو الذي يكشف السوء، وهو الذي إذا دعاه المضطر أزال ما فيه من الضر، كلهم يقرون بهذا، فلماذا يدعون حجراً أو شجرةً أو ميتاً؟! ليس عندهم إلَّا التقليد، وقع آباؤهم في ذلك فاتبعوهم عليه، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٢ - ٥٣] فقط، أهذا دليل؟! وكذلك يقول جلَّ وعلا في آيات أُخَر: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] (على أمة) يعني: على دين، فالمقصود بـ (الأمة) هنا: الدين، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يقتدون بهم، هكذا جميع الأمم تقول هذا الشيء، حتى في الوقت الحاضر، فإذا رأيت الناس على شيء من المخالفات، وقلت لهم: لا تفعلوا هذا، فإن هذا لا يجوز، وجدت كثيراً من الناس يقول لك: الناس كلهم يفعلون هذا، وهذا معنى قول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، هو قولهم تماماً، والمسلم لم يكلف بالنظر إلى أفعال الناس، وإنما كلف بالنظر إلى الوحي إلى الدين الذي جاء به الرسول ﷺ ، هذا الذي كُلِّف الإنسان به؛ لينظر إليه ويتعرف عليه، ثم يعمل به، فإن الناس لا ينفعونه، ولهذا: فإن الإنسان إذا وُضع في قبره، وجاءه الملك الذي يختبره فيقول له: (ما دينك؟ يقول: هاه! وجدتُ الناس يفعلون شيئاً ففعلتُه) أينفعه هذا؟! لا ينفعه، وإنما ينفع الإنسانَ العلمُ الذي جاء به الوحي، وهو الذي كُلِّف به الإنسان. والمقصود: أن الذين يدعون غير الله أو يعبدونه ليس لهم حجة وليس عندهم برهان، حتى إن الشيطان يقوم فيهم خطيباً -إذا جُمع أهل النار في النار- ويقول: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: ما كان لي عليكم حجة، لا توجد حجة أحتج بها عليكم، وإنما: ﴿دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] فقط، مجرد دعوة! ثم يقول: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]، يعني: ما أنا بمنقذكم ولا بمغيثكم، لا أستطيع ذلك ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] يعني: وأنتم لا تنقذونني من العذاب، ولا تغيثونني من ذلك وأنا كذلك، إذاً: غرَّهم فضرَّهم ثم تبرأ منهم، وهذه هي المصيبة، عند أن تجتمع عليهم أنواع العذاب من جميع الجهات، فلا يبقى شيء من العذاب إلَّا اجتمع لهم. والمقصود: أن كل من تعلق بغير الله فليس له أي حجة وأي برهان، وإنما هي شُبَه تتعلل بها الأنفس، وترد بها الحق، أما البراهين والأدلة فهي تدل على أن ما هم فيه باطل. قال الشارح ﵀: [وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]، فهذا ما أخبر به الله تعالى في كتابه من تفرده بالإلهية والربوبية، ونصَب الأدلة على ذلك، فاعتقد عُباد القبور والمشاهد نقيض ما أخبر به الله تعالى، واتخذوهم شركاء لله لاستجلاب المنافع ودفع المكاره: بسؤالهم، والالتجاء إليهم بالرغبة والرهبة والتضرع، وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها إلَّا الله تعالى، واتخذوهم شركاء لله في ربوبيته وإلهيته، وهذا فوق شرك كفار العرب القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فإن أولئك يدعونهم ليشفعوا لهم ويقربوهم إلى الله، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك، لا شريك لك، إلَّا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك]: معناه: أنهم يحجون ويتعبدون لله جلَّ وعلا ويسألونه؛ ولكنهم يشركون به، ومن المهم جداً عند المسلم أن يعرف حقيقة الشرك الذي كان عليه المشركون؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف الباطل لم يعرف الحق، وكثير من الناس يتصور أن شرك المشركين هو السجود للأصنام، واعتقادهم أنها تعطيهم الجنة وتمنعهم من النار، وأنها ترزقهم، وكذلك تسعدهم وتضرهم، وهذا لم يكن المشركون يعتقدونه، وإنما كان شركهم: أنهم يسألونها لتشفع لهم، وهذا معنى قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: أنهم ليس بأيديهم شيء، وإنما هم وساطة لنا، فيشفعوا لنا عند من بيده النفع والضر، هذا هو شركهم، ومع ذلك صاروا من أهل جهنم، وهم يعلمون أن الأمور كلها بيد الله، حتى إن منهم مَن يؤمن بالقدر، ومنهم مَن يؤمن بالبعث، إلَّا أنه وقع في هذا الشرك، فجعل بينه وبين ربه وسائط يدعوها لتشفع له، وتقربه إلى الله زلفى، وهذه هي الشفاعة التي طلبوها، ولهذا جاءت الشفاعة في القرآن على نوعين:

стр. 578

أنواع الشفاعة نوع مثبت واقع. ونوع منفي. فالمنفي هو: الذي يزعمه المشركون: أن أصنامهم تشفع لهم. والمثبت هو: الذي يقع بإذن الله ولمن يوحد الله؛ لأن الشفاعة لا تكون إلَّا لأهل التوحيد: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولما قال أبو هريرة ﵁ للرسول ﷺ : (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) والذي يقول: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه هذا هو الموحد، وهو الذي يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهو أسعد الناس بشفاعة الرسول ﷺ ، وذلك أن الرسول ﷺ أول ما يشفع في الفصل بين الخلق يسبق المخلصون إلى الجنة، ويكونون أسعد أهل الموقف بذلك. والمقصود: أن الإنسان عليه أن يتعرف على حقيقة شرك المشركين، ويعرف ما هو؛ لأن الذي لا يعرف الشرك يوشك أن يقع فيه وهو لا يدري، والذي لا يعرف الشرك لا يعرف التوحيد، فهذا مهم جداً. قال الشارح ﵀: [وأما هؤلاء المشركون فاعتقدوا في أهل القبور والمشاهِد ما هو أعظم من ذلك، فجعلوا لهم نصيباً من التصرف والتدبير، وجعلوهم معاذاً لهم وملاذاً في الرغبات والرهبات ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣]]. يعني: أن عباد القبور يسألون الإنسان المدفون في القبر -الذي صار لحمه تراباً وعظامه متفتتة- كما يُسأل الفرد الصمد، تعالى الله وتقدس، فيقال له: انفعنا وأعطنا، ونحن بحسَبك، ونحن داخلون عليك، ونحن جئناك لكذا ونحن ونحن إلخ فإن قُدِّر ووقع القدر الذي قدره الله، وحصل لهم مرادهم أضافوا هذا إلى ذاك الولي، وقالوا: هذا الذي ينبغي أن يُدعى، وأن يُتَقَرب إليه، أما إذا لم يقع لهم ما يريدون فإنهم يعودون على أنفسهم ويقول: لم يكن اعتقادنا بالولي صادقاً، أو إن الولي غير راضٍ عنا؛ لأنا ما أدينا حقه الذي ينبغي، فيزدادون شركاً: سواءً حصل مرادهم أو لم يحصل مرادهم، نسأل الله العافية.

стр. 579

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٨] أمر الله عباده أن يبتغوا عنده الرزق، وألا يلجئوا إلى غيره في ذلك، وأن تكون عبادتهم خالصة له، وأخبر أنه لا أضل ممن يعبد ويدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون، بل إذا حشر العابد والمعبود كانوا أعداءً لبعضهم.

стр. 580

شرح قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]]. سبق بيان معنى قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] ثم أضاف إلى ذلك بعض الآيات، ومنها: قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧] ففي هذه الآية يبين جلَّ وعلا أن الطلب هو المسألة ومنه: طلب الرزق، والرزق من الله جلَّ وعلا وحده، وعطف العبادة على ذلك مما يدل على أنه عبادة، ولهذا قدم المعمول مما يقتضي الحصر: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] وهذا يدل على وجوب ابتغاء الرزق عند الله فقط، ولا يجوز أن يُطلب من غيره؛ لأنه جلَّ وعلا هو رب العباد، وهو الذي يتولى أرزاقهم وحده، فهذا يدل على أنه عبادة، فطلب الرزق من الله عبادة يثاب عليه، وطلبه من غيره يكون شركاً بالله جلَّ وعلا، وليس معنى ذلك أن اتخاذ الأسباب التي يرتبها ربنا جلَّ وعلا على المسببات شركاً وإن كان كل شيء بأمره؛ ولكن لا يجوز للإنسان أن يعتمد على السبب ويظن أنه هو المؤثر، وهو الذي يتحصل به ما يطلبه، وإنما يفعل السبب لأن الله جعله سبباً، ولو شاء جلَّ وعلا لعطَّله، ولم يأتِ الأثر الذي يترتب عليه إلا بمشيئه جلَّ وعلا. والمقصود أن الإنسان يفعل السبب الشرعي الذي أمره الشرع به، ويعتمد على الله جلَّ وعلا في حصول المطلوب، وكثيراً ما يتخلف المسبَّب عن سببه إذا أراد الله جلَّ وعلا ذلك. إذاً: فقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]: الابتغاء هو الطلب، ويكون بالمسألة، ويكون بالفعل، ويكون باتجاه القلب، وهذه الأشياء تجتمع عند الإنسان المؤمن: فيتجه قلبه إلى ربه ويسأله التوفيق، ويفعل السبب، ويحتسبه ثواباً عند الله جلَّ وعلا يجزيه على ذلك. قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]: هنا عطف عام على خاص كما سبق في الآية الأولى أن العبادة أعم من ابتغاء الرزق، فابتغاء الرزق جزء من العبادة، والعبادة: ((وَاعْبُدُوهُ)) تكون من عطف العام على الخاص، فهذه نظير الآية الأولى، وهي تدل على وجوب حصر الدعاء في الله جلَّ وعلا، سواءً كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة، والآية في دعاء المسألة واضحة، أنه أمر بابتغاء الرزق عند الله. قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾ [العنكبوت:١٧] يأمر تعالى عباده بابتغاء الرزق عنده وحده دونما سواه، ممن لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً، فتقديم الظرف يفيد الاختصاص، وقوله: ((وَاعْبُدُوهُ)) من عطف العام على الخاص؛ فإن ابتغاء الرزق عنده من العبادة التي أمر الله بها. قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: ((فَابْتَغُوا)) أي: فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: لا عند غيره؛ لأنه المالك له وغيرُه لا يملك شيئاً من ذلك. ((وَاعْبُدُوهُ)) أي: أخلصوا له العباده وحده لا شريك له، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: على ما أنعم عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: يوم القيامة سيجازى كل عامل بعمله]. ومما يستفاد من الآية أيضاً: أن الرزق الذي ينعم الله جلَّ وعلا به على عباده يجب أن يكون عوناً على الطاعة، فإن لم يستعمل لذلك فإن الإنسان مستحق لعذاب الله جلَّ وعلا، ويكون وضعه غير صحيح؛ لأنه لم يُخلق لذلك، وإنما خلق ليعبد الله ويستعين به على ذكر الله جلَّ وعلا وطاعته، والوضع الذي يكون على غير ذلك ويكون على غير أمر الله مسخط للرب جلَّ وعلا، فيجب على العباد عموماً، أن يكون هذا وضعهم وهذه حالتهم، وأن يكونوا في حال حصول الرزق متعبدين به لله جلَّ وعلا طائعين به لله، متقوين به على التقرب إليه، وهذا -المعنى- يدخل في قول الرسول ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)؛ لأن الصحة والفراغ لا تدومان للإنسان، فيلزم أن يستغل الإنسان صحته وفراغه، وهذا من أعظم الرزق، ومن أعظم النعم التي ينعم بها الرب جلَّ وعلا على عبده، فينبغي عليه أن يستعملهما في اكتساب الطاعات والأجور وتحصيل الباقيات الصالحات التي تبقى عند الله جلَّ وعلا.

стр. 581

شرح قوله: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]. ]: قوله جلَّ وعلا: ((وَمَنْ أَضَلُّ)) (من) هنا: استفهام، والاستفهام معناه: أنه ليس هناك ضلال، فهذا استفهام يدل على أن من فعل هذا الفعل قد تناهى في الضلال، وليس وراء هذا الضلال ضلال. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥]، وهذه صفة كل مدعو بدعاء لا يستطيع تلبيته وإجابة المطلوب فيه، سواء كان حياً أو ميتاً، وسواءً كان عاقلاً أو جماداً، فإن معنى: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف:٥] أي: لا يحصل له الرد والالتفات والاهتمام بدعوته، أما حصول الشيء المطلوب فإنه لا يحصل من هؤلاء، بل وصوله مستحيل، وهذا يكون فيمن كان غائباً غالباً، ويكون فيمن كان ميتاً، أما من كان حاضراً فهو إما أن يكون طاغوتاً من أكبر الطواغيت مثل الشيطان الذي يدعو الإنسان إلى أن يعبده، ويغره ثم يتبرأ منه فيكون كاذباً، وإن استجاب له فهي استجابة وهمية؛ ولكن الاستجابة الحقيقية إذا سأله الله، وقال له: هذا يدعوك وهذا يعبدك. ويقول للعابد: اطلب من هذا المعبود ما كنت تطلبه منه في الدنيا، فهنا تكون الإجابة بالتبري، ولعن كل واحد منهما الآخر، ويتبرأ منه ويلعنه ويصبح له عدواً كافراً بفعله، وهذا ضلال متناهٍ ليس بعده ضلال، ولهذا قال الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥]، والاستجابة يوم القيامة ليست في حصول المطلوب، وإنما هي أن يلعنه ويتبرأ منه، ويكفر به ويصبح عدواً له، كما قال الله جلَّ وعلا في الآية الأخرى في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً﴾ [العنكبوت:٢٥]، وهذا لأنه استعمل النعم واستعمل حياته في غير ما خلقت له، بل عكس القضية تماماً، فصار هذا جزاؤه، الذي استحقه، وهذه الآية عامة في كل مدعو من دون الله، فإنه لن يستطيع الإجابة الحقيقية ولا يتحصل الداعي على حقيقة دعوته إلا يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة اطلع على ذلك تماماً، وعرف أنه ليس عنده إلَّا الضلال والخسران، وهناك تكون الحسرة، ويتبين له أنه في سعيه وعمله متبع للشيطان، مبتعد عن ربه جلَّ وعلا الذي خلقه لعبادته. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: في هذه الدنيا غافلون عن دعوته؛ لأنه إما غائب وإما ميت وإما جماد لا يدري ماذا يُدعى، فهو غافل؛ لأنه مسخر في شيء يسير فيه مطيعاً لله جلَّ وعلا، لا يدري عن الذي يدعوه شيئاً، فهو غافل عنه، أما إن كان من العقلاء فإن كان صالحاً فهو لا يرضى بهذا، ويكفر بذلك في الدنيا قبل الآخرة؛ ولكن إذا كان لا يطلع فهو لا يعلم، وإنما يُسأل يوم القيامة، ولهذا يسأل الله جلَّ وعلا الملائكة يوم القيامة عمن يدعونهم فيقول إذا حشرهم وجمعهم: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] فيسأل المعبود قبل العابد، فيقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١] يعني: الشياطين التي أمرتهم بهذه العبادة، وكذلك الآيات الأُخَر التي تبين هذا المعنى، فالمعبود غافل؛ لأنه إما أن يشتغل بطاعة الله وتسخير الله جلَّ وعلا، أو أنه ميت لا يدري عن داعيه شيئاً ولا يحس به، أو أنه جماد لا يحس ولا يشعر، وليس عنده شعور ولا إحساس. إذاً: إذا كان يوم القيامة وحصحص الحق هناك يتبين لهذا الداعي أنه من أضل خلق الله، بل هو أضلهم كما في هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦] الحشر هو: الجمع، والمقصود بالحشر: إحياؤهم بعد أن ماتوا، ثم جمعهم في مكان واحد على الأرض، والحشر يدل على الجمع الذي يكون بقوة، ولا يكون لهم فيه اختيار. فالمحشورون لا اختيار لهم في ذلك، لأنه من الله جلَّ وعلا، فهم في ذلك في أشد الخوف، وهذا هو اليوم الذي ينذرنا ربنا جلَّ وعلا إياه كثيراً ويخوفنا به، ويخبرنا أنه يوم ثقيل على الكافرين، وفي ذلك اليوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع ذات الحمل حملها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢]، كأنهم سكارى ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] ولكنهم يخافون عذاب الله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] أي: في ذلك اليوم، فهناك يتبين من هو المالك من هو الذي يتصرف من الذي بيده الأمر كله، وكل الخلق ليس عندهم شيء كلهم ضعفاء كلهم تحت قهره داخلين كل واحد منهم يأتي ربه فرداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً في أشد الخوف، حتى إن رسل الله يخافون في ذلك اليوم. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦]، أي: كان الذي يزعم أنه يقربه إلى الله زلفى وأنه يتوسط له، وأنه يشفع له عدواً له! ومعلوم أن العدو لا يريد نفع عدوه بل يريد أن يضره. ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: بدعائهم الذي يدعونه ((كَافِرِيْنَ)) وهذا يدلنا على أن الدعاء عبادة؛ لأنه ذكر في الآية الأولى لفظ الدعاء: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾ [الأحقاف:٥]، وفي الآية الأخرى التي تليها ذكر أنه عبادة: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: الدعاء الذي سبق، فدلت الآية صراحةً بأن الدعاء عبادة، بل هو أفضل العبادة وخيرها كما سبق، وهذه الآية من أوضح الأدلة على بطلان دعوة غير الله، وأنها ضلال، بل ضلال متناهٍ ليس بعده ضلال.

стр. 582

شرح قوله: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] نفى سبحانه أن يكون أحد أضل ممن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، والآية تعم كل من يُدعى من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلَاً﴾ [الإسراء:٥٦] وفي هذه الآية أخبر أنه لا يستجيب له وأنه غائب عن داعيه. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]: فتناولت الآية كل داعٍ وكل مدعوٍّ من دون الله. قال أبو جعفر بن جرير في قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦] يقول تعالى ذكره: وإذا جمع الناس ليوم القيامة في موقف الحساب كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداءً؛ لأنهم يتبرءون منهم، ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يقول تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا لعبادتهم جاحدين؛ لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرنا بعبادتنا ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمَاً بُورَاً﴾ [الفرقان:١٧ - ١٨]. قال ابن جرير: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:١٧] من الملائكة والإنس والجن، وساق بسنده عن مجاهد قال: عيسى وعزير والملائكة] وهذه أفراد من المجاميع الكثيرة التي تُعبد، كعيسى وأمه وعزير وإنما هو مثال فقط، والمقصود: أن الآية تعم كل معبود من دون الله، وكل مدعو يدخل فيها؛ لأن ربنا جلَّ وعلا خاطب الخلق عموماً، خاطب أمة محمد ﷺ عامة من أولهم إلى آخرهم، فكل من أوقع شيئاً من العبادة لغير الله جلَّ وعلا فهو داخل فيه؛ لكن عادة السلف أنهم ينصون على الشيء الظاهر المعروف للسامع الذي يسمع قولهم، ومرادهم بهذا أن يقاس عليه ما هو داخل فيه من نظائره الكثيرة، فيُتَنَبَّه لذلك، وهذا جاء تفصيله في أحاديث الرسول ﷺ ، ومنها: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ وذكر حديث الشفاعة ثم قال: (فيأت الله جلَّ وعلا). يعني: يأتي إليهم وهم الوقوف في العرض، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] وقال جلَّ وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٣]. (فيأتي الله جلَّ وعلا ويخاطب الناس كلهم عموماً، يخاطبهم ويسمعون قوله جلَّ وعلا، يقول: يا عبادي! أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فيقولون: بلى يا رب! فيؤتى بكل معبود عُبِد في الدنيا على هيئته: أما إن كان المعبود ملَكاً أو نبياً -مثل: عيسى أو رجلاً صالحاً من عباد الله- فإنه يؤتى بشيطان على مثاله الذي كانوا يعبدونه أو يتخيلونه؛ -لأن الشيطان هو الذي أمرهم، وهم -في الواقع- عبادتهم وقعت عليه، أما عباد الله من الملائكة ومن الأنبياء والصالحين، فهم برآء من ذلك لا يرضون به بل يكفرون به- ثم يقال لهم: اتبعوهم، -ولا توجد محاسبة هنا لهؤلاء، هذا هو حسابهم- فيتبعونهم إلى جهنم فيلقون فيها جميعاً، كما قال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيأتهم الله) وذكر بقية الحديث. والمقصود هنا: قول الله جلَّ وعلا في هذا الحديث: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) فالذي كان يدعو شيئاً في الدنيا ويجعله واسطة له عند الله يؤتى به في ذلك اليوم، ويؤتى بالشيطان الذي سول له هذا وأمره به -إذا كان ذلك المدعو صالحاً من عباد الله جلَّ وعلا- ثم يقال له: (اتبع إلى ما يوردك إليه: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]) فيكون هؤلاء قادتهم إلى جنهم، نسأل الله العافية.

стр. 583

الدعاء في الكتاب والسنة قال الشارح ﵀: [قال ابن جرير: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:١٧] من الملائكة والإنس والجن، وساق بسنده عن مجاهد قال: عيسى وعزير والملائكة، ثم قال: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة -الذين كانوا هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله- وعيسى: تنزيهاً لك يا ربنا وتبرئةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:١٨] نواليهم ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمَاً بُورَاً﴾ [الفرقان:١٨] ((أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ)) [سبأ:٤١]. انتهى. قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة، واللغة، ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء: في السؤال والطلب، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: الصلاة لغةً: الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] الآيتين، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام:٦٣] وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدَاً أَوْ قَائِمَاً﴾ [يونس:١٢] وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت:٥١] وقال: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] الآية، وقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] الآية، وفي حديث أنس مرفوعاً: (الدعاء مخ العبادة) وفي الحديث الصحيح: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) وفي آخر: (من لم يسأل الله يغضب عليه) وفي حديث: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه]: هذه الأحاديث وإن كان فيها من الضعيف مثل: (الدعاء مخ العبادة)، ومثل قوله: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) إلا أنه ليس المقصود الاعتماد على ذلك، وإنما المقصود الاستشهاد بهذا، وما زال العلماء ﵏ يستشهدون بالضعيف؛ ولكنهم لا يعتمدون عليه، وذلك حينما يكون متفقاً مع الصحيح في المعنى فإنه يكون شاهداً؛ لأنه قد يكون أوضح في العبارة وأبين. وأما قوله: إن الصلاة هي: الدعاء، فالمقصود بها: في لغة العرب الذي نزل بها القرآن، وليس المقصود في لغة الرسول ﷺ حينما يقول: الصلاة؛ لأنه جعل الصلاة على أشياء مخصوصة تشمل الدعاء وتشمل القيام والركوع والتكبير، ولهذا تعرَّف الصلاة بأنها: أفعال مخصوصة تُفتَتح بالتكبير وتُختَتم بالتسليم، فهو شيء خاص؛ ولكن الأصل فيها أنها الدعاء؛ لأن الله جلَّ وعلا يقول: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، فالمراد بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: يدعو لهم، فالصلاة هنا: الدعاء، وهي مأخوذة من هذا؛ لأنها -في الواقع- دعاء، فالقيام يكون دعاء عبادة، والركوع دعاء عبادة، والسجود دعاء عبادة، والقراءة والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد وكل ما فيها يكون دعاءً، إلَّا المسألة حينما يقول: رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وما أشبه ذلك فهذا دعاء مسألة، ويلزم منه دعاء العبادة؛ لأن السائل يلزم أن يكون خاضعاً خائفاً راجياً: خائفاً من ذنوبه راجياً ثواب ربه، وهذه هي العبادة. أما دعاء العبادة: فكونه يقوم خاشعاً لله يركع ويسجد ويقرأ ويكبر ويهلل؛ فإنه بهذه الأفعال يطلب من الله الإثابة، ويهرب من العذاب بذلك، وهذا هو الطلب في الحقيقة، فكل فعل يفعله الإنسان يريد التقرب به إلى الله فهو داخل في هذا.

стр. 584

أحاديث الدعاء قال الشارح رحمه الله تعالى: (الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض) رواه الحاكم]: هذا الحديث أيضاً ضعيف؛ ولكن مثلما قلنا: ليس هذا للاعتماد وإنما هو للاعتضاد، يُعتضد به ولا يُعتمد عليه. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (سلوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع) الحديث]: والشسع هو: ما يدخل فيه إصبع الرجل من النعل إذا انقطع، وكذلك السير الذي يكون فوق القدم إذا انقطع، يسأل الإنسان ربه إصلاحه أو بدله، والمعنى: أنه يسأل كل شيء، وجاء في كلام السلف أنهم يقولون: (اسأل ربك حتى ملح العشاء)، والمعنى: اسأل ربك كل شيء، وكل ما تريده وتحتاجه، فتوجه إلى ربك في طلبه جلَّ وعلا؛ لأنه هو الذي يملك كل شيء، أما الخلق فهم لا يملكون شيئاً ولا يتحصل على أيديهم لك إلَّا ما أراده الله جلَّ وعلا، فهو الذي يسخرهم ويجعلهم أسباباً، وسؤاله يهيئ هذه الأمور كلها، فيكون عبادة، ويكون الإنسان ممتثلاً لأمر ربه جلَّ وعلا في ذلك ومطيعاً وعابداً، ويكون في حصول ذلك قد جاء من الطريق الصحيح الشرعي؛ لأن الرزق منه ما هو من طريق محرم فيكون الإنسان معاقباً عليه، ومنه ما هو من طريق شرعي يُثاب عليه الإنسان ويُحمد على فعله. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄: أفضل العبادة الدعاء، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] الآية رواه ابن المنذر، والحاكم وصححه]: يعني: أفضل العبادة: الدعاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وحديث: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلَّا أنت المنان) الحديث]: الأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، وجاء بهذا الحديث ليبين أن الرسول ﷺ كان كثيراً ما يسأل ربه ويستغفره ويتوب إليه، ولا يفتر عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويأمر الناس ويحضهم على هذا. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وحديث: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلَّا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد)، وأمثال هذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصر في الدعاء الذي هو السؤال والطلب، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة؛ فقد صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفاً وخلفاً. وأما ما تقدم من كلام شيخ الإسلام وتبعه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى من أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وما ذُكِر بينهما من التلازم وتضمُّن أحدهما للآخر، فذلك باعتبار كون الذاكر والتالي والمصلي والمتقرب بالنسك وغيره طالباً في المعنى، فيدخل في مسمى الدعاء بهذا الاعتبار، وقد شرع الله تعالى في الصلاة الشرعية من دعاء المسألة ما لا تصلح الصلاة إلَّا به، كما في الفاتحة وبين السجدتين وفي التشهد، وكذلك دعاء العبادة كالركوع والسجود، فتدبر هذا المقام يتبين لك جهل الجاهلين بالتوحيد]: كونه هو العبادة: كالركوع والسجود، أما دعاء المسألة فمثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥ - ٦] (اهدنا): هذا دعاء مسألة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وكذلك قوله: (رب اغفر لي وارحمني واهدني) إلخ، فهذا دعاء مسألة، وكذلك ما يقال في آخر التشهد: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر) إلخ، فهو دعاء مسألة، ودعاء العبادة في الصلاة أكثر. قال الشارح رحمه الله تعالى: [فتدبر هذا المقام يتبين لك جهل الجاهلين بالتوحيد، ومما يبين هذا المقام ويزيده إيضاحاً: قول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيَّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] وهذا الدعاء المشهور أنه دعاء المسألة، قالوا: كان النبي ﷺ يدعو ربه ويقول مرةً: (يا الله) ومرةً: (يا رحمان) فظن المشركون أنه يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ذكر هذا عن ابن عباس ﵄]: الآية: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠] يعني: أنك إذا دعوت الله باسم من أسمائه فأنت على حق وصواب وعابد لله جلَّ وعلا.

стр. 585

فضل دعاء السر قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقيل: إن الدعاء هنا: بمعنى التسمية، والمعنى: أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى، إما الله وإما الرحمن: ﴿فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وهذا من لوازم المعنى في الآية، وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء. ثم قال: إذا عُرف هذا فقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] يتناول نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه]: إن الذي يُخفى هو دعاء المسألة؛ لأن السلف رضوان الله عليهم كانوا يحرصون على أن يكون عملهم بينهم وبين ربهم فقط، فيُخفون السؤال، ولهذا جاء في وصف ذلك أن دعاءهم كان خفية بينهم وبين ربهم جلَّ وعلا، لا يُظهرونه؛ لأن هذا أقرب إلى الإخلاص وامتثالاً لأمر الله، (وَخُفْيَةً) يعني: في الخفاء، خفية وجاء أيضاً: (وخيفة) يعني: خوفاً أن لا يقبل عمل الإنسان أو يعاقَب على ذنبه، فيكون بين الخوف والرجاء، يخاف من ذنوبه، ويرجو ثواب ربه جلَّ وعلا، وكان أحدهم يكون في فراشه بجوار زوجته، وهو يسأل ربه، ويتضرع إليه، ويبكي وهي لا تشعر بذلك، مبالغةً في إخفاء العمل؛ لأن هذا أقرب إلى الإخلاص لله جلَّ وعلا، بخلاف الذين يحبون أن يُظهروا أعمالهم، بل يطلبون ذلك، ويميلون إليه، فإن هذا العمل قد يكون حابطاً؛ لأنه أريدَ به وجوه الناس، وما أريدَ به وجه الناس وثناؤهم فإن الله لا يقبله، وإنما يقبل الشيء الخالص الذي لا يدخله إرادة النفوس وحظوظها الدنيوية، وإنما يكون تعبُّداً خالصاً لله جلَّ وعلا، ولهذا يقول جلَّ وعلا في الأمم الذي قبلنا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، فهو أمر من الله بأن يكون الدين كله خالصاً لله جلَّ وعلا. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الحسن: بين دعاء السر ودعاء العلانية سبعون ضعفاً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولم يُسمع لهم صوت، إن كان إلَّا همساً بينهم وبين ربهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فُسرت الآية، قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني. ] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] (أجيب): فسرت كلمة (أجيب) بأثيب، وفسرت بأعطي، فإذا كانت بمعنى (أعطي) فيكون الدعاء دعاء مسألة، وإن فسرت بمعنى (أثيب) فيكون الدعاء دعاء عبادة، والآية تعم هذا وهذا، وليس أن هذا يحتمل أن يكون معناها المسألة، ويحتمل أن يكون معناها العبادة، بل كلاهما داخل فيها؛ لأن دعاء المسألة: عبادة، ودعاء العبادة: عبادة من أفضل العبادات، والله جلَّ وعلا يطلب من الخلق ذلك، ولهذا بين الرسول ﷺ هذا بفعله وبقوله، وكذلك الصحابة الذين تعلموا العلم، وتلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ .

стр. 586

الحقيقة والمجاز في ألفاظ القرآن قال الشارح رحمه الله تعالى: [وليس هذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعاً، وهذا يأتي في مسألة الصلاة، وأنها نقلت عن مسماها في اللغة، وصارت حقيقة شرعية، واستعملت في هذه العبادة مجازاً؛ للعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي، وهي باقية على الوضع اللغوي]: هذا على القول بالمجاز، وأن المجاز موجود، والصواب أن المجاز هذا محدَث، لم يعرفه أهل اللغة الذين تكلموا فيها وتواضعوا عليها، وإنما جاء به الأعاجم الذين جاءوا بعد فساد الألسنة، وزعموا أن أصل الوضع على الحقيقة ثم نُقل إلى غير ذلك المعنى، وهذا يحتاج إلى دليل، ولن يستطيع الإنسان أن يأتي بدليل على هذا، وقالوا مثلاً: قوله جلَّ وعلا: ﴿جِدَارَاً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] الأصل أن الإرادة للعاقل فقط، هذا الذي وضعت عليه اللغة، ثم نقل ذلك من باب الاستعارة، فجعلت الإرادة للجدار من هذا الباب -من باب الاستعارة- وهو من نوع المجاز، ويقال لهم: من أين لكم هذا؟ الجدار له إرادة تناسبه، وكل شيء له إرادة، فميله هذا هو الإرادة، وهو الذي يُفهم من اللغة، وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢]، زعموا أن القرية هي المباني والمباني لا تُسأل، وإنما جاءت الاستعارة وجاء المجاز من ذلك فاستعمل، والسؤال يوجه في الأصل إلى من يرد على السؤال ويعقله، ثم نقل إلى ما لا يعقل من باب المجاز، وكذلك قوله: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، العير: هي الإبل، والعير لا يتجه إليها السؤال، فوجه السؤال إليها وأريد سائقيها وقائديها وراكبيها من باب الاستعارة، وللعلاقة التي بين هذا وهذا، فيقال أيضاً: هذه دعوى، والذين وضعوا اللغة يفهمون هذا الخطاب بدون هذه الأشياء ولا تخطر لهم ببال، فالقرية في اللغة ما تسمى قرية بمجرد الحيطان إلَّا بقيد، مثلما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]، (قرية خاوية على عروشها) إذا كانت مقيدة بهذا فنعم، أما إذا قيل: قرية، فلا تكون قرية إلا وفيها سكان، وإلا فلا تسمى قرية، وكذلك لفظة (العير) فالإبل بمفردها لا تسمى عيراً، وإنما تسمى كذلك إذا كان معها السائق والقائد والراكب ومن يصلحها ويدبرها، هنا تسمى عيراً، فيكون المفهوم من قوله: (اسأل العير)، يعني: اسأل جميع من فيها، ولا تخص واحداً أو اثنين، فليس هناك مجاز ولا غيره. ثم هؤلاء طردوا هذا في جميع ما جاء في القرآن فقالوا أيضاً في الشيء الذي يكون باطلاً قطعاً في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً صَفَّاً﴾ [الفجر:٢٢] قالوا: هذا من المجاز، وكذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] قالوا: أيضاً هذا مجاز، والله لا يجيء، وإنما المراد: وجاء أمر ربك، أو جاء عذاب ربك، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا الأساس نفوا صفات الله جلَّ وعلا، ولهذا قال البعض: إن المجاز واقع في اللغة إلَّا في صفات الله؛ لأنه تبين لهم أن هذا باطل قطعاً، وأنه يتضمن الإلحاد، فقالوا هذا القول، وهذه دعوى أيضاً، فإذا كان المجاز في اللغة فسيقال أنه أيضاً في القرآن فلا يخص شيئاً دون شيء؛ ولكن الصواب مثلما قال العلماء الذين أنكروا هذا: أن هذا أسلوب من أساليب اللغة العربية، وتسميته مجازاً اصطلاح حادث اصطلح عليه، ولا يوافَقون على ذلك، والذين أنكروه هم الذين معهم الحق. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وضُم إليها أركان وشرائط، فعلى ما قررنا لا حاجة إلى شيء من ذلك، فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء: إما دعاء عبادة وثناء أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داعٍ. (انتهى ملخصاً من البدائع)].

стр. 587

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٤٩] مما يثير العجب والاستغراب أن أرباب الشرك كانوا إذا ادلهمت بهم الخطوب، وضاقت بهم السبل لجئوا إلى الله مخلصين له الدعاء، فإذا زال عنهم ما كانوا فيه من كرب جعلوا لله أنداداً فيما يدعون!! وهذا الأمر كافٍ بأن يحكم عليهم بالشرك والكفر، إذ فيه صرف ما لله لغير الله، حتى وإن كان غير الله ملك مقرب، أو نبي مرسل. وجناب التوحيد جناب عظيم، لا يجوز أن يخدش أو يمس بشيء يعكر صفاءه، ويذهب ببريقه.

стр. 588

شرح قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]]. هذه الآية من الآيات التي تبطل التعلق بغير الله جلَّ وعلا، وفيها الحجة الواضحة على المشركين، وإلزامهم بأن يعبدوا الله وحده، وقوله جلَّ وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] هو سؤال من الله جلَّ وعلا واستفهام لهم ويطلب جوابهم عليه، و الجواب أنه الله وحده، وكلهم يعترف بهذا، والمضطر هو الذي وقع في الضرورة، ووقع في شدة ألجأته إلى أن يرفع يديه إلى ربه، والإنسان إذا وقع في الكرب والشدة فإن في فطرته ما يجذبه إلى ربه، ويجعله متجهاً إليه وحده، إلَّا إذا تغيرت الفطرة نهائياً، وأصبحت منكوسة منتكسة، فربما دعى الاضطرار المقبور واتجه إليه وهو لا يزيده إلَّا ضلالاً، ولا يزيده إلَّا بعداً عن الله جلَّ وعلا، والخطاب هنا للعقلاء لا للمجانين الذين ذهبت عقولهم وأصبحوا لا عقل ولا فطرة لهم، إنما هو للعقلاء الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، فإن المشركين كان أحدهم إذا ركب البحر وعصفت به الريح فإنه يقبل على الله وحده، ويدعوه وحده، وإذا كان معه صنم ألقاه في البحر وكفر به، حتى ينجو إلى البر، فإذا نجا وذهبت الشدة عاد إلى شركه القديم، وانتكس، فاحتج الله جلَّ وعلا عليهم بهذا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، وهم يعلمون علماً يقينياً أنه الله، فجوابهم على هذا: الله هو الذي يجيب المضطر، ((وَيَكْشِفُ السُّوءَ)) وإذا وقع سوء عام أو خاص فلا تستطيع الأصنام والأوثان التي يعبدونها أن تكشفه، وإنما يكشفه الله جلَّ وعلا، وهم يعترفون بهذا، فلهذا جعل الله جلَّ وعلا ذلك دليلاً على وجوب إخلاص العبادة له، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] أي: أتتألهون شيئاً من المخلوقات مع الله جلَّ وعلا، وأنتم تعترفون أنه لا يجيب المضطر إلا هو؟! أليس هذا تناقض؟! أليس هذا -في الواقع- إهدارٌ للعقل وللفطرة وللدليل واتباع للهوى؟ إن التقليد والهوى ينكشفان ويذهبان إذا جاءت الشدائد، فإذا وقع الإنسان في الشدائد والسوء ذهب عنه الهوى والتقليد، كما وقع لفرعون الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فلما وقع في الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، ولكن هذا لا يفيد في هذه الحالة، فصار هذا دليلاً واضحاً جلياً على وجوب الإخلاص في دعاء الله وعبادته، وأن تكون العبادة له وحده، وأن يكون التأله لله وحده، وكان ذلك دليلاً على المشركين، وأصبحوا لا عذر لهم في شركهم، لإقامة الأدلة والحجج عليهم ومنها هذا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]]: هذه الأمور الثلاثة: إجابة المضطر، كشف السوء، جعلكم خلفاء في الأرض، كلها ظاهرة في أنها خاصة بالله جلَّ وعلا، يعترف بها لله كل من له عقل سليم وفطرة سوية، إلَّا الذين يقولون -مثلاً- بإنكار وجود الله نهائياً، ويقولون: إن هذا الخلق من صنع الطبيعة، وما الحياة إلا موت يذهب بالمتقدم، وحياة تستقبل المواليد؛ لأن الحياة مادة، فليس هناك إلَّا هذا؛ ولكن هذا إهدار للعقل نفسه من الذي خلق وأمات؟! هل الإنسان يخلق نفسه أو يميتها؟! أو يعفل ذلك في غيره؟! لا أحد يقول هذا، ولا يستطيع أن يقوله أحد. إذاً لابد أن يكون للمخلوق خالق قدير بصير عليم، غني بذاته عن كل ما سواه، وكل من سواه مفتقر إليه، وكل أهل العقول والفطر السليمة يقرون بهذا، وإنما المكابرون هم الذين يقولون بخلاف هذا في حالة العافية، وليس في حالة الشدة، فإذا جاءت الشدائد -حتى الملاحدة- يرجعون إلى رشدهم، ولكن لا ينفع رجوعهم حينها. إذاً: الأمور الثلاثة واضحة الدلالة على وجوب عبادة الله، فكونه يجيب المضطر، وكونه يكشف الشدائد والأمراض والكربات التي يقع فيها الناس عموماً، وكونه يجعل الناس يخلف بعضهم بعضاً: يستوجب عبادته وحده سبحانه. قال الشارح ﵀: يبين تعالى أن المشركين من العرب ونحوهم قد علموا أنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء إلَّا الله وحده، فذكر ذلك سبحانه محتجاً عليهم في اتخاذهم الشفعاء من دونه، ولهذا قال: ((أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ)) يعني: يفعل ذلك. فإذا كانت آلهتهم لا تجيبهم في حال الاضطرار، فلا يصلح أن يجعلوها شركاء لله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء وحده، وهذا أصح ما فسرت به الآية كسابقتها من قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارَاً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارَاً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦١]، ولاحقتها إلى قوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٣ - ٦٤]]: وهذه الآية التي ذكرها مثلما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، والآيات في هذا المعنى في القرآن كثيرة، وهذه الآية وهي قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، مثل قوله تعالى أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] إلى آخر الآيات؛ لأن المشركين يقرون بأن الله جلَّ وعلا هو الخالق المتصرف، وهو الذي يملك كل شيء، وليس معه في ذلك مشارك، ولهذا قال: إن أصح التفسيرين في هذه الآية في قوله: ((أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ)). بمعنى: أن ما يقوله بعض المفسرين بأن المعنى: أمشارك له فعل هذه الأشياء؟ أنه غير صحيح؛ لأنهم مقرون بأن الفاعل لهذه الأشياء الموجودة الظاهرة هو الله وحده، وما كان أحداً منهم ينكر ذلك، وإنما كانوا ينكرون أن تكون العبادة لله وحده، ولهذا ذكر ذلك بلفظ الألوهية ((أَإِلَهٌ)) ولم يقل: أمشارك له فعل ذلك؟ أخالق معه فعل ذلك؟ وإنما أنكر عليهم التأله؛ لأنهم مقرون بأنه جلَّ وعلا لا شريك له في الفعل والإيجاد، والخلق والتصرف، وهو الذي يسمى بتوحيد الربوبية، فقد كانوا مقرين به، وإنما أنكروا توحيد الإلهية بأن جعلوا معه شريكاً، وإلَّا فهم يتألهون لله جلَّ وعلا، ويرون أن الله جلَّ وعلا هو أعلى ما يُتأله وأعظم؛ ولكن الشركاء الذين أشركوهم في التأله جعلوهم وسائط بينهم وبين ربهم، مثلما أخبر الله جلَّ وعلا عنهم بقوله جلَّ وعلا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. يعني: وسطاء وشفعاء يشفعون لهم. أما الملك والإيجاد والتصرف والخلق فما كان أحد منهم يشك أنه بيد الله جلَّ وعلا، وهذه الآيات استدل الله جلَّ وعلا بها على الكفار الذين يشركون معه في العبادة غيره؛ لأنهم إذا وقعوا في الاضطرار أخلصوا له الدعوة؛ ولأنهم يعلمون أن آلهتهم التي يشركونها مع الله لا تنفع ولا تستجيب لهم، فإذا كان الأمر هكذا، في أنها لم تستجب في وقت الشدة والاضطرار فهي كذلك في الرخاء لا تستجيب، وهذا كثيراً ما يرد في القرآن، فيستدل الله جلَّ وعلا عليهم بالشيء الذي يؤمنون ويقرون به، على الشيء الذي واقعوا الشرك فيه وهو العبادة، وليس لهم حجة في هذا، وإنما تمسكوا بما كان عليه آباؤهم، وما وجدوا عليه معظَّميهم تقليداً واتباعاً للآباء فقط، كما قال جلَّ وعلا عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] أي: وجدناهم على ملة وعلى دين ونحلة -هذا هو المقصود بالأمة، فالأمة هنا: الملة والدين- فنحن متبعون لهم ومقتدون بهم، وهذه حجتهم فقط وهي حجة كل الكفار، حتى قال فرعون لموسى ﵇ -لما جاءه بالدعوة إلى عبادة الله وحده-: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] أي: ما بال الأمم السابقة. لماذا لم توحّد في عبادتها؛ فجعل ذلك حجة، وهي لا تزال حجة عند الناس، ولكنها حجة تقليد فقط، ليس فيها أي برهان، وإنما البراهين القاطعة في إبطالها ظاهرة جلية، ولهذا استحقوا العذاب بذلك؛ لأنه ليس أمامهم ولا في أيديهم شيء يتمسكون به، لا حجة من كتاب مُنَزَّل، ولا من عقل سديد، ولا من فطرة سليمة، ولا من خلق، فالمشرك ليس عنده إلَّا مجرد التقليد فقط. وفي هذه الآية ذكر أموراً، فإذا لم تتوافر في المعبود الم

стр. 589

الاحتجاج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه قال الشارح رحمه الله تعالى: [فتأمل هذه الآيات يتبين لك أن الله تعالى احتج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه من قصر العبادة جميعها عليه، كما في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال أبو جعفر بن جرير: قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه وَيَكْشِفُ السُّوءَ النازل به عنه؟ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢] يقول: يستخلف بعد أمواتكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم. وقوله: ((أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ)): أإله سواه يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم؟ وقوله: ﴿قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] يقول: تذكراً قليلاً من عظمة الله وأياديه عندكم، تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيراً، ولذلك أشركتم بالله غيره في عبادته. انتهى]: ومن لازم ذلك -أي: من لازم هذه الأمور التي ذكر-: أن المعبودات التي تُعبد من دون الله لا تملك من هذا شيئاً فعبادتها ضلال، وهذا لازم هذه الاحتجاجات، وفيها إبطال كل شرك وقع فيه الإنسان وقصر العبادة له؛ بأن ينال العابد مطلوبه وينجو من مرهوبه، وليس يفعل ذلك إلَّا الله وحده جلَّ وعلا، سواءً كان الذي يُتوجه إليه بالعبادة من الجمادات أو من الملائكة أو من الأنبياء أو من الأولياء أو من غيرهم، فكلهم لا يملكون شيئاً مما ذكره الله جلَّ وعلا، وإنما الملك بيد الله، وكلهم عبيد لله جلَّ وعلا تجري عليهم أحكامه، كما قال جلَّ وعلا في الملائكة وغيرهم إذا حشر العابدين معهم: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، فيتبرءون منهم ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] يعني: أن الشياطين التي أمرتهم بهذه العبادة -في الواقع- عبادة المشركين وقعت عليهم، ويقول جلَّ وعلا مبيناً أن الأمور كلها بمشيئته وإرادته: ﴿كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدَاً﴾ [مريم:٩٣] أي: كل من في السماوات والأرض سيأتيه ذليلاً خاضعاً. والعبد هنا: بمعنى المعبَّد المذلًَّل الخاضع، وليس بمعنى العابد الذي عبد؛ لأن العبد يُطلق على معنيين: الأول: بمعنى: معبَّد مذلَّل، تجري عليه أحكام الرب الذي استعبده، ولا يعترض على شيء أراده الله جلَّ وعلا قدراً ومشيئة. الثاني: بمعنى: عابد، أي: أنه يعبد باختياره، وهذا الذي ينفع، أما الأول فلا ينفع؛ لأن معناه أن السلطان كله لله جلَّ وعلا، والإنسان وسائر العقلاء من الملائكة وغيرهم ليس لهم أي تصرف، وإنما يأتون إليه خاضعين، وهذه حالة لازمة لهم؛ ولكن في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- يظهر جلياً عبادة الخلق له جلَّ وعلا وذلهم وخضوعهم له، وهو اليوم الذي يقول جلَّ وعلا فيه: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئَاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، أما في هذا الوقت وفي هذه الحياة فقد جعل للمخلوق شيئاً مما ملَّكه، وجعل له اختياراً ومقدرةً، وجعل الأمر إليه بعدما بين له طريق الهدى من طريق الضلال، وقيل له: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، هكذا يخاطب الله عباده، وليس معنى ذلك التخيير؛ ولكنك مُكِّنتَ من العمل فاختر لنفسك ما ترى فيه فكاكك وخلاصك، وإن كان الإنسان لا يمكن أن يستقل بشيء دون إرادة الله ومشيئته؛ ولكن يتبين من قصد الإنسان ونيته وإرادته للخير أو للشر، فإن كان يريد الخير فإن الله ييسره لليسرى، وإن كان يريد الشر فلن يعجز الله ولن يفوته، ولا يجني إلَّا على نفسه، وهذا هو معنى الإثابة ومعنى العذاب؛ لأنه يثاب على فعله الذي يقع باختياره، ويعذب على فعله الذي يقع باختياره، أما إذا كان ليس له اختيار فهنا يُرفع العذاب عنه، ولهذا يُرتَّب كل ما يجري في الآخرة على ما يكون في هذه الحياة، فالعبد بمعنى العابد وهذا هو المعنى الذي ينفع، أما العبد بمعنى المعبَّد المذلَّل المسخر فهذا لا ينفع شيئاً، وهذا يجري على جميع الخلق. والمقصود: أن المعبودات كلها التي يتجه إليها الإنسان في طلبه سواءً كانت من الجن، أو كانت من الملائكة، أو كانت من الأنبياء والرسل، أو من غير ذلك مما هو أقل قدراً من الجمادات أو الحيوانات؛ فإنها كلها لا تنفع، بل لا تملك لأنفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضراً، فكيف يجوز للعاقل أن يتجه إليها أو يتعلق بها؟! وما أكثر ما يبين الله جلَّ وعلا هذا للخلق! ولكنهم قد يعمَون عن الحق، خاصة إذا كان الإنسان سالكاً طريقاً معيناً ووجد عليه آباءه وقومه وأهل بلده؛ فإنه لا يستطيع الخلاص إلَّا إذا أراد الله جلَّ وعلا له الهداية.

стр. 590

حماية النبي ﷺ لجناب التوحيد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى الطبراني بإسناده: أنه (كان في زمن النبي ﵌ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﵌: إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله)]: هذا الحديث رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت، وجاء في بعض الروايات أن المنافق هو: عبد الله بن أبي، وأن القائل: (قوموا بنا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق) هو أبو بكر الصديق، والأذية كانت باللسان وبالقول، ولم تكن باليد أو بشيء يناله من أجسادهم؛ ولكن كان يقول قولاً يؤذي فيه المؤمنين، كما هو الحال مع المنافقين كثيراً، أما أن يؤذيهم بفعله: فهذا ما كان أحد من المنافقين يقدر عليه. وقوله: (قوموا بنا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق) يعني: أن يوبخه أو يعاقبه؛ لأنه يقدر على ذلك؛ ولكن الرسول ﷺ كره لهم هذا اللفظ -لفظ الاستغاثة- صيانةً للتوحيد، وحمايةً لجنابه أن يُخدش أو يناله شيء من النقص، وإلَّا فقولهم صحيح وجائز؛ لأنه ﷺ يقدر على ما طلبوا منه، والاستغاثة في الشيء المقدور عليه جائزة. ولا تعارض ولا إشكال بين هذا الحديث وبين قوله جلَّ وعلا عن موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]؛ لأن الآية تُدل على الجواز في الشيء المقدور عليه، والحديث يدل على الكراهة فقط، والكراهة في الشيء المقدور عليه كراهة اللفظ -لفظ الاستغاثة- مع جواز ذلك، فهو صلوات الله وسلامه عليه جعل هذا من باب الحماية -حماية جناب التوحيد- والصيانة أن يُدخَل عليه النقص من الشيء الذي يجوز، فقال لهم: (إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله تعالى) وليس معنى هذا نفي الاستغاثة مطلقاً، وإنما صيانةً أن يقع الموحد في الشيء الذي لا يجوز، وهذا له نظائر سيأتي التنبيه عليها -إن شاء الله- فيما بعد. إذاً: فالرسول ﷺ يستطيع أن يغيثهم؛ لأنه حي حاضر، ويستطيع أن يأمر بعض المؤمنين بضربه، أو منعه، أو حبسه، أو حتى إخراجه من البلد، كما وقع له في بعض غزوات الرسول ﷺ ، فقد نزل فيه قرآن حينما حدث بين الغلامين -الأنصاري والمهاجري- منازعة عند الماء وهم في سفر، والمسلمون مع رسول الله ﷺ نازلون، وكان الماء فيه شح، فقال أحدهما: (يا لَلأنصار! وقال الثاني: يا لَلمهاجرين! فسمعوا هذا القول وسمعه عبد الله بن أبي بن سلول -رأس المنافقين- فقال: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلَّا كقول القائل: سمِّن كلبك يأكلك: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)، وقال: لا تنفقوا عليهم لقد أوسعتموهم في النفقات وفي المساكن وفي كذا وكذا حتى أصبحوا يُزاحموننا في أرزاقنا وفي أماكننا، وأصبحنا نستغيث منهم، فذهب ذاهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما قال -وكانت عادته صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا حدث مثل هذا الأمر بادر بإطفائه- فأمر بالمسير في وسط النهار في وقت ما كانوا يسيرون فيه، وانتشرت الأخبار بأن الرسول ﷺ يريد أن يقتل عبد الله بن أبي، وسمع ابنه عبد الله ذلك فأتى إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أتريد أن تقتل أبي؟ فقال: من الذي أخبرك؟ فقال: إن كنت تريد أن تقتله فأمرني أقتله؛ لأنني أخشى أن يقتله غيري فلا يتسع صدري في أن أنظر إلى من قتل أبي، فأخشى أن أهلك -يعني: أن أقتل قاتله فأهلك- قال: أوَتفعل ذلك؟ قال: نعم. فقال: لا. ولكن نحسن صحبته، فلما وصلوا إلى المدينة أخذ ابنه السيف ووقف أمامه، وقال: والله لا تدخلها حتى تشهد على نفسك أنك الأذل، وأن رسول الله ﷺ هو الأعز والمؤمنين). فالمقصود: أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يستطيع أن يغيثهم من هذا المنافق، ومع ذلك كره لهم هذا القول، وقال ذلك القول، وهذا يكون من باب الصيانة والحماية لجناب التوحيد، ومن باب الكراهة فقط مع الجواز. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى الطبراني بإسناده أنه (كان في زمن النبي ﵌ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وآله من هذا المنافق، فقال النبي ﵌: إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله). قال الشارح: الطبراني: هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، روى عن النسائي وإسحاق بن إبراهيم الدبري وخلق كثير، مات سنة ستين وثلاثمائة. روى هذا الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁. قوله: أنه (كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين) لم أقف على اسم هذا المنافق]: الذي قال: (لم أقف على اسم هذا المنافق) صاحب الشرح المسمى تيسير العزيز الحميد -وفتح المجيد اختصار لذلك الشرح- وقد ذكر غيره -ممن وقف عليه- أنه: عبد الله بن أبي. قال الشارح رحمه الله تعالى: [قلت: هو عبد الله بن أبي؛ كما صرح به ابن أبي حاتم في روايته. قوله: (فقام بعضهم) أي: الصحابة ﵃، هو: أبو بكر ﵁. قوله: (قوموا بنا نستغيث برسول الله ﵌ من هذا المنافق) لأنه ﷺ كان يقدر على كف أذاه. قوله: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) فيه: النص على أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ولا بمن دونه، كره ﷺ أن يُستعمل هذا اللفظ في حقه -وإن كان فيما يقدر عليه في حياته- حمايةً لجناب التوحيد، وسداً لذرائع الشرك، وأدباً وتواضعاً لربه، وتحذيراً للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال]. بما أن هذا جائز فهو غير ممنوع، والحديث لا يدل على المنع، فالاستغاثة جائزة فيما يقدر عليه المستغاث به، إذا كان حياً حاضراً سامعاً وقادراً، فهذا لا بأس به، كالذي -مثلاً- يهاجمه سبع، وعنده من يقدر أن يعينه، فيستغيث به قائلاً: أغثني من هذا السبع، أو -مثلاً- عنده شيء لا يستطيع حمله، وعنده من يساعده، فيقول: أغثني على حمل هذا الشيء، أو -مثلاً- إنسان يمشي على رجليه، فيأتي من معه سيارة أو ما أشبه ذلك فيقول: أغثني فأركبني، فإن هذا جائز؛ لأنه يستطيع فعل ذلك الطلب؛ ولكن لا يقال: (أغثني)، أو (أستغيث بك) كراهة؛ لأنه يخشى أن تحمل هذه اللفظة معها ما لا يجوز، والرسول ﷺ حريص على نجاة أمته، رءوف رحيم بهم، فالشيء الذي يمكن أن يدخل الشيطان عليهم منه منعه، ونهى عنه؛ سداً للذرائع فقط، وليس لأن هذا الفعل -مثلاً- بعينه محرم، أو أنه لا يجوز أصلاً، وإنما لذلك الغرض الذي ذكرناه.

стр. 591

حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأدباً وتواضعاً لربه، وتحذيراً للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته، ويُطلب منه أمور لا يقدر عليها إلَّا الله ؟!]. يعني: كالذي يطلب منه أن يرزقه، أو يغفر ذنبه، أو يأخذ بيده يوم القيامة وينجيه من عذاب الله، أو يحميه من غضب الجبار جلَّ وعلا، أو -مثلاً- أن يزيل المرض الذي فيه، وما أشبه ذلك مما يقع كثيراً من الناس، فإن هذا من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية، أو -مثلاً- كالذي يأتي ويقول: يا رسول الله! اشفع لي، يا رسول الله! أنا بحسبك، يا رسول الله! أنا داخل عليك أريد منك الشفاعة، وما أشبه ذلك، فإن هذا شرك؛ لأن هذا يجب أن يُطلب من الله جلَّ وعلا، والشفاعة لله وليست للرسول ﷺ ، ولكي تقع الشفاعة لابد من شيئين: أولهما: أن يأذن الله للشافع أن يشفع. والثاني: أنه يحد له حداً، ويقول: هؤلاء اشفع فيهم. وسيأتي أن الشفاعة معناها وحقيقتها: إظهار كرامة الشافع؛ إذا أراد الله جلَّ وعلا رحمة المشفوع فقط، هذه هي حقيقة الشفاعة. وإلَّا فالأمر كله لله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فالتعلق بغير الله -وإن كان من أوليائه، وإن كان من أقرب المقربين إلى الله- لا يجوز؛ لأن الملك كله لله، والأمر كله لله، فالعبادة كلها لله، ولا يجوز أن يكون الذل والخضوع، والتعظيم والخشية، والإنابة والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والتوبة وغير ذلك من أنواع العبادة إلَّا لله وحده فقط، وكثيراً من الشعراء يأتي بأشعار صريحة في الشرك في دعوة الله جلَّ وعلا، كما يقول القائل: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلَّا فقل: يا زلة القدمِ! فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي إذا الكريمُ تحلى باسم منتقمِ إلى غير ذلك من ألفاظ الشرك، ويقول في قصيدة أخرى بعد أن ذكر عن نفسه أنه أنشدها وهو مكشوف الرأس، أمام قبر رسول الله ﷺ ، وأنه أنزل به فاقته وفقره، وأنزل به الشكوى من أعدائه، يقول: هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داءُ هكذا يخاطب الرسول ﷺ ، فماذا يبقى لله إذا كان الرسول ﷺ لا يخفى عليه في القلوب داء؟! وكان من جوده: الدنيا والآخرة، وكان من جملة علومه: علم اللوح والقلم!! اللوح المحفوظ الذي فيه كل شيء، والقلم الذي قال له جلَّ وعلا: (اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)، ثم الاستغاثة به: ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي إذا الكريمُ تحلى باسم منتقمِ يقول: إذا غضب الله يوم القيامة غضباً -لم يغضب مثله قبله، ولن يغضب مثله بعده- فأنا لائذ بك، لا يضيق جاهك بي، احمني من هذا الغضب. فهل هذا يتناسب مع قول الرسول ﷺ لأقرب الناس إليه: (يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ، لن أغني عنك من الله شيئاً) فهل هذا يتناسب مع ذلك؟! وهل هذا يتناسب مع قول الله جلَّ وعلا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]؟! وهو صلوات الله وسلامه عليه الذي علم أمته التوحيد، ونهاهم عن التعلق بغير الله جلَّ وعلا. فالمقصود: أن الاستغاثة بالرسول ﷺ وبمن دونه لا تجوز، وإنما الجائز منها ما كان في حياته وبمقدوره أن يغيث، أما إذا كان المستغاث به غائباً بعيداً أو كان ميتاً فهذا لا يجوز منه كثير ولا قليل؛ لأن هذا من حقوق الله وحده؛ ولأن الذي يعلم الغيب ويطلع على كل شيء هو الله، والذي يقدر على كل شيء هو الله جلَّ وعلا، وهو الذي إذا استغاث به المستغيث أغاثه؛ إذا كان صادقاً وخالصاً في دعوته، مقبلاً على الله، حتى وإن كان مشركاً، بشرط أن يكون صادقاً في استغاثته -أعني: أنه لجأ إلى الله لجوءاً صحيحاً وصدق في ذلك- ولهذا أخبر الله جلَّ وعلا أنه يغيث المشركين: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] المضطر من المشركين ومن الكفار؛ لأن هذا مقتضى ربوبيته جلَّ وعلا، فهو رب الخلق جميعاً، والرب هو الذي يمدهم بما فيه حاجتهم، ويقوم على مصالحهم، وإن كانوا غير عابدين له؛ لأنه جلَّ وعلا حليم، حلمه يسع العصاة والكفرة، ولأنه جلَّ وعلا لا يعجل؛ ولأنه إذا أعطاهم لا ينقصه ذلك شيء، فالمآل إليه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] والمرجع إليه، ثم يحاسبهم على ذلك، والحياة قصيرة، فلهذا أمر الله جلَّ وعلا رسله أن يمهلوا الكفار: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدَاً * وَأَكِيدُ كَيْدَاً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدَاً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]. يعني: قليلاً قليلاً، وزمنهم الذي يُمهلون فيه قليل، وسوف يكون مآلهم بعده إلى الله جلَّ وعلا، فالأمر كله بيد الله جلَّ وعلا، وليس لأحد معه شيء، فيجب أن يكون الإنسان عبداً لله وحده، عبداً لربه، ولا يكون عبداً لعبيد من عباد الله جلَّ وعلا، ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا واجهوا الكفار في قتال وسألوهم: ما الذي جاء بكم من بلاد العرب؟ يقولون لهم: (جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب الناس)؛ لأن الناس يستعبد بعضهم بعضاً، ولا يزال ذلك موجوداً، فترى بعضهم أرباباً وبعضهم عبيداً يستعبدون، وإنما يخرج الإنسان من عبادة الخلق إذا أخلص العبادة لله جلَّ وعلا، وأخبر سبحانه أن العزة للمؤمنين، وأن العزة بعبادته وحده: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعَاً﴾ [فاطر:١٠] فالواجب على الإنسان أن يعرف حق الله عليه، ويميز بين حق الله وحق الرسول ﷺ ، فحق الرسول صلوات الله وسلامه عليه: محبته، وتقديم محبته على محبة الأنفس -فضلاً عن الأولاد والمال والناس- أن تحبه أكثر من محبتك لنفسك؛ ومحبته ﷺ ينبغي أن تكون كذلك؛ لأنه جاءك بالنور من الله؛ فأخرجك به من الظلمات، وخلصك من شبكات الهلكة إلى سبيل الله الذي يوصلك للجنة، ففضله عليك عظيم جداً، وكذا تحبه لأن الله جلَّ وعلا يحبه، فأنت تحب ما يحبه محبوبك، أما أن تكون المحبة مع الله فهذا شرك؛ لأن محبة الله محبة ذل وخضوع وتعظيم، أما محبة الرسول ﷺ فهي محبة لله وفي الله، تحبه لأن الله يحبه، ولأنه بيَّن لك طريق المحبة الواجبة عليك لله جلَّ وعلا. وكذلك من حقوقه عليك: اتباعه فيما قال وأمر، وتصديقه في جميع ما أخبر به، وأن تدعو إلى سنته ودينه، وأن تخلص في ذلك، وأن تجتهد في أن تكون ممن سلك سبيله وترسم خطاه، ولهذا يقول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فباتباعه ﷺ تحصل محبته ومحبة الله جلَّ وعلا.

стр. 592

بالتوحيد والتجريد يكون العمل مقبولاً عند الله قال الشارح رحمه الله تعالى: [كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء كـ البوصيري والبرعي وغيرهم من الاستغاثة بمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ويعرضون عن الاستغاثة بالرب العظيم القادر على كل شيء، الذي له الخلق والأمر وحده، وله الملك وحده، لا إله غيره، ولا رب سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] في مواضع من القرآن: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّاً وَلا رَشَدَاً﴾ [الجن:٢١]. فأعرض هؤلاء عن القرآن، واعتقدوا نقيض ما دلت عليه هذه الآيات المحكمات، وتبعهم على ذلك الضلال الخلق الكثير والجم الغفير؛ فاعتقدوا الشرك بالله ديناً، والهدى ضلالاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فما أعظمها من مصيبة عمت بها البلوى! فعاندوا أهل التوحيد، وبدَّعوا أهل التجريد، فالله المستعان!]. أهل التوحيد: هم الذين أخلصوا العبادة لله، وأما أهل التجريد: فهم الذين أخلصوا متابعة الرسول ﷺ ، وصار قولهم وفعلهم متابعاً لرسول الله ﷺ . يعني: جردوا المتابعة للرسول ﷺ فقط، وتركوا الناس، فلا ينظرون إلى أحد مهما كان من العبادة ومن العلم، إلا إذا كان قوله موافقاً لقول الرسول ﷺ ، أما إذا كان مخالفاً فلا يلتفتون إليه مهما كان، ومن المعلوم قطعاً عند المسلمين: أن المعصوم في أقواله وأفعاله هو رسول الله ﷺ فقط، أما ما عداه من الخلق -مهما أُعطي من العلم، ومن التعبد، ومن القبول عند الناس- فإنه غير معصوم. ويقول الرسول ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). أي: الذين إذا أخطئوا تابوا ورجعوا إلى الله جلَّ وعلا. والمقصود: أن الإنسان جُعل الأمر إليه، وقد بُين له الحق من الباطل، فإذا تبين للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، وإذا لم يتبعه فهو لا يضير أحداً شيئاً، ولا يضر الله جلَّ وعلا شيئاً، وإنما يضر نفسه؛ لأنه يكتسب بأعماله إما القرب إلى الله وحسن الثواب عنده، أو يكتسب بأعماله القرب من الشيطان والبعد من الله، ويكون بذلك قد تحصل على شدة العذاب الذي يلاقيه يوم القيامة: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]، وفي هذا المعنى يقول الله جلَّ وعلا للخلق: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وقال بعد ذلك: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارَاً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، نسأل الله العافية، والمهل هو: الماء الذي يتقطع من الغليان، إذا دخل في البطون قطع الأمعاء ومزقها، وإذا قرب من الوجوه شواها، ثم العذاب مستمر ودائم ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرَاً﴾ [الإسراء:٩٧] نسأل الله العافية. فكيف يصبر الإنسان على هذا؟! كيف يستطيع الصبر؟! كيف لا يسعى في نجاته؟! وكما قيل: عجبت لمن آمن بوجود النار وحقيقتها، وأنه وارد إليها، كيف لا ينام عن المعاصي؟! وكيف لا يهرب؟! وعجبت لمن آمن بالجنة ونعيمها، كيف ينام عنها ولا يطلبها؟! مع أن المعروف لدى الناس لو قيل لإنسان: لو ذهبت إلى البلد الذي يبعد عنك -مثلاً- ألف كيلو أو أكثر، وبعت فيه بضاعة لربحت بدل الريال مائة ريال، ثم تعود وليس هناك أي مشاكل تواجهك. لو قيل له هذا لما كان له أن يتخلف، ولو تخلف عن هذا الذهاب لقيل له: مجنون، لا يعرف مصلحته! فكيف والإنسان يؤمن إيماناً يقينياً بأنه سيموت، ثم يُبعث، ثم يجزى، ثم يبقى حياً أبد الآبدين، إما في نعيم وإما في عذاب لماذا لا يسعى في خلاص نفسه؟! إن أهم ما يسعى إليه الإنسان: أن يجرد المتابعة لرسول الله ﷺ ، ويخلص العبادة لله فقط، فإذا مات الإنسان على التوحيد وليس عنده شرك، فإنه يرجى له الخير، وإن كان عاصياً، المهم أن يموت موحداً لله، عابداً لله ليس عنده شرك، وإن كان مقصراً في ترك الواجبات وفي فعل المحرمات، أما إذا كان من عباد الله الذين يخلصون له العبادة، ويؤدون الواجب، ويجتنبون المحرم، فهذا من الذين ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]. إن الإنسان مهما اجتهد لا يضمن أن يكون عملُه مقبولاً، أو أن عملَه ليس مدخولاً -مدخولاً في نيته وقصده أو في عمله- لا يضمن ذلك أبداً، فلهذا ينبغي أن يجتهد، ثم يتوكل على الله جلَّ وعلا حق الاتكال والاعتماد، ويكون متعلقاً به وبرجائه وبدعوته دائماً، متضرعاً ذالَّاً له، يسأله حاجته التي لا غنى له عنها، فهو الغني عمن سواه، ومع ذلك يدعو العباد إلى دعوته، ويدعوهم إلى مغفرته وجنته: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥] جلَّ وعلا. ولهذا يقول الرسول ﷺ : (كلكم يدخل الجنة إلَّا من أبى)، أهناك أحد يقال له: تعال إلى الجنة ويأبى؟! يقول: (كلكم يدخل الجنة إلَّا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). إذاً: الجنة لها ثمن، وهي: طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ومتابعته، فالرسول جاء بالهدى من عند الله، وعلى الإنسان أن يخلص نفسه: (والناس كلهم إما رائحون أو غادون -يعني: من هذه الدار إما أن يذهبوا مساءً أو صباحاً ولا بد، فإذا ذهبوا- فكلهم بائع نفسه فمعتقها أو موبقها) يعني: مشتريها بطاعة الله أو مشتريها بطاعة الشيطان.

стр. 593

مسائل الباب قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص] وهذا كثير، عطف العام على الخاص، وبالعكس قد يُعطف الخاص على العام، كقوله جلَّ وعلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة:٩٨]، فجبريل من عطف الخاص على العام. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثانية: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ [يونس:١٠٦]]. تقدم أن الدعوة هنا عامة، تشمل: دعاء المسألة ودعاء العبادة، وأن كل مخلوق من المخلوقات لا ينفع ولا يضر إلَّا بإذن الله جلَّ وعلا، وأن الله جلَّ وعلا لم يأذن لأحد من عباده أن يدعو غيره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [المسألة الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر] نعم، فدعوة غير الله هو الشرك الأكبر، ولهذا يخاطب الله جلَّ وعلا الرسول ﷺ فيقول: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: دعوت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذَاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، وسبق أن معنى الظلم هنا: وضع العبادة في غير موضعها، وأن الظلم هنا هو الشرك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين] إرضاءً لغيره من الخلق، ولو إرضاءً لإبليس صار من الظالمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الخامسة: تفسير الآية التي بعدها] قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] والآية التي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقَاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]، فبين سبحانه أن الذين يُعبدون من دون الله لا يملكون شيئاً، حتى من الشيء الظاهر (الرزق) الذي يأكله الإنسان أو يلبسه أو يتموله لا يملكون منه شيئاً. ثم قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]، فجعل الرزق بيد الله جلَّ وعلا فقط، وأنه لا يُطلب من غيره، وتقديم المعمول الذي هو الظرف والذي يعمل فيه الفعل -فابتغوا- يدل على الاختصاص، وأن طلب الرزق خاص بالله جلَّ وعلا، وأنه عبادة، ولهذا عطف عليه قوله: (واعبدوه)، وهذا أيضاً من عطف العام على الخاص. قال المصنف رحمه الله تعالى: [المسألة السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا، مع كونه كفراً] يعني: دعوة غير الله لا تنفع في الدنيا، وهي تضر في الآخرة؛ لأن هذا الفعل كفر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [السابعة: تفسير الآية الثالثة] وهي قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلَّا من الله كما أن الجنة لا تُطلب إلَّا منه]. لقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]، فيجب أن يكون طلب الرزق من الله وحده، مؤدياً للسبب غير معتمد عليه؛ لأن الذي جعل السبب هو الله ولا يجوز أن يُعتمد عليه، وفي المقابل لا ينبغي أن يُعطل السبب؛ بل يُفعل؛ لأن الله جعل لكل شيء سبباً؛ ولكن لو شاء لم يترتب المسبَّب على السبب جلَّ وعلا، فيجب أن يكون تعلق المسلم بالله وحده، مع فعل الأسباب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. يعني: أن المدعو غافل عن دعاء الداعي، ولا يدري عن ذلك شيئاً. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له] يعني: يوم القيامة، الداعي والمدعو كلاهما يلعن أحدهما الآخر؛ كما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً﴾ [العنكبوت:٢٥]، ويقول الله جلَّ وعلا في الذين يتخذون من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦]، تبرأ كل واحد من الآخر: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] يعني: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لتبرأنا منهم، ولجعلنا العبادة والحب والتعلق بالله وحده، ولكن من أين الكرة؟! قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو] وهي قوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف:٥]، ثم قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] فبين أن الدعاء عبادة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس] يعني: سبب كونه أضل الناس أنه دعا غير الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف:٥]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة] وهي: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [السابعة عشرة: الأمر العجيب: وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجب المضطر إلَّا الله؛ ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين]: وقد حصل لهم هذا الاعتقاد بالتجربة والواقع الذي شاهدوه ووقعوا فيه، وهو الذي اقتنعوا به وعلموه، ولكن إذا جاء الرخاء وذهبت الشدة عادوا لشركهم، ويوجد الآن ممن يدعي الإسلام من تجاوز هذا الفعل الذي كان المشركون يفعلونه؛ فإذا وقع في الشدة أخلص الدعوة لغير الله، وأخلص اللجوء إلى المقبور، فصار يتضرع ويبكي بكاءً لا يحصل له في المساجد ولا عند الكعبة، فإن حصل له مقصوده قدراً أضاف ذلك إلى الميت، وجعل ذلك دعوة يدعو بها غيره إلى التعلق به، أما إذا تخلف المقصود؛ فإنه يعود باللوم على نفسه. فيقول: لم أكن مخلصاً في دعوته، أو أني قد فرطت أو قصرت في حقه؛ ولهذا ما أجابني. وهذا شرك ما وصل إليه شرك أبي جهل وأبي لهب، وهو شرك عظيم، ومع ذلك يقع فيه كثير ممن يقول: (لا إله إلَّا الله) ويصلون ويصومون، ويكون قد أتى بالمتناقضات مناقضات العقول ومناقضات الشرع والوضع؛ لأنه -في الواقع- ما استعمل عقله، أما أولئك فعندهم عقل استعملوه، وعلموا أن هذه المدعوات لا تكشف الكربات، ولا تغيث اللهفات، فتبرءوا منها وتركوها في وقت الحاجة وإزالة الشدة التي يقعون فيها، وأخبر ربنا جلَّ وعلا كثيراً عنهم أنهم إذا ركبوا في البحر: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، ولكن إذا نجوا وجاء الرخاء عادوا إلى الشرك. ولهذا يقال: أولئك أصح عقولاً من هؤلاء، وأخف شركاً من هؤلاء، وإن كان هؤلاء يصلون ويصومون. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثامنة عشرة: حماية المصطفى ﵌ حمى التوحيد والتأدب مع الله] هذا مأخوذ من الحديث وهو قوله ﷺ : (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله جلَّ وعلا) فهو من باب سد الذرائع، وحماية الشيء يكون بمنع الشيء الذي يجوز، لئلا يُدخل مع هذا الجائز إلى ما لا يجوز.

стр. 594

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٠] الأصل أن العباد كلهم متعبدون لله ، ولكن وجد منهم من صرف العبادة لغير الله تعالى، وقد احتج الله على هؤلاء بأن الذين يتعلقون بهم ويصرفون شيئاً من العبادة لهم كانوا فقراء إلى الله في حياتهم -فضلاً عن حالهم بعد الموت- وأنهم ليس بأيديهم شيء من ملك الله جل وعلا، وليسوا شركاء له في الملك، ولا يملكون نفعاً ولا ضراً، لا لأنفسهم ولا لمن يعبدوهم من دون الله.

стр. 595

باب قول الله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرَاً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢]]:

стр. 596

شرح قوله: (أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون) في هذا الباب وهو قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرَاً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢] يبين سبحانه حالة المدعو من دون الله مطلقاً، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنه لو أصابه الله جلَّ وعلا بإدالة عدو أو تسليط أو ما أشبه ذلك لا يستطيع أن ينصر من يدعوه ولا أن ينصر نفسه، وهذه حال كل مدعو من دون الله، سواءً كان عاقلاً أو غير عاقل، وسواءً كان من المقربين إلى الله جلَّ وعلا: كالرسل والملائكة أو من هو أقل منهم كالأولياء، أو كان عبداً مسخراً خلقه الله جلَّ وعلا لعبادته القدرية: كالشمس والقمر والنجوم والشجر وغيرها، فإنها كلها بهذه المثابة. يعني: أنها مخلوقة، الله خلقها، وإذا كانت مخلوقة فهي فقيرة من الأصل؛ لأن كل مخلوق كان معدوماً لا وجود له، فأوجده الخالق جلَّ وعلا، فهو يتصرف فيه كيف يشاء، ثم إن هذه المخلوقات لا تخلق شيئاً. والمقصود بالخلق هنا: إيجاد الشيء من العدم، وليس الخلق الذي يطلقه بعض الناس على بعض أفعال الناس، وهو إطلاق فيه إيهام، وإنما المراد بالخلق هنا: الإيجاد. أي: إيجاد الشيء من العدم، وهذا لا يمكن لغير الله جلَّ وعلا، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابَاً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئَاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فهذه حالة كل معبود من دون الله، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا هذا المثل؛ ليبين ويوضح للعقلاء الذين عندهم فكر وتأمل. والشارح ﵀ أراد بهذا الباب أن يبين للذين يتعلقون بالقبور، ويتجهون إلى أصحابها، وقد صاروا رفاتاً أمواتاً، أن أرواحهم مرتَهنة عند الله، لا تستطيع أن تجيء أو تتصرف كما يزعمون، فإنهم يزعمون أن للأولياء تصرفات، وأنهم يسمعون الدعوات، ويغيثون اللهفات، وهذا كله باطل ليس لهم عليه برهان ولا دليل، وإنما هي مجرد ظنون واتباع للأهواء والآباء، والله جلَّ وعلا أصدق قيلاً، وأعلم بما يقوله جلَّ وعلا، وأعلم بما يقع في الكون، فهذا كتابه واضح جلي خاطب به عباده، وخطابه يتوجه لكل مكلف، ويجب أن يُفهم قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ولا ينبغي للعبد أن يعرض عن تعلم ما ينجيه ويخلصه من النار ثم إذا أُحضر يوم القيامة مع من يتعلق به ويدعوه، فيقول حينها: ما تعلمت، وما دريت، أو أن فلاناً أضلني، أو أني اتبعت رؤسائي وكبرائي، فإن هذا لا يجديه شيئاً، فإن الرؤساء تتبرأ منه أيضاً، وهو أيضاً يعود باللوم على رؤسائه وكبرائه من العلماء والمقدمين وغيرهم؛ ولكن لا يفيد اللوم ولا اللعن ولا غير ذلك؛ لأن الله منَّ على العبد بأن جعل له عقلاً، ثم أرسل إليه رسولاً، ثم بين له بكتابه -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- الحق بياناً واضحاً، وجعل فيه الهدى والشفاء، وليس لمن ابتغى الهدى من الخلق نصيب من ذلك. هذا هو مراده في ذكر هذه الآية، ومعنى الآية على ما قال المفسرون: أن هذا الاستفهام خرج للتوبيخ. أي: لتوبيخ المشركين وتعنيفهم، حيث عبدوا من كان مخلوقاً، ثم إنه لا يخلق، ثم إنه لا يستطيع نصر نفسه فضلاً عن أن ينصر من دعاه، وهذه الأمور يجب أن تتوافر في المعبود، وأن يكون المعبود أولاً بلا بداية، وآخراً بلا نهاية، غني بنفسه عما سواه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، وأن يكون مالكاً للنفع والضر، ومالكاً للنصر على العدو، والإعزار لمن تعلق به وطلب العزة منه، أما إذا فُقد شيء من ذلك فعبادته ضلال. إذاً: هو احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، وتقريع لما فعلوه، حيث اتجهوا إلى ما اتجهوا إليه من المخلوقات حسب تنوعهم في عباداتهم، فمنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، وكلهم سواء في هذا، وكلهم ضلوا، وكلهم أشركوا بالله جلَّ وعلا، وظلموا وتنقصوا الله جلَّ وعلا، وجعلوا حقه للمخلوق الذي هو متعبَّد لله جلَّ وعلا، كما أن العابد متعبد الله. هذا معنى ما ذكره المفسرون في هذه الآية.

стр. 597

توبيخ وتعنيف المشركين في عبادتهم مع الله ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أي: في العبادة. قال المفسرون: في هذه الآية توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، والمخلوق لا يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وبين أنهم لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرَاً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢]، فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه؟! وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، وهذا وصف كل مخلوق، حتى الملائكة والأنبياء والصالحين، وأشرفُ الخلق محمد ﷺ ، وقد كان يستنصر ربه على المشركين، ويقول: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل) وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّاً وَلا نَفْعَاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتَاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورَاً﴾ [الفرقان:٣]]: يحتج الله جلَّ وعلا على المشركين بأن الذين يتعلقون بهم ويعبدونهم كانوا فقراء للرب جلَّ وعلا، وأنهم ليس بأيديهم شيء من ملك الله جلَّ وعلا، وليسوا شركاء له في الملك، ولا يملكون من دونه نفعاً ولا ضراً، حتى قال ذلك لنبيه الذي هو أشرف الخلق، وأمره جلَّ وعلا أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً﴾ [الأعراف:١٨٨]، أمره أن يقول هذا للناس، وأمره أن يقول لهم أيضاً: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠]، نذير لكم أنذركم من عند الله جلَّ وعلا، أما ملك الأشياء، وملك النفع والضر والنصر على الأعداء، وإدالة العدو على من يريد، أو نصر من يريد أو ما أشبه ذلك، فهذا كله بيد الله جلَّ وعلا، كما سيأتي في قصة أحد حينما أصابه ما أصابه. وهذا المعنى كثير في القرآن، يبين الله جلَّ وعلا فيه بطلان عبادة غيره، وفي مقابل ذلك: وجوب العبادة له وحده، وأن تكون خالصة له، وهذا هو الذي ينجي الإنسان، فلا ينجو يوم القيامة إلَّا بالإخلاص، وهو ما أمر به جميع الأمم من أولهم إلى آخرهم من بعثة نوح ﵇ -أول رسول أرسله الله إلى الأرض- إلى آخر نبي ختم به الأنبياء، وهو محمد ﷺ ، فكلهم يأمر بإخلاص العبادة لله جلَّ وعلا؛ كما قال الله جلَّ وعلا على لسان نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وكذلك غيره من الأنبياء الذين بعثهم الله جلَّ وعلا إلى الأمم. يقول جلَّ وعلا: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] و الجواب أن هذا لا وجود له، بل هو افتراء من هؤلاء، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، وكل ما صد عن شرع الله وعبادته، فهو طاغوت؛ لأن كل ما سوى الرب جلَّ وعلا لا يجوز أن يكون له في الملك والأمر والتشريع والعبادة شيء، فمن تعدى حد العبودية صار طاغوتاً، ينازع الله جلَّ وعلا في حقه أو في ملكه، فإن كان من المعبودات فإنه ينازعه في حقه؛ لأن حق الله جلَّ وعلا على عباده هو إخلاص العبادة له، ولا يكون فيها شيء لغيره، كما قال الرسول ﷺ لـ معاذ ﵁: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فقال له: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، وهو حق أوجبه على نفسه جلَّ وعلا، وإلَّا فليس هناك أحد يلزمه بشيء ويأمره به، تعالى وتقدس، وإنما هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل، وهو الذي يتصرف في الكون. ليس للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائعُ إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسعُ فله الملك كله، وله الحمد كله، وله الأمر كله، ولا يجوز أن يكون لأحد من الخلق معه شركة، ولهذا قال جلَّ وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]. هذا عام أيضاً في جميع المدعوات، فكل مدعو من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، استقلالاً أو مشاركة، فإذا كانت هذه المدعوات لا تملك شيئاً استقلالاً أو مشاركة فماذا بيد داعيهم غير الخيبة والخسران فقط. ثم أخبر سبحانه أنه ليس له منهم لا معاون ولا مظاهر ولا مساعد تعالى الله وتقدس، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: من يساعده ويؤازره ويعاونه، بل هو وحده القهار الذي يملك كل شيء: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] يعز من يشاء ويذل من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويؤتيه من يشاء، فالأمر كله له. وقد يتعلق المشرك بالشفاعة، فأخبر سبحانه أنها لا تنفع، فقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]. إذاً: ماذا يبقى في يد من يدعو غيره غير الخسران والضلال والعذاب فقط، والآيات في هذا كثيرة جداً؛ لأن القرآن نزل لإبطال الشرك عموماً في الأرض إلى قيام الساعة، وفيه تبيان لكل شيء، وأعظم ما أوجبه الله جلَّ وعلا على عباده: توحيده وإخلاص الدعوة له، فبين هذا بياناً واضحاً لا عذر لمن أعرض عنه، ولا حجة لمن وقع في خلافه، بعد بيان الله جلَّ وعلا وإيضاحه، وبيان الرسول ﷺ ، فإنه أيضاً بين للناس ما نزل إليهم، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، ولهذا جعل العلماء هذه الآية حجة قاطعة على إبطال كل بدعة ابتدعت في الدين، وقالوا: لم بلغها الرسول ﷺ ، ولو كانت ديناً لبلغها؛ لأن الله جل وعلا أمره أن يبلغ ما نزل إليه، فلم يترك شيئاً مما أُمر به إلَّا بلغه ووضحه وأبانه. ثم كذلك أعظم ما حرمه الله جلَّ وعلا على عباده: الشرك، فلهذا جلاّه تجلية واضحة لمن يعقل، فلا عذر لمن وقع في الشرك بعد الإيضاح التام والبيان الكامل الذي بينه ربنا جلَّ وعلا في كتابه، وكذلك بينه رسوله ﷺ ، فهذان الأمران من أعظم الأمور التي بينها الله في كتابه، والرسول ﷺ في سنته. فكيف يقول قائل: إن من ترك التوحيد ووقع في الشرك، يكون معذوراً بعد هذا الأمر؟! هذا لا يقوله إلَّا جاهل بالشرع، وجاهل فيما أوضحه الله جلَّ وعلا وأوجبه على عباده، فإن هذا أمر ظاهر جداً لا خفاء فيه.

стр. 598

شرح قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً) قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّاً وَلا رَشَدَاً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدَاً * إِلَّا بَلاغَاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١ - ٢٣]]: هذا أمر الله لنبيه ﷺ وهو أشرف الخلق أن يقول هذا القول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾ [الجن:٢١]. (لا أملك لكم): لمن هذا الخطاب؟ للخلق عموماً، ومن هم: ذريته، حتى بناته، حتى عماته وزوجاته لا يملك لهم شيئاً، كما سيأتي أنه قال: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئاً) يقول هذا القول لسيدة نساء العالمين فاطمة ﵂؛ لأنه رسول مبلغ فقط، ليس له مع الله شيء من الملك والتصرف، فالجنة بيد الله، والنار بيد الله، والعبيد كلهم عبيد الله، إذا شاء أن يعذبهم عذبهم، وليس بين العباد وبين الله صلة إلَّا الطاعة، فمن كان مطيعاً لله فهو المقرب لديه، ومن كان عاصياً لله فهو المبعد المعذب، وإن كان ابن نبي، فنوح ﵇ ما أغنى عن ابنه شيئاً، ولا أغنى عن زوجته شيئاً، ولوط كذلك لم يغن عن زوجته شيئاً، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا بهما المثل للكافرين، فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئَاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠]، وإن كانتا زوجتي نبيين. أما قوله: ((فَخَانَتَاهُمَا)) فالخيانة: في الدين، خانتاهما في دعوتهما وفي دينهما، وليس خيانة الفراش، فما خانت زوجة نبي قط؛ لأن الله جلَّ وعلا كرم الأنبياء أن تخونهم أزواجهم في فرشهم، فخيانة زوجة لوط وزوجة نوح في دينهما ودعوتهما، فاتبعتا القوم الكافرين. وكذلك المؤمن لا يضره قريبه، وإن كان من أفجر الناس، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا مثلاً فقال: ﴿اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتَاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم:١١]، فهي وإن كانت زوجة أخبث الناس وأشر الناس فهي مقربة عند الله ومكرمة؛ لأنها أطاعت ربها وعبدته، وليس بين الخلق وبين ربهم جلَّ وعلا صلة إلَّا الطاعة فقط، واليهود أبناء أنبياء ومع ذلك لعنهم الله، وأقسم أنه سيبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، بكفرهم وعنادهم، وتعنتهم على أنبيائهم. إذاً: فالإنسان إذا أطاع واتبع أمر الله كان قريباً إلى الله جلَّ وعلا؛ لأن الأصل أنهم كلهم عباد الله، فمن أبى العبادة استحق العقاب، ومن امتثل أمر ربه جلَّ وعلا وأطاعه استحق الثواب، هذا هو الأصل في الخلق كله، وإلَّا فالرب غني بذاته عن كل ما سواه، غني عن الخلق كلهم، لو كانوا كلهم على أفجر قلب رجل واحد ما ضر الله جلَّ وعلا ذلك شيئاً ولا نقص من ملكه شيء، كما جاء في الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم، أن الله جلَّ وعلا يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) وهذا خطاب للعباد كلهم من أولهم إلى آخرهم. ويقول: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ويابسكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عندي إلَّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ثم رُفع) الإبرة إذا أدخلت البحر ثم رفعت ماذا تنقص البحر؟ لا شيء؛ لأنه إذا أراد الشيء قال له: (كن) فيكون، تعالى وتقدس. والمقصود: أنه الغني عن الخلق كلهم، إن عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوه، واجتنبوا نهيه فلأنفسهم، لا ينفعون الله، بل ينفعون أنفسهم، وإن عصوه وارتكبوا نهيه، وخالفوا أمره، فإنهم يضرون أنفسهم ولا يضرون الله شيئاً. قال الشارح رحمه الله تعالى: [فكفى بهذه الآيات برهاناً على بطلان دعوة غير الله كائناً من كان، فإن كان نبياً أو صالحاً فقد شرفه الله تعالى بإخلاص العبادة له، والرضى به رباً ومعبوداً، فكيف يجوز أن يُجعل العابد معبوداً، مع توجيه الخطاب إليه في النهي عن هذا الشرك؟ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]]: يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كل شيء -ما عدا ربنا جلَّ وعلا- داخل في هذا الهلاك حتى جبريل ﵇ يموت ويهلك؛ لأنه عبد فقير إلى الله جلَّ وعلا، لا يملك شيئاً مع الله، والباقي هو الله جلَّ وعلا. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ليس المراد أن الوجه هو المستثنى فقط؛ ولكن من المعلوم في لغة العرب أنه إذا ذكر أشرف الشيء فإن البقية تبع له. إذاً: المعنى: كل شيء هالك إلَّا الله، وفي هذا إثبات الوجه لله جلَّ وعلا، صفةً حقيقة له على ما أراده الله جلَّ وعلا وبينه، وهذا كثير جداً في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ ، ومن أبلغ ما جاء في هذا: ما جاء في الدعاء: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) فجاء أن أفضل نعيم أهل الجنة: أن ينظروا إلى وجه ربهم جلَّ وعلا، فينسون نعيم الجنة عند ذلك. وجاء في صحيح مسلم في تفسير (الزيادة) في قوله الله جلَّ وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أن الحسنى هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله جلَّ وعلا، وأنها أفضل من الجنة. يعني: هي أعلى نعيم الجنة، ولهذا يقول جلَّ وعلا في وعد المتقين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وضدهم: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤ - ٢٥]. ويقول في موضع آخر في هؤلاء المجرمين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فجعل الحجاب عذاباً لهم، فدل على أن رفع الحجاب لرؤية الله جلَّ وعلا من أعلى أنواع النعيم، وهذا في الكتاب والسنة كثير، والذي ينكره يكون ضالاً في هذا الباب، قد ضل وترك النصوص الواضحة الظاهرة التي تدل على إثبات الوجه لله جلَّ وعلا صفةً له.

стр. 599

شرح قوله: (إن الحكم إلا لله) قال الشارح: [وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فقد أمر عباده من الأنبياء والصالحين وغيرهم بإخلاص العبادة له وحده ونهى أن يعبدوا معه غيره]: قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] يعني: الأمر والنهي. وهذا هو الذي يكون به الحكم، الأمر والنهي الذي فيه يتصرف العباد، وكذلك الحكم القدري الذي لا يخرج الناس عنه، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما نازعوا في الأول، وهو الذي نُص عليه في هذا. وقوله: ((أَمَرَ)). يعني: من الحكم الذي حكمه: (أمر ألَّا يُعبد إلَّا إياه)، وهذا عام شامل فكل عبادة يجب أن تكون له، ولا يجوز أن تكون لولي ولا لنبي ولا لملَك ولا لغير ذلك، فإن فعل الإنسان ذلك فقد خالف أمر الله جلَّ وعلا، وارتكب نهيه، واستحق عذابه.

стр. 600

شرح حديث: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به) قال الشارح: [وهذا هو دينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ورضيه لعباده، وهو الإسلام، كما روى البخاري عن أبي هريرة في سؤال جبريل ﵇، قال: (يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان) الحديث]: الإسلام هو: الاستسلام لله بالطاعة، وعدم المنازعة والمخالفة، فيكون متبعاً أمر الله، منقاداً له مذعناً، وكذلك يبرأ من الشرك، وإلَّا لا يكون مسلماً على الوجه الصحيح حتى يتبرأ من الشرك وأهل الشرك. إذاً: هذا هو الإسلام الحقيقي: الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد له، وإخلاص العبادة له، وأن يتبرأ من الشرك وأهله، وهذا ما فرضه الله جلَّ وعلا على عباده عموماً، من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، الدين كله، من أول رسول أرسله الله إلى آخر رسول، إلى أن يرث الله جلَّ وعلا الأرض ومن عليها، لا يقبل الله جلَّ وعلا من العباد إلَّا الإسلام، وهو الاستسلام له بالطاعة وعدم المنازعة، والإذعان والانقياد لأمره، والخضوع له، والبراءة من أعدائه، فإذا أخل الإنسان بشيء من ذلك فقد أخل بإسلامه.
следующие страницы →