Полный текст (2 090 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
غلو قوم نوح في الصالحين
ثم ذكر بعد هذا القصةَ التي ذكرها البخاري في صحيحه: فقوله: (في الصحيح) يعني: في صحيح البخاري: عن ابن عباس أن وَداً وسُواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانت أسماء رجال صالحين في قوم نوح، وهؤلاء كانوا قبل بعث نوح ﵇ على الإسلام كما جاء في الصحيح عن ابن عباس قال: إن عشرة قرون قبل نوح كلهم كانوا على التوحيد.
يعني: أن أولاد آدم سلكوا الحق بعده، وآدم نبي كريم قد كلمه الله جلَّ وعلا بلا واسطة، وأنزله إلى الأرض بالرسالة إلى بنيه.
وكان بنوه على الحق، ومضَوا وقتاً طويلاً على الإسلام لم تحدث فيهم مخالفة، ولم يعبدوا غير الله، حتى طرأت هذه الحادثة، ووُجِد منهم هؤلاء: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء كانت لأناس صالحين، يعني: كانوا مجتهدين، وكانوا قدوة في قومهم، فماتوا واحداً بعد الآخر في زمن متقارب، فأسف عليهم قومهم وجزعوا؛ لأنهم كانوا يقتدون بهم، فإذا رأوهم في اجتهادهم وعملهم الصالح زاد عملهم واجتهدوا كاجتهادهم.
فلما علم الشيطان بأسفهم جاء إليهم بصورة الناصح وهكذا يفسد الشيطان دين الإنسان بكونه يظهر له بأنه يزين له الباطل، وربما جاءه بحق وله فيه أغراض ونظرات بعيدة كما في هذه القصة، فقال لهم: ألَّا تصوِّرون صورهم، وتنصبونها في المجالس التي تجلسون فيها -يعني: مجالس التعبد والذكر- حتى إذا رأيتموهم -رأيتم هذه الصور- تذكرتم أفعالهم، فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذه الفكرة وفعلوا ذلك، وبقوا على هذا وقتاً إلى أن ماتوا.
стр. 702
عبادة قوم نوح لتماثيل الصالحين
ثم جاء أبناؤهم، وربما أبناء أبنائهم, ونُسي السبب الذي من أجله صُوِّرت هذه الصور، فجاء دور الشيطان أيضاً مرةً أخرى، فأتى إليهم وقال: آباؤكم ما صوروا هذه الصور إلَّا للتبرك والاستشفاع وطلب الوساطة بها، وقد كانوا يستسقون بها ويجعلونها واسطةً لهم عند الله! فعُبدت، وهذا أول شرك وقع في الأرض.
وهذا الشرك سببه: الغلو، والحب الزائد في الصالحين، فزِيد في الحق حتى تُرك الدين، ووقع الناس في عبادة غير الله جلَّ وعلا.
ولهذا السبب أرسل الله نوحاً ﵇، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك هذه الأصنام، وبقي -كما ذكر الله جلَّ وعلا- يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ألف سنة إلَّا خمسين عاماً، فلم يستجيبوا له، بل صار بعضهم يوصي بعضاً بالتمسك بهذه الأصنام، ويؤكدون على ذلك كما قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارَاً * وَمَكَرُوا مَكْرَاً كُبَّارَاً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَاً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرَاً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالَاً﴾ [نوح:٢١ - ٢٤].
فقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] يعني: يقول بعضهم لبعض ويوصي بعضهم بعضاً: إياكم أن تتأثروا بدعوة نوح! إياكم أن تتركوا آلهتكم لقول نوح! تمسكوا بها! ولهذا أكَّدوا ذلك: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)، فجعلوها آلهة، والآلهة هي المألوهة التي تألهها القلوب وتحبها وتعظمها وترجو نفعها ودفع الضر بها، وهذا عام، ثم صاروا يخصون هذه الأصنام، فهم: أولاً: أوصوا بالتمسك بالآلهة عموماً: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣].
ثم أكدوا الوصية بهذه الأصنام الخمسة: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر.
إلى أن أيس نوح ﵇ من استجابتهم، وكان يرجو أن يولد لهم أولاد يستجيبون لدعوته، فصار كلما وُلد مولود علَّموه عبادة الأوثان وحذَّروه من اتباع نوح ﵇، ولهذا قال تعالى حاكياً عنه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: أن أولادهم كانوا فجاراً وكفاراً.
ثم بسبب تمسكهم بعبادة غير الله أهلكهم الله جلَّ وعلا بالغرق الذي جاء على جميع الأرض، ولم يَبقَ على الأرض حي إلَّا من كان في سفينة نوح فقط.
ثم إن الذين كانوا في السفينة نموا وكثروا، وقد ذكر الله جلَّ وعلا في كتابه أن ذرية نوح هم الباقون، فصار الناس الذين بقوا هم أولاد نوح وكان أولاده أربعة، فانتشروا في الأرض وصار منهم الأمم الكبيرة.
فوقع فيهم الشرك مرة أخرى بأسباب الله أعلم ما هي؛ ولكن هذا من أعظمها، فأرسل الله جلَّ وعلا إليهم الرسل تدعوهم إلى التوحيد وتنهاهم عن الشرك وعبادة غير الله جلَّ وعلا، وكل أمة تعصي رسولها وتأبى من اتباعه وإخلاص الدين لله جلَّ وعلا، فكان الله جلَّ وعلا يهلكهم بعذاب عام يعمهم، كما وقع لقوم نوح، وقد ذكر الله جلَّ وعلا بعض قصصهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص كل الرسل، وإنما قُصَّ علينا بعضهم، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَرُسُلَاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] إنما ذُكر لنا ما فيه الكفاية وفيه المعتبر.
وقد جاء أن هذه الأصنام التي كانت في قوم نوح وُجدت في العرب، ذكر ذلك ابن عباس، وذكره محمد بن إسحاق في السيرة، وذكره ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وذكره عمر بن شبه في (تاريخه)، وذكره الأزرقي أيضاً، وغيرهم من الذين كتبوا في هذا، ذكروا أن هذه الأصنام حملها الطوفان وألقاها في قرب جدة على الساحل، فسَفَتْ عليها السَّوافي فاندفنت، ومرت عليها العصور الطويلة الكثيرة جداً.
стр. 703
أول من جعل الأصنام من العرب
ثم بعدما كان العرب على دين إسماعيل، وكانوا مستقيمين على الحق، صار فيهم رجل من كبار خزاعة -وهو عمرو بن لحي الخزاعي - مطاعاً فيهم ورئيساً لهم، وذكروا أنه كان له شيطان يأتيه بالأخبار كحال الكُهَّان، فجاء إليه يوماً وأمره أن يذهب إلى هذا المكان، وقال له: إنك تجد فيه أصناماً مُعَدَّة فخذها ولا تهب، وادعُ إلى عبادتها العرب تُجَب، في سجع يقوله له، فذهب فوجد أن الشيطان قد استخرجها لهم، ففرقها في قبائل العرب بعدما دعاهم إلى عبادتها في الموسم فأجابوه، فصار كل صنم في قبيلة من قبائل العرب، وصاروا يعبدونه.
وبقيت إلى أن بعث الله جلَّ وعلا خاتم رسله محمداً ﷺ فحطمها، وكُسِّرت بدعوته.
ثم إن الأمر ما انتهى عند ذلك، فقد استحدث العرب أصناماً أخرى، كما سبق أنهم عبدوا اللات والعزى، وعبدوا مناة وهُبل، وعبدوا الحجارة، وعبدوا أصناماً كثيرة، وقد جاء في الصحيح أنها: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصة) وذو الخلصة: صنم لدوس، وقد وقع ذلك كما أخبر الرسول ﷺ .
وكذلك من هذه الأصنام ما يكون بصورة رجل صالح من القبور، ولا يزال الناس يشاهدون ذلك إلى الآن، فهذه المشاهد التي يُطاف عليها، وتُقصَد من أماكن نائية عنها، وتُراق عندها الدماء، وتُقدم لها النذور، وتَسمَع إذا وصلتَ إليها دعوات الناس مرتفعةً، يدعون أصحابَها بالابتهال والخضوع والذل، وينادون المقبور بأن يفعل بهم كذا، ويعطيهم، ويمنعهم من العدو، ويهب لهم ما يريدونه من ولد أو رزق أو ربما غفران الذنوب يدعونه وقد أصبح رميماً تحت التراب!! وهؤلاء الذين يُدعَون أمثال: البدوي وأمثال: الدسوقي وأمثال: عبد القادر الجيلاني وأشباههم ليسوا من خيار الناس وأفاضلهم، بل هناك كثيرٌ من الصالحين ومن أولياء الله قُبروا في مصر وفي الشام وفي العراق وفي الحجاز وفي اليمن وفي أماكن متعددة ولكن في زمن الاستقامة؛ وما كان الشيطان يطمع في أن يدعو الناس إلى عبادة هؤلاء، وإنما زين لهم الشيطان عبادة هؤلاء لما فرغت قلوبهم من التوحيد الخالص لله جلَّ وعلا، فدعاهم إلى ذلك فاستجابوا له.
ومن العجائب أنه قد يُعبد طاغوت من الطواغيت الذي كان ينكر شرع الله، بل كان يدعو إلى مسخه، مثل ابن عربي الطائي الذي كان في الشام، فقبره لا يزال معروفاً إلى الآن يُعبد ويُعظم ويُطاف عليه، وهو الذي يقول: إن فرعون على الحق وإن موسى على الباطل، وهو الذي يقول: إن الرسل ضيَّقوا على الناس، وإن الناس أخطئوا في تخصيصهم العبادة بـ (اللات والعزى ومناة) وما أشبه ذلك، أما لو عبدوا كل شيء لكانوا على الحق والصواب، وهو الذي يقول: إذا صار أهل النار إلى النار صارت عليهم عذْباً، وصارت نعيماً لا يتأثرون بعذابها، وأشياء عجيبة جداً من مسخ دين الله! بل قال: إنه لا فرق بين الزوجة والأم، ولا بين الخمر واللبن، فكله حلال، فمن كان هذه بعض أقواله كيف يُعظم ويُعبد؟! ولكن الجهل وإضلال الشيطان لهؤلاء هو الذي جعلهم يعبدونه.
وكل هذا بسبب تقصيرهم وبسبب تركهم ما جاء به الرسول ﷺ والتعمُّق فيه والتمسك به، فالجهل هو الذي يكون سبباً لكل ضلال.
ومن المعلوم أن الله جلَّ وعلا قد خلق خلقه لعبادته، فالعبادة حقه لا يجوز أن يكون شيء منها لغيره، فإن جُعل شيء من العبادة لغيره فقد حرم الله جلَّ وعلا الجنة على هذا الذي جعل بعض العبادة لغيره، وأخبر أنه لا يغفر ذلك له إذا مات عليه.
ثم كيف يسوغ للعاقل وهو يعلم أن الله حرم الجنة على المشرك ألا يهتم بمعرفة الشرك ولا يبحث عنه؟! حتى انقلبت الأوضاع وصار الشرك عند كثير من الناس هو الحق والصواب، وهو الدين الذي يُدان به، بل ويُزعم أنه الدين الذي جاء به الرسول ﷺ ، وأصبح تجريد التوحيد لله وحده وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ باطلاً، وأصبح صاحبه ضالاً تجب محاربته ويجب نبذه، فانعكست الأمور تماماً، وكل هذا بسبب الجهل والتفريط، وكون الإنسان يفرط في أمر الله جلَّ وعلا الذي أوجبه عليه، والإنسان هو الذي يقع عليه اللوم؛ لأنه لا حجة له، فقد بين الله جلَّ وعلا الحق بياناً جلياً، والرسول ﷺ لم يترك شراً يمكن أن يُبعِد عن الله إلَّا وحذَّرنا منه ولا خيراً يقرِّبنا إلى الله إلَّا وبينه ووضحه لنا وأمرنا به، فإذا تركنا ما جاء به فنحن الملومون، ونحن الذين قامت عليهم الحجة وليس لهم على ربهم عذر ولا حجة، بل الحجة لله؛ لأنه أرسل الرسول وأنزل الكتاب، ولازال كتاب ربنا بيننا، فهل نتخذ كتابه للتبرك أو للرقى وطرد الجن وما أشبه ذلك؟! هذا لا يكفي، بل هذا شبه اللعب، ونحن بهذا كأننا اتخذناه للدنيا ولمصلحة أبداننا فقط.
وإنما يجب أن نصلح به القلوب أولاً، ثم نصلح به كل أوضاعنا وعلاقاتنا، وإلَّا فسوف يسألنا الله جلَّ وعلا: كيف يأتيكم كتابي ولا تتفهمونه ولا تعملون به؟! فما العذر؟ أيقول الإنسان: يا رب! ما أدري ماذا قلتَ؟! وهل يكون هذا عذراً؟! أيقول: يا رب! أنا ما فهمتُ قولك؟! أيكون هذا عذراً والله جلَّ وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ويقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] يقول علماء التفسير في هذه الآية: هل مِن طالب علم فيُعان؟! فالله قد يسَّره، ولكن الإعراض هو الذي يحول بين الإنسان وبين ذلك، وهكذا إذا لم يهتم وإنما يجعل الاهتمام بأمور الدنيا، وسوف يُسأل كل إنسان عن كتاب ربه: ماذا عمل به؟! ولماذا ما اتبع الرسول؟! فليعد للسؤال جواباً، وليكن الجواب صواباً، وإلَّا فهو يستحق العذاب، نسأل الله العافية.
стр. 704
الفرق بين الصنم والوثن
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: في الصحيح أي: في صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف.
ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعدُ، أما وَد فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت بهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح) إلخ.
وروى عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسْقون المطر، فعبدوهم).
قوله: (أن انصبوا) هو بكسر الصاد المهملة.
قوله: (أنصاباً): جمع نُصُب، والمراد به هنا: الأصنام المصورة على صورة أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسمَّوها بأسمائهم.
وفي سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن الأصنام تسمى أوثاناً، فاسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله، سواء كان ذلك المعبود قبراً أو مشهداً أو صورةً أو غير ذلك] سبق أن بعض العلماء فرَّق بين الوثن والصنم فقال: الصنم هو: ما نُحت على صورة إنسان أو حيوان وكان مجسَّداً، سواء كان منحوتاً أو منجوراً أو مبنياً أو ما أشبه ذلك.
أما الوثن فهو أعم، وتعريفه هو: كل معبود من دون الله، سواء كان شيئاً مجسداً على صورة إنسان أو على صورة أسد أو غير ذلك، فالقبر يكون وثناً؛ ولكن نقول: لا يسمى صنماً على هذا القول، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم أوثاناً).
ومنهم من لا يفرق ويقول: الوثن يطلق على الصنم، والصنم يطلق على الوثن، وقد جاء في القرآن ما يدل على هذا، فإن في قصة إبراهيم: مرةً سمَّوها أصناماً ومرةً سمَّوها أوثاناً، فهذا يدل على أنها تُطلق على هذا مرةً وتُطلق على هذا مرةً أخرى.
стр. 705
الجهل سبب من أسباب الوقوع في الشرك
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (حتى إذا هلك أولئك) أي: الذين صوروا تلك الأصنام.
قوله: (ونُسي العلم) ورواية البخاري: (وتنسَّخ).
وللكشمهيني: (ونُسخ العلم) أي: درست آثارُه بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظناً منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: (عُبدت) لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيرَاً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢]]: الجِبِلُّ هم: الجماعات الكثيرة، فقوله تعالى: ﴿جِبِلَّاً كَثِيرَاً﴾ يعني: جماعات كثيرة أضلها الشيطان، فلماذا لم تعتبروا بذلك؟! ولماذا لم تتبعوا الرسل وتهتدوا بهديهم، وتتفكروا بعقولكم؟! ولماذا لم تستدلوا بآيات الله جلَّ وعلا القائمة المشاهَدة وكذلك المقولة المسموعة؟!
و
الجواب
أنه لا عذر لهم في ذلك.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك؛ وإن كان القصد بها حسناً، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة: أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله.
وفي رواية: أنهم قالوا: (ما عظّم أوّلنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله) أي: يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم وسموها بأسمائهم، ومن هنا يُعلم أن اتخاذ شفعاء ورجاء شفاعتهم بطلبها منهم شرك بالله، كما تقدم بيانه في الآيات المحكمات].
стр. 706
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٨]
نهى النبي ﵊ عن الغلو في الصالحين، وأخبر أن هذا هو سبب هلاك الأمم من قبلنا، وقد وقع كثير من الناس فيما نهى عنه رسول الله ﷺ ، فغلوا في الصالحين، وعكفوا على قبورهم، ثم صاروا يدعون غيرهم إلى ذلك، فوقعوا في الشرك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
стр. 707
تفصيل المراحل التي تنقل فيها المشركون حتى عبدوا تماثيل الصالحين
стр. 708
كلام ابن القيم عن مراحل التنقل إلى عبادة القبور
قال الشارح ﵀: [وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
قوله: (وقال ابن القيم ﵀: هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بـ ابن قيم الجوزية].
إذا جاءت إضافةٌ لا بد أن تحذف (أل)؛ لأن (قيم) معناه: مدير المدرسة، و (الجوزية): مدرسة.
قال الشارح ﵀: [قال الحافظ السخاوي: العلامة الحجة، المتقدم في سعة العلم ومعرفة الخلاف وقوة الجنان، المُجْمَع عليه بين الموافق والمخالف، صاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجمة، مات سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
قوله: (وقال غير واحد من السلف) هو بمعنى ما ذكره البخاري وابن جرير، إلَّا أنه ذكر عكوفهم على قبورهم قبل تصويرهم تماثيلهم، وذلك من وسائل الشرك، بل هو الشرك؛ لأن العكوف لله في المساجد عبادة، فإذا عكفوا على القبور صار عكوفُهم -تعظيماً ومحبةً- عبادةً لها.
قوله: (ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) أي: طال عليهم الزمان، وسبب تلك العبادة والمُوصِل إليها هو: ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثاناً تُعبد من دون الله، كما ترجم به المصنف رحمه الله تعالى، فإنهم تركوا بذلك دين الإسلام الذي كان أولئك عليه قبل حدوث وسائل هذا الشرك، وكفروا بعبادة تلك الصور واتخذوهم شفعاء، وهذا أول شرك حدث في الأرض.
قال القرطبي: وإنما صور أوائلُهم الصور ليتأسوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها.
انتهى.
قال ابن القيم ﵀: وما زال الشيطان يوحي إلى عُبَّاد القبور ويُلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب.
ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يُقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تُعلَّق عليه القناديل والستور، ويُطاف به ويُستلَم ويُقَبَّل ويُحَجُّ إليه ويُذْبَح عنده.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.
وكل هذا مما قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ من تجريد التوحيد وألَّا يُعبَد إلَّا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن مَن نهى عن ذلك فقد تنقَّص أهل هذه الرتب العالية وحطَّهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون واشمأزت قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] وسرى ذلك في نفوس كثير من الجُهَّال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوا أهل التوحيد ورمَوهم بالعظائم ونفَّروا الناس عنهم، ووالَوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤] انتهى كلام ابن القيم ﵀].
стр. 709
ذكر أن الجهل باللغة العربية من أسباب الوقوع في الشرك
من المعلوم لدى كل مسلم أن الله جلَّ وعلا خلق خلقه ليعبدوه، وهذا أصل يعلمه المسلمون جميعاً؛ ولكن بعض المسلمين يجهل تفاصيل العبادة، ويجهل كذلك تفاصيل معنى (الإله).
والسبب في هذا: الجهل باللغة العربية؛ لأن ربنا جلَّ وعلا أنزل كتابه بهذه اللغة، كما أنه أرسل رسوله عربياً؛ فصار من المبادئ التي هي مُسَلَّمة ولا ينازع فيها أحد من العلماء أن تعلُّم اللغة العربية أمر واجب ضروري؛ لأن الدين الإسلامي لا يُفهم إلَّا بها، وليس معنى (اللغة العربية) أن يخاطب الناسَ اليوم باللغة العربية، إنما المقصود باللغة العربية: أن يعرف لغة القرآن، ويعرف معاني القرآن؛ لأن اللغة العربية هي لغة القرآن، فإذا خاطبه الله جلَّ وعلا بشيء فَهِمَه؛ وإذا خاطبه الرسول ﷺ بشيء فَهِمَه، وإذا سمع آية من كتاب الله فهمها ولو لم يفهم جميع ما أُريد بهذه الآية، ولكن يفهم الخطاب العام الذي يفهمه العربي، هذا هو المقصود، وإلَّا فكتاب الله اشتمل على علوم عظيمة وكثيرة، ولا يزال كتاب الله طرياً، والآية الواحدة يستخرج منها الإنسان أحكاماً كثيرة؛ لأن كلام الله ينطوي على أسرار وعلوم وأشياء عظيمة، ولهذا يتفاوُت العلماء بتفاوُت معرفتهم لمعاني كلام الله.
فالمقصود: أن يعرف ظاهر الخطاب، فيعرف -مثلاً- معنى (الإله) معنى (الرب) معنى (الله) معنى (الصلاة) معنى (الصوم)، وهكذا، ويعرف الشيء الذي يخاطبه الله جلَّ وعلا به.
فإذا صرف الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله، فقيل له: هذا توسل أو هذا تقرب إلى الولي أو هذا تشفع أو ما أشبه ذلك، فإن كان يجهل اللغة العربية فسوف يجهله، وينطوي عليه، ويظنه مما يقربه إلى الله.
ومن المعلوم أيضاً بين المسلمين عموماً أن الرسول ﷺ جاء بدعوة الناس إلى ترك جميع من يُتَعلَّق به في العبادة، وجعل العبادة لله وحده، وكان يقول للناس: (قولوا: (لا إله إلَّا الله) تفلحوا) ويقول لهم: (أمرت أن أقاتل الناس) وهو لم يؤمر بالقتال إلَّا لما جاء إلى المدينة، أما قبل ذلك فكان الله جلَّ وعلا يأمره بالصبر والتحمل مع إبلاغ الرسالة والدعوة، يأمره بأن يدعو الناس بالتي هي أحسن، وأن يصبر على الأذى الذي يناله منهم، كما قال له جلَّ وعلا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] ويكرر له هذا الأمر، ويقص عليه قصص الرسل الذين سبقوه ليتسلى ويتأسى بهم، وكثيراً ما يقص عليه قصة موسى ﵇؛ لأن فيها معتبراً عظيماً، ولهذا كان يقول ﷺ إذا أوذي: (رحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) فكان يتأسى ويتسلى بذلك.
ولبث صلوات الله وسلامه عليه في مكة يدعو إلى الله جلَّ وعلا وإلى التوحيد أكثر من ثلاث عشرة سنة، ولم يأمر بالقتال، وإنما كان يدعو الناس إلى قول (لا إله إلَّا الله)، وكان العرب فصحاء، نزل القرآن بلغتهم، يعرفون معنى الكلام، فإذا قال لهم: (قولوا: لا إله إلَّا الله) قالوا له: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهَاً وَاحِدَاً﴾ [ص:٥] يقولون: لنا آلهة كثيرة، فإذا قلنا: (لا إله إلَّا الله) لابد أن نتركها وإلا لم يصبح التأله لله وحده.
وكثر الداخلون في الإسلام الواحد بعد الآخر، وكان لا يدخل في الإسلام إلَّا من هو مقتنع تمام الاقتناع، حيث كان يضحي بنفسه وبماله وبأولاده وبأقاربه في سبيل ذلك ولا يبالي، وكان كل من دخل في الإسلام يصير الإسلام عنده أغلى من الأرض ومن عليها من الخلق ومن الأموال ومن المُلك، بل لا يمكن أن يوازيه شيء عنده.
стр. 710
علم الكفار باللغة جعلهم يرفضون دعوة الإسلام
فلما رأى الكفار ذلك خشوا أن يكثر الداخلون في الإسلام، فذهبوا إلى أبي طالب وهو زعيمهم وكبيرهم ولا يجرءون على مخالفته، فقالوا: نتحاكم إليك في ابن أخيك، فأنصفنا منه، فصاروا يتكلمون ويقولون له: إن كان يريد مالاً جمعنا له مالاً حتى يكون أغنى رجل فينا، وإن كان يريد نساءً زوجناه أحسن النساء عندنا، وإن كان يريد وإن كان يريد فلما أكثروا ذلك قال له عمه: هؤلاء قومك يطلبون أن تنصفهم، فقال صلوات الله وسلامه عليه: أريد منهم كلمة واحدة -لا أريد كل هذه الأشياء- فقال أبو جهل: نعطيك مائة كلمة -مائة كلمة! وليست كلمة واحدة- فقال: (أريد أن تقولوا: لا إله إلَّا الله)، عند ذلك نفروا وأبَوا وتكبروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهَاً وَاحِدَاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] وهم قالوا: نعطيك مائة كلمة، فلما قال لهم: (قولوا: لا إله إلَّا الله) أبوا كل الإباء؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة تبطل الشرك كله.
ثم لما تمادى الأمر في المسلمين واختلط بالعرب غيرهم من غير العرب فسدت اللغة العربية وصار الإنسان لا يفهم اللغة كالعرب السابقين، فبدأ عدم الفهم للقرآن من هنا، وأول ما بدأ ذلك استنكره العلماء، حتى إن أحد العلماء من السلف سئل عن رجل يقرأ القرآن ولا يفهمه؟ فقال: كيف هذا؟! هذا من البدع التي ما كانت معروفة! والسبب هو: اختلاط العرب مع العجم، وفساد اللسان.
стр. 711
فساد اللغة أدى إلى فساد الدين
ثم كلما ابتعد الوقت ازداد الأمر بعداً، فتجد الآن في كثير من بلاد المسلمين لهجات بعيدة عن العربية، بل بعض العرب أنفسهم لا يفهمون بعضاً، وكل هذا لأنهم لا يعتنون باللغة العربية الفصحى، لا اللغة التي تحصل بها المخاطبة للناس كلهم على أشياء يتفقون عليها ويتخاطبون ويتفاهمون فيها؛ ولكن المقصود أن لغة القرآن ولغة الرسول ﷺ ، يجب أن تتَعَلَّم وأن يُحْرَص عليها؛ لأن الإنسان لن يفهم خطاب الله جلَّ وعلا وخطاب الرسول ﷺ إلَّا بذلك، حتى ولو تُرجمت له المعاني، فالترجمات تختلف، وكثير من العلماء يقول: ترجمة القرآن مستحيلة؛ لأن ما يترجم هو بعض كلام المفسرين، وقد تكون الترجمة خطأً، فيصبح هذا الذي يقرأ الترجمة يبتعد أكثر مما لو تُرك حتى يقيض الله جلَّ وعلا له من يفهِّمه.
والمقصود: أنه لا يمكن للإنسان أن يعرف الحقوق الواجبة التي أوجبها الله جلَّ وعلا عليه تمام المعرفة التي يتيقن بها إلَّا إذا تعلم هذه اللغة وعرفها.
أقول ذلك لأن وقوع كثير من الناس في عبادة القبور وعبادة الأولياء هو بسبب الجهل باللغة العربية، وهناك عوامل أخرى لأغراض معينة لأناس معينين: أهل رئاسة، وأهل مناصب، وكذلك الذين يريدون الاستيلاء على أموال الناس ولو بالباطل، وهم يعرفون الحق، ويزينون لهم عبادة القبور، ويجعلون لها من طرق التعظيم والوسائل التي تجلب الناس الشيء الكثير، ويكونون مباشرين أو غير مباشرين، حتى يمكنهم أن يسلبوا أموال الناس التي تقدم إلى هذه القبور، باسم النذور وحقوق الأولياء والقرابين التي تقدم، لأجل ذلك.
стр. 712
حرص المسلمين الأوائل على سد الذرائع لتعظيم القبور
لما كان المسلمون على الحق لم يكونوا يقرون بالبناء على القبور، ولا كان يُمَيَّز قبر الصحابي الفلاني أو الإمام الفلاني من غيره، بل تعلموا من رسول الله ﷺ أن يسووا القبور كلها، وألَّا تجصص وألَّا يبنى عليها بناء، بل لا يوضع عليها من غير ترابها الذي أُخرج منها شيء؛ لأنهم علموا مثل هذه الوقائع التي قصها الله جلَّ وعلا علينا وفهموها تمام الفَهم، وأنها سبب لخروج الإنسان من دينه ودخوله في الكفر، تعلموا ذلك من كتاب الله ومن دعوة الرسول ﷺ .
ولهذا لما فتحوا المدائن وجدوا في خزائن الملوك رجلاً على سرير -وقد مات من أزمان متطاولة- ووجدوا عنده كتاباً، فتُرجم الكتاب، يقول أبو العالية: فأنا أول من قرأه.
فقيل له: وماذا فيه؟ قال: فيه حليكم وعليها أوصافكم وسيرتكم وما سيقع لكم.
فقال له السائل: من تظنون هذا؟ وماذا كانوا يصنعون به؟ قال: كانوا إذا تأخر المطر خرجوا به فسألوا الله جلَّ وعلا به فيُسقون.
فقال له السائل: ومن كان هذا الرجل؟ قال: هو دانيال -ودانيال نبي من الأنبياء-.
فماذا صنع الصحابة به؟ حفروا ستة عشر قبراً أو ثلاثة عشر قبراً في النهار متفرقة، فدفنوه في واحد منها وسووها كلها ليُعَمُّوا ذلك على الناس؛ لأنهم خشوا الفتنة في هذا.
يقول بعض العلماء: هذا لو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسلاح.
والمقصود من هذا: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون الفتنة في القبور من خطاب الله جلَّ وعلا لهم ومن القصص التي قُصَّت عليهم، فكانوا من أبعد الناس عن تعظيمها أو البناء عليها أو الكتابة عليها.
ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تَدَع قبراً مشرفاًَ إلا سويته، ولا صورة إلَّا طمستها) فهذا الأمر بتسوية القبور وطمس الصور هو من أجل أن الفتنة في القبور وفي الصور فتنة عظيمة يمكن أن يخرج تعظيمها عن الدين الإسلامي.
стр. 713
قصة أول شرك حدث في الأرض
هذه القصة فيها معتبر، وهؤلاء الذين صوروا صور هؤلاء الصالحين ما كان عندهم في زمنهم شرك؛ لأنهم ذرية آدم؛ وآدم نبي، خاطبه الله جلَّ وعلا وأمره أن يتبع، وبين له الأوامر، وكان أولادُه على طريقته، ما كانوا يخالفون في ذلك، فبقوا وقتاً طويلاً، يقول ابن عباس: عشرة قرون، وقد اختلفوا في تحديد القرن فمنهم من يقيده بمائة سنة، ومنهم من يقيده بمائة وعشرين، ومنهم من يقول أقل، ومنهم من يقول أكثر.
ثم حدثت هذه الحادثة وهي: أنه كان فيهم خمسة رجال من الصالحين المجتهدين فيهم، فماتوا واحداً بعد الآخر في زمن متقارب، فأسفوا عليهم وجزعوا لذلك، فدعاهم الجزع عليهم وحبهم والتعظيم لهم أن صوروا صورهم، ونصبوها في المجالس التي كانوا يجلسونها ويعبدون الله فيها، ووضعوها لغرض أنهم إذا رأوها يجتدهون في العبادة، لا لأجل أنهم يعبدونهم، وإنما لأجل أن يتذكروا أفعالهم إذ رأوا صورهم؛ ولكن الشيطان فرح بهذا؛ لأن الشيطان له نظر بعيد، يعرف كيف تئول الأمور، وهو يشم القلوب ويعرف ميلها، وقد قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) يعني: يعرف ماذا يميل إليه الإنسان، فيميله بشهواته.
فلما صوروا هذه الصور فرح بهذا؛ لأنه فقيه في الشر يعرف كيف يدعو إليه، فسكت عن هذا الأمر حتى مات هؤلاء الذين يعرفون السبب، ومات أبناؤهم الذين علمهم آباؤهم السبب، وجاء من لا يعرف ذلك، ولهذا يقول ابن عباس: (فنُسي العلم) يعني: العلم بسبب التصوير نُسي وذهب، عند ذلك جاءت فرصة الشيطان، فجاء إليهم وقال: آباؤكم ما صوروا هذه الصور إلَّا ليتوسلوا بها ويجعلوها وساطة بينهم وبين الله، فيطلبون الله بها، ويستغيثون بها ويتشفعون بها، فوقعوا في الشرك بدعوة الشيطان هذه، وهذا هو أول شرك وقع في الأرض، وإنما كان بسبب الصور والغلو في الحب الذي لم يشرعه الله، وإن كان حب الصالحين مشروعاً، إلا أن محبتهم ليست لذواتهم، فلا تحب الصالح لأنه لحم ودم، ولأن صورته كذا وطوله كذا، ولأنه ابن فلان، وإنما تحبه لأنه يعبد الله، ولأنه مجتهد في طاعة الله، ولأنه صلح في اتباع أمر الله واجتناب نهيه، هذا أمر مشروع؛ ولكن هؤلاء تعدوا هذا الأمر فزادوا وتجاوزوا فيه إلى أن فعلوا هذه الأفاعيل فصارت سبباً في الشرك، فكل تجاوز عن المشروع لابد أن تكون نتيجته سيئة جداً مثل هذه.
فلما وقعوا في هذا الشيء ازداد الأمر واتسع، وصار من بعدهم يستشهد بهم، فكل من جاء من الناس يوجِد له معبوداً شبيهاً لهذه المعبودات حتى انتشرت المعبودات جداً عندهم، وكثرت المعبودات التي تُجعل واسطة بين الإنسان وبين ربه، فعند ذلك أرسل الله جلَّ وعلا إلى أهل الأرض نوحاً ﵇، وهو أول رسول، أما والده آدم فإنه كان نبياً؛ لأن النبي يكون في الأمة المؤمنة بمنزلة العالم الذي يكون في هذه الأمة؛ يبين الحق ويكون مرجعاً عند الاختلاف وما أشبه ذلك، وليسوا بحاجة إلى رسالة جديدة، وإنما الرسالة تكون إلى القوم الكافرين المشركين، وهذا هو الفرق بين الرسول والنبي.
فجاء نوح ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك ما كانوا عليه من هذه الأصنام؛ ولكنهم كانت قلوبهم قد أُشْرِبَت حبَّها، وقد مضى على ذلك كثير منهم متمسكين بها، فصارت سُنَّة ماضية، وصار يوصي بعضهم بعضاً بعدم الاستجابة لنوح، ويبالغون في ذلك أشد المبالغة؛ لأن النفوس -في الواقع- تحب الباطل وتميل إليه وتكره الحق، هذا شيء مغروس في الإنسان، والكل يدرك ذلك، والحق قد يكون ثقيلاً عند أكثر الناس؛ والسبب في هذا أنه لا حظ للنفس فيه؛ لأنه أمر الله جلَّ وعلا، وهو شيء ليس جزاؤه العاجل بل جزاؤه الحقيقي هو المنتظر، وقد يستبعد الإنسان ذلك.
стр. 714
مجاهدة نوح ﵇ في الدعوة إلى التوحيد
فصار نوح ﵇ يشكو إلى ربه ويقول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلَاً وَنَهَارَاً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارَاً﴾ [نوح:٥ - ٦] يفرون من التوحيد ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧] لئلا يسمعواكلامه ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ يعني: غطوا عيونهم بثيابهم حتى لا ينظرون إليه، وهذا من المبالغة في الإعراض، فكانوا يغطون وجوههم ويصمون آذانهم، ﴿وَأَصَرُّوا﴾ [نوح:٧] على فعلهم الذي هم عليه من عبادة غير الله، وجعلوا هذه الأشياء وسائط يتشفعون بها، ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ [نوح:٧] عن دعوة نوح استكبارً متكرراً ومبالَغاً فيه.
ثم يقول ﵇: إنه حاول بجميع الطرق: دعوتهم جهاراً ودعوتهم في الليل والنهار، ودعوتهم في السر والعلن ولكن ما أفاد شيئاً، فيقول: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَاً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارَاً﴾ [نوح:١٠ - ١٢] يعني: في الدنيا، فجاءهم بالترغيب والترهيب، وبالأفراد وبالجماعات، ولكن لم يُجدِ شيئاً، إلى أن قال في شكايته إلى ربه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارَاً﴾ [نوح:٢١] من هو هذا الذي لم يزده ماله وولده إلَّا خساراً؟ هو الذي يتبع غير دين الله، فالمال والولد يزيده بعداً عن الله، فيكون خاسراً، ثم يذكر وصايتهم في التمسك بأمواتهم، وأنهم كانوا يوصي بعضهم بعضاً: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] أي: كل من كانت عنده آلهة فليتمسك بها، أما الآلهة الخاصة المقدَّمة العظيمة التي هي أول ما حدث من أجله الشرك، فهم الذين ذكروهم بقولهم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلا سُوَاعَاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَاً﴾ [نوح:٢٣]، فهذه منهم وصية خاصة بعد الوصية العامة، فأوصى بعضهم بعضاً.
أولاً: بالتمسك بكل المعبودات.
ثانياً: بالتمسك بهؤلاء الخمسة الذين ذُكرت قصتهم، والذين كانوا في الأصل أسماء رجال صالحين فيهم، فماتوا ثم صوروا صورهم ونصبوها ليتذكروا أفعالهم؛ فيجتهدوا كاجتهادهم، فصاروا فيما بعد من أكبر المعبودات، ومن أعظم ما يصد عن دعوة رسول الله نوح ﷺ .
إلى أن قال في شكايته إلى ربه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً﴾ [نوح:٢٦] أي: لا تترك واحداً من الكافرين يسكن في الأرض، ولماذا؟ لأنه حاول كل المحاولات، وكرر وأبدى وأعاد، وبقي معهم ألف سنة إلَّا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، ومع ذلك ما أجدى شيئاً، فتمسك بكل من جاء من شبابهم الذين يظن ويرجو أنهم لا يكونون مثل آبائهم، ولكن لم يجد شيئاً، بل أوصاهم آباؤهم ولقنوهم وعلموهم -وربما بالقوة- وحذروهم من سماع قول نوح، ولهذا دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] والله علام الغيوب ولا شك، ونوح لم يدع علم الغيب الذي عند الله جلَّ وعلا، ولكن الله جلَّ وعلا قد قال لنوح وأوحى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦].
فلما جاءه الوحي بأنه لن يؤمن من قومه إلَّا من قد آمن دعا هذا الدعاء: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارَاً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: عبادك المؤمنين الذين سيولدون، أما الموجود منهم فهو ضال، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرَاً كَفَّارَاً﴾ [نوح:٢٧] يعني: أولادهم يكونون مثلهم، ثم دعا لنفسه ولوالديه وللمؤمنين ولمن دخل بيته مؤمناً، وهذه الدعوة ينبغي أن يقتدي المسلم بنوح ﵇ فيها.
стр. 715
الزيادة في المشروع قد يؤدي إلى الشرك
والمقصود بهذا: أن يتبين لنا أن سبب الوقوع في الشرك، هو زيادة المشروع من الحب في الصالحين وتعظيم الصور.
وهنا ما ذُكِرت القبور، وإنما ذكرت هذه القضية، والفتنة في القبور ليست بأقل من الفتنة في الصور، بل هي أعظم، ولهذا أبدى فيها رسول الله ﷺ وأعاد، وأكثر من القول والتحذير في المبالغة فيها، بل حرَّم أن يصلي الإنسان عند القبر صلاة لله، وأمر أن تسوى القبور بالأرض، وألَّا يُبنى عليها، وألَّا تُجصص، وألَّا تُسرج، ولعن من فعل ذلك.
وليس هذا كما يقول بعض الفقهاء الذين يقولون: إن تحريم الصلاة في القبور هو لأجل النجاسة، فإن هذا كلام من لا يعرف دعوة الرسول ﷺ ، فإنما جاء النهي عن الصلاة عند القبور خوف الافتتان بها، خوف أن تكون الصلاة لها، كما ذكر ابن القيم هنا: أن التدرج فيها كان على مراحل، فيقول: إن الناس في هذا تدرجوا شيئاً فشيئاً فصاروا خمس درجات، ينقلهم الشيطان من درجة إلى درجة، إلى أن وصل بهم الدرجة الخامسة: الدرجة الأولى: أنه دعاهم إلى تعظيمها، والبناء عليها، ووضع الستور لها، والكتابة عليها: هذا قبر فلان بن فلان الفلاني، وللأسف لأن مثل هذا يقع من بعض العلماء، فإنهم يكتبون في تراجم الأموات -يقول بعضهم: وإن كانوا لا يقصدون الدعوة إلى عبادة القبور؛ ولكنها صارت دعوة في الواقع-: إجابة الدعاء عند قبر فلان مجربة، وهل إذا سمع الإنسان مثل هذا يتركه؟
الجواب
لا، فإذا كان مجرب الإجابة فإنه يقول: سأذهب وأدعو؛ لأن الدعوة مجابة عند هذا القبر، وربما كانت الإجابة قدراً قدره الله، فقد يذهب جاهل من الجُهَّال -ولما في قلبه من تعظيم الموتى ذهب في ذلك المكان يظن أنه أرجى إجابة من المسجد الذي هو بيت الله- فيدعو ويحصل له مراده، فينتشر هذا بين الناس، ويصير فتنة لمن لم يعرف دعوة الرسول ﷺ وحقيقة الإسلام، ويقول الناس بعد ذلك: إن قبر فلان الفلاني يُعظَّم ويُزار، وهذا كثير جداً في تراجم العلماء، حتى إنك لا تكاد تجد كتاباً من الكتب التي تكتب في التراجم إلَّا وكتب هذا فيها، إما تساهلاً وإما غير ذلك.
والواقع أنه لا يجوز أن يُتساهل في هذا؛ لأنه صار سبباً لعبادة هذه القبور، وهو أمر عظيم جداً، والرسول ﷺ حذر منه، حتى إنه يوجد في بعض الكتب: قبر فلان الترياق المجرب، كما قيل ذلك في قبر معروف الكرخي، وللأسف أن هذا يُكتب ويطبع ويُنشر في الناس (والترياق) يعني: الدواء الناجع المفيد الذي جُرِّب فنفع، وكذلك إذا ترجم بعضهم لإنسان يريد نشر فضائله وما أشبه ذلك يقول -مثلاً- مما روي عن جنازته: تزاحم عليه الناس فصاروا يتبركون بكفنه، ويتلمسون البركة من ذلك، ولكن هذا كان في الأزمنة المظلمة بعدما اختلط الحابل بالنابل، وقد لا يسلم من هذا أحد حتى من الأئمة؛ مثل الإمام الشافعي ﵀ ومثل الإمام أحمد ومثل الإمام أبي حنيفة وغيرهم، يوضع عليهم من هذا القبيل أشياء.
ثم صار لهذا المبدأ قوم يتبنونه ويدعون إليه، ويكتبون الكتب فيه، ولا تزال الكتب تكتب وللأسف في هذا؛ لأن كل قوم لهم وارث، فالصالح له من يرثه، والطالح الفاسد له من يرثه، فبعضهم يقول: إن رسول الله ﷺ يستغاث به كما يستغاث بالله، فكل شيء تستغيث فيه بالله يجوز لك أن تستغيث فيه بالرسول ﷺ ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أن يقول: قوله جل وعلا: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩] المقصود: وتسبحوا الرسول! هكذا يقولون ويكتبون في الكتب يقولون فيه: سبحانك، إلى هذا الحد! والذي يقول هذا ما هو جاهل من العوام، لا، بل هو من العلماء الذين يكتبون الكتب وينشرونها، ويكونون قدوة لبعض الناس.
ثم تمادى الأمر إلى غيره صلوات الله وسلامه عليه فصاروا يقولون: يجوز أن تتوسل بالصالح، بل يستحب أن تتوسل بالصالحين، بل بعضهم قد يوجب ذلك! والصالح من هو؟ يعينون ناساً الله أعلم هل كانوا صالحين أو طالحين، وما هو التوسل؟ التوسل أن تذهب إلى قبره وتدعوه، وتقول: يا فلان! أنا أتوسل بك في كذا وكذا، وأريد أن تتوسط لي عند الله، تخاطبه!
стр. 716
انتشار المرائي عن تأثير الموتى والكذب في الحديث لذلك
ومن الدعايات الباطلة أنهم صاروا ينشرون بين الناس مرائي: أن فلاناً رأى في النوم أن من في القبر الفلاني خرج، وعمل كذا وعمل كذا، وأنه قال له كذا، وقال له كذا وتنشر، وهذه كثيرة.
ثم إن بعض هؤلاء -ما هو كلهم بل بعضهم- صاروا يضعون الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ، وهي مكذوبة كذباً صريحاً، ويقولون: إنه يقول: (إذا أعيتكم الأمور فلوذوا بأصحاب القبور)، وهذه دعوة صريحة إلى أهل القبور، وينسبون ذلك إلى الرسول ﷺ كذباً وزوراً، ويقولون: إن الرسول ﷺ يقول: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، وما أشبه ذلك من الأحاديث المكذوبة التي وضعوها على رسول الله ﷺ .
ولا فائدة في تعيين الأشخاص أو تعيين الكتب، والكتب موجودة وتتجدد طباعتها ونشرها وللأسف، وتجد لها أصحاباً يسوقونها، ويتاجرون بها، ويدعون إليها، فهي مسألة مقصودة في الواقع من أشخاص قلوبهم مريضة، تحب عبادة القبور.
ثم ذكر ابن القيم الدرجة الثانية: وهي أنه إذا نقلهم إلى هذه الحالة ينقلهم إلى العكوف والجلوس عند القبور لطلب البركة، والعكوف في مساجد الله عبادة كما هو معروف في شرع الله، والعبادة لا يجوز أن تكون لغير الله جل وعلا، وهذا شيء معلوم في الشرع، فإذا جعلت العبادة لغير الله فقد وقع الإنسان في الشرك.
стр. 717
تطور الشرك من درجة إلى درجة
يقول: ثم ينقلهم إلى الدرجة الثالثة: وهي أن تحري الدعاء عندها والصلاة عندها أفضل وأحرى إجابة من المساجد، فالصلاة والدعاء عند القبر ليس شركاً لذاته، ولكنه بدعة منكرة، فإذا ذهب الإنسان وصلى لله عند القبر أو كان عند القبر يدعو ربه؛ لا نقول: إن هذا شرك، ولكن نقول: هذه بدعة، والبدعة: هي كل عبادة لم تشرع ولم يأت بها رسول الله ﷺ ، وقد نهى عن هذا صلوات الله وسلامه عليه، وهذه البدعة من وسائل الشرك.
ثم ينقلهم من هذه الدرجة إلى أن يدعو أصحابها إلى أن يقصدوا القبر ويدعوا صاحبه: يا فلان! جئنا لنطلب منك كذا وكذا، يا سيدنا كذا، يطلبون منه طلبات معينة وغير معينة، وهذا شيء معروف وموجود ومنتشر ولا ينكر هذا، ثم يقولون: ما يفعل هذا إلا الجهال أو الصوفية الذين تمادوا في الباطل وما أشبههم، أما الناس المثقفون أو الناس العقلاء فإنهم لا يقعون في مثل ذلك، ولكن هؤلاء الجهال كثيرون، فلماذا يتركونهم يهلكون في هذا، ويقولون: هم جهال لا يعرفون؟! لو عرفوا لتركوا ذلك، وهم كثيرون، حتى ذكر بعض العلماء الذين يشاهدون بعض هذه الأشياء: أن في مدينة من المدن، في وقت من الأوقات، يقصد القبر في تلك المدينة أكثر من ثلاثمائة ألف، ويجتمعون عنده رجالاً ونساءً، فهل بعد هذا كله نقول: نتركهم، ونقول: هؤلاء جهال، وهذا لا يؤبه به، ولا يلتفت إليه؟! ليس بصحيح، فهذا أمر مهم، ولا يجوز أن يترك المسلم يعبد غير ربه جل وعلا، يجب أن يحذر؛ لأن عبادة غير الله شرك، وإذا مات الإنسان على الشرك فقد أخبر الله أنه لا يغفر أن يشرك به.
ثم يقول: إذا وصلوا إلى هذه الدرجة نقلهم إلى دعوة الناس إلى عبادتها، فيصيرون دعاة، كما ذكرنا أنهم يضعون فيها الأحاديث والكتب، فإذا كانوا دعاة فمعنى ذلك أنهم صاروا في الواقع مضادين لرسول الله ﷺ ولدعوته تمام المضادة، ووجد منهم من يفضل هذه المشاهد على المشاعر! يقول: ثم إذا وصلوا إلى هذا الحد نقلهم إلى درجة أخرى، وهي أن من نهى عن ذلك وحذر منه، وأمر بعبادة الله وحده؛ اتخذوه عدواً، وأوجدوا فيه المطاعن بأنواعها، واتهموه بأنه لا يحب الصالحين، وأنه من أعداء الأولياء، وأنه ينهى عن حب الأولياء، حتى قالوا: إنه لا يحب الرسول ﷺ .
من المعلوم أن الذي لا يحب الرسول يكون كافراً؛ لأن محبة الرسول ﷺ يجب أن تقدم على محبة النفس فضلاً عن محبة الولد والمال والآخرين، لأن حبه دين، فهذه الدرجات التي يزينها الشيطان، وينقل الإنسان من درجة إلى أخرى حتى يوصله إلى العبادة لغير الله.
ومن المعلوم أن الإنسان ليس له إلا حياة واحدة وعمر واحد، فإذا انتهت هذه الحياة وانتهى عمره ولم يكن في هذه الحياة وهذا العمر قد اكتسب السعادة بطاعة الله جل وعلا فقد خسر، وهل هذه الخسارة تشبه خسارة الدنيا؛ لأنه من ذهب رأس ماله في الدنيا فقد خسر؟ الواقع أنها لا تشبه هذا؛ لأنه خسر نفسه، وهل توازن النفس بالمال؟ لا.
ثم كيف خسر نفسه؟ هل خسر نفسه لأنه مات فقط؟ لو كان هذا لكان الأمر سهلاً، ولكن خسر نفسه بأنه صار في العذاب الأبدي خالداً فيه ما دامت السماوات والأرض، وكيف النجاة من هذا؟ بالإخلاص، وهل يمكن أن يعود؟ لا يمكن أبداً، انتهت القضية، ويتمنى أن يقضى عليه بالموت ولكن لا يحصل ذلك.
فعلى الإنسان أن يهتم بهذا الأمر أكثر من اهتمامه بتحصيل المال، وأكثر من اهتمامه بتحصل المسكن، وغير ذلك مما يعد من الأمور الضرورية، فهذا أمر ضروري جداً، فالإنسان عليه أن يهتم بنفسه، وأن يعرف دين الله ويتبعه، ويعرف ما يخالف الدين ويجتنبه؛ لأن هذا هو الذي يمكن أن يكون قد أنجى نفسه، مع الاستعانة بالله جل وعلا، وهو خير معين.
стр. 718
العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح
قال الشارح ﵀: [وفي القصة فوائد ذكرها المصنف ﵀، ومنها: رد الشبه التي يسميها أهل الكلام عقليات، ويدفعون بها ما جاء به الكتاب والسنة من توحيد الصفات وإثباتها على ما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه.
ومنها: مضرة التقليد].
يقول: وفي القصة فوائد، منها: رد ما يزعمه المتكلمون من العقليات التي ردوا بها صفات الله جل وعلا، والواقع أن الذي يقوله المتكلمون ليس عقليات، وإنما هو ظنون وشكوك وشبه؛ لأن العقل الصحيح السليم لا يخالف الوحي، بل يتفق معه، ولكن العقل لا يستطيع أن يستقل بما جاء به الوحي، فإنه يحار ولا يستطيع أن يدرك ما جاءت به الرسل، ولكن لا يخالف ذلك، فليست عقليات في الواقع، وإنما هي جهليات، ينبغي أن تسمى جهليات لا عقليات، وأصل المبدأ عندهم في هذا أنهم جعلوا العقل هو الأصل الذي يرجع إليه في كل شيء، ولكن عقل من؟ فمن المعروف أن عقول الناس تختلف، ولا يمكن أن يكون عقل أبي بكر الصديق ﵁ كعقل أبي جهل، فالعقول تختلف على اختلاف المواهب التي يهبها الله جل وعلا لأصحابها، فكيف نرجع إلى شيء لا ضابط له، ولا سيما إذا كان الحكم في أمور غيبية لا تدرك بالعقل، وإنما تدرك بالوحي؟ فهذا من أضر ما يكون على الإنسان إذا تبنى هذا الشيء، وجعل الوحي راجعاً إلى ما يسميه عقلاً، ويحكم العقل عليه، وليس هذا في زمن كان فباد، بل لا يزال إلى الآن كثير من الناس يتبنون هذا المبدأ، وكلما جاء أمر من أمر الرسول ﷺ قالوا: هذا لا يعقل، وهذا يخالف العقل، فيردونه بهذه الدعوى!
стр. 719
أهل الكلام أهل نزاع وخصام
المتكلمون هم الذين صار دينهم الكلام، وكثرت المجادلات فيما بينهم، كل يجادل الآخر في أمور يدعونها، وكل يدعي أن العقل معه؛ فلهذا كثر بينهم الكلام والنزاع والخصام فسموا أهل الكلام، بخلاف أهل الوحي الذين يعتصمون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنهم لا اختلاف بينهم، ولا يجوز شرعاً أن يقع بينهم اختلاف؛ لأن الله نهاهم عن ذلك، والشرع يمنع أن يقع الخلاف بينهم، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ومن الشيء المسلم به في العقائد وغيرها أن أتباع الرسول ﷺ يسمون أهل السنة والجماعة، فالجماعة وصف لهم؛ لأن الاجتماع ملازم لهم، فيجب أن يجتمعوا ولا يتفرقوا، أما هؤلاء فهم أهل كلام وأهل تنافر وأهل خصام، تأتي فرقة جديدة ثم لا يمضي عليها وقت إلا وقد افترقت إلى فرق متعددة، بسبب ما يسمونه عقليات، ولا سيما إذا كانت الأمور في صفات الله جل وعلا، ومبدؤهم أنهم يقولون: الذي دلنا على صدق الرسول ﷺ هو العقل، يعني: عرفنا صدقه بالعقل، فعندهم أن العقل هو الأصل الذي دل على صدق الرسول، ولا يكون محكوماً عليه، بل لا بد أن يكون هو الحاكم، لأننا نرجع إليه، فمبدأ قولهم من هنا.
ثم صاروا يبنون على هذا من باب القياس العقلي، والقياسات وإن لم تكن بارزة متلفظاً بها فهي كامنة في الأنفس، فلهذا نفوا صفات الله جل وعلا على هذا القياس، مثال ذلك: أنهم قالوا: لو وصفنا الله جل وعلا بأنه يتكلم للزم من ذلك أن يكون له فم، وله لسان، وله شفتان، وله لهوات، وله حبال صوتية إلخ.
ما معنى هذا؟ معنى هذا أنهم ما عرفوا من الكلام إلا ما عرفوه من أنفسهم، فصار التشبيه عندهم مستكناً أولاً، ثم صاروا ينفون هذا التشبيه المستكن في أنفسهم، فقالوا: إن الله لا يتكلم لئلا يلزم التشبيه الذي كان في أنفسهم، والله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] صار هذا نفياً عاماً مطلقاً يدل على عدم وجود شيء من الأشياء تماثله.
ثم أخبرنا جل وعلا أن هذا النفي العام المطلق لا يدعوكم إلى أن تنفوا عن الله جل وعلا صفاته التي اتصف بها فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فنص على السمع والبصر؛ لأن السمع والبصر يوصف بهما المخلوق، فكون المخلوق يوصف بأشياء لا يمنع أن الله جل وعلا يوصف بها، ولكن صفات المخلوق خاصة به لا يشاركه الله جل وعلا فيها، وصفات الله جل وعلا خاصة به لا يشاركه المخلوق فيها، تعالى الله وتقدس، ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
стр. 720
ضلال أهل الكلام
أهل الكلام سلكوا هذا المسلك في جميع الصفات، وقالوا: إن العقل يدل على ذلك، ونحن نلتزم بالعقل، أما هذه الأخبار التي تأتي عن رسول الله ﷺ في الصفات فهي أخبار آحاد، ولا نثبت الأمور القطعية إلا بأمور برهانية، وهي العقليات، هكذا يقولون! والواقع أن الأمر بالعكس تماماً، فالذي يأتي به الرسول ﷺ هو البرهان، وما يقولونه هو شكوك وظنون، بعضها كاذب، وبعضها خطأ.
وإذا كان الدليل من كتاب الله، فإن ثبوت القرآن أمر مقطوع به، ولا أحد يشك فيه؛ لأنه متواتر، نقلته الأمة بعضها عن بعض من زمن الرسول ﷺ إلى الآن، ما انفرد به ألف أو مائة ألف أو مليون، بل الأمة كلها تنقله، فهو أمر متواتر لا يمكن أن يطعن فيه؛ وإذا كان كذلك قالوا: دلالته ظنية، يعني: كوننا نعين أن هذه الآية تدل على كذا وكذا؛ هذا أمر مظنون فيه؛ فلا نعتمد عليه، وإنما نعتمد على الأمور اليقينية البرهانية، والأمور اليقينية البرهانية زعموا أنها محاكاة الأفكار، وزبالة الأذهان، وكل ما كان الإنسان منهم أذكى صار أسرع إلى الحيرة وإلى الشكوك التي تأكل قلبه، ويصبح لا يستطيع أن ينام، لأنه ما يدري ماذا يعتقد، ويتمنى أن يكون في الاعتقاد مثل عوام المسلمين، أو مثل العجائز التي في دُورها، ويقول: يا ليتني أموت على ما تموت عليه العجائز، وهذا بسبب أنه سلك مسالك مختلفة لاختلاف العقول، يأخذ مسلكاً يرى أنه براهين وعقليات ثم يأتيه آخر ويبطلها، ثم يأتي آخر بأدلة تعارض أدلته فتصبح الأدلة عنده متعارضة؛ فيبقى حائراً لا يدري ماذا يقول، ولا يدري ماذا يعتقد!! ذكر المترجمون لأحد هؤلاء أنه توغل في هذا حتى بلغ الغاية، وكان له صديق من أهل السنة، فدخل عليه يوماً وهو في بيته مستغرق التفكير، فسلم عليه فلم يشعر به ولم يرد ﵇، ثم أعاد السلام مرة أخرى فلم يرد عليه، فقال في نفسه: لا بد أنه دهاه أمر، إما أنه ذهب عقله، وإما يوجد أمر ليس طبيعياً، فوقف متحيراً، ثم هم أن يرجع ما دام بهذه المثابة! عند ذلك انتبه فرفع رأسه وقال له: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك ساخراً منه!! وقال: ماذا أعتقد؟! أعتقد ما يعتقده المسلمون والحمد لله، فأطرق رأسه وجعل يبكي، وقال ولكني -والله- ما أدري ماذا أعتقد! هذا بعدما أمضى في التعلم والقراءة أكثر من سبعين سنة، ويقول وهو بهذه المثابة: ما أدري ماذا أعتقد!! لماذا؟ لأنه ترك الوحي الذي به الهداية، الله جل وعلا يقول لرسوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ﴾ [سبأ:٥٠]، الرسول ﷺ يهتدي بالوحي، فكيف يمكن أن يهتدي غيره بغير الوحي، هذا مستحيل لا يمكن، فالمقصود أن هذه التي يقولون عنها: عقليات، فيها إبطال العقليات، والواقع أنها ليست عقليات، بل هي شبه وأمور تدعو إلى الحيرة والشك.
والعقل في الشرع ليس مهدراً، ولكن لا يستقل بالهداية؛ ولهذا يذكر الله جل وعلا أموراً كثيرة وينبه العقول عليها كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] يعني: يدل العقول على أن تفكر في هذه الأمور، والعقول لا تستطيع أن تستقل بالهداية، ولو كان كما يقولون فما الداعي إلى إرسال الرسل؟ لا داعي من ذلك إذا كان الأصل هو العقل، وإذا كان ما يأتي به الرسول نرجعه إلى العقول فلماذا إرسال الرسل؟ يكفي العقل لو كان كما يقولون، ولكن هذا يدل على بطلان قولهم، فإنه لا بد من إرسال الرسل، والناس لا يهتدون إلا بالرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا.
стр. 721
ضرورة إعادة الأمة إلى ما جاء به الرسول ﷺ علماً وعملاً
قال الشارح ﵀: [ومنها: ضرورة الأمة إلى ما جاء به رسول الله ﷺ علماً وعملاً بما يدل عليه الكتاب والسنة].
لأن العقل لا يستطيع أن يستقل بالهداية، ولا أن يعرف الطريق الذي يوصل إلى السعادة، ويكون فيه طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله، فلا بد من الرسالة، فالناس في أمس الحاجة إلى رسالة الرسول، أكثر من حاجتهم إلى الأكل والشرب، والأكل والشرب غايته إذا تركه الإنسان أن يموت، والموت ليس هو الشقاء، بل الشقاء أن يموت الإنسان على غير الإسلام، على غير ما جاء به الرسول ﷺ ، فهذا هو الشقاء في الواقع.
إذاً: تكون الضرورة إلى معرفة رسالة الرسول ﷺ أشد من الضرورة إلى الأكل والشرب وما يشابهه من الضروريات التي لا يمكن أن يستقيم أمر الإنسان بدونها، فهو أمر ضروري جداً؛ لأن به سعادة الإنسان، وإذا فقده شقي، [فإن ضرورة العبد إلى ذلك فوق كل ضرورة].
стр. 722
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٥٩]
الغلو والإفراط في مدح الأنبياء والأولياء وتعظيمهم وسيلة إلى الشرك والخروج عن المشروع، ولذلك حذر الرسول ﷺ أمته أشد التحذير من ذلك، ورغم ذلك فقد وقع فيه كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام.
стр. 723
حديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)
قال المصنف ﵀: [وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) أخرجاه].
الإطراء هو الزيادة في المدح والكذب فيه، بأن يكذب فيه، ويزيد على غير الواقع ويتعمد الكذب، فيقول شيئاً ليس فيه، هذا هو الإطراء، إذا قالوا: فلان أطرى فلاناً، فالمعنى أنه مدحه مدحاً فوق ما يستحقه، وقال فيه شيئاً ليس فيه من المدح، فالرسول ﷺ ينهى الأمة أن تمدحه بشيء لم يجعله الله له، كأن يقال: إنه يعلم الغيب، أو يقال: إنه يجيب الدعاء إذا دعي، أو يقال: إنه يكشف الكروب، ويغيث اللهفان، ويفرج الكربات، ويعلم ما يعلمه الله، وأنه يقدر على أن يدخل من يشاء الجنة، ويقدر على أن يدخل من يشاء النار، وما أشبه ذلك.
أو أن يمدحه بالمدح الذي نهى عنه، فالرسول ﷺ حريص جداً على هداية الأمة، فكان يعنته ما يشق عليهم، والذي يشق على الأمة هو كل ما يكون سبباً لعذاب الله فإن هذا يشق على الرسول ﷺ ، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] (عزيز عليه ما عنتم) يعني: يعز عليه ويشق عليه الشيء الذي يعنتكم، والعنت هو ما فيه العذاب (حريص عليكم) يعني: على هدايتكم (بالمؤمنين رءوف رحيم) صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 724
عقائد النصارى الضالة في عيسى ﵇
قوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) النصارى مدحوا عيسى ﵇ بأشياء مكذوبة، فقالوا: إنه ابن الله، أو إنه الله، أو إنه هو وأمه والله آلهة، وإلى الآن يقولون: الأقانيم الثلاثة، والأقنوم مرة يفسرونه بمعنى، ومرة يفسرونه بشخص، ومرة لا يدرون ما هو، ولو سألت أحدهم: هي أو الأقانيم الثلاثة، فكثير منهم لا يدري ما هي، وكثير منهم يفسرها بأشياء لا تعقل، وقد يقول: هو اجتماع اللاهوت بالناسوت، فاللاهوت دخل وحل في الناسوت، أي أن الإله حل في الإنسان، تعالى الله وتقدس.
ثم منهم من يقول: اليسوع هو الذي جاء لإنقاذ البشرية، وهو الذي قدم نفسه فداء حتى يتحمل ذنوب الناس، وهو الإله، وقد كان في رحم أمه تسعة شهور، ثم خرج من فرجها صبياً رضيعاً يحتاج إلى من يقوم عليه، ومن يجلب له الأمر الذي به حياته، ثم يأكل ويشرب، ثم يأتي بلازم ذلك، ثم يتسلط عليه اليهود على حد زعمهم حتى يمسكوه ويصلبوه على خشبة ويقتلوه، تعالى الله عن قولهم، أين عقولهم؟ عقول سخيفة جداً؛ ولهذا لعنهم الله بذلك، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] أو ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وأخبر أن هؤلاء كفروا بالله جل وعلا.
وعلى كل حال يحذرنا الرسول ﷺ أن نسلك مسلك هؤلاء المتطرفين، ولكن الأمة الإسلامية ليس فيها من يقول: إن رسول الله ﷺ هو الله، أو هو إله مع الله بهذه الصراحة، ولكنهم أعطوه بعض من المعاني التي هي لله جل وعلا، فادعوا أنه يعلم الغيب، وادعوا أنه يجيب من دعاه ومن ناداه، وأنه من تعلق به نجاه من عذاب الله، وأنه من استغاث به يغيثه، ولو كان الله غاضباً على ذلك المستغيث، وأشياء من هذا القبيل، فأعطوه المعاني فقط، وأما ما يقوله النصارى فإنهم تركوا القول به لظهور الكفر فيه، والشيطان يقنع بهذا، وهذا المعنى يكفي عنده.
стр. 725
عيسى ﵊ عبد لله
وقوله ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد)، العبد ليس له مع الإله شيء، بل هو معبد تحت قهر سيده وتصرفه، يكون مطيعاً لسيده غير خارج عن طاعته، ولا يكون شريكاً لسيده، فقوله: (إنما أنا عبد) يعني: كسائر عبيد الله جل وعلا.
عيسى ﵇ وصفه أنه عبد، وأول كلمة تكلم بها أمام الناس قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، وقد كلم أمه عندما: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٣ - ٢٦].
فهذا كلامه لها فقط، ولكن كلامه للناس أول ما سمعوا منه أنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، فأمه ﵍ كما قال الله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٧ - ٢٩] يعني قالت: كلموه ولا تكلموني أنا، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩ - ٣٠] إلخ.
فهو عبد من عبيد الله جل وعلا، ولا أحد من عباد الله -لا من رسله ولا من ملائكته- يتكبر ويترفع عن أن يكون عبداً لله جل وعلا، بل كلما كان الإنسان أعرف بالله صار تحقيقه للعبودية أعظم من غيره، كما كان الرسول ﷺ ، فإنه حقق مقام العبودية لربه جل وعلا حتى أثنى الله عليه بلفظ العبادة في أشرف المقامات التي يقومها الرسول ﷺ ، كمقام التحدي حيث قال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] قال: (على عبدنا) فأشرف ما يتحلى به الإنسان أن يكون عبداً حقيقياً لله جل وعلا.
والمقصود أن قوله: (إني عبد الله) يعني: ليس لي من الإلهية شيء، ولا من الملك شيء، ولا من حقوق الله شيء، وإنما أنا عبد كسائر عباد الله إلا أن الله منَّ علي بالرسالة، فالله شرفه بها وكرمه بها، وأوجب طاعته واتباعه.
стр. 726
حرمة الغلو في النبي محمد ﷺ
قوله ﵊: (فقولوا: عبد الله ورسوله) يعني: خاطبوني بهذا الخطاب، قولوا: عبد الله ورسوله، وهذا الذي ينبغي أن يقوله الإنسان، وهو ما أمر به الرسول ﷺ ، والإنسان إذا كان يحب الرسول ﷺ فعلامة حبه أن يكون متبعاً لسنته كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
ولا يمكن أن يكون الإنسان محباً لله جل وعلا وهو غير محب للرسول ﷺ ؛ لأن محبة الرسول ﷺ ملازمة لمن يحب الله إذا كان صادقاً، فإذا كان الرجل ممن يحب الرسول ﷺ فيجب عليه أن يمتثل أمره، فيقول مثلما قال له: (قولوا: عبد الله ورسوله)، ويتبع سنته، ويبتعد عن الشيء الذي نهاه عنه مثل الإطراء.
والإطراء هو المدح الزائد الذي لا يجوز، وكثير من الناس ومن الشعراء وغيرهم يقع فيه، فجعلوه بمنزلة الرب جل وعلا، فجعلوا له كل الأمور، وقالوا: لولاه ما خلق الله شيئاً، ويرددون كلاماً باطلاً كقولهم: لولاك ما خلقت الأملاك ولا الأفلاك، فيقولون: إنه أصل الخلق، وهو أصل الأنوار، فآدم خلق من أجله، والملائكة خلقت من أجله، والسماوات والأرض خلقت من أجله، وهذا إطراء زائد، وفيه مخالفة لرسول الله ﷺ ، بل هو في الواقع ضد ما أمر به تماماً، فصار هؤلاء في جانب، وهو في جانب صلوات الله وسلامه عليه.
وأشرف ما يقوم بالإنسان أن يشرفه الله جل وعلا بالرسالة، فيكفي أن يقال: عبد الله ورسوله، وجاء في سنن أبي داود وغيره كما سيأتي، أن قوماً جاءوا إليه وقالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، فكره هذا القول، وقال: (قولوا بقولكم، لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا)، فهو صلوات الله وسلامه عليه يكره أن يدعى له شيء مما هو خاص بالله، ومن فعل ذلك أبغضه وعاداه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء يأتون بأسباب بغضه ومعاداته لهم، فهو يعاديهم ويبغضهم، ثم هم يدعون أنهم يسلكون الطرق السليمة الموصلة إلى قربه ومحبته، ولكن الشيطان يغري الإنسان بالأمور التي يقبلها هو، فكلما رآه يقبل شيئاً زاده حباً لها.
стр. 727
فضل عمر ﵁
قال الشارح: (قوله: عن عمر) هو ابن الخطاب بن نفيل -بنون وفاء مصغراً- العدوي أمير المؤمنين، وأفضل الصحابة بعد الصديق ﵃، ولي الخلافة عشر سنين ونصفاً، فامتلأت الدنيا عدلاً، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ﵁].
وهذا باتفاق أهل العلم، بخلاف أهل البدع الذين لا يجوز أن يلتفت إليهم، فإن أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق ﵁، ويليه في الفضل عمر بن الخطاب ﵁، ويليه في الفضل عثمان ﵁، ويليه في الفضل علي ﵁، فترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، هذا ما عليه أهل السنة، وهو الذي دلت عليه النصوص.
وبعد ذلك بقية الصحابة، فأفضلهم من شهد بدراً، ثم الصحابة الذين شهدوا بيعة الرضوان، ثم من جاء بعدهم، على هذا الترتيب؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] يعني: لا يستوون مع الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا.
стр. 728
فضل الصحابة
حصل نزاع بين بعض المهاجرين الأول وبعض من هاجر متأخراً قبل فتح مكة، بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، ومعروف أن عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين الأولين، فقال الرسول ﷺ : (دعوا لي أصحابي، فوالله! لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، هذا القول يوجه إلى الصحابة فكيف بمن بعدهم؟ والصحابة رضوان الله عليهم كلهم خير قرون هذه الأمة؛ لأن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، فصاروا يقاتلون العدو معه، وصاروا يمتثلون أمره، ويظهرون دين الله على يديه، ويتربون على يديه، ويتلقون الإيمان منه، فلا يمكن أن يكون أحد مثلهم، فالصحابة رضوان الله عليهم اختارهم الله جل وعلا؛ ولهذا نص الرسول ﷺ على ذلك وقال: (خير القرون الذين بعثت فيهم)، وكان يوصي ويقول: (لا تتخذوا أصحابي غرضاً ترمونهم، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، فالذي يبغض الصحابة يبغض رسول الله ﷺ بلا شك، والذي يحبهم يحبهم بمحبة الرسول ﷺ ؛ لأنه يحبهم صلوات الله وسلامه عليه، ويوصي بحبهم.
والله جل وعلا أثنى عليهم كثيراً فقال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] من هم الذين معه؟ هم الصحابة عموماً، ثم يثني عليهم ويقول: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، ويذكر مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل.
وكذلك يقول جل وعلا: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠].
وهذا الذي يجب أن يكون عليه المسلم، أن يقول هذا القول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
وفي آخر سورة الفتح يقول الله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]؛ ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: من غاظه شأن الصحابة فليس من المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] فحب الصحابة دين، يرجى به الخير الكثير، فالله يثيب عليه، وهم الواسطة بيننا وبين رسولنا صلوات الله وسلامه عليه الذين نقلوا إلينا الشرع، فنقلوا إلينا القرآن، ونقلوا إلينا أحاديث الرسول ﷺ كاملة، فالذي يطعن فيهم معناه أنه يطعن في الدين، ويكون النقلة الذين نقلوا الدين ليسوا عدولاً عنده، وربما يقول: إنهم كفار! فماذا يكون المعنى؟ ولهذا يقول أبو زرعة ﵀: من طعن في الصحابة فإنما يطعن في الدين الإسلامي، فهم الذين نقلوا إلينا الدين الذين جاء به محمد ﷺ ، وقد عدلهم الله جل وعلا، فهم عدول بتعديل الله، ولا يمكن أن يثني الله جل وعلا على قوم يعلم أنهم سيرتدون ويكفرون؛ لأنه علام الغيوب، فكيف يثني عليهم ويمدحهم ثم بعد ذلك يتركون دينهم؟ هذا لا يمكن، فهو علام الغيوب جل وعلا، وقد قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وفي آيات كثيرة جداً يمدحهم، ويذكر خير أمة أخرجت للناس، وأنهم تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم نصرة لله ولرسوله، ويذكر أنه رضي عنهم، ويذكر أنه أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
стр. 729
أفضل الصحابة أبو بكر الصديق
أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق ﵁، للنصوص التي جاءت، ولأن الرسول ﷺ كان كثيراً ما يقول: أبو بكر وعمر، ففي مرة قال صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه: (إن رجلاً كان يسوق بقرة، فبينما هو كذلك إذ تعب فركبها، فالتفتت إليه وقالت: ما خلقنا لهذا، وإنما خلقنا لحرث الأرض والسقي! فقالوا: سبحان الله! بقرة تتكلم؟! فقال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر ولم يكن أبو بكر وعمر يومئذ في المجلس).
ومرة أخرى كان يحدث أصحابه صلوات الله وسلامه عليه -كما في الصحيحين- فقال: (بينما راع يرعى غنمه، إذ عدا عليه ذئب فأخذ شاة، فاستنقذها راعي الغنم منه، فجلس الذئب على ذنبه فقال: من لها يوم لا راعي لها غيري؟ فقالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم؟! فقال: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر، ولم يكن أبو بكر وعمر في الناس يومئذٍ)، وأشياء كثيرة.
ولما مرض صلوات الله وسلامه عليه قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولما سمعت عائشة ذلك قالت: إن حدث بالرسول ﷺ حادث لا يزال الناس يكرهون من يقوم مقامه، ولا يمكن أن يوازي رسول الله ﷺ أحد، فيكرهون الرجل الذي قام مقام الرسول ﷺ ، فقالت: (يا رسول الله! لو أمرت غيره، فإنه رقيق القلب، إذا قرأ القرآن كثر بكاؤه فلا يسمع الناس -وهي ليس قصدها هذا- لو أمرت غيره، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فذهبت وقالت لـ حفصة: اذهبي وقولي له: كذا وكذا -وحفصة كانت صديقتها - فذهبت وقالت له ذلك، فغضب الرسول ﷺ ، وقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فكرر ذلك، وأكد ذلك، فبقي أبو بكر يصلي بالناس مدة ما كان مريضاً، ولما مات وحدث ما حدث بين الصحابة من الخلاف، تراجعوا وقالوا: قد رضيه لديننا فنرضاه لدنيانا، ووفقهم الله جل وعلا إلى ذلك، وقد هم الرسول ﷺ أن يكتب كتاباً له ثم ترك الكتاب، وعلم أن الله جل وعلا يهديهم إلى هذا، وأنهم لا يحتاجون للكتاب فتركه.
стр. 730
معنى الإطراء
قال الشارح: [قوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، الإطراء مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، قاله أبو السعادات وقال غيره: أي: لا تمدحوني بالباطل، ولا تجاوزوا الحد في مدحي.
قوله: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇ فادعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله، فأبى المشركون إلا مخالفة أمره وارتكابه نهيه، وعظموه بما نهاهم عنه، وحذرهم منه].
قصده بالمشركين هنا الذين يعبدون قبور الصالحين، ويعبدون الرسول ﷺ ، وإن كان الله جل وعلا قد صان قبره عن العبادة، فحماه لدعوته صلوات الله وسلامه عليه، فأصبح لا يستطيع أحد أن يصل إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه؛ صيانة له من الله، واستجابة لدعوته حينما دعا ربه وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، ولكن كثيراً من الناس يعبد الصالحين عبادة صريحة، فيدعوهم، ويلجأ إليهم فيما لا يستطيعه إلا الله، مثل شفاء المرض، ومثل الرزق، ومثل الولد، ودفع العدو، وما أشبه ذلك، يستغيثون بالأموات، ويسألونهم هذا، وهذا شرك، فقصده بالمشركين هؤلاء.
قال الشارح: [وناقضوه أعظم مناقضة، وضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم، ووقعوا في المحذور، وجرى منهم من الغلو والشرك شعراً ونثراً ما يطول عده، وصنفوا فيه مصنفات] مضى في درس سابق ذكر المصنفات والمصنفين في هذا، ولكن تسميتها أو تسمية أصحابها لا داعي له، وليس هناك دافع للتسميات.
стр. 731
من الإطراء تجويز الاستغاثة برسول الله ﷺ
قال الشارح: [وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف في ذلك مصنفاً رده شيخ الإسلام، ورده موجود بحمد الله].
الرد هو كتاب الاستغاثة، وهو موجود مطبوع بهذا الاسم: "كتاب الاستغاثة".
[ويقول: إنه يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وذكر لهم أشياء من هذا النمط، نعوذ بالله من عمى البصيرة].
والعجيب أن هذا المؤلف من القضاة! ألف هذا الكتاب رداً على شيخ الإسلام ابن تيمية حينما قال: لا يجوز شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وأن شد الرحال إلى زيارة القبور لا يجوز، فرد عليه وقال: إنه يجب أن تشد الرحال إلى زيارة قبر الرسول ﷺ ، بل ويستغاث به، وكل ما يستغاث فيه بالله جل وعلا فالرسول مثله يستغاث به! يعني: تستغيث به من ذنوبك كما تستغيث بالله جل وعلا، وتسأله الجنة والنجاة من النار مثلما تسأل الله جل وعلا، يقول هذا القول وهو قاض؛ ولهذا قال الشارح: (نعوذ بالله من عمى البصيرة)، والإنسان إذا عميت بصيرته لم ينفعه العلم، نسأل الله العافية!
стр. 732
قصيدة البوصيري فيها غلو في إطراء النبي ﵊
قال الشارح: [وقد اشتهر في نظم البوصيري قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم] البوصيري نسبة إلى بوصير، وهي بلدة في مصر معروفة، ومقصوده في قصيدة البردة، وهي مشهورة، وفيها استغاثة برسول الله ﷺ ، ويوجد ما هو أشر من البردة، مثل: شعر البرعي، وكله استغاثات شركية شنيعة، نسأل الله العافية! فليس ذلك خاصاً وكثير جداً غيرهما.
فليس ذلك خاصاً بـ البوصيري أو بـ البرعي، بل كثيرون وقعوا في هذا الأمر العظيم الذي فيه مخالفة لقول الرسول ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، ومضادة له صلوات الله وسلامه عليه، ثم هم يزعمون أنهم يحبونه بذلك، ولكن الشيطان يزين للإنسان السوء حتى يصبح الباطل في قالب الحق، ويرى أن الباطل حقاً، ويرى أن الحق باطلاً؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨] فمن يهديه؟ لا يستطيع أحد أبداً، الذي يزين له سوء عمله يرى عمله السيئ حسناً، وهذا معناه الهلاك.
قال الشارح: [وما بعده من الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات] ما بعد هذا البيت أبيات معروفة، حتى أن كثيراً من الناس يحفظها كما يحفظ الفاتحة، ويجعلون لهم ورداً منها، يدعون الله بها، وقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم يعني: ما له من يلوذ به إلا الرسول ﷺ ! أين الله؟! وما هو الحادث العمم؟ الحادث العمم هو الذي يعم الخلق، وهو يوم القيامة، فإذا جمع الناس في صعيد واحد فهذا هو الحادث العمم، يقول: في ذلك الموقف ما لي من ألوذ به سواك ثم يقول: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقمِ الكريم هو الله، أي: إذا اتصف باسم المنتقم لينتقم من العصاة يقول: لا يضيق جاهك بي يا رسول الله! احمني من غضب الله، فهذا استغاثة بالرسول على الله، وهذا شيء فظيع جداً، نسأل الله العافية.
ثم يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلمِ وضرة الدنيا هي الآخرة، يعني: من جملة جودك -يا رسول الله- الدنيا والآخرة، إذاً: ماذا بقي لله؟! يقول: ومن جملة علومك علم اللوح والقلم! اللوح الذي كتب فيه كل شيء، والقلم الذي كتب به الله جل وعلا كل شيء، فماذا بقي لله؟ هل يوجد إطراء فوق هذا؟ نسأل الله العافية.
ثم يمضي بنحو هذا الكلام الذي هو مضادة لما جاء به الرسول ﷺ تماماً، وهذا كثير في الواقع من هذا الرجل، ويوجد غيره أيضاً؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يسأل ربه السلامة دائماً، وأن يسأله الهداية؛ لأن المسألة ما هي مسألة عقل، أو مسألة كون الإنسان العاقل يعلم ويعرف، بل من منّ الله جل وعلا عليه بالهداية، فهذا الذي يكون فضل الله عليه عميماً، ويجب عليه أن يشكر الله، وإلا فهؤلاء علماء يشرحون الأحاديث، ويفسرون القرآن، ويؤلفون في سائر أصناف العلم، ومع ذلك يقعون في هذه الأمور الفظيعة الشنيعة، نسأل الله العافية!
стр. 733
المطرون للنبي ﵊ ناقضوه بارتكاب ما نهى عنه
قال الشارح: [وأعظم الاضطرار لغير الله، فناقضوا الرسول ﷺ بارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقصه].
يعني أنهم يقولون: إذا نهيت عن الاستغاثة بالرسول ﷺ فهذا تنقص له، وما عرفت حقه، ولو عرفت حقه لدعوت إلى الاستغاثة به ودعائه، هذا معنى أنهم جعلوه في قالب التنقص، فجعلوا النهي عن الشرك الذي هو التوحيد تنقصاً لرسول الله ﷺ ، وهذا كما نقول: إذا زين للإنسان سوء عمله فإنه يرى القبيح حسناً، والحسن قبيحاً، نسأل الله العافية، فلا أحد يستطيع هدايته إلا رب العالمين، إذا شاء أن يهديه هداه.
قال الشارح: [وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون، أفرطوا في تعظيمه بما نهاهم عنه أشد النهي، وفرطوا في متابعته، فلم يعبئوا بأقواله وأفعاله، ولا رضوا بحكمه ولا سلموا له].
الإفراط: هو الزيادة على المشروع، وأما التفريط فهو النقص منه وتركه، ومعصية أمره، والناس ما يأتيهم النقص في دينهم إلا من هذين الوجهين فقط، إما أن يزيدوا على المشروع أو ينقصوا منه.
قال الشارح: [وإنما يحصل تعظيم الرسول ﷺ بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء بهديه، واتباع سنته، والدعوة إلى دينه الذي دعا إليه، ونصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه، فعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله علماً وعملاً، وارتكبوا ما نهى عنه ورسوله، فالله المستعان].
стр. 734
حديث: (إياكم والغلو)
[وقال رسول الله ﷺ : (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)].
هذا الحديث رواه أصحاب السنن والإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ يقول: لما كان غداة مزدلفة قال لي رسول الله ﷺ : (القط لي حصى، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف)، والخذف صفة معروفة، يضع الإنسان الحصاة على ظفر أصبعه الإبهام ثم يرميها هكذا، هذا يسمى الخذف، فهي حصى صغيرة، يقول: (فأخذهن وصار ينفضهن بيده، ويقول: بمثلهن فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)، والغلو هو التجاوز والزيادة على المشروع، وهذا وإن كان في حصى الجمار فإنه عام في الواقع، يعني: إياكم أن تظنوا أن الرمي بالحصى الكبار أبلغ فتخالفوا سنة الرسول ﷺ فتهلكوا، وتكونون غلوتم في ذلك، (فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)، وهو تجاوز الشيء المشروع، وهذا يكون في كل الدين، فإذا تجاوز الإنسان ما شرعه الله كان طريقاً إلى الهلاك، ومنه الغلو في الحب.
قال الشارح: [قوله: وقال رسول الله ﷺ : (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه، وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس] بل رواه أهل السنن، ولكن هو اقتصر على الراجح الصحيح، فذكر أصحاب السنن الذين رووه بسند صحيح.
стр. 735
حرمة الغلو في الاعتقادات والأعمال
قال الشارح: [وهذا لفظ رواية أحمد: عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة جمع: (هلم القط لي، فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين).
قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك].
مقصود شيخ الإسلام بقوله: إنه عام، قوله: (إياكم والغلو)، فهذا عام في كل شيء، سواء في الأوامر التي يؤمر بها الإنسان مثل أن يزيد فيها فيكون قد تعدى المشروع، أو في النواهي التي نهي عنها بأن يبالغ في تركها فيترك الشيء الذي شرع، فيكون متعدياً للمشروع.
وقوله: (وهو داخل فيه) يعني: أن رمي الجمار داخل في هذا لأنه من الدين، فالغلو هو المجاوزة سواء كان في الفعل أو كان في الترك، أو كان في القول كالمدح الذي يكون في كذب أو غير ذلك.
стр. 736
حديث: (هلك المتنطعون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (هلك المتنطعون قالها ثلاثاً)].
قال الشارح: [قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
ومن التنطع: الامتناع من المباح مطلقاً كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز، ومن لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب، قال الشيخ تقي الدين: فهذا جاهل ضال.
انتهى].
يعني: أن الإنسان إذا بالغ في مجانبة الأمور التي قد يخيل إليه أن تركها أحب إلى الله، وهو في ذلك ليس على دليل؛ لأن الإنسان في كل ما يتعبد به يجب أن يكون على دليل، ولا يجوز أن يعمل برأيه أو بقياسه أو بالنظر إلى ما الناس عليه؛ لأن العبد مقيد في عبادة الله جل وعلا بما جاء به الرسول ﷺ ، سواء قدر على فعل ذلك أو لم يقدر؛ لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يأتي بكل ما جاء به الرسول ﷺ ؛ ولهذا يقول ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، فقيد الفعل بالمستطاع، أما الترك فيجب أن يجتنب جميعاً، ولا يقول: ما استطعت أن أترك هذا، فكل منهي عنه يستطيع أن يجتنبه.
فالإنسان إذا لم يكن متقيداً بالشرع فهو على خطر عظيم، ولا بد أن يقع في التقصير أو يقع في التفريط، إما أن يقع في البدع أو يقع في المعاصي، ولا يخلو من ذلك إذا لم يكن متقيداً بما جاء به الرسول ﷺ .
لما جاء أولئك النفر يسألون عن عبادة رسول الله ﷺ ، وأخبروا بهديه وبطريقته، وأرادوا أن يزيدوا على ما كان يفعله الرسول صلى عليه وسلم، فقال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم، كل ذلك تقشفاً وطلباً للخير باجتهادهم، ولما بلغ ذلك الرسول ﷺ قال: (لكني أقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
من كان مجتهداً وقاصداً الخير، ولكنه لم يكن على طريقة المصطفى ﷺ فإنه يكون ضالاً، ويكون غاوياً، ويكون آثماً، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] فأخبر أنها مع خشوعها وعملها ونصبها تصلى النار الحامية، وذلك لأنهم يتعبدون بالبدع، بغير ما جاء به الرسول ﷺ .
стр. 737
معنى التنطع
قال الشارح: [وقال ابن القيم ﵀: قال الغزالي: والمتنطعون في البحث والاستقصاء.
وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النِطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولاً وفعلاً].
الصواب أن هذا عام ليس كما يقول الخطابي ﵀، فإنه يخصه بالمتكلم المتشدق، بل هو عام مطلق في كل شيء، فالذي يبالغ في الأمور، ويتعدى فيها المشروع متنطع، ويكون هالكاً.
وأما كون الرسول ﷺ ردد هذه الكلمة ثلاثاً فهذه سنته صلوات الله وسلامه عليه، كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات حتى تفهم عنه وتحفظ، ولم يكن كلامه كثيراً، بل يستطيع الإنسان الحاضر عنده أن يحصي كلامه وأن يحفظه، وإذا تكلم بكلام أعاده ثلاثاً حتى يحفظ عنه، وقد تكون الإعادة للمبالغة في التحذير والتبليغ الذي كلف به وأُمر به، وقد تكون لهذا وهذا، أي: للتعليم وللمبالغة والتحذير.
قال الشارح: [وقال النووي: فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم.
قوله: (قالها ثلاثاً) أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين].
стр. 738
مسائل باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب].
هذا الباب والذي قبله والبابان اللذان بعده؛ كلها بمعنى واحد، ولكن المؤلف ﵀ نوع الأدلة، ونوع الكلام، وأبدى فيه وأعاد؛ لأن الخطأ فيه عميق وكثير، حتى يفهم الإنسان، ومعلوم أنه بتنويع الكلام وترديده يفهم الناس أكثر مما لو كان مرة واحدة، وهذا الخطر لا يزال قائماً بين الناس من عبادة القبور والتبرك بها، والعكوف عندها، وقصدها لطلب النفع ودفع الشر، فهذا لا يزال في الناس، وهذا أعظم ما وقع من النقص في الدين؛ ولهذا أكثر المؤلف من ذكر النصوص في الباب الذي قبل هذا، وفي هذا الباب، وبابين بعده.
[الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين].
المقصود بشبهة الصالحين شبهة حبهم، ولا يعني أن الصالحين مشبهون وملبسون على الناس، ليس هذا المراد، ولكن المقصود أنه لبس الحق بالباطل، فزعموا أنهم يحبون الصالحين، وكان هذا هو الباعث لهم أولاً، فصوروا صورهم، ونصبوها في مجالسهم التي كانوا يجلسونها للتعبد، زاعمين أن في هذا تذكيرهم وتنشيطهم على العمل الذي كان يعمله أولئك، فبقوا على هذا وقتاً كما سبق، ثم بعد ذلك جاء الجيل الذي بعدهم، ونسي السبب الذي من أجله نسبت الصور، ودب إليهم الشيطان فقال لهم: إن آباءكم صوروا هذه الصور للتبرك بها، والتوسل بها، وطلب شفاعتها، وجعلها وساطة بينكم وبين رب العالمين، لتسألوا بها؛ فوقعوا في الشرك، هذا معنى قوله: بشبهة الصالحين، يعني: بشبهة حبهم، وكل هذا سببه البدع، فإن هذا أمر مبتدع، ولو التزموا ما جاء به أبوهم آدم ﵇ ولم يحيدوا عنه ما وقعوا في شيء من ذلك.
[الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم].
هذه نفس المسألة، يعني بالتصوير والعكوف على الصور.
стр. 739
قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها
[الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها].
الشرائع تردها، والنفوس التي بقيت على فطرتها تردها، ولكن الواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك الشرع بعقله أو بفطرته، فالشرع هو أمر ونهي من عند الله جل وعلا، فلا بد من تلقيه من الرسل، والفطرة لا تستطيع أن تستقبل أمر الله ونهيه وتعرفه، وإن كانت الفطرة تميل إلى الحق وتقبله وتريده، وتنفر عن الباطل، ولكن لا بد لها من هادٍ ومرشد الذي هو الوحي، وإلا كان المجتمع نفسه يضل الفطرة ويغيرها، كما أخبر الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وليس المقصود بالأبوين الأم والأب حقيقة، وإنما المقصود المربي، وقد يكون المربي هو الشارع، وقد يكون المربي وسائل تعليمية، وقد يكون المربي هو المدرسة وغير ذلك، فالمربي هو الذي يغير فطرة الإنسان.
فالمقصود: أن الفطرة لا تستقل بمعرفة الشرع، وأنه لا بد من تلقي الأمر والنهي من الرسول ﷺ ، ولكن هي تنفر عن الباطل إذا لم تألفه، أما إذا ألفته وعايشته فإنها تحبه وتبقى متغيرة، فإذا ذهبت الفطرة جاء بدلها حب الشر وإلفه كما هو نص هذا الحديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
стр. 740
أن من سبب الشرك مزج الحق بالباطل
[الخامسة: أن سبب ذلك كله: مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين.
والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره].
следующие страницы →