← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

محبة الله لعباده فضل منه على عباده محبة الرب جل وعلا لعبده شيء لا نعقل كيفيته، ولكن نعرف أنها على خلاف ما للمخلوق؛ لأن الله جل وعلا هو الغني بذاته عن كل ما سواه، ولا يحتاج لأحد من الخلق، وكل الخلق لو كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما ضر ذلك الله جل وعلا، ولا نقص من ملكه شيء، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، فهو جل وعلا الكامل بذاته وصفاته، المستغني بذلك عن كل ما سواه، فإذا حب عبده فليس حبه لأجل الحاجة تعالى وتقدس، بخلاف العبد، فإن عبادته لربه ضرورية لا يستغني عنها أبداً، وإن انفك عنها فإن ذلك علامة على عذابه وشقائه الأبدي الذي لا يفارقه أبداً. فاتخاذ الرب جل وعلا عبديه ورسوليه إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم خليلين هذا إكرام لهما، وإعلاء لشأنهما، وليس لأن الله جل وعلا بحاجة إليهما، بل هو الغني بذاته عن كل ما سواه، فهو مجرد كرم وجود، وفضل تفضل به عليهما. وكذلك محبته لعباده المؤمنين، ومحبته للتائبين، ومحبته للمجاهدين في سبيله، ومحبته للمتطهرين، ومحبته للصادقين والصابرين، كل ذلك مجرد كرم وفضل وجود وإحسان، وإلا فهو جل وعلا لا تزيده طاعة الطائعين. وكثرتهم شيئاً، ولا تنقصه معصية العاصيين وكثرتهم شيئاً، كما في الحديث القدسي حديث أبي ذر ﵁ الذي في صحيح مسلم وفيه أنه جل وعلا يقول: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم؛ فلا تظالموا -إلى أن قال: - ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانو على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) في آن واحد! في مقام واحد! لو أعطاهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم، إنسهم وجنهم، حسب طلباتهم وما تنتهي إليه أمنياتهم، ما نقص ذلك مما عنده شيء تعالى وتقدس. والمقصود أن هذه الخلة التي اتخذها الله ليست إلا لإبراهيم ومحمد فقط صلوات الله وسلامه عليهما، فلم يتخذ من الناس خليلاً غيرهما. وليس معنى ذلك أن خلة الله على وفق ما يتصوره الإنسان مما يجده من نفسه، أو يعلمه من غيره من الخلق، فصفات الله لا تشبه صفات الخلق، كما أنه جل وعلا لا يشبه خلقه، بل يجب أن يعلم أن الله غني كريم جواد، وأنه ليس بحاجة لأحد، فهو غني عن خلقه، وكونه اتخذهما خليلين هو مجرد إكرام لهما، وإحسان إليهما، وكذلك كونه يحب العبد التائب، ليس ذلك لأنه يحتاج إلى توبته، وإنما هو مجرد فضل وجود، مع أنه جل وعلا شديد العقاب، ولهذا يقول جل وعلا لرسوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فليس هناك أحد أشد عذاباً من الله، فإذا عذب عبده فلا يبالي به، فقد يرميه في جهنم ولا يبالي، ولهذا كان أحد السلف يكثر من الاجتهاد في العبادة ويبكي، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن يرميني في جهنم ولا يبالي. فالرب جل وعلا غني عن جميع الخلق، فإذا أحب التائب فلكرمه وجوده، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً لفرح الله عند توبة عبده -وهذا لا يستطيع أهل البدع سماعه فضلاً عن أن يقولوا به؛ لأنهم يحسبون أن هذا تشبيه؛ فهم لم يعرفوا من صفات الله جل وعلا إلا ما عرفوا من أنفسهم، حيث شبهوا أولاً، فكان التشبيه مستقراً في نفوسهم، ثم حملهم هذا التشبيه على نفي صفات الله جل وعلا- فقال صلوات الله وسلامه عليه: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده التائب، من أحدكم يضل راحلته في الأرض المهلكة، عليها متاعه فيطلبها فلا يجدها، فييأس من وجودها، فيأوي إلى شجرة ويجلس تحت ظلها ينتظر الموت قد أيس من الحياة، فيضع رأسه لانتظار الموت، فبينما هو كذلك إذ راحلته واقفة على رأسه، فيأخذ بخطامها ويقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (الله أشد فرحاً لتوبة عبده التائب من هذا)، هل لأنه يحتاج إلى طاعة العبد أو إلى توبته؟! كلا؛ ولكن لكرمه وجوده، ولهذا لا يدخل أحداً النار إلا إذا أعذر منه، فهو يدعو خلقه -بفضله وجوده وإكرامه- ولكنهم يأبون، كما قال الرسول ﷺ : (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى -فهناك من يدعى إلى الجنة، ويقال له: تعال ادخل الجنة، ويقول لا! لا أريدها! - قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). وكثير من الخلق يستبعد يوم القيامة؛ لأنهم لم يشاهدوا ما أخبرهم الله جل وعلا به، بل كثير منهم لا يؤمن بالله؛ لأنه لا يؤمن إلا بالمحسوسات المشاهدات، وقد وجد نفسه بين أمور اعتيادية، ليل يأتي ونهار يعقبه، وهو يأكل ويشرب إلخ، فتصور أن هذه الأمور تتوقف عند هذا الحد، وأنه ليس بعد ذلك شيء.

стр. 772

فوائد إخباره ﷺ بخلة الله له والخلة التي أخبر بها النبي ﷺ فيها فوائد: الفائدة الأولى: جواز إخبار الإنسان عما لديه من الفضل والرفعة إذا كان ذلك لا يعلم إلا من جهته، وكان فيه مصلحة، مع أننا لا نقيس غير الرسول ﷺ بالرسول ﷺ ، ولكن هذا يفهم من ذلك؛ لأنه قال ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً). الثانية: براءته صلوات الله وسلامه عليه أن يكون أحد من الخلق خليلاً له، فإنه قال: (إني أبرأ إلى الله أن يكون أحد منكم خليلاً لي، فإن الله اتخذني خليلاً) والبراءة معناها: الخلاص من الشيء نهائياً؛ لئلا يكون داخلاً فيه أو عنده منه شيء، فهو يتخلص من ذلك ويبتعد عنه، هذا معنى البراءة. الأمر الثالث: فضل أبي بكر الصديق، وأنه أفضل الصحابة على الإطلاق، حيث قال: (ولو كنت متخذاً -من الناس خليلاً - منكم خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) ولكن الذي منع هذا هو كون الرب جل وعلا اتخذه خليل. الأمر الرابع: وفيه الإشارة إلى خلافة أبي بكر الصديق وهذا أمر واضح؛ لأن الفضل فيه ظاهر، ومن كان أفضل. وإلى رسول الله ﷺ أقرب، فهو الذي ينبغي أن يكون خليفة له، والخلافة ليست هي الملك، الخلافة خلافة النبوة، فالخليفة هو الذي يخلف من خلفه لتنفيذ أوامره، وإبلاغ ما كان يبلغه فقط؛ ولهذا خرج أبو بكر من الدنيا أفقر مما دخل في الخلافة بكثير، فما كان عنده شيء لما مات، كان عنده إداوة وقدح فبعث بهما إلى عمر، فلما رآهما عمر بكى وقال: لقد كلفني الأمور الصعبة؛ ولهذا كان عمر ﵁ يخطب الناس وفي درعه ما يقرب من ثلاثين رقعة، ولا يستعمل الأموال تأتيه، بل كان يقدم لنفسه ولأهله الطعام الناشف من شعير وما أشبه ذلك، ويجعل الأطعمة الطيبة للمسلمين. خرج يوماً من الأيام يعس في الليل حول المدينة بنفسه، فوجد خباءً فيه صبيان يتضاغون، وعندهم رجل يسكتهم ويقول: إن أمير المؤمنين مسئول عنكم؛ لأنه ليس لكم عشاء، فجاء إليه وقال: ما شأنك؟ قال: جئت من البر فلم أجد من يأويني ولا من يعشيني فقال: من المسئول عنك؟ قال: عمر، قال: وما يدري عمر؟ قال: عجيب! يتولى أمر المسلمين ولا يدري عني؟! فذهب عمر وحمل على ظهره دقيقاً وما يحتاج إليه، فجاء به إلى الرجل، وذهب يبحث عن الحطب، فأوقد القدر، فصار يطبخ وينفخ في النار، ويطير الرماد من جوانب لحيته والرجل لا يعرفه، حتى أنضج الطعام وقدمه للصبية وأكلوا وناموا، ثم بعد ذلك أعطاه ما يحتاج إليه وذهب، ثم عُلم به وقيل له: كيف تصنع هذا ولم تأمر غيرك؟! قال: غيري لا يتحمل وزري وذنبي، ولو عثرت بغلة في العراق في الطريق لخفت أن الله يسألني عن ذلك، لماذا لم تسوِّ لها الطريق؟! إلى هذا الحد كانوا يفعلون؛ لأنهم خلفاء الرسول ﷺ ، ليسوا ملوكاً. فإذا كان أبو بكر أفضلهم فهو أولاهم بالخلافة، مع أن هناك أدلة واضحة جلية تدل على خلافته، ولهذا كثير من العلماء يقول: إن خلافته منصوص عليها نصاً، وقد جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (ادعي لي أخاك وأباك لأكتب لهما كتاباً؛ لئلا يقول قائل أو يجترئ مجترئ، ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) فترك الكتابة، وهذا صريح وواضح، فقد قاله في مرض موته ﷺ . وكذلك قوله ﷺ للمرأة التي جاءت تطلب منه حاجة: (ائتيني يوم كذا قالت: أرأيت إن لم أجدك؟ قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الواضحة. وفيه أيضاً: أن الخلة غير المحبة؛ لأنه ﷺ يحب عائشة، ويحب أباها، ويحب معاذ، ويحب عمر، ويحب أناساً كثيرين من صحابته، ولكن بعضهم أحب من بعض، ففي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁: أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر فسكت) ولو زاد لزاد، وفي سنن الترمذي أنه ﷺ قال لـ معاذ: (يا معاذ! إني أحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وأخبر ﷺ أنه يحب الحسن والحسين وأنهما ريحانته من الدنيا، وأخبر أن علي بن أبي طالب يحبه الله ورسوله، والأحاديث في هذا كثيرة، أما الخلة فقد تبرأ أن يكون أحد منهم خليلاً له، فدل على بطلان من يقول: إن المحبة أكمل من الخلة كما ذكر المؤلف. والحديث يدل -أيضاً- على أمور منها:

стр. 773

نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد الأمر الأول: أن الرسول ﷺ قد اهتم اهتماماً بالغاً في تصفية الدين، وتخليصه من شوائب الشرك، والتعلقات بغير الله، فنهى أن تتخذ المساجد على القبور. الأمر الثاني: أن اتخاذ المساجد على القبور من دواعي الشرك ووسائله، وأن فاعله عاص لله ولرسوله ﷺ ، وليس معنى اتخاذ القبور مساجد أن تبنى عليها المساجد وتشيد وفقط، وإنما كل ما صلى فيه الإنسان سمي مسجداً، كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيّ رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) فالأرض كلها مسجد، والمسجد اسم لما يسجد فيه، ولهذا كل أماكن الصلاة التي صلى فيها رسول الله ﷺ سميت مساجد، وقد كان عبد الله بن عمر يتتبعها ويصلي فيها، ومن فعل ابن عمر هذا عرفت الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ ، مع أنه لم يوافقه على هذا أحد من الصحابة بل خالفوه، وممن خالفه أبوه، بل كلهم، ولا يعلم في الصحابة أحد سلك هذا المسلك إلا عبد الله بن عمر مع أنه ليس قصده ما يقصده الذين يتعلقون بالبقع والأماكن للتبرك فيها، ليس هذا مقصده، إنما مقصده التشبه برسول الله ﷺ ، ولهذا كان يفعل الأفعال التي يفعلها، حتى إنه لما انصرف من عرفات، ووصل إلى الشجرة التي بال عندها رسول الله ﷺ نزل فبال في ذلك المكان، وتوضأ وصب فضل وضوئه في قلب الشجرة؛ لأن الرسول ﷺ فعل ذلك، ومثل هذا ليس تعبداً، ولكن مبالغة من عبد الله بن عمر في التشبه برسول الله ﷺ . أما الذين يعتنون بالآثار؛ لأجل البركة؛ ولأجل التعلق بها، فإنهم لا يفعلون ما يفعله عبد الله بن عمر بل إن قلوبهم متعلقة بغير الله، متعلقة بهذه البقع وهذه الأماكن، ويطلبون منها البركة والخير، والبركة والخير لن يكونا إلا باتباع رسول الله ﷺ ، ولا يكون إلا بطاعته وعبادة الله وحده، وأن يكون الدين كله لله، ليس فيه شيء لغيره جل وعلا. الأمر الثالث: أن اتخاذ المساجد على القبور ملعون فاعله، واللعن: هو الطرد عن الرحمة ومظانها، فمن لعنه الله ورسوله فهو المبعد عن كل خير، والرسول ﷺ يلعن من يستحق اللعنة، وإذا لعن شيئاً فأقل ما يقال: إن هذا يدل على أن هذا من كبائر الذنوب. الأمر الرابع: أن ما فعلته اليهود والنصارى وذموا عليه -وجاء ذكر ذلك في كتاب الله وسنة رسوله- فإن ذلك من باب التحذير أن نقع فيما وقعوا فيه، وأن القصص التي قصت علينا في القرآن من قصص الأنبياء وغيرهم أننا معنيون، وأن الذي وقع لهم من العذاب -إذا فعلنا فعلهم- سيقع لنا، فهذا هو المقصود بذكر حال من كان قبلنا، وأما ما ذكره الخطابي ﵀، أن هذا يقع منهم على وجهين: أحدهما: أنهم يسجدون لقبور أنبيائهم، ويكون هذا هو الشرك الجلي. والثاني: أنهم يتخذونها معابد، وأن هذا هو الشرك الخفي، فليس هذا هو المقصود في الحديث، والمقصود أهم من هذا وأعم، وهو النهي عن أن يكون عندها تعبد مطلقاً، لا بسجود ولا بجعلها أماكن عبادة، فلا يفعل عندها ما يفعل عند المساجد من ذكر الله وتلاوة القرآن، والصلاة، وإظهارالشعائر الدينية، والتعبد لله عامة، هذا هو المقصود، وأن من فعل شيئاً من ذلك فقد حاد الله ورسوله، وصار مخالفاً مخالفة صريحة، ولا يجوز أن نقصره على السجود أو الركوع، بل هو عام مطلق. [قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) أي: كما في حديث جندب، وهذا من كلام شيخ الإسلام وكذا ما بعده. قوله: (ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله) كما في حديث عائشة. قلت: فكيف يسوغ بعد هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تعظم القبور ويبنى عليها، ويصلى عندها وإليها؟! هذا أعظم مشاقة ومحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ لو كانوا يعقلون. قوله: (الصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد) أي: من اتخاذها مساجد ملعون فاعله، وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها.

стр. 774

الأرض مسجد وطهور إلا ما استثني قال الشارح: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم]. كون الأرض كلها مسجداً هذا أمر متفق عليه، وليس معنى ذلك أنها مباني تبنى، بل كلها يصح الصلاة فيها، وكل ما صحت الصلاة فيه فهو مسجد، وهذا من خصائص هذه الأمة التي أعطاها الله جل وعلا لنبيه إكراماً وتفضيلاً له على غيره، وإلا فكانت الأمم قبلنا لا يصلون إلا في أماكن معينة، في البيع والكنائس، يصلون فيها فقط، ولا يصلون في جميع الأرض، كما كانوا لا يصلون إلا بالطهارة ولا تكون إلا باستخدام الماء فقط، وتفضل الله جل وعلا على هذه الأمة وخصها بخصائص، كما قال ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: أحلت لي الغنائم، ونصرت بالرعب مسيرة شهر) وليس هذا خاص به صلوات الله وسلامه عليه، بل المقصود هو وأمته. قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأي رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) في أي مكان كان. وقوله: (أعطيت الشفاعة) والمقصود بالشفاعة: ما سبق ذكره من أنه صلوات الله وسلامه عليه يشفع للناس كلهم في الموقف؛ ليفصل الله بينهم ويحاسبهم، وهذه له فقط وخاص به. وقوله: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) فهذه خمس خصائص، وله غيرها من الخصائص صلوات الله وسلامه عليه، ولكن هذه ظاهرة جلية، كان يذكرها وينشرها في الأمة. وقد تكاثرت الأحاديث في النهي عن الصلاة في المقابر وسواء كانت القبور كثيرة أو قليلة فالحكم واحد وهو عدم جواز الصلاة عندها، واستثني من البقاع التي يجوز فيها الصلاة الحمام، وهو: محل التحمم، وقيل له: حمام؛ لأن الغالب أن يكون الماء فيه حاراً، وإنما نهي عن الصلاة فيه؛ لأنه محل لكشف العورات، ولقضاء الحاجات وما أشبه ذلك. وكذلك المجزرة التي تذبح فيها البهائم، فتوجد فيها الدماء والقاذورات وغيرها، وكذلك قارعة الطريق: كالشوارع التي يسير عليها الناس والسيارات، لا يجوز أن يصلى فيها، فهذه الأماكن خصت من بين سائر الأرض، وهناك أمر خامس استثناه الفقهاء -مع أن وقوعه أندر من النادر- وهو الصلاة على ظهر بيت الله، فلا تصح صلاة الفريضة على ظهر الكعبة؛ لأن المصلي لا بد أن يستقبل شيئاً من البيت، والذي يكون على ظهر الكعبة لا يستقبل شيئاً منها، وهذا يدلنا على استقصاء العلماء، وأنهم لم يتركوا شيئاً من الأمور التي يمكن أن يحتاج إليها الإنسان إلا وبينوا حكمه. فهذه هي الأماكن التي لا تصح الصلاة فيها، وهي المستثناة من الأرض، أما ما عدا ذلك فالصلاة فيها جائزة ولا يتعين أن يكون هناك فراش، ولا يتعين أن يكون هناك بناء ولا غير ذلك، فإذا أدركت الإنسان صلاته صلى، سواء على أرض مصمتة أو مبلطة أو أرض فيها نبات، أو ليس فيها نبات، أو على جبل، أو في وادي، أو سبخة، أو رمل، أو غير ذلك، ما لم يكن هناك نجاسات، فإذا رأى النجاسة المعينة فإنه لا يجوز أن يصلي عليه، أما إذا لم يشاهد النجاسة وكان يظن وجودها فهذا لا يضر، فالأرض كلها طهور، والصلاة جائزة بنص الحديث. أما الأرض المغصوبة فلا تصح الصلاة فيها؛ لأنها مغصوبة، لا لأنها أرض، بل لأنها ملك للغير، وملك الغير لا يجوز التصرف فيه، فالنهي عن الصلاة فيها من هذه الناحية.

стр. 775

علة النهي عن الصلاة في المقابر قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن رسول الله ﷺ مقاصده؛ جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتين: صيغة (لا تفعلوا) وصيغة (إني أنهاكم عن ذلك) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة لمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم من لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكاباً لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم لها أشد تعظيماً وأشد فيهم غلواً كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ولعمر الله! من هذا الباب دخل الشيطان على عباد يغوث ويعوق ونسراً، ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، فهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وأنزلهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وممن علل بخوف الفتنة بالشرك: الإمام الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم ﵏ وهو الحق الذي لا ريب فيه] يقصد: أن بعض الفقهاء المتأخرين علل المنع من الصلاة في المقابر بأنها نجسة؛ لأن فيها صديد الموتى وما أشبه ذلك، وهذا تعليل عليل بل هو ميت؛ لأن الرسول ﷺ قصد بذلك سد الذرائع؛ حتى لا تكون العبادة لغير الله تعالى، ولكن الذين لم يفهموا هذا، وكان عندهم من الأمور العالقة من حب التعلق بغير الله، وصرف شيء من العبادة لهم، قالوا هذا التعليل؛ حتى يصح لهم ما أرادوه من جواز التعبد عند المقابر، ولكن إذا سلم بالتعليل فكيف يسلم بالنصوص. ومن المعلوم أن الألفاظ وضعت للمعاني التي وضعت لها، وأن الإنسان يجب عليه أن يتعرف على مراد الله ورسوله، فإذا تبين مراهما فلا يجوز أن يعدل عنه بقول أحد من الناس، ولكن: ليس كل من قال قولاً من العلماء يؤاخذ به دون النظر إلى قصده؛ لأنه قد يخفى عليه المراد، فيقول قولاً -وعنده من النية الحسنة ما يثاب عليها- ويكون في قوله ذلك مخطئاً، ولا يجوز أن يتابع على هذا، ولذلك فإن الذي يعلم مراد الرسول ﷺ يتعين عليه أن يحذر من ذلك وينهى؛ لأن النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ، ولعامة المسلمين، ولأئمتهم أمر واجب، وقد جعل الرسول ﷺ النصيحة ديناً، فقال: (الدين النصيحة، الدين النصيحة الدين النصيحة، فقيل لمن يا رسول الله؟ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وأئمتهم هم قادتهم، والنصيحة: مأخوذة من النصح وهو: الصفاء، أن تبذل لمن تنصح صافي قولك، وصافي ودك، وصافي محبتك، وهذه من صفات المؤمنين، فالمؤمن يود لأخيه ما يود لنفسه، فمن اطلع على شيء من أمور الشرع يتعين عليه إفشاء ذلك، وإظهاره والدعوة إليه، ومن أعظم الأمور التي ينبغي أن يتناصح الناس فيها: العبادات، والتعلق بغير الله جل وعلا: إما أن يكون مفسداً للعبادة نهائياً، أو يكون منقصاً لها ومذهب لكمالها، أما إذا كان مفسداً لها فمعنى ذلك أنه شرك، وأما إذا ذهب بكمالها ونقصها فهو من البدع فقط. والبدعة مردودة على صاحبها، ولكن لا يكون المبتدع كالمشرك، وإذا مات على بدعته فإنه يخاف عليه، ولكن لا يكون خارجاً من الإسلام إذا كانت البدعة ليست مخرجة من الدين، بل له حكم المسلمين، بخلاف المشرك الذي مات وهو يعبد مع الله غيره، ويجعل لغير الله شيئاً من العبادة التي أمر الله جل وعلا بإخلاصها له، فإن هذا غير مغفور له، نسأل الله العافية. فتعليلهم: بأنها مظنة للنجاسة غير صحيح، والمسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً، كما قال الرسول ﷺ : (إن المسلم لا ينجس)، وأما كونه يغسل إذا مات فليس للنجاسة، وإنما ليستقبل داراً جديدة بطهارة كاملة، وإن كان غير مكلف ولكن الشرع يجب أن يتبع. قوله: (فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً)، أي: لما علموا من تشديده في ذلك، وتغليظه النهي عنه، ولعن من فعله. قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً)، أي: وإن لم يبن عليه مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، يعني: وإن لم يقصد بذلك اتخاذ ذلك المكان مسجداً، فإذا أوقع الصلاة عنده -من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه- صار بفعل الصلاة فيه مسجداً. قال الشارح ﵀: [قوله: كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) أي: فسمى الأرض مسجداً، تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثني من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها كالمقبرة ونحوها. قال البغوي في شرح السنة: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفاً عليهم وتيسيراً، ثم خص من جميع المواضع: الحمام والمقبرة والمكان النجس. انتهى].

стр. 776

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٢] النهي عن الصلاة عند القبور لم يكن لأجل النجاسة، وإنما لأنها وسيلة إلى الشرك، يدل على ذلك: النهي عن الصلاة عند قبور الأنبياء، على الرغم من أن أجساد الأنبياء طاهرة ولا تتغير. وليس لأحد أراد أن يجيز الصلاة عند القبور أن يحتج بوجود قبره ﷺ في المسجد النبوي؛ لأنه ﵇ قد حذر من هذا، ثم إنه لم يدفن في المسجد، وإنما دفن خارجه في حجرة عائشة.

стр. 777

من شرار الناس من يتخذون القبور مساجد قال المصنف ﵀: [قوله: ولـ أحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) ورواه ابن حبان في صحيحه]. قال الشارح: [قوله: (إن من شرار الناس) بكسر الشين، جمع شرير. قوله: (من تدركهم الساعة وهم أحياء) أي: مقدمتها كخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وبعد ذلك ينفخ في الصور نفخة الفزع. قوله: (والذين يتخذون القبور مساجد) معطوف على خبر (إن) في محل نصب على نية تكرار العامل، أي: وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، أي: بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي ﷺ لعنهم على ذلك، تحذيراً للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى، فما رفع أكثرهم بذلك رأساً، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة إلى الله، وهو مما يبعدهم عن الله ويطردهم عن رحمته ومغفرته. والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكراً والمنكر معروفاً والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير. ]

стр. 778

أقوال أهل العلم في النهي عن بناء المساجد على القبور قال الشارح: [قال شيخ الإسلام ﵀: أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه، قال: ولا ريب في القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك إلى أن قال: وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين أو الملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدم أو غيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين. وقال ابن القيم ﵀: يجب هدم القباب التي بنيت على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ، وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية منهم ابن الجميزي والظهير التزمنتي وغيرهما. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة. وقال الأذرعي: وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية وإنفاق الأموال الكثيرة فلا ريب في تحريمه. وقال القرطبي في حديث جابر ﵁: (نهى أن يجصص القبر أو يينى عليه)، وبظاهر هذا الحديث قال مالك: وكره البناء والجص على القبور. وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. وقال ابن رشد: كره مالك البناء على القبر وجعل البلاطة المكتوبة، وهو من بدع أهل الطول أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، وهو مما لا اختلاف فيه. وقال الزيلعي في شرح الكنز: ويكره أن يبني على القبر. وذكر قاضي خان: أنه لا يجصص القبر ولا يبني عليه لما روى عن النبي ﷺ (أنه نهى عن التجصيص والبناء فوق القبر) والمراد بالكراهة عند الحنفية ﵏ كراهة التحريم. وقد ذكر ذلك ابن نجيم في شرح الكنز. وقال الشافعي ﵀: أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. وكلام الشافعي ﵀ يبين أن مراده بالكراهة كراهة التحريم]. وهذا كثير في كلام العلماء ومنهم المتأخرين حتى قال ابن حجر الهيتمي -وليس ابن حجر العسقلاني - صاحب الزواجر، وهو متأخر وهو ممن صادم دعوة الشيخ محمد وقام ضدها، وكان يكفر ابن تيمية! وله كتب في هذا، ومع ذلك يقول: يجب إزالة القباب وينبغي أن يُبدأ بقبة الشافعي. هكذا لماذا يقول هذا؟ لأنه شافعي ﵀؛ ولأن هذا مجمع على أنه ضلال. قال الشارح رحمه الله تعالى: [وجزم النووي ﵀ في شرح المهذب بتحريم البناء مطلقاً، وذكر في شرح مسلم نحوه أيضا. وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة إمام الحنابلة صاحب المصنفات الكبار كالمغني والكافي وغيرهما رحمه الله تعالى: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى) الحديث وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات واتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها. انتهى].

стр. 779

النهي عن الصلاة عند القبور سداً لوسائل الشرك لا لأجل النجاسة قال الشارح: [قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما المقبرة فلا فرق فيها بين الجديدة والعتقية انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق بين أن يكون بينه وبين الأرض حائل أو لا؛ لعموم الاسم وعموم العلة؛ ولأن النبي ﷺ لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنجس. وبالجملة فمن علل النهي عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التربة خاصة؛ فهو بعيد عن مقصود النبي ﷺ ، ثم لا يخلو أن يكون القبر قد بنى عليه مسجد، فلا يصلى في هذا المسجد، سواء صلى خلف القبر أو أمامه بغير خلاف في المذهب؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وخص قبور الأنبياء؛ لأن عكوف الناس على قبورهم أعظم، واتخاذها مساجد أشد. وكذلك إن لم يكن بني عليه مسجد؛ فهذا قد ارتكب حقيقة المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، فإن كل مكان صلي فيه يسمى مسجداً، كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وإن كان موضع قبر أو قبرين]. الأئمة يقولون بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وأن الصواب في منع ذلك ما دلت عليه النصوص، وهو خشية أن تكون العبادة لغير الله جل وعلا؛ لأنه من المعلوم أن الافتتان بالقبر يشتد سيما إذا كان قبر نبي، أو قبر ولي، وهذا هو الواقع. وأما التعليل بأن النهي عن اتخاذ القبور مساجد؛ لأن ذلك الموضع مظنة للنجاسة فإن هذا تعليل غير صحيح؛ لأن الصلاة في المقبرة لا تجوز سواء صلى على فراش أو صلى من دون فراش فكل ذلك باطل؛ لأن النهي لأجل القبور، ومن المعلوم أن القبور تدفن في أسفل الأرض، وتسوى عليها الأرض، وتأتي الأمطار وتأتي الرياح والشمس وغير ذلك وكل هذا يطهر النجاسة، واستحالة النجاسة يجعلها طاهرة، وهذا كله لو وجد فإن علة النهي باقية. ثم إنه ليس المقصود أنه لا بد أن تكون على المقابر مساجد مبنية كالمساجد التي يصلي فيها المسلمون، وإنما المقصود أن يسجد الإنسان ويصلي فكل موضع سجود يعد مسجداً. وقد قال بعض الذين يحادون رسول الله ﷺ محادة ظاهرة: إن المقصود باتخاذها مساجد أن تضع جبهتك على القبر أما إذا سجدت خلفه أو أمامه أو عن يمينه أو عن شماله فلا بأس! وهذه محادة لرسول الله ﷺ ، فليس المقصود أنه يضع جبهته على القبر، فهذا كذب متعمد على رسول الله ﷺ ومعلوم جرم من يفعل ذلك، والذي يحمله على هذا القول هو التقليد والتعصب فقط، نسأل الله السلامة، والواجب على الإنسان أن يتجرد لله جل وعلا، وأن يكون قصده وعمله لله جل وعلا، وإذا تبين له الحق فيجب عليه أن يقول به وأن يعمل به.

стр. 780

عموم النهي عن الصلاة عند القبور ولا فرق بين قلة القبور وكثرتها وقدمها وحداثتها ثم إنه لا فرق بين كون القبور كثيرة أو قليلة حتى وإن كان قبراً واحداً، ثم إذا اتخذت مساجد فسواء خصها أو جعل يتردد إليها أو صلى فيها مرة واحدة فكل ذلك سواء. أما إذا بنيت المساجد على القبور لأجل إقامة صلاة الجماعة فيها والتردد عليها فيجب أن يهدم هذا المسجد؛ لأنه أشد من مسجد الضرار الذي اتخذ لمضارة المسلمين، وهذا لمضارة عباد الله المؤمنين، حيث يدعى فيه إلى الشرك عن طريق التعلق بالموتى، وإذا ما قدر أن المسجد كان مبنياً فأدخل فيه القبر فإنه يجب أن ينبش ويزال، ولا يجوز أن يدفن في المساجد أو بالقرب من المساجد؛ لأن هذا قد يجر إلى التعلق بهم وقصدهم، وقصد هذا المسجد لأنه قرب القبور، والتبرك بها وسؤال أصحابها، أو لأن الدعاء عند القبور ترجى إجابته! وكل هذا من البدع التي هي وسائل إلى الشرك الأكبر. ولا فرق في كون القبر قديماً أو جديداً، ولا فرق بين كونه مسوى بالأرض أو ظاهراً، فلا يجوز أن يتخذ أي قبر مسجداً لعموم النهي عن رسول الله ﷺ ، وكما قال ابن قدامة والنووي: إن مبدأ الشرك من هذا الأمر، ويشير بهذا إلى ما تقدم: أن أول شرك وقع في بني آدم بسبب الغلو في الصالحين، وتصوير صورهم ووضعه في أماكن يرونهم وإذا رأوهم تذكروا عبادتهم واجتهادهم فاجتهدوا كاجتهادهم، ثم فيما بعد عُبدوا، وصاروا يُسألون إلى أن صار التعلق بهم شديداً جداً حيث أصبح بعضهم متمسكاً بعبادتها ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] ويوصي بعضهم ببعض خوفاً من أن تؤثر دعوة الرسل عليهم! مع أن الرسل جاءوا يدعونهم إلى أن يعبدوا الله وحده، فهذا هو المبدأ، ولهذا السبب جاء النهي.

стр. 781

تخصيص الأنبياء في الحديث لعظم الفتنة بقبورهم أما تخصيص قبور الأنبياء في هذا الحديث وأشباهه؛ فلأن الفتنة فيهم أشد؛ لأن النبي ليس كغيره من الأولياء والعلماء، فهو أقرب الخلق إلى الله جل وعلا، ودعوته يرجى استجابتها أكثر من دعوة غيره، ولا سيما إذا علم أنهم أحياء في قبورهم، وعند ذلك يقول: أنا أتوجه إليهم وأدعوهم؛ لأنهم أحياء، وهم يدعون الله لي، فأجعلهم وساطة بيني وبين ربي، وهذا هو شرك المشركين تماماً، ولهذا جاء تأكيد النهي عن الصلاة عند قبور الأنبياء أو قصدها بالدعاء أو الدعاء عندها، أما دعاؤها فمعروف أنه شرك صريح وهو الشرك الأكبر.

стр. 782

بطلان قول من يقول: إن النهي عن الصلاة عند القبور لأجل النجاسة [وقال بعض أصحابنا: لا يمنع الصلاة فيها؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة وليس في كلام أحمد ولا بعض أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم يقتضى منع الصلاة عند كل قبر. وقد تقدم عن علي ﵁ أنه قال: (لا أصلي في حمام ولا عند قبر)، فعلى هذا ينبغي أن يكون النهي متناولاً لحريم القبر وفنائه. ولا تجوز الصلاة في مسجد بني في مقبرة، سواء كانت له حيطان تحجز بينه وبين القبور، أو كان مكشوفاً، قال في رواية الأثرم: إذا كان المسجد بين القبور لا يصلى فيه الفريضة، وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلي فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز، وذكر حديث أبي مرثد عن النبي ﷺ : (لا تصلوا إلى القبور) وقال: إسناده جيد. انتهى. ولو تتبعنا كلام العلماء في ذلك لاحتمل عدة أوراق، فتبين بهذا أن العلماء ﵏ بينوا أن علة النهي ما يؤدي إليه ذلك من الغلو فيها وعبادتها من دون الله كما هو الواقع والله المستعان. وقد حدث بعد الأئمة الذين يعتد بقولهم أناس كثر في أبواب العلم بالله اضطرابهم، وغلظ عن معرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم حجابهم، فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنت الانقياد، وغيروا بها ما قصده الرسول ﷺ بالنهي وأراد، فقال بعضهم: النهي عن البناء على القبور يختص بالمقبرة المسبلة، والنهي عن الصلاة فيها لتنجسها بصديد الموتى، وهذا كله باطل من وجوه: منها: أنه من القول على الله بلا علم، وهو حرام بنص الكتاب. ومنها: أن ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه، وما المانع له أن يقول: من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله، ويلزم على ما قاله هؤلاء: أن النبي ﷺ لم يبين العلة، وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده ﷺ وبعد القرون المفضلة والأئمة، وهذا باطل قطعاً وعقلاً وشرعاً، لما يلزم عليه من أن الرسول ﷺ عجز عن البيان، أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل، فإن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم]. وهذا من مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أن يشهد شهادة يقينية بلا تردد ولا شك أنه رسول من عند الله جاء برسالة الله فبلغها عن الله، وأداها كما أمر الله جل وعلا، وإذا اعتقد أن الرسول ترك شيئاً من الجوانب المهمة أو غير المهمة مما يلزم الناس في دينهم ولم يوضحه ويبينه، فشهادته أن محمداً رسول الله غير سليمة. ومن المعلوم أن الرسول ﷺ أمره الله جل وعلا بالبلاغ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، وإذا لم يبلغ الرسالة ماذا يكون؟ توعده الله جل وعلا، ولهذا كان صلوات الله وسلامه عليه يخاف في بعض الأحيان ويستشهد الناس فيقول: (إنكم مسئولون عني فكيف تقولون؟) فيقولون له: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وقمت بما يلزم، ويستشهد ربه ويقول: يا رب اشهد عليهم، اشهد أنهم شهدوا لي بالبلاغ؛ لأنهم سيسألون يوم القيامة، وهو يسأل كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٦ - ٧]. فلا بد من سؤال المرسل إليه والرسول، ولهذا يقول العلماء: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ولا بد إذا وقفوا بين يدي الله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ فلا بد أن يكون ذلك صحيحاً. فإذاً: يكون معنى شهادة أن محمداً رسول الله: أن يشهد الإنسان أن الرسول ﷺ بلغ كل ما أمره الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا في آيات كثيرة لرسوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] وقد بين صلوات الله وسلامه عليه كل ما يلزم، وما ترك شيئاً مما يلزمنا إلا ووضحه وبينه غاية البيان. حتى إنه علمنا آداب الأكل، وآداب قضاء الحاجة، وقال: (إذا أراد أحدكم أن يقضي حاجته فليبعد، ثم ليستتر، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)، وما أشبه ذلك من الآداب، وكذلك إذا دخل المنزل يقول: باسم الله، نسأل الله خير المولج، وإذا قدم الطعام يسمي، إذا أوى إلى فراشه يقول: كذا وكذا، وهذه أمور لو تركها الإنسان فليس عليه شيء، ومع هذا فقد بينها ﷺ ، فهل بعد هذا يعتقد أنه يترك الشيء الذي إذا فعلناه أثمنا وربما هلكنا؟ لا يجوز هذا أصلاً. كيف يقال: إن العلة في هذا النجاسة! إنما العلة أن تخلص العبادة لله، وأن لا يدخل العبادة شيء مما يشوبها أو يفسدها أو يبطلها نهائياً، ولا يحسبن حاسب أن الذين يقصدون القبور ويتبركون بها ويدعون أصحابها: أنهم كلهم عوام، بل فيهم علماء، وهؤلاء العلماء هم الذين أضروهم في الواقع، ففيهم من يحتج به ويقال: إنه عالم، وهو إما يقر ذلك أو يفعله. وربما تجد من هؤلاء من يدعو الناس إلى عبادته قبل موته، فهذا أحدهم يقول لأصحابه: إذا كانت لأحدكم حاجة بعد موتي فليأت إلى قبري وليسألني! فلا خير فيمن يحول بينه وبين قضاء حوائج أصحابه ذراع من تراب! فهذه دعوة إلى عبادته. وآخر يقول: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على النار فلا أدع أحداً يدخلها! ينصب خيمته على النار! نعوذ بالله من هذا الهوس، وما أشبه ذلك من أقاويل أناس ضلوا في عقولهم بعد ضلالهم في أديانهم، أو أناس ضعاف من دعاة الشيطان يدعون إلى عبادة غير الله جل وعلا، وكل هذا مما يلبس على كثير من الناس ويضرهم. ومعلوم أن من فعل ذلك وتبعه عليه من تبعه، أن عليه وزره ووزر من تبعه من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيئاً؛ لأنه لا عذر لأحد في ذلك، فالذي يقتدى به ويؤتم بأقواله هو رسول الله ﷺ فقط، أما غيره من الناس فيجب أن تعرض أقواله على أقوال رسول الله ﷺ ، فإن وافقت أقواله قول رسول الله ﷺ قبلت؛ لأنها وافقت قول الرسول ﷺ لا لأنها أقواله. فلا أحد يحكم على كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فهما الحجة فقط، وبهما يقوم العذر، أما أفعال الناس وأقوالهم وتقدريراتهم، فليست حجة ولن تنجي الإنسان؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا في القرآن عن الملأ من الناس -يعني: الكبراء والعلماء والقادة- أن الضعفاء يشكونهم عند الله يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] فهل ينفعهم؟ كلا، لا ينفعهم.

стр. 783

براءة الشيطان وأتباعه بعضهم من بعض يوم القيامة بل ذكر الله جل وعلا أنهم يجتمعون فيلوم بعضهم بعضاً ثم يتبرأ بعضهم من بعض، حتى إن الشيطان يأتي أمامهم في جهنم، يقول مقاتل بن سليمان في تفسيره: إنه ينصب له منبر في النار! فيقوم فيهم خطيباً، فيقول: ((إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ)) يعني: من حجة ((إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)) يعني: ما هي إلا مجرد دعوة دعوتكم فاستجبتم، وليس عندي سلطان ولا عندي حجة أقيمها عليكم ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] هكذا يقول لهم الشيطان، يقول: ما أنا بمغن عنكم شيئاً، وما أنتم بمغنين عني شيئاً، ما أنا بنافعكم اليوم ولا أنتم تنفعوني، ويقول: إنه يكفر بإجابتهم وبكونهم استجابوا، فيكفر بذلك ويتبرأ منه، وليس هناك أحد يعذر! وإنما يزداد العذاب عليهم لأنهم لا عذر لهم ولا حجة. وكذلك هؤلاء الذين يعبدون القبور ويدعون أصحابها، ويلتجئون إليهم عند الضر وعند الشدائد أو عند الرغبة التي يرغبون فيها أن يهبوا لهم أولاداً أو أموالاً أو غير ذلك كما هو الواقع، وإذا كان يوم القيامة يقال لهم: اذهبوا إلى أولئك الذين كنتم تدعونهم فليجيروكم من عذاب الله! فيقولون: ربنا ضلوا عنا، يعني ذهبوا عنا فلا نجدهم، وربما كذبوا على أنفسهم، وقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، يكذبون على أنفسهم! وهل يخفى على الله شيء؟ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] يعني: إذا جمعوا جميعاً وقيل لهم: اذهبوا إليهم، تبرءوا منهم وأظهروا لهم العداوة، وقالوا: ما أمرناكم بهذا، ونحن نبرأ إلى الله منكم ومن أعمالكم ونكفر بها وبكم، وصاروا أعداء لهم. فمن كان هذا سعيه وهذا عمله وهذا رجاؤه، فيبدو له يوم القيامة ما لم يكن يحتسب، وهذه هي المصيبة، ثم تتضاعف الحسرات فتكون حسرات مع عذاب ونكال، نسأل الله العافية. فليس هناك طريق ينجي إلا اتباع الرسول ﷺ فقط، وكل الطرق تؤدي إلى جهنم إلا الطريق التي تكون خلف المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فمن سلك هذا الطريق نجا وفاز، أما إذا حاد يميناً أو شمالاً مع الطرق الكثيرة فإن هذه الطرق تؤديه إلى النار، نسأل الله العافية.

стр. 784

الأنبياء لا تستحيل أجسادهم ولا تتطرق إليها نجاسة قال: [ويقال أيضا: هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يعم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء لكون أجسادهم طرية لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص علم أن العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قد نقلت أقوالهم، والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله]. الأنبياء في قبورهم أحياء، فلا تتطرق إليهم الأرض بأكل أجسادهم أو شيئاً منها، ولكن هذه الحياة لا نعرف ما كيفيتها، فهي حياة برزخية غير معروفة، ولكن حياتهم أكمل من حياة الشهداء، وقد نهانا الله جل وعلا أن نقول لمن يقتل في سبيل الله إنه ميت ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، هذا في الشهداء. أما الأنبياء فهم أكمل حياة من الشهداء، وقد قال الرسول ﷺ لـ جابر بن عبد الله: (أتدري ماذا قال الله لأبيك؟ -وأبوه قتل في أحد- فإنه قال له: يا عبدي! تمن علي، فقال: ماذا أتمنى وقد أعطيتني ما لم تعطه أحداً من الناس؟! ثم يقول: تمن علي ثم تمن علي، فلما رأى ذلك قال: يا ربي! أريد أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك مرة أخرى) للشيء الذي رآه. وقد جاء أن معاوية ﵁ أراد أن يجري عيناً من أحد إلى المدينة، وذلك بعد أربعين من وقعة أحد، فجاءت بالقرب من مقبرة شهداء أحد، فقيل للناس: من كان له ميت فليزله من هذا المكان، فلما أزالوهم وجدوهم كما هم، وكأنهم دفنوا الآن، ومع الحفر ضربت المسحاة قدم أحدهم أو يده فسال الدم. وكذلك يقول جابر: إن والده دفن مع رجل، يقول: وبعد وقت ما سمحت نفسي حتى أخرجته فوجدته كما هو، وهذا كثير، ولكن كلام الله أبلغ من هذا، وهو الذي يجب أن يصدق ويؤمن به. فهذا في آحاد الناس أنهم أحياء وأنهم يرزقون عند ربهم، والرزق حقيقي كما قال الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] إذا كان يقول: (عند ربهم يرزقون) فليس الرزق للأرواح فقط، بل يعم البدن والروح. وإذا كان هذا للشهداء فحياة الأنبياء أكمل بلا شك، وحياة رسولنا ﷺ أكمل بلا شك؛ ولهذا فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه حي في قبره ولكن مثلما قلنا: حياة برزخية لا نعرف كيفيتها، ولا يحتاج معها إلى ما يحتاجه في هذه الحياة، ومع ذلك ما طمع الشيطان في صحابة النبي ﷺ أن يأتي إليهم ويقول لهم: إنه حي في قبره فاذهبوا واسألوه عن المشاكل التي تقع بينكم، وكان أحدهم يبكي وإذا قيل له: مالك؟ يقول: لأني ما سألت النبي ﷺ عن كذا وكذا.

стр. 785

ظهور الشرك في القرون التي ابتعدت عن عهد النبوة حتى جاءت القرون التي ابتعدت عن عهد النبوة ونورها، ووقع فيهم من الضلال والجهل فطمع فيهم الشيطان، وكونه يأتي إلى أحدهم ويقول: اذهب إلى القبر واسأل، ثم قد يلبس عليه فتنة وضلالاً، مثل الحكاية التي تذكر عن البكري مع أنها حكاية لا تصح، أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي ﷺ وأنه استنجد به والبكري يسمع، ثم نام، فجاءه الرسول ﷺ فقال: يا بكري اذهب إلى الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له. فتؤخذ هذه الحكاية المكذوبة الواهية وتجعل دليلاً على دعوة النبي ﷺ ، وتترك النصوص التي جاءت في هذا الباب وغيره ويضرب بها جانباً، ويقال: إن هذا رأى رؤيا! وهذه عمدة الذين يعبدون غير الله، عمدتهم الرؤى التي مستندها الشيطان الذي يضحك عليهم، ويزور عليهم، أو عمدتهم أمور مكذوبة عن فلان وفلان، وحكايات ليس لها سند، أو أمور ضعيفة لا تدل على ذلك، فليس عندهم أكثر من هذا، أما النصوص الواضحة الظاهرة الجلية التي إذا تمسك بها الإنسان يكون على يقين من ربه، فهذه لا يلتفتون إليها ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١] نسأل الله العافية. ولهذا يخبر الله جل وعلا عن الذين أراد ضلالهم: أنهم لو أتوا بكل آية ما آمنوا، بل أخبر جل وعلا عن الكفار أنهم إذا كان يوم القيامة يقولون: يا ربنا! ردنا إلى الدنيا حتى نعبدك حقاً، ونتبع رسلك حقاً، فيخبر الله جل وعلا عنهم أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه، فالذي كتب عليه الضلال لا بد من ضلاله، وضلاله عن عمد، وعن اختيار منه، ولهذا تجدهم يسخرون بأهل الحق، ويمقتونهم ويكرهونهم أشد الكراهية، ويرون أنهم سخفاء عقول، وأنهم هم أهل الذكاء وأهل الحكمة وأهل البصر وأهل العقل. هذا هو واقع حالهم، فإذا تبين للإنسان الحق وتمسك به فهذه منة الله عليه، فعليه أن يشكر الله وأن يكثر من شكره ومن دعوته أن يثبته على ذلك؛ لأنها منةٌ يمن بها على من يشاء، مع أنه جل وعلا يعلم من يستحق الضلالة ومن هو أهل للهداية، فيضع الأمور في مواضعها.

стр. 786

مسائل الباب قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجداً يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل]. يعني: أن الذي يبني مسجداً عند قبر رجل وإن كان قصده بذلك تكثير الأجر أو يقصد التقرب بذلك إلى الله، ولا يقصد عبادة هذا الرجل؛ فهو واقع في اللعنة، وليس كل مجتهد يكون مصيباً؛ لأن الاجتهاد يجب أن يكون على وفق ما جاء به الرسول ﷺ وإلا فهو مردود.

стр. 787

النهي عن التماثيل [الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك]. التماثيل: هي الصور، وقد جاء تغليظ الأمر في ذلك، يعني: أن كل مصور يجعل له نفس يعذب بها يوم القيامة بعدد الصور التي صورها، وفي الحديث الآخر: (الناس عذاباً الذين يضاهون الله في خلقه) (أشد الناس عذاباً الذين يصورون) (وكل مصور يكلف يوم القيامة أن ينفخ الروح فيما صور، وليس بنافخ) وفي الحديث القدسي: (من أظلم من ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة) وهذا تعجيز. ولم يأت في الوعيد على الذنوب مثلما جاء في المصورين، وسبق الكلام في هذا وأنه لا فرق في التصوير بين الفوتغرافي أو الرسم الذي يكون باليد، ولا فرق بين المجسد، ولا المخطوط خطاً، وكل تصوير فهو داخل في هذا.

стр. 788

شدة تحذير النبي ﷺ من الشرك ووسائله [الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بين لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم]. يعني أن هذا كله مبالغة وخروج من التكليف الذي كلفه الله جل وعلا به، ونصح لأمته صلوات الله وسلامه عليه، وبراءة مما كلفه الله جل وعلا به، فهو يجمع بين أمر الله جل وعلا وبين الشفقة على أمته أن يقعوا في شيء يعنتهم ويشق عليهم، وأشد ما يعنتهم ما إذا خالفوا أمر الله جل وعلا في أمر العبادة. وهو حق الله الذي أوجبه عليهم، فكيف يصرفون شيئاً منه لغيره؟! هذا هو أشد ما يعنت الأمة؛ ولهذا حرص على ذلك أشد الحرص، فبالغ هذه المبالغة حتى وهو في سياق الموت صلوات الله وسلامه عليه يقول: (ألا إني أنهاكم أن تتخذوا القبور مساجد) (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد). ولهذا فهم الصحابة ذلك فهماً جيداً حتى إنهم صاروا يبعثون البعوث في الآفاق إذا وجدوا قبراً مرفوعاً عن المستوى الشرعي، وإذا وجدوا صورة مصورة طمسوها وأزالوها؛ لأنهم فهموا مراد الرسول ﷺ . ففي صحيح مسلم عن أبي هياج الأسدي أنه قال له علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها)، وكان ﷺ قد بعث علياً بهذا الأمر وبعث غيره، ومعروف ماذا صنع في مكة لما فتحها: طمس الصور وكسر الأصنام، وكان يبعث البعوث لذلك، والصحابة سلكوا مسلكه ودعوا بدعوته؛ لأنهم هم الذين بلغوا دعوته إلى الناس ﵃. [الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر]. يعني أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا قبري مسجداً) نهى عن ذلك وكرر النهي، ومعلوم أن هذا يقوله وهو مقبل على ربه جل وعلا، ولهذا حماه الله جل وعلا بسبب هذه الدعوة، ولو كان بارزاً فماذا يكون؟! لا يستطيع أحد أن يمنع الناس، ولو وضعت الشرطة والجنود فلا يستطيعون، فلا بد أن يقفل، فصانه الله جل وعلا استجابة لدعوة نبيه ﷺ وبنيت عليه الجدران جداراً بعد جدار بعد جدار، فلا يستطيع أحد أن يصل إليه، أما لو وصل الناس إليه لتقاتلوا عليه؛ لأن الحق لا يعرفونه كلهم، ولا كلهم يقبل الحق، بل أكثرهم لا يقبل ولا يعرف الحق، وفتنوا بالتعلق بالقبور، فكيف بقبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه!!

стр. 789

اتخاذ القبور مساجد من سنن اليهود والنصارى [الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم]. ويدل لهذا أنه ﷺ عين لهم المكان قال: ادفنوني في هذا المكان، وإن كان جاء حديث استدل به أبو بكر ﵁ عندما اختلفوا في موضع دفنه ﵁ أنه سمعه يقول: (، كل نبي يدفن في المكان الذي يموت فيه) فلهذا دفن تحت سريره الذي كان عليه صلوات الله وسلامه عليه لهذا. وأما الحديث الذي في الصحيحين أنه قال: (ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة) فقال المحققون من العلماء: هذا اللفظ غير صحيح، واللفظ الصحيح: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة)، وقد جاء بهذا اللفظ وبهذا اللفظ، ولا شك أن الرسول ﷺ قال واحداً منهما، فيكون الثاني اجتهاداً من الراوي؛ والقبر ما كان إلا بعد ذلك، فهذا يدل على أن هذا من تصرف الرواة، ومن المعلوم أنه يجوز رواية الحديث بالمعنى إذا كان معنى اللفظ الذي يرويه بالمعنى لا يختلف عن معنى اللفظ النبوي وإن كان الاتفاق (١٠٠%) نادراً وقليلاً جداً، ولكن يكفي أن يكون المعنى الذي يؤدى به هذا اللفظ هو مقصود الرسول ﷺ ، وهذا له أمثلة كثيرة. من ذلك حديث معاذ ﵁ حينما بعثه إلى اليمن وخرج ﷺ يشيعه، ومعاذ راكب وهو يمشي صلوات الله وسلامه عليه، فقال له معاذ: (يا رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: لست بنازل ولست براكب، ثم قال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، جاء في لفظ آخر: (ليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يعبدوا الله)، وفي لفظ ثالث: (ليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله) وهذه كلها بمعنى واحد، وكلها يدل على أن الراوي هو الذي تصرف في هذا، فمرة قال: (شهادة أن لا إله إلا الله) ومرة قال: (أن يعبدوا الله) ومرة قال: (أن يوحدوا الله).

стр. 790

لعن من اتخذ القبور مساجد [السادسة: لعنه إياهم على ذلك]. لعن اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا يبنون المساجد على قبور أنبيائهم، ولهذا يتبين لنا أن بناء المساجد على القبور من سنة اليهود والنصارى، وأن المسلمين ممنوعون من ذلك ومنهيون عنه، والعجب أن المفتونين في القبور من العلماء يتركون مثل هذه النصوص ويستدلون بأمور مشتبهة! حتى استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] فقالوا: هذا دليل على أنه يجوز اتخاذ المساجد على القبور، وهذا نص القرآن! فهل نأخذ بدعوى هؤلاء! أو بما بينه الرسول ﷺ ووضحه، فهذه سنة الذين قبلنا، وهم مذمومون عليها، وملعونون عليها، أفيجوز أن يأخذ المسلم بهذا وقد لعنهم الرسول ﷺ على ذلك ثم نقول إنه دليل؟! أليس هذا هو عكس ما أراده ﷺ تماماً؟! إنما هو مجرد تشبيه على الناس وتلبيس، وإلا فإن هؤلاء الذين اتخذوا عليهم مسجداً هم الذين قال فيهم الرسول ﷺ : (لعن الله اليهود والنصار اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا). [السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره. الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره]. فالعلة كونهم خشوا أن يتخذ معبداً فدفنوه في بيته مع ما سمعوه من النص، وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ منعهم، ولا مانع أن تجتمع أمور متنوعة تتظافر على كونهم يدفنونه في بيته. [التاسعة: في معنى اتخاذها مسجداً]. سبق أن معنى هذا أنه يصلى عندها، وليس معناه أن يبنى عليها المساجد، بل يتحقق ذلك بمجرد أن يصلى عندها.

стр. 791

الذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس [العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته]. والمقصود بهذا أن الذين يتخذون المساجد شرار الناس؛ لأنه جاء في الصحيح: (إن شرار الناس من تقوم عليهم الساعة)، وأن الساعة لا تقوم حتى لا يوجد في الأرض من يعرف الله وحتى لا يقال: الله الله! وليس المقصود بقيام الساعة نفخ الصور؛ ولكن المقصود قربها، ووجود علاماتها الكبيرة، مثل خروج الدابة، ومثل خروج الدجال الذي يدعي أنه رب الناس، ومثل طلوع الشمس من المغرب، ومثل الخسوف التي تكون في وسط الجزيرة وفي غربها وشرقها، ومثل النار التي تخرج من قعر عدن، ومثل يأجوج ومأجوج ونزول عيسى وغيرها كثيرة. فإذا طلعت الشمس في مغربها فلا ينفع الإنسان إيمان جديد؛ لأنها تظهر آيات باهرة تؤذن بنهاية هذه الدنيا، أما الساعة التي هي الساعة المرادة فهي النفخ في الصور النفخة الأولى، فإذا نفخ في الصور مات الخلق كلهم، والصور معروف، وجاء في الحديث أنه قرن عظيم، الله أعلم بصفته، وينفخ فيه إسرافيل ﵇. وقد جاء أن الرسول ﷺ قال: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وصار ينتظر الأمر) فالأمر قريب جداً كأنه لحظات، فهو قريب وسوف يأتي. أما المراد بقيام الساعة هنا أي: العلامات الكبيرة، أما العلامات الأخرى فهي كثيرة جداً، وأولها بعثة الرسول ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ورسولنا ﷺ من أسمائه نبي الساعة؛ لأنه بعث هو والساعة إلا أنه سبقها وسوف تلحق بعده.

стр. 792

ضرر الرافضة والجهمية على الإسلام والمسلمين [الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد]. يقصد بهذا الرافضة الذين كانوا في مصر والذي يسمون بالعبيديين، فهم أول من بني المساجد على القبور، وأول من بنى القباب، وأول من سن هذه السنة الخبيثة، وقد كتب العلماء فيهم: أنهم ليسوا من الإسلام في شيء، وأن دعواهم النسب كذب، وأنهم من أبناء المجوس، وقد تغلبوا على المغرب ثم على مصر قروناً، وبعضهم صار يدعو الناس إلى عبادته، وبعضهم صار يقول إنه هو الله. وأما الجهمية فهم الذين أنكروا أسماء الله وصفاته ووصفوه بالعدم، وقالوا: إنه ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم ولا خارج العالم ولا في مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تصح إليه الإشارة، ولا أن يقال أين هو، ولا يحس، ولا يرى، ولا يقول، ولا يتكلم، ولا يحب، ولا يُحب إلى غير ذلك، فماذا يكون؟ يكون عدماً. ولو أن إنساناً قيل له: صف لنا العدم، فلن يستطيع أن يصف العدم بأكثر مما ذكرنا ولهذا يقول: أخرجهم كثير من العلماء الذين كتبوا في الفرق من الثنتين والسبعين فرقة؛ لأن الثنتين والسبعين هم من أهل الإجابة إلا أنهم متوعدون بالنار؛ لأنهم فارقوا سنة المصطفى ولو في جزئيات منها، وأخرجوهم منها؛ لأنهم ليسوا من أمة الإجابة، ومن خرج من أمة الإجابة فهو من الكفار، هذا هو المقصود بالإخراج.

стр. 793

كرامة النبي ﷺ ومضاعفة أجره [الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع. ]. فقد ورد أنه كانت له خميصة إذا غطي وجهه واغتم كشفها عن وجهه، وهذا يدل على أنه حصل له شدة عند الموت، صلوات الله وسلامه عليه، والسبب في هذا مضاعفة أجره، لما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه لما جاء إليه قال: (يا رسول الله! إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: أجل! أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذلك لأن لك أجرين؟ قال: نعم) فهذا لأجل زيادة أجره ورفع درجاته عند الله. [الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة. ]. والخلة أخص من المحبة، وهي خاصة به صلوات الله وسلامه عليه وبأبيه إبراهيم ﵇ فقط، وليس من الخلق أحد اتخذه الله خليلاً إلا إبراهيم ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما. [الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة. الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة. السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته].

стр. 794

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٣] لقد جاءت الشريعة بسد ذرائع الشرك، وبينت أن الغلو في الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله، فالواجب على المؤمن أن يجتنب الغلو بأنواعه، سواء في الأمكنة أو في الأزمنة أو في الأشخاص؛ وهو من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار.

стр. 795

الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله. ]. الغلو: تجاوز الحد في الشيء المشروع، ومقصود المؤلف بهذا الباب أمور: الأول: التحذير من الغلو في القبور. الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها. الثالث: أنها إذا عبدت صارت أوثاناً ولو كانت قبور أنبياء وصالحين. الرابع: التنبيه على العلة في التحذير من الغلو فيها وتجاوز الحد، وأن العلة: عبادة غير الله جل وعلا، والحفاظ على التوحيد. هذا هو مقصود المؤلف من عقد هذا الباب وإلا فهو قريب من الذي قبله. قال المصنف: [روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]. هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلاً، وقد جاء من غير هذا الطريق، وهو حديث ثابت عند من يحتج بالمرسل؛ لأن رواته ثقات، وعند من لا يحتج به فإنه جاء ما يعضده من طرق أخرى مرفوعة وكذلك له شواهد تعضده.

стр. 796

الفرق بين الوثن والصنم قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، هذا دعاء يدعو به الرسول ﷺ حتى لا يكون قبره معبوداً، وفي هذا دليل على أنه لو عبد لسمي وثناً، وهذا الذي أراد المؤلف أن ينبه عليه أخذاً من هذا الحديث: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) والفرق بين الوثن والصنم: أن الأوثان كل ما عبد من غير صورة، مثل الججر والشجر والقبر وما أشبه ذلك من المعبودات التي يطلب منها البركة ويطلب منها النفع ودفع الأذى وما أشبه ذلك، وهذه الأمور من خصائص الله جل وعلا، ولا يجوز طلبها من غيره. والصنم: هو ما كان مصوراً على صورة آدمي، أو صورة حيوان، هذا هو الفرق. أما إذا افترقا بأن جاء ذكر أحدهما دون الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، ولكن إذا اجتمعا لفظاً افترقا في المعنى، كنظائرهما في اللغة العربية وهي كثيرة. وقال بعض العلماء: لا فرق بين هذا وهذا، فيطلق الوثن على الصنم، والصنم على الوثن، واستدلوا بقصة إبراهيم مع قومه ففي موضع قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] وفي موضع سماها أوثاناً، وفي موضع آخر سماها أصناماً، فدل على أنه لا فرق بين هذا وهذا، والصواب أن هناك فرقاً، ويجوز أن تكون معبودات قوم إبراهيم فيها الأوثان وفيها الأصنام، فمرة يعبر عن هذا، ومرة يعبر عن هذا. وكلها شر سواء كانت وثناً أو صنماً، وكلها يقع فيه الشرك الأكبر الذي من مات عليه يكون خالداً في جهنم، ولا يجوز أن يكون عند المسلم شعبة من شعب الشرك، والشرك شعب كثيرة، ولكن الشرك الأصغر قد لا يسلم منه أحد إلا نادراً إلا الذين حققوا التوحيد وخلصوه من شوائب الشرك والبدع والذنوب، أما أكثر الناس فإنهم لا يسلمون من شوائب الشرك الأصغر، وهذا لا يخرجهم من الدين الإسلامي، ولكنه فيه خطورة؛ لأنه قد يكون وسيلة إلى ما هو أكبر منه، ويترتب عليه عقاب، لا سيما على قول كثير من العلماء الذين يقولون: إن الشرك لا يغفر كبيره وصغيره، وليس معنى هذا القول أن الشرك كله يكون كفراً، وليس هذا مرادهم، ولكن مرادهم: أن الشرك إذا كان أكبر فإنه مخرج من الدين وهذا لا إشكال فيه، أما إذا كان أصغر فمقصودهم بذلك: أنه لا بد من العقاب عليه قبل دخول الجنة، يعني: ما يعفى عنه، ولا يكون مثل بقية الذنوب التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وهم يستدلون بهذه الآية ويقولون: إن الله جل وعلا استثنى من المعاصي كلها الشرك، والشرك يدخل فيه القليل والكثير، كما يدخل فيه الكبير والصغير، يقولون: فدل ذلك على أن الشرك الأصغر غير مغفور لصاحبه، ولا بد من عقابه وإن كان مسلماً، ومعنى ذلك: أن الذي يموت على الشرك الأصغر بدون توبة يناله العقاب، أما على القول الآخر فإن كل ما يكون غير مخرج من الدين الإسلامي فإنه داخل في الاستثناء الذي ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. والمقصود: أن قوله ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) قاله صلوات الله وسلامه عليه خوفاً من وقوع ذلك، وهذا يدل على أنه ﷺ كان يتوقع أن يحصل شيء من ذلك، ولو لم يتوقع ذلك لما دعا بهذا الدعاء. الثاني: أن هذا يدل على أنه لو عبد لسمي وثناً (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). الثالث: أن عبادته ليست السجود له، أو الاعتقاد بأنه يخلق من العدم أو أنه يحيي ويميت، أو أنه يتصرف في السماوات والأرض وفي المخلوقات، ليس هذا المراد، وإنما المراد: أن يتوجه إليه، ويسأله مع الله، ويعتقد أنه ينفع ويدفع ويجلب للسائل خير الدنيا والآخرة، ويدفع عنه شرور الدنيا والآخرة، هذا هو المقصود، وهذا يحصل من كثير من الناس الذين يجهلون الأمر، والنبي صلوات الله وسلامه عليه بين عن ربه جل وعلا بياناً شافياً، ولم يترك للناس عذراً حتى يقول قائلهم: أنا أجهل هذا الأمر.

стр. 797

اشتداد غضب الله على الذين يتخذون القبور مساجد يجب على المسلم أن يتتبع ويطلب بيان رسول الله ﷺ ، ومن البيان قوله المتقدم، وقوله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وهذا يدلنا أيضاً على أمور: الأول: أن الله يغضب على بعض الناس، وأن غضبه قد يكون شديداً، وقد يكون أقل من ذلك، يعني: أن غضبه يتفاوت على حسب الذنوب. الثاني: أن معنى قوله: (اتخذوها مساجد) أي: محلاً للسجود، يعني يصلون عندها، فجعلوها محلاً للعبادة، يعني: أنهم يتحرون العبادة عندها، وهذا ليس بشرك ولكنه من وسائل الشرك التي توقع فيه؛ لأنه إذا صلى عند القبر تحرى الصلاة عنده، وتحرى الدعاء عنده، ويوشك أن يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يعبد القبر، ويسأل من فيه، فلهذا منعت العبادة عند القبور. الثالث: أن الأمور التي جاءت في ذم اليهود والنصارى ومن سبق من الأمم إنما المقصود بها تحذيرنا نحن أن نقع فيما وقعوا فيه. الرابع: أنه إذا حصل منا شيء يشابه ما حصل منهم فالحكم سواء لا يختلف، يعني: ما قيل فيهم يقال فينا، وما أصابهم يصيبنا، وقد يكون أشد، وذلك أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء، ومن خالف أفضل الأنبياء يكون عذابه أشد وأعظم، وهو صلوات الله وسلامه عليه بالغ في التحذير من ذلك. الخامس: أنه لا فرق بين قبور الأنبياء وغيرها في جعلها محلاً للعبادة، وبهذا يتبين لنا معنى قول الرسول ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) كما في الصحيح، وأن المعنى لا تجعلوها شبيهة بالقبور ليس فيها عبادة؛ لأنه متقرر في الشرع أن المقبرة لا يتعبد فيها، والقبور لا تفعل العبادة فيها، فإذا ترك البيت من العبادة: من تلاوة القرآن والصلاة والذكر وما أشبه ذلك؛ صار شبيهاً بالمقبرة؛ ولهذا أمر بالتعبد فيها بالصلاة والقراءة، (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وبهذا يتبين لنا أن المقصود: منع الأمة أن تتعبد عند القبور بعبادة تقصد بها وجه الله، فكيف إذا قصد صاحب القبر بالعبادة؟! فالمنع من أجل ألا يقع شيء من الشرك؛ لأن هذا هو الشرك الأكبر الذي إذا فعله الإنسان ومات عليه يكون خالداً في جهنم. قال الشارح ﵀: [قوله: روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). هذا الحديث رواه مالك مرسلاً عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: الحديث. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به، ولم يذكر عطاء، ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً، وله شاهد عند الإمام أحمد بسنده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: (اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قوله: روى مالك في الموطأ هو: الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وأحد المتقنين للحديث حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقيل: أربع وتسعين وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة. قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) قد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان]. هذا قاله ابن القيم في زمنه في القرن السابع؛ لأنه توفي سنة سبع مائة وواحد وخمسين ﵀، وتغير الوضع عن ذلك الوقت، ولكن الأمور تتعلق بالنيات، إذا كان الإنسان خلف القبر وقصد الصلاة إليه وإن كان من مسافات بعيدة؛ فلا ينفعه إذا كان بينه وبينه حائط أو حيطان، وإنما المقصود منع التوجه إليه.

стр. 798

دفن النبي ﵊ في بيته وليس في المسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه في بيته، فقبره في بيته وليس في المسجد، وإنما كان في بيته، وبيته ﷺ كان على حائط المسجد. فإنه صلوات الله وسلامه عليه لما أتى إلى المدينة مهاجراً ونزل في قباء أول ما نزل، ثم بعد ذلك جاء متجهاً إلى المدينة وكان الأنصار متوزعين في أماكن متفرقة في المدينة، كل فخذ منهم لهم أماكن، وكانوا يتعرضون له، وكل قوم يقولون: إلينا يا رسول الله، يودون أن يسكن عندهم، وكان راكباً على ناقته ويقول: (دعوها فإنها مأمورة)، حتى جاءت إلى هذا الموضع فبركت، ولما بركت لم ينزل عنها؛ لأنه كان يتوقع أن تقوم أيضاً، فتلحلحت ثم وضعت رقبتها على الأرض، وعند ذلك نزل، وكان بيت أبي أيوب الأنصاري قريباً من ذلك المكان، فبادر وأخذ رحل الرسول ﷺ وأدخله في بيته، فلما طلب منه بعض الأنصار أن يذهب معهم قال: (المرء مع رحله). فنزل عند أبي أيوب، وكان بيت أبي أيوب مكوناً من دورين على حسب الحال، فجعل الرسول ﷺ تحت ليكون أسهل له، ثم استدعى من كانت له هذه الأرض، وكانت مربداً يعني: حوشاً فيه نخل وفيه قبور للمشركين، فلما سأل عنها قيل: هذه لأيتام من بني النجار، فطلبهم وقال: (ثامنوني فيه) يعني: بيعوني الأرض، المثامنة البيع، فقالوا: بل نريد الأجر من الله، ولا نطلب له ثمناً. والمقصود أنه بدأ بعمارة المسجد صلوات الله وسلامه عليه، وأمر بالقبور فنبشت وأخرجت، وأمر بالنخل فقطع، ثم صاروا يبنون، ولما كمل البناء بنى حجراته -لكل زوجة حجرة- خلف المسجد. لما مرض صلوات الله وسلامه عليه صار كل يوم يذهب إلى واحدة من زوجاته، وبعدما اشتد به المرض صلوات الله وسلامه عليه استأذن منهن أن يمرض عند عائشة، فأذن له، وكان بيت عائشة مع هذه البيوت، فكان عندها حتى توفي في بيتها. ولما توفي صلوات الله وسلامه عليه اختلفوا أين يدفنونه؟ فروى لهم وأبو بكر ﵁ حديثاً: أن الأنبياء تدفن في الأماكن التي تموت فيها، وعند ذلك دفنوه في موضعه الذي مات فيه، وكان خارج المسجد، وبقي هكذا في زمن الخلفاء الراشدين وزمن معاوية بن أبي سفيان، وزمن عبد الله بن الزبير، وكذلك زمن مروان، وخلافة ابنه عبد الملك حتى جاء ابن عبد الملك الوليد بن عبد الملك وكان مغرماً بالعمارة، فأمر بهدم المسجد وبناءه بناء حديثاً، وزخرفته، وإدخال الحجر فيه، وكان أميره على المدينة عمر بن عبد العزيز، فشرع في ذلك، وصار يشتري من الناس ما حول المسجد، ويدخله فيه توسعة له، وهدمت الحجر، وصارت من ضمن المسجد، وقد عارض هذا الفعل كثير من السلف والتابعين وغيرهم، ولكن لم ينفع اعتراضهم، فصار إدخال القبر في المسجد بفعل الملوك، لا بفعل العلماء ولا بأمر الرسول ﷺ ، ولا بالنظر إلى الشرع، وإلى قول الرسول ﷺ ، فعلى هذا لا يكون في ذلك حجة، ثم لما أدخل لم يجز أن يتصرف فيه كالتصرف في قبر غيره صلوات الله وسلامه عليه، فصار أمراً واقعاً لا يمكن التصرف فيه. أما البناء عليه وبناء القبة فهو من المحدثات التي كان ينهى عنها صلوات الله وسلامه عليه، ولكن خولف في ذلك، ومرتكبه آثم إثماً يبقى عليه طوال الدنيا، وهو يزداد يوماً بعد يوم، وهو يحسب أنه كسب بذلك أجراً؛ لأن: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وقد كان ﷺ ينهى عن البناء على القبور أو تشريفها وتسنيمها زيادة على التراب الذي يكون فيها، وينها عن تجصيصها والكتابة عليها، فكيف ببناء القباب عليها؟! ويكون الحكم في إزالة ذلك مثل حكم إدخال القبر، ولا يمكن إزالتها؛ لأن في ذلك من التشويش ومن المفاسد التي قد تحدث أضعاف المصلحة؛ لأن أكثر الناس لا يعرف الحق في هذا، ويرون أن هذا من تعظيم الرسول ﷺ ، والواقع أنه من معصيته، وليس من تعظيمه. وعلى هذا فلا يجوز أن يكون هذا حجة لمن يبني على القبور أو يدخلها في المساجد؛ لأن الحجة مقصورة على قول الرسول ﷺ ، وقول الله جل وعلا فقط، وليست الحجة في أفعال الملوك ولا أفعال الجهلة الذين يجهلون شرع الله جل وعلا، ولا يتبعون رسول الله ﷺ ، وهذا هو الواقع، ولا يمكن أن ينكره من كان عنده أدنى طرف من العلم. وقد حذر صلوات الله وسلامه عليه من ذلك في أحاديث كثيرة منها: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقوله ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً، فإني أنهاكم عن ذلك)، وقوله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) كل ذلك تحذيراً من أن يكون قبره قبلة للدعاء والمسألة والتبرك وما أشبه ذلك، فيئول الأمر إلى أن يعبد، وأن يتخذ إلهاً من دون الله جل وعلا. وإذا حدث شيء من ذلك فإن إثمه على الفاعل؛ لأن البيان والإيضاح والبلاغ من الرسول ﷺ قد حصل، فإذا خولف فإن الإثم على من خالف، ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تكون لغير الله جل وعلا.

стр. 799

المشركون الأوائل أعقل من مشركي زماننا كثير من الناس بلي بالتعلق بالأموات، حتى أصبحوا يعبدون من يظنون فيه الصلاح عبادة أكثر من عبادة الله جل وعلا، وهذا الميت قد دفن في التراب وأصبح لا يستطيع أن يكف عن نفسه الديدان التي تأكل بدنه؛ فكيف يسأل ويطلب منه؟! ويزعمون أن هذا من الأولياء، وأن الأولياء لهم جاه عند الله، وأنهم إذا سألوا الله شيئاً أعطاهم، فهم يسألونهم ليسألوا الله، هذا هو مبنى عبادتهم، وهذه -في الواقع- هي عبادة المشركين الذين بعث إليهم الرسول ﷺ ليحذرهم من هذا الفعل، ويدعوهم إلى تركه، بل أولئك أكثر عقلاً من هؤلاء، فقد قالوا: إن هذه المعبودات: الأشجار والأحجار والموتى والملائكة وغيرهم، لا تتصرف مع الله ولا تملك شيئاً مع الله، ولكننا نجعلها وسائط بيننا وبين ربنا تشفع لنا، فقال الله جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: كيف تتخذونهم شفعاء وهم بهذه الصورة: لا يملكون شيئاً، وشيئاً: نكرة في سياق النفي فيعم ويدخل فيه كل ما صح أن يطلق عليه أنه شيء، ومعنى ذلك: أنه ليس عندهم أي ملك، لا شفاعة ولا غيرها، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] قالوا: هي ليس لها ذنوب، بل هي مطيعة لله، ونحن نطلب منها أن تتوسط لنا، وأعظم حججهم: أنهم وجدوا آباءهم على هذا الفعل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يعني: على ملة ودين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] يعني: نتبعهم ونقتدي بهم وهم أسوتنا وأئمتنا. وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك! تملكه وما ملك، ويعترفون بهذا: هو شريك لك، تملكه وما ملك! يعني: ليس له ملك معك، ولكنه شريك في الدعاء وفي الشفاعة فقط، هذا هو قولهم، أما هؤلاء الذين يعبدون القبور فهم يجعلون هؤلاء وكلاء لله، يتصرفون في الكون كله؛ لأنه إما قطب من الأقطاب التي تدور الدنيا والكون عليها! فلا يدخل البلد شيء إلا بإذن هذا الميت الرميم، ولا يخرج منها شيء إلا بإذنه، هكذا تقول غلاة الوثنية. فمعنى ذلك: أنهم يسلبون ما لله جل وعلا من الصفات، ويجعلونها لعظام رميم، وربما تكون هذه العظام في جهنم كبعض الطواغيت التي تدعى ويزعم أنها من الأولياء وهي من الأشقياء، كأصحاب وحدة الوجود، وكذلك غيرهم ممن عرف بأنه جاسوس لدولة كافرة، ثم يموت فيقبر وتبنى عليه القباب ويدعى الناس إلى عبادته، فيصبح من أكبر المعبودات، وهذه حقيقته، وربما يكون خيالاً لا حقيقة له، وإنما جاء الشيطان إلى إنسان من الناس فقال: هذا قبر ولي، فبنى الناس تقربهم وذهابهم إلى هذا القبر على هذه الرؤيا الشيطانية، والشيطان حريص كل الحرص على إضلال الناس، وقد وجد في دعوتهم إلى عبادة القبور سهولة، فهم ينقادون له في هذا، بينما لو دعوتهم إلى عبادة الله لنفروا واشمأزوا، ولو قلت لهم: هذا لا ينفع ولا يضر، بل فعلكم ضرر محض؛ لرموك بالعظائم واشمأزوا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] يعني: إذا قيل لهم: اعبدوا الله وحده؛ نفروا وأبوا، أما إذا ذكر تعظيم المقبورين فإنهم يفرحون ويستبشرون ويقبلون على ذلك، لماذا؟ ما السبب؟ السبب ما في النفوس من حب الباطل، وميلها إلى القبور، وهذا هو سر كثرة التحذير من الرسول ﷺ ، عن الصلاة حول القبور وتحري العبادة عندها. قال الشارح: [ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عبد لكان وثناً، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه. ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها]. التوابيت أنواع: النوع الأول: تابوت ينصب فوق القبر، إما من رخام يضعونه فوق القبر منصوباً، ثم يضعون عليه الستور من الأقمشة الثمينة جداً كالحرير وغيره، ويغطونه ويسترونه، فهذا نوع. النوع الثاني: يجعلون تابوتاً من الخشب شبيهاً بالنصب، ويضعونه فوق القبر، ثم يكسونه بالأقمشة النفيسة، وكلما تقادم الوقت على هذه جدودها ونظفوها وزخرفوها، وهذا يفعله سدنة الأوثان، وسدنة القبور، وربما فعله الأثرياء، وربما فعله القادة، فبعض القادة قد يموت له قريب فيضعون عليه هذه الأشياء ويكون سبباً لعبادة الناس له، فيكون هذا من الدعاة إلى جهنم نسأل الله العافية. ووجود النصب والتوابيت على القبور كثير، وربما بنوا عليها البنايات، والذي يذهب إلى هذه الأماكن يشاهد ذلك ويعرف كيف يصنعون بها، وكيف يصنعون عندها، وكيف يتعبدون، وكيف يغرون العامة الذين هم أشباه الأنعام، وليس عندهم معرفة بالحق، ولا ما يميزون به عبادة غير الله جل وعلا من عبادة الله جل وعلا، وربما زيادة في الفتنة ذهب معهم أصحاب عمائم، يتعممون ويقال: إنهم علماء، فيدعون إلى عبادة القبور، فيكون ذلك زيادة فتنة لهؤلاء، ويكون حجة لهم، فيقولون: هؤلاء العلماء قدوتنا، ونحن نتبعهم، فإذا جاء منكر وأنكر عليهم لم يقبلوا منه، ويقولون: أنت ليس عندك علم مثل العالم الفلاني الذي يفعل كذا ويفعل كذا، والمقصود: أن النفوس عندها في الواقع إقبال على مثل هذه الأشياء، والحق قد يكون ثقيلاً على النفوس، وأما الباطل ففيه سهولة على النفوس، ويكون هذا من معنى الحديث الذي جاء في الصحيح (أن الله جل وعلا لما خلق النار أمر جبريل أن يذهب فقال: انظر إليها، فلما رآها يحطم بعضها بعضاً قال: والله لقد ظننت أنه لا يسمع بها أحد فيدخلها، ثم قال له: اذهب وانظر إلى الجنة، فلما رآها قال: والله لقد ظننت أنه لا يسمع بها أحد إلا دخلها -لما فيها من النعيم وفيها من قرة العيون- ثم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، فقال الله جل وعلا له: اذهب فانظر، فلما نظر إلى النار وقد حفت بالشهوات قال: والله لقد خفت ألا ينجو منها أحد، ولما ذهب إلى الجنة وقد حفت بالمكاره قال: لقد خفت أن لا يدخلها أحد). المسألة ليست سهلة بل صعبة، ولا سيما إذا كان الإيمان ضعيفاً، وكثير من الناس إيمانه شبه الحلم، لو شكك في إيمانه لشك، والشك في الإيمان بالله جل وعلا وبالبعث وبالآخرة كفر، وقد قال الله جل وعلا حاكياً عن الرجل الكافر: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] فلما قال هذا قال له الذي يحاوره: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧]. فالشك في الله، أو في البعث، أو في وعده من الكفر. فالكثير من الناس يكون إيمانه ضعيفاً، ويكون علمه قليلاً، فإذا رأى كثرة الناس على شيء من الكفر تبعهم على كفرهم.

стр. 800

خوف الصحابة من الغلو في الصالحين حماية للتوحيد قال الشارح: [كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت قيل: غيرت السنة! انتهى. ولخوف الفتنة نهى عمر عن تتبع آثار النبي ﷺ . قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها؛ فخاف عليهم الفتنة]. هي الشجرة التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وهذه الشجرة شجرة من السمر وهي في الحديبية، كان الرسول ﷺ جلس تحت ظلها، فبايع المؤمنين تحتها، وكانت معروفة، فلما كان في زمن عمر ﵁ رأى الناس يذهبون إليها، ويصلون عندها؛ لأنها حصلت عندها بيعة الرضوان، والله ذكرها جل وعلا في كتابه، فيصلون عندها هناك طلباً للبركة، فأمر أن تقطع وتزال. وعن المعرور بن سويد أنه قال: صليت مع عمر ﵁ قرب مكة في الطريق صلاة الفجر، وقرأ في الركعة الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] وقرأ في الركعة الثانية: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش:١]، فلما سلم رأى الناس يذهبون، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يذهبون إلى مساجد صلى فيها رسول الله ﷺ يصلون فيها، فقال: (أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم، من أدركته الصلاة عند هذه المساجد فليصل فيها، ومن لم تدركه الصلاة فليمض) يعني: لا تتحروا الصلاة فيها؛ لأن هذا هو سنة الرسول ﷺ ، ما كان يقصد هذه الأماكن بعينها فيصلي فيها، حتى يكون طلبها سنة، ولهذا ما فعل ذلك أحد من الصحابة إلا عبد الله بن عمر، وقد أنكر عليه بقية الصحابة وأنكر عليه والده، ولكن فعل عبد الله بن عمر ليس على ما يظنه هؤلاء أنه لأجل التبرك، بل فعله استناناً برسول الله ﷺ ، وطلباً للاقتداء به، وهو معروف بشدة اقتدائه وتتبعه لما كان يفعله الرسول ﷺ وهذا منه اقتداء به، حتى إنه كان يبول في المكان الذي يبول فيه، ومرة توضأ وبقي من وضوئه شيء من الماء فصبه في وسط شجرة توضأ عندها فكان ابن عمر يفعل هذا. هل هذا سنة؟ ليس من السنة، ولكن هذا فيه مبالغة في اتباعه للسنة، وهذا الذي أنكر عليه، فكيف بمن يحرص حرصاً شديداً على أن يطلب المكان الذي قيل: إنه جلس فيه، أو إنه صلى فيه، أو إنه نزل فيه، أو ما أشبه ذلك، فيأخذ ترابه ويتبرك به، وربما يأكل التراب طلباً للثواب، وتعظيماً لذلك المكان؟! هذا ليس من دين الإسلام في شيء، بل هذا في الواقع من البدع والضلالات التي هلك فيها من هلك. والمقصود أن الرسول ﷺ قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) كل الأرض لك مسجد، إذا أدركتك الصلاة وأنت تمشي فصل في المكان الذي أنت فيه، فهو مسجدك، ولا تذهب تتحرى أماكن معينة، فالمساجد التي تبنى على هذه الآثار من البدع، وهي في الواقع تدل على نقص الدين، وتدل كذلك على عدم التمسك بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه قد علم مراده بمنع التتبع للأماكن وتعظيمها وتقديسها، فإن هذا قد يكون شركاً، وقد يكون ضلالاً.

стр. 801

نهي عمر الناس عن تتبع آثار الأنبياء وأماكن صلاتهم قال الشارح: [وقال المعرور بن سويد: (صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بطريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض ولا يتعمدها). وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: (لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثلما أقرأ القرآن، فقلت لـ أبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشرة قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه. إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض]. هذه القصة تدل على أن الصحابة والتابعين لهم يعرفون العلة في المنع من اتخاذ القبور مساجد، وتحري الصلاة عندها، وخوفاً من العبادة لها، وليس كما يزعم بعض الفقهاء الذين قل نصيبهم من مقاصد الشرع ومن معرفة مراد الرسول ﷺ ؛ فزعموا أن النهي لأجل النجاسة فقط، فمعنى ذلك: إذا أمطرت السماء على القبور وغسلت وجه الأرض فإنه يجوز أن نصلي عندها؛ لأنها طاهرة غسلها الماء. وكذلك إذا أصابتها الريح وأصابتها الشمس؛ لأن الريح على القول الصحيح تطهر كما أن الشمس على القول الصحيح تطهر إذا استحالت الأرض وزال أثرها، يعني: على قولهم هذا الباطل يجوز أن نصلي فيها، وهذا في الواقع مصادمة لقول الرسول ﷺ تماماً، فالسلف فهموا المراد من نهي الرسول ﷺ ؛ ولهذا لما وجدوا هذا النبي الذي على السرير مخزوناً محفوظاً في الصندوق صنعوا به هذا الصنيع، حفروا له ثلاثة عشر قبراً في النهار متفرقة، كل قبر في مكان، ثم لما كان في ظلام الليل دفنوه في واحد منها، وسووها كلها؛ خوفاً من أن يتخذ معبوداً من دون الله ، يقول ابن القيم: هذا لو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسلاح. يعني: لتقاتلوا عليه حتى يعبدوه؛ لأنهم في الواقع ما فهموا عبادة الله على الوجه الذي جاء بها الرسول ﷺ ، فصاروا يتعلقون بغير الله جل وعلا ممن يرجون صلاحهم. وقوله: (وجدنا عنده مصحفاً)، المقصود: وجدنا عنده كتاباً؛ لأن كل كتاب يكتب يسمى: مصحفاً؛ لأنه من الصحف، كل ما كان في صحائف فهو مصحف، والصحائف التي كتبت كانت بلغة غير لغة العرب، يظهر أنها باللغة العبرية -لغة اليهود- أو السريانية والله أعلم، ودانيال من أنبياء بني إسرائيل. وقوله: (إنه دعا له كعباً، المقصود به كعب الأحبار؛ لأنه كان من اليهود فأسلم، وكان يعرف لغتهم، وكان يقرأ كتبهم، فنقله من لغتهم إلى اللغة العربية، وأبو العالية يقول: (أنا أول من قرأه) فلما سئل عنه، يقول: (إن فيه وصفكم وفيه سيرتكم وتلحينكم وأفعالكم) يظهر أن هذا مأخوذ عن الأنبياء. وهذا الأمر يدل على أن تحري العبادة عند القبور أو التوسل بها -كما يقول الكثير من الناس- لا يجوز عند الصحابة؛ ولهذا منعوا من ذلك، وفعلوا هذا الصنيع للتعمية، حتى لا يكونوا مثل هؤلاء الذين يخرجون به إذا قحطوا فيسقون، فإن هذا لا يجوز في دين الإسلام، هذا من دعاء غير الله جل وعلا، دعاء الله لا يكون إلا بأسمائه وصفاته، أو بالإيمان به، والأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان يسأل الله بها، أما أن يسأل بجثث، أو بأعمال الآخرين، أو بوجاهتهم، أو ما أشبه ذلك فهذا من البدع والضلالة، ولهذا منع من ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وفعلوا هذا الفعل؛ لئلا يقع فيه من لا يعرف الحق في هذا. قال الشارح: [قال ابن القيم ﵀: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار ﵃ من تعمية قبره؛ لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله. قال شيخ الإسلام ﵀: وهو إنكار منهم لذلك، فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله عندها، أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعاً ولا عيناً، إلا أن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يزورها ويسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة. وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا هو المنهي عنه. انتهى ملخصاً]. معنى هذا الكلام: أن تحري العبادة من دعاء وقراءة وصلاة في أماكن معينة -غير الأماكن التي أذن فيها الشرع أو رغب فيها- ضلال، ومن ذلك القبور أو أماكن معينة تقصد لهذا الشيء، من زاوية أو مكان يقال: إن فيه بركة أو ما أشبه ذلك، فإن فعل هذا ضلال، ولكن إذا كان الإنسان في طريقه سائراً وكان يدعو أو يقرأ، فمر بشيء من هذه الأماكن فإنه لا يقال: إنه قصدها، ولا يمنع من فعله بل يستمر على فعله، كما أن الذي يزور القبور مثلاً لأمر الشرع وهو تذكر الآخرة والاعتبار بالقبور؛ لأن الإنسان مآله إلى أن يقبر، والاستغفار لأصحابها إحسان إليهم، فهذا لا بأس به؛ لأنه مأذون به شرعاً، بخلاف من يذهب إليها ويسأل الله عندها ويرى أنه يجاب؛ لأن فيها الولي الفلاني، أو فيها النبي الفلاني أو ما أشبه ذلك، فإن هذا من الضلال. فيجب أن يميز الإنسان بين ما هو مشروع وبين ما هو بدع وضلال، والله جل وعلا لا يقبل من العبد إلا ما كان خالصاً له، وكان على ما جاء به الرسول ﷺ ، ولابد من هذين الشرطين في كل عمل يتقرب به إلى الله، أن يكون هذا العمل خالصاً لله، وأن يكون على سنة المصطفى ﷺ .

стр. 802

حكم اتخاذ قبور الأنبياء وغيرهم مساجد قال الشارح: [قوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فيه تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر. وفى القِرَى للطبري عن أصحاب مالك عن مالك أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي ﷺ ؛ وعلل ذلك بقوله ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) الحديث. كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك؛ سداً للذريعة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومالك قد أدرك التابعين، وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفاً عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي ﷺ . إلى أن قال: وقد ذكروا أسباب كراهته لأن يقول: زرت قبر النبي ﷺ ؛ لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية، وهو قصد الميت لسؤاله ودعائه، والرغبة إليه في قضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس، فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة، وكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد، بخلاف الصلاة والسلام عليه فإن ذلك مما أمر الله به. أما لفظ الزيارة في عموم القبور فلا يفهم منها مثل هذا المعنى، ألا ترى إلى قوله: (فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) مع زيارته لقبر أمه، فإن هذا يتناول قبور الكفار، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به، ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظماً في الدين كالأنبياء والصالحين، فإنه كثيراً ما يُعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا، وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة. انتهى]. يفهم من هذا الكلام كما هو صريح فيما يأتي أن الزيارة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: زيارة مرغب فيها مطلوبة، وتضاف إلى الشرع؛ لأن الشرع أمر بها وشرعها، وهي ما كان فيه خير للزائر والمزور. القسم الثاني: زيارة بدعية قد تكون شركية، وقد تكون أقل من كونها شركية، وقد تكون من البدع الداعية إلى الشرك، والتي توصل إلى الشرك، فالزيارة التي تكون مطلوبة وفيها إحسان إلى الإنسان الزائر وإلى المزور هي ما جاءت في الأحاديث عن النبي ﷺ مثل قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فهذا أمر بعد منع، ومعروف عند العلماء القواعد التي يقعدونها في معرفة مراد الشارع: أنه إذا جاء الأمر بعد الحظر والنهي فالغالب أنه يكون للإباحة وليس للوجوب، مثل قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] يعني: أنه حرم الصيد على المحرم ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] فالأمر بالاصطياد هنا للإباحة، وليست للوجوب بالاتفاق. كذلك قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] (فانتشروا) (وابتغوا) كله أمر بعد قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فنهاهم عن البيع وأمرهم بتركه، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] فالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله للإباحة؛ لأنه جاء بعد الحظر، وهذا مثله. قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) يعني: أنه رخص لهم، ومعلوم أن مجرد الزيارة بدون ما تشتمل عليه من المعاني لا فائدة فيها، وإنما المقصود أن يتعظ الإنسان وينزجر عن الركون إلى الدنيا، ويكون عنده رغبة في الآخرة؛ لأنه إذا نظر إلى القبر تذكر أنه سوف يقبر، وأن هذا مآله، وسوف يكون يوماً في هذا القبر ولابد، فيدعوه ذلك إلى زيادة العمل، وإلى الانكفاف عن المعاصي، فيكون فيه خير للزائر من هذه الناحية، أما من جهة المزور فإنه يدعو له ويستغفر له، يقول: (اللهم اغفر له) كما علم الرسول ﷺ الزائر أن يقول: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) هكذا يقول أو نحو هذا مما جاء. ففيه دعاء للميت واستغفار له، ولا شك أن الدعاء والاستغفار ينفع، إذا كان خرج من قلب إنسان صالح، وبإخلاص؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، أما دعاء مخلوط بالشرك وبالطلب من المخلوق فهذا مردود لا ينفع، بل هو يضر صاحبه ولا ينفعه، وغيره لا ينفعه، فلابد أن يكون الدعاء على وفق الشرع، وليس فيه شيء من البدع، هذه هي الزيارة النافعة. ثم ليس معنى الزيارة أن الإنسان يتردد على القبور، فالتردد لا يجوز، ولكن مرة في الوقت، أما إذا أكثر التردد فهذا لا يجوز. ثم الزيارة الممنوعة هي ما كان فيه خلاف الشرع، إما ليتعبد عند القبر، أو ليسأل صاحب القبر ويتوجه به إلى الله كأن يقول: أسألك بفلان الولي التقي الذي فيه كذا وكذا. هذا وإن كثيراً من الزائرين يقصدون التبرك بالأموات، وطلب الله جل وعلا بجاههم، وطلب الشفاعة، وربما تمادى الأمر ببعضهم إلى أن يقع في الشرك الأكبر، بأن يسأل الميت نفسه، فيكون مشركاً شركاً كبيراً محبطاً للأعمال التي سبقت، وإذا كان مسلماً قبل هذا فقد ارتد وخرج من الدين الإسلامي بذلك، وإن مات على هذا فهو مخلد في جهنم نسأل الله العافية. إذاً: الأمر فيه خطورة، ولابد للإنسان أن يتعلم الحق ويعرفه، ويتبع سنة المصطفى ﷺ ، ويدلنا هذا الكلام على أنه حتى في زمن الإمام مالك ﵀ وقع الخطأ في مثل هذه الأمور؛ فلهذا كره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ . وبين الشيخ ﵀ أن وجه الكراهة كونه اختلط الأمر عند كثير من الناس، فصار يطلق لفظ الزيارة على الزيارة البدعية، فمنع الإمام مالك أن يطلق ذلك خوفاً أن يفهم من هذه الزيارة الزيارة البدعية، وكل هذا اتباعاً لقوله ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، وقوله ﷺ : (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم)، فالعيد: اسم لما يعتاد ويتردد، إما بتردد الزمن، أو تردد الإنسان إلى المكان، وترداده إلى المكان يجعله عيداً، وتعيين الزمان يجعله عيداً أيضاً. فلهذا يجب أن يكون الإنسان متقيداً بما جاء عن النبي ﷺ ، وهذا مع كونه واجباً ومتعيناً لا يقبل العمل إلا به، والعمل إذا تعدى الشيء الذي شرع فإنه يكون مردوداً على صاحبه. قال: [وفيه: أن النبي ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه. ذكره المصنف رحمه الله تعالى].

стр. 803

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٤] من أعظم أسباب الشرك اتخاذ القبور مساجد، وبناء القباب والمشاهد عليها، وقد حذر النبي ﷺ أمته من ذلك، وحذرهم من كل ما يفضي إلى الشرك.

стр. 804

تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى)

стр. 805

حقيقة اللات وسبب عبادة الكفار له قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج)]. يعني: أن اللات الذي كان يعبده أهل الطائف، وهو من أكبر الطواغيت في الجاهلية، وقد كان رجلاً يلت السويق، والسويق: هو الحب الذي يحمص على النار ثم يطحن، ثم يوضع معه سمن أو زيت ويخلط ويؤكل، وقد يكون معه غير ذلك، وذكروا في سبب هذا أنه كان يصنع هذه الأشياء، وكان له غنم يأخذ منها السمن، ويجعل السويق ثم يقدمه لمن يأتي إليه، وفي بعض الآثار: أنهم إذا أكلوا من سويقه سمنوا، فصار ذلك فتنة، فلما مات دفنوه تحت صخرة ونقشوا عليها نقوشاً، وصاروا يطوفون بها، ويجلسون عندها للتبرك بها، ثم صاروا يطلبون من الله أن تشفع لهم. وسبق أن اللات فيه قراءتان: قراءة التخفيف اللات، وقراءة التشديد اللّاتّ. يعني: مثقلة مشددة، وإذا كانت القراءة مشددة مثقلة فهي على ما قال مجاهد، وأبو الجوزاء عن ابن عباس: (أنه كان يلت) مأخوذ من اللت، اللاتّ يعني: كان يلت السويق، يلته يعني: يخلطه بالزيت أو بالسمن، فهذا هو لته، أي: يخلطه بالزيت أو السمن ثم يقدمه لمن يأكله، فهذا في زمن حياته، فلما مات عظموه بأن جعلوا عليه بناء ثم صاروا يطوفون به، ويعكفون عنده من أجل التبرك به، ولطلب شفاعته؛ لأنهم زعموا أنه صالح، فيكون هذا مثل القبور التي تعبد الآن تماماً، التي يقول أصحابها: إن ساكنها ولي، وإنه ترجى شفاعته أو تطلب منه الشفاعة، وقد يطلبون منه أشياء في الدنيا كما هو معلوم مشتهر في كثير من بلاد المسلمين، وللأسف فإنهم يعبدون الرفاة، يعبدون ساكني القبور الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن غيرهم، يعبدونهم عبادة كعبادة رب العالمين؛ وذلك لأنهم ضلوا السبيل، ولأنهم ما عرفوا دعوة رسولهم الذي جاء بها إليهم، أو أنهم أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها، وصاروا يتبعون ما وجدوا عليه أهل بلدهم، وما تواضعوه بينهم من هذه الطقوس وهذه الخرافات، التي أصبح الكفار وللأسف يقدحون في الإسلام، فيقولون: إن دين المسلمين هو طلب الحاجات من الأموات، ونقول: إن هذا ليس ديناً للمسلمين، وإنما هذا دين المشركين، أما المسلمون فهم برآء من ذلك، فلا يجوز أن يكون مثل هذا منسوباً للإسلام، وإن فعله من يتسمى بالإسلام فهو في الواقع مجرد اسم انتسب إليه. والمقصود أن اللات على هذه القراءة وعلى هذا القول: رجل، وسواء كان صالحاً أو طالحاً، إنما كان هذا صنيعه، يصنع للناس هذا الفعل، ثم لما مات دفنوه وبنوا على قبره، ونقشوا على الصخرة التي فوق قبره نقشاً يدل على تعظيمه، وأنه يفعل وأنه يفعل كما يصنع بالقبور التي يوضع فوقها النقش، يوضع فيها الرخامة التي يكتب عليها، ويكون هذا داعياً إلى التبرك بها والتوسل بها. وبعد ذلك اشتهر، وصاروا يفتخرون بعبادة هذا الرميم الميت على غيرهم من العرب، كما أن قريشاً كانت تفتخر بأنها تعبد شجرة، هذا شيء عجيب! يفتخرون بأنهم يعبدون شجرة، الشجرة كيف تنفع أو تضر؟! ولكن الواقع أن الشيطان يدخل في الشجرة؛ ولهذا يسمعون الكلام من وسط الشجرة؛ لأن الشيطان يأتي ويكون في الشجرة، هم لا يرونه، لا يدخل في جوفها، فالشيطان لا يستطيع أن يدخل في جوف الشجرة، ولكنه يدخل في غصونها ويقف عليها ويخاطبهم ويكلمهم وهذا ما أخبر الله جل وعلا به: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]. ثم كثرت هذه الأوضاع وتوارثوها، فصار ديناً يورث عن الأكابر والآباء، فلما جاء الرسول ﷺ بالوحي من عند الله، يأمرهم بإخلاص العبادة له، صاروا يحتجون عليه بما كان يصنعه آباؤهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] أي: وجدناهم على دين وعلى ملة، ونحن متمسكون بذلك، فهم قدوتنا وأسوتنا، ولا نترك دينهم وطريقتهم لقولك، هذا معناه: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] فكانت هذه الخرافات أمراً أشربت قلوبهم بحبه ولا يتركونه. ومن السخافة أنهم كانوا يعبدون حجراً، وقد يعجب المسلم الذي عافاه الله جل وعلا من ذلك فيقول: أليس عندهم عقول؟! نقول: بلى عندهم عقول، ولكن إذا لم يجعل الله لعبده عوناً منه، فإن أول ما يجني عليه عقله واجتهاده، فلابد أن يكون للإنسان مساعد من الله وعون منه يرشده ويمده إلى الطريق السوي وإلا هلك. يقول أحد الذين هداهم الله جل وعلا بدعوة الرسول ﷺ في ذلك الوقت: (أرسلني أهلي بلبن وزبد إلى الآلهة، وكنت محتاجاً إلى ذلك، وأود أني أشربه وآكل الزبد، ولكن خفت من الآلهة، فذهبت به ووضعته تحت الآلهة لتأكل، ماذا صار؟ يقول: فجاء الثعلب فشرب اللبن، وأكل الزبد، وبال على الآلهة، فقلت: أهذه آلهة؟ يتعجب!! أرب يبول الثعلبان برأسه قد ذل من بالت عليه الثعالب يقضى على المرء أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]. لما صار ما صار على سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه يوم أحد تمحيصاً وابتلاء، وعلى من معه من المؤمنين، وانتصر عليهم المشركون، وقتل منهم من قتل، وصار رئيس الكفار في أعلى جبل أحد ينادي ويهتف بصوته لما كان مشركاً يعبد الأصنام، ويقول: (اعل هبل، اعل هبل، اعل هبل) هبل هو؟ صنم في مكة قد خلفه، أصم أبكم لا يسمع ولا ينطق ولا يملك شيئاً، ويقول له وهو في المدينة هنا: اعل، يعني: تصير أنت العالي؛ ولهذا أمر الرسول ﷺ أن يردوا عليه وأن يقولوا: (الله أعلى وأجل). فهذا في الواقع هو دين الشرك، هكذا العقل الذي شرف الله جل وعلا به عباده وميزهم به عن البهائم وعن الكلاب والحمير وغيرها، ميزهم بهذا العقل. فما بال الإنسان ينتكس ويرمي عقله تحت قدميه، ثم يصبح قلبه متعلقاً بمن هو أقل منه قيمة بكثير؟! الحي يستطيع أن ينفع، يستطيع أن يمشي، يستطيع أن يذهب، يستطيع أن يأتي، يستطيع أن يملك شيئاً، وأن يتصرف التصرف المحدود، أما الميت فماذا يصنع؟! لا شيء. الميت عظام رميم أو حبات تراب قد ذهبت أجزاؤه وصارت تراباً، أما روحه فهي معذبة أو منعمة، وغافلة عما يفعل هذا الذي يدعوه ويطلب منه، فإذا صار يوم القيامة قال له: كذبت ولعنه، وأنا بريء منك ومن دعوتك، سواء كان صالحاً أو غير صالح فإنه يتبرأ منه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، وقال: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥]. هكذا المعبود يلعن العابد، والعابد يلعن المعبود، وكل واحد يتبرأ من الآخر. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] ولكن هيهات انتهت القضية، وحقت الحاقة، ووجب العذاب، فما يفيد الندم، ولا تفيد المعاداة، ولكن العذاب كله يجمع عليه، والحسرات تجتمع عليه، في وقت لا يملكون شيئاً، وإنما يتمنون أن يردوا لعلهم يخلصون الدعوة، فهذه حقيقة شرك المشركين، وهي حقيقة شرك المشركين في وقتنا تماماً، إن لم يكن شرك هؤلاء الذين يعبدون القبور أعظم من شرك أولئك بدرجات فهو ليس بدونه، ولكنه في الواقع أعظم منه من وجوه: الوجه الأول: أن الكفار في القديم أكثر عقلاً من هؤلاء؛ لأنهم إذا قيل لهم: أهذه التي تدعونها تنفع أو تضر؟ قالوا: لا، ما تنفع ولا تضر، ولكن نريد الشفاعة، هي ليست لها ذنوب فنحن نطلب منها الشفاعة، أما هؤلاء إذا قيل لهم مثل ذلك قالوا: هؤلاء أعطاهم الله التصرف، فهم يتصرفون في الكون، ويملكون الرزق، ويملكون العافية والصحة، ويملك الواحد منهم أن يعطيك ولداً، ويملك أن يمنعك من المال، أو أن يعطيك المال أو غير ذلك من الغلو الزائف، فأي عقل هذا؟! أين تذهب العقول؟! الوجه الثاني: أن المشركين الأوائل إذا وقعوا في كرب وشدة أخلصوا العبادة لله وحده قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، إذا جاءت السلامة والعافية أشركوا، أما في وقت الكرب والشدة فهم يخلصون، أما هؤلاء إذا وقعوا في الشدائد زاد شركهم، وصار أحدهم يبكي ويتضرع أمام القبر، ويدعوه بتلهف وبدموع تسيل، وبكاء لا يحصل منه في المسجد إذا قام يصلي بين يدي الله، فأي نسبة بين هؤلاء وهؤلاء؟ ثم إذا قلنا: إن القراءة الأخرى أيضاً اللات مخففة فهل معناها أخذت من اللت؟ يجوز أن تكون أخذت من اللت، وأنها خففت لكثرة الاستعمال، فجاءت القراءة بالتخفيف على لغة العرب؛ لأن الله خاطبهم بلغتهم وعادتهم، والكلمة إذا استعملت وكثر استعمالها وكان فيها ثقل على اللسان فإنهم يخففونها، وهذا أمر معروف في اللغة. أما القول الثاني: أن الاشتقاق من غير اللت، وأنه من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] الإلحاد: هو الميل عن القصد المراد إلى غير ما أراده الشارع، فهم يقولون: إنهم اشتقوا لهذا الصنم اسماً من أسماء الله، فهم قالوا: اللات من الإله، يعني: أنهم أخذوا اسمه من الل

стр. 806

التعلق بالقبور سبب وقوع الشرك في الأرض أول مرة قد سبق أن أول شرك وقع في الأرض في قوم نوح بسبب القبور، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢١ - ٢٣] فود وسواع ويغوث ويعوق ونسر هذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا صوروهم ثم عبدوهم، وهناك قول آخر وهو: إنهم لما قبروهم عبدوا قبورهم، فهم صوروهم ونصبوهم في مجالس معينة، فصاروا يعظمونهم حتى صارت آلهة يعبدونها، فصار يوصي بعضهم بعضاً بالتمسك بعبادتهم؛ لئلا يؤثر عليهم نبي الله نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] لا تذرنها لقول نوح، إياكم أن تتركوها لقول نوح هذا معناه، ثم أكدوا على هذه الأصنام كلها ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] وهذه توصية عامة بالتمسك بالآلهة كلها على اختلاف أنواعها، ثم أكدوا وصية مؤكدة خاصة بعد ذلك بالتمسك بهذه الأصنام الخمسة: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] فدل هذا على أن الفتنة في هذا قريبة وليست كما يقول من جهل الحكمة التي نهى الشارع من أجلها عن تحري العبادة عند القبور، أو أداء العبادة عندها، وقال: إن المراد بالنهي النجاسة، فإن المقبرة نجسة فلا يصلى فيها، وإلا لو خلت من النجاسة أو فرش فراش على هذه القبور وصليت عندها فلا بأس، أهذا يقوله من يعرف مراد الشرع؟ كلا. ما يقوله إلا إنسان ما عرف مراد الشارع، وإنما المراد هو خوف أن تقع العبادة لهؤلاء الأموات، وهذا عجيب أن ميتاً أفضى إلى ما عمل يطلب منه أن ينفع الحي، والسبب في هذا اعتقاد الصلاح، واعتقاد الولاية، وأنه ولي، وأن الولي يعطى مطلوبه، وأنه إذا سئل منه شيء فيمكنه أن ينفع في هذا الشيء، هذا هو أساس الشرك، وهذا هو أصله. قال الشارح: [قوله: ولـ ابن جرير هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد الطبري صاحب التفسير والتاريخ والأحكام وغيرها قال ابن خزيمة: لا أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير وكان من المجتهدين لا يقلد أحداً، وله أصحاب يتفقهون على مذهبه ويأخذون بأقواله، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ومات ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة]. في زمنه ﵀ نظراؤه كثير، كان الأئمة المجتهدون كثيرين، ولكن بعضهم صار له أصحاب يذكرون أقوالهم ويتفقهون على أقوالهم وينشرونها، فاشتهر منهم الأئمة الأربعة: وهم الإمام مالك والإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ جيمعاً، ولهم نظراء كثير، مثل: سفيان الثوري، ومثل: الليث بن سعد، ومثل: الزهري ويصعب حصرهم وكلهم أئمة كبار، ولهم اجتهاد، ولهم إدراك وفقه عميق، ولكن ما صار لهم أصحاب مثلما صار لهؤلاء، مع أن الأئمة هؤلاء أنفسهم كانوا ينهون الناس أن ينقلوا أقوالهم ويدونوها، ويقولون لهم: تفقهوا في كتاب الله وفي أحاديث رسوله كما فعلنا نحن، واتركوا أقوالنا، ومعلوم أن المسائل تتجدد، وأن كثيراً من الناس لا يستطيع أن يستنتج حكم الفعل الذي يفعله أو الأمر الذي يقع له، ما يستطيع أن يستنتجه من كتاب الله ومن أحاديث رسوله، فيذهب إلى سؤال العلماء، أو ينظر في أقوالهم، فيجد فيها الشيء الذي يطابق الفعل؛ لكثرتها ولكثرة الأسئلة، ولكونهم تكلموا في مثل هذه المسائل، فمن هنا صاروا يعتنون بأقوالهم. التقليد: هو أن يتبع الإنسان غيره بغير دليل، أن تتبع هذا الشخص بلا دليل، كأن يقول لك: افعل كذا فتتبعه وتأخذ بقوله، أما اعتبار قوله بالدليل والنظر إلى الدليل فهذا لا يكون تقليداً؛ ولهذا يستعان بأقوال العلماء في معرفة معاني كلام الله، ومعاني كلام رسوله ﷺ ؛ ولأن الإنسان إذا عرف اللغة وفهم مراد المتكلم واستعان بأقوال العلماء فإنه يتبين له الحق، ولا يكون بذلك مقلداً، أما إذا كان الإنسان ليس عنده استطاعة، فلابد له من التقليد، فالإنسان العامي كيف يقال له: ابحث عن الدليل؟! هذا ما يجوز، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فأمر بسؤالهم، ومعلوم أن الأمر بسؤالهم يقتضي أن يتبعهم في أقوالهم، هذا هو الذي لا يستطيع أكثر المسلمين إلا ذلك، ولا يجوز أن يكلفوا بالشيء الذي لا يطيقونه، لا كما يقول بعض من لم يتمكن من العلم: يجب على الناس أن يعرفوا أدلة الأحكام، وأن يعرفوا حكم الوقائع من الكتاب والسنة، كلهم عليهم أن يعرفوا ذلك! نقول: هذا مستحيل ما يمكن، وليس عيباً كون الإنسان يقلد إماماً من الأئمة الذين صار لهم لسان صدق في الأمة، وعرفوا بعلمهم وتقواهم وحرصهم على نفع الناس، وشدة اتباعهم للرسول ﷺ ، وعرف اقتداؤهم بالسلف، ليس عيباً ولكن على الإنسان أن يتقي الله حسب استطاعته فإذا لم يستطع فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال الشارح: [قوله: عن سفيان الظاهر: أنه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه إمام عابد، كان مجتهداً، وله أتباع يتفقهون على مذهبه، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة. قوله: عن منصور هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي ثقة ثبت فقيه مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قوله: عن مجاهد هو ابن جبر -بالجيم والموحدة- أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير، أخذ عن ابن عباس وغيره ﵃ مات سنة أربع ومائة، قاله يحيى القطان، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁]. ومجاهد من تلامذة ابن عباس وكان يقول: عرضت المصحف على ابن عباس مرتين، أسأله عن كل آية فيما نزلت وما معناها؛ ولهذا السبب اعتمد البخاري ﵀ في صحيحه قول مجاهد؛ لأنه لاحظ في ذلك ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال لـ ابن عباس: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) والتأويل في لغة السلف المقصود به التفسير، (علمه التأويل) يعني: تفسير القرآن، ولهذا اشتهر ابن عباس بتفسير القرآن، ولهذا السبب اعتمد البخاري ﵀ على قوله، استناداً إلى دعاء الرسول ﷺ له.

стр. 807

سبب غلو المشركين في اللات قال الشارح: [قوله: (كان يلت السويق لهم فمات فعكفوا على قبره) في رواية: (فيطعم من يمر من الناس فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات) رواه سعيد بن منصور ومناسبته للترجمة: أنهم غلوا فيه لصلاحه حتى عبدوه، وصار قبره وثناً من أوثان المشركين]. واللات ليس من أقدم الأصنام، فمناة وجدت قبل اللات، بدليل أن العرب لهم أسماء عبد مناة كثيرة، فهم يعبدون أبناءهم لهذه الأصنام مثل: عبد العزى، وعبد مناة، وعبد اللات، وعبد ياليل، وعرف في التاريخ أنه استحدث فيما بعد عندهم. وقوله: (كان صالحاً) أي: الصلاح الذي كان معهوداً عندهم، ولا يلزم من هذا أن يكون مسلماً، بل الصلاح الذي كان معهوداً عندهم. قال الشارح: [قوله: وكذا قال أبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي بفتح الراء والباء مات سنة ثلاث وثمانين. قال البخاري: حدثنا مسلم وهو ابن إبراهيم حدثنا أبو الأشهب حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج). قال ابن خزيمة: وكذا العزى، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم].

стр. 808

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٥] إن طبيعة المرأة -التي تتسم بالضعف وقلة الصبر- تحملها على الجزع والندب والنياحة عند الموت، وعند زيارة القبور، فإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة وسبباً لحصول أمور محرمة، فإنها تمنع من ذلك؛ لأن من أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو مستترة علق الحكم بمظنتها.

стр. 809

حديث: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أهل السنن]. وجه الاستشهاد من الأثر السابق الذي أورده المؤلف: هو أن الغلو في القبور الزيارة التي يكون فيها الاستنجاد بالميت أو طلب النفع منه؛ تجعل القبر وثناً يعبد، ويكون الإنسان واقعاً في الشرك، وفي هذا تحذير الإنسان أن يغلو في القبور غلواً يتجاوز المشروع، وإنما يجب عليه أن يتقيد بالسنة التي جاءت عن النبي ﷺ ، وأن تكون الزيارة لأجل الاتعاظ والاعتبار، ولأجل الاستغفار للميت فقط، ولا يتخذ ذلك عيداً يتردد ويتكرر في اليوم عدة مرات، وإنما يكون في وقت دون وقت، كما هو معروف عن السلف. ولهذا لا يقتصر هذا الحكم على قبور المسلمين، بل يجوز أن تزار قبور الكفار، ولكن يجب أن تكون زيارة قبور الكفار للاتعاظ فقط، وليس للاستغفار ولا للدعاء لهم، وإنما يكون للموعظة؛ لأن العلة موجودة وهي الاتعاظ، سواء كان المقبور مسلماً أو غير مسلم، ولكن إذا كان مسلماً يضاف إلى ذلك أنه يستغفر له ويدعو له؛ لأن المسلم أخو المسلم، وينبغي بل يجب عليه أن يود له ما يود لنفسه، وإذا كان في كرب وفي شدة وقد ارتهن بعمله وختم على صحائفه ولم تزدد له حسنة ولم تنقص من سيئاته سيئة؛ فهو في أمس الحاجة إلى من يأتي من إخوته ويستغفر له ويدعو له، لعل حسنة تضاف إليه، أو سيئة تمحى عنه، وهذا من أعظم الإحسان، فيكون هذا شبيهاً بالصلاة على الميت؛ لأن الصلاة هذا مقصودها؛ لأنه انتهى عمله، وطويت صحائفه، فصلاه المسلمين عليه زيادة في صحيفته، ويطلبوا من ربهم جل وعلا أن يحط من سيئاته؛ ولهذا جاء دعاء الجنازة مشتملاً على هذه المعاني، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا صليتم على الجنازة فأخلصوا له الدعاء) قوله: (أخلصوا له الدعاء) معناه: اجعلوا دعاءكم له، لا تجعلوه لأنفسكم ولغيركم، أخلصوا له الدعاء ولكن جاء في تعليمه ﷺ أن دعاء الجنازة كما سيأتي يكون على قسمين: قسم يكون دعاء عاماً، ثم بعد ذلك يكون دعاء خاصاً، أول ما تبدأ تقول: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وحاضرنا وغائبنا) وهذا يكون للمسلمين عموماً، ثم بعد ذلك يدعو للميت نفسه بقوله: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) إلى آخر الدعاء، والمقصود أن هذا إحسان إليه وهو بحاجة إلى ذلك. وزيارة القبور مثل هذا، يعني: يزوره ليدعو له بعدما يتعظ هو بنفسه، أما إذا تعدت هذين المعنيين فهي بدعة، ولا ينتفع بها الإنسان، لا الميت ولا الحي، بل الحي يتضرر، أما الميت ما يضره ذلك؛ لأن هذا فعل الحي. قال الشارح: [قلت: وفي الباب حديث أبي هريرة وحديث حسان بن ثابت. فأما حديث أبي هريرة فرواه أحمد والترمذي وصححه، وحديث حسان أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: (لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور). وحديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانئ وقد ضعفه بعضهم ووثقه بعضهم. قال علي بن المديني عن يحيى القطان: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هاني، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان، قال ابن معين: ليس به بأس، ولهذا أخرجه ابن السكن في صحيحه، انتهى من الذهب الإبريز عن الحافظ المزي]. إذا كان الحديث في سنده من تكلم فيه، ولم يرضه بعض الحفاظ، وبعضهم سكت عنه، ثم جاء الحديث بسند آخر من طريق آخر فهذا الذي يقول الترمذي عنه: إنه حسن، وهذا الحديث جاء من عدة طرق ليس من طريق واحد، بل كثرت الطرق وتعددت، ومع ذلك اختلف الصحابي، فدل هذا على أنه من أقوى ما يقال عنه: إنه من قبيل الحسن، فالحكم عليه بأنه ضعيف غير صحيح؛ لأنه تعددت طرقه، واختلاف الرواة فيه يدل على أن له أصلاً، وأنه ليس غلطاً، وليس وهماً من الراوي، فهذا أقوى مما وسمه الترمذي ﵀؛ لأنه إذا قال: هذا الحديث حسن فمقصوده إذا تعددت طرقه، وإن كانت طرقه ضعيفة، بل بسبب التعدد وكونه جاء من أكثر من طريق يحكم عليه بأنه حسن.

стр. 810

القول الراجح في زيارة النساء للقبور سبق أن اللعن من الله جل وعلا: الطرد والإبعاد، فالملعون هو المبعد عن الخير وعن الرحمة، وأن الله جل وعلا يلعن من يشاء كما أنه يرحم من يشاء، ولكن الملعون من حقت عليه اللعنة واستحقها، وسبق أيضاً أنه إذا جاء لعن فاعل فعل من الأفعال فإن هذا الفعل يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يلعن فاعل فعل يكون فعله خلاف الأولى، بل لكونه فعل فعلاً هو معصية وكبيرة من الكبائر فعلى هذه القاعدة يقال: إن زائرات القبور من النساء ملعونات، وأن زيارة القبور منهن كبيرة من الكبائر، ولا فرق بين زيارة قبر أو زيارة قبور، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: إنه لا يجوز للنساء زيارة القبور مطلقاً، بل ولا يجوز اتباع الجنائز لهن، أما اتباع الجنائز فجاء في الحديث الصحيح أنه قال: (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تؤذين الميت، وتفتن الحي) أو نحو ذلك وهذا يدل على أنه لا يجوز، فإذاً: النساء ممنوعات من اتباع الجنائز، وقد قال ﷺ : (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها واتبعها فله قيراطان) فهنا (من) لفظ عام بالاتفاق، يدخل فيه الرجال والنساء، ولكن جاء دليل خاص أخرج النساء من ذلك، فخرجن من هذا العموم بدليل خاص. أما الزيارة للنساء فجاء فيه اللعن، ولكن سبب الخلاف أنه جاء ما يدل على الجواز، فقد جاء عن عائشة ﵂ أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فلما قيل لها: (ألم ينه رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى ثم رخص، ولو حضرته عند موته ما زرته) فهذا في الواقع ليس فيه حجة ولا دليل فيه؛ لأن ظاهره كما احتجت بأن النهي جاء أولاً ثم جاء بعده الإذن العام، ولم يحتج عليها القائل بأن الرسول ﷺ نهى النساء خاصة، فكأنها ما بلغها هذا، فلا يكون في ذلك حجة. أما المرأة التي جاءت قصتها في الصحيح أنه مر ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: (اتقي الله، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بما أصبت به، فقيل لها: هذا رسول الله، فندمت وجاءت إلى بيته، فلم تجد عنده بواباً فقالت: يا رسول الله! أصبر، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) فهذا الحديث صحيح، ولكن ما يعرف تاريخه، وإذا كان الأمر هكذا فلا يؤخذ بالشيء العام باتفاق العلماء بل يقدم الخاص على العام. ومعلوم أن العلة إذا عرفت فإن الحكم يناط بها، فالنساء قلوبهن أرق من قلوب الرجال، وهن أضعف عقولاً، وصبرهن أقل، فربما يقعن في زيارتهن في الأمور الممنوعة، والنفع الذي يكون فيها هو كونهن يتعظن، وإذا كانت الأمور المحذورة أو الممنوعة أكثر مما يرجى منه النفع فلا يجوز أن يؤذن لهن، ولا يجيز الشارع في مثل هذا، أما مجرد الاستغفار فيمكنهن أن يستغفرن وهن في بيوتهن. أما ما جاء أن الرسول ﷺ علم عائشة كيف تقول إذا زارت القبور، فهذا لا يدل على جواز الزيارة، ولكن إذا مرت المرأة في طريقها على القبور فيجوز لها أن تقول هذا الدعاء وهي سائرة في الطريق، وهذا غير ممنوع، فالذي يظهر أنه علمها هذا من أجل أنها إذا مرت على قبور في طريقها وهي سائرة أن تقول هذا الدعاء، فيبقى النهي على بابه، وهذا هو الراجح، فلا يجوز للنساء أن يزرن القبور، بل زيارتهن محرمة، وإذا جاء عن العلماء أنها مكروهة فإن هذه الكراهة تحمل على كراهة التحريم، ولا فرق بين زيارة القبور في المقابر، أو زيارة قبر النبي ﷺ ، لا فرق بين هذا وهذا، فإذا منع النساء من زيارة قبور الناس فهن ممنوعات أيضاً من زيارة قبر النبي ﷺ . قال الشارح: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد جاء عن النبي ﷺ من طريقين: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (لعن زوارات القبور) وذكر حديث ابن عباس ثم قال: ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، ومثل هذا حجة بلا ريب. وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي؛ فإنه جعل الحسن إذا تعددت طرقه، ولم يكن فيه متهم، ولم يكن شاذاً أي: مخالفاً لما ثبت بنقل الثقات. وهذا الحديث تعددت طرقه، وليس فيها متهم، ولا خالفه أحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف إذا كان هذا رواه عن صاحب، وذاك عن آخر؟ فهذا كله يبين أن الحديث في الأصل معروف. والذين رخصوا في الزيارة، اعتمدوا على ما روي عن عائشة ﵂: (أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وقالت: لو شهدتك ما زرتك)، وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال، إذ لو كان كذلك لاستحبت زيارته، سواء شهدته أم لا. قلت: فعلى هذا لا حجة فيه لمن قال بالرخصة. وهذا السياق لحديث عائشة رواه الترمذي من رواية عبد الله بن أبي مليكة عنها، وهو يخالف سياق الأثرم له عن عبد الله بن أبي مليكة أيضاً: (أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين! أليس نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها). فأجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذا وقال: ولا حجة في حديث عائشة، فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة. يبين ذلك قولها: (قد أمر بزيارتها) فهذا يبين أنه أمر بها أمراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة. ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور، لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها: لما زرتك. واللعن صريح في التحريم، والخطاب بالإذن في قوله: (فزوروها) لم يتناول النساء، فلم يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخاً له عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو المعروف عند أصحابه. فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص؟ إذ قد يكون قوله: (لعن الله زوارات القبور) بعد إذنه للرجال في الزيارة؛ يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج المنهي عنها محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وكذلك الآخر. والصحيح: أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه: أحدها: أن قوله ﷺ : (فزوروها) صيغة تذكير وإنما يتناول النساء أيضاً على سبيل التغليب. لكن هذا فيه قولان: قيل: إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل. وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق. وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة ولا ينسخها عند جمهور العلماء، ولو كان النساء داخلات في هذا الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور، وما علمنا أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور. ومنها: أن النبي ﷺ علل الإذن للرجال بأن ذلك (يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين) هكذا في مسند أحمد، ومعلوم أن المرأة إذا فُتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسبباً للأمور المحرمة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب؛ سداً للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها. ومن العلماء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بقوله ﷺ : (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت) وقوله ﷺ لـ فاطمة: (أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة) ويؤيده ما ثبت في الصحيحين: (من أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز)، ومعلوم أن قوله ﷺ : (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان) هو أدل على العموم من صيغة التذكير، فإن لفظ (من) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى. انتهى ملخصاً].
следующие страницы →