Полный текст (2 090 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
شرح قوله: (أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون)
في هذا الباب وهو قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرَاً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢] يبين سبحانه حالة المدعو من دون الله مطلقاً، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنه لو أصابه الله جلَّ وعلا بإدالة عدو أو تسليط أو ما أشبه ذلك لا يستطيع أن ينصر من يدعوه ولا أن ينصر نفسه، وهذه حال كل مدعو من دون الله، سواءً كان عاقلاً أو غير عاقل، وسواءً كان من المقربين إلى الله جلَّ وعلا: كالرسل والملائكة أو من هو أقل منهم كالأولياء، أو كان عبداً مسخراً خلقه الله جلَّ وعلا لعبادته القدرية: كالشمس والقمر والنجوم والشجر وغيرها، فإنها كلها بهذه المثابة.
يعني: أنها مخلوقة، الله خلقها، وإذا كانت مخلوقة فهي فقيرة من الأصل؛ لأن كل مخلوق كان معدوماً لا وجود له، فأوجده الخالق جلَّ وعلا، فهو يتصرف فيه كيف يشاء، ثم إن هذه المخلوقات لا تخلق شيئاً.
والمقصود بالخلق هنا: إيجاد الشيء من العدم، وليس الخلق الذي يطلقه بعض الناس على بعض أفعال الناس، وهو إطلاق فيه إيهام، وإنما المراد بالخلق هنا: الإيجاد.
أي: إيجاد الشيء من العدم، وهذا لا يمكن لغير الله جلَّ وعلا، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابَاً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئَاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فهذه حالة كل معبود من دون الله، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا هذا المثل؛ ليبين ويوضح للعقلاء الذين عندهم فكر وتأمل.
والشارح ﵀ أراد بهذا الباب أن يبين للذين يتعلقون بالقبور، ويتجهون إلى أصحابها، وقد صاروا رفاتاً أمواتاً، أن أرواحهم مرتَهنة عند الله، لا تستطيع أن تجيء أو تتصرف كما يزعمون، فإنهم يزعمون أن للأولياء تصرفات، وأنهم يسمعون الدعوات، ويغيثون اللهفات، وهذا كله باطل ليس لهم عليه برهان ولا دليل، وإنما هي مجرد ظنون واتباع للأهواء والآباء، والله جلَّ وعلا أصدق قيلاً، وأعلم بما يقوله جلَّ وعلا، وأعلم بما يقع في الكون، فهذا كتابه واضح جلي خاطب به عباده، وخطابه يتوجه لكل مكلف، ويجب أن يُفهم قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ولا ينبغي للعبد أن يعرض عن تعلم ما ينجيه ويخلصه من النار ثم إذا أُحضر يوم القيامة مع من يتعلق به ويدعوه، فيقول حينها: ما تعلمت، وما دريت، أو أن فلاناً أضلني، أو أني اتبعت رؤسائي وكبرائي، فإن هذا لا يجديه شيئاً، فإن الرؤساء تتبرأ منه أيضاً، وهو أيضاً يعود باللوم على رؤسائه وكبرائه من العلماء والمقدمين وغيرهم؛ ولكن لا يفيد اللوم ولا اللعن ولا غير ذلك؛ لأن الله منَّ على العبد بأن جعل له عقلاً، ثم أرسل إليه رسولاً، ثم بين له بكتابه -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- الحق بياناً واضحاً، وجعل فيه الهدى والشفاء، وليس لمن ابتغى الهدى من الخلق نصيب من ذلك.
هذا هو مراده في ذكر هذه الآية، ومعنى الآية على ما قال المفسرون: أن هذا الاستفهام خرج للتوبيخ.
أي: لتوبيخ المشركين وتعنيفهم، حيث عبدوا من كان مخلوقاً، ثم إنه لا يخلق، ثم إنه لا يستطيع نصر نفسه فضلاً عن أن ينصر من دعاه، وهذه الأمور يجب أن تتوافر في المعبود، وأن يكون المعبود أولاً بلا بداية، وآخراً بلا نهاية، غني بنفسه عما سواه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، وأن يكون مالكاً للنفع والضر، ومالكاً للنصر على العدو، والإعزار لمن تعلق به وطلب العزة منه، أما إذا فُقد شيء من ذلك فعبادته ضلال.
إذاً: هو احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، وتقريع لما فعلوه، حيث اتجهوا إلى ما اتجهوا إليه من المخلوقات حسب تنوعهم في عباداتهم، فمنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، وكلهم سواء في هذا، وكلهم ضلوا، وكلهم أشركوا بالله جلَّ وعلا، وظلموا وتنقصوا الله جلَّ وعلا، وجعلوا حقه للمخلوق الذي هو متعبَّد لله جلَّ وعلا، كما أن العابد متعبد الله.
هذا معنى ما ذكره المفسرون في هذه الآية.
стр. 597
توبيخ وتعنيف المشركين في عبادتهم مع الله ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ أي: في العبادة.
قال المفسرون: في هذه الآية توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، والمخلوق لا يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وبين أنهم لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرَاً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢]، فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه؟! وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، وهذا وصف كل مخلوق، حتى الملائكة والأنبياء والصالحين، وأشرفُ الخلق محمد ﷺ ، وقد كان يستنصر ربه على المشركين، ويقول: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل) وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئَاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّاً وَلا نَفْعَاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتَاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورَاً﴾ [الفرقان:٣]]: يحتج الله جلَّ وعلا على المشركين بأن الذين يتعلقون بهم ويعبدونهم كانوا فقراء للرب جلَّ وعلا، وأنهم ليس بأيديهم شيء من ملك الله جلَّ وعلا، وليسوا شركاء له في الملك، ولا يملكون من دونه نفعاً ولا ضراً، حتى قال ذلك لنبيه الذي هو أشرف الخلق، وأمره جلَّ وعلا أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً﴾ [الأعراف:١٨٨]، أمره أن يقول هذا للناس، وأمره أن يقول لهم أيضاً: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠]، نذير لكم أنذركم من عند الله جلَّ وعلا، أما ملك الأشياء، وملك النفع والضر والنصر على الأعداء، وإدالة العدو على من يريد، أو نصر من يريد أو ما أشبه ذلك، فهذا كله بيد الله جلَّ وعلا، كما سيأتي في قصة أحد حينما أصابه ما أصابه.
وهذا المعنى كثير في القرآن، يبين الله جلَّ وعلا فيه بطلان عبادة غيره، وفي مقابل ذلك: وجوب العبادة له وحده، وأن تكون خالصة له، وهذا هو الذي ينجي الإنسان، فلا ينجو يوم القيامة إلَّا بالإخلاص، وهو ما أمر به جميع الأمم من أولهم إلى آخرهم من بعثة نوح ﵇ -أول رسول أرسله الله إلى الأرض- إلى آخر نبي ختم به الأنبياء، وهو محمد ﷺ ، فكلهم يأمر بإخلاص العبادة لله جلَّ وعلا؛ كما قال الله جلَّ وعلا على لسان نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وكذلك غيره من الأنبياء الذين بعثهم الله جلَّ وعلا إلى الأمم.
يقول جلَّ وعلا: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]
و
الجواب
أن هذا لا وجود له، بل هو افتراء من هؤلاء، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، وكل ما صد عن شرع الله وعبادته، فهو طاغوت؛ لأن كل ما سوى الرب جلَّ وعلا لا يجوز أن يكون له في الملك والأمر والتشريع والعبادة شيء، فمن تعدى حد العبودية صار طاغوتاً، ينازع الله جلَّ وعلا في حقه أو في ملكه، فإن كان من المعبودات فإنه ينازعه في حقه؛ لأن حق الله جلَّ وعلا على عباده هو إخلاص العبادة له، ولا يكون فيها شيء لغيره، كما قال الرسول ﷺ لـ معاذ ﵁: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم.
فقال له: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، وهو حق أوجبه على نفسه جلَّ وعلا، وإلَّا فليس هناك أحد يلزمه بشيء ويأمره به، تعالى وتقدس، وإنما هو الذي يحق الحق ويبطل الباطل، وهو الذي يتصرف في الكون.
ليس للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائعُ إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله وهو الكريم الواسعُ فله الملك كله، وله الحمد كله، وله الأمر كله، ولا يجوز أن يكون لأحد من الخلق معه شركة، ولهذا قال جلَّ وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢].
هذا عام أيضاً في جميع المدعوات، فكل مدعو من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، استقلالاً أو مشاركة، فإذا كانت هذه المدعوات لا تملك شيئاً استقلالاً أو مشاركة فماذا بيد داعيهم غير الخيبة والخسران فقط.
ثم أخبر سبحانه أنه ليس له منهم لا معاون ولا مظاهر ولا مساعد تعالى الله وتقدس، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: من يساعده ويؤازره ويعاونه، بل هو وحده القهار الذي يملك كل شيء: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] يعز من يشاء ويذل من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويؤتيه من يشاء، فالأمر كله له.
وقد يتعلق المشرك بالشفاعة، فأخبر سبحانه أنها لا تنفع، فقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣].
إذاً: ماذا يبقى في يد من يدعو غيره غير الخسران والضلال والعذاب فقط، والآيات في هذا كثيرة جداً؛ لأن القرآن نزل لإبطال الشرك عموماً في الأرض إلى قيام الساعة، وفيه تبيان لكل شيء، وأعظم ما أوجبه الله جلَّ وعلا على عباده: توحيده وإخلاص الدعوة له، فبين هذا بياناً واضحاً لا عذر لمن أعرض عنه، ولا حجة لمن وقع في خلافه، بعد بيان الله جلَّ وعلا وإيضاحه، وبيان الرسول ﷺ ، فإنه أيضاً بين للناس ما نزل إليهم، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، ولهذا جعل العلماء هذه الآية حجة قاطعة على إبطال كل بدعة ابتدعت في الدين، وقالوا: لم بلغها الرسول ﷺ ، ولو كانت ديناً لبلغها؛ لأن الله جل وعلا أمره أن يبلغ ما نزل إليه، فلم يترك شيئاً مما أُمر به إلَّا بلغه ووضحه وأبانه.
ثم كذلك أعظم ما حرمه الله جلَّ وعلا على عباده: الشرك، فلهذا جلاّه تجلية واضحة لمن يعقل، فلا عذر لمن وقع في الشرك بعد الإيضاح التام والبيان الكامل الذي بينه ربنا جلَّ وعلا في كتابه، وكذلك بينه رسوله ﷺ ، فهذان الأمران من أعظم الأمور التي بينها الله في كتابه، والرسول ﷺ في سنته.
فكيف يقول قائل: إن من ترك التوحيد ووقع في الشرك، يكون معذوراً بعد هذا الأمر؟! هذا لا يقوله إلَّا جاهل بالشرع، وجاهل فيما أوضحه الله جلَّ وعلا وأوجبه على عباده، فإن هذا أمر ظاهر جداً لا خفاء فيه.
стр. 598
شرح قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّاً وَلا رَشَدَاً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدَاً * إِلَّا بَلاغَاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١ - ٢٣]]: هذا أمر الله لنبيه ﷺ وهو أشرف الخلق أن يقول هذا القول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً وَلا ضَرَّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾ [الجن:٢١].
(لا أملك لكم): لمن هذا الخطاب؟ للخلق عموماً، ومن هم: ذريته، حتى بناته، حتى عماته وزوجاته لا يملك لهم شيئاً، كما سيأتي أنه قال: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئاً) يقول هذا القول لسيدة نساء العالمين فاطمة ﵂؛ لأنه رسول مبلغ فقط، ليس له مع الله شيء من الملك والتصرف، فالجنة بيد الله، والنار بيد الله، والعبيد كلهم عبيد الله، إذا شاء أن يعذبهم عذبهم، وليس بين العباد وبين الله صلة إلَّا الطاعة، فمن كان مطيعاً لله فهو المقرب لديه، ومن كان عاصياً لله فهو المبعد المعذب، وإن كان ابن نبي، فنوح ﵇ ما أغنى عن ابنه شيئاً، ولا أغنى عن زوجته شيئاً، ولوط كذلك لم يغن عن زوجته شيئاً، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا بهما المثل للكافرين، فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئَاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠]، وإن كانتا زوجتي نبيين.
أما قوله: ((فَخَانَتَاهُمَا)) فالخيانة: في الدين، خانتاهما في دعوتهما وفي دينهما، وليس خيانة الفراش، فما خانت زوجة نبي قط؛ لأن الله جلَّ وعلا كرم الأنبياء أن تخونهم أزواجهم في فرشهم، فخيانة زوجة لوط وزوجة نوح في دينهما ودعوتهما، فاتبعتا القوم الكافرين.
وكذلك المؤمن لا يضره قريبه، وإن كان من أفجر الناس، ولهذا ضرب الله جلَّ وعلا مثلاً فقال: ﴿اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتَاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم:١١]، فهي وإن كانت زوجة أخبث الناس وأشر الناس فهي مقربة عند الله ومكرمة؛ لأنها أطاعت ربها وعبدته، وليس بين الخلق وبين ربهم جلَّ وعلا صلة إلَّا الطاعة فقط، واليهود أبناء أنبياء ومع ذلك لعنهم الله، وأقسم أنه سيبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، بكفرهم وعنادهم، وتعنتهم على أنبيائهم.
إذاً: فالإنسان إذا أطاع واتبع أمر الله كان قريباً إلى الله جلَّ وعلا؛ لأن الأصل أنهم كلهم عباد الله، فمن أبى العبادة استحق العقاب، ومن امتثل أمر ربه جلَّ وعلا وأطاعه استحق الثواب، هذا هو الأصل في الخلق كله، وإلَّا فالرب غني بذاته عن كل ما سواه، غني عن الخلق كلهم، لو كانوا كلهم على أفجر قلب رجل واحد ما ضر الله جلَّ وعلا ذلك شيئاً ولا نقص من ملكه شيء، كما جاء في الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم، أن الله جلَّ وعلا يقول: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) وهذا خطاب للعباد كلهم من أولهم إلى آخرهم.
ويقول: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ورطبكم ويابسكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عندي إلَّا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ثم رُفع) الإبرة إذا أدخلت البحر ثم رفعت ماذا تنقص البحر؟ لا شيء؛ لأنه إذا أراد الشيء قال له: (كن) فيكون، تعالى وتقدس.
والمقصود: أنه الغني عن الخلق كلهم، إن عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوه، واجتنبوا نهيه فلأنفسهم، لا ينفعون الله، بل ينفعون أنفسهم، وإن عصوه وارتكبوا نهيه، وخالفوا أمره، فإنهم يضرون أنفسهم ولا يضرون الله شيئاً.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فكفى بهذه الآيات برهاناً على بطلان دعوة غير الله كائناً من كان، فإن كان نبياً أو صالحاً فقد شرفه الله تعالى بإخلاص العبادة له، والرضى به رباً ومعبوداً، فكيف يجوز أن يُجعل العابد معبوداً، مع توجيه الخطاب إليه في النهي عن هذا الشرك؟ كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]]: يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] كل شيء -ما عدا ربنا جلَّ وعلا- داخل في هذا الهلاك حتى جبريل ﵇ يموت ويهلك؛ لأنه عبد فقير إلى الله جلَّ وعلا، لا يملك شيئاً مع الله، والباقي هو الله جلَّ وعلا.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ليس المراد أن الوجه هو المستثنى فقط؛ ولكن من المعلوم في لغة العرب أنه إذا ذكر أشرف الشيء فإن البقية تبع له.
إذاً: المعنى: كل شيء هالك إلَّا الله، وفي هذا إثبات الوجه لله جلَّ وعلا، صفةً حقيقة له على ما أراده الله جلَّ وعلا وبينه، وهذا كثير جداً في القرآن وفي أحاديث الرسول ﷺ ، ومن أبلغ ما جاء في هذا: ما جاء في الدعاء: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) فجاء أن أفضل نعيم أهل الجنة: أن ينظروا إلى وجه ربهم جلَّ وعلا، فينسون نعيم الجنة عند ذلك.
وجاء في صحيح مسلم في تفسير (الزيادة) في قوله الله جلَّ وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أن الحسنى هي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله جلَّ وعلا، وأنها أفضل من الجنة.
يعني: هي أعلى نعيم الجنة، ولهذا يقول جلَّ وعلا في وعد المتقين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وضدهم: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤ - ٢٥].
ويقول في موضع آخر في هؤلاء المجرمين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فجعل الحجاب عذاباً لهم، فدل على أن رفع الحجاب لرؤية الله جلَّ وعلا من أعلى أنواع النعيم، وهذا في الكتاب والسنة كثير، والذي ينكره يكون ضالاً في هذا الباب، قد ضل وترك النصوص الواضحة الظاهرة التي تدل على إثبات الوجه لله جلَّ وعلا صفةً له.
стр. 599
شرح قوله: (إن الحكم إلا لله)
قال الشارح: [وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فقد أمر عباده من الأنبياء والصالحين وغيرهم بإخلاص العبادة له وحده ونهى أن يعبدوا معه غيره]: قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] يعني: الأمر والنهي.
وهذا هو الذي يكون به الحكم، الأمر والنهي الذي فيه يتصرف العباد، وكذلك الحكم القدري الذي لا يخرج الناس عنه، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما نازعوا في الأول، وهو الذي نُص عليه في هذا.
وقوله: ((أَمَرَ)).
يعني: من الحكم الذي حكمه: (أمر ألَّا يُعبد إلَّا إياه)، وهذا عام شامل فكل عبادة يجب أن تكون له، ولا يجوز أن تكون لولي ولا لنبي ولا لملَك ولا لغير ذلك، فإن فعل الإنسان ذلك فقد خالف أمر الله جلَّ وعلا، وارتكب نهيه، واستحق عذابه.
стр. 600
شرح حديث: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به)
قال الشارح: [وهذا هو دينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ورضيه لعباده، وهو الإسلام، كما روى البخاري عن أبي هريرة في سؤال جبريل ﵇، قال: (يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان) الحديث]: الإسلام هو: الاستسلام لله بالطاعة، وعدم المنازعة والمخالفة، فيكون متبعاً أمر الله، منقاداً له مذعناً، وكذلك يبرأ من الشرك، وإلَّا لا يكون مسلماً على الوجه الصحيح حتى يتبرأ من الشرك وأهل الشرك.
إذاً: هذا هو الإسلام الحقيقي: الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد له، وإخلاص العبادة له، وأن يتبرأ من الشرك وأهله، وهذا ما فرضه الله جلَّ وعلا على عباده عموماً، من أولهم إلى آخرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، الدين كله، من أول رسول أرسله الله إلى آخر رسول، إلى أن يرث الله جلَّ وعلا الأرض ومن عليها، لا يقبل الله جلَّ وعلا من العباد إلَّا الإسلام، وهو الاستسلام له بالطاعة وعدم المنازعة، والإذعان والانقياد لأمره، والخضوع له، والبراءة من أعدائه، فإذا أخل الإنسان بشيء من ذلك فقد أخل بإسلامه.
стр. 601
شرح قوله: (والذين يدعون من دونه لا يملكون من قطمير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]]: هذه الآية أيضاً مما يبطل الشرك عموماً، ويبين أن المدعو لا يملك لداعيه شيئاً: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، إذا يبست ظهرت رقيقة، ولا نفع ولا قيمة لها، وإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء فكيف يُدعَون؟! وهذا عام لكل مدعو: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣].
كل مدعو من دون الله لا يملك هذا المقدار، وهذا في كل مدعو سواء كان جماداً أو كان عاقلاً؛ لأنه إذا كان عاقلاً: فهو إما شقي كافر شيطان، وإما تقي يعبد الله، ويتبرأ من أن يكون له شيء من حق الله، فيصبح معادياً لهذا الذي يدعوه؛ لأنه خالف ربه ودينه، فهو يكتسب العداوة وإن زعم أنه يحبه، وإما جماداً لا حول له ولا قوة، وقد جاء الشيطان لكثير من الناس بالباطل في قالب الحق، فجعل دعوة غير الله جلَّ وعلا من الأولياء والأنبياء في قالب المحبة، وقال: هذا دليل حبهم وموالاتهم! فجعل دعوتهم والتضرع إليهم وإنزال الفقر بهم، وطلب الحاجات منهم محبةً لهم وتعظيماً.
ومن تلبيس الشيطان أيضاً أن جعل الذي ينهى عن هذا الشرك، ويأمر بأن تكون العبادة كلها لله، مبغضاً للرسول ومبغضاً للأولياء، فحمل أتباعه على أن يشنعوا على من أنكر عليهم، وهذا من تزيين الشيطان وقلبه للحقائق، فاتبعوا الشيطان على ذلك، وليس لهم على هذا من دليل، مع أن هؤلاء الذين يتجهون إليهم -إن كانوا أولياء- لو خرجوا عليهم لقاتلوهم؛ لأنهم خالفوا دينهم وخالفوا أمر ربهم، فلا يمكن أن يقرونهم عليه، ولهذا أخبر الله جلَّ وعلا يوم القيامة أنهم يتبرءون منهم، وفي هذه الآية يخبر الله أن المدعو -كل مدعو من دون الله- لا يملك لداعيه قطميراً، ومعنى هذا أنه لا يملك شيئاً، كما سبق في الآية الأولى: (لا يملك شيئاً)، ثم بين تعالى وتقدس أن المدعو يجب أن تتوافر فيه أمور: أولاً: الملك.
والثاني: السماع.
والثالث: استطاعة الإيجاد.
وهؤلاء المدعوون من دون الله ليس معهم من الأمور الثلاثة شيئاً حتى السماع لا يسمعون، والمراد بالسماع هنا: ليس مطلق السماع -سماع الصوت- إنما المراد به السماع الذي يكون به النفع، أما مجرد السماع فإنه قد يكون لا نفع فيه، وقد استدل بهذه الآية وبغيرها من الآيات بعض الناس على أن الموتى لا يسمعون شيئاً، والواقع أن الآية لا تدل على هذا، وإنما تدل على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وللعلماء في تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] قولان، ولا يعرف في تفسيرها إلَّا هذان القولان: أحدهما: أنه على ظاهره، ﴿لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] سماع امتثال، أي: لا يستطيعون أن يستجيبوا لك.
والثاني: أن المقصود بالسماع هنا: السماع الذي ينتفعون به.
إذاً: الأول: أنك لا تُسمعهم مطلقاً؛ لأنهم مرتهنون وميتون ولا يسمعون.
الثاني: أنك لا تُسمعهم السماع الذي يكون فيه الامتثال والانتفاع، ولهذا قال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠] والأصم إذا كان مقبلاً لا تستطيع أن تسمعه الدعاء، تدعوه فلا يسمع منك فكيف إذا أدبر؟! وهذا مثل ضربه الله جلَّ وعلا للكفار، فإنهم لا يستطيعون أن يسمعوا السماع الذي ينتفعون به، وإلَّا فهم يسمعون قول الرسول ﷺ ويرونه؛ ولكنهم لا يسمعونه السماع الذي ينتفعون به، ولهذا أخبر عنهم أنهم صم عمي بكم، مع أنهم يسمعون قوله ويردون عليه، ويقولون: هذه أساطير الأولين هذا سحر وكهانة وتَقَوَّله.
يعني: كذب أتى به، والمقصود أن السماع المنفي هو سماع الانتفاع.
أما الأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ ، فمنها: حديث أنس الذي في الصحيحين عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر أمر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فسُحبوا وألقوا في بئر من آبار بدر، ثم أمر براحلته فركبها، فاتبعه أصحابه، وقالوا: يذهب لحاجة، فوقف عليهم وقام يناديهم: (يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: ما تنادي من قوم قد جيَّفوا؟ فقال ﷺ : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون الإجابة)، وكذلك في الصحيح عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب ﵄ أنه ذكر مثل هذا.
وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: (إذا دفن العبد في قبره، وولى عنه أصحابه، وهو يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيجلسانه فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرسول الذي بعث فيكم؟) فأخبر أنه يسمع قرع نعالهم.
أما ما جاء أن عائشة ﵂ لما سمعت حديث ابن عمر قالت: إنما قال رسول الله ﷺ : (إنهم يعلمون ما أقول) هكذا قالت، فهذا رأي قالته، ولا يجوز أن يُترك نص الرسول ﷺ لرأيها وقولها؛ لأنه واضح وجلي، وقد روي أنها رجعت عن ذلك لما ثبت عندها، كما رواه الإمام أحمد رحمة الله عليه.
والذي يدعي الخصوصية ليس عنده دليل على ذلك؛ لأن هذا شيء قاله الرسول ﷺ ، ولم يقل بعده: إن هذا خاص بهؤلاء القوم، أو إنه في تلك الساعة فقط، بل جاءت أحاديث مطلقة في أن الميت يسمع قول من يزوره ومن يتكلم عنده؛ لكنه لا يستطيع رد الجواب، وقد يكون في سماعه ما يحزنه، ولا يستطيع أن يملك شيئاً لمن يدعوه؛ لأنه مرتهن بعمله، وإنما يسمع؛ لأنه حي، ولكن حياة غير الحياة المعهودة لنا حياة برزخية؛ لأن روح الميت لا تموت ولها اتصال ببدنه، ولا تفارق البدن مفارقةً كاملة، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في أن القبر فيه نعيم وفيه عذاب، وليس النعيم والعذاب على البدن فقط، ولا على الروح فقط، بل عليهما جميعاً، والأحاديث في هذا كثيرة جداً، ولا يجوز أن ترد النصوص بحجة أن فيها متعلق للمخرفين الذين يتجهون إلى عبادة القبور.
فمثل هؤلاء يُبيَّن لهم الحق ويوضَّح، ويقال لهم: إن هؤلاء لو كانوا أحياءً -وهم في حال الحياة أكمل من حال موتهم- ما أغنوا عنكم شيئاً، فكيف بعد موتهم؟! بل لا يستطيعون ان يقدموا لأنفسهم حسنة واحدة أو يحطوا عن سيئاتهم، فكيف بغيرهم؟! والمقصود: أنه لو تعلق أهل الباطل بشيء مما هو حق، فليبين لهم الفهم الصحيح والحق، وأنه لا تعلق لهم بما استدلوا به.
ومثال ذلك ما يقول النصارى: من أن القرآن فيه ما يدل على التثليث في نحو: (نحن)، و (أنا) مما بدل على خطاب الجماعة، فهل نقول: علينا أن نترك هذه النصوص؛ لأن فيها متعلق للنصارى!! وكذلك غيرهم من أهل الباطل، يتعلقون بشبهات قد تنطلي على بعض الجهلة؛ ولكنها -في الحق- إذا أُرجعت إلى المحكم زال الاشتباه نهائياً، والاشتباه الواقع لهم ليس عند أهل الحق.
وقوله: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] يعني: لو قدر -وهذا على سبيل التقدير- أنهم يسمعون قولكم سماع قبول فلا يستطيعون الاستجابة، يعني: لا يستطيعون أن يجيبوكم إلى ما تطلبونه منهم، ولو سمعوا سماع الاستجابة لكم، ما استطاعوا أن يملكوا لكم نصراً ولا نفعاً، ومثله ما سبق من أنهم لا يملكون شيئاً لعابديهم.
والآيات كلها يبين بعضها بعضاً، وكلها تدل على معنى واحد.
وقوله: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، يقول قتادة: يعني نفسه جلَّ وعلا، وأنه خبير بالأمور كلها، ولا ينبئك منبئ مثل تنبيء الله جلَّ وعلا وإخباره، فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل، فيجب أن يُقطَع ويؤمَن به.
стр. 602
عجز وضعف المدعوين من دون الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه -من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها- بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي: المُلك.
وسماع الدعاء.
والقدرة على استجابته.
فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عُدمت بالكلية؟! فنفى عنهم الملك بقوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة: القطمير: اللفافة التي تكون على نواة التمر.
كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقَاً مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئَاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل:٧٣]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، ونفى عنهم سماع الدعاء بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]؛ لأنهم ما بين ميت وغائب عنهم مشتغل بما خلق له، مسخَّر بما أُمر به كالملائكة، ثم قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]؛ لأن ذلك ليس لهم، فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم لا استقلالاً ولا واسطة، كما تقدم بعض أدلة ذلك.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، فتبين بهذا: أن دعوة غير الله شرك، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزَّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدَّاً﴾ [مريم:٨١ - ٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤].
قال ابن كثير: يتبرءون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
قال: وقوله: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها، وما تصير إليه مثل خبير بها.
قال قتادة: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة.
قلت: والمشركون لم يسلِّموا للعليم الخبير ما أخبر به عن معبوداتهم؛ فقالوا: تملك وتسمع وتستجيب وتشفع لمن دعاها، ولم يلتفتوا إلى ما أخبر به الخبير من أن كل معبود يعادي عابده يوم القيامة، ويتبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدَاً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٢٨ - ٣٠]].
معنى قوله: ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)) يعني: فرقنا بينهم في المحبة؛ فأصبح كل واحد عدواً للآخر، كل واحد يلعن الآخر ويعاديه، وإن كانوا في الدنيا يزعمون أنهم أولياؤهم وأنهم يحبونهم، فيتبين لهم يوم القيامة عكس ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، وهذا معنى التزييل: (زيلنا بينهم)، وهو مثل الآية التي في سورة البقرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦]، والآية التي في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً﴾ [العنكبوت:٢٥] فالله جلَّ وعلا يذكر هذه المعاني في ألفاظ مختلفة ومتنوعة؛ حتى يفقه الناس ويعلموا ويبتعدوا عن هذه الأمور؛ لأن القرآن هو التبيان لكل شيء، وهو الموضح إيضاحاً جلياً لا إشكال فيه.
стр. 603
حكم لعن المعين
قال الشارح: [أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال مجاهد: ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس:٢٩] قال: يقول ذلك كل شيء كان يعبد من دون الله.
فالكيِّس يستقبل هذه الآيات -التي هي الحجة والنور والبرهان- بالإيمان والقبول والعمل، فيجرد أعماله لله وحده دون كل ما سواه ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً، فضلاً عن غيره].
قال المصنف ﵀: [وفي الصحيح: عن أنس قال: شُج النبي ﵌ يوم أحد وكُسرت رباعيته، فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])]: قوله: في الصحيح، يعني: في صحيح البخاري، وقد ذكره البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه، والحديث عن أنس -وقد رواه الإمام مسلم وغيره من أئمة الحديث- فهو حديث ثابت: يقول: (شُج النبي ﷺ والشج في الأصل هو: الجرح في الرأس، فيخرج الدم ويسيل، ثم صار يطلق على سائر ما يقع في البدن؛ ولكن الذي جاءت به اللغة: أن الشج يطلق على ما يقع في الرأس من جرح نازف.
شُج صلوات الله وسلامه عليه في وجهه، وكسرت رباعيته، كسر منها جزء وبقي أصلها، وكذلك شفته العليا -صلوات الله وسلامه عليه- شُجت فصار الدم يسيل، وكذلك أصيب في وجنته -في خده- ضربه عبد الله بن قمئة حتى دخلت حلقات المغفر في وجنته صلوات الله وسلامه عليه، فصار يسيل الدم على وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم) فجاء مالك بن سنان فأمسك حلقات المغفر بأسنانه واجتذبها، ثم ابتلع الدم الذي دخل في فمه، فقال له ﷺ : (ابتلعت؟ قال: نعم.
قال: لا تمسك النار) وهذا من رفقه برسول الله ﷺ ، ثم صار يقول ﵊: كيف يفلح القوم الذين يدعوهم نبيهم إلى الله جلَّ وعلا وهم يفعلون به هذه الأفعال؟! حاولوا أن يقتلوه، واجتهدوا قدر استطاعتهم على فعل ذلك، فهذا تجرأ وكسر ثنيته، والآخر ضربه على وجهه حتى دخلت حلقات المغفر في وجنته، فصار يسيل منها الدم، وقال له ابن قمئة: (خذها وأنا ابن قمئة، فقال ﷺ : ما لك أقمأك الله؟) فسلط الله جلَّ وعلا عليه تيس الجبل، فصار ينطحه حتى قطعه إرباً إرباً، وهذا هو الوحيد الذي دعا عليه النبي مباشرة في هذه الغزوة، أما البقية فإنه كان يدعو عليهم في الصلاة.
وكان يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً)، وجاء في الصحيح أنه كان يسميهم بأسمائهم، ويقول: (اللهم العن صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والصحابة خلفه يقولون: آمين) يقولون ذلك في الصلاة، وبقي وقتاً وهو يقنت يدعو عليهم، فأنزل الله جلَّ وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] والمعنى: أنك عبد من عباد الله، أمرك بإبلاغ الرسالة فامضِ في دعوتك، أما هؤلاء فهم عبادي إن شئتُ عذبتهم وإن شئتُ عفوت عنهم، فعفا الله جلَّ وعلا عنهم وأسلموا، أسلم الحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وأبو سفيان، وهؤلاء هم قادة الكفار في تلك الغزوة، وغزوا نبيهم في بلده، وجاءوا بجيشهم ليقاتلوه في بلده، واجتهدوا في أن يقتلوه، وقتلوا المسلمين كعم رسول الله ﷺ وغيره.
стр. 604
مسائل باب قول الله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون)
قال المصنف رحمه الله تعالى في مسائل باب: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئَاً﴾ [الأعراف:١٩١]:
стр. 605
حكم تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم
[التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]]: يقول: من المسائل التي تؤخذ من الباب: أن تسمية الإنسان باسمه واسم أبيه في الصلاة للدعاء له أو عليه جائز؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً) وكذلك جاء في قنوته -في غير هذه القصة- أنه دعاء للمستضعفين الذين أُمسكوا بمكة، في الصلاة وكان يسميهم يقول: (اللهم انجِ فلاناً بن فلان، اللهم انجِ فلاناً بن فلان)، وفيه أيضاً جواز لعن المعين، أي: شخصاً بعينه، ومثل اللعن: التكفير، فمن ارتكب مكفراً، وارتد عن دينه فيصح أن يقال: إن فلاناً كفر، أما التكفير العمومي فهذا يجوز حتى على أصحاب المعاصي، الذين يفعلون أفعالاً ليست كفراً، كما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث في أمتي من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالأنواء) وإذا جاءت مثل هذه الأحاديث فإن لفظة الكفر تكون منكرة، ويكون المقصود به: كفراً دون كفر.
بخلاف ما إذا جاءت محالاة بـ (ال) فإنه يكون حينئذ المقصود: كفراً مخرجاً من الملة، ومثله قول الله جلَّ وعلا: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، أي: عموم الظالمين، وكذلك قوله ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق عود الحبل فتُقطع يده)، والسارق هنا مطلق، وليس إنساناً معيناً، أما إذا جاء إنسان معين ووقع في السرقة فلا يجوز أن يُلعن؛ لأنه وقع في السرقة، وإنما يُلعن عموم أهل السرقة، وفرق بين العموم والخصوص، وهذا الحديث دليل على جواز لعن من استحق اللعنة بعينه؛ لأنه لعن أشخاصاً معينين.
стр. 606
قصته ﵊ لما نزلت عليه قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحادية عشرة: قصة ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
أما قصته ﷺ لما نزلت عليه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فقد مضى شرحها، وهي: أنه صلوات الله وسلامه عليه خاف أن يكون قصر في أمر ربه؛ لأنه أمره أن ينذر، فقام يصيح في الناس: واصباحاه! حتى اجتمعوا عنده، فسألهم وقال: (أرأيتم لو أخبرتكم بخبر هل كنتم مصدقي؟ قالوا: نعم.
لم نجرب عليك كذبة واحدة، فقال: إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، أنقذوا أنفسكم من النار وصار يخصهم بعد التعميم، يعني: يعم قريشاً كلها ثم يخصص: يا بني فلان! يا بني فلان! إلى أن وصل إلى قوله: يا فاطمة بنت محمد ﷺ أنفذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئاً)، وسبق أن هذا دليل واضح على أن العبادة والملك كله بيد الله، وأن الرسول ﷺ ليس له مع الله شيء من الإلهية أو الربوبية، بل الربوبية والإلهية كلها بيد الله جلَّ وعلا وهو من يستحقها، وتعبَّد عباده بها، فمن جعل منها شيئاً للرسول ﷺ فقد ضل ووقع في الشرك.
[الثانية عشرة: جِده ﷺ بحيث فعل ما نُسب بسببه إلى الجنون وكذلك لو يفعله مسلم الآن]: أراد أن يقول: إن فِعْله هذا الذي فعله: (من صعوده على الصفا، وصار يهتف: واصباحاه) -لأن هذه كانت عادة عند العرب، يفعلها مَن عاين الجيش أو العدو، وأراد أن يخبر قومه بذلك، قام وفعل مثل هذا الفعل- ولما سألوه: ما عندك؟ أخبرهم أنه ينذرهم عذاب الله الذي يستقبلهم، فنسبوه إلى الجنون، كما قال عمه أبو لهب: (ألهذا جمعتنا؟! تباً لك سائر هذا اليوم) وأكثرهم قالوا: هذا مجنون؛ لأن العذاب الذي وعدهم به من قبل الله -سواءً عاجلاً أو آجلاً- استبعدوه، وصاروا يقولون: ما نرى العذاب، وعذاب الله يأتي في لحظة؛ لأنه يقول للشيء: كن فيكون؛ ولكن الإنسان ظلوم جهول، فلهذا نسبوه إلى الجنون، وقول المصنف: لو أن أحداً قاله اليوم لنُسب كذلك إلى الجنون، يعني: لو أن إنساناً قام في الناس، وقال: يا أيها الناس! إنكم وقعتم في المعاصي فاتقوا الله، وإن العذاب يكاد أن يصل إليكم، وصار ينذرهم بهذا الشيء، لقالوا: هذا مجنون! مثلما هو واقع للرسل، والرسل كلهم يقال لهم ذلك، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]، وكل أمة قد قالت لرسولها: إنك مجنون، والمجنون معناه: الذي لابسه الجن، وأصبح يهذي بما لا يدري، لكونه قد غُلب على عقله؛ لأن الجن يسيطرون على عقله، وقد يتكلم الجني على لسانه، فيهذي بكلام لا يُعقل ولا يُعرف، وهذا شيء لا ينكره إلا الجهلة.
[الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: (لا أغني عنك من الله شيئاً) حتى قال: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً) فإذا صرح -وهو سيد المرسلين- بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلَّا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين].
قصد بقوله: (خواص الناس) أن هناك علماء -ويقال لهم: علماء؛ لأنهم يكتبون ويؤلفون ويشرحون: في التفسير والحديث وسيرة الرسول ﷺ كتباً تُنشر للناس ويقرءونها- دعاة إلى الشرك، يقولون: إنه لا فرق بين كونك تستغيث بالله أو تستغيث بالنبي ﷺ ، وكلاهما سواء، فيجوز لك أن تستغيث بالرسول، كما يجوز لك أن تستشفع به وتتوجه إليه، أو تتوجه به إلى الله وتدعو الله به، أو تدعوه وتطلب منه الشفاعة؛ لأن الله أعطاه الشفاعة، وهذا كله شرك؛ لأنه ليس هناك فرق بين من يفعل هذا ويقوله وبين المشركين القدامى؛ وقد سبق لنا أن عرفنا أن شرك المشركين القدامى كان بطلبهم من أصنامهم ومن معبوداتهم -سواءً كانت من الملائكة كما سيأتي أو من الأموات أو من الأنبياء أو من الصالحين- أن يتوسطوا لهم ويشفعوا لهم عند الله فقط، هذا هو شركهم، ولا يوجد إنسان عاقل زعم أن مخلوقاً من المخلوقات شارك الله جلَّ وعلا في الخلق والإيجاد والتدبير، كخلق الجنة أو النار، أو خلق الناس أو الملائكة أو السحاب، أو إنزال المطر وإنبات النبات، ليس هناك أحد اعتقد هذا أبداً، وإنما شركهم الذي وقعوا فيه هو أنهم جعلوا بينهم وبين الله وسائط يدعونها، وكانوا يقولون: إنها تقربنا إلى الله، وتدنينا إلى الله، وتشفع لنا إذا سألناها، وإذا دعوناها وطلبنا منها فهي بدورها تدعو الله؛ لأنها مقربة عند الله، هذا هو شركهم.
فهؤلاء الذين يقولون هذا القول -في الواقع- ليس هناك فرق بين قولهم وبين قول المشركين القدامى، وهذا مقصوده بـ (خواص الناس) يقول: إذا نظر الإنسان إلى قول الرسول ﷺ لبنته فاطمة رضوان الله عليها التي هي سيدة نساء أهل الجنة، وآمن بأنه لا يقول إلَّا الحق صلوات الله وسلامه عليه، ثم نظر إلى ما يقوله هؤلاء ستتبين له غربة الدين، ويتبين له التوحيد، وهذا هو المطلوب في هذا الباب، وسيأتي في الباب الذي بعده زيادة بيان لذلك.
стр. 607
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥١]
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له نبيه ﷺ في سنته؛ ومن ذلك أن الله مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه لا يخلو منه مكان، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 608
بيان شروط الشفاعة وبطلان شفاعة آلهة المشركين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]].
هذه الآية متعلقة بالآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]
стр. 609
الشفاعة ملك لله
في الآية الأولى ذكر الله أربعة شروط، يقول العلماء: كلها تبطل الشرك، أو كل واحد منها يبطل الشرك، فإذا اجتمعت هذه الشروط أزالت الشرك من أصله من قلب العبد ومعنى ذلك أنه لا يبقى في قلب الذي يؤمن بها مثقال ذرة من شرك لأنها تزيله نهائياً، ولهذا قال بعض العلماء: هذه الآية تقلع شجرة الشرك من عروقها، ولا تبقي منها شيئاً، وما أكثر الآيات التي تشبه هذه الآية في القرآن! والشروط الأربعة واضحة من الآية، وهي قوله جلَّ وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ:٢٢] و (زعم) في لغة العرب تطلق على الاعتقاد الكاذب، والقول الكاذب، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] (زعم) أي: المشركون فقالوا: لن نبعث، وهذا القول كذب، ولهذا أطلق عليهم لفظ (زَعَمَ) ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن:٧]، فهنا يقول جلَّ وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبأ:٢٢] وزعمهم في المدعوين أنهم شفعاء لهم، هذه هي دعواهم، وهذا كذب، فهم ليسوا شفعاء؛ لأن الشفاعة ملك لله، ولا تقع إلَّا بإذنه كما قال جلَّ وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ثم تحداهم بقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف:١٩٤]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢] إذا كانوا لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فكيف يُدعَون؟! لأن المدعو يجب أن يكون مالكاً لما يُدعى من أجله وإلَّا صارت دعوته ضلالاً لا فائدة فيها، هذا الأول.
стр. 610
لا يشارك الله في الشفاعة أحد
الأمر الثاني: قوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: ما لهم في السماوات والأرض اشتراك في مثقال ذرة، أي: أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالاً، ولا يشاركون المالك في مثقال ذرة.
стр. 611
لا يملك الشفعاء المدعوون المساعدة والمظاهرة من دون الله
الأمر الثالث: وهو المساعدة والمظاهرة والمعاونة: وهو أن يكون أحد مساعداً له سبحانه، أو معاوناً له أو يكون وزيراً له تعالى الله وتقدس، فقال : ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: ليس له معاون حتى يمكن له أن يدعي أن له شيئاً من الحق، هذا الأمر الثالث.
стр. 612
لا تقع الشفاعة للمشفوع له إلا بإذن الله
الرابع: الشفاعة، قال سبحانه: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] فأخبر الله جل وعلا أنه لا يأذن إلَّا لأهل التوحيد، فلا يأذن في الشفاعة إلَّا لمن عبده وحده.
والخلاصة: أن الأمر كله لله، والخير كله بيد الله، والشر لا يدفعه إلَّا الله، فالعبد هو عبد لله مهما كان، سواءً كان نبياً أو كان ملكاً من الملائكة، أو كان ولياً حياً أو ميتاً, فدعوته بهذه المثابة.
ومراد المؤلف بهذه الترجمة أن يبين أن أعظم المعبودات التي عُبدت من دون الله هي الملائكة، ومعلوم أن العبادة التي وقعت لغير الله وقعت للأصنام، ووقعت للجن، ووقعت للأنبياء والصالحين كعيسى وعزير وغيرهم، ووقعت للملائكة ووقعت لأصنام من جمادات ما بين شجر وحجر وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك، فكل عبادات المشركين لا تخرج عن هذا، وأعظمها الملائكة، فإذا كان الملائكة أعظم المعبودات فلنستمع إلى صفاتهم التي وصفهم الله جلَّ وعلا بها فقال في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] و (فُزِّع) يعني: أصابه الفزع، وشرح ذلك وبيانه سيأتي إن شاء الله في الحديث وفيه: إن الله جلَّ وعلا إذا تكلم بالوحي الذي يريد أن يوحيه -بأمره ونهيه وتدبيره في ملكه- إلى جبريل ﵇، فتشعر الملائكة كلها التي في السماء بصوت الوحي من الله، فتصيبهم رعده عظيمة، ثم يُصعقون خوفاً من الله، فتُصعق الملائكة -يُغشى عليهم- خوفاً من الله جلَّ وعلا، فإذا ذهب الصعق وفُزِّع عن قلوبهم -يعني: زال الفزع عن قلوبهم الذي هو الخوف من الله- صار يسأل بعضهم بعضاً: ماذا قال الله؟ - ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣]؟ فينتهي السؤال إلى جبريل؛ لأنه هو أمين الله على وحيه، وهو أقرب الملائكة إلى الله، وهو الذي يوحي الله جلَّ وعلا بالأمر إليه سواءً كان الأمر في السماء أو في الأرض، فيقولون له: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] وكلهم يقولون هذا، قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وفي رواية أخرى: (أن السماوات تأخذها رِعدة أو رَعدة أو رجفة شديدة خوفاً من الله جلَّ وعلا) وهذا يعني: أن السماء يصيبها هذا الشيء، ترتعد وترتجف خوفاً من الله، والسماوات التي هي جماد يجعل الله جلَّ وعلا فيها الإحساس والخوف منه وقد أخبر جلَّ وعلا أنها تسبح بحمده، فقال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤] فعند ذلك تتبين عظمة الله، وأن الذين يدعون أحداً غير الله ظالمون وهالكون، وأن الدعوة يجب أن تكون لله جلَّ وعلا، فإذا كان هذا بالنسبة للملائكة فكيف بالنسبة للبشر الضعفاء؟! كيف بالنسبة للجمادات وغيرها؟! فهذا دليل واضح على أن كل دعوة لغير الله باطلة.
стр. 613
إثبات صفة الكلام لله جل وعلا
قال الشارح: [قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] أي: زال الفزع عنها، قاله ابن عباس وابن عمر وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي والحاكم وغيرهم.
وقال ابن جرير: قال بعضهم: الذي فُزِّع عن قلوبهم: الملائكة، قالوا: وإنما فُزِّع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله بالوحي.
وقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل على الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم بل هم عبدة مسلمون لله أبداً يعني: منقادون، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] والمراد: الملائكة، على ما اختاره ابن جرير وغيره.
قال ابن كثير: وهو الحق الذي لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار.
وقال أبو حيان: تظاهرت الأحايث عن رسول الله ﵌ أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] إنما هي في الملائكة، إذا سمعت الوحي إلى جبريل يأمره الله به سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة، قال: وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآية تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبأ:٢٢] لم تتصل له هذه الآية بما قبلها.
وقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣] ولم يقولوا: ماذا خلق ربنا؟ ولو كان كلام الله مخلوقاً لقالوا: ماذا خلق؟ انتهى من شرح سنن ابن ماجة].
وهذا من الأمور التي انطلت على من تغيرت فطرته، وهذه من الفتن التي وقع فيها بعض المسلمين قديماً، حيث أنكروا أن يكون الرب جلَّ وعلا متكلماً، كما أنكروا أن يكون متصفاً بالصفات، ومعلوم أن هذا نقص في حق الله، وإنما أتوا من ناحية الشبهات التي تعلقوا بها فقالوا: إن الله لا يتكلم، وهذا نص صريح بأن الله يقول: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣]، فهو يقول ويكلم عباده ويخاطب ملائكته، ويأمر وينهى، ومعلوم أن الذي يتكلم أكمل ممن لا يتكلم؛ ولهذا عاب الله جلَّ وعلا على المشركين كونهم يدعون ومن لا يرد عليهم جواباً، من لا يسمع ولا يبصر؛ لأن هذا نقص، والمدعو يجب أن يكون سامعاً لدعوة داعيه، ويجب أن يكون قادراً على حمايته، وعلى إنزال الخير له، وإزالة ما نزل به من الشر، وإلَّا كانت دعوته غير صالحة وغير صحيحة، والأدلة على هذا كثيرة جداً، والحمد لله فإن هذه الفتنة قد زالت وانتهت، ولا يقول بها إلَّا أهل البدع الذين بقيت عندهم البقايا من مذهب الجهمية، والمعتزلة الذين ألحقوا الله جلَّ وعلا بالجمادات، وعطلوه عن صفاته، وجعلوه ناقصاً تعالى الله وتقدس، فمعلوم أن الله جلَّ وعلا هو القادر على كل شيء، وأن الرسالة بأمره ونهيه، وقد قال الرسول ﷺ لما كان الصحابة يرفعون أصواتهم بدعاء ربهم: (أربعوا على أنفسكم! فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) وهذه عقيدة المسلمين التي يعتقدونها، وكل مسلم يدعو ربه سراً ويعلم علماً يقينياً أن ربه يسمعه، وكل مسلم يعلم أن الله يكلم عباده يوم القيامة فيخاطب أحدهم ويقول: يا عبدي! ألم أنعم عليك؟ ألم أصح بدنك؟ ألم أعطك المال؟ ألم أزوجك؟ فماذا فعلت؟ كما في الحديث الصحيح: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) أي: يكلمه بلا واسطة، وهذا التكليم في آن واحد، كل الخلق يكلمهم الله جلَّ وعلا في آن واحد، وكل واحد يرى أنه يكلم وحده فقط، وذلك أن أفعال الله لا تقاس بأفعال المخلوقين تعالى الله وتقدس، فهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو القادر على كل شيء.
والمقصود: أن وصف الله جلَّ وعلا بالكلام أمر مستقر في قلوب عباد الله وفي فطرهم، وأدلة ذلك كثيرة جداً في كتاب الله، وفي أخبار الرسل، من أولهم إلى آخرهم، فمنكره مكابر ومصادِم لما جاء عن الرسول ﷺ بل عن رسل الله كلهم، وقد قال الله جلَّ وعلا في قصة موسى بعد أن ذكر الرسل قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً﴾ [النساء:١٦٤] يعني: كلمه في الدنيا، وفضله على الخلق بالمخاطبة، وقد سمع موسى كلام الله بلا واسطة، وكان موسى في الأرض والله فوق عرشه جلَّ وعلا، وإذا كان يوم القيامة فإن الله جلَّ وعلا يأتي لفصل القضاء بين عباده إلى الأرض، وهو على عرشه، ويكلمهم ويخاطبهم، والذي ينكر الكلام معناه أنه ينكر الرسالة، وينكر قدرة الله، ويلحق الله جلَّ وعلا بالناقصات تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
стр. 614
إثبات صفة العلو لله سبحانه
قال الشارح: [ومثله الحديث: (ماذا قال ربنا يا جبريل؟) وأمثال هذا في الكتاب والسنة كثير.
قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ:٢٣] أي قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صُعقوا، ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون فيقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣] فيقولون: قال الحق: قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فله العلو الكامل من جميع الوجوه كما قال عبد الله بن المبارك لما قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه، تمسكاً منه بالقرآن، لقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩] في سبعة مواضع من القرآن.
قوله: ((الْكَبِيرُ)) أي: الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه ﵎]: قوله عن الملائكة أنهم لما سألوا جبريل ماذا قال ربهم؟ فأجابهم قال: الحق، ثم يقولون كلهم: قال الحق، هذا دليل على خضوعهم وذلهم أمام الله جلَّ وعلا، وأنهم عند قول جبريل: قال الحق، ينتهون عن الاستفسار والسؤال، ومعلوم أن الله جلَّ وعلا لا يقول إلَّا الحق، وكل قوله حق تعالى وتقدس، فهم عندما صعقوا وخروا سجداً توقعوا أنه تكلم بالأمر بقيام الساعة، هذا سبب الخوف؛ لأن الوحي انقطع بعد عيسى ﵇، وقد علموا أن الوقت اقترب، والساعة خفيت عليهم؛ لأنها ثقلت في السماوات والأرض، ولا تأتي الخلق إلَّا بغتة، ولا يعلم مجيئها إلَّا الله، فلما تكلم الله جلَّ وعلا بالوحي الذي أوحاه إلى جبريل وأمره أن يذهب به إلى محمد ﷺ ، خشي الملائكة لما سمعوا ذلك وأحسوا به أن يكون الأمر وحي إلى إسرافيل بالنفخ في الصور، فصُعقوا خوفاً من قيام الساعة؛ لأن الله جلَّ وعلا يجزي كل مسيئ بإساءته، ويستقر أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، والملائكة يخافون الله جلَّ وعلا، مع أنهم لا يفعلون إلَّا ما يؤمرون، ولكن الله جلَّ وعلا في ذلك اليوم يغضب غضباً شديداً حتى أن أولي العزم من الرسل يقولون: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله)، وغضبه ذلك على الكفار والعصاة والفجار الذين بارزوه بالمعاصي، وحاربوه في الدنيا، فهو يمهل لهم العقوبة إلى ذلك اليوم، وفي ذلك اليوم يظهر الجزاء، والملائكة خافوا أن يكون قد حضر وقت الجزاء، فهم يخشون ربهم أشد الخشية، وإن كانوا لا يعصون الله جلَّ وعلا؛ ولكن مع ذلك يخشون عذابه، فإذا قال لهم: قال الحق، انتهوا إلى هنا، فصاروا يرددون هذا القول، ويقولون: قال الحق قال الحق، فهذا دليل على تعظيمهم لله جلَّ وعلا، وعلى أنهم لا يتجاوزون ما قيل لهم، ولا يستفسرون أكثر مما قيل لهم.
стр. 615
أنواع العلو الثابتة لله
قوله جلَّ وعلا: (وَهُوَ الْعَلِيُّ) (العلي) من العلو، والعلو ثابت لله جلَّ وعلا من جميع الوجوه، والوجوه التي يوصف علو الله بها ثلاثة وجوه:
стр. 616
علو القدر
الوجه الأول: علو القدر، وهو يكون في قلوب عباده العارفين له، أما الفساق والفجار والكفرة فليس هو عليٌّ في قلوبهم، ولهذا يبارزونه بالمعاصي، فلو كان عالياً في قلوبهم لما بارزوه بالمعاصي؛ ولكن علو القدر هذا يكون في قلوب عباده المؤمنين من الملائكة والبشر والجن، أما أكثرهم فهم لا يرجون لله وقاراً، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارَاً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارَاً﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعَاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] فالعصاة والكفار والفجرة ما قدروا الله حق قدره، ولا صار لله علوٌّ في قلوبهم، تعالى الله وتقدس.
стр. 617
علو القهر
الوجه الثاني: علو القهر: وهذا علو مطلق، فإنه قاهر لكل شيء، الخلق كلهم تحت قهره، يتصرف فيهم وأقدارُه تجري عليهم رضوا أم لم يرضوا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدَاً﴾ [مريم:٩٣] يعني: ذليلاً مقهوراً خاضعاً ليس له شيء، وكذلك يخبر جلَّ وعلا أنه يخاطب الناس يوم القيامة، وأنهم يأتون إليه فرادى كما خلقهم، ويقول لهم: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] يعني: تقطعت المودة والدعوات ﴿وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] أي: الشيء الذي زعموه ضل عنهم وذهب، وحصحص الحق وظهر ظهوراً تاماً، فالملك كله لله، والقهر كله لله، فهو القاهر، وله علو القهر تعالى وتقدس.
وهذان الوصفان -علو القدر وعلو القهر- لم ينكرهما أحد من أهل البدع حتى الجهمية والمعتزلة أقروا بهما؛ ولكن الأمر الثالث هو الذي أنكره أهل البدع.
стр. 618
علو الذات
الوجه الثالث: علو الذات: كونه العالي على كل شيء، العالي فوق خلقه كلهم، وليس فوقه شيء تعالى وتقدس، وأرفع المخلوقات وأعلاها هو عرش الرحمن، وهو أوسعها وأكبرها وأعظمها، وذلك أن السماوات ومنها السماء الدنيا أكبر من الأرض آلاف المرات بل ليس هناك نسبة؛ لأن السماء تحيط بالأرض من جميع الجهات، والأرض كالبيضة في قلب السماء الدنيا، والجهات جهتان: جهة العلو والسفل فقط، أما الجهات الأخرى فلا حقيقة لها، والسماء الثانية أوسع وأكبر وأعظم من السماء الدنيا بشيء كبير جداً، والسماء الثالثة أوسع وأعظم وأكبر من السماء الثانية، وكذلك الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، فأعظم السماوات وأوسعها وأكبرها السماء السابعة، وفيها الجنة التي أخبر الله جلَّ وعلا أن عرضها عرض السماوات والأرض، والعرش فوق السماوات كلها، وهو أعظم منها كلها، وقد جاء في الآثار أن الكرسي أوسع من السماوات والأرض، بل قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] والكرسي كما في الآثار: السماوات السبع بالنسبة إليه كدراهم سبعة ألقيت في أرض فلاة، هذا بالنسبة للكرسي، أما العرش فنسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ألقيت في أرض فلاة، فالعرش هو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها، ولهذا يقول الله جلَّ وعلا: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] والكريم هو: الواسع الحسن، والشيء العظيم إذا عظَّمه الله فهو عظيم جداً، وليس فوق العرش شيء من المخلوقات، وإنما فوقه رب العالمين تعالى وتقدس، وهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، ولهذا يقول لنا ويخبرنا عن شيء من عظمته حتى نعلم ذلك ونقدره حق قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعَاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] وعلى هذه السعة والكِبَر والعِظَم يطويها بيده، وتكون بيده كالخردلة في يد الإنسان، ولله المثل الأعلى.
فإن كان هذا شيء من عظمته فكيف يجوز للإنسان أن يعبد معه غيره؟! وكيف يجوز للإنسان أن يصفه بما يتصف به المخلوق الحقير الذليل الذي لا يملك مع الله شيئاً؟! وإذا شاء عذَّبه ولا يُسأل ربك عما يفعل، تعالى الله وتقدس.
стр. 619
علو ذاته سبحانه لا ينافي قربه ومعيته لخلقه
فإن كان هذا شيء من عظمته فكيف يجوز للإنسان أن يعبد معه غيره؟! وكيف يجوز للإنسان أن يصفه بما يتصف به المخلوق الحقير الذليل الذي لا يملك مع الله شيئاً؟! وإذا شاء عذَّبه ولا يُسأل ربك عما يفعل، تعالى الله وتقدس.
فعلوُّ الذات هو علو على جميع المخلوقات، ومع علوه تعالى وتقدس فهو معنا يسمع كلامنا، ويرى أفعالنا، ولا يخفى عليه مما في صدورنا شيء، فهو يعلم ما في الصدور: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] معنا باطلاعه وإحاطته وقبضته، وبعلمه ورؤيته تعالى الله وتقدس، فهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء؛ ولهذا يقول العلماء: لا منافاة بين المعية والعلو، ولهذا جمع الله جلَّ وعلا بينهما في آية واحدة، كما قال جلَّ وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٣ - ٤] فأخبر بهذه الآية أنه استوى على العرش، وأنه يعلم كل شيء، وأنه معنا أينما كُنَّا، ومعيته جلَّ وعلا معية على حقيقتها؛ لأن المعية في لغة العرب معناها: المصاحَبة، وليس معناها: الامتزاج والاختلاط كما يزعم أهل الباطل، بل معناها: المصاحَبة، وهذا شيء معقول جداً، وهي تختلف باختلاف ما أضيفت إليه، فكل شيء تضاف إليه تكون معية مَن أضيفت له على ظاهرها، فمثلاً: يقول الإنسان: أنا مع فلان، وفلان يكون متحداً بنفسه فإنه وحده لا يختلط به، ويقول: معي مالي، وإن كان ماله في بلد وهو في بلد آخر، ويقول: معي زوجتي، وإن كانت زوجته في مكان وهو في مكان آخر، وسُمع من كلام العرب: سرنا مع القمر، والقمر في السماء وهم في الأرض، وكذلك: إذا ذُكرت المعية مع المصاحِب: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: صحبوه بالإيمان والقتال والجهاد والاتباع والطاعة، فإذا جاءت صفةٌ لله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ) فهو تعالى وتقدس معيته تليق به، ولا يجوز أن تكون معيته كمعية المخلوق للمخلوق تعالى الله وتقدس.
إذاً: معيته تعالى لا تنافي علوَّه، وكذلك لا تنافي قُربَه، فهو قريب منا وهو على عرشه تعالى وتقدس، فصفات الله يجب أن تكون خاصة به، وألَّا تكون خصائص الخلق التي تخصهم لله منها شيء، كما أن خصائص الرب جلَّ وعلا ليس للمخلوق منها شيء.
قال: [قوله: (الكبير)، أي: الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه ﵎].
ولهذا شرع الله جلَّ وعلا لنا أن نكبِّره، وأن يقول الإنسان دائماً: (الله أكبر) في جميع الانتقالات في الصلاة، وإذا هوى الإنسان ساجداً في الأرض، وإذا ركب دابةً، وإذا صعد إلى شيء، أو رأى شيئاً يعجبه، أو شيئاً لا يعجبه، فيذكر ذلك بتكبير الله أن يقول: (الله أكبر)، ولا يجوز للمؤمن إذا قال: (الله أكبر) أن يكون هذا في لسانه فقط، بل يجب أن يستشعر ذلك في قلبه، وألَّا يكون شيء من المخلوقات عنده أكبر من الله جلَّ وعلا، فهو الكبير فوق كل شيء، والكبير معنىً وقدراً وذاتاً تعالى الله وتقدس.
стр. 620
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٢]
من صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة صفة الكلام، فالله لم يزل متصفاً بصفة الكلام، يكلم من شاء من خلقه متى شاء، وهذه هي عقيدة السلف الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن خالفها فقد ضل عن سواء السبيل.
стр. 621
حديث (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصَفَه سفيان بكفه فحرَّكها وبدَّد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيُلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء)].
стр. 622
إثبات كلام الله لملائكته وبعض عباده
قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) أي: إذا تكلم، والأمر هو كلامه ووحيه.
وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان): الصفوان هو: الصخر الأملس، والسلسلة: حِلَقٌ الحديد، يُدخَل بعضُها في بعض، فإذا جُرَّت على الصفوان صار لها صوت، وهذا تشبيه للصوت المسموع، وليس تشبيها لله جلَّ وعلا، وإنما هو للصوت الذي يُسمع، وهذا كقول الرسول ﷺ لما سئل: (هل نرى ربنا؟ قال: نعم، ترونه كما ترون القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه سحاب) فشبَّه الرؤية في وضوحها وجلائها برؤية القمر في وقت تمامه وكِبَره، وهنا شبَّه الصوت الذي تسمعه الملائكة كصوت السلسلة التي تُجر على الصفا، ومعنى ذلك: أنهم سمعوا صوتاً لم يميزوا شيئاً من المعاني فيه، وقد علموا أنه صوت كلام الله إذا أمر، ولهذا السبب صُعقوا وصاروا يسألون بعدما زال الصعق عنهم: ماذا قال الله؟ علموا أنه قول الله.
وقوله: (ينفذهم ذلك) يعني: أن هذا يمضي فيهم كلهم، كلهم يسمعون، وكلهم يصعقون.
وكذلك يدل أيضاً على أن الله جلَّ وعلا إذا أوحى بالأمر أن السماء نفسها تشعر بذلك وتعلمه، ثم يصيبها رجفة شديدة خوفاً من الله جلَّ وعلا، وهذا دليل واضح على أن الله يتكلم تعالى وتقدس؛ ولكن كلامه يتعلق بمشيئته، يتكلم إذا شاء بما يشاء، ويكلم من يشاء، ولقد جاءت الأدلة بإثبات كلامه جلَّ وعلا لملائكته ورسله، بل لأفراد الناس من أهل الجنة، يكلم بعضَهم بمفرده، ففي صحيح البخاري: أن النبي ﷺ كان يوماً جالساً مع أصحابه، وكان عندهم أعرابي، وقال ﷺ : (إن رجلاً من أهل الجنة يستأذن ربه ويقول: يا رب! أريد أن أزرع، فيقول الله جلَّ وعلا له: ألست فيما تريد وما تشتهي؟ فيقول: بلى يا رب، ولكني أريد الزرع، فيقول الله جلَّ وعلا: دونك فازرع، فيزرع وينبت الزرع ويخرج، ثم يستوي، ثم يتكدس حباً كأمثال الجبال، فيقول الله جلَّ وعلا: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يملأ بطنك إلَّا التراب.
عند ذلك قال الأعرابي: يا رسول الله! تجد هذا إما أنصارياً أو مهاجرياً، أما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ .
فالمقصود: أن الله يكلم بعضَ عباده من أهل الجنة، وفي الصحيح أيضاً: (آخر من يخرج من النار -من أهل التوحيد؛ لأن أهل التوحيد العصاة منهم من يدخل النار تطهيراً لذنوبه ثم يُخرج من النار- رجل يحبس قرب النار ووجهه مقبل على النار، فيدعو ربه: يا رب! يا رب! اصرف وجهي عن النار، يا رب! اصرف وجهي عن النار، لا أسألك غير هذا.
فيقول الله جلَّ وعلا: لعلك أن تسأل غيره! فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غير هذا، فيصرف الله جلَّ وعلا وجهه عن النار.
ثم تُرفع له شجرة خضراء حسناء فإذا رآها يصبر ما شاء الله أن يصبر، ثم يقول: يا رب! أوصلني إلى تلك الشجرة لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ويدعو ربه، فيقول الله جلَّ وعلا له: يا ابن آدم! ألم تعطِ العهود والمواثيق ألا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، والله يعلم أنه يرى ما لا صبر له عليه، فيعذره، فيقول: لعلك إن أعطيتك ما سألت أن تسأل غيره! فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي ربه العهود والمواثيق أنه لا يسأل غير هذا السؤال، فيوصله إلى هذه الشجرة فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ويأكل من ثمارها، ثم تُرفع له شجرة هي أحسن منها، فيراها ويتصبر ولكنه لا يصبر، فيقول: يا رب! أوصلني إلى تلك الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ويدعو ربه، ويقول الله جلَّ وعلا له: يا ابن آدم، ويلك! ما أغدرك! ألم تعطِ العهود أنك لا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول الله جلَّ وعلا له: لعلك تسأل غيرها! فيقول: لا وعزتك، والله لا أسألك غيرها، ويعطي العهود والمواثيق أنه لا يسأل غيرها، فيعطيه الله جلَّ وعلا ذلك، ويوصله إليها، فإذا وصل إليها رأى الجنة، فإذا رآها انفتح بابها، ورأى ما في داخلها، عند ذلك لا يصبر، فيقول: يا رب! يا رب! أدخلني الجنة، ويسأل ما شاء الله أن يسأل، فيقول الله جلَّ وعلا: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! -ما أكثر غدرك! - ألم تعطِ العهود أنك لا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول: اذهب فادخل الجنه، فيذهب، فإذا وصل إلى الجنة خُيِّل إليه أنها ملأى -أنها مملوءة لم يبق فيها مكان- فيعود ويقول: يا رب! إنها ملأى -لم يبق فيها مكان- فيقول الله جلَّ وعلا: أترضى أن يكون لك مثل الدنيا؟ فيقول: يا رب! أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! عند ذلك ضحك الرسول ﷺ فقال: ألا تسألوني ممَّ أضحك! قالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! قال: أضحك من ضحك رب العالمين، فإنه إذا قال: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! يضحك الله ويقول: لا؛ ولكني على ما أشاء قدير، لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها معها)، وهذا هو أدنى أهل الجنة منزلة، فهذه محاورة بين الرب جلَّ وعلا وبين العبد.
وهكذا إذا شاء الله أن يتكلم تكلم، ولا يمنعه أحد من الكلام تعالى وتقدس، فالذين لا يصفونه بالكلام ويزعمون أنهم يعظمونه بذلك؛ في الواقع أنهم يعطِّلوه عن صفاته التي وصف بها نفسه، وتعرَّف بها إلى عباده تعالى وتقدس، فعباده عرفوه بذلك أنه يتكلم ويُكلم ويخاطب، ويحاسب عباده يوم القيامة، ويقررهم بذنوبهم، ويعفو عمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويأمر ملائكته بما يشاء، فهو جلَّ وعلا يتكلم بما شاء، والكلام من صفاته الثابتة، وهي من صفات الكمال.
стр. 623
خضوع الملائكة وذلهم عند سماع كلام الله
قال الشارح: [قوله: (في الصحيح): أي: في صحيح البخاري.
قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) أي: إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده، كما صُرِّح به في الحديث الآتي، وكما روى سعيد بن منصور وأبو داود وابن جرير عن ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجَرِّ السلسلة على الصفوان).
وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: (لما أوحى الجبار إلى محمد ﷺ دعا الرسولَ من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كُشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله؟ فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلَّا حقاً).
قوله: (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله) أي: لقول الله تعالى، قال الحافظ: (خَضَعاناً) بفتحتين: من الخضوع، وفي رواية: بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدرٌ بمعنى: خاضعين.
قوله: (كأنه سلسلة على صفوان) أي: كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان وهو: الحجر الأملس.
قوله: (يَنْفُذُهم ذلك) هو: بفتح التحتية، وسكون النون، وضم الفاء والذال المعجمة، (ذلك) أي: القول، والضمير في (ينفذهم): للملائكة، أي: ينفذ ذلك القولًُ الملائكةَ أي: يخْلُص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس: (فلا ينزل على أهل سماء إلَّا صُعقوا)]: في هذه الأوصاف دلائل واضحة على ذل الملائكة لله جلَّ وعلا وخضوعهم، وأنهم لهم أجنحة يطيرون بها إلى حيث أراد الله جلَّ وعلا من أوامره التي يأمرهم بها؛ لأنهم عباد مُكرَمون: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
стр. 624
استراق الشياطين للسمع من العنان
قوله في الحديث: (إذا تكلم جلَّ وعلا بالوحي الذي يوحيه إلى الملائكة فإن مسترقي السمع يركب بعضُهم بعضاً -يعني: الشياطين- فيستمعون ماذا قالت الملائكة الذين أُمروا بالأمر الذي يأمرهم الله جلَّ وعلا به، فيأخذون الكلمات من الملائكة مما يتحدثون بها، فيُلقيها الأعلى للذي تحته لأنهم يركب بعضُهم بعضاً، كما فعل سفيان - حيث صفَّ أصابعه وبدَّدها يعني: فرَّق بينها وحرَّكها.
إذاً: الشياطين يركب بعضُهم على بعض حتى يصلوا إلى العنان، فهم لا يصلون إلى السماء؛ ولكن جاء في صحيح البخاري: (أن الملائكة تنزل إلى العنان) والعنان هو: السحاب، تنزل الملائكة لإنزال الغيث وتصريف السحاب؛ لأن السحاب يُصرَّف من الملائكة، فما ينزل قطر المطر إلَّا بتكليف، فيتكلمون بالأمر الذي أمروا به، فتكون الشياطين راكبة بعضها على بعض، ويستمعون ماذا تقول الملائكة، فيأخذ الأعلى الكلمة التي يسمعها فيلقيها إلى من تحته، والذي تحته يلقيها إلى من تحته بسرعة خوفاً من الشهاب الذي ينزل عليهم، فإذا فعلوا ذلك نزل عليهم الشهاب، وربما أصاب الشيطانَ فقتله، وربما خبله.
قال الشارح: [وعند أبي داود وغيره مرفوعاً: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل) الحديث.
قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ): تقدم معناه.
قوله: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ) أي: قالوا: قال الله الحق، علموا أنه لا يقول إلَّا الحق.
قوله: (فيسمعها مسترق السمع) أي: يسمع الكلمة التي قضاها الله، وهم الشياطين يركب بعضهم بعضاً.
قوله: (ومسترق السمع هكذا -وصفه سفيان بكفه-) أي: وصف ركوب بعضهم فوق بعض، وسفيان هو: ابن عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
قوله: (فحرفها): بحاء مهملة وراء مشددة وفاء.
قوله: (وبدَّد) أي: فرَّق بين أصابعه.
قوله: (فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته) أي: يسمع الفوقاني الكلمة، فيلقيها إلى آخر تحته، ثم يلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن.
قوله: (فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها) الشهاب هو: النجم الذي يُرمى به، أي: ربما أدرك الشهابُ المسترقَ وهذا يدل على أن الرمي بالشهب كان قبل المبعث، لما روى أحمد وغيره -والسياق له في المسند من طريق معمر -: أنبأنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ جالساً في نفر من أصحابه -قال عبد الرزاق: من الأنصار- قال: فرُمي بنجم عظيم؛ فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت عظيم -قلتُ للزهري: أكان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم.
ولكن غلظت حين بُعث النبي ﷺ قال: فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهلُ السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماءً، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق؛ ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون.
قال عبد الله: قال أبي: قال عبد الرزاق: ويُخطف الجن ويرمَون.
وفي رواية له: لكنهم يزيدون فيه ويقرفون ويُنقصون).
قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) أي: الكاهن أو الساحر]: في هذا الحديث إضافة إلى ما سبق أن الملائكة عباد يمتثلون أمر الله جلَّ وعلا، ويخضعون لقوله، ويذلون له، ويزيد خضوعهم وذلهم عندما يسمعون كلام الله بالوحي، خوفاً من أن تقوم الساعة، بأن يأمر الله جلَّ وعلا إسرافيل بالنفخ في الصور، وكل هذا خوف من عذابه جلَّ وعلا، وخشية منه، مع أنهم يطيعونه ولا يعصونه فيما أمرهم به، بل يفعلون ما يؤمرون، ومع ذلك يخافون خوفاً شديداً.
والملائكة كما سبق هم من أعظم خلق الله جلَّ وعلا، يدل على هذا ما ذكره الله جلَّ وعلا في صفاتهم، مثلاً: جبريل ﵇ اقتلع مدائن قوم لوط، وحملها على طرف جناحه، وطار بها حتى صار الذين في عنان السماء من الملائكة -يعني: في السحاب- يسمعون نباح الكلاب، وصياح الديكة، عند ذلك قلبها وجعل عاليها سافلها، ثم أُمطروا بحجارة من سجيل، وكذلك صاح بقوم صالح صيحة؛ فتقطعت قلوبهم في أجوافهم، صيحة واحدة! وهذا يدل على قوته وعِظَمه، ومع ذلك يخضع لله ذليلاً خاشعاً حتى قال الرسول ﷺ فيما يُروى عنه في حديث الإسراء والمعراج: (أنه رآه لاصقاً كالحلس من خشية الله جلَّ وعلا)؛ لأن من كان بالله أعرف كان له أخوف.
وكل هذا يدل على أنه لا يجوز قصدهم أو التوجه إليهم بشيء من العبادة، وإنما العبادة تكون لله جلَّ وعلا وحده، وكذلك غيره من الملائكة، وقد جاء في خلقهم وعِظَم ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ .
وما ذكره من أن الله جلَّ وعلا يتكلم بالوحي يدلنا على أن كلامه تسمعه الملائكة، وأنهم في أول الأمر يسمعون شيئاً لا يفقهونه، ويعلمون أنه كلام الله؛ ولكن لا يدرون ماذا قال؛ ولهذا يسألون جبريل ﵇ الذي أُمر بأمر الله جلَّ وعلا أن يمضي بالوحي حيث أمره الله جلَّ وعلا، فيجيبهم قائلاً: قال الحق، ثم يجاوبونه كلهم: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وهو جلَّ وعلا يقول إذا شاء، ويتكلم ويقول بما شاء، وكلامه يتعلق بمشيئته إذا شاء أن يتكلم تكلم، وهذا من صفات الكمال التي يوصف بها ربنا جلَّ وعلا.
стр. 625
تحمل الشياطين للمخاطر من أجل إضلال الناس
قوله: (فيسمعها مسترق السمع) المعنى: أن مسترقي السمع هم الشياطين ومعهم الجن؛ لأن الشياطين من الجن وهم مَرَدَتُهم، كما أن الإنس منهم شياطين؛ فمن تمرد منهم وخرج عن قوله فهو شيطان، ولهذا يقول الرسول ﷺ لـ أبي ذر: (استعذ بالله من شياطين الإنس والجن)، كذلك قال الله جلَّ وعلا: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً﴾ [الأنعام:١١٢]، فإذاً: يكون الشياطين من الإنس كما يكونون من الجن.
وكونه يسترق السمع ليس معنى ذلك أن الشياطين يصلون إلى السماء، فهم لا يستطيعون ذلك، ولكن الملائكة ينزلون في السحاب حسب أمر الله جلَّ وعلا وتدبيره لهم، فيتكلمون فيما بينهم بأمرٍ مما أُمروا به من أمر الله، فتخطفها الشياطين، ووصف: أن الشياطين يركب بعضُهم بعضاً لأجل أن يسترقوا هذه الكلمة، مع أن فيها خطورة، ومع ذلك يرتكبون الخطر لأجل أن يضلوا الناس، مما يدل على حرصهم على إضلال بني آدم، فإذا تراكبوا لاستراق السمع، وسمعوا كلمةً أخذها الذي يليهم بسرعة، ثم ألقاها على من تحته حتى لا يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، إلى أن تصل إلى آخر واحد في الأرض، فيذهب بها مسرعاً إلى وليه من الإنس الذي هو الكاهن أو الساحر، ويقُرُّها في أذنه كما تقُرُّ الدجاجة، فيزيد معها مائة كذبة، والزيادة هذه يحتمل أن تكون من الكاهن أو الساحر، ويحتمل أن تكون من الشيطان.
وقوله: (فإذا حدث بالحديث -الذي من الكذب- يصدقه الناس لأجل هذه الكلمة الواحدة، وقد زاد معها مائة كذبه، فإذا خالف خبرُه الواقع قالوا: ألم يقل يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟!) يعني: يستدلون بهذه الكلمة الصادقة على أن كل ما يقوله حق وصدق، وهذا من الغرور، وهذا يدل على أن النفوس تقبل الباطل بكلمة واحدة، فمثلاً الكلمة الواحدة تكون حقاً، فيُنقل إلى الناس فيها مائة كلمة تكون كذباً، فهذا من لبس الحق بالباطل، وذلك لأن الأمر لو كان كله باطلاً ما قُبل، ولكن قد يكون فيه شيء من الحق، وهذا يدلنا على أن الشيء إذا كان فيه نفع أو حق لا يدل على أنه جائز، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] فأخبر أن في الخمر والميسر منافع للناس، وكون فيهما منافع للناس لا يدل على حِلِّهما، ولا على جوازهما، فكذلك الشرك الذي يقع من الكاهن أو الساحر وإن كان فيه منفعة فهو ممنوع ومحرم شرعاً.
стр. 626
السماء محروسة من قبل مبعث النبي ﷺ
معنى قول الزهري: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع في الجاهلية، ثم إن السماء حُرست: أن الحراسة كانت من قديم؛ ولكن شُدِّد فيها ومُنعت منهم السماء نهائياً، فأصبحوا لا يجدون مكاناً يجلسون فيه ليركب بعضُهم بعضاً، بل يُرمون من أول الأمر، ولا يُنظَرون إلى أن يسترقوا؛ حفاظاً على الوحي الذي يوحيه الله جلَّ وعلا إلى رسوله محمد ﷺ ، قال الله جلَّ وعلا في ذلك عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسَاً شَدِيدَاً وَشُهُبَاً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً﴾ [الجن:٨ - ٩] هذا في وقت مبعث النبي ﷺ ، حُرست السماء بالشهب فأصبح الجن والشياطين لا يستطعيون أن يصلوا إلى شيء من استراق السمع، شُدِّد فيها تشديداً عظيماً، فأصبحوا يُرجمون، ولهذا جاء في الخبر: أنه: (لما حدث ذلك قال الشيطان -يسأل أبناءه وأولياءه-: ما ترون؟ -أي: ما السبب؟ صاروا يبحثون عن السبب- فذهب طائفة منهم ووجدوا رسول الله ﷺ يقرأ القرآن في وادي نخلة قرب مكة، فاستمعوا فقالوا: هذا هو السبب هذا هو السبب الذي منعتم به من الاستراق) أما قبل ذلك فالاستراق والرمي بالشهب كان منذ خلق الله جلَّ وعلا السماوات، وقد ذكر ذلك جلَّ وعلا في كتابه في عدد من الآيات: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومَاً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥] فأخبر جلَّ وعلا أنه زين السماء -يعني: نضَّرها- بالنجوم كالقناديل المعلقة زينة، وأنها رجوم للشياطين يُرجمون بها، وكذلك في الآية الأخرى في قوله جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً﴾ [الجن:٩] (يجد له شهاباً رصداً) يعني: أنه مرصود له، فأخبر أنها مرصودة لكل شَيْطَانٍ مَارِدٍ؛ وأنهم: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٨ - ٩] هذا في الشهب والنجوم، والتي يُرمى بها ليست هي من النجوم المرئية المشاهَدة التي تُرى ويُستدل بها؛ ولكن الذي يُرمى به شيء لا يُرى، أو يرمى بقسم منها بحيث يبقى المشاهَد المعيون، وهي كثيرة جداً.
وقوله: في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وكذلك رواه مسلم في صحيحه (أن الرسول ﷺ كان في أصحابه يوماً، فرُمي بشهاب فاستنار فقال: ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول إذا رُمي به: إنه يولد عظيم أو يموت عظيم -يعني: من الناس، ملك أو رئيس أو ما أشبه ذلك- فقال رسول الله ﷺ : إنه لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن مسترق السمع إذا ركب بعضُهم بعضاً يسترقون السمع رُمي بها، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى وليه فقتله، وربما أذهب عقله فخبله -فيصبح ليس له عقل- وربما أخطأه) وهذا لحكمة يريدها الله جلَّ وعلا، وإذا أراد الله شيئاً لا يخطئه.
فهذا دليل على أنها من قديم، وكذلك الآن لا تزال يُرمى بها وإن كان الوحي قد انقطع، وكذلك في الأوقات التي لا يكون فيها وحي إلى نبي من الأنبياء يُرمى بها، فهي باقية كما كانت قبل ذلك منذ خلقت السماوات والأرض، وأوجدت لرمي الجن، فإنها رجوم لهم يُرجَمون بها، فأحياناً يحترق الشيطان إذا أصابه الشهاب فيحرقه نهائياً، وأحياناً يصيبه ويذهب بقوته إما ببعض جسده، وإما أن يذهب بعقله لقوة رميه، فهو شيء عجيب جداً.
قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) يعني: يحتمل الأمرين: إما أن الشيطان يكذب على الكاهن أو الساحر، وإما أن الساحر أو الكاهن هو الذي يكذب كذلك، فيصبح كل واحد يكذب مائة، وهذا يدل على أن الكاهن أو الساحر لا يخبر بهذه الأمور من عند نفسه، وإنما يجعل له مستنداً وهو ما أخذه من الشيطان، والشيطان قد يكون كاذباً وقد يكون صادقاً، وأنه يزيد على ذلك حتى يُصدَّق، وهذا يدل أيضاً على أن الكُهَّان والسحرة لهم صلة بالشياطين، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء، وهو أن السحر لا يتأتى إلَّا بواسطة الشياطين، ولا يمكن أن يأتي الشيطان إلى الكاهن أو الساحر بغير شيء يقدمه الكاهن أو الساحر للشيطان، لا بد أن يقدم له عبادة، أن يعبده ويخضع ويركع له، ويذل له ويسجد، أما إذا لم يفعل شيئاً من ذلك فلا يأتيه، وإنما يأتيه إذا خضع وذل وعبَده سواءً كان كاهناً أو ساحراً.
وأما كون الملائكة يتكلمون بالوحي في العنان، فهذا فيما بينهم، يذكرون الشيء الذي أُمروا به، سواءً كان شيئاً يخص بعض الناس من مرض أو موت أو ولادة مولود أو ما أشبه ذلك، أو شيئاً يخص جميع الناس مثلاً كإنزال المطر أو الرياح أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم مأمورون بهذه الأشياء، وقد أوحيت إليهم، فيخطفها الشيطان ويفرح بها حتى يضل بني آدم بذلك.
стр. 627
تلبيس الشياطين الحق بالباطل
قال الشارح: [قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) أي: الكاهن أو الساحر، وكذبة: بفتح الكاف، وسكون الذال المعجمة]: كَذِبة وكِذْبة كلها سواء.
قال الشارح: [قوله: (فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا): هكذا في نسخة بخط المصنف، كالذي في صحيح البخاري سواء.
قال المصنف: وفيه: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة! وفيه: أن الشيء إذا كان فيه شيء من الحق فلا يدل على أنه حق كله، فكثيراً ما يلبِّس أهلُ الضلال الحقَّ بالباطل ليكون أقبل لباطلهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]]: ولولا لبس الحق بالباطل ما انطلى كلام أهل الباطل على أحد؛ ولكنهم يلبسون الكلام، ويزينون الأفعال حتى تنطلي على الناس الذين لا يميزون بين الحق والباطل، ولهذا الله جلَّ وعلا يحب البصر والبصيرة عند الفتن، والفتن تكون بالأقوال والأفعال والشهوات والشبهات، وأعظمها فتن الشبهات، وهذه التي يضل بها كثير من الناس، وسبب ذلك تلبيس الكلام بعضه ببعض والتلبيس معناه: أن يحرف الدليل الذي يدل على الحق ويصرفه حتى يكون دليلاً على الباطل، وهذا كثير في الناس جداً، وهو من الإرث الذي ورثوه عن اليهود، والله جلَّ وعلا ذكر عن اليهود أنهم يلبسون الحق بالباطل، وأحياناً يكتمون الحق، فإذا لم يُكتم وأظهروه خلطوه بباطل حتى لا ينتفع به المنتفع، أو يضل الذي يسمعه ويأخذه، والله جلَّ وعلا لا يقبل باطلاً، وإنما الذي يقبله الحق المحض الخالص.
стр. 628
أهل الكلام ونهاية المطاف
قال الشارح: [وفي هذه الأحاديث وما بعدها وما في معناها إثبات علو الله تعالى على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء بكلام تسمعه الملائكة، وهذا قول أهل السنة قاطبة سلفاً وخلفاً، خلافاً للأشاعرة والجهمية ونفاة المعتزلة، فإياك أن تلتفت إلى ما زخرفه أهل التعطيل! وحسبنا الله ونعم الوكيل!] أما كونه يدل على علو الله جلَّ وعلا فهذا ظاهر؛ لأنه ذكر النزول، وذكر أن أول من يسمع حملة العرش الذي هم قرب العرش؛ لأن العرش حوله ملائكة يطوفون به، ويسبحون بحمد الله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] ثم بعد ذلك ينفذ إلى أهل السماء السابعة، ثم للتي تليها وهكذا، فهو يدل على علو الله، وعلو الله جلَّ وعلا أمر فطري؛ ولهذا جعل العلماء مسألة العلو من صفات الذات، يعني: أن علو الله ذاتي، بمعنى: أنه لا ينفك عنه بحال من الأحوال، ويكون دائماً هو الأعلى في أي وقت كان، ولا يمكن أن يكون شيء فوقه، تعالى الله وتقدس، والشبه التي أوجدها نفاة العلو هي شبه تطرأ على النفوس والفطر، وإلَّا فالخلق كلهم مفطورون على أن الله عال على خلقه، ولهذا علمهم المرشد إلى الهدى الرسول ﷺ أن يقول أحدهم: سبحان ربي الأعلى في سجوده، إذا جعل رأسه أخفض شيء من بدنه، ووضعه على الأرض، يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأنه هو العالي على كل شيء تعالى وتقدس، وكذلك كل عبد من عباد الله سواءً كان مسلماً أو كان كافراً، إذا احتاج واضطر إلى دعوة الله جلَّ وعلا فإنه يدعو الله من فوق، ما تجده يلتفت يميناً أو شمالاً، ولا أسفل، بل يمد يديه فوق، يقول: يا رب! يا رب! ولا أحد علمه هذا، وإنما هذا شيء موجود في فطرته، ولهذا لما كان إمام الحرمين عبد الملك الجويني في هذا المسجد الشريف -مسجد الرسول ﷺ يقرر ويتكلم في العلم ويقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، ويتكلم بمثل هذه الكلمات التي توهِم، فقام رجل أمامه وقال: دعنا من هذا الكلام الذي لا نفهمه، وكثير منا لا يدري ما حقيقته، ولكن أخبرني: عن شيء أجده أنا في نفسي، ويجده كل واحد حتى أنت تجده في نفسك، ما هذه الضرورة التي في قلوبنا إذا دعا أحدنا ربه رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب! يا رب؟! كيف ندفعها؟ فوضع يده على رأسه، ونزل من على الكرسي الذي كان عليه، وصار يبكي ويقول: حيَّرني الرجل! فلا يدري ماذا يقول وماذا يجيب لأن عقيدته على خلاف الحق، والوحي الذي جاء من عند الله يتفق تماماً مع الفطرة التي فُطر عليها الناس، وما أكثر ما يذكر الله جلَّ وعلا الأدلة الواضحة الجلية التي تدل على علوه! كما يقول جلَّ وعلا: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، في أشياء لا حصر لها، كلها أدلة صريحة واضحة على علو الله جلَّ وعلا، ومع ذلك يحاول أهل البدع الذين اعتاضوا عن الوحي المعصوم بالآراء التي تخطئ كثيراً، وتضل كثيراً، وصارت عقوبتهم أن تحيَّروا، ثم هذا الذي يقول ذلك عند الموت يتحيَّر، وهذا الجويني عفا الله عنا وعنه كان -في الواقع- يطلب الحق ولكنه ما وجده، ولا قيَّض الله جلَّ وعلا له من يبينه له؛ لأن الإنسان إذا تلقى شيئاً من مشايخه وفي بيئته يصعب أن يهتدي إليه لمجرد أن يسمع نصاً، لأنه يستبعد كثيراً أن يكون المشايخ الذين تلقى عنهم العلم من الصغر تركوا هذه النصوص ولم يفهموها، أو خالفوها، فيحاول أن تكون النصوص متفقة مع ما يقولونه، فكان عند وفاته يقول: يا أصحابي! لا تشتغلوا بالكلام، فوالله لو كنتُ أظن أنه يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به، ويقول: هأنذا قد تركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي، ويقول: هأنذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور؛ لأنه من أهل نيسابور.
وكذلك غيره من الأذكياء مثل الفخر الرازي عفا الله عنا وعنه، فإنه حار في آخر حياته، وهو أيضاً من ذلك البلد، وقد كان كثير الكلام جداً؛ وكثير التأويل لكلام الله الصريح، ويصرفه عن ظواهره، وفي النهاية ذكر أنه ألف كتاباً سماه: كتاب اللذات، ثم جاء إلى العلم وقال: لذة العلم، وتكلم بكلام يدل على أنه ما استفاد شيئاً من العلم، وقال فيه: وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال إلى آخر ما قال.
فدل على أنه حائر ما استفاد شيئاً.
وذكر المؤرخون أنه كان له تلميذ من أذكى تلامذته، وصار هو خليفته والمرجع في المسائل التي يُختلف فيها في الكلام ونحوه بعد وفاة شيخه، وكان له صديق من الحنابلة، فدخل مرة عليه وهو في مجلسه وحده، وكان مستغرقاً في التفكير، فدخل عليه وسلم، فلم يشعر به لاستغراقه في تفكيره ونظره، فأعاد السلام الرجل مرةً أخرى، فلم يشعر، فأعاد مرة ثالثة، فلم يشعر، فقال في نفسه: ما دهاه؟! وهَمَّ أن ينصرف، عند ذلك رفع رأسه إليه وقال: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك عليه ساخراً فقال: ماذا أعتقد؟! أعتقد ما يعتقده المسلمون والحمد لله، فأطرق رأسه وجعل يبكي، ويقول: والله ما أدري ماذا أعتقد؛ لأنه اشتغل بالكلام، وترك كتاب الله، وحديث رسوله ﷺ الذي فيه الهدى والنور.
وذكروا في ترجمة الرازي أيضاً أنه مرةً في نيسابور كان معه أكثر من ثلاثمائة تلميذ خلفه، خرج بهم إلى السوق، وعجوز في بابها واقفة تنظر، فسألت واحداً منهم فقالت: من هذا الملك؟ فقال: ليس هذا ملكاً، هذا فخر الدين الرازي يعرف على وجود الله ألف دليل، يقول هذا الكلام ليعظمه في نفسها، فضحكت ساخرةً منه وقالت: يعرف ألف دليل؟! وهل وجود الله يحتاج إلى ألف دليل؟! والله لو لم يكن عنده ألف شك ما احتاج إلى أن يعرف ألف دليل! وهذا الجويني الذي يقول: هأنذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور، يعني: أنهن يمتن على الفطرة التي فُطِرن عليها، أحسن من الذين توغلوا في علم الكلام الذي يزيد في الشكوك والحيرة.
فلا ينكر علو الله إلَّا من كان بهذه المثابة، تحيَّر وأصبح عنده من الشكوك والريب ما يدفع به النصوص، وإلَّا فالأدلة على وصف الله جلَّ وعلا بأنه يتكلم، وبأنه يسمع ويبصر، وبأنه يَرى، وبأنه يُرى يوم القيامة يراه المؤمنون، بل رؤيته هي أفضل النعيم، وبأنه فوق، وبأنه: (ينزل إلى سماء الدنيا -كما أخبر الرسول ﷺ كل ليلة ويبسط يده يقول: هل من تائب فيُتاب عليه؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ هل من سائل فيُعطى؟ حتى يطلع الفجر) وهذا كل ليلة.
стр. 629
الإيمان بصفات الله فرض فيجب تعليم الناس ما تيسر من ذلك
جاء في رواية في الصحيح: أنه جلَّ وعلا يقول: (لا أسأل عن عبادي غيري، هل من تائب فيُتاب عليه؟ هل من طالب فيُعطى؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟) وهذا من كرمه جلَّ وعلا وجوده، وإلَّا فهو ليس بحاجة إلى أحد من الخلق، هو الغني بذاته عن جميع خلقه.
وقد كان الرسول ﷺ يخطب في المجامع مبيناً صفات ربه جلَّ وعلا؛ لأن الإيمان بها فرض، فهو يعلم الناس ويخبرهم بذلك، حتى ولو كان في الجمع أعرابي، والأعراب عندهم جرأة بالأسئلة التي لا يستطيع الصحابة أن يسألوا عنها؛ ولهذا يقول عبد الله بن عمر: (إني لأفرح أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل رسول الله ﷺ ونحن نسمع)، وفي رواية: (كان يعجبنا أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل رسول الله ﷺ ونحن نسمع)، فيستفيدون من هذا، ومرة كان يتكلم صلوات الله وسلامه عليه وعنده أعرابي، ولعلهم شكوا إليه تأخر المطر، فقال لهم: (إن الله جلَّ وعلا ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له الأعرابي: يا رسول الله! أوَيضحك ربنا؟! قال: نعم.
فقال: إذاً: لا نُعدم خيراً من ربنا إذا ضحك، فأقره الرسول ﷺ على ذلك) وهذا دليل على أنهم كان إذا سمعوا من الرسول ﷺ شيئاً يأخذوه على ظاهره، وأن الظاهر هو المراد، والمعطلة ما يقبلون هذه الأشياء، ويقولون: هذا لا يجوز، لا يجوز أن نصف الله جلَّ وعلا بالضحك؛ لأن الضحك كذا، ولأنه كذا، ولأنه كذا، ويأتون بأمور من خصائص المخلوقين، ويجعلونه المانع من وصف الله جلَّ وعلا بهذه الأمور، ومعنى ذلك أن التشبيه أولاً ارتسم في نفوسهم وإن لم يتكلموا به، يعني: أنهم ما عرفوا من أوصاف الله جلَّ وعلا إلَّا ما عرفوه من أنفسهم، فصاروا ينفون هذا الذي استقر في نفوسهم، والله جلَّ وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في وصفه ولا في أفعاله، بل ولا في حقه الذي أوجبه على خلقه، فيجب ألَّا يساوَى بأحد من خلقه تعالى وتقدس.
هذا؛ وعلو الله جلَّ وعلا ثابت، والأدلة عليه كثيرة، وهي أنواع وليست أفراداً فقط، وليس المسلم بحاجة إلى أن يستدل على ذلك؛ لأنه فُطر على هذا، ولأنه يؤمن بكتاب الله وبأحاديث رسوله ﷺ ، وإنما يحتاج الاستدلال على ذلك لمَن تغيرت فطرته بالكلام الباطل الذي يزيده شكاً وحيرة.
هذا؛ والله جلَّ وعلا يتكلم، وكلامه أزلي، والأزل هو: القِدم الذي لا مبدأ له ولا أول له، يعني: الشيء الماضي الذي لم يكن له مبتدأ، هذا معنى الأزل، والله جلَّ وعلا أول بلا بداية، فليس لله بداية، كما أنه جلَّ وعلا آخر بلا نهاية، وهو جلَّ وعلا أول بصفاته، كان قبل خلق هذا الخلق المشاهَد لنا من السماوات والأرض ومن فيهن، ولا يجوز أن يُعطل عن كونه لا يتكلم ولا يسمع ولا يرى، بل هو جلَّ وعلا أزلي بجميع صفاته تعالى وتقدس، يعني: أنه لم يكتسب صفةً جديدة لم تكن له تعالى وتقدس.
ويقال: جنس الكلام: أزلي لا مبدأ له، وأفراده حادثة، مثل تكلمه جلَّ وعلا بالقرآن، فالله تكلم بالقرآن في أوقات معينة، مثل قوله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].
فـ خولة جاءت إلى النبي حينما ظاهر منها زوجها وهو كبير مسن، وهي كذلك قد كبرت، فجاءت إلى النبي ﷺ تستفتيه وتقول: (يا رسول الله! كيف أصنع؟ ترك صبية، إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا، كيف أصنع؟! فيقول: ما أراكِ إلَّا قد بنت منه، فقالت: إلى الله أشكو، فأنزل الله جلَّ وعلا هذه الآيات)، تقول عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله إني كنت في طائفة من البيت، وإنه يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]، والبيت الذي تريده عائشة ﵂ عبارة عن غرفة واحدة، وهي الغرفة التي فيها قبره صلوات الله وسلامه عليه، وهي غرفة عائشة ما اتسعت إلَّا للقبور الثلاثة؛ قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر فقط، هذا هو البيت، فهي غرفة صغيرة، ومع ذلك تقول: كان يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] وهو فوق عرشه تعالى وتقدس، وهذا شيء معلوم، فإنه لا يخفى على الله جلَّ وعلا شيء، يسمع دبيب النملة على الصفاة في ظلمة الليل.
стр. 630
تعليم النبي ﵊ لأصحابه الصفات
في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ كان في خطبة يخطب ويتكلم على المنبر، فقرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعَاً بَصِيرَاً﴾ [النساء:١٣٤] فوضع إصبعاً واحدةً على عينه والأخرى على أذنه)؛ ليبين أن هذا حقيقة، فالله يرى ويسمع حقيقةً، فهو يعلم المؤمنين ذلك، وهؤلاء النفاة لا يقرون مثل هذا.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: (كان النبي ﷺ جالساً فجاء حبر من اليهود فقال: يا رسول الله! إن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أنا الملك أين ملوك الدنيا؟! فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لما قال، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعَاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وفي رواية: أن هذا الحبر اليهودي كان يشير بالأصابع ويقول: (يضع السماوات على ذِه، والأراضين على ذِه، ويشير بأصابعه) وقد جاء هذا مسلسلاً بالأئمة، روَوه هكذا.
والمقصود أن ذكر الصفات في تعليم الرسول ﷺ وخطاباته كذكرها في كتاب الله، فإن الله ذكرها كثيراً في كتاب الله، فلهذا يقول بعض العلماء: تأويل نصوص المعاد أسهل وأيسر من تأويل نصوص الصفات؛ لأن نصوص المعاد ليست كثيرة كنصوص الصفات، والصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على الإيمان بها ولم يوجد بينهم خلاف في ذلك أبداً، ولن يستطيع الإنسان أن يأتي بمسألة من مسائل الصفات فيها خلاف، أما ما يشغِّب به بعض المشغِّبين الذين فُتنوا باتباع الشبهات من قولهم: إنه وُجد الخلاف بينهم؛ لأنهم اختلفوا هل رأى الرسول ﷺ ربه أو لم يره ليلة المعراج؟ فهذا ليس من هذا الباب، فهم اختلفوا في هذا أثبت أم لم يثبت؟ أما الصفات فما اختلفوا فيها.
فعلى كل حال فالصفات هي التي تعرف الله جلَّ وعلا بها إلى عباده؛ لأن الله غيب، ما أحد يراه، وليس كمثله شيء فيُقاس على الشيء المشاهَد، فلا يمكن أن يكون هناك طريق للتعرف على صفاته جلَّ وعلا إلَّا بالوحي فقط، فالوحي هو الطريق الوحيد، لا العقل ولا غيره.
стр. 631
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٣]
الله تعالى يتكلم متى شاء بما شاء، وإذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً، وهذا يدل على عظمة الله تعالى، وعلى خوف أهل السماوات منه سبحانه.
стр. 632
حديث: (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي)
قال المصنف ﵀: [وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيخبره الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ].
هذا الحديث كالحديث الذي سبق، ولكنه أوضح من الحديث السابق، وقد تقدم الكلام على ما فيه، وأنه يدل على عظمة الرب جلَّ وعلا، ووجوب عبادته وحده، وأن الملائكة يخضعون ويخافون ويُصعقون إذا سمعوا كلامه جلَّ وعلا؛ خوفاً منه وخشيةً له، وأن كلامه يُسمع جلَّ وعلا وأنه عالٍ على خلقه.
قال الشارح: [هذا الحديث رواه ابن أبي حاتم بسنده، كما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره.
والنواس بن سمعان -بكسر السين- ابن خالد الكلابي ويقال: الأنصاري صحابي، ويقال: إن أباه صحابي أيضاً.
قوله: (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر) إلخ: فيه النص على أن الله تعالى يتكلم بالوحي، وهذا من حجة أهل السنة على النفاة لقولهم: (لم يزل الله متكلماً إذا شاء).
قوله: (أخذت السماوات منه رجفة): السماوات مفعول مقدم، والفاعل: رجفة، أي: أصاب السماوات من كلامه تعالى رجفة أي: ارتجفت، وهو صريح في أنها تسمع كلامه تعالى كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: (إذا قضى الله أمراً تكلم ﵎ رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً).
وقوله: (أو قال: رعدة شديدة) شك من الرواي، هل قال النبي ﷺ : (رجفة) أو قال: (رعدة)؟ والراء مفتوحة فيهما].
стр. 633
خوف المخلوقات من الله وتسبيحها
قال الشارح: [قوله: (خوفاً من الله وهذا ظاهر في أن السماوات تخاف الله بما يجعل الله تعالى فيها من الإحساس ومعرفة مَن خلقها، وقد أخبر تعالى أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمَاً غَفُورَاً﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدَّاً﴾ [مريم:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، وقد قرر العلامة ابن القيم ﵀ أن هذه المخلوقات تسبح الله وتخشاه حقيقةً مستدلاً بهذه الآيات وما في معناها].
للعلماء في هذا قولان: القول الأول: أن التسبيح ليس حقيقة؛ وإنما معنى ذلك أن من رآها سبح الله؛ لأنها دليل على علو الله جلَّ وعلا وعلى عظمته.
القول الثاني: أن التسبيح يصدر منها حقيقةً بلسان يعلمه الله جلَّ وعلا، وكل شيء على حسب ذلك، وهذا هو الصواب، وقد سُمع الطعام يسبح بين يدي رسول الله ﷺ ، وكذا الحصى، وكان جذع يابس وُضع ليخطب عليه صلوات الله وسلامه عليه في هذا المسجد، فأمر أن يُتخذ له منبر من الخشب، فلما وُضع المنبر ترك الجذع، فأول ما قام على المنبر ليخطب صار الجذع يحن، فسمعه أهل المسجد كلهم، وكان يحن مثل حنين الناقة إذا فقدت ولدها، حتى نزل ﷺ والتزمه، فصار يهدأ كما يهدأ الصبي إذا التزمته أمه، فقال: (لو تركتُه لبقي يحن إلى يوم القيامة)؛ بكى لأجل فقد الذكر الذي كان يكون عليه.
وكذلك ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلِّم عليَّ) أي: يقول: السلام عليك يا رسول الله! حجر يسلم على رسول الله ﷺ ! وقد أخبر الله جلَّ وعلا في كتابه عن أشياء كثيرة تتكلم كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، فالله ينطق الأشياء كلها، فهي تتكلم وتسبح بحمده.
قال الشارح: [وفي البخاري عن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)، وفي حديث أبي ذر: (أن النبي ﵌ أخذ بيده حصيات فسُمع لهن تسبيح) الحديث.
وفي الصحيح قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ قبل اتخاذ المنبر، فمثل هذا كثير.
قوله: (صُعقوا وخروا لله سجداً) الصعوق هو: الغشي، ومعه السجود].
стр. 634
فضل جبريل ﵇
قال الشارح: [قوله: (فيكون أول من يرفع رأسه جبريل) بنصب (أول): خبر (يكون) مقدماً على اسمها، ويجوز العكس، ومعنى جبريل: عبد الله، كما روى ابن جرير وغيره عن علي بن الحسين قال: كان اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء رجع إلى (إيل)، فهو معبَّد لله ، وفيه فضيلة جبريل ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، قال ابن كثير رحمة الله عليه: إن هذا القرآن لَتبليغ رسول كريم، وقال أبو صالح في الآية: جبريل يدخل في سبعين حجاباً من نور بغير إذن، ولـ أحمد بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: (رأى رسول الله ﵌ جبريل بصورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم)، فإذا كان هذا عِظَم هذه المخلوقات فخالقها أعظم وأجل وأكبر، فكيف يُسوَّى به غيره في العبادة دعاءً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها غيره؟! فانظر إلى حال الملائكة وشدة خوفهم من الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩].
قوله: (فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله من السماء والأرض) وهذا تمام الحديث.
والآيات المذكورة في هذا الباب والأحاديث تقرر التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلَّا الله، فإن الملك العظيم الذي تصعق الأملاك من كلامه خوفاً منه ومهابةً، وترجف منه المخلوقات، الكامل في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته وملكه وعزه وغناه عن جميع خلقه، وافتقارهم جميعاً إليه، ونفوذ تصرفه، وقدره فيهم لعلمه وحكمته؛ لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يُجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حق عليهم، فكيف يُجعل المربوب رباً، والعبد معبوداً؟! أين ذهبت عقول المشركين؟! ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدَاً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدَاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فإذا كان الجميع عبيداً فلِمَ يعبد بعضُهم بعضاً بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الرأي والافتراء والابتداع؟ ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك الشرك، وتنهاهم عن عبادة ما سوى الله.
انتهى من شرح سنن ابن ماجة].
стр. 635
مسائل باب قول الله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم)
следующие страницы →