Полный текст (2 090 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
حقيقة الشفاعة
[المسألة الثامنة: بيان حقيقتها].
حقيقة الشفاعة: أن الله يرحم المشفوع، ويُظهر كرامة الشافع، وإلَّا فالشافع لا يؤثر في الله شيئاً، فإنه ما شاء فعل، وما لم يشأ لم يفعل، وإنما المقصود فقط: إظهار كرامته، وليس معنى الشفاعة أنه: إذا شفع أثر في الله في أن يفعل شيئاً ما يريد فعله، تعالى الله! هذا ما يكون إلَّا في المخلوق فقط، أما الخالق جلَّ وعلا فهو لتمام ملكه لا أحد يملك الشفاعة عنده، وإنما حقيقتها: أن الله يرحم عبده، ويظهر كرامة الشافع، وإلَّا فكل الأمر بيد الله جلَّ وعلا.
стр. 667
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٦]
قسم العلماء ﵏ الهداية إلى قسمين: هداية توفيق، وهذه لا تكون إلا لله ، والهداية الثانية: هداية دلالة وتوجيه وإرشاد، وهذه تكون للنبي ﷺ وغيره من الدعاة والمرشدين.
стр. 668
قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)
قال المصنف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]].
هذا الباب ترجمه بهذه الآية، وغالب الكتاب يترجمه بآيات، ثم يذكر آية بعدها أو آيتين أو حديث فقط، فهو كتاب يعتمد على كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، وليس فيه آراء ولا ذكر قول فلان وفلان، وهو أيضاً مختصر جداً وواضح، بحيث إنه يمكن للإنسان أن يحفظه في أيام قلائل.
ومراده بهذه الترجمة وهي قوله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] أن يبين ضلال الذين يتعلقون بالأولياء، ويدعونهم زاعمين أنهم يكشفون الكروب! ويعلمون ما في القلوب! ويغفرون الذنوب! فهو يقول: هذه الآية تدل على أن سيد الخلق محمداً صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أقرب الناس إلى الله وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهاً، لا يملك شيئاً من هداية القلوب أو نجاة أحد من العذاب، ولو كان يملك شيئاً لكان أحق من يخصه بالهداية هو من كان يحوطه ويحميه منذ صغره إلى السنة الثامنة في البعثة أو قريباً من ذلك، كان يحوطه ويحميه ويدافع عنه ويتفانى في ذلك ويتحمل في سبيل ذلك العنت الشديد، حتى إنه بقي محبوساً معه في شِعب من شعاب مكة ثلاث سنوات، لا يبايَع ولا يُشترى منه، ولا يُجلب له طعام، ولا يُخطب منه النساء ولا يُنكَحون، فحاصروه حصاراً شديداً جداً، وكل هذا لأجل رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لَمَّا حضرته الوفاة جاء إليه وقال: (يا عم، قل: (لا إله إلَّا الله) كلمةً أحاجُّ بها لك عند الله)، فأعادها عليها مراراً، ولم يستطع أن يجعله قائلاً لها، فمات على الشرك.
فكيف بعد هذا يسوغ لأحد من الناس أن يأتي إلى مخلوق ويسأله أن يغفر ذنوبه، أو أن يهدي قلبه، أو أن ينصره على العدو، أو أن يشفع له عند الله ويقربه، أو أن يكون هو الملجأ في جميع الملمات، كما يقول قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العممِ إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلَّا فقل يا زلة القدمِ ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بي إذا الكريمُ تحلى باسم منتقمِ فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ إلى آخره، وما أشبه ذلك، وهذا كذب على الله جلَّ وعلا وعلى رسوله ﷺ ، فإن الدنيا والآخرة بيد الله، وليست من جملة جود النبي ﷺ ، وأما علم اللوح والقلم فقد استأثر الله جلَّ وعلا به فلا يُطلِع عليه أحداً من خلقه إلا من شاء على جزئيات منه، أما اللوح والقلم فقد كتب فيه كل شيء إلى أن يستقر أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ في النار؛ ولكن الغلو هو الذي يحدو بهؤلاء، ويجعلهم يسلبوا خصائص الله جلَّ وعلا ويعطوها البشر، مع أن القرآن قد نهى عن ذلك نهياً جلياً، فكيف يمكن اجتماع الإيمان بمثل هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] والإيمان بمثل هذه الأبيات؟! هذا يتناقض تمام المناقضة، ولا يمكن أن يجتمع إيمان بهذا وبهذا، إما أن يؤمن بهذه الأبيات وبمعانيها ويكفر بآيات الله وما قاله الله جلَّ وعلا ودعوة الرسول ﷺ التي جاء بها؛ أو أن يكفر بهذه الأبيات وما دلت عليه، وغيرُها كثير، ويكون الحق هو ما قاله الله جلَّ وعلا وما قاله رسوله ﷺ .
وقد أراد المؤلف من الترجمة بهذه الآية تحذير من يتعلق بغير الله جلَّ وعلا زاعماً أن من سأله وطلب منه أنه ينفعه ولو لم يأذن الله! كما هي الوقائع الكثيرة المشاهَدة في الناس، والواجب على الإنسان أن يتفهم خطاب الله جلَّ وعلا وكلامه؛ لأنه فيه النور والهدى.
стр. 669
أنواع الهداية
قوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] المقصود بالهداية هنا: هداية التوفيق بأن يخلق الله في قلبه محبة الخير وإرادته، فهذه من الله لا يملكها النبي ﷺ ولا غيره، وهذه الهداية هي التي نفيت عن النبي ﷺ .
أما قوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] فمعنى ذلك: هداية الدلالة والإرشاد، فهو يدل ويرشد، ولكن لا يملك مما في القلوب شيئاً، بل يبين الحق ويدل عليه؛ لأنه مبلِّغ عن الله جلَّ وعلا، فجعل له هداية البيان والدلالة، ونفى عنه هداية التوفيق والخلق وتكريه الباطل وتبغيضه، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلَاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٨] هذا كله فضل من الله على الإنسان، والإنسان لا يستحق على الله شيئاً؛ ولكن إذا تفضل الله جلَّ وعلا على عبده حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فيكون بذلك راشداً، وهذه الهداية خاصة بالله جل وعلا، وهي التي نفيت عن النبي ﷺ .
فلا يكون هناك تعارض بين ما نفي عنه وما أثبت له، فالذي نُفي غير المثبت.
المثبت: البيان والإرشاد إلى الحق.
والمنفي: هداية القلوب، فهي إلى الله، وهي المراده بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] يعني: ما تستطيع أن تجعل في قلب من تحبه إرادةً للخير ومحبةً له وكراهيةً للكفر والشرك وبغضاً له، هذا إلى الله جلَّ وعلا، فإذا كانت الهداية -التي هي هداية التوفيق- بيد الله، فيجب أن تُطلب من الله ولا تطلب من غيره.
قال الشارح ﵀: [قوله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] سبب نزول هذه الآية: موت أبي طالب على ملة عبد المطلب كما سيأتي بيان ذلك في حديث الباب].
كون سبب نزول الآية هو موت أبي طالب هذا أمر متفق عليه وثابت في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب، وغيره والآية مكية؛ ولكن سيأتي أن آيةً أخرى نزلت في ذلك، ويأتي البحث فيها.
стр. 670
الهداية بيد الله وليس على الرسول إلا البلاغ
قال الشارح ﵀: [قال ابن كثير رحمة الله عليه: يقول تعالى لرسوله: إنك يا محمد لا تهدي من أحببت، أي: ليس إليك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]].
من المعلوم أن الرسول ﷺ حريص على هداية أمته، فكان حريصاً على هداية الكفار أشد الحرص، ولهذا نهاه الله جلَّ وعلا عن المبالغة في ذلك فقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] يعني: قاتل نفسك، ويقول جلَّ وعلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٢] وقال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، في آيات كثيرة نهاه عن الحزن عليهم، ونهاه عن كونه يحرص كل الحرص على ذلك؛ لأن الأمر إلى الله، وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران:٢٠] أي: عليك أن تبلغ وتبين، وأما الهداية فهي إلى الله؛ لأنهم عبيدُه يتصرف بهم كيف يشاء؛ ولهذا قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] وإنما عليك أن تبلغ، والأمر إلى الله جلَّ وعلا، فكُلِّف بالبلاغ ولم يُكَلَّف بهداية القلوب فإنها إلى الله جلَّ وعلا، فكان حريصاً حرصاً عاماً وخاصاً.
ومعلوم ما وقع له ﷺ من عمه من الحماية، فما استطاع الكفار أن يصلوا إليه بالأذى لما كان أبو طالب حياً، فقد كان يحوطه، وكان رئيساً في قومه معظماً، وكانوا لا يجرءون على مخالفته، ولا يستطيعون أن يصلوا إليه، وقد كان يقول: لن تصلوا إلى ابننا حتى نقتل حوله مجندلين، فكان مستعداً أن يقاتل حتى يُقتل، ومع ذلك كان على دين قومه.
وهذه من حكمة الله جلَّ وعلا؛ ليبين لخلقه جلَّ وعلا أن الرسول ليس بيده شيء من هداية الناس، وإنما الهداية بيد الله جلَّ وعلا يختص بها من يشاء، وهو أعلم بمواقع فضله، وأين يضع فضله.
ومن المعلوم أن الإنسان أعطي عقلاً ونظراً وفكراً، ثم جاءته رسالة من الله، وبُين له طريق الخير وطريق الشر، فقيل له: هذا الخير فاسلكه، وهذا الشر فاجتنبه، فجُعل الأمر إليه، وهذه الدلالة بإمكان كل أحد، أما جَعْله محباً للخير ومبغضاً للشر فهذا فضل الله، وإذا تفضل به على مخلوق فيجب عليه أن يشكره، ويعرف حقه عليه، ويزداد عبادةً له جلَّ وعلا.
فعلى المسلم أن يقارن حالته مع حالة الكفار الآن، فالكافرون اليوم كثيرون جداً، الأرض مملوءة منهم، وكلهم عندهم أفكار وعندهم عقول كبيرة، يخترعون المخترعات، ويجيدون الصناعات؛ ولكن مُنعوا أفضل ما يكون، مُنعوا الإيمان بالله جلَّ وعلا، وأنت أيها المسلم قد تفضل الله جلَّ وعلا عليك بالإيمان، فهل لأنك أكثر منهم عقلاً؟! لا.
لست أكثر منهم عقلاً، وإنما هذا فضل الله يختص به من يشاء جلَّ وعلا.
فالمقصود: أن من الحكم التي تظهر للمتأمل في كون الرسول ﷺ لم يستطع أن يقنع أبا طالب بدعوته ويجعله مسلماً أن الأمر كله لله، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئاً، وقد حرص أشد الحرص على هداية عمه فما استطاع.
وهذا مما يبين بوضوح أن العبادة يجب أن تكون لله وحده، وأنْ ليس للرسول ﷺ من ذلك شيء؛ لأنه عبدٌ لله كلفه الله بإبلاغ رسالته.
وكذلك يتبين أن التعلق بالنسب والقرابة لا تُجدي شيئاً ولا تفيد شيئاً، وإنما الذي يفيد هو: تقوى الله وطاعته فقط، فهذا أبو لهب عمه أخو أبيه، ومع ذلك ﴿سيصلى نَارَاً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] فلم تنفعه القرابة ولم تجد عنه شيئاً، وإنما الصلة بين الإنسان وبين السعادة: بطاعة الله جلَّ وعلا وامتثال أمره واجتناب نهيه.
قال الشارح ﵀: [قلت: والمنفي هنا هداية التوفيق والقبول فإن أمر ذلك إلى الله وهو القادر عليه، وأما الهداية المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فإنها هداية الدلالة والبيان، فهو المبين عن الله، والدال على سدينه وشرعه].
стр. 671
قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم)
قوله جلَّ وعلا في قوم صالح: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] (هديناهم) يعني: بينا لهم بياناً واضحاً ليس فيه لبس؛ لأنهم أجيبوا إلى اقتراحهم الذي اقترحوه، وقد اقترحوا شيئاً كانوا يظنون استحالة وقوعه، فقالوا لنبيهم: ما نؤمن بك حتى تُخرج لنا من هذا الجبل ناقة عظيمة، كلنا يشرب من لبنها ويروى! -كل أهل البلد! - فإذا أخرجت لنا ناقة من هذا الجبل آمنا بك، فأخذ عهودهم ومواثيقهم أن يؤمنوا، فأعطوه ذلك، فسأل ربه، فصار الجبل يتمخض كأنه ناقة، فانفلق عن ناقة عظيمة على الوصف الذي أرادوا، فصاروا كلهم يشربون من لبنها، يشربون مرة واحدة من لبنها، ومعها أيضاً فصيل لها، ومع ذلك كفروا، فهُدوا إلى هذا؛ لأن هذا أمر باهر يضطر الإنسانَ إلى أن يؤمن بالله جلَّ وعلا، ولكن -مع ذلك- لما حكم الله جلَّ وعلا عليهم بالضلالة في قضائه وقدره ما نفعهم هذا، فكفروا بنبيهم وعقروا الناقة، فأخذهم العذاب العاجل.
стр. 672
قصة وفاة أبي طالب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن المسيَّب عن أبيه].
هو ابن المسيَّب ويقال: ابن المسيِّب، وكان يقول: سيَّب الله من سيَّبني، فلهذا يقول العلماء: ابن المسيِّب ليتجنبوا دعوته؛ لأنه ما كان يرضى بهذا الاسم.
[قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له: يا عم! قل: (لا إله إلَّا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: (لا إله إلَّا الله)، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦])].
أما سعيد ﵀ فهو تابعي وأحد الفقهاء السبعة، بل قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه.
وأبوه مسيَّب بن حُزن صحابي، وجده كذلك حُزن صحابي قتل في وقعة اليمامة شهيداً، وأبوه هو الذي روى هذا الحديث، ويجوز أنه كان حاضراً عند أبي طالب، أما قول بعضهم: إن هذا من مراسيل الصحابة فليس صحيحاً.
وأبو جهل اسمه: الحكم بن هشام؛ ولكن سماه رسول الله ﷺ : أبا جهل، وكذلك عبد الله بن أبي أمية، وكلاهما مخزومي، وكذلك المسيَّب من بني مخزوم، فيجوز أنه كان حاضراً هذه القصة.
ومعنى قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) يعني: لما قَرُب من الموت، وتبينت فيه علاماته، والإنسان يتبين قُرْب الموت منه، وكل الناس يعرفون هذا، وعند ذلك أتاه الرسول ﷺ وكان عنده هذان الرجلان: أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له: (يا عم)، وهذا الكلمة (يا عم) أراد بها الاستعطاف لعله يقبل هذه الكلمة، فهو يجتهد في ذلك، فقال: قل: (لا إله إلَّا الله)، ومن المعلوم أن العرب يعرفون معنى (لا إله إلَّا الله)، وأن معناها: حصر التألُّه والعبادة في الله وحده، وألَّا يُجعل منها شيء لغيره، فنظر إليه وكاد أن يقولها، فمنعه جلساء السوء أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، وإن كان عبد الله أسلم فيما بعد، ومات أبو جهل كافراً، وقد قُتل في وقعة بدر كافراً.
أما المسيَّب فإنه أسلم هو وأبوه كما عرفنا، فلما قال له الرسول ﷺ هذه الكلمة نظر إليه وكاد أن يقولها؛ ولكن حكمةَ الله يريده ألا يؤمن، فقالا له: (أترغب عن ملة عبد المطلب؟!) وهذا يدلنا على أمور، منها: أنهم يعرفون معنى (لا إله إلَّا الله)، وأن الإنسان إذا قالها خرج بها عن ملة عبد المطلب التي هي ملة الشرك إلى ملة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وصار مسلماً بهذه الكلمة.
وكذلك فيه مضرة تعظيم الأسلاف والكبراء، ومضرة التقليد، إذ إنه منعه الإيمان! فلما قالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! أحجم وسكت، فأعاد عليه الرسول ﷺ قوله: (يا عم! قل: (لا إله إلَّا الله) كلمةً أحاج لك بها عند الله)، فأعادا عليه الكلمة فقط: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! ثم قال: هو على ملة عبد المطلب)، وكلمة (هو) هذه غيَّرها الرواي؛ لأنه استبشع واستقبح أن يقول: أنا على ملة عبد المطلب، وقد جاء في مسند الإمام أحمد بهذا اللفظ: (أنا على ملة عبد المطلب)، فمات على ذلك.
يقول الحافظ: من أحسن الأمور: كون الإنسان يغير الكلمة التي إذا رويت كما هي كانت بشعة قبيحة، فيغيرها ويصرفها إلى ما هو حسن طيب؛ لأن المعنى مفهوم وواضح.
وهذا يدلنا على أن الأعمال بالخواتيم، وأنه لو قال هذه الكلمة في تلك الحال لنفعته؛ ولَحُكِم له بالإسلام، ومن المعلوم أن الناس في مكة في ذلك الوقت قسمان فقط، ليس فيهم منافق؛ لأن المسلمين مستضعفون، والكفار هم الذين لهم الكلمة، وهم الذين لهم الدولة ولهم البلد، ومن أسلم من أبنائهم وإخوتهم عذبوه وأرهبوه، إلَّا أن يفر أو تكون له قوة أو قبيلة تحميه، وكثير منهم عُذِّب وقُتِل تحت التعذيب لأجل أنه أسلم! فلهذا لم يوجد فيهم في العهد المكي منافق، وإنما النفاق وُجِد في المدينة لما جاء النبي ﷺ مهاجراً، وصار له أنصار وقوة، وكان في المدينة خليط من المؤمنين والمشركين واليهود، واليهود كانوا كثيرين، وهم قبائل ثلاث كما هو معروف: بنو قينقاع.
وبنو النضير.
وبنو قريظة.
وكل قبيلة تزعم أنها هي القوية.
فلما وقعت غزوة بدر، وانتصر المسلمون فيها، بدأ النفاق عندما ظهرت قوة الرسول ﷺ وقوة المؤمنين، والإنسان إذا قال: (لا إله إلَّا الله) حُكم له بالإسلام ظاهراً، فإن كان قد عَرف معناها -معنى هذه الكلمة- وعمل بمعناها في نفسه وما دلت عليه؛ فهو مسلم ظاهراً وباطناً، أما إذا قالها بلسانه فقط، وهو في قلبه منكر لمعناها فهذا هو المنافق، ويكون حكمه حكم المسلمين في الظاهر، وأما في الباطن فهو من أهل الكفر ومن أهل النار، بل هو تحت الكافرين في الدرك الأسفل من النار؛ لأنه قدم خشية الناس على خشية الله، وجعل خوف الناس أعظم من خوف الله عنده، وأما في هذه الحال فلا يمكن للإنسان إلَّا أن يعتبر معرفة المعنى فقط، ويعتقده بقلبه؛ لأنه لا يمكنه العمل عند قُرْب الموت، فيشترط فقط أن يعرف المعنى، ويعتقده بقلبه، ولا يلزم أن يعمل؛ لأنه لا يستطيع العمل، فقد انتهت القضية.
فإذا مات الإنسان قائلاً لهذه الكلمة عارفاً لمعناها فإنه يُحكم له بالإسلام كما هو ظاهر هذا الحديث، ولهذا قال: (كلمةً أحاج لك لها عند الله) يعني: قل: (لا إله إلَّا الله) وهذه الكلمة هي كلمة الإيمان.
стр. 673
كلمة التوحيد تنقل قائلها من ملة الكفر إلى ملة الإسلام
قولهم: (أترغب عن ملة عبد المطلب؟!) يدلنا على أنه لو قالها لانتقل من ملة إلى ملة أخرى، من ملة الكفر والشرك إلى ملة الإسلام، وإلَّا فـ عبد المطلب نفسه يؤمن بأن الله هو الرب المتفرد، فإنه لما أخذ أبرهة الحبشي إبله، فذهب إليه؛ نظر إليه أبرهة فأعجبه وأعظمه فقال لترجمانه: قل له: يسأل ويطلب ما يشاء، فقال: أطلب إبلي، فقال لترجمانه: قل له: إنك سقطت من عيني بعدما كنتَ في عيني كبيراً؛ جئتُ لأجل هدم بيت هو شرفك وشرف آبائك، وتسألني: أين الإبل؟! لماذا لم تسأل عن البيت لئلا أتعرض له ولئلا أهدمه؟ فقال له عبد المطلب: أنا رب الإبل، وأما البيت فله رب سيحميه، ويقصد بالرب: الله جلَّ وعلا، وقد وقع أن حماه الله حمايةً لا يحميها البشر.
فالمقصود: أنه كان يؤمن بالله، ويؤمن بأنه الرب القادر على كبت الكافرين الذين يريدون هدم البيت، ومع ذلك ما نفعه هذا؛ لأنه مات مشركاً.
وفي هذا أيضاً دليل واضح بأن أبا طالب مات على الشرك، كما هو صريح في هذا الحديث، وأما قول الحافظ ﵀ في (فتح الباري): إن قول الراوي: (فمات على ذلك)، يظهر أنه استند إلى هذه الكلمة.
والصواب: أنه استند إلى الواقعة وإلى ما حدث وما حصل؛ ولهذا نزل قول الله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] فالأمر واضح في هذا.
وأما ما ذكره السهيلي أن في بعض الكتب للمسعودي أن أبا طالب قال: (لا إله إلَّا الله)، فهذا لا يجوز أن يُلتفت إليه مع ما ثبت في الأحاديث التي في الصحيحين، وما جاء الإشارة إليه في كتاب الله، والمسعودي معروف حاله، فهو رجل من الرافضة، والرافضة مذهبهم أن أبا طالب ناجٍ، وعبد المطلب ناجٍ.
وهذه الآية التي نزلت فيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] واضحةٌ.
وأما قوله: وأنزل الله جلَّ وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤] فالاستدلال بهذه الآية ليس واضحاً؛ لأن هذه الآية من آخر ما نزل، هذه الآية في سورة (التوبة)، وسورة (التوبة) نزلت في رجوعه ﷺ من غزوة تبوك في آخر الأمر، ويجوز أن تكون نزلت قبل هذا؛ ولكن هناك أحاديث صحيحة تعترض على هذا، مثل: كون الرسول ﷺ يستغفر للمنافقين، وقد صلى على عبد الله بن أبي، وأعطى ابنه ثوبه يكفنه فيه، واستغفر له حتى أمسك عمر ثوبه وقال: (يا رسول الله! أتصلي عليه وقد قال: كذا وكذا وكذا وكذا؟ فقال له: دعني؛ إن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] فوالله! لو أعلم أني إذا زدتُ على السبعين غُفِر لهم لزدتُ، ثم أنزل الله جلَّ وعلا عليه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدَاً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]).
فهذا يدل على أنه كان يستغفر للمنافقين ويصلي على بعضهم.
وكذلك جاء في الصحيح أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اعتمر عمرة القضاء مَرَّ بقبر أمه فزاره وبكى وقال: (إني استأذنت ربي في الاستغفار لها فأبى، فاستأذنت في زيارة قبرها فأذن لي، فزوروا القبور ولا تقولوا هجراً) فلو كانت الآية هذه قد نزلت قبل تلك الحادثة، لما قال الرسول ﷺ هذا القول: (فاستأذنت ربي في الاستغفار لأمي) لأنه قد نُهي، وعلى هذا فالصواب: أن النهي عن الاستغفار كان متأخراً، يعني: أن الرسول ﷺ بعدما مات أبو طالب كان يستغفر له، فسمع المؤمنون ذلك فقالوا: نستغفر لآبائنا كما أن النبي ﷺ يستغفر لـ أبي طالب، فنزلت الآية بعد وقت، ولا مانع أن يقال: إن أسباب النزول تعددت، فيكون هذا سبباً وهذا سبباً، وقد جاء أن علي بن أبي طالب ﵁ سمع رجلاً يستغفر لأبويه وهما قد ماتا مشركَين، فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك فنزل قول الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة:١١٣] إلى آخره، ويكون هذا القول ثالثاً إذا صحَّ، والله أعلم.
стр. 674
معنى قول المصنف: (في الصحيح)
قول المؤلف: (في الصحيح): هو لا يقصد أنه في الكتاب، يعني: في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم، وإنما قصده أعم من هذا، فإذا قال: في الصحيح فيعني: في الحديث الصحيح الثابت، ويجوز أن يكون في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم أو في غيرهما.
стр. 675
ترجمة سعيد بن المسيب وأبوه وجده
قال الشارح رحمه الله تعالى: [و (ابن المسيِّب) هو: سعيد بن المسيِّب بن حُزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء والفقهاء الكبار السبعة من التابعين، اتفق أهل الحديث على أن مراسيله أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين.
وأبوه المسيِّب صحابي، بقي إلى خلافة عثمان ﵁، وكذلك جده حُزن صحابي، استشهد باليمامة].
وهو الذي أراد الرسول ﷺ أن يغير اسمه فقال: (اسمك: سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أهلي).
فأبى أن يغيره؛ ولهذا يقول سعيد: لم تزل تلك الحزونة فينا؛ لأن الاسم قد يكون له أثر، ولا سيما إذا كان الرسول ﷺ قد طلب منه أن يغيره فأبى.
стр. 676
التوبة لا تقبل عند الغرغرة
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) أي: علاماتها ومقدماتها].
لماذا يقول: علاماتها ومقدماتها؟ لأن الإنسان إذا عاين الموت ما يفيده قول: (لا إله إلَّا الله)، كما قال ﷺ : (تُقبل توبة العبد ما لم يغرغر) والغرغرة هي: أن تبدأ الروح بالخروج، وفي رواية: (ما لم يعايِن) والمعاينة هي: معاينة الموت، إما يعاين الملائكة أو يُوقن بأنه ميت؛ لأنه انتهت حياته، وفي هذه الحالة لا تُقبل التوبة، وإنما تُقبل التوبة ما دامت الحياة مستقرة؛ ولهذا قال: علاماتها، يعني: علامات الوفاة، وعلاماتها: شدة المرض.
стр. 677
أكثر شرك الأولين سببه تقليد الآباء والأجداد
قال الشارح ﵀: [قوله: (جاءه رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون المسيَّب حضر مع الاثنين؛ فإنهما من بني مخزوم، وهو أيضاً مخزومي، وكان الثلاثة إذ ذاك كفاراً، فقتل أبو جهل على كفره، وأسلم الآخَران.
قوله: (يا عم!) منادى مضاف يجوز فيه إثبات (الواو) وحذفها، حذفت (الياء) هنا، وبقيت الكسرة دليلاً عليها.
وقوله: (قل: (لا إله إلَّا الله)) أمره أن يقولها لعلم أبي طالب بما دلت عليه من نفي الشرك بالله وإخلاص العبادة له وحده، فإن من قالها عن علم ويقين فقد برئ من الشرك والمشركين ودخل في الإسلام؛ لأنهم يعلمون ما دلت عليه، وفي ذلك الوقت لم يكن بمكة إلَّا مسلم أو كافر، ولا يقولها إلَّا من ترك الشرك وبرئ منه.
ولما هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة كان فيها المسلمون الموحدون، والمنافقون الذين يقولونها بألسنتهم وهم يعرفون معناها لكن لا يعتقدونها لما في قلوبهم من العداوة والشك والريب، فهم مع المسلمين بظاهر الأعمال دون الباطن، وفيها اليهود، وقد أقرهم رسول الله ﷺ لما هاجر ووادعهم بألَّا يخونوه، ولا يظاهروا عليه عدواً، كما هو مذكور في كتب الحديث والسير.
قوله: (كلمةً) قال القرطبي: بالنصب على أنه بدل من (لا إله إلَّا الله)، ويجوز الرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوف.
قوله: (أحاجّ لك بها عند الله) هو بتشديد (الجيم) من المحاجَّة، والمراد بها: بيان الحجة بها لو قالها في تلك الحال.
وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها في تلك الحال معتقداً ما دلت عليه مطابقة من النفي والإثبات لنفعته.
قوله: (فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟!) ذكَّراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين، كقول فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
قوله: (فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا) فيه معرفتهما لمعنى (لا إله إلَّا الله)؛ لأنهما عرفا أن أبا طالب لو قالها لبرئ من ملة عبد المطلب؛ فإن ملة عبد المطلب فيها الشرك بالله في إلهيته، وأما الربوبية فقد أقروا بها كما تقدم، وقد قال عبد المطلب لـ أبرهة: (أنا رب الإبل، والبيت له رب يمنعه منك).
وهذه المقالة منهما عند قول النبي ﷺ لعمه: (قل: لا إله إلَّا الله) استكباراً عن العمل بمدلولها، كما قال الله تعالى عنهما وعن أمثالهما من أولئك المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، فرد عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] فبين تعالى استكبارهم عن قول: (لا إله إلَّا الله) لدلالتها على نفي عبادتهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله].
قوله: إنه عندما عرض عليه أن يقول: (لا إله إلَّا الله) قالا له - أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية -: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! يقول: فذكَّراه الحجة الملعونة، يعني بـ (الحجة): أنهم وجدوا آباءهم على شيء، وهذه هي التي يحتج بها المشركون قديماً وحديثاً، فإذا نُهوا عن الشرك قالوا: الكثيرون على هذا، والقليل الشاذ هو الذي خالف ذلك، وهؤلاء الذين عندهم تعظيم الآباء والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم استبعدوا أن يكون هذا ضلالاً وكفراً، بل تمسكوا به بغض النظر عن كون الأدلة واضحة في بطلانه، وهذه -في الواقع- حجة نشأ بعض الناس عليها، وهي تمنعهم من استعمال عقولهم؛ لأنه إذا عاش على شيء ووجد عليه آباءه وأقرباءه وقومه ومعظَّميه يصعب عليه مخالفتهم؛ فيسبب ذلك أنه يتبعهم ويسلك مسلكهم.
ويقول: إن هذا هو الذي قال فيه فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] لما قال لهم موسى ﵇: اعبدوا الله وحده، وأخلصوا العبادة له.
يقول: إن القرون السابقة ما كانت تعبد الله، وإنما كانت تعبد الأصنام والأوثان وغيرها، فما بالها؟ بالها أنها هالكة، وأنها على ضلال، والله جلَّ وعلا أهلكها، وليست هذه حجة.
стр. 678
معرفة كفار قريش أن كلمة التوحيد تبطل الكفر
قوله: إن قولهم: (أترغب عن ملة عبد المطلب؟!) يدل على أنهم يفهمون أن قول: (لا إله إلَّا الله) يبطل ملة الكفر، وينقل الإنسان من ملة الكفر والشرك إلى ملة الإخلاص والتوحيد التي جاء بها الرسول ﷺ ؛ وذلك لأنهم عرب يفهمون الكلام الذي رُكِّب من النفي والإثبات، فقوله: (لا إله): هذا نفي لأن يكون هناك إله، وقوله: (إلَّا الله): إثبات للمنفي أن يكون لله وحده فقط، فمعنى ذلك أنه لا يجوز التألُّه والتعبُّد والتعلُّق على غير الله جلَّ وعلا، بل هذا يجب أن يُحصر في الله وحده، وهذا هو حقيقة الإسلام وحقيقة الدين الذي جاءت به الرسل كلها، فكل الرسل يدعون إلى هذا، ويقولون لقومهم أول ما يقولون: (لا إله إلَّا الله)؛ ولهذا ذكر الله جلَّ وعلا في كتابه أن نوحاً ﵇ قال لقومه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هو معنى: (إلَّا الله)، وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] هو معنى: (لا إله).
وهكذا قال هود وقال صالح وقال شعيب، وكل الرسل الذين ذكرهم الله جلَّ وعلا بدءوا دعوتهم إلى قومهم بـ (لا إله إلَّا الله).
ويقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَاً أَنِ اْعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فهذا أيضاً معنى (لا إله إلَّا الله)، فقوله: ﴿اْعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هو معنى: (إلَّا الله)، وقوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو معنى: (لا إله).
وكذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة:٢٥٦] هو معنى: (لا إله)، وقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ هو معنى: (إلَّا الله).
وقال جلَّ وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾ [الإسراء:٢٣].
فهذه الكلمة التي قالها الرسول ﷺ لعمه هي التي كان يقولها للناس من أول ما أرسل إليهم، وهي التي جاءت بها الرسل إلى أممهم من أولهم إلى آخرهم، وهي التي يقول الله جلَّ وعلا فيها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] في جميع الأزمنة ولجميع الخلق، هذا هو الدين، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وما دخل الضرر والنقص على المسلمين إلَّا لأنهم جهلوا معنى هذه الكلمة الذي دلت عليه، فوقعوا في المتناقضات، فهم يقولون: (لا إله إلَّا الله) ولكنهم يأتون بما ينقاضها تماماً؛ لأنهم: أولاً: جهلوا اللغة العربية؛ فلغتهم التي يتخاطبون بها، جهلوا معانيها.
ثانياً: جهلوا معنى العبادة، ومعنى (الإله)، فظنوا أن العبادة مجرد السجود أو مجرد كون الإنسان يعتقد أن العبادة لا تكون إلَّا لمن يخلق ويرزق ويتصرف في الكونيات الظاهرة تصرفاً لا يشاركه غيره فيه، فوقعوا في عبادة غير الله جلَّ وعلا، وتركوا مفهوم هذه الكلمة، والسبب هو: أنهم لم يهتموا لذلك؛ لأن الأمور التي يهتمون لها لابد أن يدركوا معانيها، ويدركوا من المقصود بها، لكنهم لا يدركون إلا ما يهتمون به، أما هذا فالاهتمام به قليل، ومع ذلك فإن الأمر واضح وجلي، والقرآن كله من أوله إلى آخره يدل على هذا دلالةً واضحة؛ لأن الله أقام الحجة عليهم، فكل من أعرض عن ذلك وقصر فيه فاللوم عليه؛ لأن الحجة قائمة، فهو الملوم؛ ولأن الرسول ﷺ جاء بالهدى ووضح وبين.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فإن دلالة هذه الكلمة على نفي ذلك دلالة تضمُّن، ودلالتها عليه وعلى الإخلاص دلالة مطابقة].
دلالة هذه الكلمة على نفي الشرك: دلالة تضمُّن؛ لأن في ضمنها أنه لا يُعبد إلَّا الله (لا إله)، ودلالتها على نفي الشرك وعلى الإخلاص دلالة مطابقة، والمطابقة هي: دلالة الكلام على جميع المعنى، والتضمُّن: دلالة الكلام على بعضه أو على مفهومه، ومعلوم أن الإخلاص ضد الشرك.
والشيء يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياءُ وهي واضحة وجلية في الإخلاص، ولهذا قال: (إنها مطابقة)، وكذلك واضحة وجلية في كونه لا يجتمع إخلاص وشرك، فلهذا قال: (ودلالتها عليه وعلى الإخلاص دلالة مطابقة)، فالأول: مفرد، والثاني: مجموع، وهذا ولو لم يفهمه الإنسان ولم يعرف دلالة المطابقة أو دلالة التضمُّن ما يضره.
والمقصود: أنه يفهم ما وُضعت له وما دلت عليه، ولا يلزم أن يميز بين المطابقة والالتزام والتضمُّن، فهذه أمور اصطلاحية، وهي من اصطلاح المناطقة، كون الدلالات تكون ثلاث: التزام.
وتضمُّن.
ومطابقة.
ولكن الذي يفهم اللغة العربية يفهم معنى الدلالة، وكونه لا يفرق بين دلالة التزام أو تضمُّن أو مطابقة لا يضره.
стр. 679
الحكمة في عدم إسلام أبي طالب
قال الشارح رحمه الله تعالى: [ومن حكمة الرب تعالى في عدم هداية أبي طالب إلى الإسلام ليبين لعباده أن ذلك إليه، وهو القادر عليه دون من سواه، فلو كان عند النبي ﷺ -الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب والنجاة من العذاب ونحو ذلك شيء؛ لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به: عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه، فسبحان من بهرت حكمته العقول، وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيده وإخلاص العمل له وتجريده!].
يعني: أن من الحكم التي تظهر للناظر في كون أبي طالب لم يسلم، ما بينه بقوله: (يدل ذلك على أن الرسول ﷺ ليس بيده شيء من أمر الله؛ من هداية القلوب وإيصال الهدى إليها) هذا ليس إليه، وإنما هذا لله جلَّ وعلا، مع أنه أقرب الناس إلى الله، وهو رسوله الذي أكرمه الله جلَّ وعلا بالرسالة، ويجيب دعوته إذا شاء كثيراً، ومع ذلك ما استطاع هداية عمه الذي كان يحوطه ويحميه، مما يدل دلالة واضحة أن الرسول ﷺ ليس له مع الله شيء، وإنما الأمر كله بيد الله، فالله هو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.
وقد تقدم أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية دلالة وإرشاد: وهذه هي التي أُثبتت للرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٣] يعني: أنه يدل ويبين ويوضح؛ لأن عليه مجرد تبيين الأدلة، وإيضاح الحق من الباطل.
وهداية توفيق: فهداية التوفيق هي: أن تُخلَق الهداية في القلوب، وأن يُحبَّب الإيمان إلى القلب ويُكرَّه إليه ضده، فهذا إلى الله، وليس لأحد منه شيء، لا الرسول ﷺ ولا غيره، وهذا هو المقصود في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] يعني: لا تستطيع أن تجعل الإيمان في قلب من تشاء ومن تحب، وإنما هذا إلى الله جلَّ وعلا.
ويجوز أن يكون هناك حكم غير هذه في كون أبي طالب لم يؤمن، ومن سنة الله جلَّ وعلا أنه إذا بعث رسولاً في أمة يبعثه في أشرافها، وتكون قبيلته قوية، ولابد أن يوجد فيهم متعصب له ليمنعه من أذى الآخَرين، كما قال الله جلَّ وعلا في قصة شعيب أن قومه قالوا: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود:٩١] (رَهْطُكَ) يعني: جماعتك، ورهطه لم يؤمنوا به ولو كانوا من قبيلته، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّه﴾ [هود:٩٢] ومع ذلك كل رسول يتحدى قومه بأن يقتلوا أو يفعلوا به ما يشاءون فلم يستطيعوا، حتى رسولنا ﷺ أمره الله جلَّ وعلا بذلك، قال له: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف:١٩٥ - ١٩٦] هكذا قال الله جلَّ وعلا له، وكان يقول لهم ذلك فما استطاعوا، ولهذا في آخر الأمر لما مات أبو طالب اتفقوا على أنهم يقتلونه واستعدوا لذلك، وأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش رجلاً شاباً جَلْداً وأعطوه سيفاً، زاعمين أنهم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل؛ فترضى بنو هاشم بطلب الدية فقط؛ لأنها لن تستطيع أن تقتل من كل قبيلة من فعل ذلك منهم، فاتفقوا على أن يقتلوه، فأحاطوا بيته ومعهم سلاحهم وجلسوا عليه، فخرج من بينهم وهم ينظرون ولكن لا يبصرونه، خرج وصار يأخذ التراب من الأرض ويذره على رءوسهم ويقرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] وذهب وتركهم، وقد أمر علي بن أبي طالب ﵁ أن ينام على فراشه، وقال له: (لا تخف؛ لن يصل إليك أذىً) وكانوا ينظرون إليه ويتصورون أنه رسول الله ﷺ ، فلما خرج إليهم قالوا: أين محمد؟ قال: خرج من بينكم وقد وضع على رءوسكم التراب، فانظروا إليه فوق رءوسكم، فلمسوه بأيديهم فرأوا تراباً موضوعاً على رءوسهم.
فالخلق ليسوا شيئاً بالنسبة لله جلَّ وعلا، فأعمى أبصارهم كما أعمى قلوبهم، ومنعهم من الوصول إليه بأي طريق شاء، تعالى الله وتقدس.
وكذلك قال هود لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤] يعني: يقولون: إن بعض أصنامنا أصابك بجنون، فصرتَ مجنوناً؛ لأنك صرت تنهانا عن عبادتها، فقال لهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعَاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦]، فتحداهم وقال: أجمِعوا أمركم أنتم ومعبوداتكم، واجتمعوا على كيدي بما تستطيعون، ولا تُنظروني ساعةً، أي: لا تمهلوني، فما استطاعوا، وهو وحده، وهم أمة قوية جبابرة كما هو معلوم، ومع ذلك لم يستطيعوا له.
وكذلك نوح ﵇، وكذلك الرسل كلها.
ولكن الله جلَّ وعلا يُجري غالب الأمور على الأمر المعتاد عند الناس؛ لأنها سنن وأسباب وضعها لخلقه.
فبعث الرسول في قوة من قومه، ولذلك تعصب له أبو طالب، والعصبية تفيد في بعض الأحيان، وليست مذمومة مطلقاً، بل هي تفيد في بعض الأمور، وكون الإنسان يتعصب للحق، ويتعصب لرسول الله ﷺ ولدينه؛ أمر مطلوب، ولكن لا يجعله ذلك يتعدى الحق إلى الباطل.
والذي ذُكر من الرسل أنه لم يكن له قبيلة قوية تدافع عنه هو: لوط ﵇؛ ولهذا قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] وقصده بالركن: القبيلة القوية التي تمنعه وتحميه؛ ولهذا جاء في الحديث: (أن الله جلَّ وعلا ما أرسل بعد لوط نبياً إلَّا في منعة من قومه)، وجاء أن الرسول ﷺ قال: (يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) لأنه يأوي إلى الله جلَّ وعلا؛ ولكن هو ما أراد هذا، إنما أراد أنه يدافعهم -لما أرادوا السوء بأضيافه- مدافعةً على ما جرت به السنن، وما جرت به العادة؛ لقوته وقوة من يكون معه، أما كونه يعلم أن الله سينصره فهذا ثابت عنده لا مرية فيه، وهو ما علم أن أضيافه ملائكة؛ لأنهم جاءوا إليه بصورة شباب حسان الوجوه، وقد فُتن قومه -نسأل الله العافية! - بإتيان الذكران وترك النساء، وهم أول من فعل هذه الجريمة، فمن تمام البلية أن الملائكة جاءوا إلى لوط بصورة شباب حسان الوجوه، فجاءوا يهرعون إليه، فدافعهم بكل ما يستطيع، حتى عرض بناته أن يزوجهم إياهن؛ ولكن هم لا يريدون إلَّا الفساد فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩] فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] عند ذلك قال له جبريل: لا تخف؛ نحن رسل الله ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١] ثم طمس أعينهم بجناحه، فعميت أبصارهم، ثم قال للوط: إن هؤلاء قد قرب أمر الله فيهم، والعذاب آتٍ إليهم، فقال له لوط: الآن أرني فيهم عذاب الله وأنا أنظر؛ لأنهم أوصلوه واضطروه إلى أقصى غاية لا يستطيع أن يصبر فيها، فقال له: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] أي: الصبح قريب؛ لأنهم كانوا في أول الليل.
فالمقصود: أن قيام أبي طالب بالذود عن النبي ﷺ وحمايته هذه سنة من السنن التي جرت عادة الله عليها في الرسل السابقين، ومن تمام ذلك أن هؤلاء الذين يذودون عن الرسل يكونون على دين أقوامهم؛ لأنه لو كانوا على دينه لقال أعداؤه: قومه يحمونه لأجل أنهم على دينه، ولا يتأملون ما جاء به، ولا تقوم الحجة عليهم كاملة، فقد تمنعهم العصبية واتباع الهوى من النظر في الأدلة التي يأتي بها، ولله حِكَم في هذا، ومن تأملها وجد الشيء الذي يهديه الله جلَّ وعلا إليه.
стр. 680
إعراب قوله: (فكان آخر ما قال)
قال الشارح ﵀: [قوله: (فكان آخر ما قال) الأحسن فيه الرفع على أنه اسم كان، وجملة (هو) وما بعدها الخبر].
يعني: قد يكون الخبر مؤخَّراً، ويكون على ما جرت عليه العادة: الاسم مقدم، والخبر مؤخر، هذا هو الأصل، ولهذا قال: الأحسن، ويجوز العكس، يجوز أن الجملة هي: اسم كان مؤخر، و (آخر) يكون هو الخبر مقدم، فيكون: كان آخرَ ما قال.
стр. 681
جواز صرف اللفظ المستقبح عن ظاهره إذا أوهم قبحاً
قال الشارح ﵀: [قوله: (هو على ملة عبد المطلب) الظاهر: أن أبا طالب قال: أنا، فغيره الراوي استقباحاً للفظ المذكور، وهو من التصرفات الحسنة.
قاله الحافظ].
يعني الاستقباح: أن القائل ينسب هذا القول إلى نفسه، هذا هو المراد، وإلَّا فهذا هو الشيء الذي وقع، وليس قبيحاً كون الإنسان يذكره؛ ولكن يُستقبح أن يضيف هذا القول إلى نفسه، يعني: في الصورة؛ لأن هذا كفر، فيكون هذا ليس جيداً كون الإنسان يضيف الكفر إلى نفسه في الظاهر، وإنما المقصود: أنه حكاية، وحكاية الكفر ليست كفراً، فإذا تصرف في الكلام وصرفه عن الظاهر يكون حسناً، هذا هو المقصود.
стр. 682
الرد على من زعم إسلام أبي طالب ووالده، ووالدي النبي ﷺ
قال الشارح ﵀: [قوله: (وأبى أن يقول: لا إله إلَّا الله) قال الحافظ: هذا تأكيد من الرواي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب].
لأن قوله: (هو على ملة عبد المطلب) يكفي عن قوله: (وأبى أن يقول: لا إله إلَّا الله) فصار هذا مجرد تأكيد.
قال الشارح ﵀: [قال المصنف ﵀: وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه].
يعني: أن بعض أهل البدع وأهل التطرف والغلو يزعمون أن أبا طالب أسلم، وأنه مات مسلماً، ويخالفون ما ثبت في الصحيحين مثل هذا الحديث، وكذلك يزعمون أن عبد المطلب أسلم أيضاً، وهي دعوى ليس عليها أي دليل.
وكذلك زعموا أن والدَي رسول الله ﷺ أسلما، مع أن والده مات قبل ولادته وهو حَمل، وأمه ماتت وهو صلوات الله وسلامه عليه صغير، يعني: أنهما ماتا في الجاهلية قبل أن يُبعث، ومع ذلك يقولون: إنهما أسلما! وبعضهم يقول: هم من أهل الفترة، وأهل الفترة لا نتكلم فيهم.
والأدلة التي جاءت عن النبي ﷺ أولى بالاتباع من هذه الدعاوى التي تدل على الغلو، فإذا صح عن النبي ﷺ خبر وجب القول بموجبه، ولا يجوز مخالفة ذلك.
стр. 683
مضرة أصحاب السوء على الإنسان
قال الشارح: [ومضرة أصحاب السوء على الإنسان، ومضرة تعظيم الأسلاف].
يعني: أن فيه من الفوائد: أن الجلساء إذا كانوا أصحاب سوء فمضرتهم بليغة وعظيمة جداً؛ ولهذا كاد أبو طالب أن يقول هذه الكلمة لولا هؤلاء الجلساء عنده، ومعلوم أن الأمر بيد الله، فإذا أراد الله جلَّ وعلا شيئاً جعل له أسباباً تقتضي وجود ما أراد، أو موانع تمنع من خلاف ما أراد؛ ولكن نحن ننظر إلى الأسباب، فالإنسان عليه أن يفعل السبب، ولا يجوز للعبد أن يخالط أهل السوء وأن يجالسهم؛ لأنهم يدعونه إلى خلاف الحق، فإذا عُرف عن الإنسان أنه يدعو إلى خلاف الحق أو أن عنده أفكاراً سيئة فالواجب أن يبتعد عنه؛ لأنه لا يأمن الإنسان على نفسه، فقد يقول له كلمة فيكون فيها ضلاله، ومعلوم أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء، فإذا شاء أن يصرفها صرفها، وإذا شاء أن يثبتها ثبتها؛ ولكن يجب على العبد أن يفعل السبب، والحماية أفضل من العلاج، فكون الإنسان يحتمي ويبتعد عن مواقع السوء وأسبابه أفضل من كونه يدافع السوء ويدافع الكلام الذي يكون فيه الشبه؛ ولهذا لما أتى إلى محمد بن سيرين ﵀ رجل وهو جالس عند تلامذته، وطلب منه أن يقرأ عليه آية، فأبى، فقال: ما أزيد على قراءتها فأبى، فقال: ولو بعض آية، فلما كرر عليه وضع إصبعيه في أذنيه وقال: أحرج عليك إلَّا خرجت، فإن لم تخرج سوف أخرج أنا، فقال له القوم: اتقِ الله، لا تخرج الرجل من بيته، فلما ذهب وخرج قيل له: يرحمك الله! ما الذي يمنعك من أن تسمع الآية؟ فقال: أخشى أن يقذف في قلبي شبهةً يصعب عليَّ إخراجها، أي: وهو في عافية؛ لأن العافية لا يعدلها شيء.
فالمقصود: أن جلساء وقرناء السوء غالباً يضلون الإنسان، وقد جرت العادة أن الناس إذا أرادوا أن يعرفوا عن رجل استقامته أنهم يسألون عن جلسائه: من جليسه؟ ومن الذين يجالسهم؟ فإذا عرفوا أن جلساءه من الطيبين استدلوا على أنه طيب، وإذا عرفوا أنهم ليسوا من الطيبين استدلوا على أنه ليس بطيب، وهذا شيء معروف، ولهذا يقول القائل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وفي هذه القصة دليل على مضرة التقليد، والتقليد مأخوذ من القلادة، فكأن الإنسان وضع في رقبته قلادةً فأعطاها من يقوده بها، أي: كونه يقلد رجلاً أو طائفة بعينها كلما قال قولاً اتبعه عليه، فالتقليد هو: اتباع الأسلاف وغيرهم بدون دليل، هذا هو التقليد، أما اتباعهم بالدليل فلا يكون تقليداً وإنما يكون اتباعاً؛ لأن التقليد هو أن يتبعهم بدون دليل، فهذا مضر جداً، بل هذا التقليد هو الذي رُدَّت به دعوات الرسل غالباً، فهو مضر جداً.
стр. 684
حكم تعظيم الأسلاف
قال الشارح: [قوله: ومضرة تعظيم الأسلاف.
أي: إذا زاد على المشروع، بحيث تُجعل أقوالهم حجة يُرجع إليها عند التنازع].
الأسلاف هم: الماضون، وتعظيمهم أي: إذا كان مجرداً عن الحق، ليس لأنهم قاموا بالحق وعملوا به؛ فعُظِّموا التعظيم الذي يستحقونه؛ فإن هذا حق، وهذا قد يكون فيه لبس بين الحق والباطل؛ فمطلق التعظيم لابد أن يُفصل.
فنقول: إذا كان هذا من الإنسان تعظيماً لأنهم أسلافه ولأنه ينتسب إليهم وينتمي إليهم فقط فهذا مضر ولا يجوز ذلك.
أما إذا كان تعظيمهم لأنهم قاموا بالحق، وقاموا بالجهاد في سبيل الله، ولأنهم حملوا دين الله وبلَّغوه، وتعظيمهم يكون على ضوء ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهذا فيه خير، بل هذا من الدين ويُثاب الإنسان عليه؛ ولكن معلوم أن الكفار: أبا طالب، وأبا جهل، وعبد الله بن عتبة وغيرهم كان تعظيمهم لأسلافهم ضد الحق؛ فهم كانوا يضادون بذلك دعوة الرسول ﷺ ، فصار تعظيمهم لأسلافهم في هذا تعظيم مجرد ضرر ليس فيه نفع، بل كله ضرر، وهو من الموانع التي منعتهم من اتباع الحق مع وضوحه وبيانه لهم، فليسوا في شك من ذلك.
стр. 685
جواز الحلف من غير استحلاف
قال الشارح ﵀: [قوله: (فقال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك)) قال النووي: وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وكأن الحلف هنا لتأكيد العزم على الاستغفار تطييباً لنفس أبي طالب].
إذا جاءت (اللام) هذه التي في قوله: (لأستغفرن) فهذه لام القسم، وإن كان القسم يأتي بأدوات معينة، فحروف القسم ثلاثة كما هو معروف: (الواو، والتاء، والباء): تقول: والله، وتالله، وبالله، هذه هي حروف القسم؛ ولكن هذه تُحذف، والقسم يؤكد بحروف: يؤكد بـ (قد)، ويؤكد بـ (اللام)، ويؤكد بـ (النون الثقيلة) مع حذف حروف القسم، والمحذوف يُحذف لكثرة الاستعمال ولدلالة الباقي عليه، ومع ذلك يُحكم بأنه قسم.
فقوله: (لأستغفرن) التقدير: والله! لأستغفرن لك، فاقتصر على (اللام) والتأكيد، (اللام) للتأكيد و (النون) للتأكيد؛ لأن القسم كله تأكيدات.
وقوله: (فيه جواز الحلف من غير استحلاف) يعني: إنشاءً، وهذا أدلته كثيرة، وكثيراً ما يأتي في الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يُقسم ولو لم يُطلب منه قسم، فكثيراً ما يقول: (والذي نفسي بيده!) على أخبار يخبر عنها، وذلك من عادة العرب في مخاطباتهم.
مثلاً: إذا صار الأمر مهماً أو صار المخاطَب عنده غفلة أو عنده عدم قبول فإن الأخبار تؤكد له بالقسم وبغيره من المؤكِّدات حتى يكون ذلك أوقع في نفسه وأدل على قيام الحجة عليه، وهذا هو المراد والمقصود بالقسم.
والقسم لا يجوز في دين الإسلام أن يكون بغير الله جلَّ وعلا أو صفاته، أما في دين الجاهلية فهم يقسمون بمعظَّمات عندهم، فيقسمون بالأصنام، ويقسمون بالآباء، وبالشرف، وبالأمانة، وبغير ذلك؛ ولكن هذا شرك كما بينه الرسول ﷺ .
فيجوز للإنسان أن يقسم على الشيء المؤكد عنده ولو لم يُطلب منه ذلك، ولا يكون آثماً بذلك، بل قد يكون هذا مستحباً كما كان الرسول ﷺ يفعله.
стр. 686
اشتداد الأذى على رسول الله ﷺ بعد وفاة عمه أبي طالب
قال الشارح ﵀: [وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل.
قال ابن فارس: مات أبو طالب وللرسول ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً.
وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثمانية أيام].
ولهذا كان العام الذي توفي فيه أبو طالب وخديجة يُسمى (عام الحزن)، واشتد الأمر على رسول الله ﷺ بعد ذلك كثيراً؛ لأن الكفار تمكنوا من أذيته أكثر مما كان قبل، وهذا لا ينافي ما سبق أنه كان يتحداهم بأن يصلوا إليه بشيء، فالأذى يُوجد، والأذى هو للأمور الخفيفة، بل ابن آدم قد يؤذي الله ربه، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧] فالإنسان يؤذي ربه بالكلام السيئ البذيء الذي يتكلم به، والمسبة، وشتم الدين أو شتم الرسول أو نسبة ما يتعالى عنه الرب جلَّ وعلا، ويتقدس عن نسبته إليه، كأن ينسب له ولداً أو ينسب له أماً أو ينسب له أنه لا ينصر رسوله، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي تخالف مقتضى أسمائه وصفاته تعالى وتقدس؛ ولهذا جاء في الحديث القدسي الذي في الصحيح عن النبي ﷺ : (يقول الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره) (يؤذيني) فابن آدم يؤذي الله، ولكنه لا يضر الله، فالأذى غير الضرر، الضرر: لا أحد يضر الله جلَّ وعلا، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئَاً﴾ [محمد:٣٢] ولكن الأذى قد يقع من ابن آدم على ربه جلَّ وعلا، وقد لعن الله جلَّ وعلا من يؤذيه؛ لأن الأذى يخص في الشيء الذي يكون أثره خفيفاً، كما جاء عن الأصمعي أنه قال: رأيت أعرابية في الفلاة، فقلت: كيف تصبرون على الحر والبرد؟ أما يضركم الحر والبرد؟ فقالت: لا سواء؛ أما الحر فهو أذى، وإنما الذي يضر هو البرد.
فالعرب يفرقون بين هذا وهذا، ويعرفون مواقع اللغة.
فعلى هذا نقول: الأذى: للشيء الذي يخص أثرُه ووضعُه.
أما الضرر فهو: لما عظُم أثرُه وأيضاً بلغ فيمن وصل إليه.
والناس لا يصلون إلى الله في ضرر؛ ولكنهم يؤذونه كما يؤذون رسله، والأذى يحصل بالكلام، ويحصل بالفعل المخالف، ويحصل بالتكذيب، كل هذا يكون أذىً يؤذي.
فآذوه ﷺ عليه وسلم أكثر مما كان قبل؛ لأن عمه كان يحوطه، أوصلوا إليه الأذى أكثر، ومن أبلغ ما آذوه به أنهم كانوا يضعون -مثلاً- عليه سلى الجزور على ظهره وهو ساجد، كما فعل ذلك ابن أبي معيط، فقد جاء أنه ﷺ كان يصلي عند الكعبة، وكبار الكفار جالسون عنده، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى هذا المرائي، من يأتي بسلا جزور فلان فيضعه على ظهره؟ فذهب الشقي ابن أبي معيط، فأخذ سلا جزور ووضعها على ظهر النبي ﷺ ، فصاروا يضحكون، وهو ساجد لم يتحرك من سجوده صلوات الله وسلامه عليه، حتى جاءت فاطمة وأزالته.
فهذا من الأذى البليغ.
وكذلك كونه يأتي الرجل منهم ويأخذ العظم البالي ويفته أمامه ويقول: تزعم أن الله يحيينا بعدما نموت، كيف يحيينا إذا كنا مثل هذا العظم؟ فقال له ﷺ : (يحييك الله، ثم يجعلك في جهنم) فهذا التكذيب وذكر الحجج التي يراد بها إبطال الحق هو من الأذى.
فهم يؤذونه، ولكن ما وصلوا إلى ضره؛ لأن الضر هو الذي يمنعه من القيام بدعوته صلوات الله وسلامه عليه، فما وصلوا إلى هذا؛ لأن الله يحميه من ذلك.
وكونهم يؤذونه يعظُم بذلك أجره عند الله وجزاؤه، فكلما حصل له من أذى يرفع درجته عند الله، ويكون أجره أعظم، ولهذا لما كان يقسم مالاً، فقال الرجل الشقي: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فلم يسمع النبي ﷺ هذا القول، وقد سمعه بعض الصحابة، وذهب إليه وقال له: إن هذا الرجل يقول كذا وكذا، عند ذلك تغير وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟! ثم بعد ذلك قال: رحم الله موسى؛ لقد أوذي أكثر مما أوذيتُ فصبر).
فالمقصود: أن الأذى يكون بالكلام وفي نسبته إلى ما يتنزه عنه، أو القيام بالباطل أمام الحق.
стр. 687
ذكر الخلاف في سبب نزول قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفورا للمشركين)
قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] الآية، أي: ما ينبغي لهم ذلك.
وهو خبر بمعنى النهي.
والظاهر: أن هذه الآية نزلت في أبي طالب؛ فإن الإتيان بـ (الفاء) المفيدة للترتيب في قوله: (فأنزل الله) بعد قوله: (لأستغفر لك ما لم أُنْهَ عنك) يفيد ذلك].
ولكن يشكل على هذا أن هذه الآية من آخر ما نزل؛ لأن هذه القصة كانت في مكة، والآية هذه هي في سورة التوبة، وسورة التوبة نزلت في رجوعه ﷺ من غزوة تبوك في السنة العاشرة، فكيف يكون نزولها بسبب ذلك؟! وكذلك ثبت في الصحيح أنه ﷺ لما ذهب في عمرة القضية -وعمرة القضية في السنة السابعة من الهجرة- ووصلوا إلى الأبواء، ذهب إلى قبر أمه؛ لأن قبر أمه صلوات الله وسلامه عليه في الأبواء، وبكى عند قبرها فقال: (إني استأذنت ربي أن أستغفر لها فأبى، واستأذنته أن أزورها فأذن، فزوروا القبور ولا تقولوا هجراً) فلو كانت هذه الآية نازلة قبل هذا ما استأذن ربه جلَّ وعلا أن يستغفر لها، فدل هذا على أنها نزلت بعد ذلك، وعلى هذا فإن القول بتأخر نزول هذه الآية متعين، ويدل على ذلك أيضاً أنه كان يستغفر للمنافقين، فلما مات عبد الله بن أبي وهو رأس المنافقين استغفر له، مع أنه قد فعل الأفاعيل المعروفة والمذكورة في القرآن من قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وفي غزوة أحد رجع بثلث الجيش، وقال: إنه يخالف أمري وأمره ويطيع أمر السفهاء، فعلام نقتل أنفسنا؟! فخذله الله، فلما مات جاء عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من أفضل المؤمنين، وطلب من النبي ﵊ أن يعطيه قميصه ليكفنه به، فأعطاه قميصه، يقول بعض العلماء: إن عطيته قميصه كانت مجازاةً له؛ لأن العباس لما جاء مأسوراً بعد معركة بدر -وكان العباس رجلاً ضخماً طويلاً- فما وجدوا له ثوباً إلَّا ثوب عبد الله بن أبي؛ لأنه كان كذلك، فأعطاه، فكان مجازاةً له، وليس هذا هو الظاهر، بل الظاهر: أنه أعطاه قميصه لما طلب ابنه منه ذلك، وطلب منه أن يُصلي عليه فأجابه، فقام ليصلي عليه، فعلق به عمر فقال: أتصلي عليه وقد قال يوم كذا وكذا، وفعل يوم كذا وكذا؟! فقال له: (دعني؛ فإن الله جلَّ وعلا قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] فوالله! لو علمت أني إذا زدت على السبعين أن الله يغفر لهم لزدتُ، فقام وصلى عليه)، ثم بعد ذلك نزل قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدَاً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وهذه الآية التي في سورة التوبة هي في المنافقين، وكل هذا يدل على أن نزول هذه الآية كان متأخراً.
وكذلك جاء ما يدل على ذلك: فعن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلاً يستغفر لأبيه وأمه، وقد ماتا على الشرك، فأخبر الرسولَ ﷺ ، فنزلت هذه الآية.
ويجوز أن تتعدد الأسباب، ويكون المعنى: أن هذه الآية نزلت في النهي عن استغفاره للمشركين عامة، وإذا ماتوا على الشرك لا يجوز الاستغفار لهم، كما أن الإنسان إذا مات على الكفر أو على النفاق لا يجوز أن يُصلى عليه أو يُقام على قبره.
[وقد ذكر العلماء لنزول هذه الآية أسباب أُخَر، فلا منافاة؛ لأن أسباب النزول قد تتعدد.
قال الحافظ: أما نزول الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب، وأما نزول الآية التي قبلها ففيه نظر].
يقصد بالآية الثانية آية سورة القصص: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وهذا واضح.
قال الشارح ﵀: [ويظهر: أن المراد: أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة، وهي عامة في حقه وحق غيره، يوضح ذلك ما يأتي في التفسير، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] الآية، ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام، ويضعِّف ما ذكره السهيلي أنه روي في بعض كتب المسعودي أنه أسلم؛ لأن مثل ذلك لا يعارِض ما في الصحيح.
انتهى].
المسعودي لا يوثق بكلامه، ولا بنقله، ولا بقوله؛ لأن مذهبه معروف، وطريقته معروفة، وكتبه مشحونة بما هو كذب، هذا في الظاهر، وإن كان هو قد لا يتعمد الكذب، ولكن كون الإنسان ينقل ما يراه كذباً وما يراه باطلاً فهذا يكفي في اجتناب ما يكتب وما يقول.
стр. 688
مسائل باب قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)
قال الشارح: [وفيه تحريم الاستغفار للمشركين وموالاتهم ومحبتهم؛ لأنه إذا حَرُم الاستغفار لهم فموالاتهم ومحبتهم أولى].
[فيه مسائل: الأولى: تفسير: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]].
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة:١١٣] يعني: لا يجوز للنبي والذين آمنوا، وهذا يدل على المنع والتحريم.
стр. 689
معنى: (لا إله إلا الله)
[الثالثة: وهي المسألة الكبيرة: تفسير قوله: (قل: لا إله إلَّا الله) بخلاف ما عليه من يدَّعي العلم].
يعني: المقصود: معرفة معنى (لا إله إلَّا الله)، وقد تبين لنا أن هذا -في الواقع- هو أصل الدين، وأن هذا هو لب دعوات الرسل التي جاءوا بها، وأنه يجب على المسلم أن يعرف المعنى، ومعناها: إبطال كل تعلق بغير الله، وإثبات التعلق والتأله والتعبد لله وحده، و (الإله) اسم جنس يقع على كل من قُصد بحب القلب وخضوعه وذله، فكل من خضع له قلبه ذلاً وتعظيماً فهو إله، فهو اسم جنس سواءً كان شيئاً مشاهَداً محسوساً أو أمراً معنوياً، مثل: حب المال، ومثل: حب الشهوات، ومثل: حب الهوى، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] فالهوى يكون إلهاً، ومعنى ذلك أنه إذا هوى شيئاً وأحب شيئاً وأراده فَعَلَهُ، سواءً كان حلالاً أو حراماً، لا يلتفت إلى ذلك، فهذا يكون ممن تأله ما يهواه.
стр. 690
كفار قريش كانوا يعرفون معنى: (لا إله إلا الله)
[الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ ، إذ قال للرجل: (قل: (لا إله إلَّا الله))].
هذا بلا شك؛ لأنهم أهل اللغة، وخاطبهم بلغتهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، فإذا قال لهم: قولوا: (لا إله إلَّا الله)، عرفوا أنه يريد أن يبطل الشرك الذي هم عليه، ويجعل العبادة لله وحده؛ ولهذا كانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهَاً وَاحِدَاً﴾ [ص:٥] وكما قال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] فكانوا يأبون أن يقولوها؛ لأنهم يعرفون أن فيها إبطال دينهم.
[الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: (قل: (لا إله إلَّا الله)) فقبح الله مَن أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام].
يقصد: الذي يكون مسلماً ولا يعرف معنى (لا إله إلَّا الله)، ويكون أبو جهل -الذي هو فرعون هذه الأمة -أعلم منه بمعنى: (لا إله إلَّا الله)! وهل يجوز هذا؟! هذا لا يجوز أن يقع؛ ولكن الواقع هو هذا.
стр. 691
حرص النبي ﷺ على إسلام عمه أبي طالب
[الخامسة: جِدُّه ﷺ ومبالغته في إسلام عمه].
نعم.
هو جَدَّ وبالغَ؛ ولكن ما أدرك شيئاً من ذلك؛ لأن الأمر بيد الله، والله جلَّ وعلا أمره وأخبره أنه ليس عليه إلَّا البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] والهداية إلى الله جلَّ وعلا، وهي بيده سبحانه، وليست عند الرسول ﷺ .
стр. 692
الرسل ﵈ لا يخلفون الوعد
[السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يُغفر له، نُهي عن ذلك].
فيكون استغفاره له كاستغفار إبراهيم ﵇ لأبيه حيث قال له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيَّاً﴾ [مريم:٤٧] وأخبر الله جلَّ وعلا أن استغفار إبراهيم هو وفاء بوعده؛ لأن الوعد من الرسل لا يُخلف، فاستغفر له من أجل ذلك.
стр. 693
الأعمال بالخواتيم
[التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته].
نعم.
نفعته ولو لم يعمل؛ لأن هذا هو الشيء الذي يستطيعه، فالذي يستطيعه في ذلك الوقت هو أن يقول: (لا إله إلَّا الله)؛ ولكن كونه يعمل فهذا يُشترط له الاستطاعة، وهو عند الموت ما يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك.
стр. 694
أكبر شبه الضالين هي شبهة التقليد
[الثانية عشرة: التأمل في كِبَر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلَّا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها].
стр. 695
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٧]
حرم الشرع الغلو لما يفضي إليه من محذور، والغلو في الصالحين يفضي إلى الشرك كما وقع من قوم نوح الذين غلوا في بعض الصالحين فصوروهم ثم عبدوهم، وقد وقع مثل ذلك في هذه الأمة حتى عكفت على القبور وقدمت لها القرابين.
стр. 696
حكم الغلو في الصالحين
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو: الغلو في الصالحين].
يقول رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم: الغلو في قبور الصالحين.
لما ذكر في الأبواب السابقة الأمور التي يكون الإنسان فيها قد خالف ما جاء عن الله جلَّ وعلا لكونه عبد غيره أو جعل شيئاً من العبادة لغيره، أراد أن يبين الأسباب التي تدعو إلى هذه الأمور، فذكر أن سبب ذلك هو الغلو، والغلو يكون في قبور الصالحين، فعلى هذا لا يجوز الغلو في قبور الصالحين.
والغلو معناه: تجاوز الحد المشروع، سواء بالحب والفعل، أو بالمدح والقول، أو بالذم والبغض، فكل ما تجاوز به الإنسان ما شرعه الله جلَّ وعلا فقد غلا، سواء كان قصده وإرادته الخير وكان الدافع له الحب في الصالحين، أو كان الدافع له البغض والكراهية، سواء فعل ذلك فعلاً أو قاله قولاً، فكل ما فيه تجاوز المشروع فهو غلو.
فالغلو مأخوذ من (غلا) يعني: ارتفع على الشيء المقرر شرعاً والمأمور به، ومنه: الطغيان؛ لأنه قريب من الغلو.
ولهذا جاء النهي في كتاب الله جلَّ وعلا لأهل الكتاب ولنا عن الغلو في الدين، وقصر هذا هنا على قبور الصالحين، وذلك أن قبور الصالحين تميل إليها النفوس أكثر من غيرها، وتكون فتنة لمن رفعها فوق ما أمر الشارع بها، سواء بالفعل بأن بنى عليها أو جعل عندها فُرُشاً أو أسرجها أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا يكون مدعاةً لعبادتها، أو أنه أكثر من التردد إليها والزيارة لها والجلوس عندها، أو أنه تحرى أن يدعو الله أو يعبد الله عندها، ورأى أن هذا محل للإجابة، فإن هذا أيضاً من الغلو الذي هو تجاوُز الحد الذي حده النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت في الصحيح من حديث علي ﵁ أنه قال لـ أبي هياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟! ألَّا تدع قبراً مشرفاً إلَّا سوَّيته، ولا صورةً إلَّا طمستها).
وكان الرسول ﷺ يبعث الرسل نحو القبور التي شُيدت لتُسَوَّى بالأرض، ولا يكون لها ما يدعو إلى الالتفات إليها، وجذب النفوس والجلوس عندها أو قصدها؛ لأن هذا فتنة.
وسيذكر المؤلف أيضاً أن الغلو في الصالحين هو الذي كان به مبدأ الكفر بالله جلَّ وعلا والشرك، ولهذا خصه بذلك في باب، وإن كان هناك أسباب أخرى غير هذا.
قوله: (وتركهم دينهم) يعني: أن الشيء الذي يبدأ أولاً مشروع، ثم يزداد بالغلو -الذي هو تجاوز المشروع- إلى أن يصل إلى ترك الدين والخروج منه نهائياً، وهذا عام سواء في الاعتقادات أو في العمل الذي يتم وهو فعل الإنسان، كما حصل للذين يمرقون من الدين الإسلامي كمروق السهم من الرمية بسبب الغلو، وقد وقع مثل ذلك في صدر هذه الأمة، بل في وقت الصحابة رضوان الله عليهم، كالذين غلوا في حب علي ﵁، فتجاوزوا الحد حتى ألَّهوه وقالوا: إنه هو الله، قالوا هذا في حياته، بل قابلوه بذلك، فغضب لله جلَّ وعلا وأمر بإحراقهم، فقُذفوا في النار أحياءً، وقد اتفق الصحابة على أنه يجب أن يُقتلوا، وكان علي ﵁ لشدة غضبه لله قتلهم قتلاً بالنار.
ولم ينتهِ هذا الأمر عند ذلك الفعل الذي أراد أن يكون حاسماً؛ لأن الدعايات الباطلة ولأن ميل النفوس إلى تعظيم من فيه الصلاح شيء متأصل فيها، ويزداد بالتحريض من دعاة الباطل الذين يريدون التفرقة بين المسلمين وإيقاد الفتن، وهذه الأشياء عملت عملها، واستمر الأمر إلى اليوم.
[قوله: (باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين).
قوله: (تركهم) بالجر، عطفاً على المضاف إليه.
وأراد المصنف رحمه الله تعالى بيان ما يئول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية الذي هو أعظم ذنب عُصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (شهادة ألَّا إله إلَّا الله)].
стр. 697
معنى قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)
قال المصنف ﵀: [وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]].
سبق أن الأوامر التي وجهها الله جلَّ وعلا لأهل الكتاب حول الأمور التي ذمهم عليها وأخبر أنهم فعلوها وتركوا بذلك دينهم، أننا نحن المقصودون بها، ومن المعلوم لدى المسلمين أن خطاب الله جلَّ وعلا يعم كل من على وجه الأرض؛ لأن رسول الله ﷺ أُرسل إلى الناس كافة، وليس هذا خاصاً بأهل الكتاب؛ ولكن المفروض في أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم الكتاب من الله أن يكونوا قدوة للناس في فعل الحق وسلوكه، وإذا ضل هؤلاء فغيرهم أولى أن يضلوا.
وقول الله جلَّ وعلا: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) هذا نداء من الله جلَّ وعلا لهؤلاء، والنداء في ضمنه طلب الالتفات والعطف والنظر والاهتمام، فإن الله جلَّ وعلا ينبههم إلى هذا الأمر المهم.
قوله: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) يعني: لا تتجاوزوا الأوامر والنواهي التي جاءت من عند الله جلَّ وعلا.
فأما مجاوزة الأوامر فبالتشدد والمبالغة عند من يرى أنه أهل للاجتهاد والارتفاع عن هذا الشيء، فمجاوزة الأمر بالتشدد من الغلو.
وأما في النهي فهو مثل ذلك أيضاً، بأن يتجاوزه إلى غير المنهي عنه، فيقع في المحظور.
ويقابل هذا الجفاء والمعصية، فإن الأمر يجب أن يكون على وفق ما جاءت به الرسل، ويكون مراداً به وجه الله جلَّ وعلا، فلا يكون فيه تقصير، ولا يكون فيه غلو وزيادة؛ لأن الإنسان عبد، والعبد عليه أن يمتثل أمر سيده بدون نقص ولا زيادة.
قوله: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) هذا عام يشمل الدين كله، وهو خطاب لكل من تأتى له الخطاب من أهل الكتاب وغيرهم، ومعلوم أن الكتب السابقة لكتابنا قد نُسخت بالقرآن، ولكن الكتب التي جاءت من عند الله بعضُها يصدِّق بعضاً، وهي في العقائد وعبادة الله متفقة ومتحدة لا تختلف، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، فالأولون والآخِرون أُمروا بهذا، وكتب الله اتفقت على ذلك، ولهذا أمرهم ألَّا يتجاوزوا الحدود، فقال: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١].
وقوله: (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) يدلنا على أن الغلو يكون بالفعل وبالقول.
وقولهم على الله غير الحق قد بُيِّن في أماكن متعددة من القرآن نذكر بعضاً منها: منها ما هو كفر صريح كقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وقولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وما أشبه ذلك.
ومنها ما هو أقل من الكفر.
ومنها ما هو معصية.
وقد أخبر الله جلَّ وعلا عن أشياء مما كانوا يفعلونها، ومن الأمور التي تجاوزوا الحدود وغلوا فيها، فمنها تغييرهم حدود الله جلَّ وعلا وتبديلها بأشياء من عندهم، فقد كانوا يبدلونها بأشياء يتفقون عليها وأوضاع يتواضعونها مع معرفة ذلك ووضوحه في كتاب الله جلَّ وعلا عندهم، فهذا أيضاً من الغلو في الأمر؛ حيث تركوه مع وضوحه غالين في محبتهم لأنفسهم ولأهوائهم، ومحبتهم لما يكون سائغاً فعله بينهم جميعاً.
وكذلك غيرهم ممن كان متبعاً لرسول الله ﷺ ، فإنه وقع فيهم الغلو، ولهذا عُبدت القبور، ونُصبت عليها القباب، ووُضعت لها الأستار، وجُعل لها السَّدَنَة الذين يدعون الناس إلى عبادتها، ويحضونهم على تقديم النذور، وإن كانوا هم الذين ينتفعون بذلك، ويوجدون الحكايات التي لا تستسيغها العقول من أن هؤلاء الأموات يتصرفون، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يزورون من يشاءون، وأشياء عجيبة جداً، وكلها من الغلو الذي بسببه تُرك الدين.
стр. 698
تحريق علي بن أبي طالب ﵁ للرافضة الذين ألهوه
قال الشارح ﵀: [الغلو هو: الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزِّلوه المنزلة التي لا تنبغي إلَّا لله.
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيراً لهم أن يفعلوا بنبيهم ﷺ فعل النصارى في عيسى، واليهود في العزير، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) ويأتي.
فكل من دعا نبياً أو ولياً من دون الله فقد اتخذه إلهاً، وضاهى النصارى في شركهم، وضاهى اليهود في تفريطهم؛ فإن النصارى غلوا في عيسى ﵇، واليهود عادَوه وسبوه وتنقَّصوه، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرَّطوا، وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] ففي هذه الآية وأمثالها الرد على اليهود والنصارى.
قال شيخ الإسلام ﵀: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم، قال: وعلي ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كِندة، فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم؛ لكن ابن عباس مذهبه أن يُقتلوا بالسيف من غير تحريق، وهو قول أكثر العلماء].
باب كِندة: باب من أبواب الكوفة، وهو منسوب إلى قبيلة كِندة؛ لأن العرب لما سكنوا في هذا البلد صار لكل قبيلة حي ومكان معين يُضاف إليهم، والمسجد يُضاف إليهم، والباب الذي يُدخل منه عليهم يُضاف إليهم.
والسر في هذا هو: عبد الله بن وهب بن سبأ اليهودي الذي جاء من صنعاء في ذلك الوقت وهو على يهوديته؛ ولكنه أظهر الإسلام ليمكر بالإسلام، وذكروا أنه من الدهاة الذين يتقنون الفجور، فصار ينشر في الناس: أنه ما مات نبي إلَّا وله وصي، وصار يقول لهم: إن وصيَّه هو علي بن أبي طالب، ثم تمادى به الأمر إلى أن قال: إن علياً هو الإله، وصار يدعو الناس إلى هذا ويزينه، فاستجاب له أشباه الأنعام الذين يتبعون كل ناعق، فصاروا ينمُّون هذا في أفكارهم حتى ارتسم في أذهانهم ورسخ في قلوبهم، وقاموا وواجهوا علياً بذلك، فلما خرج من بيته ليصلي قابلوه وقالوا: أنت هو.
قال: ويلكم! ومن أنا؟! قالوا: أنت إلهنا.
قال: هذا الكفر! إن لم ترجعوا فسوف أقتلكم.
وحدد لهم ثلاثة أيام، وفي اليوم الثاني قابلوه بمثل ذلك، وفي اليوم الثالث كذلك، عند ذلك أمر بالحفَر أن تُحفر، وأمر أن يوضع فيها الحطب وتوقد ناراً، فأمسكهم وقذفهم فيها أحياءً، وكان يقول: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أجَّجت ناري ودعوت قنبراً وقنبر هو: مولىً من مواليه، يعني: دعاه ليساعده على ذلك، وهرب ابن سبأ.
وقد اتفق الصحابة في ذلك الوقت على وجوب أن يُقتلوا إن لم يتوبوا؛ لأن هذه الدعوى ما ادعاها إلَّا شُذَّاذ من الناس، فهي كفر صريح.
ولكن ما انحسم الأمر، بل ذهب هذا الخبيث وصار ينشر في الناس أفكاراً رديئة جداً تخالف الدين الإسلامي، فذهب إلى الشام فطُرد منه، ثم ذهب إلى مصر فباض وفرَّخ فيها، وصار الغوغاء الذين أتوا لمحاصرة أمير المؤمنين عثمان ﵁ يقومون بدعوته وتحريضه، كما أن الذين أتوا من العراق كانوا أنصاراً له على هذا.
وقد ذكر المؤرخون أشياء واضحة في هذا الأمر؛ ولكن تترك الأمور على الظاهر الذي يظهر للناس فقط، والأشياء تتبين وتتضح.
ثم لما قتل علي ﵁ صار ينشر في الناس أن علياً ﵁ ما قتل ولا يمكن أن يموت، بل صعد إلى السحاب وسوف يرجع، والرعد الذي تسمعون هو صوته، في خرافات كثيرة، وصار كثير من الناس يتأثر بهذه الأفكار السيئة الرديئة.
والمقصود: أن هذا كله دعا إليه الغلو في الحب، وإلَّا كيف يصدق الإنسان عقله أن رب العالمين يحل في مخلوق يأكل ويشرب وينام ويحتاج حاجاتٍ كثيرة ويكون فقيراً ثم في النهاية يموت، ويصير تراباً؟! وقد سبق إلى هذا النصارى حيث زعموا أن عيسى بن مريم هو (ابن الله) أو (الله) تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً! والمعلوم أنهم من بني آدم ولهم عقول؛ ولكن كما قال الشاعر: يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ بل كما قال الله : ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنَاً﴾ [فاطر:٨] فالذي يُزَيَّن له سوء العمل يراه حسناً، فيرى القبيح حسناً، والأمورُ بيد الله، والهدايةُ بيد الله، كما قال النبي ﷺ : (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان) فلا يستغرب الإنسان من أن فكر بني آدم يتغير ويصير أقل من أفكار الصبيان! ولا سيما والإنسان خُلق وجُبِل على العبادة، فإذا ترك الطريق المستقيم الذي جاء به الرسول فلابد أن تستهويه الشياطين وتضله، ويعبد المظاهر التي تحيط به، والتي يزينها له الشيطان، وأكثر الناس على ذلك؛ ولكن عباداتهم تختلف، والإنسان لا ينفعك عن عبادةٍ، والنفس إذا لم تُشغل بالسنة والحق شغلت صاحبها بالباطل والبدعة، ولابد.
стр. 699
قصة عبادة الأصنام بدأت من الغلو
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَاً﴾ [نوح:٢٣] قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسَمُّوها بأسمائم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت)]:
стр. 700
غلو النصارى في المسيح
الآية التي قبل هذا هي في نهي الله جلَّ وعلا أهلَ الكتاب أن يغلوا في دينهم وألَّا يقولوا على الله إلَّا الحق، يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٧١] وهذا لرد باطلهم، ومعلومٌ أن الرسول هو المأمور الذي أمره المرسِل أن يمتثل أمره، وأن يؤدي إلى عباده ما أمره به، فالرسول عبدٌ مطيع لمرسِلِه، فعيسى لما خالفَ في خلقه العادة التي أجرى الله جلَّ وعلا عليها بني آدم من كون الإنسان يتولد من أب وأم، وعيسى ولدته مريم ﵍ ولم يمسها بشر، ومن المعروف أن خلق بني آدم تنوَّعَ للدلالة على قدرة الله جلَّ وعلا: فأبو البشر آدم خلقه الله جلَّ وعلا من طين ليكون آية لنا، ولنعرف ذلك ونستدل به على إعادتنا بعدما نكون تراباً، فإننا إذا راجعنا إلى أصلنا تراباً نُعاد مرةً أخرى، ونُخرَج من التراب أحياءً كما كنا، فيكون هذا دليلاً لنا، وجعل ذلك جلَّ وعلا حجةً على الذين ينكرون البعث بعد الموت، وهو أمر قد تواردت عليه الأمم، وجاءت به أخبار الله التي لا يمكن أن يتطرق إليها شك أو ريب، ومن المؤسف أن كثيراً من المسلمين صارت تنطلي عليهم أفكار الملاحدة الذين يشككون فيما يذكره الله جلَّ وعلا، وقد يكون الذين جاءوا بهذه الأفكار قد رجعوا عنها، وكأنهم يضحكون على الناس.
فالمقصود: أن الله جلَّ وعلا أخبرنا أنه خلق آدم من تراب.
وأخبرنا أنه خلق زوجه منه، امرأة خُلقت من ذكر، وهذا ليس أغرب من خلق البشر من التراب؛ ولكن قدرة الله جلَّ وعلا صالحةٌ لكل شيء، ولا تُحَدُّ بِحَد.
ثم صار خلق سائر بني آدم من ذكر وأنثى على الشيء الذي يتعارفونه.
وجاء القسم الرابع وهو: خلق ذكر من أنثى بلا أب، وهو عيسى ﵇.
كل ذلك تنوُّعٌ في قدرته تعالى، وبيان على أنه لا يعجزه شيء.
فلما رأوه جاء مخالفاً لما اعتاده الناس غلوا فيه، وقالوا: إنه (ابن الله)، تعالى الله وتقدس عن الزوجات وعن الحاجات، وهؤلاء -قبحهم الله- جعلوا الله بمنزلة المخلوق المحتاج، ومنهم من يقول: (عيسى هو الله)، يعني: أن الله دخل في أحشاء الأنثى، وبقي في ظلمات الأحشاء تسعة شهور، ثم خرج من فرجها ضعيفاً، ثم تسلط عليه اليهود -على حد زعمهم- فأخذوه وقتلوه وصلبوه! أيُّ عقول هذه التي تزعم أن هذا (هو الله)؟! تعالى الله وتقدس.
فلهذا أخبر عن قولهم أنه كفر صريح، وأخبر أنه رسول أكرمه الله جلَّ وعلا بالرسالة، فصار الناس في وقته طائفتين: طائفة: غلت فيه بالحب والثناء والمدح حتى جعلوه إلهاً، فقالوا: (هو ابن الله) أو (هو الله) أو (هو ثالث ثلاثة: الله والمسيح وأمَّهُ)، يعني: جعلوا المخلوق الضعيف مشاركاً لله جلَّ وعلا في خصائصه.
الطائفة الأخرى: غلت في الجفاء والبغض وهم اليهود، حتى رموا والدته بأنها زانية، وأنه ابن زنىً، قبحهم الله، ثم حاولوا قتله، فابتلاهم الله جلَّ وعلا وألقى شَبَههُ على رجل منهم فقتلوه وصلبوه وزعموا أنه هو عيسى، وقد بين الله جلَّ وعلا أنهم ما قتلوه ولا صلبوه كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وسينزل في آخر الزمان، ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام، ثم يموت ويُدفن، ثم بعد ذلك يبعثه الله جلَّ وعلا مثل سائر الخلق.
ولهذا بين الله جلَّ وعلا أن خصائص المخلوقين موجودة في عيسى وأمِّه، ولكنه جعل عيسى رسولاً وأمَّه صديقة، فهما يحتاجان ما يحتاجه البشر ولهذا قال: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] والذي يأكل الطعام لا يصلح أن يكون إلهاً، والذي يحتاج إلى الطعام فيأكله، لابد أن يأتي بلازم المأكول من قضاء الحاجة، وهذا نقص فيه، فلو احتبس فيه ما أكله لمات.
هذه هي عقيدة النصارى تعالى الله وتقدس عنها! وكل هذه أفكار سيئة جداً، وتنقُّصٌ لله جلَّ وعلا غاية التنقُّص، ولهذا كفَّرهم الله جلَّ وعلا بذلك.
стр. 701
غلو قوم نوح في الصالحين
ثم ذكر بعد هذا القصةَ التي ذكرها البخاري في صحيحه: فقوله: (في الصحيح) يعني: في صحيح البخاري: عن ابن عباس أن وَداً وسُواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانت أسماء رجال صالحين في قوم نوح، وهؤلاء كانوا قبل بعث نوح ﵇ على الإسلام كما جاء في الصحيح عن ابن عباس قال: إن عشرة قرون قبل نوح كلهم كانوا على التوحيد.
يعني: أن أولاد آدم سلكوا الحق بعده، وآدم نبي كريم قد كلمه الله جلَّ وعلا بلا واسطة، وأنزله إلى الأرض بالرسالة إلى بنيه.
وكان بنوه على الحق، ومضَوا وقتاً طويلاً على الإسلام لم تحدث فيهم مخالفة، ولم يعبدوا غير الله، حتى طرأت هذه الحادثة، ووُجِد منهم هؤلاء: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء كانت لأناس صالحين، يعني: كانوا مجتهدين، وكانوا قدوة في قومهم، فماتوا واحداً بعد الآخر في زمن متقارب، فأسف عليهم قومهم وجزعوا؛ لأنهم كانوا يقتدون بهم، فإذا رأوهم في اجتهادهم وعملهم الصالح زاد عملهم واجتهدوا كاجتهادهم.
فلما علم الشيطان بأسفهم جاء إليهم بصورة الناصح وهكذا يفسد الشيطان دين الإنسان بكونه يظهر له بأنه يزين له الباطل، وربما جاءه بحق وله فيه أغراض ونظرات بعيدة كما في هذه القصة، فقال لهم: ألَّا تصوِّرون صورهم، وتنصبونها في المجالس التي تجلسون فيها -يعني: مجالس التعبد والذكر- حتى إذا رأيتموهم -رأيتم هذه الصور- تذكرتم أفعالهم، فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذه الفكرة وفعلوا ذلك، وبقوا على هذا وقتاً إلى أن ماتوا.
стр. 702
عبادة قوم نوح لتماثيل الصالحين
ثم جاء أبناؤهم، وربما أبناء أبنائهم, ونُسي السبب الذي من أجله صُوِّرت هذه الصور، فجاء دور الشيطان أيضاً مرةً أخرى، فأتى إليهم وقال: آباؤكم ما صوروا هذه الصور إلَّا للتبرك والاستشفاع وطلب الوساطة بها، وقد كانوا يستسقون بها ويجعلونها واسطةً لهم عند الله! فعُبدت، وهذا أول شرك وقع في الأرض.
وهذا الشرك سببه: الغلو، والحب الزائد في الصالحين، فزِيد في الحق حتى تُرك الدين، ووقع الناس في عبادة غير الله جلَّ وعلا.
ولهذا السبب أرسل الله نوحاً ﵇، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك هذه الأصنام، وبقي -كما ذكر الله جلَّ وعلا- يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ألف سنة إلَّا خمسين عاماً، فلم يستجيبوا له، بل صار بعضهم يوصي بعضاً بالتمسك بهذه الأصنام، ويؤكدون على ذلك كما قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارَاً * وَمَكَرُوا مَكْرَاً كُبَّارَاً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَاً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرَاً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالَاً﴾ [نوح:٢١ - ٢٤].
فقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] يعني: يقول بعضهم لبعض ويوصي بعضهم بعضاً: إياكم أن تتأثروا بدعوة نوح! إياكم أن تتركوا آلهتكم لقول نوح! تمسكوا بها! ولهذا أكَّدوا ذلك: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)، فجعلوها آلهة، والآلهة هي المألوهة التي تألهها القلوب وتحبها وتعظمها وترجو نفعها ودفع الضر بها، وهذا عام، ثم صاروا يخصون هذه الأصنام، فهم: أولاً: أوصوا بالتمسك بالآلهة عموماً: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣].
ثم أكدوا الوصية بهذه الأصنام الخمسة: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر.
إلى أن أيس نوح ﵇ من استجابتهم، وكان يرجو أن يولد لهم أولاد يستجيبون لدعوته، فصار كلما وُلد مولود علَّموه عبادة الأوثان وحذَّروه من اتباع نوح ﵇، ولهذا قال تعالى حاكياً عنه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: أن أولادهم كانوا فجاراً وكفاراً.
ثم بسبب تمسكهم بعبادة غير الله أهلكهم الله جلَّ وعلا بالغرق الذي جاء على جميع الأرض، ولم يَبقَ على الأرض حي إلَّا من كان في سفينة نوح فقط.
ثم إن الذين كانوا في السفينة نموا وكثروا، وقد ذكر الله جلَّ وعلا في كتابه أن ذرية نوح هم الباقون، فصار الناس الذين بقوا هم أولاد نوح وكان أولاده أربعة، فانتشروا في الأرض وصار منهم الأمم الكبيرة.
فوقع فيهم الشرك مرة أخرى بأسباب الله أعلم ما هي؛ ولكن هذا من أعظمها، فأرسل الله جلَّ وعلا إليهم الرسل تدعوهم إلى التوحيد وتنهاهم عن الشرك وعبادة غير الله جلَّ وعلا، وكل أمة تعصي رسولها وتأبى من اتباعه وإخلاص الدين لله جلَّ وعلا، فكان الله جلَّ وعلا يهلكهم بعذاب عام يعمهم، كما وقع لقوم نوح، وقد ذكر الله جلَّ وعلا بعض قصصهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص كل الرسل، وإنما قُصَّ علينا بعضهم، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَرُسُلَاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] إنما ذُكر لنا ما فيه الكفاية وفيه المعتبر.
وقد جاء أن هذه الأصنام التي كانت في قوم نوح وُجدت في العرب، ذكر ذلك ابن عباس، وذكره محمد بن إسحاق في السيرة، وذكره ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وذكره عمر بن شبه في (تاريخه)، وذكره الأزرقي أيضاً، وغيرهم من الذين كتبوا في هذا، ذكروا أن هذه الأصنام حملها الطوفان وألقاها في قرب جدة على الساحل، فسَفَتْ عليها السَّوافي فاندفنت، ومرت عليها العصور الطويلة الكثيرة جداً.
стр. 703
أول من جعل الأصنام من العرب
ثم بعدما كان العرب على دين إسماعيل، وكانوا مستقيمين على الحق، صار فيهم رجل من كبار خزاعة -وهو عمرو بن لحي الخزاعي - مطاعاً فيهم ورئيساً لهم، وذكروا أنه كان له شيطان يأتيه بالأخبار كحال الكُهَّان، فجاء إليه يوماً وأمره أن يذهب إلى هذا المكان، وقال له: إنك تجد فيه أصناماً مُعَدَّة فخذها ولا تهب، وادعُ إلى عبادتها العرب تُجَب، في سجع يقوله له، فذهب فوجد أن الشيطان قد استخرجها لهم، ففرقها في قبائل العرب بعدما دعاهم إلى عبادتها في الموسم فأجابوه، فصار كل صنم في قبيلة من قبائل العرب، وصاروا يعبدونه.
وبقيت إلى أن بعث الله جلَّ وعلا خاتم رسله محمداً ﷺ فحطمها، وكُسِّرت بدعوته.
ثم إن الأمر ما انتهى عند ذلك، فقد استحدث العرب أصناماً أخرى، كما سبق أنهم عبدوا اللات والعزى، وعبدوا مناة وهُبل، وعبدوا الحجارة، وعبدوا أصناماً كثيرة، وقد جاء في الصحيح أنها: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصة) وذو الخلصة: صنم لدوس، وقد وقع ذلك كما أخبر الرسول ﷺ .
وكذلك من هذه الأصنام ما يكون بصورة رجل صالح من القبور، ولا يزال الناس يشاهدون ذلك إلى الآن، فهذه المشاهد التي يُطاف عليها، وتُقصَد من أماكن نائية عنها، وتُراق عندها الدماء، وتُقدم لها النذور، وتَسمَع إذا وصلتَ إليها دعوات الناس مرتفعةً، يدعون أصحابَها بالابتهال والخضوع والذل، وينادون المقبور بأن يفعل بهم كذا، ويعطيهم، ويمنعهم من العدو، ويهب لهم ما يريدونه من ولد أو رزق أو ربما غفران الذنوب يدعونه وقد أصبح رميماً تحت التراب!! وهؤلاء الذين يُدعَون أمثال: البدوي وأمثال: الدسوقي وأمثال: عبد القادر الجيلاني وأشباههم ليسوا من خيار الناس وأفاضلهم، بل هناك كثيرٌ من الصالحين ومن أولياء الله قُبروا في مصر وفي الشام وفي العراق وفي الحجاز وفي اليمن وفي أماكن متعددة ولكن في زمن الاستقامة؛ وما كان الشيطان يطمع في أن يدعو الناس إلى عبادة هؤلاء، وإنما زين لهم الشيطان عبادة هؤلاء لما فرغت قلوبهم من التوحيد الخالص لله جلَّ وعلا، فدعاهم إلى ذلك فاستجابوا له.
ومن العجائب أنه قد يُعبد طاغوت من الطواغيت الذي كان ينكر شرع الله، بل كان يدعو إلى مسخه، مثل ابن عربي الطائي الذي كان في الشام، فقبره لا يزال معروفاً إلى الآن يُعبد ويُعظم ويُطاف عليه، وهو الذي يقول: إن فرعون على الحق وإن موسى على الباطل، وهو الذي يقول: إن الرسل ضيَّقوا على الناس، وإن الناس أخطئوا في تخصيصهم العبادة بـ (اللات والعزى ومناة) وما أشبه ذلك، أما لو عبدوا كل شيء لكانوا على الحق والصواب، وهو الذي يقول: إذا صار أهل النار إلى النار صارت عليهم عذْباً، وصارت نعيماً لا يتأثرون بعذابها، وأشياء عجيبة جداً من مسخ دين الله! بل قال: إنه لا فرق بين الزوجة والأم، ولا بين الخمر واللبن، فكله حلال، فمن كان هذه بعض أقواله كيف يُعظم ويُعبد؟! ولكن الجهل وإضلال الشيطان لهؤلاء هو الذي جعلهم يعبدونه.
وكل هذا بسبب تقصيرهم وبسبب تركهم ما جاء به الرسول ﷺ والتعمُّق فيه والتمسك به، فالجهل هو الذي يكون سبباً لكل ضلال.
ومن المعلوم أن الله جلَّ وعلا قد خلق خلقه لعبادته، فالعبادة حقه لا يجوز أن يكون شيء منها لغيره، فإن جُعل شيء من العبادة لغيره فقد حرم الله جلَّ وعلا الجنة على هذا الذي جعل بعض العبادة لغيره، وأخبر أنه لا يغفر ذلك له إذا مات عليه.
ثم كيف يسوغ للعاقل وهو يعلم أن الله حرم الجنة على المشرك ألا يهتم بمعرفة الشرك ولا يبحث عنه؟! حتى انقلبت الأوضاع وصار الشرك عند كثير من الناس هو الحق والصواب، وهو الدين الذي يُدان به، بل ويُزعم أنه الدين الذي جاء به الرسول ﷺ ، وأصبح تجريد التوحيد لله وحده وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ باطلاً، وأصبح صاحبه ضالاً تجب محاربته ويجب نبذه، فانعكست الأمور تماماً، وكل هذا بسبب الجهل والتفريط، وكون الإنسان يفرط في أمر الله جلَّ وعلا الذي أوجبه عليه، والإنسان هو الذي يقع عليه اللوم؛ لأنه لا حجة له، فقد بين الله جلَّ وعلا الحق بياناً جلياً، والرسول ﷺ لم يترك شراً يمكن أن يُبعِد عن الله إلَّا وحذَّرنا منه ولا خيراً يقرِّبنا إلى الله إلَّا وبينه ووضحه لنا وأمرنا به، فإذا تركنا ما جاء به فنحن الملومون، ونحن الذين قامت عليهم الحجة وليس لهم على ربهم عذر ولا حجة، بل الحجة لله؛ لأنه أرسل الرسول وأنزل الكتاب، ولازال كتاب ربنا بيننا، فهل نتخذ كتابه للتبرك أو للرقى وطرد الجن وما أشبه ذلك؟! هذا لا يكفي، بل هذا شبه اللعب، ونحن بهذا كأننا اتخذناه للدنيا ولمصلحة أبداننا فقط.
وإنما يجب أن نصلح به القلوب أولاً، ثم نصلح به كل أوضاعنا وعلاقاتنا، وإلَّا فسوف يسألنا الله جلَّ وعلا: كيف يأتيكم كتابي ولا تتفهمونه ولا تعملون به؟! فما العذر؟ أيقول الإنسان: يا رب! ما أدري ماذا قلتَ؟! وهل يكون هذا عذراً؟! أيقول: يا رب! أنا ما فهمتُ قولك؟! أيكون هذا عذراً والله جلَّ وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ويقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] يقول علماء التفسير في هذه الآية: هل مِن طالب علم فيُعان؟! فالله قد يسَّره، ولكن الإعراض هو الذي يحول بين الإنسان وبين ذلك، وهكذا إذا لم يهتم وإنما يجعل الاهتمام بأمور الدنيا، وسوف يُسأل كل إنسان عن كتاب ربه: ماذا عمل به؟! ولماذا ما اتبع الرسول؟! فليعد للسؤال جواباً، وليكن الجواب صواباً، وإلَّا فهو يستحق العذاب، نسأل الله العافية.
стр. 704
الفرق بين الصنم والوثن
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: في الصحيح أي: في صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف.
ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعدُ، أما وَد فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت بهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح) إلخ.
وروى عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسْقون المطر، فعبدوهم).
قوله: (أن انصبوا) هو بكسر الصاد المهملة.
قوله: (أنصاباً): جمع نُصُب، والمراد به هنا: الأصنام المصورة على صورة أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسمَّوها بأسمائهم.
وفي سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن الأصنام تسمى أوثاناً، فاسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله، سواء كان ذلك المعبود قبراً أو مشهداً أو صورةً أو غير ذلك] سبق أن بعض العلماء فرَّق بين الوثن والصنم فقال: الصنم هو: ما نُحت على صورة إنسان أو حيوان وكان مجسَّداً، سواء كان منحوتاً أو منجوراً أو مبنياً أو ما أشبه ذلك.
أما الوثن فهو أعم، وتعريفه هو: كل معبود من دون الله، سواء كان شيئاً مجسداً على صورة إنسان أو على صورة أسد أو غير ذلك، فالقبر يكون وثناً؛ ولكن نقول: لا يسمى صنماً على هذا القول، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم أوثاناً).
ومنهم من لا يفرق ويقول: الوثن يطلق على الصنم، والصنم يطلق على الوثن، وقد جاء في القرآن ما يدل على هذا، فإن في قصة إبراهيم: مرةً سمَّوها أصناماً ومرةً سمَّوها أوثاناً، فهذا يدل على أنها تُطلق على هذا مرةً وتُطلق على هذا مرةً أخرى.
стр. 705
الجهل سبب من أسباب الوقوع في الشرك
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (حتى إذا هلك أولئك) أي: الذين صوروا تلك الأصنام.
قوله: (ونُسي العلم) ورواية البخاري: (وتنسَّخ).
وللكشمهيني: (ونُسخ العلم) أي: درست آثارُه بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظناً منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: (عُبدت) لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيرَاً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢]]: الجِبِلُّ هم: الجماعات الكثيرة، فقوله تعالى: ﴿جِبِلَّاً كَثِيرَاً﴾ يعني: جماعات كثيرة أضلها الشيطان، فلماذا لم تعتبروا بذلك؟! ولماذا لم تتبعوا الرسل وتهتدوا بهديهم، وتتفكروا بعقولكم؟! ولماذا لم تستدلوا بآيات الله جلَّ وعلا القائمة المشاهَدة وكذلك المقولة المسموعة؟!
و
الجواب
أنه لا عذر لهم في ذلك.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك؛ وإن كان القصد بها حسناً، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة: أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله.
وفي رواية: أنهم قالوا: (ما عظّم أوّلنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله) أي: يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم وسموها بأسمائهم، ومن هنا يُعلم أن اتخاذ شفعاء ورجاء شفاعتهم بطلبها منهم شرك بالله، كما تقدم بيانه في الآيات المحكمات].
следующие страницы →