← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

التعلق بالقبور سبب وقوع الشرك في الأرض أول مرة قد سبق أن أول شرك وقع في الأرض في قوم نوح بسبب القبور، كما قال جل وعلا: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢١ - ٢٣] فود وسواع ويغوث ويعوق ونسر هذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا صوروهم ثم عبدوهم، وهناك قول آخر وهو: إنهم لما قبروهم عبدوا قبورهم، فهم صوروهم ونصبوهم في مجالس معينة، فصاروا يعظمونهم حتى صارت آلهة يعبدونها، فصار يوصي بعضهم بعضاً بالتمسك بعبادتهم؛ لئلا يؤثر عليهم نبي الله نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] لا تذرنها لقول نوح، إياكم أن تتركوها لقول نوح هذا معناه، ثم أكدوا على هذه الأصنام كلها ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] وهذه توصية عامة بالتمسك بالآلهة كلها على اختلاف أنواعها، ثم أكدوا وصية مؤكدة خاصة بعد ذلك بالتمسك بهذه الأصنام الخمسة: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] فدل هذا على أن الفتنة في هذا قريبة وليست كما يقول من جهل الحكمة التي نهى الشارع من أجلها عن تحري العبادة عند القبور، أو أداء العبادة عندها، وقال: إن المراد بالنهي النجاسة، فإن المقبرة نجسة فلا يصلى فيها، وإلا لو خلت من النجاسة أو فرش فراش على هذه القبور وصليت عندها فلا بأس، أهذا يقوله من يعرف مراد الشرع؟ كلا. ما يقوله إلا إنسان ما عرف مراد الشارع، وإنما المراد هو خوف أن تقع العبادة لهؤلاء الأموات، وهذا عجيب أن ميتاً أفضى إلى ما عمل يطلب منه أن ينفع الحي، والسبب في هذا اعتقاد الصلاح، واعتقاد الولاية، وأنه ولي، وأن الولي يعطى مطلوبه، وأنه إذا سئل منه شيء فيمكنه أن ينفع في هذا الشيء، هذا هو أساس الشرك، وهذا هو أصله. قال الشارح: [قوله: ولـ ابن جرير هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد الطبري صاحب التفسير والتاريخ والأحكام وغيرها قال ابن خزيمة: لا أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير وكان من المجتهدين لا يقلد أحداً، وله أصحاب يتفقهون على مذهبه ويأخذون بأقواله، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ومات ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة]. في زمنه ﵀ نظراؤه كثير، كان الأئمة المجتهدون كثيرين، ولكن بعضهم صار له أصحاب يذكرون أقوالهم ويتفقهون على أقوالهم وينشرونها، فاشتهر منهم الأئمة الأربعة: وهم الإمام مالك والإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ جيمعاً، ولهم نظراء كثير، مثل: سفيان الثوري، ومثل: الليث بن سعد، ومثل: الزهري ويصعب حصرهم وكلهم أئمة كبار، ولهم اجتهاد، ولهم إدراك وفقه عميق، ولكن ما صار لهم أصحاب مثلما صار لهؤلاء، مع أن الأئمة هؤلاء أنفسهم كانوا ينهون الناس أن ينقلوا أقوالهم ويدونوها، ويقولون لهم: تفقهوا في كتاب الله وفي أحاديث رسوله كما فعلنا نحن، واتركوا أقوالنا، ومعلوم أن المسائل تتجدد، وأن كثيراً من الناس لا يستطيع أن يستنتج حكم الفعل الذي يفعله أو الأمر الذي يقع له، ما يستطيع أن يستنتجه من كتاب الله ومن أحاديث رسوله، فيذهب إلى سؤال العلماء، أو ينظر في أقوالهم، فيجد فيها الشيء الذي يطابق الفعل؛ لكثرتها ولكثرة الأسئلة، ولكونهم تكلموا في مثل هذه المسائل، فمن هنا صاروا يعتنون بأقوالهم. التقليد: هو أن يتبع الإنسان غيره بغير دليل، أن تتبع هذا الشخص بلا دليل، كأن يقول لك: افعل كذا فتتبعه وتأخذ بقوله، أما اعتبار قوله بالدليل والنظر إلى الدليل فهذا لا يكون تقليداً؛ ولهذا يستعان بأقوال العلماء في معرفة معاني كلام الله، ومعاني كلام رسوله ﷺ ؛ ولأن الإنسان إذا عرف اللغة وفهم مراد المتكلم واستعان بأقوال العلماء فإنه يتبين له الحق، ولا يكون بذلك مقلداً، أما إذا كان الإنسان ليس عنده استطاعة، فلابد له من التقليد، فالإنسان العامي كيف يقال له: ابحث عن الدليل؟! هذا ما يجوز، وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] فأمر بسؤالهم، ومعلوم أن الأمر بسؤالهم يقتضي أن يتبعهم في أقوالهم، هذا هو الذي لا يستطيع أكثر المسلمين إلا ذلك، ولا يجوز أن يكلفوا بالشيء الذي لا يطيقونه، لا كما يقول بعض من لم يتمكن من العلم: يجب على الناس أن يعرفوا أدلة الأحكام، وأن يعرفوا حكم الوقائع من الكتاب والسنة، كلهم عليهم أن يعرفوا ذلك! نقول: هذا مستحيل ما يمكن، وليس عيباً كون الإنسان يقلد إماماً من الأئمة الذين صار لهم لسان صدق في الأمة، وعرفوا بعلمهم وتقواهم وحرصهم على نفع الناس، وشدة اتباعهم للرسول ﷺ ، وعرف اقتداؤهم بالسلف، ليس عيباً ولكن على الإنسان أن يتقي الله حسب استطاعته فإذا لم يستطع فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. قال الشارح: [قوله: عن سفيان الظاهر: أنه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه إمام عابد، كان مجتهداً، وله أتباع يتفقهون على مذهبه، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة. قوله: عن منصور هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي ثقة ثبت فقيه مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قوله: عن مجاهد هو ابن جبر -بالجيم والموحدة- أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير، أخذ عن ابن عباس وغيره ﵃ مات سنة أربع ومائة، قاله يحيى القطان، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁]. ومجاهد من تلامذة ابن عباس وكان يقول: عرضت المصحف على ابن عباس مرتين، أسأله عن كل آية فيما نزلت وما معناها؛ ولهذا السبب اعتمد البخاري ﵀ في صحيحه قول مجاهد؛ لأنه لاحظ في ذلك ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال لـ ابن عباس: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) والتأويل في لغة السلف المقصود به التفسير، (علمه التأويل) يعني: تفسير القرآن، ولهذا اشتهر ابن عباس بتفسير القرآن، ولهذا السبب اعتمد البخاري ﵀ على قوله، استناداً إلى دعاء الرسول ﷺ له.

стр. 807

سبب غلو المشركين في اللات قال الشارح: [قوله: (كان يلت السويق لهم فمات فعكفوا على قبره) في رواية: (فيطعم من يمر من الناس فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات) رواه سعيد بن منصور ومناسبته للترجمة: أنهم غلوا فيه لصلاحه حتى عبدوه، وصار قبره وثناً من أوثان المشركين]. واللات ليس من أقدم الأصنام، فمناة وجدت قبل اللات، بدليل أن العرب لهم أسماء عبد مناة كثيرة، فهم يعبدون أبناءهم لهذه الأصنام مثل: عبد العزى، وعبد مناة، وعبد اللات، وعبد ياليل، وعرف في التاريخ أنه استحدث فيما بعد عندهم. وقوله: (كان صالحاً) أي: الصلاح الذي كان معهوداً عندهم، ولا يلزم من هذا أن يكون مسلماً، بل الصلاح الذي كان معهوداً عندهم. قال الشارح: [قوله: وكذا قال أبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي بفتح الراء والباء مات سنة ثلاث وثمانين. قال البخاري: حدثنا مسلم وهو ابن إبراهيم حدثنا أبو الأشهب حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج). قال ابن خزيمة: وكذا العزى، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم].

стр. 808

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٥] إن طبيعة المرأة -التي تتسم بالضعف وقلة الصبر- تحملها على الجزع والندب والنياحة عند الموت، وعند زيارة القبور، فإذا كانت زيارة النساء للقبور مظنة وسبباً لحصول أمور محرمة، فإنها تمنع من ذلك؛ لأن من أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو مستترة علق الحكم بمظنتها.

стр. 809

حديث: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أهل السنن]. وجه الاستشهاد من الأثر السابق الذي أورده المؤلف: هو أن الغلو في القبور الزيارة التي يكون فيها الاستنجاد بالميت أو طلب النفع منه؛ تجعل القبر وثناً يعبد، ويكون الإنسان واقعاً في الشرك، وفي هذا تحذير الإنسان أن يغلو في القبور غلواً يتجاوز المشروع، وإنما يجب عليه أن يتقيد بالسنة التي جاءت عن النبي ﷺ ، وأن تكون الزيارة لأجل الاتعاظ والاعتبار، ولأجل الاستغفار للميت فقط، ولا يتخذ ذلك عيداً يتردد ويتكرر في اليوم عدة مرات، وإنما يكون في وقت دون وقت، كما هو معروف عن السلف. ولهذا لا يقتصر هذا الحكم على قبور المسلمين، بل يجوز أن تزار قبور الكفار، ولكن يجب أن تكون زيارة قبور الكفار للاتعاظ فقط، وليس للاستغفار ولا للدعاء لهم، وإنما يكون للموعظة؛ لأن العلة موجودة وهي الاتعاظ، سواء كان المقبور مسلماً أو غير مسلم، ولكن إذا كان مسلماً يضاف إلى ذلك أنه يستغفر له ويدعو له؛ لأن المسلم أخو المسلم، وينبغي بل يجب عليه أن يود له ما يود لنفسه، وإذا كان في كرب وفي شدة وقد ارتهن بعمله وختم على صحائفه ولم تزدد له حسنة ولم تنقص من سيئاته سيئة؛ فهو في أمس الحاجة إلى من يأتي من إخوته ويستغفر له ويدعو له، لعل حسنة تضاف إليه، أو سيئة تمحى عنه، وهذا من أعظم الإحسان، فيكون هذا شبيهاً بالصلاة على الميت؛ لأن الصلاة هذا مقصودها؛ لأنه انتهى عمله، وطويت صحائفه، فصلاه المسلمين عليه زيادة في صحيفته، ويطلبوا من ربهم جل وعلا أن يحط من سيئاته؛ ولهذا جاء دعاء الجنازة مشتملاً على هذه المعاني، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا صليتم على الجنازة فأخلصوا له الدعاء) قوله: (أخلصوا له الدعاء) معناه: اجعلوا دعاءكم له، لا تجعلوه لأنفسكم ولغيركم، أخلصوا له الدعاء ولكن جاء في تعليمه ﷺ أن دعاء الجنازة كما سيأتي يكون على قسمين: قسم يكون دعاء عاماً، ثم بعد ذلك يكون دعاء خاصاً، أول ما تبدأ تقول: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وحاضرنا وغائبنا) وهذا يكون للمسلمين عموماً، ثم بعد ذلك يدعو للميت نفسه بقوله: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) إلى آخر الدعاء، والمقصود أن هذا إحسان إليه وهو بحاجة إلى ذلك. وزيارة القبور مثل هذا، يعني: يزوره ليدعو له بعدما يتعظ هو بنفسه، أما إذا تعدت هذين المعنيين فهي بدعة، ولا ينتفع بها الإنسان، لا الميت ولا الحي، بل الحي يتضرر، أما الميت ما يضره ذلك؛ لأن هذا فعل الحي. قال الشارح: [قلت: وفي الباب حديث أبي هريرة وحديث حسان بن ثابت. فأما حديث أبي هريرة فرواه أحمد والترمذي وصححه، وحديث حسان أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: (لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور). وحديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانئ وقد ضعفه بعضهم ووثقه بعضهم. قال علي بن المديني عن يحيى القطان: لم أر أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هاني، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان، قال ابن معين: ليس به بأس، ولهذا أخرجه ابن السكن في صحيحه، انتهى من الذهب الإبريز عن الحافظ المزي]. إذا كان الحديث في سنده من تكلم فيه، ولم يرضه بعض الحفاظ، وبعضهم سكت عنه، ثم جاء الحديث بسند آخر من طريق آخر فهذا الذي يقول الترمذي عنه: إنه حسن، وهذا الحديث جاء من عدة طرق ليس من طريق واحد، بل كثرت الطرق وتعددت، ومع ذلك اختلف الصحابي، فدل هذا على أنه من أقوى ما يقال عنه: إنه من قبيل الحسن، فالحكم عليه بأنه ضعيف غير صحيح؛ لأنه تعددت طرقه، واختلاف الرواة فيه يدل على أن له أصلاً، وأنه ليس غلطاً، وليس وهماً من الراوي، فهذا أقوى مما وسمه الترمذي ﵀؛ لأنه إذا قال: هذا الحديث حسن فمقصوده إذا تعددت طرقه، وإن كانت طرقه ضعيفة، بل بسبب التعدد وكونه جاء من أكثر من طريق يحكم عليه بأنه حسن.

стр. 810

القول الراجح في زيارة النساء للقبور سبق أن اللعن من الله جل وعلا: الطرد والإبعاد، فالملعون هو المبعد عن الخير وعن الرحمة، وأن الله جل وعلا يلعن من يشاء كما أنه يرحم من يشاء، ولكن الملعون من حقت عليه اللعنة واستحقها، وسبق أيضاً أنه إذا جاء لعن فاعل فعل من الأفعال فإن هذا الفعل يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يلعن فاعل فعل يكون فعله خلاف الأولى، بل لكونه فعل فعلاً هو معصية وكبيرة من الكبائر فعلى هذه القاعدة يقال: إن زائرات القبور من النساء ملعونات، وأن زيارة القبور منهن كبيرة من الكبائر، ولا فرق بين زيارة قبر أو زيارة قبور، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: إنه لا يجوز للنساء زيارة القبور مطلقاً، بل ولا يجوز اتباع الجنائز لهن، أما اتباع الجنائز فجاء في الحديث الصحيح أنه قال: (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تؤذين الميت، وتفتن الحي) أو نحو ذلك وهذا يدل على أنه لا يجوز، فإذاً: النساء ممنوعات من اتباع الجنائز، وقد قال ﷺ : (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها واتبعها فله قيراطان) فهنا (من) لفظ عام بالاتفاق، يدخل فيه الرجال والنساء، ولكن جاء دليل خاص أخرج النساء من ذلك، فخرجن من هذا العموم بدليل خاص. أما الزيارة للنساء فجاء فيه اللعن، ولكن سبب الخلاف أنه جاء ما يدل على الجواز، فقد جاء عن عائشة ﵂ أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فلما قيل لها: (ألم ينه رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى ثم رخص، ولو حضرته عند موته ما زرته) فهذا في الواقع ليس فيه حجة ولا دليل فيه؛ لأن ظاهره كما احتجت بأن النهي جاء أولاً ثم جاء بعده الإذن العام، ولم يحتج عليها القائل بأن الرسول ﷺ نهى النساء خاصة، فكأنها ما بلغها هذا، فلا يكون في ذلك حجة. أما المرأة التي جاءت قصتها في الصحيح أنه مر ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: (اتقي الله، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بما أصبت به، فقيل لها: هذا رسول الله، فندمت وجاءت إلى بيته، فلم تجد عنده بواباً فقالت: يا رسول الله! أصبر، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) فهذا الحديث صحيح، ولكن ما يعرف تاريخه، وإذا كان الأمر هكذا فلا يؤخذ بالشيء العام باتفاق العلماء بل يقدم الخاص على العام. ومعلوم أن العلة إذا عرفت فإن الحكم يناط بها، فالنساء قلوبهن أرق من قلوب الرجال، وهن أضعف عقولاً، وصبرهن أقل، فربما يقعن في زيارتهن في الأمور الممنوعة، والنفع الذي يكون فيها هو كونهن يتعظن، وإذا كانت الأمور المحذورة أو الممنوعة أكثر مما يرجى منه النفع فلا يجوز أن يؤذن لهن، ولا يجيز الشارع في مثل هذا، أما مجرد الاستغفار فيمكنهن أن يستغفرن وهن في بيوتهن. أما ما جاء أن الرسول ﷺ علم عائشة كيف تقول إذا زارت القبور، فهذا لا يدل على جواز الزيارة، ولكن إذا مرت المرأة في طريقها على القبور فيجوز لها أن تقول هذا الدعاء وهي سائرة في الطريق، وهذا غير ممنوع، فالذي يظهر أنه علمها هذا من أجل أنها إذا مرت على قبور في طريقها وهي سائرة أن تقول هذا الدعاء، فيبقى النهي على بابه، وهذا هو الراجح، فلا يجوز للنساء أن يزرن القبور، بل زيارتهن محرمة، وإذا جاء عن العلماء أنها مكروهة فإن هذه الكراهة تحمل على كراهة التحريم، ولا فرق بين زيارة القبور في المقابر، أو زيارة قبر النبي ﷺ ، لا فرق بين هذا وهذا، فإذا منع النساء من زيارة قبور الناس فهن ممنوعات أيضاً من زيارة قبر النبي ﷺ . قال الشارح: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد جاء عن النبي ﷺ من طريقين: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (لعن زوارات القبور) وذكر حديث ابن عباس ثم قال: ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، ومثل هذا حجة بلا ريب. وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي؛ فإنه جعل الحسن إذا تعددت طرقه، ولم يكن فيه متهم، ولم يكن شاذاً أي: مخالفاً لما ثبت بنقل الثقات. وهذا الحديث تعددت طرقه، وليس فيها متهم، ولا خالفه أحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف إذا كان هذا رواه عن صاحب، وذاك عن آخر؟ فهذا كله يبين أن الحديث في الأصل معروف. والذين رخصوا في الزيارة، اعتمدوا على ما روي عن عائشة ﵂: (أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وقالت: لو شهدتك ما زرتك)، وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال، إذ لو كان كذلك لاستحبت زيارته، سواء شهدته أم لا. قلت: فعلى هذا لا حجة فيه لمن قال بالرخصة. وهذا السياق لحديث عائشة رواه الترمذي من رواية عبد الله بن أبي مليكة عنها، وهو يخالف سياق الأثرم له عن عبد الله بن أبي مليكة أيضاً: (أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين! أليس نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها). فأجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذا وقال: ولا حجة في حديث عائشة، فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة. يبين ذلك قولها: (قد أمر بزيارتها) فهذا يبين أنه أمر بها أمراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة. ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور، لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها: لما زرتك. واللعن صريح في التحريم، والخطاب بالإذن في قوله: (فزوروها) لم يتناول النساء، فلم يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخاً له عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو المعروف عند أصحابه. فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص؟ إذ قد يكون قوله: (لعن الله زوارات القبور) بعد إذنه للرجال في الزيارة؛ يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج المنهي عنها محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وكذلك الآخر. والصحيح: أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه: أحدها: أن قوله ﷺ : (فزوروها) صيغة تذكير وإنما يتناول النساء أيضاً على سبيل التغليب. لكن هذا فيه قولان: قيل: إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل. وقيل: إنه يحمل على ذلك عند الإطلاق. وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة ولا ينسخها عند جمهور العلماء، ولو كان النساء داخلات في هذا الخطاب لاستحب لهن زيارة القبور، وما علمنا أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور. ومنها: أن النبي ﷺ علل الإذن للرجال بأن ذلك (يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين) هكذا في مسند أحمد، ومعلوم أن المرأة إذا فُتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسبباً للأمور المحرمة، فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب؛ سداً للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك، وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها. ومن العلماء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بقوله ﷺ : (ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت) وقوله ﷺ لـ فاطمة: (أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة) ويؤيده ما ثبت في الصحيحين: (من أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز)، ومعلوم أن قوله ﷺ : (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان) هو أدل على العموم من صيغة التذكير، فإن لفظ (من) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي ﷺ لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى. انتهى ملخصاً].

стр. 811

خلاف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور مسألة زيارة النساء للقبور فيها نصوص منها ما هو مظنة الجواز أو المنع، والراجح المنع مطلقاً، سواء كانت القبور مجموعة أو قبراً واحداً، لا فرق بين المجموع وبين المفرد، فيدخل كل ذلك في نهي رسول الله ﷺ ، فالمنع يكون مطلقاً، واللعن معناه الطرد والإبعاد من الرحمة، والرسول ﷺ يلعن على الأفعال التي تكون من الكبائر أو تنافي الواجبات التي شرعها الله جل وعلا، والذي يلعنه رسول الله ﷺ -سواء قدر أن اللعن دعاء أو أنه خبر- يكون قد فعل فعلاً استحق عليه ذلك اللعن، أما إذا كان في شيء لا يستحق عليه اللعن فقد جاء عنه ﷺ أنه اشترط على ربه أن كل من لعنه وهو لا يستحق اللعنة أن يجعلها الله جل وعلا عليه صلاة ورحمة. ثم هذه الأحاديث جاء ما فيه شبه معارضة لها، وهو قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، قيل: (فزوروها) عموم يدخل فيه الرجال والنساء، وبهذا احتج من قال: إن زيارة النساء للقبور جائزة، قال: فقوله: (زوروها) عام، والرسول ﷺ إذا خاطب الأمة بحكم من الأحكام يكون خطابه شاملاً للذكور والإناث إلا أن يأتي مخصص، ونقول: جاء دليل أخرجه من هذا العموم، مع أن الخلاف موجود بين العلماء فيما إذا جاء الخطاب من الرسول ﷺ للذكور هل يدخل في ذلك النساء؟ على قولين للعلماء: منهم من قال: لا تدخل فيه النساء، ومنهم من قال: يدخلن، أما في هذه المسألة بعينها فإنه جاء فيها تخصيص يخرج هذا الادعاء، وهو قوله ﷺ : (لعن الله زورات القبور، والمتخذين عليها السرج)، فاللعن يكون على شيء محرم ليس على فعل شيء مكروه تركه أولى من فعله، بل يكون على شيء محرم فعله محرم، وبهذا يتبين أن الصواب أن تمنع النساء من زيارة القبور.

стр. 812

الجواب عن حديث عائشة الحديث الذي يروى عن عائشة جاء على وجهين: أحدهما: أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، ولما زارته قالت: لو كنت شهدتك ما زرتك. يعني: لو شهدت موتك ما زرتك، وعبد الرحمن دفن في المقابر، فيكون هذا دليل على الجواز. وأما الصيغة الأخرى فإنها جاءت مطلقة، أنها رؤيت قد أقبلت من المقابر فقيل لها: ألم ينه رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ فقالت: نهى ثم رخص، وهذا -كما هو ظاهر- لا حجة فيه؛ لأن الترخيص للرجال فقط، فإنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها) فإذا فهمت أن النساء دخلن في هذا العموم فمعنى ذلك أنها لم يبلغها النهي الخاص، وإذا لم يبلغ الإنسان أمر الله وأمر رسوله ﷺ فإنه يكون معذوراً في ذلك، ولكن لا يكون فعله حجة، مع أن أصل المسألة عند العلماء إذا جاء فعل للصحابي مخالف لقول الرسول ﷺ فإنه لا ينظر إليه، وإنما الحجة في قول النبي ﷺ . وحديثها الأول كونها تعللت بأنها ما حضرته، ولو حضرته ما زارته، يدلنا بمفهومه أن الزيارة للنساء غير مستحبة، وهذا يدل أيضاً على أن النساء في زمن رسول الله ﷺ وزمن الصحابة ما كان معروفاً زيارتهن للقبور، وهذا أيضاً دليل آخر يضم إلى المسألة، فإنه لم يعرف أن النساء كن يزرن القبور في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة، ويكون قولها هذا دليلاً على أنها ما بلغها النهي الخاص الذي فيه لعن زائرات القبور، وبهذا يتبين أن الدليل سالم من المعارضة. يبقى ما جاء أن النبي ﷺ علمها دعاء زيارة القبور إذا زارتهم أن تقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)، فهذا الدعاء جاء أن النبي ﷺ علمه عائشة لما سألته، وهذا لا دليل فيه؛ لأن المرأة قد تمر على القبور في طريقها، وإذا مرت في طريقها على المقابر تسلم عليهم كغيرها من الناس، ولكن لا يجوز أن تذهب قاصدة للزيارة، فهذا هو ملخص الكلام الذي ذكره الشارح، وهذا هو الصواب في المسألة، وهو أن النساء ممنوعات من زيارة القبور. أما مسألة اتباع الجنائز فهذه لا إشكال فيها؛ لأن الأحاديث فيها صحت، ففي الصحيحين أن الرسول ﷺ منع النساء من ابتاع الجنائز، وروي أنه قال: (إنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت) وهذا تعليل للمنع، فكيف بزيارة القبور؟ فهي أعظم من ذلك، وهذا ينبغي أيضاً أن يكون دليلاً آخر على منع النساء من زيارة القبور، وإذا كان الإنسان يطلب الخير عند الله جل وعلا فينبغي له أن يتحرى الصواب في الأعمال التي يأتيها، ويجتنب الشيء الذي فيه الخطورة، فهذه المسألة لا أحد من العلماء يقول: إن المرأة إذا لم تزر القبور فإنها آثمة، بل بالعكس فإن أكثر العلماء يقول: إنها مرتكبة كبيرة من كبائر الذنوب، فيجب الابتعاد عن مثل هذا، وهذا ليس في هذه المسألة خاصة، بل في مسائل كثيرة نظير هذه المسألة. ثم الدليل الخاص لا ينسخه الدليل العام، ولا يخصصه كما في هذه المسألة، وهذه مسألة أصولية عند علماء الأصول، وذلك أن الخاص ينص على إخراج أفراد معينين، فيكون الدليل العام ليس متناولاً لذلك، وهذا أيضاً يكون جواباً على من استدلوا بفعل عائشة ﵂ أو نحو ذلك. قال الشارح: [قلت: ويكون الإذن في زيارة القبور مخصوصاً للرجال، خص بقوله: (لعن الله زوارات القبور) الحديث فيكون من العام المخصوص. وعما استدل به القائلون بالنسخ أجوبة أيضاً: منها: أن ما ذكروه عن عائشة وفاطمة ﵄ معارض لما ورد عنهما في هذا الباب فلا يثبت به نسخ]. يعني: ثبت عنهما أيضاً خلاف ذلك، فلا يثبت بهذا النسخ، ثم هو فعل صحابي والفعل لا يعارض قول الرسول ﷺ . قال الشارح: [ومنها: أن قول الصحابي وفعله ليس حجة على الحديث بلا نزاع، وأما تعليمه عائشة ﵂ كيف تقول إذا زارت القبور ونحو ذلك، فلا يدل على نسخ ما دلت عليه الأحاديث الثلاثة من لعن زائرات القبور؛ لاحتمال أن يكون ذلك قبل هذا النهي الأكيد والوعيد الشديد، والله أعلم].

стр. 813

البناء على القبور ليس من الإسلام قال الشارح ﵀: [قال محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ في كتابه تطهير الاعتقاد: فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه: غالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه، من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به، ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور؛ فيعتقد أن ذلك لنفع أو دفع ضر، وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضر وبفلان النفع حتى يغرسوا في جبلته كل باطل. والأمر ما ثبت في الأحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ذلك في نفسه منهي عنه]. مثل هذا الحديث: أنه لعن زائرات القبور والمتخذين عليها السرج، ومقصود الصنعاني ﵀ أن البناء على القبور ليس من الإسلام في شيء، ولا يمت إلى شيء من الأدلة، وإنما يفعله أناس جهلة أصحاب ثروات أو أصحاب سلطة، ويكون ذلك تعظيماً لقريب لهم ليميزوه؛ لأنه كان متميزاً في حياته فيريدون أن يميز عن الأموات، فيبنون عليه البناء، ويوقدون عليه السرج، وربما وضعوا عليه الفرش، وصار له خدم ينظفون مكانه، ويدعون إلى زيارته، ويلقون على من يأتي إليه من وساوس الشيطان التي يعظم بها الشرك، حتى يخرج الإنسان من دين الإسلام إلى دين المشركين، فإذا قدر أن هذا لأجل تعظيم الميت وإكرامه حسب ما يزعمون أولاً؛ فإن هذا لا يستمر، بل يزول إذا زال أولئك، ثم يأتي من بعدهم ويجد القبر بهذه الحالة فيقر في قلبه أن هذا لأجل نفع من صاحب القبر أو دفع بلاء لمن توجه إليه إذا عظم، وهذا الذي ذكره لا يزال موجوداً في كثير من بلاد المسلمين للأسف، فيتجهون إلى القبور، ويسألون أربابها تفريج الكروب، وكشف الخطوب، والنفع والدفع، وهي رميم لا تسمع ولا تملك شيئاً، مع مخالفة ذلك لأصل الدين الإسلامي الذي جاء به الرسول ﷺ ، فإنه جاء بوجوب عبادة الله وحده، وأن تكون العبادة خالصة له جل وعلا، ولا يتعلق قلب الإنسان بمخلوق؛ لأنه يكون بذلك شريك لرب العالمين ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وأمر الله جل وعلا بالإخلاص ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، والدين كل ما يتدين به، ويرجى أن يثاب عليه المرء إذا عمله أو يعاقب إذا تركه، فيجب أن يكون هذا كله لله جل وعلا، ليس لأحد من الأموات ولا من الأحياء.

стр. 814

بعض شبه القبوريين هذا الشرك الذي وقع فيه كثير من المسلمين ليس له أصل لا في الشرع، ولا في قول السلف الذين يقتدى بهم من أهل العلم والمعرفة، ولا في قول أحد العلماء المتأخرين، وإنما اغتر بعض المتأخرين بحكايات ودعاوى لا أصل لها، وادعوا أن التوسل بالميت جائز، واستدلوا بشبه لا تدل على ذلك. مثل: كون الرسول ﷺ طلبت منه الشفاعة في حياته، كما في قصة الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرد علي بصري، فقال: (أوتصبر، وهو خير لك؟ قال: بل ادع، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويسأل ويقول في سؤاله: اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة أن ترد علي بصري) هكذا جاء في بعض الروايات، فتمسكوا بهذه اللفظة على أنه سؤال بذات النبي ﷺ ، والواقع أنه سؤال بدعائه؛ لأنه أمره أن يدعو وهو دعا له، ولهذا قال في آخره: (اللهم شفعه فيّ، وشفعني فيه). وكذلك قصة عمر لما استسقى بالناس وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك، وإننا نتوسل إليك بعم نبيك. فقالوا: هذا يدل على الطلب بالأشخاص، فيطلب بهم من الله، وهذا في الواقع تضليل، ولو كان كما يقولون لما عدل عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﷺ إلى عمه؛ لأنه لا فرق بين كونه حياً أو ميتاً إذا كان التوسل بذاته، وإنما هذا يدل على أن التوسل بالدعاء وبالشفاعة، ولهذا طلب من العباس الدعاء والشفاعة فقال: قم فادع يا عباس! فصار يدعو، وهم يؤمنون على دعائه، هذا هو توسلهم الذي توسلوا به، يعني أنهم قدموه إماماً لهم يدعو ويؤمنون على دعائه لقرابته من رسول الله ﷺ ؛ ولهذا يقول الفقهاء في كتب الفقه في الاستسقاء: ويستحب أن يتوسل إلى الله بالدعاء كما توسل عمر ﵁ بـ العباس، وتوسل معاوية بـ أبي يزيد الأسود بن أبي يزيد الجرمي؛ لأن مقصدهم هو أن يقدموا الدعاء، فيدعون ثم يؤمن الحاضرون على دعائهم، فهو توسل بدعائهم وليس بذواتهم. أما هؤلاء ففهموا عكس ما أراد أولئك، وهذا فهم خاطئ يجب أن يرد عليهم، ولا يجوز أن يغتر به. قال الشارح: [ومنه تعلم مطابقة الحديث للترجمة والله أعلم قوله: والمتخذين عليها المساجد تقدم شرحه في الباب قبله]. ليس معنى ذلك أنه يشترط أن تكون مساجد مبنية كالمساجد التي تعتاد للصلوات، وإنما يتخذونها مكاناً لسجودهم ولو فرضاً، وكل مكان يسجد فيه فهو مسجد كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) الأرض كلها مسجد، يعني: كل مكان صحت الصلاة فيه فهو مسجد، ولا يجوز أن يكون القبر محلاً للعبادة من الصلاة وغيرها كما سيأتي أنه ﷺ نهى أن تجعل البيوت قبوراً، يعني: أن تجعل مشابهة للقبور؛ لأن القبور مهجورة لا يتعبد فيها.

стр. 815

حرمة إيقاد السرج على القبور قال الشارح: [قوله: السرج قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ لأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الأصنام]. من الناس من قال: تسريج القبور مستحب، ولا يقول هذا إلا إنسان جاهل أو ضال على عنت، يريد أن يصادم قول رسول الله ﷺ ، بل النصوص جاءت بالنهي عن تمييز القبر بأي شيء يميزه، وكان الرسول ﷺ يبعث إلى أماكن في الأرض من يسوي القبور، كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي عن علي ﵁ أنه قال: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها)، فكان يرسل الرسل لأجل تسوية القبور بالأرض، لا يجعلها مرتفعة ومشرفة فكيف بإسراجها؟ كيف بوضع القناديل عليها والبناء عليها؟ هذه مصادمة للشرع تمام المصادمة فلا يقول قائل ممن له نصيب من علم الشرع: إن الإسراج مستحب، أو جائز، بل هو من أعظم المحرمات وهو من وسائل الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ومن مات عليه يكون خالداً في النار نسأل الله العافية. [وقال ابن القيم ﵀: اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر]. هذا من الكبائر لأنه وسيلة إلى الشرك، فكونه يبني على القبر بناء هذا يلفت النظر إلى هذا القبر، ويجعل المغتر يغتر به، وربما وقع في الشرك بسبب ذلك، فيكون الفعل كبيرة؛ لأنه يكون وسيلة إلى أعظم الذنوب الذي هو الشرك، أما مجرد البناء أو الإسراج فليس هذا شركاً إذا انفك عن الاعتقاد بأن صاحب القبر ينفع أو يضر أو يتصرف أو يملك شيئاً، أما إذا وقع البناء أو الإسراج أو الفرش أو الكتابات أو ما أشبه ذلك مما يوضع على القبور باعتقاد أن هذا ينفع، وأنه قد يدفع الضر؛ فهذا شرك، ويكون الفاعل لذلك مشركاً، والشرك هو أعظم الذنوب، وهذا الشرك ليس الشرك الأصغر بل هو الشرك الأكبر الذي يكون مضاداً لقول: لا إله إلا الله، وإن قال الإنسان: لا إله إلا الله، وفعل ما يضادها، وصلى وصام وحج؛ فإنه لا تنفعه صلاته ولا صومه ولا حجه؛ لأنه في الواقع ما فهم معنى لا إله إلا الله؛ لأن هذه الكلمة وضعت لإبطال الشرك كله بحيث لا يبقى عند الإنسان تعلق بغير الله جل وعلا، أو تأله لغيره، سواء كان من الأحياء والأموات أو من الأولياء والنبيين أو غيرهم، فإذا أتى بما يضاد ذلك فمعنى ذلك أنه ما فهم هذه الكلمة التي تميز الرجل المسلم عن الرجل الكافر. قال الشارح: [قوله: رواه أهل السنن يعني: أبا داود والترمذي وابن ماجه فقط ولم يروه النسائي]. بلى رواه النسائي، ولكن هذا فات الشارح ﵀، وإلا فهو موجود في السنن مطلقاً، وإذا قيل: أهل السنن فالمراد أهل السنن الأربع: أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي، هؤلاء يطلق عليهم أهل السنن، وإذا زيد عليهم فلا بد من النص على ذلك، وإذا قيل: متفق عليه فهذا يختلف باختلاف الاصطلاح، فبعض العلماء يجعل المتفق عليه ما خرجه البخاري ومسلم، وبعضهم يزيد حسب الاصطلاح مثل صاحب المنتقى فإنه جعل المتفق عليه ما خرجه البخاري ومسلم وأحمد، وكل له اصطلاح يصطلح عليه، ولكن لا بد أن يبين الاصطلاح في أول الكتاب.

стр. 816

مسائل باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله

стр. 817

معنى الأوثان [وفيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان]. الأوثان هي كل ما عبد من دون الله من غير تشخيص، فالوثن يكون على صورة الآدمي أو صورة الحيوان، أما إذا كان مصوراً -سواء كان من الطين، أو من الخشب، أو منحوتاً من الحجارة، أو مصنوعاً من الحديد، أو غير ذلك- صورة مجسدة فهذا يسمى صنماً، أما إذا كان يعبد ويقصد سواء كان قبراً أو مكاناً أو شجرة أو حجراً أو حائطاً أو ما أشبه ذلك فهذا وثن، وهذا من ناحية اللفظ فقط وإلا فالمعنى واحد، وما يقع من الفاعل سواء كان للوثن أو كان للصنم لا فرق بين هذا وهذا، وقد جاء أن علي بن أبي طالب ﵁ مر على قوم يلعبون الشطرنج، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]؟ فجعلها من التماثيل وهي من الأصنام، وهذا يدل على أن كل ما شغل الإنسان عن طاعة الله وصرفه عنها فإنه يأخذ هذا المعنى.

стр. 818

معنى العبادة [الثانية: تفسير العبادة]. العبادة فسرت بتفسيرات وتعريفات مختلفة الألفاظ، ومتفقة المعنى، فمنها التعريف المشهور عند العلماء: هي ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، هذا التعريف مشهور عند كثير من العلماء، العبادة: كل ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، يعني: أن العبادة مبنية على الأمر فقط، لا ينظر فيها إلى عرف الناس، ولا إلى عقولهم، ولا كون العرف يطرد في هذا أو يكون جائزاً، أو أن العقل يقتضيه، لا دخل للعبادة في ذلك. ومنها التعريف الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو قوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والمقصود بالباطن أعمال القلوب، مثل الخشية والرجاء والإنابة والحب، وما أشبه ذلك، فإن هذه من أفضل العبادة. ومنهم من قال: العبادة هي طاعة الله جل وعلا باتباع أمره، واجتناب ما نهى عنه، مع غاية الحب والتذلل له في هذا الفعل. وهذا تعريف أيضاً صحيح، والمقصود من ذلك أن الإنسان يجب أن يكون عابداً لله، والعبادة تكون خالصة له، وتكون متضمنة للحب والخوف والرجاء، فيفعل هذه الأمور ويخاف أن يعاقبه الله لو تركها، ويرجو ثواب الله عند فعلها؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل الإنسان ضعيفاً لا يستطيع أن يصبر عن رحمة الله جل وعلا، ولا يستطيع أن يصبر على عذاب الله جل وعلا، لا صبر له على عذابه، ولا غنى له عن رحمته، فهو يطلب فكاك نفسه وخلاصها، وليست العبادة لنفع الله، فلا ينبغي أن يقول: أنا أخدم الله جل وعلا! الله جل وعلا غني عن كل أحد، وإنما الإنسان يعبد ربه لفكاك نفسه؛ ولهذا السبب كثر ذكر الجنة والنار في القرآن، تذكر النار ثم تذكر الجنة ترغيباً في الجنة وترهيباً من النار، حتى يفعل الإنسان ما أمر به، وينتهي عما نهي عنه. إذاً: العبادة غير محصورة في أفعال معينة من الصلاة والصوم والزكاة والذكر والقراءة، بل هي كل ما جاء به الرسول ﷺ من الأمور الواجبة أو الأمور المستحبة، وكل ما طلب فعله يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، فكل ما كان في فعله ثواب فهو عبادة، أو كان في فعله عقاب، فيكون تركه من العبادة. وأكثر الناس جهل معنى العبادة، ووقع في الشرك لهذا السبب، فصاروا يتجهون بالدعاء إلى الأموات وإلى غيرهم ويقولون: هذا توسل، والسبب في ذلك أنهم جهلوا أن هذا عبادة، مع أن الدعاء من أكبر العبادة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، فجعل الدعاء عبادة، بل هو من أفضل العبادة، وسواء كان الدعاء دعاء مسألة كأن يسأل شيئاً معيناً من أمور الدنيا أو من غيرها، أو دعاء عبادة كأن يفعل فعلاً من الأفعال التي يتقرب بها كالقراءة أو الذكر أو الصلاة أو الصوم أو الصدقة، فهذه كلها تدخل في دعاء العبادة.

стр. 819

استعاذة النبي ﵊ مما يخاف وقوعه [الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه]. المقصود بهذا أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) فاستعاذته بالله جل وعلا وطلبه منه ذلك خوفاً مما يتوقع، فدل على أن الخوف من الافتتان بالقبور وارد، وأنه ليس كما يقول كثير من الناس: إن النهي عن الصلاة عند القبور لأنه مظنة النجاسة، وإنما الواقع أنه مظنة النجاسة المعنوية التي هي نجاسة الشرك؛ لتطهر القلوب وتكون العبادة خالصة لله جل وعلا، هذا معنى قوله: إنه ما يستعيذ إلا من شيء يخاف وقوعه، يعني: استعاذ بربه ألا يجعل قبره وثناً يعبد؛ لأنه يخشى أن يقع ذلك صلوات الله وسلامه عليه. [الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد]. يعني: أنه قرن في هذا الدعاء قوله (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فهذه قرينة تدل على أنه قصد بذلك ألا يتعلق المتعلق بغير الله جل وعلا، حتى لا يصرف لغير الله شيئاً من العبادة.

стр. 820

شدة غضب الله على المشركين [الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله]. يعني قوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والمقصود بهذا أن الله يوصف بالغضب، وغضبه يكون شديداً على بعض الناس، وبعضهم لا يكون شديداً، فمن صفات الفعل التي يتصف بها الله جل وعلا أنه يغضب على بعض خلقه، وإذا غضب جل وعلا فإنه يلعن، وإذا لعن فلعنته تبعد الإنسان كل البعد عن الخير، وقد يكون أثر ذلك في نسل الإنسان؛ ولهذا جاء في أثر -وإن كان لم يثبت ولكن معناه صحيح- أن الله جل وعلا يقول: (إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد) يعني: أثر المعصية يجري على أبناء الإنسان، وأبناء أبنائه، وأبناء أبنائه إلى المرتبة السابعة نسأل الله العافية، وهذا من شؤم ذلك الإنسان. ومعلوم أن الفساد الذي يقع في الأرض كله بسبب المعاصي، ولو أن الناس أطاعوا الله جل وعلا وامتثلوا أمره لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولصافحتهم الملائكة على الأرض، ولن يحدث لهم شيء يزعجهم أو يؤلمهم أو يخيفهم، ولكن لا بد أن يحصل ما أراده الله جل وعلا من خلقه، وهو جل وعلا خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة سكاناً، بل جعل لكل واحدة عليه ملؤها، فإنه أخبر جل وعلا أنه سوف يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فهي لا تمتلئ إلا من الناس والجن فقط، هؤلاء هم الذين يسكنونها، فلا بد أن يعملوا المعاصي ويبارزوا ربهم جل وعلا بالعظائم حتى يستحقوا النار؛ لأن الله لا يدخل النار إلا من يستحقها بفعله، بعدما يعذر منه بإرسال الرسل. وقد أرسل الله جل وعلا إلى هذه الأمة رسولاً بلغهم رسالة الله جل وعلا، وأعلمهم كل ما فيه خير لهم، وحذرهم من كل ما فيه شر لهم، ولكن أكثر الناس يعرض عن دعوته، ولا يبالي بها، ولا يرفع بها رأساً، وكأنه يريد أن يدخل عليه الرسول في بيته ويقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا! ما علم أن الله جل وعلا كلفه أن يطلب ويبحث عن دعوة الرسول ﷺ ويتعرف عليها، وإذا لم يفعل فإنه الملوم، وهو المسئول عن ذلك.

стр. 821

صفة عبادة اللات وقصته [السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان]. يقصد بهذا قول مجاهد وغيره: إنه كان رجل يلت السويق، يعني: يجعل فيه السمن ويخلطه به ثم يقدمه إلى من أتى إليه، ثم مات فدفن تحت صخرة فعبدوه، وصاروا يطوفون عليها ويعظمونها تعظيماً لذلك الشخص، فقصده بهذا أن هذا الفعل نفسه هو الذي يفعله كثير من الناس اليوم تعظيماً لذلك الميت كما عظم المشركون اللات، وكما أنها عبادة منهم للات فكذلك الذين يصنعون نظير هذا الصنيع للمقبورين اليوم هم يعبدونهم، هذا هو المقصود. [السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح]. يعني: اللات رجل صالح، سواء كان صلاحه لأنه متبع لدين الله جل وعلا، ومعروف أن العرب كانوا على بقايا من دين إبراهيم، وبعضهم كان حنيفاً ما كان يشرك، مثل زيد بن نفيل ومثل القس بن ساعدة، ومثل ورقة بن نوفل وغيرهم ممن كان المشركون يسمونهم الموحدين؛ لأنهم يجتنبون الأصنام، ولا يأكلون مما يذبح لغير الله، ويتعبدون لله وحده، على حسب طاقتهم واجتهادهم وقدرتهم: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقد استدلوا بفطرتهم على أن الشرك لا يجوز، فإذا كان اللات من هذا الصنف فإنه يكون صالحاً، أو أن معنى صلاحه أنه يفعل الخير ويقدمه للناس، ويحسن إليهم، فلما مات فعلوا به ما صاروا به عبيداً له. [الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية]. صاحب القبر اللات، يعني: أنه اشتق له هذا الاسم من فعله وهو اللت، وهذا على قراءة التشديد، وقد يكون أيضاً على قراءة التخفيف؛ لأن التخفيف قد يكون لكثرة الاستعمال، وإن كان الأصل فيه أنه مشدد، فهو مأخوذ من اللت، أما على قول ابن عباس في الرواية الأخرى: أنه اشتق له اسم من الله سموه اللات أخذاً من اسم الله جل وعلا؛ لأنه مألوه، فهذا لا ينافي هذا القول، لأنه يجوز هذا وهذا، فإذا كان يلت، فهم كذلك ألهوه، وجعلوه إلهاً مع الله جل وعلا.

стр. 822

لعن زوارات القبور والمتخذين عليها السرج [التاسعة: لعنه زوارات القبور]. زوارات قيل: إنه جاء بهذا التشديد ليدل على المبالغة والكثرة، وهذا غير صحيح؛ لأن المبالغة تأتي ولا يقصد بها الكثرة، بل الزيارة ممنوعة مطلقاً ولو مرة واحدة، ولا يمكن أن يكون النهي عن المبالغة فقط، فتكون الملعونة التي تكثر من الزيارة، أما من دون ذلك فلا تدخل في هذا كما يقوله من يقوله من الذين لم يفهموا مراد الرسول ﷺ ، فهذا قول مخالف للحق ومجانب له. [العاشرة: لعنه من أسرجها]. أسرجها: أي: وضع عليها السرج، ويدخل في هذا أيضاً الكتابات عليها، وكذلك تجصيصها أو تلوينها بألوان أو وضع الستور عليها، وكل ما يدل على تعظيمها يكون داخلاً في هذا.

стр. 823

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٦] إن أبلغ وأعظم صفة اتصف بها النبي ﷺ هي: صفة الرحمة، وقد بلغ الغاية فيها، حتى أنه كان يعز عليه ما يعنت ويشق على أمته، وكان أخشى ما يخشاه على أمته أن تقع في الشرك، ولذلك سد كل ذريعة توصل إليه.

стр. 824

سد النبي ﵊ لكل طريق يوصل إلى الشرك قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]. المراد بجناب التوحيد جوانبه التي قد يدخل منها الشرك، أو شيء من أنواع الشرك، والحماية هي الصيانة والاعتناء، بأن يمنع كل وسيلة قد تكون موصلة إلى ما لا يجوز، وهذا شيء كثر ذكره في نصوص النبي ﷺ ، وقد تقدم بعضه، ولكن أراد المؤلف أن يبين في هذا الباب أن الرسول ﷺ اعتنى بذلك اعتناء تاماً، واستدل على هذا بأمور متعددة: منها ما ذكره الله عنه من رأفته ورحمته وحرصه على هداية الناس، ومنها نصوص تدل على أنه ﷺ صان توحيد عبادة الله جل وعلا أن يتلبس به بعض أمراض القلوب أو أمراض الشكوك، فأصبح الأمر واضحاً جلياً، ولا عذر لمن وقع في خلاف ذلك. والمقصود من هذا أن يبين ما عليه كثير من الناس ممن يزعم مشروعية التعلق بالأموات، والتبرك بالقبور والبقع، والتوسل بالأحياء أو الأموات؛ التوسل الذي يعرفه المتأخرون ويصطلحون عليه، لا التوسل الذي ذكره جل وعلا في كتابه، وذكره الرسول ﷺ في سننه فإنه نوع آخر غير التوسل الذي اصطلح عليه المتأخرون، فهذا الذي اصطلح عليه المتأخرون هو أن يجعل المخلوق وسيلة بذاته إلى الله، بأن يجعل جاهه وعمله الزاكي عند الله ينفع به هذا المتوسل، أو يقسم به على الله، وما أشبه ذلك من معاني المتأخرين الذين ما عرفوا حقيقة التوسل الذي جاء في الكتاب والسنة، فلا عذر لهم في ذلك؛ لأنهم تركوا ما نص عليه الرسول ﷺ صراحة، واتبعوا أهواءهم في ذلك؛ ولهذا تجد كثيراً من الناس يترك النصوص الواضحة الظاهرة ويتعلق بشبه، أو يتعلق بأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله ﷺ ، أو يتعلق بمنامات ومرائي رآها في النوم أو رؤيت، أو يتعلق بأمور يزعم أنها مجربة، يقول: إن فلاناً دعا بكذا، وإنه ذهب إلى كذا، وحصل له كذا وكذا، وهذه كلها لا تغني شيئاً، وإنما الذي يعتمد عليه هو ما جاء به الرسول ﷺ وما قاله آمراً به أمته أو ناهياً لها أن تفعله. هذا الذي يجب أن يؤخذ ويجب أن يعتنى به، أما ما عليه هؤلاء من الكذب على رسول الله ﷺ ، أو الاعتماد على الرؤى، أو الاعتماد على أقوال بعض الذين يزعمون أنهم حصل لهم ما حصل، فهذا كله لو تعلق به الإنسان فإنه غير معذور، والله سائله عما أرسل به رسوله ﷺ ، لا عن المرائي ولا عن فعل الناس ولا عن شيء عدا ما جاء به الرسول ﷺ ، فهو الذي سيسأل عنه الإنسان، فإن الله سيسأل المتقدمين والمتأخرين: ماذا أجبتم المرسلين؟ والسؤال للتهديد، والتعذيب بعد ذلك. فإذا كان الإنسان لم يقدم عملاً وفق ما جاء به الرسول ﷺ متبعاً قوله، منتهياً عن نهيه وإلا فهو هالك، فالحماية في هذا يقصد بها أمر زائد على الأوامر التي تأمر بالتوحيد، وتنهى عن الشرك، فهي أمور زائدة على ذلك، كالنهي عن الوسائل التي تقرب من الشرك، كالنهي عن أمور قد يفعلها الإنسان وهي جائزة ولكن قد يدخل منها إلى أمور لا تجوز، وهي التي تسمى بالوسائل والذرائع، وهذا موجود في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ بكثرة، وسيذكر الشارح شيئاً من ذلك.

стр. 825

قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) قال المصنف ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩]] هذه الآية استدل بها على صيانة رسول الله ﷺ جانب التوحيد أن يدخل عليه شرك سواء كان دقيقاً أو صغيراً، خفياً أو جلياً. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] (رسول) علم على من أرسله الله جل وعلا برسالة، وكل أمة لها رسول، ولا يصلح الناس إلا برسول؛ ولهذا تتابعت الرسل من أول الخلق إلى آخرهم، ولكن الله ختمهم بمحمد ﷺ ، وجعله رسولاً لأهل الأرض كلهم، فإذا كان رسولاً لأهل الأرض جميعاً فالخطاب هنا (لقد جاءكم) هل يكون عاماً أو يكون خاصاً لقوم معينين؟ الواقع أنه عام، ولكن الخطاب فيه للعرب؛ لأنهم أخص الناس بذلك، وهذا يقتضي أن يشكروا الله ويحمدوه على هذه النعمة العظيمة؛ لأنهم أخص من غيرهم، وإلا فغيرهم من الناس كلهم يدخل في هذا الخطاب؛ لأن الخطاب للأمة إلى يوم القيامة، والأمة التي أرسل إليها الرسول ﷺ ليسوا العرب فقط، بل العرب والعجم بأنواعهم والجن والإنس، كلهم مخاطبون بذلك، ولكن من كان الرسول منهم بالنسب واللغة ومعرفة المولد والمنشأ والمخرج والمدخل؛ فالنعمة عليهم أتم، والمنة عليهم أعظم، فيجب أن يشكروا الله جل وعلا أكثر من غيرهم. ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: من جنسكم، يخاطبكم بلغتكم، تعرفون نسبه، وترجعون أنتم وهو إلى أب واحد وهو إسماعيل ﵇، وهذا استجابة من الله لدعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] فبعث منهم الرسول، فامتن الله جل وعلا عليهم بذلك، (من أنفسكم) يعني: أنه من جنسكم تعرفون لغته، وتعرفون أمانته وصدقه، فمن كان كذلك كانت المنة عليه أعظم، فيجب أن يشكر الله، أما إذا انعكست القضية وقابلوا هذه المنة العظيمة بالرد والنفور عنها، والتكذيب والكفران لها؛ فإن العذاب عليهم يكون أشد من غيرهم ممن لا يعرف هذه الأمور. ومن المعلوم أن الله جل وعلا عذب الأمم التي كذبت الرسل، وقص الله جل وعلا ذلك علينا، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه فضل بعض الرسل على بعض، وقد علم أن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه هو أفضل الرسل، ومن المعلوم أن من كذب أفضل الرسل يكون عذابه أشد ممن كذب من هو دونه؛ لأن الفضل لا بد أن يأتي بزيادة بيان وزيادة إيضاح وزيادة حجة، بحيث يصبح الإنسان لا عذر له بوجه من الوجوه، فيكون مصادماً تمام المصادمة لما جاء به، فيكون عذابه أشد. وقوله: (حريص عليكم) يعني: حريص على إيمانكم، وعلى طاعتكم، وعلى ما ينفعكم؛ ولهذا نهاه الله جل وعلا أن يحزن وأن يأسف الأسف الذي يعود عليه بالضرر، فقد كاد يهلك نفسه حرصاً على إيمانهم، فنهاه ربه جل وعلا عن شدة حرصه عليهم، وتأسفه على عدم إيمانهم، وأخبره جل وعلا أن ما عليه إلا البلاغ المبين، وهذا يكفي.

стр. 826

معنى قوله: (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم) ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (عزيز عليه): يعني: يشق عليه عنتكم، والعنت هو الأمر الذي يقع لهم العذاب من جهته، وهذا يقتضي أنه لا بد أن يبين لهم ما ينفعهم، وأن يحميهم من السلوك في المسالك التي تضرهم إذا سلكوها، هذا وجه الاستدلال، (عزيز عليه ما عنتم) يعز عليه -أي: يشق عليه- عنتكم، يعني: الشيء الذي فيه عذابكم وفيه هلاككم شاق عليه صلوات الله وسلامه عليه. (حريص عليكم) أي: حريص على هدايتكم (بالمؤمنين رءوف رحيم) ورأفته ورحمته بهم أن ينالهم عذاب الله أشد وأعظم من رأفته ورحمته بهم أن ينالهم شيء من أمور الدنيا المؤذية، فتضاعف رأفته ورحمته بأن يبين لهم الطريق الذي يسلكونه ويسلمون به من عذاب الله الأخروي، ومن مقتضى ذلك أن ينهاهم عن كل طريق يوصل بهم إلى ما يسخط الله جل وعلا ويغضبه. والرأفة شدة الرحمة، فهي أبلغ من الرحمة، (رءوف) يعني: أنه وصل الغاية في رحمتهم، رءوف بالمؤمنين ورحيم بهم، وتقديم المعمول يدل على الاختصاص، أي: أن رأفته ورحمته بالمؤمنين فقط، وأما الكافرون فهو غليظ وشديد عليهم كما وصفه الله جل وعلا في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال جل وعلا في أمره بذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] أمره أن يغلظ عليهم؛ ولهذا كان ممتثلاً لذلك، فرأفته ورحمته صلوات الله وسلامه عليه هي بالمؤمنين فقط، أما الكافرون فهو قتّال لهم، وشديد عليهم؛ ولهذا جاء في صفته في الكتب السابقة (الضّحاك القتّال) صلوات الله وسلامه عليه، يعني: ضحاك للمؤمنين، قتّال للكافرين، والمؤمن يجب أن يكون متحلياً بحلته، ومتصفاً بصفته، فإنه قدوته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 827

معنى قوله: (فإن تولوا فقل حسبي الله) قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) يعني: إن أبوا قبول ما جئتهم به، وأبوا اتباعك ونصحك مع شدة الرأفة والرحمة وشدة الحرص عليهم، إذا أبوا ذلك وامتنعوا (فقل حسبي الله) يعني: الله يكفيني (حسبي الله لا إله إلا هو) يعني: هو إلهي، وعليه اعتمادي، وهو كافيّ. (عليه توكلت) وهو نعم الوكيل جل وعلا (فقل حسبي الله لا إله إلا هو) يعني: لا معبود ولا مألوه أتعبده وأخضع له وأذل له وأعتمد عليه وأتوكل عليه إلا هو جل وعلا، فهذا أمره جل وعلا الخاص بذلك في دعوته وفي كونه لا يحزنه المخالفات، لا يحزن إذا خولف، وإذا أبى القوم أن يقبلوا ما جاء به فإن عليه أن يقول: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) يعني: اعتمادي عليه، وهو الذي يكفي من اعتمد عليه، وهو رب العرش العظيم الذي هو أعظم المخلوقات وأكبرها، وإضافته إليه تدل على التعظيم والتشريف والتكريم، فإذا كان رب العرش العظيم فكل شيء تحت قهره، وتحت سلطانه، وفي قبضته؛ فلا يهمك كونهم خالفوا، أو كونهم أبوا، فإنهم في قبضة الله، وسوف يعذبهم العذاب الذي يستحقونه. وجه الدلالة من هذه الآية ظاهر، وهو أن الله جل وعلا وصف رسولنا ﷺ بالحرص على ما ينفعنا، فهو حريص على إيماننا، ويشق عليه الشيء الذي يعنتنا ويشق علينا؛ فلا بد أن يبين البيان الذي يكون فيه حمايتنا من الوقوع في المخالفات، ولا بد أن يحضنا الحض الذي يكفي في كون الإنسان يعبد ربه، ولا تكون العبادة لغيره بوجه من الوجوه.

стр. 828

النبي ﵊ بالمؤمنين رءوف رحيم النبي بالمؤمنين رءوف رحيم، وهذا يقتضي أنه ﷺ يحمي جناب التوحيد، حتى لا يدخل على المؤمن شيء مما ينقص التوحيد أو يذهبه أو يذهب بكماله؛ لأن هذه كلها من مقتضيات العذاب، وقد جاءت الأحاديث عنه صلوات الله وسلامه ببيان هذا المعنى، كما جاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا وقد ذكر لنا منه علماً، وفي صحيح مسلم أنه قال: (إنه حق على كل نبي بعثه الله جل وعلا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن كل شر يكون فيه عنتهم) أو نحو ما قال صلوات الله وسلامه عليه، وفي الحديث الذي في الصحيح أيضاً أن يهودياً قال لأحد الصحابة: نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، يقصد بذلك آداب التخلي والاستنجاء، فإنه ﷺ كان يقول لهم: (إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فليستجمر بثلاثة أحجار)، وكان يأمر من أراد قضاء الحاجة أن يبعد، وأن يستتر، ومن الآداب ألا يتجه إلى الهواء حتى لا ترجع عليه النجاسة ونحو ذلك، وقد قال النبي ﷺ : (إني بمنزلة الوالد لكم، أعلمكم ما ينفعكم)، فهو صلوات الله وسلامه عليه ما ترك شيئاً ينفعنا إلا وعلمنا إياه، وهذا مقتضى كونه حريصاً على هدايتنا، وكون ما يعنتنا شديداً عليه، ويشق عليه، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه بالمؤمنين رءوف رحيم، فوجه الدلالة من الآية ظاهر جلي، فلا بد أن يكون حرصه على بيان التوحيد وعلى بيان الشرك الذي هو أعظم الذنوب أشد من حرصه على كونه ﷺ يعلم الأمة أدب التخلي، وأدب الأكل، وأدب الشرب، وأدب النوم، وأدب الجلوس، وأدب دخول المنزل، وغير ذلك، وهذا كله ثابت عنه صلوات الله وسلامه عليه. فهل يعقل أنه يبين هذه الأمور التي لو تركها الإنسان ما يقتضي تركه أن يعذب، ويترك الأمر الذي لو فعله الإنسان ترتب على فعله عذاب؟ هذا لا يعقل، لا بد أنه صلوات الله وسلامه عليه اعتنى بذلك، أما الذين فتنوا بعبادة نظرائهم وأمثالهم من الخلق، وصارت قلوبهم فارغة من تعظيم الله وتقديره؛ فإنهم يتلمسون ما يكون دليلاً على الشرك، ويبحثون عنه، ومن المعلوم أن الإنسان إذا فتن فإنه يعمى عن الحق، ويفتح عينيه على الباطل، ويصبح قابلاً لما يهواه، ومبغضاً لمن ينهاه عما هو فيه، غير قابل له؛ ولهذا أخبرنا ربنا جل وعلا أننا إذا رأينا الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله أن نحذرهم، وأخبرنا ربنا جل وعلا أنه أنزل ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] وقد جاء النص عن النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم) مع أن القرآن ليس فيه شيء يدل على الباطل، ولكن فيه شيء مجمل قد يحتمل أمراً باطلاً ولو من بعيد، فيتعلق به من كان مفتوناً. كما أنه جل وعلا أخبرنا أن الذي في قلبه مرض الشبهات فإن الحق لا يزيده إلا ضلالاً ويتمادى في الباطل ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]، ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. إذاً: من كان عنده مرض شبهة فإنه يزداد ببيان الحق وإيضاحه ضلالاً وتمادياً في باطله، وذلك أن الحجة تزداد قياماً عليه، فيستحق من العذاب أكثر؛ ولهذا تجدهم يتعلقون بأمور تافهة، وأمور واهية، بل بأحاديث مكذوبة موضوعة على رسول الله ﷺ ، ويفرحون بها إذا وجدوها، وقد يجرؤ بعضهم على تصحيحها ويقول: إنها صحيحة، وقد يجرؤ بعضهم على وضع الأسانيد لها كذباً وزوراً، فكيف مقامه أمام الله جل وعلا؟ كل ذلك لما زين في قلبه ونظره من عبادة غير الله، نسأل الله العافية! ومثل هؤلاء ليس البيان والإيضاح لهم، البيان والإيضاح يكون لمن يريد الحق، فالذي يلتبس عليه الحق وهو يريد الحق ينتفع بالإيضاح والتبيين، أما من كان قلبه ملبساً بالفتنة وقابلاً لها فإنه لا يزداد بذلك إلا غياً وتمادياً في الباطل.

стр. 829

حماية المصطفى لجناب التوحيد قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. الجناب: هو الجانب، والمراد حمايته عما يقرب منه أو يخالطه من الشرك وأسبابه. قوله: وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩] قال ابن كثير ﵀: يقول الله تعالى ممتناً على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] أي: منكم كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته، وذكر الحديث، قال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] أي: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية]. ليس هذا مما نصت عليه الآية، ولكن هذا من مفهومها البعيد، ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ نسبه ينتهي إلى معد بن عدنان، وهذا متفق عليه ولا خلاف في ذلك بين أهل النسب، وكذلك نسب أمه ينتهي إليه، أما ما بعد معد بن عدنان فهذا فيه خلاف لأنه بعيد، والمؤرخون اختلفوا في ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم، ولكن هو من ذرية إسماعيل يقيناً؛ لأن بعض العرب من ذريته.

стр. 830

بعض العرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم العرب ينقسمون إلى قسمين: قسم يعود إلى يعرب بن يشجب الذي ينتهي نسبه إلى هود ﵇، وهؤلاء هم الذين يسمون العرب العاربة. وقسم آخر ينتهي نسبهم إلى إسماعيل بن إبراهيم، وهو أكبر ولده، وهو ابن جاريته التي وهبتها له زوجه سارة، واسمها هاجر، وقد وهبها لها الطاغية الذي أمر أن تدخل عليه لما قيل له: إن رجلاً دخل بلادك معه امرأة ما تصلح إلا أن تكون لك لجمالها، فأخذ إبراهيم وقال: من هذه التي معك؟ فقال: هي أختي، وعلم أنه إذا قال: هي أختي لا يتسلط عليها، لسبب لا ندري ما هو، ولو قال: إنها زوجتي لأخذها، فقال: إنها أختي، وهذه إحدى الكذبات التي يعتذر بها إبراهيم ﵇ حين تطلب منه الشفاعة، فقال لها بعد ما رجع من عند هذا الطاغية: إنه سألني عنك، وقلت: إنك أختي، فلا تكذبيني، فإنك أختي في الإسلام، فليس اليوم مسلم غيري وغيرك. فذهبت إليه فسألها فقالت: أنا أخته، ومع ذلك مد يده إليها، فأمُسكت يده مسكة شديدة، وكان إبراهيم يصلي ويدعو ربه ألا يسلط هذا الظالم على زوجته، فلما أمسكت يده عرف أنه بسبب ذلك، فقال لها: ادع الله أن يفك يدي ولا أنالك بأذى، فدعت الله جل وعلا ففكت يده، ثم رجع مرة ثانية ليتناولها، فأمسكت أشد من الأولى حتى صار يركض برجله الأرض من شدة ما أصابه، فقالت: اللهم إن يمت يقولون: قتلته، فدعت ألا يموت من هذا الشيء، ثم انتبه وقال: ادع الله أن يفك يدي ولا أنالك بأذى، فدعت الله جل وعلا ففك يده، فأراد مرة ثالثة فأصابه أشد من تلك، ثم بعد ذلك قال: ادع الله أن يفكني ولن أنالك بشيء، فدعت الله فدعا قومه، وقال: أخرجوها عني فإنكم جئتوني بشيطان، لم تأتوني بآدمي، وأمر أن تخدم بجارية. ثم بعد ذلك وهبت سارة هذه الجارية لإبراهيم، وقد أعلمنا الله جل وعلا أنه بلغه الكبر ولم يولد له مولود، ثم جاءته الملائكة تبشره بغلام، ثم إن هذه الجارية حملت، فلما ولدت غارت عليها سارة زوجته، كيف تحمل وهي لم تحمل؟! فأمره الله جل وعلا أن يهاجر بها إلى مكة مع ولدها وهو صغير يرضع، فذهب بها ووضعها عند مكان البيت، ولم يكن هناك بيت؛ لأنه هو الذي بناه هو وهذا الغلام، ثم ولى راجعاً إلى الشام، ووضعها في ذلك المكان الخالي القفر، الذي ليس فيه ماء ولا أنيس ولا حسيس، ثم ولى راجعاً، وكان معها قليل من الماء وقليل من الطعام، فلما ولى راجعاً صارت تناديه: يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟ ولا يجيبها بشيء، ولا يلتفت إليها، ولما رأت ذلك قالت له: آلله أمرك؟ فقال: نعم، عند ذلك وقفت ورجعت، وقالت: إذن لن يضيعنا الله جل وعلا. ورجعت إلى ابنها، وصارت ترضعه حتى نفد الماء، وانتهى الطعام، فنشف ضرعها، فجاع الصبي وظمأ ثم أدركه الموت، فكرهت أن تجلس تنظر إليه وهو يموت، فنظرت فإذا أقرب مرتفع إليها هو الصفا، فذهبت وصعدت تتطلع لعلها ترى أحداً، فلما لم تر أحداً نزلت متجهة إلى المروة تبحث لعلها ترى أحداً، فعلت ذلك سبع مرات، وفي السابعة سمعت صوتاً فقالت لنفسها: صه؛ لأنها سمعته ولم تتأكد، ثم سمعته مرة أخرى فقالت: لقد أسمعت إن كان عندك غوث فأغث، فنظرت فإذا برجل واقف عند إسماعيل ابنها، فذهبت إليه فإذا هو جبريل ﵇، فحفر الأرض بطرف جناحه فنبع الماء من زمزم فصارت تحجر على الماء حتى لا يذهب، يقول الرسول ﷺ : (رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً) يعني: لصارت عيناً كثيرة الماء تسير، وصارت تشرب منها وترضع ابنها. ثم جاء قوم من اليمن من جرهم، ونزلوا في أسفل الوادي، فرأوا الطير تحوم على الماء، وقالوا: عهدنا بهذا الوادي وليس فيه ماء، والطير لا بد أنها تحوم على ماء، فأرسوا واردهم يختبر لهم ذلك، فوجد الماء ووجد المرأة عنده، فاستأذنها بأن يأتوا إلى الماء، وأصابوا منها أنها تحب الأنيس، فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم فيه، يعني: تشربوا منه وليس لكم حق في أصله، فرضوا بذلك. فكبر الصبي، وتعلم العربية منهم، ثم تزوج منهم، وكان إبراهيم يأتي كل فترة يبحث ويطالع ابنه، وماتت أم إسماعيل، وتزوج إسماعيل، فجاء مرة ولم يجده، فسأل زوجته: أين بعلك؟ فقالت: ذهب يطلب لنا الطعام، فقال: ما حالكم؟ قالت: نحن في شر، ما عندنا طعام، ولا عندنا كذا وكذا، فقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له: غير عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل كأنه أحس فقال: هل أتاكم أحد؟ قالت زوجته: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا، قال: هل أوصاكم بشيء؟ قالت: نعم، يقرؤك السلام، ويقول لك: غير عتبة بابك، فقال: أنت عتبة بابي، وذاك والدي، اذهبي إلى أهلك، ثم تزوج أخرى، فجاء إبراهيم مرة أخرى ولم يجده، ووجد الزوجة، فسألها عن حالتهم فقالت: نحن بخير، فقال: ما طعامكم؟ فقالت: اللحم، قال: وما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، ويقولون: إن الإنسان لا يعيش على الشيئين إلا في مكة بدعوة إبراهيم ﵇، فقال لها: إذا جاء بعلك فاقرئيه السلام، وقولي له: أمسك عتبة بابك، فلما جاء أحس فسأل: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، شيخ صفته كذا وكذا، فقال: هل أوصاكم بشيء؟ فقالت: نعم. يقرؤك السلام ويقول لك: أمسك عتبة بابك، فقال: ذاك أبي وأنت عتبة بابي، ثم جاء مرة أخرى فوجده تحت شجرة يبري له نبلاً، فاعتنقه وصنع معه ما يصنع الوالد مع ولده إذا لقيه بعد غيبة، ثم قال له: إن الله أمرني أن أبني هنا بيتاً، فهل أنت مساعدي؟ قال: نعم، فبدأ ببناء البيت، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨] إلى آخر القصة. أما قضية الذبح فإنها كانت قبل هذا، وكانت بمكة، وسارة لم تأت إلى مكة، كان مقرها الشام؛ ولهذا كان القول بأن الذبيح إسحاق قول باطل بعيد عن الصواب، وقد بعث رسول الله ﷺ وقرن الكبش الذي فدي به إسماعيل موجود في الكعبة معلق فيها، وهذا شيء يعرفه المؤرخون.

стр. 831

قصة دخول بني إسرائيل مصر نبينا ﷺ من ذرية إبراهيم، ولم يبعث رسول بعد إبراهيم إلا من ذريته، كل الرسل الذين بعثوا بعده هم من ذرية إبراهيم، ولكن أكثرهم من أبناء إسحاق، كل رسل بني إسرائيل من ذرية إسحاق، بُدِئوا بموسى وختموا بعيسى، فأول أنبياء بني إسرائيل موسى ﵇، وهو الذي خرج بهم من مصر من تعذيب فرعون، وأول دخولهم مصر حينما كاد إخوة يوسف إياه، وألقوه في البئر، ثم جاء ركب من مصر، ووجدوا الغلام في البئر فأخذوه وفرحوا به، ثم ذهبوا به وباعوه في مصر بثمن زهيد، واشتراه عزيز مصر (الوزير). ثم بعد ذلك مكنه الله جل وعلا، وجعله وزيراً للمالية على ما نتعارف عليه اليوم، وصارت أمور مصر تحت يده بعدما أصابهم ما أصابهم من القحط، وجاء إخوته يبحثون عن الطعام، فعرفهم وهم له منكرون، فسألهم عن حالهم وعن أبيهم وقال: هل لكم من أخ؟ قالوا: نعم، وذكروا عنه ما لا يرضى، وهو أخوه من أمه وأبيه، ولكن أم هؤلاء غير أم يوسف وأم أخيه، فقال لهم: ائتوني بأخيكم من أبيكم حتى أوفي لكم الكيل وأزيدكم، وإن لم تأتوني به فلن يحصل لكم كيل، ثم أمر غلمانه أن يجعلوا الأثمان التي اشتروا بها الطعام في رحالهم، حتى إذا رجعوا وعرفوها لزمهم الرجوع لأداء الحق؛ لأنهم لم يتركوا ذلك. ثم لما جاءوا جعل المكيال الذي يكيل به في رحل أخيه، ثم أمر مؤذن أن يؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون، قالوا: ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين، فقال: ما جزاؤه إذا تبين لنا كذبه؟ قالوا: جزاؤه من وجدت معه السرقة هو لك، فأمر أن يبدأ بتفتيش رحالهم أولاً، ثم استخرجها من رحل أخيه، عند ذلك أصبحوا مستسلمين لهذا الأمر. ثم بعد هذا لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] فقال لهم: لم يسرق ولكن ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف:١٨]؛ لأنه ظن أنهم فعلوا به كما فعلوا بيوسف لما جاءوا إليه يبكون وقالوا: إن الذئب أكله ولم يصدقهم بذلك وقال: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] يعني: أنه أمر دبرتموه على غير ما قلتموه، ويعقوب ﵇ نبي كريم، وهو ابن إسحاق، ثم أمرهم أن يعودوا ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وقال: لا تيأسوا من رحمة الله، فذهبوا ودخلوا على يوسف وهم لا يعرفونه فقالوا: ﴿أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨]، فهنا جاءت الفرصة ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٩] عند ذلك تنبهوا ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]. عند ذلك ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] ماذا قال؟ ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢] يعني: لن أعاتبكم، ولن آخذ بثأري، بل أعفو عنكم، وأسأل الله أن يغفر لكم، وهذا هو الكرم والعفو المتناهي، ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه إلى أبيه، فإنهم إذا ألقوه عليه رجع إليه بصره، وقد كف بصره من الحزن، وأمرهم أن يأتوا بأهلهم جميعاً، فجاءوا وسكنوا مصر. ثم لما جاء فرعون تسلط عليهم، وصار يقتل أبناءهم، ويترك نساءهم. كان أولاً يقتل كل مولود سواء كان ذكراً أو أنثى من بني إسرائيل، والسبب في هذا أنه قال له الكهنة والسحرة أو غيرهم: إن زوال ملكك سيكون على يد مولود من بني إسرائيل، عند ذلك قال: لن ندع مولوداً يعيش، فصار يقتل، فقالوا له: سيفنى بنو إسرائيل وتتعطل أعمالنا؛ لأنهم كانوا يسخرونهم في الأعمال، في البناء وغيرها مثل ما هو مشاهد الآن من الأهرام وغيرها من آثار فرعون، يعملون تحت السياط، حملهم على العمل بالتعسف والظلم، كحمل الصخور حتى يبنوا بالقهر والقوة، فعند ذلك قال له أعوانه الظلمة: تتعطل أعمالنا، قال: ما الحيلة؟ فقالوا: تقتلهم سنة، وتبقيهم سنة، حتى نستطيع أن نشغلهم في الأعمال، فولد موسى ﵇ في السنة التي فيها القتل، أما هارون فولد في السنة التي لا يقتل فيها المواليد. والمقصود أن كل رسل بني إسرائيل من أولاد يعقوب بن إسحاق، ويعقوب هو إسرائيل الذي ذكر في القرآن كثيراً: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٤٠]، ويعقوب أولاده إثنا عشر ثم كثر نسلهم وانتشروا، قيل: إنهم لما خرجوا من مصر كانوا سبعين ألفاً، والواقع أنهم أكثر من سبعين ألفاً، وكلهم أولاد يعقوب، وهو إسرائيل النبي الكريم. لما قيل للنبي ﷺ : (من أكرم الناس؟ قال: يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم -يعني يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- فقيل له: ليس عن هذا نسألك، فقال: تسألوني عن معادن العرب، خيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام إذا فقهوا). فالمقصود: أن إسرائيل نبي كريم؛ ولهذا ما يجوز أن نسمي شذاذ الخلق وخبثاءهم اليوم من اليهود إسرائيل، الناس اليوم يسمونهم دولة إسرائيل، والواجب أن يسموا اليهود؛ لأن إسرائيل نبي، والنبي بريء من كل من خالف نهجه وطريقته، وإن كان من أولاده، وإن كان من أبنائه، فالنسب لا يفيد شيئاً، وإنما يفيد العمل. والمقصود: أن نسب رسولنا ﷺ ينتهي إلى إبراهيم بلا إشكال، وهذا أمر يجب القطع به، وقد ذكر الرسول ﷺ في عدة أحاديث أنه صلوات الله وسلامه عليه ابن إسماعيل، وإسماعيل لم يبعث نبي من ذريته إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه، بخلاف إسحاق فإن جميع الأنبياء من أولاده. أما ما ذكر أن خالد بن سنان نبي من العرب، وأن قومه هم أصحاب الرس؛ فهذا لم يثبت، وجاءت فيه أحاديث الله أعلم بها، وجاء أنه نبي ضيعه قومه، وإذا صحت الأحاديث وجب اعتقاد ذلك، ولكن لم تثبت الأحاديث.

стр. 832

الشريعة الإسلامية حنيفية سمحة قال الشارح: [وقوله: (عزيز عليه ما عنتم) أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها؛ ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وفي الصحيح: (إن هذا الدين يسر) وشريعته كلها سمحة سهلة كاملة يسيرة على من يسرها الله عليه]. وكلمة حنيف معناها مبتعد عن الشرك، مبتعد عنه قصداً مع العلم والقوة، ولهذا قالوا: إن هذا الدين الذي جاء به الرسول هو أشد الأديان وأعظمها في مسألة الشرك، ولكن في الشرع وأعمال الفروع هو أسمح الأديان وأسهلها، أما في العقيدة فهو أشدها وأعظمها، يبعد عن الشرك ووسائله، فالحنيف غير السمح السهل. إبراهيم ﵇ كان حنيفاً يعني: بعيداً عن أن يقع في شيء من الشرك، تاركاً للشرك قصداً، مائلاً إلى توحيد الله جل وعلا وإخلاص العمل له وحده، فهكذا هذه الأمة على هذا النهج، أما في الشرائع فإنها سهلة وسمحة، فهي أيسر الشرائع كلها، وعرف من الأمثلة الشيء الكثير، فإن بني إسرائيل كانت عليهم آصار وأغلال في شرائعهم، كانوا لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم، وإذا خرج الإنسان من ذلك المكان فلابد أن يرجع إليه ويصلي فيه، وكان أحدهم إذا أصاب ثوبه نجاسة ما يكفي أن يغسله، لا بد أن يقرضه بالمقراض ويلقيه، وهذا من الآصار، وحرمت عليهم أشياء من الأطعمة، وحرم عليهم أشياء كثيرة أحلت لهذه الأمة تسهيلاً وسماحة من الله جل وعلا، ومن القواعد التي يذكرها العلماء وتؤخذ من كليات الشرع: المشقة تجلب التيسير، كل شيء يشق على الناس فلا بد أن يكون الدين جاء بتيسيره وتسهيله، وهذه قاعدة جعلوها أصلاً يرجعون إليها.

стр. 833

رحمة الرسول بالمؤمنين قال الشارح: [قوله: (حريص عليكم) أي: على هدايتكم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، وعن أبي ذر ﵁ قال: (تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً) أخرجه الطبراني، وقال رسول الله ﷺ : (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم). وقوله: (بالمؤمنين رؤوف رحيم) كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧]. وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله: (فإن تولوا) أي: عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩]] هذا يدل على اختصاص رأفته ورحمته بالمؤمنين، أما الكافرون فهو لايرحمهم، بل هو شديد عليهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، بينهم رحماء، ولكن على الكفار أشداء، وهذا وصفه على ضوء أمر الله له، حينما قال له: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، فرأفته ورحمته خاصة بالمؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. [قلت: فاقتضت هذه الأوصاف التي وصف بها رسول الله ﷺ في حق أمته أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وبين لهم ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها وإليها ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها كما تقدم وكما سيأتي في أحاديث الباب]. يعني أنه بين هذا ووضحه، ومن ذلك النهي عن الصلاة عند القبور.

стр. 834

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٧] سد النبي ﷺ كل طريق يوصل إلى الشرك، ومن ذلك أنه نهى أن يجعل قبره عيداً، وأخبر بأن السلام عليه يصله حيث كان المُسلِّم.

стр. 835

حديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات]. هذا الحديث من أدلة حمايته صلوات الله وسلامه عليه لجناب التوحيد حتى لا يخدش أو ينال بشيء يكدر صفوه، وحتى لا تكون العبادة فيها شيء لغير الله، قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) هذه الكلمات فيها إرشاد للأمة، وفيها حماية لعبادة الله جل وعلا، وصيانة لحق الله جل وعلا، ورأفة بالمؤمنين، ورحمة منه صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) ليس المعنى: لا تقبروا الموتى في بيوتكم، هذا غير مقصود؛ لأن هذا ما أحد يعمله، لا أحد يجعل بيته مقبرة؛ لأن الإنسان إذا مات عنده الميت يضيق به ذرعاً، ويود بكل سرعة أن يخرجه من بيته، ويذهب به إلى المقابر، هذا شيء معروف عند الناس كلهم، وإنما المقصود: لا تعطلوا بيوتكم من الصلاة والذكر والتلاوة والعبادة، فتكون مثل المقبرة، وهذا يدلنا على أنه متقرر عند المسلمين من أول الأمر أن المقابر ليست محلاً للعبادات؛ ولهذا قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يعني: لا تجعلوها شبيهة بالقبور؛ ولهذا جاء في الحديث الثاني: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان يفر من البيت الذي تتلى فيه سورة البقرة)، فدل على أنه قصد بقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) تعطيلها من العبادة، لا تعطلوها من العبادة، وذلك أن القبور معطلة من العبادة، ما يتعبد أحد عندها، وليست محلاً لأن يعبد الله جل وعلا فيها، ومن فيها مرتهن ما يستطيع أن يعبد الله، ما يستطيع أن يستغفر، ما يستطيع أن يتوب، ما يستطيع أن يكتسب حسنة واحدة، أو يتوب عن سيئة واحدة؛ لأن الأعمال ختم عليها بالموت، إذا مات الإنسان انقطع عمله، أما ما جاء في صحيح مسلم أنه استثني من ذلك ثلاث، فالواقع أن الثلاث من عمله، يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فهذه من عمله في الواقع، الصدقة الجارية من عمله، وسميت جارية على حسب الوضع وإلا فلابد أن تنقطع في يوم من الأيام، ولكنها تستمر وقتاً ما ثم تنقطع. أما العلم الذي ينتفع به فيقصد به التعليم، إذا كان يعلم الناس الخير بالنية الصالحة والقصد الحسن، لا أن يعلم الناس ويريد أن يثنوا عليه أو يحبوه ويمدحوه، فإن كانت هذه صفته فبئس الحالة حالته، فهو مأزور، ولا يكون له أجر، فضلاً عن أن يجري عليه هذا العمل، وكذلك إذا أبقى بعده علماً مكتوباً ينتفع به إذا كانت نيته صالحة أراد به وجه الله جل وعلا، وأراد الدعوة إليه، وبيان الحق، ونفع العباد، فهذا ينتفع بهذا العلم، أما إذا أراد النقود من كتب العلم، يريد أن يحصل الدنيا فليس له إلا ما حصل، وليس له إلا ما دخل في جيبه فقط، أما الذي يجرى عليه فهو أن يعذب نسأل الله العافية؛ لأن الذي يريد بالأعمال الصالحة عرضاً دنيوياً ليس له إلا النار، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أول من تسجر بهم النار ثلاثة: شهيد ومتصدق ومتعلم أو قال: عالم، فيؤتى بالشهيد فيقرر بنعم الله جل وعلا فيقر بها، فيقول الله جل وعلا له: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب! بذلت نفسي في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله جل وعلا له: كذبت، بذلت نفسك ليقال: شجاع، جريء، وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب إلى النار) ما صار له من جهاده ومن قتله وإراقة دمه إلا قول الناس: هذا شجاع، هذا جريء، هذا مقدام، هذا فيه كذا وكذا، يعني: أجره المدح فقط، أما في الآخرة فهو من الخاسرين نسأل الله العافية، وذلك لأنه قصد الترفع على الناس، هذا قصده؛ لأنه إذا أثني عليه ومدح صار فوق الناس في ذلك. (ويؤتى بالمتصدق ويقرر بنعم الله فيقرر بها) ومعنى يقرر أن تذكر له، ألم يخلقك الله ولم تكن شيئاً؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم يجعل لك سمعاً وبصراً وعقلاً؟ فيقول: بلى يا رب، ألم يفضلك على كثير من خلقه؟ فيقول: بلى يا رب، ألم ينعم عليك بالنعم من الأرزاق؟ ألم يزوجك؟ ألم يجعل لك أولاداً؟ إلى غير ذلك من النعم، فيقر بها ولا يستطيع أن ينكر، ويقول: بلى يا رب، عند ذلك يقول: (ماذا صنعت؟ -يعني: ماذا عملت مقابل هذه النعم؟ -فيقول: يا رب! ما تركت باباً من أبواب الخير إلا أنفقت الأموال في سبيلك ابتغاء وجهك، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، تبعاً لقول الله جل وعلا، ولكنك تصدقت ليقال: هو جواد، هو كريم، وقد قيل -يعني: قد أخذت أجرك من قول الناس - فيؤمر به فيسحب إلى النار. ويؤتى بالعالم أو المتعلم، فيقرر بنعم الله فيقر بها، فيقول الله جل وعلا: ماذا صنعت فيها؟ فيقول: يا رب! تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله جل وعلا: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: هو عالم، وقد قيل -يعني: قد أخذت أجرك واستوفيته- فيسحب إلى جهنم)، هؤلاء أول من تسجر بهم جهنم. وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن يلقى في جهنم قبل عباد الوثن نسأل الله العافية، وهو مسلم في الظاهر، بل عالم في الظاهر، فهكذا إذا كان الإنسان ترك علماً أو ترك صدقة جارية فإنه متوقف على نيته وقصده ومراده وإخلاصه، إن كان قصده صالحاً ونيته طيبة مخلصاً لله فليبشر بالخير، وإن كان العمل قليلاً، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: مثقال الذرة (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]. إذا بقي للإنسان من الحسنات بعد المحاصة والمقاصة والموازنة مثقال ذرة ضاعفها الله جل وعلا له وأدخله بها الجنة. إذاً: ليس الاهتمام بالكثرة، وإنما الاهتمام بالصفة، بالإخلاص، بالمقاصد، أن تكون نيته ومقصده لله جل وعلا، وأن يكون عمله موافقاً لسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، هذا هو أهم ما لدى الإنسان، فعلى هذا نقول: إن قوله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أمر منه ﷺ بأن نجعل شيئاً من عبادتنا في البيوت، من الصلاة، ومن الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وغير ذلك، ولا يجوز أن يكون البيت محلاً لمأوى الشياطين نسأل الله العافية، والغناء، والصور، والأمور التي ترضي الشيطان، وتغضب رب العالمين، فإنه إذا كان كذلك فإنه يكون مأوى للشياطين، ولهذا يكثر تلبس الجن بكثير من الناس لأجل تعطيلهم ذكر الله جل وعلا، ولأجل كونهم لا يتلون آيات الله؛ ولهذا يقول ﷺ : (فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، فلا يمكن أن يدخل فيه، بل يهرب منه، فتلاوة القرآن تطرد الشياطين؛ ولهذا الأمر قال ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تعطلوها من التلاوة ومن الصلاة ومن الذكر فتكون مثل القبور.

стр. 836

قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) وهذا أيضاً نهي أن نجعل قبره عيداً، والعيد اسم لما يعود ويتكرر من الوقت أو من الفعل أو المكان، إذا جعل الناس مكاناً معيناً ليفعل فيه أشياء معينة، فهذا المكان يكون عيداً، كما قال ﷺ في الحديث الذي في السنن لما جاء الرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، فقال الرسول ﷺ : (أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم)، فقوله: (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟) يعني: هل كانوا يعودون إلى هذا المكان لصنع أشياء معينة من أعمالهم، فهذا يدل على أن المكان قد يسمى عيداً، وكذلك بعود الفعل يكون عيداً أو بعود الوقت والزمن وتكراره.

стр. 837

النهي عن التردد إلى قبر النبي ﷺ قوله ﷺ : (ولا تجعلوا قبري عيداً) يعني: لا تترددوا على قبري، وهنا لم يذكر لا سلاماً ولا غيره مطلقاً؛ ولهذا قال: (وصلوا علي أينما كنتم) يعني: أنه لا داعي لأن تذهبوا إلى القبر وتصلون علي هناك، بل في أي مكان صليتم علي (فإن صلاتكم تبلغني)، فهو المبلغ صلوات الله وسلامه عليه الصلاة، الصلاة التي يصليها عليه المسلم تبلغه، سواء كان المصلي عليه بعيداً وقريباً؛ ولهذا فإن الترداد على القبر ممنوع مفهوماً ونصاً، فالنص في قوله: (لا تجعلوا قبري عيداً)، والمفهوم في قوله: (فإن صلاتكم تبلغني) بعد قوله: (وصلوا علي أينما كنتم) فدل على أنه لا داعي للذهاب إلى السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه عليه، فإنك أينما صليت عليه في أي مكان كنت فإن الصلاة تبلغه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أنها تعرض عليه، هذا معنى تبلغه، تعرض عليه ويقال له ﷺ : فلان يصلي عليك أو فلان يسلم عليك. ومن صلى على النبي ﷺ واحدة صلى الله عليه بها عشراً، فهي حسنة بعشر أمثالها، بل من أفضل الحسنات الصلاة عليه، فهذا حماية منه ﷺ لجناب التوحيد، حتى لا يجر الشيطان من كان عنده ضعف إيمان أو ضعف علم فيدعوه إلى أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، وهذا ممنوع، وربما إذا وصل إلى هذا الحد دعاه إلى أن يتجه إلى النبي ﷺ ويدعوه بأن يشفع له، فيقول: يا رسول الله اشفع لي أو أعطني كذا، أو أنا جئت إليك أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك مما يقع لكثير من الناس، فهذا شرك؛ لأنه دعوة للرسول ﷺ بالشيء الذي يجب أن يكون لله جل وعلا، وكل هذا نفاه ﷺ ، وحمى الأمة من أن تقع فيه بهذا الحديث وأمثاله. ومن الجهل ما يقع من بعض الناس إذا علم أن صاحبه أو قريبه أو من يعرفه سيذهب إلى المدينة قال: سلم لي على رسول ﷺ ، وربما كتب كتاباً وقال: ضعه عند قبره، فهذا عمل باطل، وهو خلاف ما جاء به المصطفى، وكل ما كان خلاف ما جاء به النبي ﷺ فهو رد على صاحبه كما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فهذا ليس عليه أمره، وأمره ﷺ واضح وجلي قد بينه، ويجب أن يعلم، فتبين بهذا أن هذا كله صيانة لحق الله جل وعلا أن ينتهك، ورحمة بالأمة أن تقع في العنت ومواقع العذاب الذي يشق على رسول الله ﷺ . فصلوات الله وسلامه عليه الذي نصح الأمة وأدى الأمانة، وقام بكل ما وجب عليه للأمة، بل وأكثر من ذلك رأفة بهم ورحمة.

стр. 838

الحث على النوافل في البيوت قال الشارح: [قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) قال شيخ الإسلام: أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة]. ليس معنى ذلك أنه خص البيوت بالتعبد، وإنما حث على أن يجعل فيها شيء من العبادة، والمقصود بالعبادة هنا النوافل، أما الفرائض فيجب على المسلم أن يؤديها في المساجد حيث ينادى لها، ولا تكون في البيت، وإنما الذي يكون في البيت النوافل، والمسلم مطلوب منه أن يتزود من الخير، والذي يقتصر على الفرائض فقط على خطر؛ لأن الإنسان يعتريه النسيان، ويعتريه التقصير، ويعتريه الجهل، تعتريه نواقص كثيرة جداً، وقد جاءت النصوص بأن الإنسان يوم القيامة تكمل فرائضه من النوافل والتطوعات، جاء في الحديث أن أول ما يحاسب عليه الإنسان صلاته، فإذا نقص منها شيء قيل: انظروا هل له تطوع؟ فيكمل من التطوع، وهذا من فضل الله جل وعلا وإحسانه، وإلا له الحق بألا يقبل التطوع إذا نقص الفرض؛ لأن الفرض يجب أن يؤتى به على الوجه المطلوب، فإن لم يأت به على الوجه المطلوب فقد قصر الإنسان، فالصلاة والذكر والتلاوة وغيرها من العبادة إذا كانت تطوعاً ففعلها في البيت أفضل، حتى وإن كان الإنسان في مسجد الرسول ﷺ الذي الصلاة فيه بألف صلاة، فربما ركعة في البيت تساوي ركعات كثيرة في المسجد لماذا؟ لأنه في البيت يكون وحده، ويأمن نظر الناس الذي قد يدعوه إلى تزيين الصلاة وتطويلها وتحسينها فيكون ذلك لغير الله، ويكون العمل مردوداً، أما في بيته فهو يأمن هذا، لأجل هذا حث الشرع على الصلاة في البيوت صلاة التطوع، وقد جاء أن النبي ﷺ أمر بأن تكون صلاة التطوع في البيوت، فعلى هذا لا يكون تناقض أو تضارب بين قوله: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة) وبين حثه وأمره على الصلاة في البيوت؛ لأن الصلاة في البيت وإن لم تكن الركعة بألف ركعة تكون أفضل من حيث الصفة من الإخلاص، ومقصد الإنسان، وبعده عن المراءاة، من هذه النواحي، والعبرة بالصفة وبالكيفية وليست بالكمية. والله جل وعلا ينظر إلى القلوب، أما الصور الظاهرة فهذه لا تجزي بشيء، فهذا هو الذي اقتضى الحث على العبادة في البيوت، ثم لا يجوز للإنسان أن يكون بيته معطلاً من ذكر الله ومن تلاوة القرآن، ومن المعلوم أن أكثر البيوت الآن فيها من المزامير والأغاني والصور والمسلسلات، وغير ذلك من أمور كثيرة داعية إلى المعاصي، والنظر إلى كثير منها معصية، فهي من دواعي حضور الشياطين إليها؛ لأن الشيطان يحب المعاصي ويحضرها، فينبغي أن يقاوم المسلم هذا الشيء، وربما كانت المقاومة ضعيفة، ولكن إذا كان الإنسان عنده إيمان وعنده إخلاص طرد الشياطين بإذن الله.

стр. 839

المسلم مبارك أينما كان يجب على المسلم أن يكون مباركاً أينما كان، وإذا حل في أي مكان نفع، هذا هو المبارك، إذا كنت عند أهلك نفعت، وإذا كنت في السوق نفعت، إذا كنت في مسيرك نفعت، والنفع هو الدعوة إلى الله جل وعلا، والتذكير بآيات الله، وبالرجوع إليه، فإننا سائرون، نحن نسير في الطريق سيراً حثيثاً أعظم من سير الطائرة، فكل لحظة تقربنا إلى المقبرة، فضلاً عن اليوم والليلة والشهر والسنة، وما أسرع ما يقال: فلان مات، ثم إذا مت من يصلي لك؟ من يتصدق عنك؟ من يصوم عنك؟ انتهت القضية، لا يوجد عمر يعود مرة أخرى، وعندها يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيقال له: (كَلَّا) كلا، لا رجوع، انتهت القضية، كم جاءك من النذر ومن الآيات ولكنك لم تتعظ، وتستبعد هذا؟ فيندم حين لا ينفع الندم، وينبغي للإنسان أن يتنبه ما دام بإمكانه أن يتنبه ويعمل، ولا يقول: أنا صحيح، وأنا شاب، ربما اغتبط بشبابه ثم يموت وهو شاب، وهذا كثير، فيجب أن يحذر الإنسان ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، فاحذروا احذروا أن تقعوا في المعاصي ثم يموت الإنسان بإثر معصية -نسأل الله العافية- فيلقى ربه وهو عليه غضبان، فماذا يكون مصيره؟ إذا كنت مثلاً عند الملك، يعرفك، ويغدق عليك بالنعم، ويعطيك ما تريد وأكثر مما تريد، ثم بعد ذلك تعصيه معصية بارزة ظاهرة وهو يراك ويشاهدك، فتفر منه؛ لأنه سيعاقبك، ثم بعد ذلك تمسك مكبلاً، ويؤتى بك على رغم أنفك، ماذا تكون حالتك؟ هذا تقريب فقط، وإلا فالله جل وعلا يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فإنه لا يعذب عذابه جل وعلا أحد.

стр. 840

فضل سورة البقرة قال المصنف: [وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعاً: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً) وفي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)]. خص سورة البقرة لما فيها من الأحكام والآيات والصفات العظيمة، ولأنها أطول سورة في المصحف، فهي (٢٨٦) آية، مع أن فيها آيات طويلة، فأطول آية في القرآن فيها، وأعظم آية في القرآن فيها، وفيها ألف أمر، وألف نهي، وفيها أشياء عظيمة جداً؛ ولهذا كان الصحابة يعظمونها، وإذا كانوا في معركة حامية وحصل ارتباك صار ينادي بعضهم بعضاً: يا أهل سورة البقرة! يا أهل سورة البقرة! يذكر بعضهم بعضاً بهذه السورة العظيمة، فلهذا الشيطان يفر منها. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن المسلمين جمعوا صدقة الفطر عند رسول الله ﷺ ، وكانت عادتهم أن يجمعوا الصدقة عند الرسول ﷺ فيفرقها، فجمعت في المسجد، لا يوجد خزائن وأبواب ووزراء، فجعل أبا هريرة حارساً لها، وهي تمر، ومعروف أن أهل المدينة أكثر طعامهم التمر، فاجتمع كوم من التمر من صدقة الفطر، فأمر أبا هريرة أن يحرسها في الليل، وبينما هو يحرس جاء رجل فصار يحثو من التمر في حجره فأمسكه، فقال: ما لك؟ لأرفعنك إلى رسول ﷺ ، فقال: دعني، والله! إني فقير، وعندي عيال، والصدقة هذه للفقراء، قال: فرحمته، وتركته، وذهب. وفي الليلة الثانية أتى فصار يحثو فقلت: هذه ثاني ليلة تأتي! فقال: دعني فإني فقير وعندي عيال، وأنا ذو حاجة، قال: فرحمته وتركته، ولما غدوت على رسول الله ﷺ قال: ما فعل أسيرك يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله! زعم أنه ذو حاجة وأنه فقير وعليه عيال فرحمته وتركته، فقال: أما إنه سيعود، قال: فعلمت أنه سيعود، فجاء وصار يحثو فأمسكته وقلت: هذه ثالث ليلة، والله! لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعني أنا فقير وذو عيال، ودعني أعلمك شيئاً ينفعك الله به، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال: نعم، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، قال: فلما غدوت على رسول الله ﷺ قال: ما صنع أسيرك يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني شيئاً ينفعني فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يقربك شيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، فقال: (صدقك وهو كذوب، أتدري من تخاطب منذ ثلاث؟ قلت: لا، يا رسول الله! قال: ذلك الشيطان)، لماذا أتى الشيطان يأخذ تمراً؟ لم يستطع أن ينقص الصحابة بشيء من أديانهم، فهذه آخر حيلة له، يريد أن ينقصهم من التمر فقط، وهذا أمر سهل، وكيده أضعف الكيد، والمقصود قول الرسول ﷺ : (صدقك وهو كذوب) يعني: أن الإنسان إذا أوى إلى فراشه وقرأ آية الكرسي فإنه لا يقربه شيطان تلك الليلة، ولا يزال عليه من الله حافظ حتى يصبح، وهذا أمر سهل، وآية الكرسي في سورة البقرة، فكيف بالذي يقرؤها كلها؟ جاء في بعض الآثار: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة فإن الله يحفظه من كل سوء، وإذا مات مات مغفوراً له، والعشر الآيات ثلاث من أولها، وواحدة من وسطها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، وآية الكرسي وآيتان بعدها، وثلاث من آخرها: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، وبعدها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وقد صح أن (من قرأ الآيتين الأخيرتين منها في ليلته كفتاه)، من قرأ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] حتى يختم السورة في ليلة كفتاه، قيل: كفتاه عن قيام الليل، والصواب أن معنى (كفتاه) أي: أن الله يحفظه بهاتين الآيتين. وفضائل سورة البقرة كثيرة جداً، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن كلام الله يتفاضل، فبعضه أفضل من بعض، وهذا الذي عليه أئمة السلف، أن كلام الله بعضه أفضل من بعض، وكذلك صفاته جل وعلا، وأسماؤه كذلك بعضها أفضل من بعض، حسب ما تدل عليه من المعاني والجوامع، فالحي القيوم يجمع معاني الأسماء كلها، الحي يجمع معاني أسماء الذات كلها، والقيوم يجمع معاني أسماء الأفعال كلها، وهما في سورة البقرة.

стр. 841

النهي عن جعل القبر عيداً قال الشارح: [قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائداً إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة وغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيداً للحنفاء ومثابة للناس]. المثابة الرجوع، وهو بمعنى العيد، ثاب يثوب، ثاب مرة بعد أخرى، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى مكة يعود مرة أخرى، ويجد في نفسه دافعاً يدفعه، وحادياً يحدوه إلى أن يعود مرة أخرى، وكل إنسان إذا جاء وقت الحج وكان عنده إيمان ومحبة للخير؛ تجد في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، ويحن إلى هذه الأماكن، ويقال: إن هذا أثر دعوة إبراهيم ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧] فإن الله استجاب له هذه الدعوة، ويقول بعض العلماء: لولا أنه قال: من الناس لكان هذا عام شامل لجميع الخلق، فتجد الخلق كلهم يريدون المجيء إلى مكة. فالمقصود أن معنى المثابة هو بمعنى العيد، فهم يثوبون بمعنى: يرجعون مرة بعد أخرى، ويكررون ذلك، ولو لم يكن من رجل واحد ولكن من الجميع. قال الشارح: [كما جعل أيام العيد فيها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمنية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر]. الواقع أن أعياد الجاهلية زادت الآن وكثرت، من قبل كانت أقل، أعياد الجاهلية التي كانت قبل بعثة الرسول ﷺ ليست كثيرة مثل أعياد الجاهلية اليوم، فجاهلية اليوم لا تحصى أعيادها، عيد مولد، وعيد شجرة، وعيد أم، وعيد أمة، وعيد اعتلاء العرش، وعيد وطن، وعيد كذا، تجد أعياداً كثيرة جداً، وكلها بدع وضلالة، وكلها مخالفة لقول الرسول ﷺ : (فإن الله عوضكم عن أعياد الجاهلية بعيد الفطر والأضحى)، ليس للمسلمين إلا هذين العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى. الأسبوع له عيد وهو الجمعة، ولكن العيد لا يعطل فيه العمل كما يتصور بعض الناس، فإن الله أمرنا بالسعي في يوم الجمعة لطلب الرزق، يقول الله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، ولكنه عيد بمعنى أنه فيه عمل صالح، وفيه اجتماع على عمل صالح، هذا معنى كونه عيد الأسبوع، فيه اجتماع في بيت من بيوت الله على عمل صالح، وليس معنى ذلك ترك الأعمال. أما الأعياد الأخرى -وإن زعم أن فيها منفعة- فالواجب أن يكون المسلم مكتفياً بما في تعاليم الرسول ﷺ ، وليس فيها شيء فيه تقصير أبداً، النفع كله موجود في تعاليم الإسلام، وكل ما يزعم في هذه الأعياد من منافع ففي تعاليم الإسلام أكثر منه وأعظم، ولكن ليس على ذلك الوجه، بل على وجه يرضي الله جل وعلا ويرضي رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أما البدع فإنها ترضي الشيطان، وتبعد عن الله، وتجعل العمل لا خير فيه ولا بركة فيه، ولا جدوى فيه في الآخرة، بل هو ممحوق البركة. قال الشارح: [قوله (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيداً. قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) تقدم كلام شيخ الإسلام في معنى الحديث قبله. انتهى].

стр. 842

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٨] لا يجوز شد الرحال إلى القبور، ولو كانت قبور أنبياء؛ لأن شد الرحال إليها قد يفضي إلى الشرك، وقد وقع كثير من هذه الأمة في عبادة القبور بسبب الغلو في أصحابها.

стр. 843

حديث: (صلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) رواه في المختارة]. هذا الحديث رواه علي بن الحسين الذي هو زين العابدين، وهو من أفضل أهل زمانه، عن أبيه الحسين بن علي ابن بنت رسول الله ﷺ ، عن جده رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)، وفي هذا الحديث ما كان عليه السلف -وأهل البيت خاصة- من معرفة هذه السنة، فهذا الرجل جاء يتحرى الدعاء عند قبر الرسول فنهاه، وقال: لا تفعل، وجاء نظير هذا أيضاً عن ابن عمه الحسن بن الحسن أنه رأى رجلاً بهذه الصفة، يقول: جئت وهو يتعشى في بيت فاطمة، فدعاني فقلت: لا أريده، فقال: ما لي أراك تأتي إلى القبر، فقلت: أسلم، فقال: لا تفعل، يعني: لا تتردد على القبر للسلام، ثم ذكر الحديث، وقال: ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء، فسلم أينما كنت على رسول الله ﷺ فإن تسليمك يبلغه، ودل هذا على أنه لا يجوز تحري الدعاء عند القبر، وإن قصد الإنسان الدعاء فليكن في روضة مسجد الرسول ﷺ ، ولا يجوز أن يتجه إلى القبر ويدعو، بل يتجه إلى القبلة ويدعو ربه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة)، فهذا هو الذي يرجى فيه إجابة الدعاء، وينبغي أن يتحرى الدعاء فيها وليس عند القبر، والقبر ما كان في المسجد، بل كان خارج المسجد، ولكن الوليد بن عبد الملك أدخله المسجد لا استناناً بسنة، ولا امتثالاً لأمر عالم من العلماء، وإنما بمقتضى أمر الملوك وفعل الملوك فقط؛ لأنه ملك من الملوك يريد أن يظهر عمله، فعمله خطأ، لا وافق قول رسول الله ﷺ ، ولا امتثل مشورة العلماء، بل جانب ذلك. إذاً: القبر ليس مكاناً للدعاء، بل هو منهي عنه، هذا لو لم تأت النصوص الصرحية الواضحة فكيف وقد جاءت النصوص عن رسول الله ﷺ ؟ فليس للمخالف في ذلك عذر، ويكون مرتكباً لإثم إذا خالف هذه النصوص، وفي هذا دليل على أن من كان في المدينة لا يتردد على قبر الرسول ﷺ بالسلام كلما جاء إلى المسجد، وإنما إذا دخل المسجد يصلي على رسول الله ﷺ ، فما كان الصحابة يفعلون ذلك مع أنهم كانوا يتمكنون من الوصول إلى قبره، ولا شيء يحول بينهم وبينه، بخلاف اليوم لا يستطيع أحد أن يصل إلى القبر، وهذا من فضل الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا حماه عن الجهال الذين لو تمكنوا منه لم يتركوا حتى من التراب شيئاً، التراب سيحملوه لو تمكنوا من ذلك، ولكن من فضل الله جل وعلا أن صانه وحماه. فالمقصود أن السنة التي بينها ﷺ للمسلمين أن يصلوا عليه أينما كانوا، وألا يترددوا على قبره ويجعلوه عيداً، فإنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم يكونون مخالفين لرسول الله ﷺ .

стр. 844

صحة حديث علي بن الحسين في النهي عن الدعاء عند القبر قال الشارح ﵀: [قال: هذا الحديث والذي قبله جيدان حسنا الإسنادين. أما الأول: فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فذكره، ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع قال فيه أبو حاتم: ليس بالحافظ، تعرف وتنكر، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، قال شيخ الإسلام ﵀: ومثل هذا إذا كان للحديث شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة، وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة. وأما الحديث الثاني: فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي في المختارة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط. انتهى. وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ﵂ يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ما أنتم ومن في الأندلس إلا سواء. وقال سعيد أيضاً: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني) قال شيخ الإسلام: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسنداً]. في هذين الحديثين دليل على أن قصد القبر للسلام غير مشروع، وإنما المشروع قصد المسجد، وفيه كذلك أن علي بن الحسين والحسن بن الحسن أخبرا أن هذا يدخل في قوله ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً)، فاستدلا به على المنع من قصد القبر؛ ولهذا قال: لا تفعل، يعني: لا تأت إلى القبر للسلام، وهذا لم يكن الصحابة يفعلونه، قال عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان إذا أتى من السفر جاء إلى المسجد فصلى ركعتين، ثم جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: السلام عليك يا أبا بكر، ثم قال: السلام عليك يا أبتي، ثم ينصرف، يقول عبيد الله بن عمر: ولم أعلم أحداً من الصحابة كان يفعل ذلك غير ابن عمر. فمن فعل مثل هذا اقتداء بـ عبد الله بن عمر فلا بأس إذا قدم من سفر، أما أن يقصد القبر للسلام فقط فهذا داخل في النهي. وكذلك يدل الحديث على أن الإنسان إذا جاء إلى المسجد النبوي ليصلي فلا يشرع له أن يذهب ويسلم؛ لأنه قال: لا تفعل، وفهموا أن هذا داخل في قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً)؛ ولهذا ما كان أحد من الصحابة يفعل ذلك، ومعلوم أنه لو كان ذلك خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم أولى الناس بفعل الخير، وأبعد الناس عن فعل البدع والباطل. وكذلك فيه دليل على أنه لا يقصد القبر للدعاء عنده؛ ولهذا أنكر مالك ﵀ على أهل المدينة أنهم إذا دخلوا المسجد يقصدون القبر للسلام وللدعاء، وقال: لم يكن أحد من السلف يفعل ذلك، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

стр. 845

من سلم على قبر النبي فليتجه إلى القبر ولا يدعو عنده وردت حكاية عن مالك أن المنصور سأله: إذا أردت أن أدعو فهل أتوجه إلى القبر أو أتوجه إلى القبلة؟ فقال: لا تصرف وجهك عن وسيلتك ووسيلة آبائك، اتجه إلى القبر واستشفع به، فإنك تشفع في ذلك، فهذه حكاية موضوعة على الإمام مالك، وفيها من هو متهم بالكذب، مثل محمد بن حميد فإنه كذاب، وكذلك في سندها من لا يعرف، ومثل هذا لا يقوله الإمام مالك وقد صح عنه ما سبق، وكان من أعظم الناس تمسكاً بسنة الرسول ﷺ ، ومن أشد الناس كراهية للبدع، وبغضاً لها ونهياً عنها. ثم إنه يجب على الإنسان أن يكون عمله متقيداً بسنة الرسول ﷺ حتى لا يرد عمله، فإذا لم يكن العمل مقيداً بالسنة فإنه مردود؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الدين الإسلامي مبني على أصلين عظيمين: أحدهما: أن يكون الدين كله خالصاً لوجه الله، لا يراد به غير الله. والثاني: أن تكون العبادة قد جاءت بالنص، جاء بها رسول الله ﷺ . وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: أنه لا يأله ولا يعبد إلا الله وحده، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أنه رسول جاء من عند الله، وأنه لا يعبد الله إلا بما جاء به هذا الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وليس الأمر مطلقاً لكل من أراد أن يفعل شيئاً فعله أو استحسن شيئاً سلكه، وإذا رأى أحداً يفعل شيئاً مخطئاً سواء عن حسن قصد أو عن غيره فإنه لا يجوز له الاقتداء به. وهذه المسألة الأخيرة وهي كونه لا يقصد القبر للدعاء؛ يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: ما أعلم فيها خلافاً بين السلف، يعني: أنها محل إجماع، لا أعلم فيها خلافاً بين السلف، هكذا يقول، وهذا يدل على أنها من البدع التي جاء به الخلوف. وأما ما يذكر في كتب الفقه وغيرها من ذكر خلاف في المسألة، وبعضهم قد يرفع هذا الخلاف إلى بعض علماء السلف، أنه إذا سلم هل يدعو ويتجه إلى القبر أو يتجه إلى القبلة، فهذا لا يدل أن هذا محل دعاء، بل من قصد هذا المكان للدعاء فقد ابتدع وجاء بخلاف النص الذي نهى الرسول ﷺ عن مثل هذا، وجعله من الذرائع التي يدخل منها الشيطان إلى الإنسان لإفساد عبادته، فمثل هذا يدخل في قاعدة: سد الذرائع، وحماية المصطفى ﷺ لجناب التوحيد.
следующие страницы →