← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حديث: (هلك المتنطعون) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (هلك المتنطعون قالها ثلاثاً)]. قال الشارح: [قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. ومن التنطع: الامتناع من المباح مطلقاً كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز، ومن لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب، قال الشيخ تقي الدين: فهذا جاهل ضال. انتهى]. يعني: أن الإنسان إذا بالغ في مجانبة الأمور التي قد يخيل إليه أن تركها أحب إلى الله، وهو في ذلك ليس على دليل؛ لأن الإنسان في كل ما يتعبد به يجب أن يكون على دليل، ولا يجوز أن يعمل برأيه أو بقياسه أو بالنظر إلى ما الناس عليه؛ لأن العبد مقيد في عبادة الله جل وعلا بما جاء به الرسول ﷺ ، سواء قدر على فعل ذلك أو لم يقدر؛ لأنه ليس كل إنسان يستطيع أن يأتي بكل ما جاء به الرسول ﷺ ؛ ولهذا يقول ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، فقيد الفعل بالمستطاع، أما الترك فيجب أن يجتنب جميعاً، ولا يقول: ما استطعت أن أترك هذا، فكل منهي عنه يستطيع أن يجتنبه. فالإنسان إذا لم يكن متقيداً بالشرع فهو على خطر عظيم، ولا بد أن يقع في التقصير أو يقع في التفريط، إما أن يقع في البدع أو يقع في المعاصي، ولا يخلو من ذلك إذا لم يكن متقيداً بما جاء به الرسول ﷺ . لما جاء أولئك النفر يسألون عن عبادة رسول الله ﷺ ، وأخبروا بهديه وبطريقته، وأرادوا أن يزيدوا على ما كان يفعله الرسول صلى عليه وسلم، فقال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم، كل ذلك تقشفاً وطلباً للخير باجتهادهم، ولما بلغ ذلك الرسول ﷺ قال: (لكني أقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني). من كان مجتهداً وقاصداً الخير، ولكنه لم يكن على طريقة المصطفى ﷺ فإنه يكون ضالاً، ويكون غاوياً، ويكون آثماً، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] فأخبر أنها مع خشوعها وعملها ونصبها تصلى النار الحامية، وذلك لأنهم يتعبدون بالبدع، بغير ما جاء به الرسول ﷺ .

стр. 737

معنى التنطع قال الشارح: [وقال ابن القيم ﵀: قال الغزالي: والمتنطعون في البحث والاستقصاء. وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النِطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولاً وفعلاً]. الصواب أن هذا عام ليس كما يقول الخطابي ﵀، فإنه يخصه بالمتكلم المتشدق، بل هو عام مطلق في كل شيء، فالذي يبالغ في الأمور، ويتعدى فيها المشروع متنطع، ويكون هالكاً. وأما كون الرسول ﷺ ردد هذه الكلمة ثلاثاً فهذه سنته صلوات الله وسلامه عليه، كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات حتى تفهم عنه وتحفظ، ولم يكن كلامه كثيراً، بل يستطيع الإنسان الحاضر عنده أن يحصي كلامه وأن يحفظه، وإذا تكلم بكلام أعاده ثلاثاً حتى يحفظ عنه، وقد تكون الإعادة للمبالغة في التحذير والتبليغ الذي كلف به وأُمر به، وقد تكون لهذا وهذا، أي: للتعليم وللمبالغة والتحذير. قال الشارح: [وقال النووي: فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم. قوله: (قالها ثلاثاً) أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين].

стр. 738

مسائل باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب]. هذا الباب والذي قبله والبابان اللذان بعده؛ كلها بمعنى واحد، ولكن المؤلف ﵀ نوع الأدلة، ونوع الكلام، وأبدى فيه وأعاد؛ لأن الخطأ فيه عميق وكثير، حتى يفهم الإنسان، ومعلوم أنه بتنويع الكلام وترديده يفهم الناس أكثر مما لو كان مرة واحدة، وهذا الخطر لا يزال قائماً بين الناس من عبادة القبور والتبرك بها، والعكوف عندها، وقصدها لطلب النفع ودفع الشر، فهذا لا يزال في الناس، وهذا أعظم ما وقع من النقص في الدين؛ ولهذا أكثر المؤلف من ذكر النصوص في الباب الذي قبل هذا، وفي هذا الباب، وبابين بعده. [الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين]. المقصود بشبهة الصالحين شبهة حبهم، ولا يعني أن الصالحين مشبهون وملبسون على الناس، ليس هذا المراد، ولكن المقصود أنه لبس الحق بالباطل، فزعموا أنهم يحبون الصالحين، وكان هذا هو الباعث لهم أولاً، فصوروا صورهم، ونصبوها في مجالسهم التي كانوا يجلسونها للتعبد، زاعمين أن في هذا تذكيرهم وتنشيطهم على العمل الذي كان يعمله أولئك، فبقوا على هذا وقتاً كما سبق، ثم بعد ذلك جاء الجيل الذي بعدهم، ونسي السبب الذي من أجله نسبت الصور، ودب إليهم الشيطان فقال لهم: إن آباءكم صوروا هذه الصور للتبرك بها، والتوسل بها، وطلب شفاعتها، وجعلها وساطة بينكم وبين رب العالمين، لتسألوا بها؛ فوقعوا في الشرك، هذا معنى قوله: بشبهة الصالحين، يعني: بشبهة حبهم، وكل هذا سببه البدع، فإن هذا أمر مبتدع، ولو التزموا ما جاء به أبوهم آدم ﵇ ولم يحيدوا عنه ما وقعوا في شيء من ذلك. [الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم]. هذه نفس المسألة، يعني بالتصوير والعكوف على الصور.

стр. 739

قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها [الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها]. الشرائع تردها، والنفوس التي بقيت على فطرتها تردها، ولكن الواقع أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك الشرع بعقله أو بفطرته، فالشرع هو أمر ونهي من عند الله جل وعلا، فلا بد من تلقيه من الرسل، والفطرة لا تستطيع أن تستقبل أمر الله ونهيه وتعرفه، وإن كانت الفطرة تميل إلى الحق وتقبله وتريده، وتنفر عن الباطل، ولكن لا بد لها من هادٍ ومرشد الذي هو الوحي، وإلا كان المجتمع نفسه يضل الفطرة ويغيرها، كما أخبر الرسول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وليس المقصود بالأبوين الأم والأب حقيقة، وإنما المقصود المربي، وقد يكون المربي هو الشارع، وقد يكون المربي وسائل تعليمية، وقد يكون المربي هو المدرسة وغير ذلك، فالمربي هو الذي يغير فطرة الإنسان. فالمقصود: أن الفطرة لا تستقل بمعرفة الشرع، وأنه لا بد من تلقي الأمر والنهي من الرسول ﷺ ، ولكن هي تنفر عن الباطل إذا لم تألفه، أما إذا ألفته وعايشته فإنها تحبه وتبقى متغيرة، فإذا ذهبت الفطرة جاء بدلها حب الشر وإلفه كما هو نص هذا الحديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

стр. 740

أن من سبب الشرك مزج الحق بالباطل [الخامسة: أن سبب ذلك كله: مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئاً أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره].

стр. 741

تفسير قوله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا) [السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح]. هي واضحة: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، وقد تقدم أن هذه أسماء رجال صالحين، وأن هؤلاء هم الذين صوروا صورهم، ثم صارت صورهم أوثاناً تعبد، حتى وصلت إلى العرب.

стр. 742

جبلة الآدمي على كون الحق ينقص في قلبه ويزيد الباطل [السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد]. الواقع أنه ليس في قلبه فقط، وإنما ينقص في قلبه وفي أفعاله، وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: (لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه)، جاء أصحاب أنس بن مالك ﵁ يشكون إليه ما يجدونه من الحجاج وظلمه وتعسفه، فقال: (اصبروا، فإنه لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ , وهذا مطلق: (لا يأتي زمان إلا وما بعده شرٌ منه)، حتى تأتي الساعة التي تقوم على شرار خلق الله، فإنها تقوم على أناس لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً.

стр. 743

البدع سبب الكفر [الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر]. وهذا واضح في أن هذه البدعة لما ابتدعوها في دين الله جرتهم إلى الكفر وعبادة الشياطين وعبادة الأصنام، فصارت سبباً لترك الدين كله وليس بعضه، وهكذا البدع كلها؛ ولهذا يقول السلف: إن الشيطان يفرح بالبدعة أكثر من فرحه بالمعصية. أي: كون الإنسان يبتدع أحب إلى الشيطان من أن يزني أو يسرق؛ لأنه إذا فعل جريمة من الجرائم وهو يعرف أنها منكر، وأنها قبيحة، وأن الله يبغضها، ويعاقب عليها، يبقى في قلبه حرج منها وضيق، ثم ربما يتوب ويرجع، بخلاف البدعة فإنه إذا كان يراها ديناً فإنه يتمسك بها ويزداد منها، وتثبت في قلبه حتى يتشرب بها فلا يتركها، فهذا كون البدع بريد الكفر والشرك، والشيطان يحبها أكثر. وهذا معنى قول السلف: إن صاحب البدعة لا توبة له، وليس معناه أنه لا تقبل توبته إذا تاب، وإنما المراد أنه لا يتوب؛ لأنه إذا كان يعتقد أن هذا دين كيف يتوب منه؟ إنما هذا علاجه بالعلم واتباع الرسول ﷺ ، فإذا تبين له ذلك ربما يتوب فيتوب الله عليه.

стр. 744

معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة [التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل]. الشيطان فقيه فيما يدعو إليه، وفي تزيين المعاصي للناس، وعنده دقة فيها، وعنده في الواقع مبالغة وفصاحة، وعنده حيل عجيبة وغريبة، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيرى ماذا تميل إليه نفسه! وماذا يحب! فيزين له هذه الأشياء حتى يكون تمسكه بها وأخذه بها عن إقبال واقتناع، بخلاف الذي تحذوه حاجة إلى فعل المعصية، فإن هذا يفلت من يد الشيطان غالباً، إذا كان الذي دعاه إلى مواقعة المعصية: إما شهوة، أو حاجة، أو غضب، أو معاندة لإنسان أو ما أشبه ذلك، فهذا ممكن أن ينفلت من يد الشيطان ويرجع إلى صوابه ويتوب، فيتوب الله عليه.

стр. 745

النهي عن الغلو ومعرفة ما يئول إليه [العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يئول إليه. الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح]. المقصود أن هؤلاء لما صوروا هذه الصور للتذكر، ثم بعد ذلك صارت أصناماً، من ذلك العكوف على القبر؛ لكونه مثلاً يدعوه، أو أنه يظن أن الدعاء عنده يتقبل ببركة الصلاح الذي كان هو عليه، أو لأن له عند الله جاهاً، وأن الله يكرمه، فإذا كان الإنسان كما يقوله العوام وغيرهم من طلبة العلم أشباه العوام الذين يذهبون إلى القبور يلتجئون إلى أصحابها، ويزعمون أن فيها البركة وأن الجلوس عندها ينيل الجالس بركة من بركاتها، وقد يدفع عنه مثلاً سوءاً أو عدواً أو أذى، والواقع أنها لا تنفع ولا تضر، بل تضر أكثر مما تنفع. والذي شرعه لنا الرسول ﷺ في إتيان القبور هو السلام عليهم، والدعاء لهم، وتذكر الآخرة فقط، أما أن يلتمس شيئاً آخر فهو ضلال. فإذاً: الجلوس عند القبر لطلب نفع من أمور الدنيا أو الآخرة بدعة وضلالة، ويجعل الإنسان سائراً في طريق الشرك إلى جهنم؛ لأن هذا من وسائل الشرك العظيم.

стр. 746

معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها [الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها] التماثيل: هي الصور، فكل صورة تسمى تمثالاً سواء كان لها ظل أو كانت منحوتة باليد، أو مصورة باليد، أو لم يكن لها ظل، فهي تمثال، والتماثيل هي سبب عبادة الأصنام، ولهذا جاءت الأحاديث في تحريمها، والوعيد على فاعلها، وهذا شيء أظنه ما جاء في معصية من المعاصي، وقد بالغ الرسول ﷺ وأكثر من الأحاديث فيها، فقال صلوات الله وسلامه عن ربه جل وعلا أنه قال: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة). وقال صلوات الله وسلامه عليه: (كل مصور في النار يجعل له صورة بما صور، يعذب بها في النار) وقال: (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس بنافخ) يقال له: أحي ما خلقت، انفخ فيها الروح وأحيها. أحاديث كثيرة وصحيحة، ومبالغة في التحذير. فينبغي للمسلم أن يحذر من الوقوع في هذه المعصية، وكثير من الناس يتخذ هذا له رزقاً، ويتخذه له مهنة، وربما يفعله الإنسان عبثاً مثلما يقول بعضهم: يصور للتذكرة، وبعضهم قد يملأ بيته صوراً نسأل الله العافية، وقد جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وليست الملائكة التي تحفظ على الإنسان أعماله، فهؤلاء لا يفارقون الإنسان: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. ولكن هناك ملائكة للرحمة، يبحثون عن مجالس الذكر، وملائكة معقبات وغيرها، لكن الكتبة لا يفارقون العبد، فلا ينطق كلمة إلا سجلوها. المقصود أن التصوير أمره ليس سهلاً، والواقع أنه كله حكمه سواء، سواء كان (فوتغرافياً) أو نقشاً باليد أو غير ذلك، بل التصوير بالآلة يكون أدق من التصوير باليد، والمحذور موجود في هذا وهذا؛ لأن المحذور فيه مشابهة الرب جل وعلا الخلق؛ لهذا يتحداهم الله جل وعلا ويقول: (فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة)، ويكلفهم أن ينفخوا الروح. أما إذا اضطر الإنسان إلى التصوير فالضرورة تبيح المحرم، وذلك كمن لا يستطيع أن يسافر إلا بصورة، ويلزم بأن يأتي بصورة حتى يكون مثبتاً هويته وما أشبه ذلك، فهذه ضرورة، والإنسان يفعل الضرورة مضطراً وكارهاً، ولكن لا يفعل ذلك اختياراً؛ لأنه إذا فعل ذلك اختياراً دخل في الوعيد.

стр. 747

معرفة شأن قصة قوم نوح [الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها]. المقصود بالقصة قصة هؤلاء الذين صوروا هذه الصور، ثم عبدوها فيما بعد، يقول: إنها كثيرة في كتب التفسير والحديث، وهي مشهورة، وفيها إيضاح وبيان؛ لأن الناس وقعوا فيما وقع فيه أولئك، ومع كثرتها والحاجة إليها وكون الناس يقرءونها في الكتب؛ لكنهم يقعون في نفس ما وقع فيه أولئك، فما السبب؟ السبب في الواقع هو كون الإنسان لا يطبق الذي جاء في كتاب الله، وفي أحاديث رسوله على عمل نفسه، ويظن أن هذه الأخبار والوقائع في قوم كانوا ففنوا، وليس لهم وجود ولا وارد، فإذا قيل له مثلاً: لا تفعل كذا وكذا، قال: لا تستدل علي بآيات نزلت في اليهود، أو نزلت في المشركين، وما علم أن فعله هو فعل المشركين تماماً، والقرآن نزل للمستقبل وليس للماضي، نزل ليعمل به، وليتفهمه الإنسان، والذي يحول بين الإنسان وبين فهم كلام الله وفهم كلام رسوله ﷺ هو كون الشيطان يأتيه ويقول: لا تطبق هذه الآيات على المسلمين؛ فتكون بذلك قد سلكت مسلك الخوارج، هكذا يقولون! ثم هناك أمور وضعها الشيطان للحيلولة بين الناس وبين فهم كتاب الله، والشيطان قد يكون شيطاناً من الإنس، وليس شيطان الجن فقط، وقد جاءوا مثلاً بشروط وضعوها لمن يريد أن يعرف كلام الله، وما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان، فقالوا: لا بد أن يكون الإنسان عارفاً باللغة العربية، مجملها ومفصلها، وعامها وخاصها، ولا بد أن يكون عالماً بالناسخ والمنسوخ، ولا بد أن يكون عالماً بالفصاحة والبلاغة لا بد أن يكون ذكروا ما يقرب من ثلاثين شرطاً في الإنسان الذي يريد أن يتكلم بكتاب الله أو بحديث رسوله. يقول شيخ الإسلام: هذه الشروط لا تجتمع في أبي بكر الصديق ﵁، فيجعلونها حائلاً بين الإنسان وبين فهمه لكتاب الله وهي من الشيطان.

стр. 748

أن الله حال بين القبوريين وبين قلوبهم في معرفة حقيقة ما صنعه قوم نوح [الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال]. المقصود بهذا أنه مع ظهور هذه المسألة ووضوحها، وكونهم يقرءونها في كتب التفسير وغيرها، فإن الله جل وعلا حال بينهم وبين قلوبهم أن يفقهوا ذلك، فوقعوا فيما وقع فيه قوم نوح، واعتقدوا أن هذا الذي وقعوا فيه أفضل العبادات، يعني: أن العكوف على القبور، وسؤال أصحابها، والاستنجاد بهم في الملمات، وطلب جلب المنافع ودفع الضرر من أصحاب القبور، يرون أنه أفضل الأعمال، ويسمونه توسلاً، ويسمونه حباً للصالحين، ومن كراماتهم. ويقولون: كرامة الصالحين هي ثابتة لهم بعد مماتهم كثبوتها لهم قبل مماتهم في حال حياتهم. وكل ما يعتمدون عليه دعاوى، وربما اعتمدوا على المنامات والأحلام، وربما اعتمدوا على شيء يأتي به الشيطان لهم ليضلهم ويزيدهم في الضلال، والذي ينهى عن هذا ويأمر بما أمر به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه يقولون: هو مبتدع! هو ضال! هو خارجي! أو جاء بمذهب خامس، ليس من أهل السنة، وهو من الذين يكفرون المسلمين ويخرجون عليهم. وهذا معنى قوله: وصار التوحيد عندهم الذي جاء به الرسول ﷺ من أعظم الضلال، (عندهم) يعني: حسب عقيدتهم.

стр. 749

التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة [الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة] يعني: تصريح الذين عبدوا الأصنام أنهم لا يريدون منهم إلا الشفاعة، أي: لا يعتقدون أنهم يخلقون مع الله، أو شركاء لله في الخلق والإيجاد والتدبير والتصريف، فلا أحد منهم اعتقد هذا، وإنما يقول: أدعوهم ليشفعوا لي عند الله، هذا شرك المشركين، وليس عندهم شرك أكثر من ذلك، أما الذي يزعم أن المشركين يسجدون للأصنام لأنهم يعتقدون أنها تدبر وتتصرف في الكون، فهذا كذب عليهم، ما كانوا يفعلون هذا، بل هذا تكذيب للقرآن، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ويقررهم بذلك، فيقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] تعلمون أن هذه الأشياء كلها بيد الله، وأن الأصنام ليس لها شيء من ذلك، فشركهم هو طلب الشفاعة. ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] هذه عبادتهم! وهذا شركهم! فهذا أخف من شرك المشركين الذين يشركون بالقبور اليوم، فإنهم يزعمون أن أصحاب القبور يتصرفون بالأمور كجلب المنافع ودفع المضار، ولهم تصرف وأن الله ملكهم التصرف، هكذا يقولون! فيمكن أن يهزموا الأعداء، ويمكن أن يجلبوا النفع للإنسان الخاص بأن يوجدوا له ولداً، أو زوجة أو رزقاً أو ما أشبه ذلك.

стр. 750

نهي النبي ﷺ عن إطرائه [السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك. السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين] الرسول ﷺ لم يترك شيئاً ما بلغه، ولا سيما الأمور التي تتعلق بعبادة الله جل وعلا، فإنه بالغ فيها حتى لم يترك شيئاً من الأمور التي تكون وسيلة إلى فعل الشرك إلا ونهى عنها وحذر منها، فلما قالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، لا أحب أن تطروني أو أن تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا إياها، أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله). ولما قال له الرجل: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟!) ومعلوم أن له مشيئة يفعل بها، وهذا القائل يقول هذا القول أمام فعل يفعله صلوات الله وسلامه عليه، ولكن منعه منه ﷺ حتى لا يدخل الشيطان إليهم من هذا الباب، فيوقعهم في الضلال. كذلك لما قال قائل منهم: (قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، قال: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) كل هذا سداً للباب، ومنعاً من أن يقعوا في محذور مما نهى الله جل وعلا عنه، فهو صلوات الله وسلامه عليه ما ترك شيئاً من الأمور التي يمكن أن تكون وسيلة أو طريقة إلى الشرك إلا وسدها ومنعها ونهى عنها، مبالغة في ذلك. ومن ذلك: كونه نهى عن مدحه وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).

стр. 751

نصيحته ﷺ إيانا بهلاك المتنطعين [الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده]. يعني: وجود العلم، والمقصود به العلم النافع، وهو العلم الشرعي الموروث عن رسول الله ﷺ ، أما العلم الذي يكون من أفكار الرجال وأقيستهم، أو يكون من الوضع الذي تواضعوا عليه، أو من علوم الدنيا، فهي إما مضرة أو يكون نفعها قليل جداً، وإنما النفع بالعلم الشرعي الذي يهدي إلى الله، وإذا فقد العلم فقد الخير كله، وفقد العلم بموت العلماء؛ لأن الكتب لا تفيد إذا كان الإنسان لم يوفق إلى من يدله على الفهم الصحيح، وكيف يسير في الطريق فيخطئ أكثر مما يصيب، ويضر أكثر مما ينفع. الكتب تنفع ولكن نفعها محدود، وليس في كل شيء، وقد يفهم فهماً خطأ، ولا بد أن يكون الإنسان عارفاً بالأدلة، فالمقصود أن العلم النافع هو ما جاء عن الرسول ﷺ ، وهو ما في كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ .

стр. 752

سبب فقد العلم موت العلماء [العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء].

стр. 753

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٠] لقد حذر النبي ﷺ أمته من اتخاذ القبور مساجد أشد التحذير، وبين أن سبب لعن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، حتى آل الأمر إلى عبادتهم إياهم، ولذلك خشي النبي ﷺ أن يتخذ قبره مسجداً فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)؛ فاستجاب الله دعاءه وحمى جنابه من أن يكون وسيلة إلى الشرك.

стр. 754

التغليظ من عبادة الله عند قبور الصالحين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟] هذا الباب من الأبواب التي كررها المؤلف للحاجة إليها؛ لكثرة ما يقع الناس في المخالفة في هذا، ولا يزال الناس بأمس الحاجة إلى معرفة الحق في ذلك، واتباع الرسول ﷺ ، فإن كثيراً منهم يقع في الشرك وهو يظن أنه جائز، والواقع أنهم يخطئون في فهم الخطاب الذي يتعلقون به، فمثلاً: يسمعون كلمة التوسل فيظنون أن التوسل هو طلب الشفاعة من الأموات؛ لأنهم وجدوا الناس هكذا يصنعون، فظنوا أن هذا هو التوسل، وهو الوسيلة، فإذا قال الله جل وعلا: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] قالوا: الوسيلة أن نذهب إلى الأولياء، ونطلب منهم أن يشفعوا لنا عند الله، ويقربونا إلى الله، فتكون الوسيلة التي أمر الله بها هي الشرك على حد قولهم وزعمهم. كذلك ما فهموا معنى العبادة التي أمر الله جل وعلا بها الخلق فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٣٦]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] هل معنى (نعبد ربنا) أن العبادة مجرد السجود؟ لا، العبادة كل شيء يتقرب به، ويطلب نفعه أو ضره، ويجب أن تكون لله، والأمور التي ليست من الأسباب الظاهرة التي يباشرها الإنسان لا يجوز طلبها إلا من الله جل وعلا، فمن أين للأموات أن يطلب منهم النفع أو الضر؟ هل عندهم أسباب؟ كلا، ليس عندهم شيء، والأموات في الواقع أعجز من الأحياء، إذ الأحياء يقدرون على ما لا يقدر عليه الأموات، فكيف يطلب من ميت انقطع عمله ولا يستطيع أن يزيد في صحيفة حسناته حسنة واحدة، ولا أن يمحو من سيئاته سيئة واحدة، بل ما استطاع أن يدفع الديدان عن بدنه، ثم يأتي إنسان عاقل ويلتجئ إليه ويدعوه؟!! من أين له الدعوة؟ والله خلقك وكرمك بالعقل، وسخر لك ما في الأرض، ثم تهبط بعقلك وبفعلك إلى هذا المستوى المنحط الذي يمقتك الله جل وعلا عليه، ويجعلك من أبعد الخلق عنه، ولهذا صار المشرك الذي يجعل الدعاء والعبادة لغير الله ميئوساً منه، وإذا مات على ذلك فهو في النار قطعاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وهل يجوز للمسلم أن يسمع أن الله جل وعلا لا يغفر الشرك ثم لا يتعرف على الشرك ولا يعرف ما هو؟ لا يجوز، فيجب أن يعرف الإنسان الشرك، ويعرف العبادة والتأله؛ حتى لا يقع فيما نهاه الله جل وعلا عنه؟ فالنقص كله يأتي الناس من هذه النواحي. أصل الدين الإسلامي الذي دعت إليه الرسل: لا إله إلا الله، وليس المقصود التلفظ بها، وإنما المقصود أن ينفي التأله عن غير الله، ويثبته لله وحده، وأن يجعل التأله لله وحده وينفيه عن غيره. وفي هذا الباب يقول: (ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟) أي: فكيف إذا عبد ذلك الصالح؟ يعني: فإنه يكون مشركاً إذا عبد الرجل الصالح، والمشرك مخلد في جهنم، وإنما كان هذا الوعيد لمن عبد الله عند القبر؛ لأن ذلك وسيلة إلى عبادة القبر.

стр. 755

علماء السوء ومشابهتهم النصارى في تجويز البناء على القبور قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟ أي: الرجل الصالح، فإن عبادته هي الشرك الأكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، ووسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر وهو أعظم الذنوب. قال المصنف رحمه الله تعالى: في الصحيح عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور؛ فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله)، فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل] هذا الحديث مخرج في الصحيحين، قوله: (في الصحيح) يعني: في الحديث الصحيح، وهو جاء برواية أم سلمة وأم حبيبة زوجتي رسول الله ﷺ ، وهذه القصة ذكرت له في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه، فقال هذا القول. (أنها رأت في كنيسة)، الكنيسة هي معبد النصارى، أي: المكان الذي يتعبدون فيه، فأخبرت أنها رأت فيها تصاوير، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح)، أما قوله: (الرجل الصالح أو العبد الصالح)، فهذا شك من الراوي هل قال الرسول ﷺ : العبد الصالح أو قال: الرجل الصالح؟ وكلاهما بمعنى واحد، والمعنى أنه إذا مات فيهم الصالح صوروا صورته، ووضعوها للتذكر كما هو في القصة الماضية، والهدف أن تذكر بأعماله فيجتهد كاجتهاده، هذا في الأصل، ثم بعد ذلك كانوا يتبركون به، وربما يكون لإحياء ذكراه وتعظيمه. والصور إذا صورت وعلقت للتعظيم فهذا من أكبر المحرمات، ومن أكبر وسائل الشرك التي تدعو إليه، فالمقصود أنه أخبر أنهم شرار الخلق عند الله، بسبب هذا الصنيع، وهو اتخاذ التصاوير مع العبادة عندها، ومثل ذلك كون الإنسان يقصد قبراً ويصلي عنده أو يقصد قبراً ويدعو الله عنده، فيكون داخلاً في شرار الخلق، فهذا وجه الدليل من ذلك، وهو واضح. قال الشارح ﵀: [قوله: (في الصحيح) أي: الصحيحين، قوله: (أن أم سلمة) هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها رسول الله ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل: ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، ماتت سنة اثنتين وستين. قوله: (ذكرت لرسول الله ﷺ وفي الصحيحين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ ، والكنسية بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى. قوله: (أولئك) بكسر الكاف خطاباً للمرأة. قوله: (إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح) هذا -والله أعلم- شك من بعض رواة الحديث: هل قال النبي ﷺ هذا أو هذا؟ ففيه: التحري في الرواية، وجواز الرواية بالمعنى. قوله: (وصوروا فيه تلك الصور) الإشارة إلى ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنسية. قوله: (أولئك شرار الخلق عند الله) وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، وقد لعن ﷺ من فعل ذلك كما سيأتي] وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال يقولون: يستحب البناء على القبور، وفيه أجر، ويدعون الناس إلى بذل الأموال في ذلك، وإلى فعل هذا، وهذا في الواقع مصادمة لرسول الله ﷺ ، فما حجة الفاعل الذي يفعل مثل هذا إذا وقف بين يدي الله؟ يقول: غرني فلان! قال لي: إنه يستحب فاتبعته! هذا لا يفيد؛ لأن فلاناً ليس رسولاً، كل إنسان كلف أن يتبع رسول الله ﷺ فقط، وأن يتعرف على قوله، وإذا جاءه إنسان يقول له: هذا الأمر مستحب أو فيه فضل؛ يقول: ما الدليل من قول الله أو قول رسوله؟ وربما لبس عليه إذا كان ما عنده علم؛ لأن هؤلاء عندهم شبه وزيغ، ويريدون أموراً معينة، فيضلوا الناس بها؛ ولهذا أخبر الرسول ﷺ أن أخوف ما يخاف على أمته جدال منافق عليم بالقرآن، فبين أن المنافق يكون عليم اللسان بالقرآن، ولكنه يكون ضالاً، فلا بد من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا بد من الاهتمام بذلك، يجب أن يهتم الإنسان بأمر دينه أكثر من اهتمامه بأمر دنياه في جلب الأموال وتحصيلها، فتكون همته بما يقدم في صحائفه، ويعمر به قبره أكثر مما يعمر به بيته؛ لأن البيت لبثه فيه ليس كثيراً في الواقع، وإن لبث ستين سنة أو سبعين سنة لكنه سيلبث في قعر قبره مئات السنين، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا مات صار نسياً منسياً، كلا، هو حي في الواقع، ولكن في حياة أخرى، وإلا فهو حي، إما أن يعذب وإما أن ينعم، ولا يجوز أن ينسى الإنسان مستقبله. وأهم شيء أن تكون عباداته صحيحة، وعلى وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، هذا أهم شيء، وليس المهم أن يكثر من العبادات، لا، المهم أن تكون عباداته صحيحة، وأن يؤدي الواجب مثل الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، فإذا أدى العبادة صحيحة فهو من أهل الجنة بلا شك، إذا جاء بها كما ينبغي، ولا يلزم أن يقوم الليل، وأن يصوم النهار، وأن يتصدق بأمواله، ليس هذا بلازم، وأهم شيء أن تكون عبادته كلها لله خالصة.

стр. 756

الدين الإسلامي مبني على الإخلاص والمتابعة العلماء يقولون: الدين الإسلامي مبني على شيئين: أن تكون العبادة خالصة لله، وأن تكون العبادة موافقة لما جاء به الرسول ﷺ ، ما نعبد الله إلا بما جاء به الرسول ﷺ ، أما الكثرة فهي أمر آخر، الكثرة لا شك أنه يتحصل بها العبد على الدرجات العالية، لكن إذا نجا الإنسان من العذاب وسلم فقد فاز: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] مهما كان عمله، ومهما كانت درجته، دع عنك التفاوت في الدرجات، المهم أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة، والشقاء الأبدي أن يموت الإنسان مشركاً، هذا هو الشقاء في الواقع؛ ولهذا: يجب على الإنسان أن يعتني بذلك كثيراً، فكيف مثلاً بعلماء يكتبون الكتب في التفسير، وشروح الحديث، وفي الكلام، وفي الفقه وأصوله وغيرها، ويدعون الناس إلى عمارة القبور والبناء عليها والعكوف عندها عكس ما أمر به رسول الله ﷺ ؟! كيف يكون هذا؟! من للإنسان إذا اغتر بهؤلاء؟! الإنسان ليس معذوراً، ولا ينفعه إذا قال يوم القيامة لربه: رب هؤلاء غروني وأضلوني كما أخبر الله جل وعلا أن الضعفاء يقولون للملأ من الكبراء والقادة الذين يقودونهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ هل يكفي هذا؟ ما يكفي، يقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] لهم ولكم؛ لأنكم ما كلفتم أن تتبعوهم، فالمسألة واضحة في الواقع، الرسول ﷺ ينهى عن إسراج القبور، ويلعن من أسرجها، ومن جصصها، ويأمر بتسويتها، ثم يأتي هؤلاء ويأمرون بعمارتها، والبناء عليها، والإسراج عليها، وإذا قيل لهم؛ قالوا: الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي ضعيف! هل الذي في صحيح مسلم ضعيف وقولهم صحيح؟ هكذا يقولون صراحة. فالضلال ما له حد، ويجب على الإنسان أن يكون على بصيرة من أمره، والرسول ﷺ قد أنذر وبلغ، وقامت الحجة على الناس ببلاغه، فلا حجة لإنسان على ربه بقول فلان أو فلان.

стр. 757

علة لعن النبي ﷺ النصارى في اتخاذ القبور مساجد قال الشارح ﵀: [قال: قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً؛ لعنهم النبي ﷺ . قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أعمالهم الصالحة؛ فيجتهدوا كاجتهادهم؛ ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها؛ فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك؛ سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك. قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكره المصنف ﵀ تنبيهاً على ما وقع من شدة الفتنة بالقبور والتماثيل، فإن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام أو أشد، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذه العلة -التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور- هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيلٍ يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد. فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون، سداً للذريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ : أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها] نهي الرسول ﷺ ولعنه للذين يبنون على القبور مساجد ليس لأجل نجاسة المقابر أو نجاسة القبر التي يزعمون أنها بسب الصديد؛ ولهذا لا يوجد فرق بين كون المقبرة قديمة أو حديثة، ولا يوجد فرق -على القول الصحيح عند العلماء الذين فهموا قول رسول الله ﷺ بين كونها قبوراً متعددة أو قبراً واحداً، ولا يوجد فرق من كون المسجد إذا وضع فيه قبر أن يكون في قبلة المسجد أو خلفه أو يمينه أو شماله، بل الصلاة عند القبور باطلة إذا كان المسجد بني على القبر أو وضع القبر فيه، ولكن إذا كان المسجد سابقاً وجب أن يزال القبر، فينبش ويذهب به إلى المقبرة، أما إذا بني المسجد على القبر فيجب أن يهدم المسجد؛ لأنه وضع وضعاً غير شرعي مخالف لأمر الرسول ﷺ وقوله، وكل هذا خوفاً من أن يتعلق قلب المسلم بغير الله جل وعلا، وقد علم كيف صارت المقابر معابد وأصناماً تقصد بسبب تعظيم القبور؛ ولهذا نهى صلوات الله وسلامه عليه أن ترفع القبور، وأن يزاد عليها غير ترابها، بل أمر أن تسوى بالأرض. وكذلك نهى عن تجصيصها أو إسراجها وهذا في صحيح مسلم، وفي سنن أبي داود زيادة الكتابة عليها، وكل هذا لأجل ألا تكون وسيلة إلى عبادتها وإلى دعاء من فيها، فإن هذا من أعظم ما يصد عن عبادة الله، ومن أعظم وسائل الشرك، حتى يكون ذلك شركاً صريحاً كما هو واقع من كثير من الناس. ولكن إذا لم يفهم الإنسان دعوة الرسول ﷺ ، وما جاء به، وأن الدين يجب أن يكون لله وحده، ولا يكون منه شيء لغيره، فإنه يقع في المخالفات وفي المصادمات كما ذكر، يعني: المحادة لله ولرسوله، والمحادة: هي أن يعلم أمر الرسول ﷺ ثم يخالفه، ويكون مقابلاً لأمره تماماً، يخالفه قصداً سواء طلب التأويل أو لم يطلب، كما هو فعل كثير ممن يدعون إلى الوثنية، وثنية ليست كوثنية الجاهلية بل أعظم؛ لأنهم في الواقع أشركوا في أصحاب القبور شرك العبادة وشرك الربوبية، وقد كان المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ أعقل منهم بكثير، حيث علموا يقيناً أن التصرف لله وحده، وأن هؤلاء يستشفى بهم، وجعلوهم وسائط بينهم وبين ربهم، أما هؤلاء فصاروا يزعمون أن المدفونين في هذه البقاع يتصرفون، ويجلبون النفع، ويدفعون الضر بأنفسهم، وأن البلد الفلاني تدفع عنه الآفات والكوارث لأجل قبور الصالحين، هكذا يقولون، وهذا شرك لم يقع فيه المشركون القدامى.

стр. 758

حكم البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها قال الشارح ﵀: [وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها؛ متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة] الواقع أن الخلاف موجود عندهم، ولكن خلاف المتأخرين في مثل هذه المسألة ينبغي ألا يلتفت إليه؛ لأنه مخالف لنصوص الرسول ﷺ تماماً، وهذا تمام المخالفة، وإذا خالف قول الإنسان قول الله جل وعلا أو قول رسوله ﷺ لا يجوز أن يؤخذ به، بغض النظر عن صاحب القول؛ لأنه قد يكون مثلاً جهل هذا الشيء أو التبس عليه، وقد يكون له عذر، وقد لا يكون له عذر، ولكن الإنسان إذا علم قول الله جل وعلا وقول رسوله ﷺ يجب أن يأخذ بقول الله وقول رسوله، ولا يلتفت إلى قول القائل مهما كانت إمامته وعلمه. ومن المعلوم أن أئمة الهدى من الأئمة الأربعة وغيرهم من أقرانهم وأتباعهم من علماء المسلمين لا يقصدون مخالفة الله جل وعلا، ومخالفة رسوله ﷺ ، وما حصل التعلق بالقبور والتعبد عند أصحابها وقصدها إلا في الأزمنة المتأخرة، وأما ما يذكر في كتب الفقه من مجرد الكراهة فالمقصود به التحريم، فمثلاً في المدونة أو في غيرها من الكتب التي يزعمون أنها لأصحاب المذاهب من الأئمة الكبار، يذكرون أن هذا مكروه، وأن الصلاة في المقبرة مكروهة، فيأتي من بعدهم ويقول: الكراهة هل هي كراهة تنزيه أو كراهة تحريم؟ ويختلفون في هذا، وهذا يجب ألا يلتفت إليه؛ لأن أحاديث الرسول ﷺ صريحة في ذلك، ولا نحتاج إلى قول فلان فيها، ولا قول فلان، الإنسان إذا استبان له قول الله وقول رسوله ﷺ لا يجوز له أن يأخذ بقول أحد من الناس مهما كان، وقد قال الإمام مالك ﵀: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول ذلك لأنه كان بجوار قبر الرسول ﷺ ، فإذا قال قولاً وجب اتباعه وأخذه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. يقول الإمام ابن كثير ﵀ على هذه الآية بعدما ذكر أقوال بعض الأئمة: إن الفتنة المقصود بها هنا الشرك، فإن الإنسان إذا رد قول الرسول ﷺ يزيغ قلبه؛ فيكره الحق، ويؤثر الباطل على الحق؛ فيكون بذلك عابداً لهواه أو عابداً لمتبوعه، وأما العذاب الأليم فهو العذاب العاجل في الدنيا قبل الآخرة، أما الآخرة فالأمر أشد من ذلك وأعظم. ولهذا يقول الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الحديث وصحة سنده يذهبون إلى قول سفيان. ويقصد بسفيان سفيان الثوري ﵀ الإمام المشهور، قال يذهبون إلى قول سفيان والله جل وعلا يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ثم يقول: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله يرد بعض قوله فيقع في قلبه زيغ فيهلك. وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه كان يأمر بمتعة الحج، فقيل له: إن أبا بكر وعمر ينهيان عن المتعة، فقال: أقول لكم: قال رسول الله ﷺ وتعترضون علي بقول أبي بكر وعمر؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. هذا وهو قول أبي بكر وعمر فكيف بقول إنسان متأخر قد قل نصيبه من العلم؟! وتعظيم الرسول ﷺ ليس بهوى النفوس واتباع الشهوات، وإنما تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه باتباع أمره. وكذلك محبته صلوات الله وسلامه عليه تكون باتباع أمره وطاعته، ليس بالدعوى، ولا بالبدع وإحداث أمور يكرهها صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه كان يقول في خطبه وفي كل مناسبة: (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها) دائماً يردد هذا! في صحيح مسلم أنه صلوات الله وسلامه عليه قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فإذا كان الأمر الذي هو عبادة يُتقرب به إلى الله لم يكن عليه أمر رسول الله ﷺ فهو مردود على صاحبه لا خير فيه، لا يقبل ولا يثاب عليه، وهذا في مجرد البدع، فكيف إذا كان الأمر فيه تعبد لغير الله، وفيه صرف حق الله جل وعلا لمخلوق ضعيف؟! هل من فعل هذا عرف الله؟ هل قدر الله حق قدره؟ تعالى الله وتقدس! ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح:١٣ - ١٥] ما أحقر الإنسان! ما أحقر الخلق كلهم بالنسبة لله جل وعلا! ولهذا إذا صار يوم القيامة وجمعهم جل وعلا في صعيد واحد؛ يتبين الغبن العظيم، الذي لو قدر أن إنساناً يموت بسببه لمات الخلق، ولكن لا موت، يعضون على أيديهم من الندامة، ويعودون على الذين كانوا يصرفون إليهم هذه الأمور بالبغض والكراهية، بل باللعن، ولكن إذا كانوا لم يأمروهم بهذا ولم يدعوهم إليه فهم برآء من أفعالهم، كما أخبر الله جل وعلا عن الملائكة وغيرهم من الأنبياء والصالحين عندما يقال لهم: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] تقريراً لوقوع العذاب بهؤلاء العابدين، فيوجه السؤال أولاً إلى المعبود: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] فيقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١] الجن هي التي أمرتهم، ولا يلزم أن تكون عبادة الشيطان نفسه بأن يتجسد أمامهم ويسجدون له، ولكن من يطيع أمره بالمعصية فهو عابد له. حق الله هو أن يكون التعلق والتعبد والرجاء والخوف والإنابة والتوبة وغير ذلك كله له، ليس لأحد من الخلق فيه شيء؛ لأنه خلق عباده ليعبدوه، فيجب أن يحمى هذا الجانب كما حماه رسول الله ﷺ وصانه، غير أن عدم الاهتمام بما قاله الرسول ﷺ وما جاء به هو الذي يوقع في الخلل والنقص، ثم يوقع في الشرك نسأل الله العافية، وإلا فكيف يتصور الإنسان أن أناساً يتحصلون على أعلى شهادة اليوم في العلم، ثم يصبح أحدهم يقرر الشرك الذي يقع عند القبور، بل يقولون: إنه مستحب؛ لأنه توسل، أين العلم؟ وما فائدة العلم إذا كانت هذه هي النتائج؟! ثم هذا الكلام وهذه التقريرات تقدم للمطابع فتطبعها، ثم تنشر على العالم الإسلامي، وليس كل الناس في العالم الإسلامي يميز بين الحق والباطل، كثير منهم يغتر بالاسم، إذا رأى على الكتاب: الدكتور الفلاني، أو العالم الفلاني الذي من صفته كذا وكذا؛ تمسك بهذا، وصار كأنه متيقن بأن هذا حق؛ لأنه عنده كتاب، وهذا لا يكون معذوراً؛ لأن الناس كلهم يجب عليهم أن يأخذوا بقول رسول الله ﷺ ، ولا ينفعهم قول الدكتور الفلاني أو العالم الفلاني، كما أخبرنا ربنا جل وعلا أنه إذا كان يوم القيامة يقول الأتباع لأتباعهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] ما يفيد، الله جل وعلا يعذب الجميع وتقول الملائكة: قد جاءكم الرسل فلماذا ما أجبتموهم؟ هل هؤلاء رسل لكم؟ هل جاءوكم بسلطان؟ هل جاءوكم بوحي من عند ربكم؟ ليس لأحد الحجة على الله جل وعلا. ثم إن هذا الشيء لا يجوز التفريط فيه، ويجب الاهتمام بذلك؛ لأن الأمر خطر جداً، أخطر من أن يتصوره الإنسان الذي لا يعرف الحقائق، وذلك أن الإنسان قد يكون على شيء يظن أنه حق، ثم يموت عليه وهو باطل فيهلك، فهل يمكنه أن يعود مرة أخرى ليصلح ما فسد؟ كلا، العمر واحد، فإذا لم يحسن وضعه وقصده ونيته وعبادته لربه جل وعلا في هذه الحياة فإنه إذا مات لا يفيده كونه تعلق بفلان أو فلان أو اغتر بفلان، وكل إنسان مسئول، والله جل وعلا أخبر عن الرسل أنهم يسألون: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩] الرسل يجمعون ويسألون أولاً، لماذا لم تجابوا؟ الأمر شديد جداً، الرسل ليس لهم سلطة على الخلق، الرسل جاءوا يبلغون الرسالة فقط، ولكن ليسألهم حتى يعلم الجاني خطر موقفه، وأنه يستحق أليم العذاب، وهكذا في كل مجرم، فإن الله جل وعلا أخبرنا أنه يسأل البنت المقتولة التي تدفن حية أولاً قبل الفاعل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] تسأل بأي ذنب قتلت؟ وهل تستطيع هي أن تدافع عن نفسها أو تأتي بالحجج؟ لا، فكيف بالقاتل؟ ماذا يقال فيه؟! كذلك الذين جاءتهم الرسل ما لهم حجة؛ إذ إن الرسل بينوا ووضحوا كما أمرهم الله جل وعلا، ولا نحتاج إلى بيان بعض الناس الذين فروا سواء قصدوا الفرار أو أنهم وقعوا في التكذيب الأعمى، والتعصب الشديد لفلان وفلان، فإن النفوس تحمل صاحبها على الهلاك والتعصب، حتى إنه من العجب أنه قيل لبعضهم وهو في مقام الذم لبعض أهل العلم والقدح فيهم: يا فلان! اتق الله فإننا نرجو أن الله جل وعلا يجمعك مع خصمك هذا في الجنة. فقال: الجنة التي يكون فيها فلان لا أريدها! هذا كلام فيه شدة التعصب والبغض لبعض الأمور -وهي حق-، فيؤدي هذا إلى أن يقول مثل هذا القول، ويرى أنه على علم وحده، وهو في الواقع على جهل مركب، يعني: جاهل ويجهل أنه جاهل، وهذه مصيبة! فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم الله جل وعل

стр. 759

تحذير النبي ﷺ من اتخاذ قبره مسجداً قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عنها -أي: عن عائشة - قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال -وهو كذلك-: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذرهم ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) أخرجاه]. (لما نزل برسول الله ﷺ المقصود بقوله: (نزل) يعني: نزل الموت به، والخميصة: هي الكساء الذي يلتحف به، وقد يوضع على البدن، وقد كان على وجهه، (فإذا اغتم) يعني: ضاقت نفسه لشدة الكرب الذي يكون قبل الموت، وهذا يدلنا على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان عنده نزع شديد؛ ليتضاعف أجره صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك ما نسي أمته، وقد سبق أنه قال قبل ذلك كلاماً يحذر من اتخاذ القبور مساجد، فلما أخبرته أم سلمة عن الكنيسة التي رأتها في الحبشة وما فيها من التصاوير قال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو قال: العبد الصالح- بنوا على قبره مسجداً -أي: كنيسة- وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق)، يحذر أن تقع أمته في هذا الشيء، ومعلوم أن كنائسهم بمنزلة المساجد، ولهذا جعل المؤلف هذا دليلاً على الترجمة التي ترجمها، فلا يجوز أن يتعبد لله عند القبور، وإن كانت العبادة خالصة لله، ولكن المكان ممنوع أن تقع فيه العبادة؛ خوفاً أن يكون هذا التعبد وسيلة إلى أن تصرف العبادة لغير الله. فبينما هو كذلك، وهو في هذه الحالة إذا اغتم ألقى الخميصة عن وجهه قال هذا القول: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، ولماذا في هذه الحالة وفي هذا الوقت يقول هذا القول؟ كل من عرف الحالة، وسمع القول، عرف مقصوده صلوات الله وسلامه عليه، فهو يحذر أمته مما وقعوا فيه، وهذا من كمال تبليغه وتمام نصحه صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (لولا ذلك لأبرز قبره)، هذا ليس من قوله ﷺ ، وإنما هو من قول عائشة أو قول غيرها، (لولا ذلك لأبرز قبره) يعني: وضع في البقيع مع أصحابه، ولكن خشي أن يتخذ مسجداً، وما كانوا يخشون أنهم يعبدونه، فالصحابة لا يعبدون الرسول، ولكن يخشى أن يأتي من لا يعرف هديه وأمره فيقصد قبره للتعبد عنده، فيكون بذلك مخالفاً لما قاله صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا دليل على أنه ما ذكر لهم مكان قبره، وإنما دفنوه في بيته صلوات الله وسلامه عليه باجتهادهم، مع أنه جاء عن أبي بكر ﵁ عن الرسول ﷺ أنه قال: (إن الأنبياء يدفنون في المكان الذي ماتوا فيه) فدفنوه في المكان الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، وهو في حجرة عائشة في بيتها؛ لأنه أول ما حصل له المرض صار كل يوم عند زوجة من زوجاته، يقسم بينهن وهو مريض، فلما شق عليه ذلك جمعهن واستأذنهن أن يكون مرضه في بيت عائشة فأذنَّ له، ولو لم يأذنَّ له ما فعل ذلك، فصار في آخر الأمر في بيت عائشة، والبيت عبارة عن غرفة واحدة فقط، كل واحدة من زوجاته التسع لها غرفة، وكان يقسم لهن إلا سودة لأنها وهبت يومها لـ عائشة؛ تلتمس رضا رسول الله ﷺ ؛ لأنها تعرف أنه يحبها، فوهبت لها يومها، فصار يمكث عند عائشة يومين، فالمقصود أن كل واحدة منهن لها غرفة واحدة، والغرفة قد لا تتسع إلا للسرير وللأغراض التي لا بد منها، كالإناء الذي يتوضأ به وما أشبه ذلك، ولهذا لم تتسع هذه الغرفة إلا للقبور الثلاثة فقط، وكل واحد صارت رجلاه عند رأس الآخر حتى تكون واسعة لهم.

стр. 760

الكلام على حديث (ما بين بيتي ومنبري) وتصرف الرواة فيه جاء حديث في صحيح البخاري: (ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة) والظاهر أنه مغير من الراوي، الراوي نفسه غير لفظه، بدليل أنه جاء في الرواية الأخرى: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) فغير بعض الرواة بدل البيت (القبر)، ولو كان هذا ثابتاً ما اختلف الصحابة في مكان دفنه، وهذا نص صريح، وجاء عن عدد من الصحابة رووه، فدل هذا على أن اللفظ قد غير، وأن الصواب: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة) كما هو في بعض الروايات التي في الصحيح أيضاً. قوله: (ولكن خشي) جاءت هذه الكلمة مضمومة الخاء ومفتوحة الخاء، (خَشي، وخُشي)، فإذا كانت بالضم فمعنى ذلك أن الصحابة هم الذين خشوا ذلك، أما إذا كان بالفتح فيكون صلوات الله وسلامه عليه هو الذي خشي ذلك، وهذا بعيد؛ لأنه لو وقع ذلك لما صار عندهم خلاف أين يدفنوه، فإنهم اختلفوا في دفنه حتى روى لهم أبو بكر ﵁ الحديث. والإبراز هي العادة التي جرت بينهم، فما اعتادوا أن أحداً يدفن في بيته، ولكن الرسول ﷺ خشي أن يقع ما وقع، وهذا في الواقع وقع لغيره ممن لا يدانيه، بل لا يداني لباسه الذي يكون عليه، بل لا يداني نعاله صلوات الله وسلامه عليه، فلا أحد يقاس على رسول الله ﷺ مهما كان. فلا شك أن الفتنة تكون في هذا أقرب وأكثر؛ لهذا يوجد الآن كثير من الناس الذين لا يعرفون التوحيد كما ينبغي؛ لو مكن من حمل ترابه وأكله والسجود عليه لفعل، كثير من الناس لو يتمكن من أكل التراب الذي على قبره لأكله، ولو يتمكن أن يسجد عليه لسجد، ويرى أن هذا هو غاية المنى؛ لجهلهم بدين الرسول ﷺ ، وما يحبه وما يكرهه، فهذا مكروه، بل هو من أبغض ما يكون عند رسول الله ﷺ .

стр. 761

حماية الله لنبيه ﷺ من أن يعبد قبره حمى الله جل وعلا نبيه ﷺ وصانه من أن يعبد، وقد كان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك) ولهذا كره الأئمة التردد إليه للزيارة، والإمام مالك ﵀ كره أن يقول الإنسان: زرت قبر الرسول ﷺ ، يقول: ما ينبغي هذا، وليس قبر الرسول ﷺ كقبر غيره، فصانه الله جل وعلا وحماه أن يسري إليه الناس، فبالغ السلف في حمايته حتى بنوا عليه حيطاناً، وأغلقوها من جميع الجهات، من السقف ومن الجوانب كلها مغلقة، ولا أحد يصل إليه، ثم بني جدران عن يمين القبر وشماله، جدران ينحرفان حتى ينتهيان بزاوية من جهة الشمال؛ لئلا يستقبل في الصلاة، ولكن غير هذا، ثم غير بالشبك الذي وضع عليه، فصار الناس يستقبلونه، والإنسان له نيته وقصده، فإذا كان في استقباله يقصد القبر فله هذه النية، والإنسان يحاسب على نيته، فإنما الأعمال بالنيات. قال الشارح ﵀: [قوله: ولهما عنها -أي: عائشة ﵂ قالت: (لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال -وهو كذلك-: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) أخرجاه]. الصواب أن يُقال: (خُشي)، هذا هو الراجح، وإن كان بعض العلماء ضبطوه (خَشي)، فإذا كان (خَشي) فهو الذي أمر بذلك، ولكن هذا بعيد؛ لأنهم لو كانوا يعلمون أمره لما حصل خلاف بينهم في موضع دفنه. والله يلعن من يشاء، كما أنه يرحم من يشاء، والملعون من حقت عليه اللعنة، واللعن معناه: الطرد والإبعاد عن الرحمة ومظانها، فإذا صار الإنسان ملعوناً فمعنى ذلك أنه مطرود مبعد عن الخير كله، وعن رحمة الله، وإذا طرد عن رحمة الله فمعنى ذلك أنه من أشر الخلق نسأل الله العافية. والرسول ﷺ يلعن من يلعنه الله، فالذي استحق اللعن يُلعن، ولكن قد يلعن قوماً؛ لأنهم يستحقون ذلك، ثم تتغير أحوالهم ويتفضل الله جل وعلا عليهم بالتوبة، كما سبق في قصة أحد أنه لعن عدداً من رؤساء الكفار، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، فمثل هذا في بيان الأحكام يدل على أن فعل هذا من الكبائر، ما يلعن إلا من خالف أمر الله أو أمر الرسول؛ لأن هذا في بيان الأحكام، وليس لعن شخص معين فعل فعلاً معيناً، فلعن هذا أمره أعظم؛ فكل من فعل هذا فهو داخل في اللعنة، فإذا فعل شيئاً من ذلك فهو داخل في لعنة رسول الله ﷺ ، وسواء قلنا: إن اللعن خبر يخبر به عن الله أنه لعنه، فخبره صدق وحق، أو قلنا: إنه دعا عليه بأن الله يلعنه، والأول هو الصواب؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يبين ما أنزل إليه.

стр. 762

التحذير من اتخاذ القبور مساجد ومعناه قال الشارح ﵀: [قوله: (ولهما) أي: البخاري ومسلم وهو يغنى عن قوله -في آخره- (أخرجاه). قوله: (لما نزل) هو بضم النون وكسر الزاي، أي: نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈. قوله: (طفق) بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن، ومعناه: جعل. قوله: (خميصة) بفتح المعجمة والصاد المهملة: كساء له أعلام. قوله: (فإذا اغتم بها كشفها) أي: عن وجهه. قوله: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يبين أن من فعل مثل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى] ليس معنى الأعلام التي في الخميصة الصور، وإنما معناها: النقوش والزين المخيط عليها بالتطريز، فهذا هو المعنى المقصود، وليست الصور. قال الشارح ﵀: [قوله: (يحذر ما صنعوا) الظاهر: أن هذا من كلام عائشة ﵂؛ لأنها فهمت من قول النبي ﷺ ذلك تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، ومن أعظم الوسائل إلى الشرك. ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه -تحذيراً لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته- قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله. قال القرطبي في معنى هذا الحديث: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام. انتهى إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى عن نبيه يوسف بن يعقوب حيث قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٣٨] نكرة في سياق النفي تعم كل شرك. قوله: (ولولا ذلك) أي: ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي ﷺ مسجداً لأبرز قبره، وجعل مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع. قوله: (غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) روى بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك ﷺ ، وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، فلم يبرزوا قبره؛ خشية أن يقع ذلك من بعض الأمة غلواً وتعظيماً بما أبدى وأعاد من النهي والتحذير منه ولعن فاعله. قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ ، فأغلقوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة؛ فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال؛ حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. انتهى].

стр. 763

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦١] أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلاً، وجاء عن نبينا ﷺ أنه خليل الرحمن، فالخلة الإلهية خاصة بإبراهيم وبخاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليهما، وفيه دليل على أن الله يحب من يشاء من عباده حباً يليق به سبحانه، وحبه تعالى ليس لأنه محتاج إلى أحد من عباده، بل هو كرم منه ، وقد تبرأ النبي ﷺ من خلة أحد من البشر حتى لا يشارك أحدٌ ربه في خلته ﷺ .

стр. 764

ثبوت خلة النبي ﷺ لربه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)]. قوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) البراءة: هي الابتعاد عن الشيء والتخلص منه نهائياً، بحيث لا يقرب. والخلة: هي أعلى مراتب الحب، ليس بعدها شيء من مراتب الحب، سميت خلة؛ لأنها تتخلل جميع القلب، فلا يبقى في القلب موضع لغير الخليل، كما قال بعض الناس في امرأة يحبها: تخلل حبها الفؤاد مني ولذا سمي الخليل خليلا يعني: أنه ليس في فؤاده موضع خال عن حبها.

стр. 765

الخلة أعلى مراتب الحب والله جل وعلا أخبرنا أنه اتخذ إبراهيم ﷺ خليلاً، فالخلة الإلهية خاصة بإبراهيم وبخاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليهما، وفيه دليل على أن الله يحب من يشاء من عباده، حباً يليق به، وحبه جل وعلا ليس لأنه -تعالى وتقدس- بحاجة إلى شيء، بل هو كرم منه. والدليل على أن الخلة أعلى من الحب: أن الله جل وعلا ذكر أنه ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وذكر أصناف كثير من المؤمنين وأنه يحبهم، ولم يذكر أنه اتخذ أحداً خليلاً إلا إبراهيم، ورسولنا ﷺ بين لنا أن الله اتخذه خليلاً، فصار هذا دليل على أن الخلة: أعلى مراتب الحب.

стр. 766

علو منزلة أبي بكر ﵁ قول بعض الناس -الذين لا علم لهم-: إن الله اتخذ محمداً حبيباً! خطأ؛ لأن الخلة أعظم من المحبة، وقوله: (ولو اتخذت أحداً منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر) يدلنا على أن أبا بكر ﵁ هو أفضل الصحابة، وأقربهم إلى الله وسيلة وفضلاً؛ لأن الرسول ﷺ يحب ما يحبه الله جل وعلا. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بأنه يحب أبا بكر ففي صحيح مسلم: (أن الرسول ﷺ بعث عمرو بن العاص في سرية، ثم تخلف عمرو ليصلي مع الرسول ﷺ الوقت الذي يليه هذا الوقت، فلما رآه قال: ألم أرسلك؟ قال: بلى، ولكن ذهب أصحابي وأردت أن أصلي معك ثم ألحق بهم، فأخبره ﷺ أنه لا يدرك أجر اللحاق بهم بهذه الصلاة؛ لأن الذهاب في سبيل الله فضله عظيم، والشاهد: أن عمرو بن العاص سأل النبي ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ والرسول ﷺ لا يخشى أحداً، ولا يداري أحداً، ولا يجامل صلوات الله وسلامه عليه أحداً، فقال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، ثم قال له: ثم من؟ قال: ثم عمر، فسكت) فهذا نص عن النبي ﷺ أنه يحب عائشة، وأن عائشة أحب الناس إليه من النساء، وأن أباها أحب الناس إليه من الرجال، ثم يلي ذلك عمر ﵁، وهذا لا ينافي قوله: (لو اتخذت أحداً منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر) بل يدل هذا على معنى، وهذا على معنى، فدل على أن الخلة أعلى من المحبة، وهذا واضح. واستدل بهذا بعض العلماء على خلافة أبي بكر؛ لأنه ما دام هو أفضل الصحابة، وأحب الصحابة إلى النبي ﷺ فهو الأولى بالخلافة، وهناك أدلة أوضح من هذا وأجلى، وهي ثابتة في الصحيح. منها: أمره ﷺ له بأن يصلي بالناس، والصلاة هي أعظم ما يجتمع عليه المسلمون من أمورهم، ولهذا فهم ذلك الصحابة وقالوا: رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟! ومنها: (أنه جاءته امرأة تطلب حاجة، فقال: ائتيني يوم كذا وكذا، أو بعد وقت كذا وكذا، فقالت: أرأيت إن لم أجدك؟ -يقول الراوي: تقصد الموت- قال: ائتي أبا بكر). ومنها: ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: (رأيتني على قليب أنزع، فنزعت ما شاء الله أن أنزع -يعني: بالدلو لاستخراج الماء- فجاء أبو بكر ليريحني فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم جاء عمر فتحولت الدلو غربا -الغرب: معروف أنه الجلد الكبير الذي لا يخرجه إلا البعير أو ما أشبهه من البئر- فما رأيت عبقرياً ينزع نزعه، حتى شرب الناس وارتووا وضربوا بعطن) فهذا أيضاً واضح بأن المقصود به الخلافة. ومنها: ما ثبت في الصحيح أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فذكر رؤيا رآها، فقال: إني رأيت سبباً أدلي من السماء فتعلقت به أنت فذهبت، ثم تعلق به أبو بكر، فصعد، ثم تعلق عمر فصعد، ثم تعلق عثمان فصعد، ثم تعلق علي فنشب فأصابه كذا وكذا -يعني: أشياء - عند ذلك تغير وجه رسول الله ﷺ ﴾ وأحاديث كثيرة كلها تدل على المعنى الذي أردناه.

стр. 767

خلاف العلماء في خلافة أبي بكر هل هي نص أم إشارة اختلف العلماء: هل خلافة أبي بكر نص أو أنها إشارات وإيماء؟ فمنهم من قال: إنها منصوص عليها من رسول الله ﷺ ، ومنهم من قال: هي إشارات، وهذا هو الواقع، والإشارات هذه قريبة من التصريح، وأما ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال في مرض موته: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً أن لا تضلوا بعدي، فاختلفوا فمنهم من يقول: نأتي بالكتاب، ومنهم من يقول: هل قال هذا من شدة المرض أو أنه يقصد ذلك، فلما اختلفوا قال: قوموا عني فما أنا فيه خير مما أنتم فيه) فلم يكتب، وقال ابن عباس: (الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين الكتابة)، وقالوا: إن هذه الكتابة هي كتابة بالخلافة، والواقع أن الرسول ﷺ لو أراد أن يكتب شيئاً لم يمنعه أحد من الكتابة، ولأمر أن يكتب، ولهذا جاء في رواية: (أنه ﷺ قال لـ عائشة: ادعي لي أخاك وأباك لأكتب لهما لئلا يقول قائلٌ، ثم بعد ذلك قال: ولكن يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر فترك الكتابة) فرأى أن تركهم بدون كتابة واجتماعهم عليه بالاتفاق أحسن وأولى، كما قال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) قوله ﷺ : (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) المقصود بالقبور هنا: عموم القبور؛ لأن نهي النبي إذا كان موجهاً إلى قبور الأنبياء فقبور غير الأنبياء أولى بأن يوجه النهي إليها، وأن يمنع من اتخاذها مساجد، ثم ليس معنى ذلك: أن تبنى عليها المساجد وتقصد، بل المقصود أن لا يصلى عندها؛ لأن كل مكان صليت فيه فهو مسجد، كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأي إنسان أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) وهذا من خصائص هذه الأمة، فأي موضع يصلي فيه الإنسان يكون مسجداً، فمعنى ذلك: أنه لا يجوز أن يصلى عند القبور؛ لأنه منهي عنه، ولهذا نص العلماء: على أن الصلاة لا تصح في المقبرة، أو عند القبر، مطلقاً، بل قالوا: لا تنعقد أصلاً لنهي النبي ﷺ عن إيقاعها في لك الموضع. وأما ما جاء من أنه ﷺ صلى على بعض القبور فإن هذا خاص بالصلاة على الجنازة، وقالوا: إذا كان في المقبرة حائل فيجوز أن تصلي على الميت خاصة، أما غير صلاة الجنازة فلا يجوز مطلقاً؛ لهذه الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ ، ولا سيما وهي أحاديث قالها وهو في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه، ولا يمكن أن يقول قائل: إن هذه منسوخة، أو إنها خاصة، بل هي عامة وظاهرة في أنه قصد بها المنع من الصلاة عند المقابر. ولـ مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)

стр. 768

قوله ﷺ : (فإن الله قد اتخذني خليلاً) قال الشارح ﵀: [قوله: (عن جندب بن عبد الله) أي: ابن سفيان البجلي وينسب إلى جده، صحابي مشهور، مات بعد الستين. قوله: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل) أي: أمتنع عما لا يجوز لي أن أفعله، والخلة فوق المحبة، والخليل هو المحبوب غاية الحب، مشتق من الخَلة ـ بفتح الخاء ـ وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا هذا هو الصحيح في معناها كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وغيرهم رحمهم الله تعالى. قال القرطبي: وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه ﷺ قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته فلا يسع خلة غيره. قوله: (فإن الله قد اتخذني خليلاً) فيه بيان أن الخلة فوق المحبة. قال ابن القيم ﵀: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمداً حبيب الله؛ فمن جهلهم، فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة. وقد أخبر النبي ﷺ أن الله قد اتخذه خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لـ عائشة ولأبيها ولـ عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وغيرهم ﵃، وأيضاً جاء أنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الصابرين، أما خلته فخاصة بالخليلين. قوله: (ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) فيه بيان أن الصديق أفضل الصحابة، وفيه: الرد على الرافضة وعلى الجهمية، وهما شر أهل البدع، وأخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد، قاله المصنف ﵀، وهو كما قال بلا ريب. وفيه: إشارة إلى خلافة أبي بكر؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد، كان أولى به من غيره، وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب ﷺ لما قيل: يصلي بهم عمر، وذلك في مرضه الذي توفى فيه ﷺ . واسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ ، وأفضل الصحابة بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم. مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة ﵁].

стр. 769

معنى قوله: (كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد) قوله: (ألا) حرف استفتاح، (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد) الحديث قال الخطابي: وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً. الثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إليها حالة الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، والأول: هو الشرك الجلي، والثاني: الخفي؛ فلذلك استحقوا اللعن] وقد عرفنا أن رسول الله ﷺ حرص على سلامة عقيدة أمته من أن يدخلها شيء يكون حارفاً لها أو صارفاً لها عن أن تكون العبادة كلها لله جل وعلا، لأن هذه هي المهمة التي أرسل بها صلوات الله وسلامه عليه؛ ليُعبد الله وحده ويكون الدين كله لله، ولا يكون الدين موزعاً بين الله وبين خلقه، وإنما يخلص من الشوائب كلها، ويكون لله وحده، وليس فيه شيء للأنبياء، ولا للملائكة، ولا للجن، ولا لمخلوق من المخلوقات؛ لأن هذا حق خالص لله جل وعلا، الذي لا يقبل من العبد عملاً إلا إذا كان خالصاً له، فحرص صلوات الله وسلامه عليه على التنبيه على ذلك حتى في آخر لحظاته من الدنيا، وكان يكرر هذا ويبينه، ويلعن اليهود والنصارى؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ ليبين أن من فعل ذلك من أمته فهو ملعون مثلهم، أو أشد؛ لأن من خالف أفضل الرسل، وخير الأديان يكون عذابه أفظع وأعظم، وهذا مقرر في كتاب الله، وفي قصص الأنبياء، وكذلك في أحاديث رسوله ﷺ ، ولهذا قال في هذا الحديث: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).

стр. 770

أقسام المحبة وقبل هذا بيّن صلوات الله وسلامه عليه أن ربه اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، والخلة: هي نهاية المحبة التي ليس بعدها محبة؛ لأن المحبة درجات الواحدة فوق الأخرى، فأولها العلاقة، ثم الصبابة، ثم ترتقي شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الخلة، غير أنه ينبغي أن يعلم أن المحبة تنقسم إلى قسمين: محبة عامة مشتركة بين الخلق، مثل: محبة الألفة، ومحبة الحنو والشفقة، ومحبة التوقير والتقدير، فالأولى: مثل محبة الزملاء الذين يكون بعضهم مع بعض، أو المتصاحبين، فهذه المحبة تحصل حتى بين الحيوانات؛ لأنها أمر طبيعي. والثاني: مثل محبة الولد الصغير والضعيف، فهي محبة شفقة وحنو ورحمة. والثالث: مثل محبة الوالد وهي محبة التقدير والتوقير، وكذلك محبة الطبيعة، مثل: محبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وما أشبه ذلك، فهذه وما أشبهها مشتركة بين الناس وليس فيها شيء من العبادة، ولا ضير على من وقعت منه. القسم الثاني: محبة خاصة وهي المحبة التي تتضمن الذل والخضوع والتعظيم، وهذه لا يجوز أن تكون إلا لله جل وعلا؛ لأنها عبادة.

стр. 771

محبة الله لعباده فضل منه على عباده محبة الرب جل وعلا لعبده شيء لا نعقل كيفيته، ولكن نعرف أنها على خلاف ما للمخلوق؛ لأن الله جل وعلا هو الغني بذاته عن كل ما سواه، ولا يحتاج لأحد من الخلق، وكل الخلق لو كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما ضر ذلك الله جل وعلا، ولا نقص من ملكه شيء، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، فهو جل وعلا الكامل بذاته وصفاته، المستغني بذلك عن كل ما سواه، فإذا حب عبده فليس حبه لأجل الحاجة تعالى وتقدس، بخلاف العبد، فإن عبادته لربه ضرورية لا يستغني عنها أبداً، وإن انفك عنها فإن ذلك علامة على عذابه وشقائه الأبدي الذي لا يفارقه أبداً. فاتخاذ الرب جل وعلا عبديه ورسوليه إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم خليلين هذا إكرام لهما، وإعلاء لشأنهما، وليس لأن الله جل وعلا بحاجة إليهما، بل هو الغني بذاته عن كل ما سواه، فهو مجرد كرم وجود، وفضل تفضل به عليهما. وكذلك محبته لعباده المؤمنين، ومحبته للتائبين، ومحبته للمجاهدين في سبيله، ومحبته للمتطهرين، ومحبته للصادقين والصابرين، كل ذلك مجرد كرم وفضل وجود وإحسان، وإلا فهو جل وعلا لا تزيده طاعة الطائعين. وكثرتهم شيئاً، ولا تنقصه معصية العاصيين وكثرتهم شيئاً، كما في الحديث القدسي حديث أبي ذر ﵁ الذي في صحيح مسلم وفيه أنه جل وعلا يقول: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم؛ فلا تظالموا -إلى أن قال: - ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانو على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) في آن واحد! في مقام واحد! لو أعطاهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم، إنسهم وجنهم، حسب طلباتهم وما تنتهي إليه أمنياتهم، ما نقص ذلك مما عنده شيء تعالى وتقدس. والمقصود أن هذه الخلة التي اتخذها الله ليست إلا لإبراهيم ومحمد فقط صلوات الله وسلامه عليهما، فلم يتخذ من الناس خليلاً غيرهما. وليس معنى ذلك أن خلة الله على وفق ما يتصوره الإنسان مما يجده من نفسه، أو يعلمه من غيره من الخلق، فصفات الله لا تشبه صفات الخلق، كما أنه جل وعلا لا يشبه خلقه، بل يجب أن يعلم أن الله غني كريم جواد، وأنه ليس بحاجة لأحد، فهو غني عن خلقه، وكونه اتخذهما خليلين هو مجرد إكرام لهما، وإحسان إليهما، وكذلك كونه يحب العبد التائب، ليس ذلك لأنه يحتاج إلى توبته، وإنما هو مجرد فضل وجود، مع أنه جل وعلا شديد العقاب، ولهذا يقول جل وعلا لرسوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فليس هناك أحد أشد عذاباً من الله، فإذا عذب عبده فلا يبالي به، فقد يرميه في جهنم ولا يبالي، ولهذا كان أحد السلف يكثر من الاجتهاد في العبادة ويبكي، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن يرميني في جهنم ولا يبالي. فالرب جل وعلا غني عن جميع الخلق، فإذا أحب التائب فلكرمه وجوده، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً لفرح الله عند توبة عبده -وهذا لا يستطيع أهل البدع سماعه فضلاً عن أن يقولوا به؛ لأنهم يحسبون أن هذا تشبيه؛ فهم لم يعرفوا من صفات الله جل وعلا إلا ما عرفوا من أنفسهم، حيث شبهوا أولاً، فكان التشبيه مستقراً في نفوسهم، ثم حملهم هذا التشبيه على نفي صفات الله جل وعلا- فقال صلوات الله وسلامه عليه: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده التائب، من أحدكم يضل راحلته في الأرض المهلكة، عليها متاعه فيطلبها فلا يجدها، فييأس من وجودها، فيأوي إلى شجرة ويجلس تحت ظلها ينتظر الموت قد أيس من الحياة، فيضع رأسه لانتظار الموت، فبينما هو كذلك إذ راحلته واقفة على رأسه، فيأخذ بخطامها ويقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (الله أشد فرحاً لتوبة عبده التائب من هذا)، هل لأنه يحتاج إلى طاعة العبد أو إلى توبته؟! كلا؛ ولكن لكرمه وجوده، ولهذا لا يدخل أحداً النار إلا إذا أعذر منه، فهو يدعو خلقه -بفضله وجوده وإكرامه- ولكنهم يأبون، كما قال الرسول ﷺ : (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى -فهناك من يدعى إلى الجنة، ويقال له: تعال ادخل الجنة، ويقول لا! لا أريدها! - قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وكثير من الخلق يستبعد يوم القيامة؛ لأنهم لم يشاهدوا ما أخبرهم الله جل وعلا به، بل كثير منهم لا يؤمن بالله؛ لأنه لا يؤمن إلا بالمحسوسات المشاهدات، وقد وجد نفسه بين أمور اعتيادية، ليل يأتي ونهار يعقبه، وهو يأكل ويشرب إلخ، فتصور أن هذه الأمور تتوقف عند هذا الحد، وأنه ليس بعد ذلك شيء.

стр. 772

فوائد إخباره ﷺ بخلة الله له والخلة التي أخبر بها النبي ﷺ فيها فوائد: الفائدة الأولى: جواز إخبار الإنسان عما لديه من الفضل والرفعة إذا كان ذلك لا يعلم إلا من جهته، وكان فيه مصلحة، مع أننا لا نقيس غير الرسول ﷺ بالرسول ﷺ ، ولكن هذا يفهم من ذلك؛ لأنه قال ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). الثانية: براءته صلوات الله وسلامه عليه أن يكون أحد من الخلق خليلاً له، فإنه قال: (إني أبرأ إلى الله أن يكون أحد منكم خليلاً لي، فإن الله اتخذني خليلاً) والبراءة معناها: الخلاص من الشيء نهائياً؛ لئلا يكون داخلاً فيه أو عنده منه شيء، فهو يتخلص من ذلك ويبتعد عنه، هذا معنى البراءة. الأمر الثالث: فضل أبي بكر الصديق، وأنه أفضل الصحابة على الإطلاق، حيث قال: (ولو كنت متخذاً -من الناس خليلاً - منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ولكن الذي منع هذا هو كون الرب جل وعلا اتخذه خليل. الأمر الرابع: وفيه الإشارة إلى خلافة أبي بكر الصديق وهذا أمر واضح؛ لأن الفضل فيه ظاهر، ومن كان أفضل. وإلى رسول الله ﷺ أقرب، فهو الذي ينبغي أن يكون خليفة له، والخلافة ليست هي الملك، الخلافة خلافة النبوة، فالخليفة هو الذي يخلف من خلفه لتنفيذ أوامره، وإبلاغ ما كان يبلغه فقط؛ ولهذا خرج أبو بكر من الدنيا أفقر مما دخل في الخلافة بكثير، فما كان عنده شيء لما مات، كان عنده إداوة وقدح فبعث بهما إلى عمر، فلما رآهما عمر بكى وقال: لقد كلفني الأمور الصعبة؛ ولهذا كان عمر ﵁ يخطب الناس وفي درعه ما يقرب من ثلاثين رقعة، ولا يستعمل الأموال تأتيه، بل كان يقدم لنفسه ولأهله الطعام الناشف من شعير وما أشبه ذلك، ويجعل الأطعمة الطيبة للمسلمين. خرج يوماً من الأيام يعس في الليل حول المدينة بنفسه، فوجد خباءً فيه صبيان يتضاغون، وعندهم رجل يسكتهم ويقول: إن أمير المؤمنين مسئول عنكم؛ لأنه ليس لكم عشاء، فجاء إليه وقال: ما شأنك؟ قال: جئت من البر فلم أجد من يأويني ولا من يعشيني فقال: من المسئول عنك؟ قال: عمر، قال: وما يدري عمر؟ قال: عجيب! يتولى أمر المسلمين ولا يدري عني؟! فذهب عمر وحمل على ظهره دقيقاً وما يحتاج إليه، فجاء به إلى الرجل، وذهب يبحث عن الحطب، فأوقد القدر، فصار يطبخ وينفخ في النار، ويطير الرماد من جوانب لحيته والرجل لا يعرفه، حتى أنضج الطعام وقدمه للصبية وأكلوا وناموا، ثم بعد ذلك أعطاه ما يحتاج إليه وذهب، ثم عُلم به وقيل له: كيف تصنع هذا ولم تأمر غيرك؟! قال: غيري لا يتحمل وزري وذنبي، ولو عثرت بغلة في العراق في الطريق لخفت أن الله يسألني عن ذلك، لماذا لم تسوِّ لها الطريق؟! إلى هذا الحد كانوا يفعلون؛ لأنهم خلفاء الرسول ﷺ ، ليسوا ملوكاً. فإذا كان أبو بكر أفضلهم فهو أولاهم بالخلافة، مع أن هناك أدلة واضحة جلية تدل على خلافته، ولهذا كثير من العلماء يقول: إن خلافته منصوص عليها نصاً، وقد جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (ادعي لي أخاك وأباك لأكتب لهما كتاباً؛ لئلا يقول قائل أو يجترئ مجترئ، ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) فترك الكتابة، وهذا صريح وواضح، فقد قاله في مرض موته ﷺ . وكذلك قوله ﷺ للمرأة التي جاءت تطلب منه حاجة: (ائتيني يوم كذا قالت: أرأيت إن لم أجدك؟ قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواضحة. وفيه أيضاً: أن الخلة غير المحبة؛ لأنه ﷺ يحب عائشة، ويحب أباها، ويحب معاذ، ويحب عمر، ويحب أناساً كثيرين من صحابته، ولكن بعضهم أحب من بعض، ففي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁: أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر فسكت) ولو زاد لزاد، وفي سنن الترمذي أنه ﷺ قال لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وأخبر ﷺ أنه يحب الحسن والحسين وأنهما ريحانته من الدنيا، وأخبر أن علي بن أبي طالب يحبه الله ورسوله، والأحاديث في هذا كثيرة، أما الخلة فقد تبرأ أن يكون أحد منهم خليلاً له، فدل على بطلان من يقول: إن المحبة أكمل من الخلة كما ذكر المؤلف. والحديث يدل -أيضاً- على أمور منها:

стр. 773

نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد الأمر الأول: أن الرسول ﷺ قد اهتم اهتماماً بالغاً في تصفية الدين، وتخليصه من شوائب الشرك، والتعلقات بغير الله، فنهى أن تتخذ المساجد على القبور. الأمر الثاني: أن اتخاذ المساجد على القبور من دواعي الشرك ووسائله، وأن فاعله عاص لله ولرسوله ﷺ ، وليس معنى اتخاذ القبور مساجد أن تبنى عليها المساجد وتشيد وفقط، وإنما كل ما صلى فيه الإنسان سمي مسجداً، كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيّ رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) فالأرض كلها مسجد، والمسجد اسم لما يسجد فيه، ولهذا كل أماكن الصلاة التي صلى فيها رسول الله ﷺ سميت مساجد، وقد كان عبد الله بن عمر يتتبعها ويصلي فيها، ومن فعل ابن عمر هذا عرفت الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ ، مع أنه لم يوافقه على هذا أحد من الصحابة بل خالفوه، وممن خالفه أبوه، بل كلهم، ولا يعلم في الصحابة أحد سلك هذا المسلك إلا عبد الله بن عمر مع أنه ليس قصده ما يقصده الذين يتعلقون بالبقع والأماكن للتبرك فيها، ليس هذا مقصده، إنما مقصده التشبه برسول الله ﷺ ، ولهذا كان يفعل الأفعال التي يفعلها، حتى إنه لما انصرف من عرفات، ووصل إلى الشجرة التي بال عندها رسول الله ﷺ نزل فبال في ذلك المكان، وتوضأ وصب فضل وضوئه في قلب الشجرة؛ لأن الرسول ﷺ فعل ذلك، ومثل هذا ليس تعبداً، ولكن مبالغة من عبد الله بن عمر في التشبه برسول الله ﷺ . أما الذين يعتنون بالآثار؛ لأجل البركة؛ ولأجل التعلق بها، فإنهم لا يفعلون ما يفعله عبد الله بن عمر بل إن قلوبهم متعلقة بغير الله، متعلقة بهذه البقع وهذه الأماكن، ويطلبون منها البركة والخير، والبركة والخير لن يكونا إلا باتباع رسول الله ﷺ ، ولا يكون إلا بطاعته وعبادة الله وحده، وأن يكون الدين كله لله، ليس فيه شيء لغيره جل وعلا. الأمر الثالث: أن اتخاذ المساجد على القبور ملعون فاعله، واللعن: هو الطرد عن الرحمة ومظانها، فمن لعنه الله ورسوله فهو المبعد عن كل خير، والرسول ﷺ يلعن من يستحق اللعنة، وإذا لعن شيئاً فأقل ما يقال: إن هذا يدل على أن هذا من كبائر الذنوب. الأمر الرابع: أن ما فعلته اليهود والنصارى وذموا عليه -وجاء ذكر ذلك في كتاب الله وسنة رسوله- فإن ذلك من باب التحذير أن نقع فيما وقعوا فيه، وأن القصص التي قصت علينا في القرآن من قصص الأنبياء وغيرهم أننا معنيون، وأن الذي وقع لهم من العذاب -إذا فعلنا فعلهم- سيقع لنا، فهذا هو المقصود بذكر حال من كان قبلنا، وأما ما ذكره الخطابي ﵀، أن هذا يقع منهم على وجهين: أحدهما: أنهم يسجدون لقبور أنبيائهم، ويكون هذا هو الشرك الجلي. والثاني: أنهم يتخذونها معابد، وأن هذا هو الشرك الخفي، فليس هذا هو المقصود في الحديث، والمقصود أهم من هذا وأعم، وهو النهي عن أن يكون عندها تعبد مطلقاً، لا بسجود ولا بجعلها أماكن عبادة، فلا يفعل عندها ما يفعل عند المساجد من ذكر الله وتلاوة القرآن، والصلاة، وإظهارالشعائر الدينية، والتعبد لله عامة، هذا هو المقصود، وأن من فعل شيئاً من ذلك فقد حاد الله ورسوله، وصار مخالفاً مخالفة صريحة، ولا يجوز أن نقصره على السجود أو الركوع، بل هو عام مطلق. [قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) أي: كما في حديث جندب، وهذا من كلام شيخ الإسلام وكذا ما بعده. قوله: (ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله) كما في حديث عائشة. قلت: فكيف يسوغ بعد هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تعظم القبور ويبنى عليها، ويصلى عندها وإليها؟! هذا أعظم مشاقة ومحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ لو كانوا يعقلون. قوله: (الصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد) أي: من اتخاذها مساجد ملعون فاعله، وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها.

стр. 774

الأرض مسجد وطهور إلا ما استثني قال الشارح: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم]. كون الأرض كلها مسجداً هذا أمر متفق عليه، وليس معنى ذلك أنها مباني تبنى، بل كلها يصح الصلاة فيها، وكل ما صحت الصلاة فيه فهو مسجد، وهذا من خصائص هذه الأمة التي أعطاها الله جل وعلا لنبيه إكراماً وتفضيلاً له على غيره، وإلا فكانت الأمم قبلنا لا يصلون إلا في أماكن معينة، في البيع والكنائس، يصلون فيها فقط، ولا يصلون في جميع الأرض، كما كانوا لا يصلون إلا بالطهارة ولا تكون إلا باستخدام الماء فقط، وتفضل الله جل وعلا على هذه الأمة وخصها بخصائص، كما قال ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: أحلت لي الغنائم، ونصرت بالرعب مسيرة شهر) وليس هذا خاص به صلوات الله وسلامه عليه، بل المقصود هو وأمته. قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأي رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) في أي مكان كان. وقوله: (أعطيت الشفاعة) والمقصود بالشفاعة: ما سبق ذكره من أنه صلوات الله وسلامه عليه يشفع للناس كلهم في الموقف؛ ليفصل الله بينهم ويحاسبهم، وهذه له فقط وخاص به. وقوله: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) فهذه خمس خصائص، وله غيرها من الخصائص صلوات الله وسلامه عليه، ولكن هذه ظاهرة جلية، كان يذكرها وينشرها في الأمة. وقد تكاثرت الأحاديث في النهي عن الصلاة في المقابر وسواء كانت القبور كثيرة أو قليلة فالحكم واحد وهو عدم جواز الصلاة عندها، واستثني من البقاع التي يجوز فيها الصلاة الحمام، وهو: محل التحمم، وقيل له: حمام؛ لأن الغالب أن يكون الماء فيه حاراً، وإنما نهي عن الصلاة فيه؛ لأنه محل لكشف العورات، ولقضاء الحاجات وما أشبه ذلك. وكذلك المجزرة التي تذبح فيها البهائم، فتوجد فيها الدماء والقاذورات وغيرها، وكذلك قارعة الطريق: كالشوارع التي يسير عليها الناس والسيارات، لا يجوز أن يصلى فيها، فهذه الأماكن خصت من بين سائر الأرض، وهناك أمر خامس استثناه الفقهاء -مع أن وقوعه أندر من النادر- وهو الصلاة على ظهر بيت الله، فلا تصح صلاة الفريضة على ظهر الكعبة؛ لأن المصلي لا بد أن يستقبل شيئاً من البيت، والذي يكون على ظهر الكعبة لا يستقبل شيئاً منها، وهذا يدلنا على استقصاء العلماء، وأنهم لم يتركوا شيئاً من الأمور التي يمكن أن يحتاج إليها الإنسان إلا وبينوا حكمه. فهذه هي الأماكن التي لا تصح الصلاة فيها، وهي المستثناة من الأرض، أما ما عدا ذلك فالصلاة فيها جائزة ولا يتعين أن يكون هناك فراش، ولا يتعين أن يكون هناك بناء ولا غير ذلك، فإذا أدركت الإنسان صلاته صلى، سواء على أرض مصمتة أو مبلطة أو أرض فيها نبات، أو ليس فيها نبات، أو على جبل، أو في وادي، أو سبخة، أو رمل، أو غير ذلك، ما لم يكن هناك نجاسات، فإذا رأى النجاسة المعينة فإنه لا يجوز أن يصلي عليه، أما إذا لم يشاهد النجاسة وكان يظن وجودها فهذا لا يضر، فالأرض كلها طهور، والصلاة جائزة بنص الحديث. أما الأرض المغصوبة فلا تصح الصلاة فيها؛ لأنها مغصوبة، لا لأنها أرض، بل لأنها ملك للغير، وملك الغير لا يجوز التصرف فيه، فالنهي عن الصلاة فيها من هذه الناحية.

стр. 775

علة النهي عن الصلاة في المقابر قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن رسول الله ﷺ مقاصده؛ جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتين: صيغة (لا تفعلوا) وصيغة (إني أنهاكم عن ذلك) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة لمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم من لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكاباً لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم لها أشد تعظيماً وأشد فيهم غلواً كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ولعمر الله! من هذا الباب دخل الشيطان على عباد يغوث ويعوق ونسراً، ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، فهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وأنزلهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وممن علل بخوف الفتنة بالشرك: الإمام الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم ﵏ وهو الحق الذي لا ريب فيه] يقصد: أن بعض الفقهاء المتأخرين علل المنع من الصلاة في المقابر بأنها نجسة؛ لأن فيها صديد الموتى وما أشبه ذلك، وهذا تعليل عليل بل هو ميت؛ لأن الرسول ﷺ قصد بذلك سد الذرائع؛ حتى لا تكون العبادة لغير الله تعالى، ولكن الذين لم يفهموا هذا، وكان عندهم من الأمور العالقة من حب التعلق بغير الله، وصرف شيء من العبادة لهم، قالوا هذا التعليل؛ حتى يصح لهم ما أرادوه من جواز التعبد عند المقابر، ولكن إذا سلم بالتعليل فكيف يسلم بالنصوص. ومن المعلوم أن الألفاظ وضعت للمعاني التي وضعت لها، وأن الإنسان يجب عليه أن يتعرف على مراد الله ورسوله، فإذا تبين مراهما فلا يجوز أن يعدل عنه بقول أحد من الناس، ولكن: ليس كل من قال قولاً من العلماء يؤاخذ به دون النظر إلى قصده؛ لأنه قد يخفى عليه المراد، فيقول قولاً -وعنده من النية الحسنة ما يثاب عليها- ويكون في قوله ذلك مخطئاً، ولا يجوز أن يتابع على هذا، ولذلك فإن الذي يعلم مراد الرسول ﷺ يتعين عليه أن يحذر من ذلك وينهى؛ لأن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ، ولعامة المسلمين، ولأئمتهم أمر واجب، وقد جعل الرسول ﷺ النصيحة ديناً، فقال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة الدين النصيحة، فقيل لمن يا رسول الله؟ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وأئمتهم هم قادتهم، والنصيحة: مأخوذة من النصح وهو: الصفاء، أن تبذل لمن تنصح صافي قولك، وصافي ودك، وصافي محبتك، وهذه من صفات المؤمنين، فالمؤمن يود لأخيه ما يود لنفسه، فمن اطلع على شيء من أمور الشرع يتعين عليه إفشاء ذلك، وإظهاره والدعوة إليه، ومن أعظم الأمور التي ينبغي أن يتناصح الناس فيها: العبادات، والتعلق بغير الله جل وعلا: إما أن يكون مفسداً للعبادة نهائياً، أو يكون منقصاً لها ومذهب لكمالها، أما إذا كان مفسداً لها فمعنى ذلك أنه شرك، وأما إذا ذهب بكمالها ونقصها فهو من البدع فقط. والبدعة مردودة على صاحبها، ولكن لا يكون المبتدع كالمشرك، وإذا مات على بدعته فإنه يخاف عليه، ولكن لا يكون خارجاً من الإسلام إذا كانت البدعة ليست مخرجة من الدين، بل له حكم المسلمين، بخلاف المشرك الذي مات وهو يعبد مع الله غيره، ويجعل لغير الله شيئاً من العبادة التي أمر الله جل وعلا بإخلاصها له، فإن هذا غير مغفور له، نسأل الله العافية. فتعليلهم: بأنها مظنة للنجاسة غير صحيح، والمسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً، كما قال الرسول ﷺ : (إن المسلم لا ينجس)، وأما كونه يغسل إذا مات فليس للنجاسة، وإنما ليستقبل داراً جديدة بطهارة كاملة، وإن كان غير مكلف ولكن الشرع يجب أن يتبع. قوله: (فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً)، أي: لما علموا من تشديده في ذلك، وتغليظه النهي عنه، ولعن من فعله. قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً)، أي: وإن لم يبن عليه مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، يعني: وإن لم يقصد بذلك اتخاذ ذلك المكان مسجداً، فإذا أوقع الصلاة عنده -من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه- صار بفعل الصلاة فيه مسجداً. قال الشارح ﵀: [قوله: كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) أي: فسمى الأرض مسجداً، تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثني من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها كالمقبرة ونحوها. قال البغوي في شرح السنة: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفاً عليهم وتيسيراً، ثم خص من جميع المواضع: الحمام والمقبرة والمكان النجس. انتهى].
следующие страницы →