Полный текст (2 090 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٣]
الله تعالى يتكلم متى شاء بما شاء، وإذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً، وهذا يدل على عظمة الله تعالى، وعلى خوف أهل السماوات منه سبحانه.
стр. 632
حديث: (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي)
قال المصنف ﵀: [وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيخبره الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ].
هذا الحديث كالحديث الذي سبق، ولكنه أوضح من الحديث السابق، وقد تقدم الكلام على ما فيه، وأنه يدل على عظمة الرب جلَّ وعلا، ووجوب عبادته وحده، وأن الملائكة يخضعون ويخافون ويُصعقون إذا سمعوا كلامه جلَّ وعلا؛ خوفاً منه وخشيةً له، وأن كلامه يُسمع جلَّ وعلا وأنه عالٍ على خلقه.
قال الشارح: [هذا الحديث رواه ابن أبي حاتم بسنده، كما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره.
والنواس بن سمعان -بكسر السين- ابن خالد الكلابي ويقال: الأنصاري صحابي، ويقال: إن أباه صحابي أيضاً.
قوله: (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر) إلخ: فيه النص على أن الله تعالى يتكلم بالوحي، وهذا من حجة أهل السنة على النفاة لقولهم: (لم يزل الله متكلماً إذا شاء).
قوله: (أخذت السماوات منه رجفة): السماوات مفعول مقدم، والفاعل: رجفة، أي: أصاب السماوات من كلامه تعالى رجفة أي: ارتجفت، وهو صريح في أنها تسمع كلامه تعالى كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: (إذا قضى الله أمراً تكلم ﵎ رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً).
وقوله: (أو قال: رعدة شديدة) شك من الرواي، هل قال النبي ﷺ : (رجفة) أو قال: (رعدة)؟ والراء مفتوحة فيهما].
стр. 633
خوف المخلوقات من الله وتسبيحها
قال الشارح: [قوله: (خوفاً من الله وهذا ظاهر في أن السماوات تخاف الله بما يجعل الله تعالى فيها من الإحساس ومعرفة مَن خلقها، وقد أخبر تعالى أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمَاً غَفُورَاً﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدَّاً﴾ [مريم:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، وقد قرر العلامة ابن القيم ﵀ أن هذه المخلوقات تسبح الله وتخشاه حقيقةً مستدلاً بهذه الآيات وما في معناها].
للعلماء في هذا قولان: القول الأول: أن التسبيح ليس حقيقة؛ وإنما معنى ذلك أن من رآها سبح الله؛ لأنها دليل على علو الله جلَّ وعلا وعلى عظمته.
القول الثاني: أن التسبيح يصدر منها حقيقةً بلسان يعلمه الله جلَّ وعلا، وكل شيء على حسب ذلك، وهذا هو الصواب، وقد سُمع الطعام يسبح بين يدي رسول الله ﷺ ، وكذا الحصى، وكان جذع يابس وُضع ليخطب عليه صلوات الله وسلامه عليه في هذا المسجد، فأمر أن يُتخذ له منبر من الخشب، فلما وُضع المنبر ترك الجذع، فأول ما قام على المنبر ليخطب صار الجذع يحن، فسمعه أهل المسجد كلهم، وكان يحن مثل حنين الناقة إذا فقدت ولدها، حتى نزل ﷺ والتزمه، فصار يهدأ كما يهدأ الصبي إذا التزمته أمه، فقال: (لو تركتُه لبقي يحن إلى يوم القيامة)؛ بكى لأجل فقد الذكر الذي كان يكون عليه.
وكذلك ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلِّم عليَّ) أي: يقول: السلام عليك يا رسول الله! حجر يسلم على رسول الله ﷺ ! وقد أخبر الله جلَّ وعلا في كتابه عن أشياء كثيرة تتكلم كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، فالله ينطق الأشياء كلها، فهي تتكلم وتسبح بحمده.
قال الشارح: [وفي البخاري عن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)، وفي حديث أبي ذر: (أن النبي ﵌ أخذ بيده حصيات فسُمع لهن تسبيح) الحديث.
وفي الصحيح قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ قبل اتخاذ المنبر، فمثل هذا كثير.
قوله: (صُعقوا وخروا لله سجداً) الصعوق هو: الغشي، ومعه السجود].
стр. 634
فضل جبريل ﵇
قال الشارح: [قوله: (فيكون أول من يرفع رأسه جبريل) بنصب (أول): خبر (يكون) مقدماً على اسمها، ويجوز العكس، ومعنى جبريل: عبد الله، كما روى ابن جرير وغيره عن علي بن الحسين قال: كان اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء رجع إلى (إيل)، فهو معبَّد لله ، وفيه فضيلة جبريل ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، قال ابن كثير رحمة الله عليه: إن هذا القرآن لَتبليغ رسول كريم، وقال أبو صالح في الآية: جبريل يدخل في سبعين حجاباً من نور بغير إذن، ولـ أحمد بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: (رأى رسول الله ﵌ جبريل بصورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم)، فإذا كان هذا عِظَم هذه المخلوقات فخالقها أعظم وأجل وأكبر، فكيف يُسوَّى به غيره في العبادة دعاءً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها غيره؟! فانظر إلى حال الملائكة وشدة خوفهم من الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩].
قوله: (فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله من السماء والأرض) وهذا تمام الحديث.
والآيات المذكورة في هذا الباب والأحاديث تقرر التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلَّا الله، فإن الملك العظيم الذي تصعق الأملاك من كلامه خوفاً منه ومهابةً، وترجف منه المخلوقات، الكامل في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته وملكه وعزه وغناه عن جميع خلقه، وافتقارهم جميعاً إليه، ونفوذ تصرفه، وقدره فيهم لعلمه وحكمته؛ لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يُجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حق عليهم، فكيف يُجعل المربوب رباً، والعبد معبوداً؟! أين ذهبت عقول المشركين؟! ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدَاً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدَاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فإذا كان الجميع عبيداً فلِمَ يعبد بعضُهم بعضاً بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الرأي والافتراء والابتداع؟ ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك الشرك، وتنهاهم عن عبادة ما سوى الله.
انتهى من شرح سنن ابن ماجة].
стр. 635
مسائل باب قول الله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم)
стр. 636
تفسير قوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم)
قال المصنف: [فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية].
الآية هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وسبق أن الضمائر في هذا الخطاب للملائكة، (فزع عن قلوبهم) يعني: عن قلوب الملائكة، والتفزيع هو: إزالة الفزع، فهم يفزعون حينما يسمعون كلام الله فيخرون سجداً ويُغشى عليهم، فإذا ذهب الغُشِي صار بعضهم يسأل بعضاً: ماذا قال ربكم؟ ويجيب المسئول بقوله: قال ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣].
[الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصاً ما تعلق على الصالحين وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب].
المقصود هذه الآية والتي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢] إلخ.
[المسألة الثالثة: تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]].
سبق أن هذا قول الملائكة حينما يُكشف عنهم الفزع يعني: الغشي الذي يصيبهم خوفاً من الله جلَّ وعلا، فيتساءلون فيما بينهم حتى ينتهي السؤال إلى جبريل ﵇، وهو الذي يتولى الوحي من الله جلَّ وعلا سواءً كان ذلك إلى الملائكة أو إلى البشر، فيقول لهم: قال: الحق، فيقولون كلهم: قال الحق، والله جلَّ وعلا لا يقول إلَّا الحق تعالى وتقدس، ومعنى ذلك: أنه يجب أن يُؤمَن بأن الله يقول قولاً يُسمع، ويَسمَعه مَن يُسمِعه إياه جلَّ وعلا، وأن قوله حق، والحق معناه: الشيء الثابت الذي لا يتزعزع، تقول العرب: حق فلان بالمكان إذا ثبت فيه وأقام، فالحق هو: الثابت، بخلاف الباطل، فإن الباطل يزول ويتزعزع ولا يثبت.
[المسألة الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك].
سبب السؤال هو ما ذكره بعض المفسرين من أنهم يخافون أن يكون هذا الأمر بقيام الساعة؛ لأن الوقت قريب، وهذا كان في أول ما أوحى الله جلَّ وعلا إلى محمد ﷺ ؛ لأن الوقت مقترب، فخشوا أن يكون أمراً إلى إسرافيل بنفخه في الصور، وساعة قيام الساعة هو النفخ في الصور النفخة الأولى، وهي النفخة التي يموت فيها كل حي من خلق الله جلَّ وعلا.
[الخامسة: أن جبريل يجيئهم بعد ذلك بقوله: قال: كذا وكذا.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل].
جبريل أيضاً يصيبه الصعق، فحينما يسمع أن الله جلَّ وعلا يتكلم بالوحي يُصعق خوفاً من الله جلَّ وعلا، ثم إذا رفع رأسه أوحى الله جلَّ وعلا إليه ما أوحى، وبعد ذلك تسأله الملائكة الأقربون ثم الأقرب فالأقرب، فأول من يسأله ملائكة أهل السماء السابعة.
[السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه].
يعني: حينما يمر بهم يسألونه.
[الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم].
وذلك يدل على أن أهل السماوات كلهم يسمعون الصوت الذي يعرفون أنه كلام الله بالوحي؛ ولكن لا يفقهونه، وإنما يسمعون صوتاً كجر السلسلة على الصفوان، فهم يسمعون صوتاً يعلمون أنه كلام لله جلَّ وعلا؛ ولكن لا يميزونه ولا يعلمون ما هو، فيصيبهم الصعق، ثم بعد ذلك يسأل بعضهم بعضاً عنه.
стр. 637
ارتجاف السماوات بكلام الله
[التاسعة: ارتجاف السماوات بكلام الله].
يعني: أن السماوات ترتجف، فيصيبها رجفة ورعدة شديدة، وهذا يدلنا على أنه حتى الجمادات تخاف ربها جلَّ وعلا وتخشاه، والسماوات على سعتها وكبرها يصيبها الرعدة أو الرجفة الشديدة، فكيف بالعاقل الذي يخشى أن يعذبه الله جلَّ وعلا إذا لم يلتزم أمره؟ فينبغي أن يكون أشد خوفاً من الشيء الذي لم يعصِ الله مثل الجمادات والسماوات وغيرها، وهذا يدلنا على أنها تحس إحساساً جعله الله جلَّ وعلا فيها على حسب حالها، وإن كنا لا نشعر بهذا الإحساس، وهذا يُنكر؛ لأن هذا شُوهد مثله في الدنيا على الأرض، وقد مضى أن الجذع الذي كان يخطب عليه الرسول ﷺ -وهو جذع نخلة يابس- حن حينما فقد ذكر الله جلَّ وعلا الذي كان يقال عليه، وكذلك صح أنه ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلِّم عليَّ)، حجر كان يسلم على الرسول ﷺ ، يقول: سلام عليك يا رسول الله، وكذلك صحت الأخبار بأن الطعام كان يسبح وهم يأكلونه، والحصى كان يسبح في يد رسول الله ﷺ ، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان في أصحابه فقال: (بينما راعي في غنمه إذ عدا عليه ذئب فأخذ شاة، فأدركه الراعي وانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه وقال: من لها إذا كنتُ أنا الذي أرعاها؟ فقالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم! قال ﷺ : آمنتُ بذلك أنا وأبو بكر وعمر) ولم يكن أبو بكر وعمر يومئذٍ حاضرَين، وفي الصحيحين أيضاً: (أنه ﷺ ذكر رجلاً كان يسوق بقرة، ثم ركبها، فالتفتت إليه وقالت: لم نخلق لهذا، وإنما خُلقنا للحرث -أي: حرث الأرض- فقالوا: سبحان الله! بقرة تتكلم! قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر) ولم يكن أبو بكر وعمر حاضرَين في ذلك المجلس.
والمقصود: أن الكلام يحصل من البهيم ومن الجماد إذا أراد الله جلَّ وعلا ذلك، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، كل الأشياء تسبح الله جلَّ وعلا، ومن العجب أن الله جلَّ وعلا ذكر في كتابه أن كل شيء يسجد لله، كل شيء من الدواب والجبال والشجر ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]، فالناس فقط أكثرهم لا يسبحون! قال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] أما بقية المخلوقات فكلها تسبح الله وتسجد له، وإنما الذي يعصي ويأبى ذلك كثير من الناس العقلاء، فهم لا يسبحون الله ولا يسجدون له؛ ولهذا حقت عليهم كلمة الله جلَّ وعلا بالعذاب.
[المسألة العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله].
جبريل ﵇ هو الذي يتولى إبلاغ الوحي من الله جلَّ وعلا، فهو أمينه، وقد ذكر الله جلَّ وعلا ذلك في عدة آيات من كتابه.
стр. 638
استراق الشياطين للسمع
[الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين].
الشياطين عندما يسترقون السمع لا يصلون إلى السماء كما قد يتصوره من يتصوره، وإنما المراد بكونهم يسترقون السمع من السماء: مجرد العلو؛ لأن كل ما فوق الإنسان فهو سماء، حتى السقف يسمى سماءً، وكل ما فوق رأسك يسمى سماءً، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] والمعنى: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله فليعجل بقتل نفسه، فليجعل حبلاً في السقف، ثم ليضع هذا الحبل في عنقه، ثم ليقطع حتى يعجل بالموت على نفسه، فإن الله ناصر عبده ولابد.
فالمقصود أنه سمى سقف البيت سماءً فقال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني: إلى سقف البيت، فكل ما فوق رأس الإنسان سماء.
[المسألة الثانية عشرة: سبب ركوب بعضهم بعضاً].
يعني: أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى قرب أدنى مكان يكون فيه الملائكة، وهم يكونون في العنان -يعني: في السحاب- يدبرون أمر الله جلَّ وعلا الذي أمرهم به، وهي الأمور التي يوحيها الله جلَّ وعلا إلى جبريل فيبلغهم إياها، فإذا كانوا في العنان يتكلم بعضهم مع بعض في الأمر الذي أمروا به، فإذا تكلموا استمع ذلك الشيطان الذي يسترق السمع، فأمسك كلمة إما أن تكون بإنزال مطر أو هبوب ريح أو حياة أحد أو موته أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يأمر الله جلَّ وعلا بها، وينفذها رسله من الملائكة، فإذا سمعوا هذه الكلمة أسرعوا بها، فيلقيها الأعلى إلى الذي تحته، ثم الذي تحته يلقيها إلى من تحته، وكل ذلك خوفاً من أن يصيبهم الشهاب قبل أن يتمكنوا من إيصالها إلى وليهم من الإنس، وهو الكاهن أو الساحر، وهذا يدلنا على شدة حرصهم على إضلال بني آدم، ويرتكبون المخاطر في ذلك؛ لأنهم يعرفون أن الشهاب يرسل عليهم، فيقتل من يقتل منهم، وأحياناً يذهب عقله، فيصبح لا عقل له، وأحياناً يحرق جزءاً منه.
стр. 639
إرسال الشهب على مسترقي السمع
[الثالثة عشرة: إرسال الشهاب].
إرسال الشهب كان منذ أن خلق الله جلَّ وعلا السماوات، وقد ذكر الله جلَّ وعلا أنه خلق النجوم لثلاث حكم نص عليها جلَّ وعلا في كتابه: الحكمة الأولى: أنها زينة للسماء، فإن الذي ينظر إلى السماء يرى زينة السماء بالكواكب كأنها قناديل معلقة في السماء، فالسماء تتزين بها، وهذا من الأدلة على قدرة الله جلَّ وعلا، وعلى أنه هو المقدر الخالق لكل شيء؛ ولهذا يقسم بها جلَّ وعلا لأنها دليل عليه.
الحكمة الثانية: أنها علامات يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦].
الحكمة الثالثة: إرصاداً للشياطين الذين يسترقون السمع فيُرجمون بها، فجعلها رجوماً لهم، والرجم يكون من النجوم التي ليست علامات ظاهرة مرئية تُرى وتُعرف، فالنجوم كثيرة جداً، وقد يكون الرجم بأجزاء منها، وقد يكون من غيرها.
[الرابعة عشرة: أنه تارةً يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارةً يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدُق بعض الأحيان].
وصدقه بعض الأحيان هو لهذا السبب، والمراد بالصدق: ما يخبر به عن الأمور المستقبلة، فقد يخبر بشيء مستقبل أو أمور غائبة فيصدق في ذلك، والسبب في هذا: الكلمة التي تسمع من الملائكة؛ ولكنهم يكذبون مع هذه الكلمة، ويضع مائة كذبة مع هذه الكلمة التي يصدق بها، والعجيب أنهم يُصَدَّقون في كذبهم بسبب هذه الكلمة، فإذا قيل: هذا ليس صحيحاً، قالوا: ألم يخبرنا بكذا وكذا وصار كما أخبر؟! فيكون ذلك فتنة لهم.
والكذب هذا يُحتمل أن يكون من الكهنة ويُحتمل أن يكون من الشيطان، وكلاهما يكذب، فالشيطان يكذب على الكاهن، والكاهن يكذب على من يخبرهم.
стр. 640
كذب الكهنة
[السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يُصدَّق كذبه إلَّا بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء].
وهذا يدل على أن الباطل لو كان خالصاً ليس فيه شيء من الحق لما قُبِل، ولكن يقبل الباطل بسبب أنه يُخلط معه حق، فيلتبس على الناس، فيقبلون الباطل لهذا السبب، فالكاهن لو كان دائماً يكذب ولا يصدق لما قبل منه أحد، ولا ذهب إليه أحد، وإنما يذهب الناس إليه لأنه قد يصدُق.
[الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟].
يعني: النفوس قد تميل إلى الباطل، بل هي جُبلت على ذلك، فتميل إلى ما يلائمها، وهي بطَّالة، ولا تترك البطالة إلَّا بتهذيبها وتأديبها بأدب الوحي، أما إذا خلت من ذلك فهي تميل إلى الباطل وتحبه وتريده؛ ولهذا لا هداية ولا نور وحق إلَّا باتباع الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ .
[التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة، فيحفظونها ويستدلون بها].
стр. 641
إثبات الصفات خلافاً للأشعرية
[العشرون: إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة].
في هذا الباب من الصفات أن الله جلَّ وعلا في السماء، وأنه يتكلم، فهاتان الصفتان ظاهرتان من هذه الآية، كونه جلَّ وعلا هو العلي الكبير، وكونه يتكلم بكلام يُسمع؛ ولهذا تقول الملائكة: ماذا قال ربنا؟ والذين ذكرهم من الأشاعرة وغيرهم لا يؤمنون بأن الله يقول قولاً يُسمع، وإنما يقولون: إن كلام الله هو معنىً قائم بذاته والقرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب التي أنزلت على الرسل هي عبارة عن كلام الله، يقولون: عبارة! ومن الذي عبَّر عن كلام الله؟! هذا شيء عجيب! يقولون: إن الله جلَّ وعلا علم بما في نفسه جبريل أو غيره، فأخذ ما في نفسه من المعنى وعبَّر عنه، فيقولون: إن الله جلَّ وعلا جعل في جبريل أو خلق في جبريل الشيء الذي أراد أن يعبر عنه، أراد من جبريل أن يعبِّر عنه فعبَّر عنه، وكل هذا فراراً منهم -زعموا- من التشبيه، فالواقع أنهم وقعوا في التعطيل وفي التشبيه، والذي دعاهم إلى التعطيل هو التشبيه أولاً، وهذا -في الواقع- إنكار للرسالة، وإنكار لكون الله جلَّ وعلا هو الكامل؛ لأن الذي يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وكثيراً ما يعيب الله جلَّ وعلا عبدة الأصنام بأنهم يعبدون من لا يسمع ولا يبصر، ولا يفهم منهم القول ولا يرده، وهذا عيب في المعبود؛ لكونه لا يسمع الكلام ولا يتكلم، ومن المعلوم أنه لو قدر أن مخلوقين من الناس أحدهما يتكلم ويستطيع أن يبين عما في نفسه بالكلام الفصيح والآخر ما يستطيع، فعند كل العقلاء أن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ثم كيف يكون الإنسان متكلماً بليغاً فصيحاً؟! من الذي خلق هذا؟! من الذي خلق فيه الكلام والمقدرة على البيان؟! فهل الذي خلق فينا الكلام يكون عادماً لصفة الكلام؟! تعالى الله وتقدس.
المقصود: أن الذي دعاهم إلى هذا هو كونهم تركوا كتاب الله جلَّ وعلا، ولم يؤمنوا الإيمان الواجب به وبما جاء به الرسول ﷺ ، وتعلقوا بما يزعمون أنها براهين عقلية، وهي -في الواقع- وساوس وشكوك ليس إلَّا، ليست براهين، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، كيف نقول: لا؟! يقول لنا ربنا هذا ونقول: لا؟! تعالى الله وتقدس، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وهو يسمع كلام الله ممن يبلغه من الرسول أو من غيره، ويقول جلَّ وعلا لما ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً﴾ [النساء:١٦٤]، ومن المعروف في لغة العرب أن الكلام إذا أُكد بمصدر فإنه لا يحتمل إلَّا النص الذي نص عليه، ولا يحتمل تأويلاً، فهنا يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمَاً﴾ [النساء:١٦٤]، والرسول ﷺ لما كان في مكة كان يعرض نفسه على القبائل ويقول: (مَن يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟! فإن قريشاً منعتني أن أبلغ كلام ربي) وليس هناك أحد من الكفرة قال: إن الله لا يتكلم، فكيف هؤلاء الذين يأتون فيما بعد ويتركون كتاب الله جلَّ وعلا ويقول أحدهم: إن الله لا يتكلم؟! أخذوا بترهات وشكوك ودعاوى باطلة تخالف نصوص الكتاب والسنة.
стр. 642
سبب ضلال الأشاعرة
السبب في ضلال الأشاعرة أنه ارتسم في قلوبهم وفي نفوسهم التشبيه، فقالوا: نحن لا نعرف كلاماً إلَّا بلسان وشفتين وبلهاة وبحنجرة وبحبال صوتية وما أشبه ذلك، فإذا أثبتنا الكلام لزم أن نثبت ذلك لله جلَّ وعلا فيكون هذا تشبيهاً، تعالى الله عن قولهم! فمعنى ذلك أنهم تخيلوا أن كلام الله مثل كلام المخلوق الذي يعرفونه من أنفسهم، فنفوا ذلك بعد هذا التخيل، وهذا باطل مركب، باطل على باطل، فلهذا قال الأشاعرة: إن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: كلام لفظي مسموع، وهذا مخلوق.
الثاني: كلام نفسي، وهو عبارة عن معنىً واحد يقوم بنفس الله جلَّ وعلا، وهذا هو الذي يثبتونه لله، يعني: معنىً يقوم بنفس الله جلَّ وعلا، وليس هناك شيء يُسمع أو يُتلى، فعلى هذا يكون القرآن الذي يحفظه المسلمون، وكل واحد يرجو من ربه إذا تلا حرفاً منه أن يعطيه بالحرف الواحد عشر حسنات كما قال الرسول ﷺ ؛ ليس كلام الله، وإنما هو كلام البشر سواءً كان كلام جبريل أو كلام محمد صلوات الله وسلامه عليه، ويستدلون بأشياء من المتشابه كقوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلَاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤٢] والمعنى: إنه قول هذا الرسول يبلغه، فالرسول يبلغ الرسالة، لا أن يأتي بالقول من عند نفسه، وإنما يبلغ رسالة أتى بها؛ ولهذا قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ والرسول يأتي بالرسالة التي أرسل بها، والكلام يضاف ويُنسب إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وإنما هو لمن قاله أولاً مبتدئاً، ثم إذا كان كذلك فأين تحدي الله جلَّ وعلا للخلق؟! وقوله جلَّ وعلا في آيات عدة: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣]، وقوله جلَّ وعلا متحدياً الجن والإنس: ﴿قل لو اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ [الإسراء:٨٨]، فهل ربنا جلَّ وعلا يتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بشيء في نفسه؟! هذا لا يمكن أن يقال، ولا يمكن لعاقل أن يصدق به، ثم إن الله جلَّ وعلا لا يجوز أن نتخيل صفاته كصفات المخلوق، وأنه يلزم من كونه يتكلم هذه اللوازم التي ذكروها، وقد أخبرنا الله جلَّ وعلا أن الجلود تتكلم، والأسماع تتكلم، والأبصار تتكلم، فهل يلزم أن يكون للجلد لسان وشفتان ولهاة وحنجرة إلخ؟! لا يلزم، فالله قادر على كل شيء، قادر على أن ينطقها بلا هذه الأشياء، والله جلَّ وعلا ليس له مثيل لا في ذاته ولا في صفاته، ومن المعلوم أن الصفات تتبع الذات، هذا بالنسبة للكلام، فمذهبهم باطل، والواقع أن الذي ينكر كلام الله يلزمه أن ينكر رسالة الرسول ﷺ ؛ لأن الرسالة لا بد أن تكون بالكلام، لا بد أن يتكلم المرسل بالأمر والنهي، فيلزم على هذا إنكار الشرع كله.
стр. 643
إنكار الأشاعرة لعلو الله على خلقه
مسألة علو الله جلَّ وعلا لا يقر بها الأشاعرة ولا يقولون بها، بل من قال بها رموه بالتشبيه، والسبب في هذا شبهات تنطلي على كثير منهم، أوجدها المتكلمون الذين اعتاضوا عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ بمحاكاة الأفكار التي نحتوها من زبالة الأذهان، وهي زبالات في الواقع؛ لأن الإنسان قاصر، وعقله محدود، ولا يستطيع أن يحكم على الله جلَّ وعلا، والله غيب ما أحد شاهده ونظر إليه حتى يستطيع أن يصفه، وهو لا مثل له ولا ند له ولا سمي له تعالى وتقدس، فلا يجوز أن يقاس على غيره من المخلوقات، فعلى هذا لا بد أن تُتَلقى صفاته من الوحي الذي قاله جلَّ وعلا، وأرسل به رسله، حتى لا يكون الإنسان ضالاً، مع أن الله جلَّ وعلا فطر خلقه كلهم على أنه في العلو، ولا يمكن لعاقل بل ولا غير عاقل أن يسأل ربه ويبتهل إليه إلَّا ويجد في نفسه دافعاً يدفعه إلى أنه يطلب ربه من فوق في السماء، وكل أحد يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب، وليس هناك أحد من الخلق ينكس يديه إلى الأرض ويسأل ربه من تحت، أو يلتفت يميناً أو شمالاً أو خلفه يبحث عن ربه تعالى الله وتقدس، فالله فطر الناس على هذا، وهذا هو الحق، فالله عالٍ على عرشه، وليس فوقه شيء، ولا يمكن أن يكون فوقه شيء تعالى الله وتقدس، أما الترهات والشبهات والأمور التي يقولونها فلا يجوز الالتفات إليها مع قول الله جلَّ وعلا وقول رسوله ﷺ والفطرة التي فطر الله جلَّ وعلا عليها خلقه، كقولهم مثلاً: (كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان)، فالله سبق الأمكنة كلها، (كان ولا مكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان) وهم لا يدرون أين هو الآن! بل يقولون: هو في كل مكان، تعالى الله وتقدس، يعني: حتى في الأماكن التي يُرغب عن ذكرها، تعالى الله وتقدس! ولهذا لما كان أحدهم يجادل أحد العلماء وقال: إنه ليس على العرش، إنه في كل مكان، فقال: أتُراه في جوفك؟ فبُهت.
فتعالى الله وتقدس عن أن يكون في جوف الإنسان! فالواجب أن يؤمن العبد بما قاله الله وقاله رسوله، والصفات تبع لهاتين الصفتين: - العلو.
- والكلام.
وهذا في الواقع الأدلة عليه أكثر من أن تحصى، سواء إثبات الكلام أو إثبات العلو، وقد حاول بعض العلماء أن يحصروا الأدلة فذكروا أكثر من ألف دليل على علو الله؛ ولكن الأدلة أكثر من ذلك، فهم ذكروا بعض الأدلة التي يدخل تحت النوع منها أفراد كثيرة كثيرة.
وليس المسلمون بحاجة إلى الشبه؛ لأنهم يؤمنون بكتاب الله تعالى وبقول رسوله ﷺ ، وبما فطرهم الله جلَّ وعلا عليه، فليسوا بحاجة إلى ذكر مثل هذه الشبه، وإنما يخشى على الإنسان أن يقع نظره على كتاب من كتب هؤلاء فيحصل عنده شيء من الشبه.
[المسألة الحادية والعشرون: أن تلك الرجفة والغشي خوفاً من الله الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجداً].
стр. 644
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٤]
الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي لله جل وعلا وحده، وليست ملكاً لأحد من خلقه، ولا حتى للرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإنما الله جل وعلا إذا أراد أن يرحم عبده أذن للشافع أن يشفع إكراماً له، ورحمة لذلك المشفوع.
стр. 645
الشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الشفاعة].
الشفاعة مأخوذة من الشفع، والشفع مقابل الوتر، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣]، فالشفع: ما كان منضماً إلى الفرد سواءً كان اثنين أو أربعة أو ستة أو ثمانية أو عشرة، هذه تسمى شفعاً.
أما الفرد فهو ما كان منفرداً، وليس المقصود بالشفاعة هنا الشفع الحسابي، وإنما المقصود ضم شيء إلى شيء، سواءً كان شفعاً حسابياً أو فرداً حسابياً، يعني: سواءً كان اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة؛ لأن الشفع الحسابي: اثنان وأربعة وستة وثمانية، والفرد الحسابي: واحد وثلاثة وخمسة وسبعة وهكذا، فالمقصود أن الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو ضم دعوة الشافع إلى دعوة المشفوع له، هذا تعريفها الذي أخذت منه، أن يضم الشافع دعوته إلى المشفوع له، فالأصل أن المشفوع له يطلب الحاجة، فيذهب ويطلب من الشافع أن يساعده، فيضم الشافع دعوته إلى دعوة المشفوع له، فبعدما كان فرداً يصبح شفعاً، وهذا لا ينافي أن يكون الشافع اثنين أو ثلاثة أو أكثر.
стр. 646
الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية
الشفاعة في كتاب الله جاءت مثبتة ومنفية، فالمثبتة هي: التي تكون بإذن الله جلَّ وعلا وبرضاه، كما قال جلَّ وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
أما المنفية فهي: ما يزعمه الكفار والمشركون من أن أصنامهم ومعبوداتهم تشفع لهم ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، فهذه نُفيت في كتاب الله.
إذاً: الشفاعة اثنتان: مثبتة، ومنفية، الأولى حق ثابتة، والأخرى باطلة وغير واقعة، وهي كل ما زُعم أنه يقع بغير رضاه، أما الواقعة الثابتة فهي ما تكون بعد إذن الرب جلَّ وعلا، ولمن يرضى عنه.
وأصل الشرك من قديم الزمان وحديثه هو بطلب الشفاعة، وتعلق الناس بأذيالها، حيث قاسوا رب العالمين على ما يعهدونه فيما بينهم، فإذا كان هناك رئيس أو ملك فلا يستطيع كل إنسان أن يصل إليه، ولو قدر أن يصل إليه وله طلب يطلبه منه، فقد لا يحصل له ولا يتهيأ له، بخلاف ما إذا طلب من وزيره أو قريبه المقرب عنده أن يشفع له، فإن الغالب أنه يدرك ذلك، ومن هنا اتخذت الشفاعة، وطلبوا الشافعين من الأصنام والأشجار والأموات والملائكة وغيرهم، وإن كان الإنسان غير ملتزم بأمر الله، بل تاركاً أمر الله جانباً، ومرتكباً كل ما نهى الله عنه، ومع ذلك يزعمون أنه يشفع لهم قياساً على ما يشاهدوه في الدنيا، وهذا هو سبب وقوع الخلق في الشرك كما قال الله جلَّ وعلا عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: يتخذون الأصنام من دون الله أنداداً ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: يشفعوا لنا، وكما قال الله جلَّ وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] (من دون الله)، يعني: بغير إذنه وبغير رضاه، هذا معنى (من دون الله) وكل ما جاء في القرآن في ذكر الشفاعة من دون الله فالمقصود أنها تقع بلا إذنه وبلا رضاه، وهذا لا يمكن، قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: كيف تتخذونهم وتطلبون منهم الشفاعة وهم لا يملكون شيئاً؟! و (شيئاً) نكرة تدخل فيها الشفاعة وغيرها، فكيف يُطلب من الإنسان شيئاً لا يملكه؟! كيف يُطلب من المطلوب منه الشيء الذي لا يملكه؟! هذا ضلال -في الواقع- وخسارة، ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤]، فالشفاعة التي أبطلها جلَّ وعلا هي هذه، وهي كثيرة، فهم -في الواقع- اتخذوا أصناماً على صورة الصالحين، أو على صورة الملائكة، أو على صور ما يتخيلونه من أنه مقدس ومعبود وأنه يقرب إلى الله، اتخذوا هذه فصاروا يدعونها ويتقربون بالجلوس عندها، ومسحها والطواف عليها، والتوجه إليها بالدعوة وغيرها، ويزعمون أنها ستشفع لهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فشفاعتها بأن يحصل لهم المطلوب من الغيث أو الرزق أو صحة البدن أو ذهاب المرض أو ما أشبه ذلك من مطالبهم التي يزعمون أنها تحصل لهم إذا سألوها من الميت أو ممن يكون معبوداً لهم، وكل ذلك يزعمون أنه بواسطة الشفاعة؛ لأنه مقرب عند الله، وهو يسأل ربه، وهذا السؤال هو الشفاعة، فيتوسط لهم ويسأل الله، والواقع أن هذا شرك وتنقُّص لرب العالمين جلَّ وعلا، وهو ناتج من سوء الظن بالله جلَّ وعلا؛ لأن الذي يطلب الشفاعة من دون الله إما أنه يتصور أن الله لا يسمع، وإنما سيسمع بواسطة هذا المدعو إذا دعاه وطلب منه، أو يتصور أنه لا يرحم عبده إلَّا أن يجعله ذلك الشافع عاطفاً على هذا الطالب فيرحمه، أو يتصور أنه لا يعلم حاجات الناس والخلق إلَّا أن يعلم بها مثلما يكون للملوك وغيرهم، فإنهم لا بد أن يُبلَّغوا بشئون الناس؛ لأنهم لا يعرفونها.
وكل هذه ظنون فاسدة؛ وكلها مما يدعو إلى الشرك وتنقُّص الله جلَّ وعلا.
فالمقصود أن الشفاعة على نوعين: نوع شركي، وهو الذي وقع فيه المشركون.
ونوع حق، قد أثبته الله جلَّ وعلا في كتابه، وأثبته رسوله ﷺ ، وأخبر أنه سيقع.
والمؤلف ذكر الشفاعة في هذا الكتاب ليبين الحق في ذلك؛ لأن المسلم يجب أن يميز بين الحق والباطل، فيكون عنده فرقان في ذلك، فيتبع الحق خوفاً من أن يقع في شيء من الباطل فيضل.
стр. 647
تفسير قوله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ)
قال الشارح: [قوله: باب الشفاعة أي: بيان ما أثبته القرآن منها وما نفى وحقيقة ما دل القرآن على إثباته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله : ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٥١]].
يقول الله جلَّ وعلا: (وَأَنذِرْ بِهِ) يعني: بالقرآن، فالضمير يعود على القرآن، والإنذار هو الإعلام عن أمرٍ مَخُوْفٍ يُتوَقَّع وصولُه إلى الإنسان، ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ [الأنعام:٥١] فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالنذارة، الذين يخافون ربهم ويعلمون أنهم يُحشرون إلى الله، والحشر هو: الجمع بعد التفرق، والمقصود بـ (الحشر): أنهم يُخرجَون من قبورهم بعد موتهم فيُجمعون في صعيد واحد يقومون فيه لرب العالمين، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، وهو يوم القيامة، وهذا اليوم هو الذي أخبر الله جلَّ وعلا أنه يوم عبوس قمطرير، وشره مستطير، وأنه يوم ثقيل على الخلق، فالله جلَّ وعلا يأمر رسوله ﷺ أن ينذر أهل الخوف والإيمان والقرآن هذا اليوم فقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٥١] أي: يخافون أن يُجمعوا للحساب والمجازاة ثم إسكانهم دورهم الأبدية، وليس هناك إلَّا الجنة أو النار فقط، فبعد هذا الموقف ينصرفون إلى مساكنهم، فريق ينصرف إلى جهنم وفريق ينصرف إلى الجنة.
﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١] هذا في الذين يخافون ربهم، ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، هؤلاء مؤمنون فكيف المشركون والكافرون؟ والولي المقصود به من يتولى الشخص، ويقوم بشئونه أو يحميه من المخوف أو يدفع عنه بعض الضرر، فيوم القيامة ليس هناك أحد من هذا النوع، لا يوجد ولي يتولى شئونك، ولا يوجد من يدافع عنك، ولا من يجلب لك منفعة أو يدفع عنك مضرة وإن قلَّت، كل واحد يأتي إلى ربه في ذلك الموقف فرداً كيوم ولدته أمه، لا لباس ولا شراب ولا طعام ولا نعال، ولا شيء كما قال الرسول ﷺ : (تُحشرون حفاةً عراةً غُرلاً، فقيل: وما غُرلاً؟ قال: غير مختونين) وفي رواية: (بُهماً، فقيل: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء) وعائشة ﵂ قالت للرسول ﷺ : واسوأتاه! يحشر الرجال والنساء بعضهم ينظر إلى بعض؟! -ليس هناك لباس أصلاً- فقال الرسول ﷺ : (يا عائشة! الأمر أعظم من ذلكِ) يعني: ما أحد يهمه النظر، ولا أحد ينظر إلى أحد، كل واحد شاخصٌ بصره، تكاد تبلغ القلوب الحناجر من الخوف، ولا يدري من بجواره.
فالمقصود: أن الله جلَّ وعلا خوف المؤمنين هذا اليوم، وليس لأحد منهم من دون الله ولي ولا شفيع، وإذا كان المؤمن ليس له شفيع من دون الله، فكيف بالكافرين؟! وليس معنى هذا أن الشفاعة منفية، ولكن الشفاعة تكون بعد إذن الله، وحقيقة الأمر أن الشفاعة لله، وليست ملكاً لأحد، لا للرسول ﷺ ولا لغيره، وإنما الله جلَّ وعلا إذا أراد أن يرحم عبده أذن للشافع أن يشفع إكراماً له، ورحمةً لذلك المشفوع، هذه هي حقيقة الشفاعة، فحقيقتها أن الله جلَّ وعلا إذا أراد رحمة المشفوع أذن للشافع أن يشفع إظهاراً لكرامته فقط، وإلَّا فالأمر كله بيد الله.
فمعنى هذه الآية: أن الشفاعة لا يملكها أحد، وإنما هي بيد الله جلَّ وعلا، فالمؤمنون الأتقياء لا يملكون الشفاعة دون الله لا لهم ولا لغيرهم، وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.
وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني: يستشعرون هذا في قلوبهم، ويعلمونه ويوقنون به، فيكون باعثاً لهم على تقوى الله، والتقوى حقيقتها: فعل المأمور واجتناب المحظور، هذا حقيقة التقوى، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] قال ابن مسعود: أن يُطاع فلا يُعصَى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر.
يُطاع بلا معصية، وأن يُشكَر على نعمه ولا يُكفَر؛ ولكن جاءت الآية الأخرى تبين المعنى أيضاً وهي قوله جلَّ وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فهذه الآية تبين أن التقوى المطلوبة هي حسب الاستطاعة، والله لا يكلف نفساً إلَّا وسعها، لا يكلف الإنسانَ شيئاً لا يستطيعه فلله الحمد والمنة، تعالى وتقدس.
فالمقصود: أن هذه الآية تبين أن المؤمنين الأتقياء الخائفين ينتفعون بالنذارة بالقرآن، وأنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فكيف بمن يطلب الشفاعة من الأموات أو من الأحياء أو من الشجر أو من غيرها؟! كيف تكون له شفيعاً؟! ليس لهم في طلبهم هذا إلَّا الإبعاد، فطلبهم هذا يبعدهم عن الله جلَّ وعلا، ويكون سبباً لتعذيبهم؛ لأنه شرك.
وكونه في هذه الآية وجه النذارة بالقرآن إلى من يخشى الله دليل على أن النذارة الحقيقية هي التي يُنتفع بها، وإلَّا فالرسول ﷺ منذر للجميع، لكل أحد، لكل الثقلين من الجن والإنس المؤمنين والكفار؛ ولكن هذه نذارة خاصة، فهي أخص من النذارة العامة، فهو نذير للعالمين، والعالَمون هم العقلاء من الجن والإنس، فهو نذير لهم، يعني: أنه ينذرهم عذاب الله جلَّ وعلا إن لم يؤمنوا.
стр. 648
أقوال السلف في تفسير الآية
قال الشارح: [قوله: وقوله الله : ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١] الإنذار هو: الإعلام بأسباب المخافة والتحذير منها.
قوله: (بِهِ) قال ابن عباس: بالقرآن.
وعن الفضيل بن عياض: ليس كل خلقه هكذا، إنما عاتب الذين يعقلون فقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٥١] وهم المؤمنون أصحاب القلوب الواعية.
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١] قال الزجاج: موضع (ليس) نُصب على الحال كأنه قال: متخلين من كل ولي وشفيع، والعامل فيه: (يخافون)].
يعني: أنه ليس لهم في ذلك اليوم ولي ولا شفيع؛ ولكن هذا معناه أنهم في ذلك اليوم وفي غيره في جميع أحوالهم متخلون عن كل شيء مما يزعمه الكفار والمشركون، فهم لا يتولون إلَّا الله جلَّ وعلا، ولا يطلبون الشفاعة إلَّا من الله، فإذا طلبوها طلبوها من الله، فيقولون: اللهم شفِّع فينا الشفعاء، اللهم ارزقنا شفاعة الشفعاء، اللهم أدخلنا في شفاعة سيد الخلق، وهكذا، يطلبونها من الله ولا يطلبونها من أحد من الخلق، وهذا هو الطلب الصحيح، فمن طلبها على هذا الوجه يوشك أن يدركه، وأن يُعطاها، أما إذا طلبها من المخلوق فيكون طلبه من المخلوق سبباً في منعه إياها؛ لأنه حق لله جُعل للمخلوق، فصار شركاً بالله جلَّ وعلا.
[قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة].
وهذا يدلنا على أن (لعل) للترجي، والله جلَّ وعلا لا يخفى عليه شيء تعالى وتقدس، فهو علام الغيوب، وإنما هذا على وفق ما في لغة العرب.
стр. 649
تفسير قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًَا)
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤]].
قبل هذه الآية قوله جلَّ وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤].
قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا) يقول المفسرون: إذا جاءت (أم) فمعناها: (بل) يعني: (بل اتخذوا من دون الله شفعاء) واتخاذهم الشفعاء أنهم يزعمون أنها تشفع لهم ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، ولو لم يرضَ عن المشفوع له، هكذا زعموا؛ ولهذا صار ذلك شركاً حيث إنه -على حد زعمهم- يقع شيء لا يأذن الله جلَّ وعلا به ولا يريده، ثم إن الشفاعة التي اتخذوها جعلوا الشفيع الذي زعموه بمنزلة الله جلَّ وعلا بحيث إنه يُدعى ويُسأل الشفاعة، يقال له: اشفع لنا عند الله، فالشفاعة هي الدعاء والطلب، والدعاء والطلب يجب أن يكون ممن يملك الشفاعة، وكل مَن دون الله جلَّ وعلا لا يملك شيئاً من ذلك، فالشفاعة لله جميعاً يعني: لا أحد من الخلق يملك شيئاً من الشفاعة.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: أنهم قد وقعوا في هذا، وهذا أمر باطل قد حرمه الله جلَّ وعلا، وجعله سبباً لمنع الشفاعة، فالمتخذون للشفاعة -في الواقع- عملوا عملاً يمنعهم من الشفاعة، وهو أنهم يطلبون الشفاعة من غير الله جلَّ وعلا، والمفروض أن الذي يُطلب منه نفع يكون مالكاً لذلك النفع أو الذي يُطلب منه دفع ضرر يكون قادراً ومستطيعاً لدفع ذلك الضرر، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً﴾ [الزمر:٤٣] و (شيئاً) هنا: نكرة، يعني: ليس بأيديهم أي نفع يملكونه ويعطونه هذا السائل، ثم زاد على ذلك وصفهم بأنهم لا يعقلون؛ لأنهم إما جماد أو أموات أو جن غائبون لا يعرفون شيئاً من ذلك أو أنهم شجر أو غير ذلك.
(ولا يعقلون) بمعنى: لا يعلمون شيئاً مما في نفوس الناس من حاجاتهم؛ لأن هذا إلى الله جلَّ وعلا، ثم بعد هذا يقول جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] فليس لأحد من دون الله شفاعة، وهذا يبين أن الشفاعة لا يجوز طلبها إلَّا من الله جلَّ وعلا، وهذا لا ينافي كون الحي الحاضر الذي يُرجى قبول دعوته يُطلب منه الدعاء، فإن هذا شفاعة، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفعلون ذلك في حياة الرسول ﷺ ، كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، وأن يشفع لهم كما هو معروف، فهذا لا ينافي هذا؛ لأن الداعي يدعو الله، والذي يرجى قبول دعوته يسأل الشيء الذي يملكه وهو الدعاء فقط، فيسأله الدعاء والطلب من الله، ولا يسأله أن يشفع له الشفاعة التي يعتقد المشركون أنها تقع ولو لم يأذن الله، ولو لم يرضَ عن المشفوع له، وإنما يسأله الدعاء؛ لأنه يرجو أن تُستجاب دعوته، ومن هذا القبيل ما شرعه الله جلَّ وعلا للمسلمين بأن يدعوا للميت في الصلاة عليه، فإنها شفاعة يشفعون له إلى الله جلَّ وعلا ليغفر ذنبه ويتجاوز عن سيئاته وإلخ، فهذه شفاعة قد تُقبل وقد لا تُقبل، فالأمر كله لله جلَّ وعلا، وإذا طُلبت الشفاعة من الله يكون هذا من الأسباب التي يرحم الله جلَّ وعلا بها مَن سُئلت له.
إذاً: حقيقة الشفاعة أنها بيد الله جلَّ وعلا إذا شاء أن يرحم عبده جعل له سبباً من الأسباب مثل: دعوة المؤمنين له، أو دعاء الرسول ﷺ له؛ ولكن الله جلَّ وعلا أخبرنا أن الشفاعة لا تنفع إلَّا لمن رضي قوله، والرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة وضح هذا وبينه بحيث إنه لم يترك الأمر فيه التباس أو اشتباه، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة تَعَجَّلها -يعني: دعا بها على قومه- وقد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله كل من مات لا يشرك بالله شيئاً) فأخبر بأن شفاعته تكون لأهل التوحيد الذين لا يشركون بالله شيئاً، أما الذي يسأل الشفاعة من الميت سواءً كان نبياً أو ولياً على حد زعمه أو ملكاً من الملائكة أو شيئاً لا يعقل، فإنه -في الواقع- أشرك بالله، فصار قد جاء بسبب يمنعه من قبول الشفاعة؛ لأنه وقع في الشرك، وهذا هو الذي دلت عليه الآيات ودل عليه قوله في هذه الآية: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] فالشفاعة مُلك لله، ولا يأذن جلَّ وعلا للشافع أن يشفع إلَّا إذا شفع لمن رضي الله جلَّ وعلا عنه، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] فالإذن شرط في الشفاعة، والرضا عن المشفوع له شرط آخر، ويبقى شرط ثالث وهو: أن يكون المشفوع له متبعاً لسنة رسول الله ﷺ ، لا يتديَّن ولا يتعبَّد بشرع يخترعه من عنده ويبتدعه، فالشفاعة من التوحيد، وهي تدل على أن الأمر كله بيد الله جلَّ وعلا، وعلى أنه جلَّ وعلا يتفضل على من يشاء بالإذن لمن يريد أن يكرمه، فيأذن له بالشفاعة فيشفع.
стр. 650
تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ)
قال الشارح: [وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤]، وقبلها: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣]، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]].
معنى هذه الآية ظاهر، وقد قال الفخر الرازي عند تفسيرها لما ذكر الشرك وأنواعه قال: ومن هذا القبيل: الذين يذهبون إلى القبور ويطلبون شفاعة المقبورين، فإنهم قد وقعوا في الشرك الأكبر؛ ولكن معنى قوله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] يعني: أن الله جلَّ وعلا لا يعلم أن الشفاعة هذه التي تزعمون تقع، والشيء الذي لا يعلمه الله لا وجود له، ولا حقيقة له، فالمعنى: أنه جلَّ وعلا يقول: هذا الطلب وهذا الزعم لا وجود له ولا حقيقة له، فكيف تتعلقون بشيء تتوهمونه وهو من الأسباب التي تمنع وصول الخير والسعادة إليكم؟! وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس:١٨] هذا يشمل كل ما عُبد من دون الله سواءً كان حياً أو ميتاً، سواءً كان من الملائكة أو من البشر أو من الجن أو من الجمادات وغيرها، كلها لا تنفع ولا تضر، والمنفعة والمضرة كلها بيد الله، فالعبادة يجب أن تكون لمن يملك النفع والضر، والله جلَّ وعلا هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وكل مخلوق هو عبد له، لا يملك معه شيئاً، فالتوجه إلى مخلوق من المخلوقات وطلب الشفاعة منه ضلال وحرمان، لتعذيب من يقع فيه.
стр. 651
ضلال المشركين في باب الشفاعة
قال الشارح ﵀: [فبين تعالى في هذه الآيات وأمثالها: أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتفٍ وممتنع، وأن اتخاذهم شفعاء شرك يتنزه الرب تعالى عنه، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانَاً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨]].
معنى قوله: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ) يعني: هلَّا نصرهم لما جاءهم العذاب ووقع فيهم عذاب الله لماذا لم تنصرهم آلهتهم؟! وقوله: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨] يعني: ذهبوا أصبحت دعوتهم ضلالاً، يعني: لا قيمة لها، وتبين أن الأمر كله بيد الله؛ ولكن هناك لا ينفع الإنسان إذا تبين له أنه قد ضل؛ لأنه لا يُقبل منه الاستعتاب ولا يفيده الندم، وليس بإمكانه أن يرجع مرةً أخرى إلى الدنيا أو إلى عمر جديد فيعمل غير الذي كان يعمل، وإنما يزداد عذاباً على عذاب، يعني: حسرات مع العذاب الذي يلاقيه.
قال الشارح ﵀: [فبين تعالى: أن دعواهم أنهم يشفعون لهم بتألههم: أن ذلك منهم إفك وافتراء.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] أي: هو مالكها، فليس لمن تُطلب منه شيء منها، وإنما تُطلب ممن يملكها دون كل ما سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلَّا لله، قال البيضاوي: لعله ردٌّ لما عسى أن يجيبوا به وهو: أن الشفعاء أشخاص مقربون].
يعني: يقدر أنهم يقولون: الشفعاء ذو جاه عند الله مقربون، والله ملَّكهم الشفاعة وإن كانت لله؛ ولكن الله جلَّ وعلا أعطاهم الشفاعة! والقرآن يرد هذا، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] وقد أخبر جلَّ وعلا أن كل طلب يُطلب من غير الله فهو ضلال، وأن ذلك سبب لمنع الشفاعة، ففي الواقع: هم يؤتَون من قِبل أنفسهم، فإنهم يأتون بالأسباب التي تمنع الشفاعة وهم يزعمون أنها شفاعة! والسبب في ذلك جهلهم أو عنادهم وتركهم ما جاء به رسول الله ﷺ .
стр. 652
الشفاعة كلها لله سبحانه
قال الشارح ﵀: [وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤] تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه؛ لأنه مالك الملك، فاندرج في ذلك ملك الشفاعة، فإذا كان هو مالكها بطل أن تُطلب ممن لا يملكها: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] قال ابن جرير: نزلت لما قالت الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلَّا ليقربونا إلى الله زلفى، قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
(مَن) هذه: استفهامية للإنكار، يُنكر جلَّ وعلا أن تقع الشفاعة عنده إلَّا بإذنه، وذلك من تمام ملكه وعظمته، بحيث لا يجرؤ أحد من خلقه أن يشفع قبل أن يأذن له، وقد بين الرسول ﷺ هذا في حديث الشفاعة فقال: (أَخِرُّ ساجداً لربي جلَّ وعلا، فيفتح عليَّ من المحامد والثناء ما الله به عليم، ثم يقول: ارفع رأسك، واشفع تشفَّع -قبل أن يقول: اشفع تشفَّع لا يشفع- يقول: ثم يحد لي حداً ويقول: هؤلاء اشفع فيهم) فإذاً: أصبح الأمر كله بيد الله، الشافع لا يشفع إلَّا إذا أذن له ولا يشفع إلَّا في الذين يحدهم له ويقول: اشفع في هؤلاء؛ ولهذا قال العلماء: حقيقة الشفاعة هي: رحمة الله جلَّ وعلا للمشفوع له، وإظهار كرامة الشافع فقط، فليس للخلق شيء مع الله، والذي يزعم أن المخلوق يمكن أن يتقدم ويطلب طلباً مستقلاً بدون أن يأمره الله جلَّ وعلا بذلك فمعنى ذلك: أنه ما قدَّر الله حق قدره ولا عرف عظمته، وهذا قد نفاه الله جلَّ وعلا في هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] يعني: أنه لا يقع، وأنه لا يجرؤ أحد من الخلق سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أو غيرهم، ما أحد يجرؤ أن يشفع عنده إلَّا إذا أذن له، فالشفاعة لا تقع من أحد من الخلق: لا الرسل ولا الملائكة ولا غيرهم إلَّا إذا أمرهم الله جلَّ وعلا أن يشفعوا، والإذن هنا المقصود به: الأمر؛ أن يأمرهم ويقول: اشفعوا، وأمره إياهم ليظهر كرامتهم أمام الخلق وإلَّا فالأمر كله بيد الله، ولهذا يحد لهم الحد فيقول: اشفعوا في كذا وكذا، يعني: الذين يُشفع لهم معيَّنون، وهذا يدلنا على أن الأمر كله لله جلَّ وعلا، وهذا معنى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] والإذن هو: الأمر، فإذا أمره أن يشفع شفع، أما قبل الأمر فلا أحد يجرؤ على الشفاعة.
وبهذا يتبين ضلال الذين يزعمون أنهم إذا طلبوا الشفاعة من شخص من الأشخاص يحسنون الظن به أن ذلك يحصل، وزعموا أن لهذا الشافع ما لله من الملك، وبذلك وقعوا في الشرك.
стр. 653
شروط وقوع الشفاعة
قال الشارح ﵀: [وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]: قد تبين مما تقدم من الآيات: أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تُطلب من غير الله، وفي هذه الآية: بيان أن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلَاً﴾ [طه:١٠٩] فبين أنها لا تقع لأحد إلَّا بشرطين: إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع.
ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه].
قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلَاً﴾ [طه:١٠٩] أما الإذن فهو للشافع، وأما الرضا فهو عن المشفوع له، والله جلَّ وعلا لا يرضى إلَّا التوحيد، أما الشرك فلا يرضاه، فمعنى ذلك أن الشفاعة تكون لأهل التوحيد، وهذا بُيِّن في الأحاديث بياناً واضحاً، فلما قال أبو هريرة: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) يعني: أنه ليس عنده شيء من الشرك، ولا التعلق بغير الله، وكذلك الحديث الذي ذكرنا وفيه: (فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً) فتبين أنه إذا مات الإنسان مشركاً بالله شيئاً أنه لا تنفعه الشفاعة ولهذا يقول: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، ويقول جلَّ وعلا في آيات كثيرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمَاً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئَاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] فالشفاعة التي نفاها جلَّ وعلا هي: التي يتعارفها الناس وتقع لبعضهم من بعض، ولو لم يكن المشفوع عنده آذناً أو راضياً؛ وهذا لنقص الإنسان؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الناس الآخرين، ولو كان ملكاً، يحتاج إلى مساعدة وزرائه وأمرائه وأعوانه، وإذا لم يقبل شفاعتهم يخشى أن ينتقدوا عليه، وألَّا يؤدوا الواجب من النصح له وما يريد، فيقبل شفاعتهم مضطراً، وقد يقبل المخلوق شفاعة زوجته أو شفاعة ابنه أو شفاعة أخيه أو قريبه أو صديقه؛ لأنه يحتاج إليهم، أما رب العالمين جلَّ وتقدس فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل من سواه فقير إليه، فالملك كله بيده، وله تمامه، ولهذا صار طلب الشفاعة من غيره شرك؛ لأنه جعل ما هو حق لله سبحانه للمخلوق، وهذا سبب في منع الشفاعة التي يزعم أنها تقع له؛ لأنه ارتكب المانع من قبل نفسه، وخالف ما جاء عن الله جلَّ وعلا، ولأنه لم يعرف الله جلَّ وعلا حق المعرفة، ولم يجعل له الحق الذي أوجبه عليه، فصرف بعضه للمخلوق، فاستحق بذلك الحرمان.
قال الشارح ﵀: [وهو تعالى لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلَّا ما أريد به وجهه، ولقي العبد به ربه مخلصاً غير شاك في ذلك، كما دل على ذلك الحديث الصحيح، وسيأتي ذلك مقرراً أيضاً في كلام شيخ الإسلام ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئَاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].
قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ [النجم:٢٦] (كم) هذه: خبرية، ومعناها: كثير، أي: كثير من الملائكة، والملائكة أخبر الله جلَّ وعلا عنهم أنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وأنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] لا يفترون أبداً، دائمون في التسبيح والتهليل والعبادة، ولا يعصون الله طرفة عين، ومع هذه العبادة وهذا العمل الدائم في طاعة الله جلَّ وعلا لا تنفع شفاعتهم عند الله لأحد إلَّا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم أن يشفع، ولمن شاء أن يشفعوا له، فهذا كالآية السابقة يبين جلَّ وعلا فيها أن المقربين عنده لا تنفع شفاعتهم ولا تجزئ لأحد، ولا يستطيع أحد أن يتقدم للشفاعة إلَّا إذا أذن له جلَّ وعلا، والإذن هو أمره بأن يشفع، وأن الشفاعة لا تقع منهم ولا من غيرهم إلَّا لمن رضي الله جلَّ وعلا عنه.
إذاً: تكون الشفاعة -بدليل هذه الآيات- لأهل التوحيد، الذين يموتون على التوحيد، فهم الذين تنفعهم شفاعة الشافعين، وذلك من فضل الله فيأمر الشافعين أن يشفعوا لهم؛ لإظهار كرامتهم فقط، وإلَّا فالأمر لله جلَّ وعلا.
أما المشرك الذي يدعو غير الله فهذا لا تنفعه شفاعة الشافعين، كما أخبر الله جلَّ وعلا بذلك في آيات متعددة كثيرة.
стр. 654
أقسام الشفاعة في كتاب الله
تبين لنا أن الشفاعة في كتاب الله قسمان: شفاعة منفية لا تقع، وهي: التي تُطلب بغير إذنه جلَّ وعلا، ولمن يكون مشركاً.
وشفاعة واقعة وهي: أمر الله جلَّ وعلا للشافع أن يشفع، وتكون لمن ﵁.
قال الشارح ﵀: [قال ابن كثير ﵀: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئَاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن بها بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟!].
стр. 655
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٥]
الشفاعة لله جميعاً، وقد ضل من طلبها من غير الله تعالى، فإن سبب شرك المشركين هو طلبهم الشفاعة من آلهتهم الباطلة، وأسعد الناس بالشفاعة من قال: لا إله إلا الله مخلصاً بها من قلبه.
стр. 656
تفسير قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]].
هذه الآية توضح وتبين أن طلب الشفاعة من غير الله ضلال وشرك، وأن الذي يُدعى أو يُطلب يجب أن يكون مالكاً لما يُدعى من أجله، فإن لم يكن مالكاً يكون مشاركاً للمالك، وهذا أقل درجة، فإن لم يكن مشاركاً للمالك يكون مساعداً ومظاهراً له ومعاوناً له، فإن لم يكن كذلك -يعني: انتفت الأمور الثلاثة- ينبغي أن يكون شافعاً كما يقع من الوزارء والكبراء لمن يكون عنده أمر من أمور الناس يطلبونه، فنفى الله جلَّ وعلا ذلك، وأن هذا لا يقع إلَّا بإذنه، فنفى على التدريج: نفى الأعلى، ثم ما دونه، ثم ما دونه، ثم نفى الشفاعة: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ [سبأ:٢٢] وهنا: (قل) الأمر للتعجيز يعني: يأمر الله جلَّ وعلا نبيه أن يقول للمشركين الذين يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم، على حسب اختلافها؛ لأنه عُلم أن المدعوات من دون الله مختلفة، فمنهم من يدعو شجراً، ومنهم من يدعو حجارةً، ومنهم من يدعو الجن، ومنهم من يدعو الأنبياء، ومنهم من يدعو الملائكة، ومنهم من يدعو أجراماً من أجرام السماء كالشمس والقمر والنجوم وغيرها، وكلهم سواء، وكلهم يشملهم هذا الخطاب، وهذا الأمر: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبأ:٢٢] (زعمتم) يعني: أن دعوتهم هذه كذب؛ وذلك لأن المدعو من دون الله ما يملك شيئاً، وليس إلهاً، فتسميتهم آلهة من الكذب الذي افتروه على الله جلَّ وعلا؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم:٢٣] يعني: أسماء وضعتموها على مسميات لا حقيقة لها، وليس لها شيء من هذه التسمية في الحقيقة.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبأ:٢٢] وغالباً إذا جاءت كلمة (زعم) فالمقصود بها: الكذب، فهم يكذبون في أن هذه آلهة، ويكذبون في أنها تملك شيئاً.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: غير الله، وقد دعوتموهم وهم عباد مسخرون مقهورون ذليلون لا يملكون شيئاً.
﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢] ومعنى ذلك: أنهم ليس لهم ملك القليل الحقير في الدنيا ولا في الآخرة، حتى في الدنيا ما يملكون شيئاً إلَّا أن يملِّكهم الله جلَّ وعلا إياه، أما إذا منعهم الله جلَّ وعلا فلا يستطيعون شيئاً، ثم هذا الملك الذي يملِّكهم إياه يُسلب منهم، فيذهبون إلى قبورهم وليس معهم شيء، ثم يخرجون من قبورهم إذا بعثهم الله جلَّ وعلا عندما يريد ذلك، وليس معهم شيء، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً، ويأتون إلى الله جلَّ وعلا فرادى: ملوكهم ورؤساؤهم وأغنياؤهم، كلهم يأتي فرداً ليس معه لا ولد ولا خادم ولا صديق ولا مال ولا أي شيء، وإنما يأتي إلى الله فرداً ذليلاً خاضعاً، فكيف يشفع؟! ومن أين له ذلك؟! ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢] إذا كان المدعو لا يملك شيئاً فكيف يُدعى؟! هذا كلام الله جلَّ وعلا، وهو شامل لكل مدعو من دون الله، هذه الدرجة الأولى.
ثم الدرجة الثانية: أنه قد يقال: هم لا يملكون شيئاً ولكن يشاركون المالك، فنفى الله جلَّ وعلا ذلك، فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: ما لهم في السماوات والأرض من اشتراك مع المالك الذي هو الله جلَّ وعلا.
هذه الدرجة الثانية.
ثم قد يتصور متصور: أنهم إذا كانوا لا يملكون، وليس لهم اشتراك مع المالك فقد يكونون مقربين عنده أو يكونون مساعدين له، فنفى ذلك جلَّ وعلا فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: ليس للمالك منهم مظاهر يعني: مساعد ومعاون، فنُفي الملك، ونُفي الاشتراك، ونُفيت المساعدة، فماذا بقي؟ بقيت الشفاعة، فقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] وهذه الجملة تدل على شيئين: تدل على أن الشفاعة بلا إذن الله جلَّ وعلا باطلة ومنفية وغير واقعة.
وتدل على أن الشفاعة التي تكون بإذنه واقعة.
والشفاعة التي تكون بإذنه تكون لمن يرضى عنهم، والله جلَّ وعلا لا يرضى الشرك ولا يرضى عن المشرك، بل حرم الجنة على المشرك لما قال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
فتبين بهذا أن طلب الشفاعة من غير الله شرك، والمشرك محروم من ذلك.
стр. 657
كلام ابن القيم حول هذه الآية
قال الشارح: [وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣] قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلَّا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه.
فإن لم يكن مالكاً كان شريكاًً للمالك.
فإن لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً.
فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده.
فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً، منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً، وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك وموادّه لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولَعَمْرُ الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناوُل القرآنِ لهم كتناوُله لأولئك.
ثم قال: ومن أنواعه -أي: الشرك-: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالَم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلَّا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سبباً لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.
فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقُّص بالأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقَّصوا من أشركوا به غاية التنقُّص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم!].
يعني: أن هؤلاء الذين يطلبون من الأموات والأولياء الشفاعة، إذا نهاهم أهل الحق عن ذلك قالوا: أنتم لا تحبون أولياء الله، أو لا تحبون أنبياء الله! كالذي يطلب من النبي ﷺ الشفاعة، فإذا قال له إنسانٌ: هذا ما يُطلب إلَّا من الله، ولا يجوز أن تطلبه من الرسول قال له: أنت ما تحب الرسول! أو أنت تتنقَّص الرسول! وما أشبه ذلك، وهذا من الجهل؛ لأن الرسول ﷺ لا يرضى إلَّا ما رضي الله جلَّ وعلا وأمر الله به، وقد أمره الله جلَّ وعلا أن يبلغ الناس وأن يُعْلِمهم أن الشافعة ملك لله جلَّ وعلا وحده، وأنه من حق الله.
أما تنقُّصهم مَن يدعونه ويتشفعون به فمعناه: أنهم يظنون أنهم راضون عنهم بذلك، وأولياء الله وأنبياؤه لا يرضون بهذا، بل إذا اجتمعوا بهم يوم القيامة يتبرءون منهم، ويعادونهم أشد العداء، ويبرءون إلى الله من أفعالهم.
وأما ظنهم السيئ بالله جلَّ وعلا فهو أنهم ظنوا أنه يمكن للمخلوق أن يشفع لإنسان ولو لم يكن الرب جلَّ وعلا راضياً عنه، وهذا من قياسهم الخالق على المخلوق تعالى الله وتقدس، وهذا غاية التنقُّص.
فمعنى ذلك: أنهم ما عرفوا الله ولا عرفوا قدره، فوقعوا في هذه الأمور التي فيها تنقُّص المؤمنين الموحِّدين وتنقُّص الأولياء والرسل، وفيها إساءة الظن بالله جلَّ وعلا، وفيها الوقوع في الشرك، وعدم معرفة حق الله، حيث صرفوا ما هو من خالص حقه إلى مخلوق لا يملك مع الله شيئاً.
стр. 658
سبيل النجاة من الشرك الأكبر
قال ﵀: [وما نُجِّي من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلَّا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ اللهَ وحده وليه وإلهه ومعبوده].
وهذا واجب، وهو من مقتضى الإيمان: كونه يبغض المشرك ويمقته، وبغضُه ومقتُه لأجل الله جلَّ وعلا؛ لأن الله يبغض ذلك المشرك ويمقته، فهو يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، فالله جلَّ وعلا يأمره بهذا ويتبع ذلك ويتقرب بذلك إلى الله، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: ولو كان أقرب قريب إليك ووقع في شيء من ذلك فإنه فرض عليك أن تبغضه وتمقته وتتقرب إلى الله جلَّ وعلا ببغضه، والإيمان ينتفي إذا لم يحصل ذلك، قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمَاً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢] ويقول جلَّ وعلا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدَاً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] وهذا كثير في القرآن، يبين الله جلَّ وعلا أن هذا مقتضى الإيمان، وأن الذي لا يحصل ذلك منه، فإيمانه غير صحيح، فالله قطع الصلة بين المؤمن وبين المشرك والكافر، فالصلة مقطوعة نهائياً، وإنما الرابطة بين المؤمن وبين أخيه المؤمن ولو لم يكن بينه وبينه نسب، فالمؤمنون إخوة يتوادُّون فيما بينهم ويتعاونون على البر والتقوى.
أما إذا كان أخوك مشركاً أو كافراً فإنه يجب عليك أن تقطع الصلة بينك وبينه، وأن تجعل بدل الصلة العداوة والبغضاء.
قال ﵀: [فجرَّد حبَّه لله، وخوفَه لله، ورجاءَه لله، وذلَّه لله، وتوكلَه على الله، واستعانتَه بالله، والتجاءَه إلى الله، واستغاثتَه بالله، وقصدَه لله، متبعاً لأمره، متطلباً لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، فهو لله وبالله ومع الله.
انتهى كلامه رحمة الله عليه.
وهذا الذي ذكره هذا الإمام في معنى هذه الآية هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينَاً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفَاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَاً﴾ [النساء:١٢٥].
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله.
ولم يبق إلَّا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلَّا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه: (يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يُقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعطَ، واشفع تشفَّع).
وقال أبو هريرة له ﷺ : (من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: (لا إله إلَّا الله) خالصاً من قلبه) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلَّا لأهل التوحيد والإخلاص.
انتهى كلامه].
أبو العباس هي كنية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا الكلام في معنى الآية السابقة: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣] فهو يقول: إن الله جلَّ وعلا نفى أن يكون أحد من الخلق يملك شيئاً من دونه، ونفى أن يكون له اشتراك في هذا الملك، ونفى أن يكون أحد من الخلق مساعداً أو معاوناً لله تعالى وتقدس، ونفى أن تقع الشفاعة لأحد من الخلق إلَّا إذا أذن له.
وهذه الشفاعة التي نفاها هي: ما يزعم المشركون أنها تقع لمن طلبوا منه الشفاعة استقلالاً، فأخبر جلَّ وعلا أن هذا شرك، وأنه يمنع حصول الشفاعة، بل يمنع ألَّا يُعذَّبوا، فهم من المعذَّبين؛ لأنهم مشركون، ثم بين أن الشفاعة لله، كما جاء في الأحاديث التي أخبر بها الرسول ﷺ أنه لا يطلب الشفاعة استقلالاً، وإنما أول ما يفعل: أنه يسجد لربه جلَّ وعلا ويحمده ويثني عليه، وأنه لا يرفع رأسه حتى يأمره جلَّ وعلا بذلك، ولا يشفع حتى يقول له جلَّ وعلا: (اشفع) فعند ذلك يشفع.
وقوله: (فحقيقتها) يعني: حقيقة الشفاعة هي رحمة الله جلَّ وعلا للمشفوع، وإظهار كرامة الشافع، يعني: أمرُه بالشفاعة وقبول شفاعته ليظهر كرامته، فإذاً: هي رحمة من الله للشافع وللمشفوع له، والأمر كله بيد الله.
стр. 659
الشفاعة الكبرى هي المقام المحمود لنبينا ﵊
المقام المحمود الذي وعد الله جلَّ وعلا بينه في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامَاً مَحْمُودَاً﴾ [الإسراء:٧٩] معنى (محمود): أنه يُحمد على هذا المقام، والصحيح أن المقام المحمود هو الشفاعة الكبرى في الموقف؛ حتى يفصل الله بين عباده ويحاسبهم، وليس فيها أنه يشفع في قوم معينين، بل شفاعة عامة، يشفع إلى الله أنه يأتي ليحاسِب خلقه، وهذا لإظهار كرامته فقط، حتى يبلغ المقام المحمود؛ ولأن الله جلَّ وعلا أراد أن يريح المؤمنين من عناء هذا الموقف، ويدخل الكافرين في جهنم بعدما وقفوا وقوفاً طويلاً وعظيماً، وهذا جاء تفصيله في الأحاديث الصحيحة: أن الله جل وعلا إذا أراد محاسبتهم ألهمهم أن يسألوا الشفاعة من الأنبياء، والأنبياء معهم يخاطبونهم، فيطلبون منهم قائلين: اسألوا الله أن يأتي ليفصل بيننا، وليس هذا مثل سؤالهم وهم في قبورهم؛ لأنهم واقفون معهم، فالموقف فيه الأنبياء وفيه الشهداء وفيه العلماء إلخ، فلهذا أول من يذهبون إليه: آدم؛ لأنهم يتشاورون فيما بينهم بعدما يلهمهم الله جلَّ وعلا ذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك لأهل الموقف كلهم، وإنما يكون للبعض، فإذا تشاوروا فيما بينهم قالوا: (ليس هناك أحد أولى من أبيكم آدم؛ لأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، فيذهبون إليه -وهو واقف معهم- فيخاطبونه ويقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، ألا ترى ما نحن فيه؟! اشفع لنا عند الله ليحاسبنا فيريحنا من هذا الموقف، فيقول: لستُ كما تظنون، أنا عصيت ربي وأكلت من الشجرة، فأخرجني من الجنة؛ ولكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله جلَّ وعلا إلى الأرض، وقد سماه الله جلَّ وعلا عبداً شكوراً، فيذهبون إليه ويطلبون منه مثلما طلبوا من آدم، فيعتذر ويقول: إني دعوت على قومي دعوة أُغرقوا بسببها، وإني سألت ربي ما ليس لي به علم، ولا أسأل اليوم إلَّا نفسي، اذهبوا إلى غيري) ومقصودُه بهذا: قوله فيما أخبر الله جلَّ وعلا عنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] لأن الله جلَّ وعلا وعده أن ينجيه وأهله، فقال الله جلَّ وعلا له: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾ [هود:٤٦ - ٤٧] إلى آخر الآية، فهذا الذي جعله يعتذر، وقد غفر الله له وعفا عنه واجتباه، ولكن الموقف هائل، فيرسلهم إلى إبراهيم ويقول: (اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيذهبون إليه ويطلبون منه ذلك، فيعتذر، ويرسلهم إلى موسى ويقول: إن الله فضله على خلقه بكلامه حيث كلمه بلا واسطة، فيذهبون إليه ويعتذر، فيرسلهم إلى عيسى)، واعتذار إبراهيم يقول: (إني كذبت ثلاث كذبات)، وموسى يقول: (إني قتلت نفساً بلا حق)، وهذا قبل النبوة، وقتله إياه كان خطأً، أما الكذبات التي ذكرها إبراهيم ﵇ فقد قال الرسول ﷺ : (إنها كلها في ذات الله) يعني: في مجادلته الكفار وفي دعوته إلى إقامة دين الله، وهي أيضاً من المعاريض وليست كذباً صريحاً، وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وقوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] وقوله في زوجته للظالم الفاجر الكافر: إنها أختي، وقد قال لها: أنت أختي في الإسلام؛ لأنه لو قال: إنها زوجته لأخذها ظلماً، فهذه سماها كذباً من باب التجوُّز، وإلَّا فلها وجه صحيح قد عذر بها إبراهيم ﵇؛ ولكن الموقف شديد، وأما موسى ﵇ فإنه ضرب الرجل بيده، وَكَزَه بيده ولم يرد قتله، فمات بهذه الوكزة، فقتله كان خطأً، والخطأ معفوٌّ عن المخطئ يعني: ما يكون مثل الذي يفعله عمداً، وكان هذا قبل النبوة أيضاً، وقد أخبر الله جلَّ وعلا أنه غفر له، فإنه طلب من ربه أن يغفر له ذلك، فغفر له، فأخبره أنه قد غفر له، ومع ذلك يعتذر ويقول: (إني قتلت نفساً بلا نفس، فيرسلهم إلى عيسى، فإذا أتوا إلى عيسى ﵇ لا يذكر ذنباً ولكنه يعتذر، ويقول: لستُ كما تظنون، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ وهو خاتم الرسل، وهو الذي يشفع لكم، فيذهبون إليه، فإذا أتوا إليه يقول ﷺ : أخرج في سماطين من المؤمنين -يعني: في صفين يخرجون معه من الموقف- يقول: فإذا رأيت ربي خررت ساجداً، فيَدَعُني ما شاء الله أن يدَعَني، ويفتح عليَّ من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن.
جاء: أنه يُترك ساجداً قدر جمعة -أسبوع وهو ساجد-، ثم بعد ذلك يقول الله جلَّ وعلا له: أيْ محمد! ارفع رأسك، واسأل تُعْطَ، واشفع تشفَّع، فيشفع في أن الله جلَّ وعلا يأتي ليفصل بين عباده، فيعده الله جلَّ وعلا بذلك فيأتي لفصل القضاء)، هذه هي الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود، حيث يحمده كل أهل الموقف، وهذا فضل الله فهو الذي أذن له بذلك، وهو الذي أقامه هذا المقام، فالأمر كله بيد الله جلَّ وعلا.
وهذه الشفاعة متفق عليها بين أهل السنة وأهل البدع، حتى الذين ينكرون الشفاعة من المعتزلة والخوارج يقرُّون بهذه الشفاعة، وأما التي أنكروها فهي: الشفاعة في أهل الذنوب، وكونهم يُخرجون من النار، أو كونهم يُمنعون دخول النار، وهم يستحقونها بذنوبهم، فهذه أنكرها هؤلاء.
стр. 660
مسائل باب الشفاعة
стр. 661
تفسير آيات الشفاعة
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات].
الآيات في الشفاعة كثيرة، لكن المقصود: الآيات التي ذكرها، وإلَّا فالآيات في الشفاعة كثيرة جداً، وتفسيرها -والحمد لله- واضح.
فإن الآية الأولى التي ذكرها: قوله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] وتفسيرها يتبين بذكر الآية التي قبلها؛ لأن الآية التي قبلها يذكر الله جلَّ وعلا فيها: أن المشركين اتخذوا شفعاء؛ وزعموا أن شفاعتهم تقع ولو لم يأذن الله جلَّ وعلا، فأبطل الله جلَّ وعلا ذلك فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئَاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: كيف يشفعون وهم لا يملكون شيئاً؟! و (شيء) هنا: دخل فيها الشفاعة وغيرها، ومع ذلك لا يعقلون؛ لأنهم جماد ما بين شجر أو حصى: إما حصى كاللات، أو شجر كالعُزَّى وما أشبه ذلك، أو أصنام مثل كونهم يبنون الصنم بأيديهم ثم يزعمون أنه يشفع لهم! ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] فقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر:٤٤] يدل على أن الشفاعة كلها ملك لله، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿جَمِيعَاً﴾ فدل على أنه لا أحد يملك الشفاعة من دون الله جلَّ وعلا، فالشفاعة لله، وإذا أراد جلَّ وعلا أن يكرم أحداً من عباده أذن له بالشفاعة، ولكن فيمن يحدُّهم له، يقول: (هؤلاء اشفع فيهم)، وليست الشفاعة إلى الشافع.
وكذلك الآية التي ذكرها بعدها وهي قوله جلَّ وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] تبين أن الشفاعة لا تقع عند الله جلَّ وعلا إلَّا إذا أذن، وهذا أيضاً مثل قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعَاً﴾ [الزمر:٤٤] فهو لا يأذن إلَّا لمن رضي عنه، ولا يمكن للشافع أن يشفع إلَّا إذا أذن له، والإذن هو: الأمر بأن يشفع، فأصبح الأمر كله الله.
وكذلك الآية الثالثة وهي قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣] فيتبين بها أن الأمر كله لله جلَّ وعلا، وأن هؤلاء الذين يُزعم أنهم يشفعون لا يملكون مثقال ذرة لا في السماء ولا في الأرض، لا يشتركون في ملك المالك، وليس له منهم مساعد أو مظاهر أو معاون تعالى وتقدس، فالأمر كله لله جلَّ وعلا.
فيتبين بذلك أن الذي يدعو شافعاً ويطلب منه أن يشفع له ولو لم يأذن الله له أنه مشرك؛ لأنه جعل ما لله لغيره، ولهذا قال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣].
فتبين من هذه الآيات أن الشفاعة قسمان: القسم الأول: شفاعة منتفية وهي: التي يطلبها الطالب بدون إذن الله، وسواءً كان الذي تُطلب منه الشفاعة نبياً أو ملَكاً أو ولياً أو غير ذلك، فهذه منتفية، وهي الشفاعة التي زعمها الكفار في شركهم؛ لأن شركهم كله في الشفاعة، فالذين عبدوهم -يعني: دعَوهم- زعموا أنهم يشفعون لهم فقط، فما كان أحد منهم يقول: إن الأصنام أو غيرها ممن يُدعى من دون الله يملك مع الله شيئاً، وإنما يطلبون منها الشفاعة فقط، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وتبين بهذا أن طلب الشفاعة من غير الله رأساً شرك، كأن يأتي الإنسان إلى شخص ميت أو قبر أو غيره فيقول: يا فلان! اشفع لي، فهذا هو شرك المشركين.
القسم الثاني: الشفاعة المثبتة وهي: التي تقع بأمر الله ولمن ﵁، قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
стр. 662
صفة الشفاعة المنفية
[المسألة الثانية: صفة الشفاعة المنفية].
صفة الشفاعة المنفية هي: الشفاعة التي يزعمون أنها تقع ولو لم يأذن الله وهي: أن تكون للمشركين؛ لأن الشفاعة خاصة للموحدين، أما المشرك فلا تناله شفاعة الشافعين.
стр. 663
صفة الشفاعة المثبتة
[الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة].
وصفة الشفاعة المثبتة هي: التي تقع إذا أذن الله للشافع أن يشفع، والمشفوع معين يعينه الله، ويقول للشافع: (هؤلاء اشفع فيهم) كما جاء ذلك صريحاً في حديث رسول الله ﷺ أنه قال: (فيحد لي حداً فيقول: هؤلاء اشفع فيهم).
[المسألة الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ : أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد فإذا أُذن له شفع].
يعني: أنه يبدأ بالسجود أولاً، ويثني على الله ويمجده، ثم إذا أمره الله جلَّ وعلا وقال: (اشفع) شفع، أما قبل ذلك فما يشفع، وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] والمعنى: ما أحدٌ يشفع عند الله إلَّا بعد أن يأذن له، وهذا من عظمة الله جلَّ وعلا وتمام ملكه.
стр. 664
أسعد الناس بالشفاعة
[المسألة السادسة: مَن أسعد الناس بها؟].
أسعد الناس بها: أهل الإخلاص، ولا يلزم من هذا أن يكون أهل الإخلاص هم السابقون إلى الجنة؛ لأنه قد يكون العبد مخلصاً وتكون عنده ذنوب، فيستوجب بهذه الذنوب الدخول في النار، فيُشفع له ألَّا يدخل النار، أو يدخل النار، ثم يُشفع له أن يخرج منها؛ لأنه قد يترك واجبات وقد يفعل محرمات، والواجبات التي يفعلها يكون مخلصاً فيها لله.
стр. 665
الشفاعة لا تنال المشرك
[المسألة السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله].
الشفاعة لا تنال المشرك؛ لأن الرسول ﷺ -كما تقدم- قال: (كل نبي له دعوة فعجّلها في قومه) يعني: أن يدعو على قومه أن يُصابوا بالعذاب العام، كما فعل نوح ﵇ فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فاستجاب الله جلَّ وعلا له، وأغرق أهل الأرض جميعاً بدعوته، وكذلك غيره من الأنبياء، فكل نبي له دعوة فعجَّلها، والرسول ﷺ يقول: (واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً)، فبين أنها لأهل الإخلاص لأهل التوحيد، أما الذي يشرك بالله شيئاً فهو ليس أسعد الناس بها بل هو أتعسهم.
ومن المعروف أن السعادة تتفاوت، فهذه في المذنبين سواءً دخلوا النار أو لم يدخلوها، أما أسعدهم بها مطلقاً فهم السبعون ألفاً الذين يسبقون إلى الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ لأنهم لا يُدخلون الجنة إلَّا بعد الشفاعة بعد أن يشفع صلوات الله وسلامه عليه، فيأتي الله جلَّ وعلا ليفصل بين عباده ويحاسبهم، فإذا جاء ذهب هؤلاء إلى الجنة، وأول من يذهب إلى الجنة: هؤلاء السبعون ألفاً، وكذلك السابقون، والله جلَّ وعلا قد قسم الناس إلى أقسام ثلاثة: قسمين أهل سعادة.
وقسم أهل شقاء.
فأهل السعادة هم: السابقون وأصحاب اليمين.
فالسابقون هم الذين يسبقون الناس إلى الجنة، ومنهم السبعون ألفاً، فهؤلاء هم أسعد الناس على الإطلاق بشفاعة النبي ﷺ العظمى الكبرى التي يشفع فيها ليحاسَب الناس.
أما الشفاعة التي تكون في أهل الذنوب سواءً استوجبوا دخول النار، فشُفع فيهم فلم يدخلوها، أو أنهم دخلوا النار فشُفع فيهم بعدما دخلوا النار، فكلهم سعداء بها؛ ولكن أسعد اسم تفضيل، يعني: الذين يسبقون إلى الجنة على الإطلاق.
стр. 666
حقيقة الشفاعة
[المسألة الثامنة: بيان حقيقتها].
حقيقة الشفاعة: أن الله يرحم المشفوع، ويُظهر كرامة الشافع، وإلَّا فالشافع لا يؤثر في الله شيئاً، فإنه ما شاء فعل، وما لم يشأ لم يفعل، وإنما المقصود فقط: إظهار كرامته، وليس معنى الشفاعة أنه: إذا شفع أثر في الله في أن يفعل شيئاً ما يريد فعله، تعالى الله! هذا ما يكون إلَّا في المخلوق فقط، أما الخالق جلَّ وعلا فهو لتمام ملكه لا أحد يملك الشفاعة عنده، وإنما حقيقتها: أن الله يرحم عبده، ويظهر كرامة الشافع، وإلَّا فكل الأمر بيد الله جلَّ وعلا.
стр. 667
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٦]
قسم العلماء ﵏ الهداية إلى قسمين: هداية توفيق، وهذه لا تكون إلا لله ، والهداية الثانية: هداية دلالة وتوجيه وإرشاد، وهذه تكون للنبي ﷺ وغيره من الدعاة والمرشدين.
стр. 668
قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)
قال المصنف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]].
هذا الباب ترجمه بهذه الآية، وغالب الكتاب يترجمه بآيات، ثم يذكر آية بعدها أو آيتين أو حديث فقط، فهو كتاب يعتمد على كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، وليس فيه آراء ولا ذكر قول فلان وفلان، وهو أيضاً مختصر جداً وواضح، بحيث إنه يمكن للإنسان أن يحفظه في أيام قلائل.
ومراده بهذه الترجمة وهي قوله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] أن يبين ضلال الذين يتعلقون بالأولياء، ويدعونهم زاعمين أنهم يكشفون الكروب! ويعلمون ما في القلوب! ويغفرون الذنوب! فهو يقول: هذه الآية تدل على أن سيد الخلق محمداً صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أقرب الناس إلى الله وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهاً، لا يملك شيئاً من هداية القلوب أو نجاة أحد من العذاب، ولو كان يملك شيئاً لكان أحق من يخصه بالهداية هو من كان يحوطه ويحميه منذ صغره إلى السنة الثامنة في البعثة أو قريباً من ذلك، كان يحوطه ويحميه ويدافع عنه ويتفانى في ذلك ويتحمل في سبيل ذلك العنت الشديد، حتى إنه بقي محبوساً معه في شِعب من شعاب مكة ثلاث سنوات، لا يبايَع ولا يُشترى منه، ولا يُجلب له طعام، ولا يُخطب منه النساء ولا يُنكَحون، فحاصروه حصاراً شديداً جداً، وكل هذا لأجل رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لَمَّا حضرته الوفاة جاء إليه وقال: (يا عم، قل: (لا إله إلَّا الله) كلمةً أحاجُّ بها لك عند الله)، فأعادها عليها مراراً، ولم يستطع أن يجعله قائلاً لها، فمات على الشرك.
فكيف بعد هذا يسوغ لأحد من الناس أن يأتي إلى مخلوق ويسأله أن يغفر ذنوبه، أو أن يهدي قلبه، أو أن ينصره على العدو، أو أن يشفع له عند الله ويقربه، أو أن يكون هو الملجأ في جميع الملمات، كما يقول قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلَّا فقل يا زلة القدمِ ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي إذا الكريمُ تحلى باسم منتقمِ فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ إلى آخره، وما أشبه ذلك، وهذا كذب على الله جلَّ وعلا وعلى رسوله ﷺ ، فإن الدنيا والآخرة بيد الله، وليست من جملة جود النبي ﷺ ، وأما علم اللوح والقلم فقد استأثر الله جلَّ وعلا به فلا يُطلِع عليه أحداً من خلقه إلا من شاء على جزئيات منه، أما اللوح والقلم فقد كتب فيه كل شيء إلى أن يستقر أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ في النار؛ ولكن الغلو هو الذي يحدو بهؤلاء، ويجعلهم يسلبوا خصائص الله جلَّ وعلا ويعطوها البشر، مع أن القرآن قد نهى عن ذلك نهياً جلياً، فكيف يمكن اجتماع الإيمان بمثل هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] والإيمان بمثل هذه الأبيات؟! هذا يتناقض تمام المناقضة، ولا يمكن أن يجتمع إيمان بهذا وبهذا، إما أن يؤمن بهذه الأبيات وبمعانيها ويكفر بآيات الله وما قاله الله جلَّ وعلا ودعوة الرسول ﷺ التي جاء بها؛ أو أن يكفر بهذه الأبيات وما دلت عليه، وغيرُها كثير، ويكون الحق هو ما قاله الله جلَّ وعلا وما قاله رسوله ﷺ .
وقد أراد المؤلف من الترجمة بهذه الآية تحذير من يتعلق بغير الله جلَّ وعلا زاعماً أن من سأله وطلب منه أنه ينفعه ولو لم يأذن الله! كما هي الوقائع الكثيرة المشاهَدة في الناس، والواجب على الإنسان أن يتفهم خطاب الله جلَّ وعلا وكلامه؛ لأنه فيه النور والهدى.
стр. 669
أنواع الهداية
قوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] المقصود بالهداية هنا: هداية التوفيق بأن يخلق الله في قلبه محبة الخير وإرادته، فهذه من الله لا يملكها النبي ﷺ ولا غيره، وهذه الهداية هي التي نفيت عن النبي ﷺ .
أما قوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] فمعنى ذلك: هداية الدلالة والإرشاد، فهو يدل ويرشد، ولكن لا يملك مما في القلوب شيئاً، بل يبين الحق ويدل عليه؛ لأنه مبلِّغ عن الله جلَّ وعلا، فجعل له هداية البيان والدلالة، ونفى عنه هداية التوفيق والخلق وتكريه الباطل وتبغيضه، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلَاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] هذا كله فضل من الله على الإنسان، والإنسان لا يستحق على الله شيئاً؛ ولكن إذا تفضل الله جلَّ وعلا على عبده حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فيكون بذلك راشداً، وهذه الهداية خاصة بالله جل وعلا، وهي التي نفيت عن النبي ﷺ .
فلا يكون هناك تعارض بين ما نفي عنه وما أثبت له، فالذي نُفي غير المثبت.
المثبت: البيان والإرشاد إلى الحق.
والمنفي: هداية القلوب، فهي إلى الله، وهي المراده بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] يعني: ما تستطيع أن تجعل في قلب من تحبه إرادةً للخير ومحبةً له وكراهيةً للكفر والشرك وبغضاً له، هذا إلى الله جلَّ وعلا، فإذا كانت الهداية -التي هي هداية التوفيق- بيد الله، فيجب أن تُطلب من الله ولا تطلب من غيره.
قال الشارح ﵀: [قوله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] سبب نزول هذه الآية: موت أبي طالب على ملة عبد المطلب كما سيأتي بيان ذلك في حديث الباب].
كون سبب نزول الآية هو موت أبي طالب هذا أمر متفق عليه وثابت في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب، وغيره والآية مكية؛ ولكن سيأتي أن آيةً أخرى نزلت في ذلك، ويأتي البحث فيها.
стр. 670
الهداية بيد الله وليس على الرسول إلا البلاغ
قال الشارح ﵀: [قال ابن كثير رحمة الله عليه: يقول تعالى لرسوله: إنك يا محمد لا تهدي من أحببت، أي: ليس إليك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]].
من المعلوم أن الرسول ﷺ حريص على هداية أمته، فكان حريصاً على هداية الكفار أشد الحرص، ولهذا نهاه الله جلَّ وعلا عن المبالغة في ذلك فقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] يعني: قاتل نفسك، ويقول جلَّ وعلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٢] وقال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، في آيات كثيرة نهاه عن الحزن عليهم، ونهاه عن كونه يحرص كل الحرص على ذلك؛ لأن الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران:٢٠] أي: عليك أن تبلغ وتبين، وأما الهداية فهي إلى الله؛ لأنهم عبيدُه يتصرف بهم كيف يشاء؛ ولهذا قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] وإنما عليك أن تبلغ، والأمر إلى الله جلَّ وعلا، فكُلِّف بالبلاغ ولم يُكَلَّف بهداية القلوب فإنها إلى الله جلَّ وعلا، فكان حريصاً حرصاً عاماً وخاصاً.
ومعلوم ما وقع له ﷺ من عمه من الحماية، فما استطاع الكفار أن يصلوا إليه بالأذى لما كان أبو طالب حياً، فقد كان يحوطه، وكان رئيساً في قومه معظماً، وكانوا لا يجرءون على مخالفته، ولا يستطيعون أن يصلوا إليه، وقد كان يقول: لن تصلوا إلى ابننا حتى نقتل حوله مجندلين، فكان مستعداً أن يقاتل حتى يُقتل، ومع ذلك كان على دين قومه.
وهذه من حكمة الله جلَّ وعلا؛ ليبين لخلقه جلَّ وعلا أن الرسول ليس بيده شيء من هداية الناس، وإنما الهداية بيد الله جلَّ وعلا يختص بها من يشاء، وهو أعلم بمواقع فضله، وأين يضع فضله.
ومن المعلوم أن الإنسان أعطي عقلاً ونظراً وفكراً، ثم جاءته رسالة من الله، وبُين له طريق الخير وطريق الشر، فقيل له: هذا الخير فاسلكه، وهذا الشر فاجتنبه، فجُعل الأمر إليه، وهذه الدلالة بإمكان كل أحد، أما جَعْله محباً للخير ومبغضاً للشر فهذا فضل الله، وإذا تفضل به على مخلوق فيجب عليه أن يشكره، ويعرف حقه عليه، ويزداد عبادةً له جلَّ وعلا.
فعلى المسلم أن يقارن حالته مع حالة الكفار الآن، فالكافرون اليوم كثيرون جداً، الأرض مملوءة منهم، وكلهم عندهم أفكار وعندهم عقول كبيرة، يخترعون المخترعات، ويجيدون الصناعات؛ ولكن مُنعوا أفضل ما يكون، مُنعوا الإيمان بالله جلَّ وعلا، وأنت أيها المسلم قد تفضل الله جلَّ وعلا عليك بالإيمان، فهل لأنك أكثر منهم عقلاً؟! لا.
لست أكثر منهم عقلاً، وإنما هذا فضل الله يختص به من يشاء جلَّ وعلا.
فالمقصود: أن من الحكم التي تظهر للمتأمل في كون الرسول ﷺ لم يستطع أن يقنع أبا طالب بدعوته ويجعله مسلماً أن الأمر كله لله، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئاً، وقد حرص أشد الحرص على هداية عمه فما استطاع.
وهذا مما يبين بوضوح أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، وأنْ ليس للرسول ﷺ من ذلك شيء؛ لأنه عبدٌ لله كلفه الله بإبلاغ رسالته.
وكذلك يتبين أن التعلق بالنسب والقرابة لا تُجدي شيئاً ولا تفيد شيئاً، وإنما الذي يفيد هو: تقوى الله وطاعته فقط، فهذا أبو لهب عمه أخو أبيه، ومع ذلك ﴿سيصلى نَارَاً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] فلم تنفعه القرابة ولم تجد عنه شيئاً، وإنما الصلة بين الإنسان وبين السعادة: بطاعة الله جلَّ وعلا وامتثال أمره واجتناب نهيه.
قال الشارح ﵀: [قلت: والمنفي هنا هداية التوفيق والقبول فإن أمر ذلك إلى الله وهو القادر عليه، وأما الهداية المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فإنها هداية الدلالة والبيان، فهو المبين عن الله، والدال على سدينه وشرعه].
следующие страницы →