Полный текст (2 090 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
النهي عن جعل القبر عيداً
قال الشارح: [قوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائداً إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة وغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيداً للحنفاء ومثابة للناس].
المثابة الرجوع، وهو بمعنى العيد، ثاب يثوب، ثاب مرة بعد أخرى، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى مكة يعود مرة أخرى، ويجد في نفسه دافعاً يدفعه، وحادياً يحدوه إلى أن يعود مرة أخرى، وكل إنسان إذا جاء وقت الحج وكان عنده إيمان ومحبة للخير؛ تجد في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، ويحن إلى هذه الأماكن، ويقال: إن هذا أثر دعوة إبراهيم ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧] فإن الله استجاب له هذه الدعوة، ويقول بعض العلماء: لولا أنه قال: من الناس لكان هذا عام شامل لجميع الخلق، فتجد الخلق كلهم يريدون المجيء إلى مكة.
فالمقصود أن معنى المثابة هو بمعنى العيد، فهم يثوبون بمعنى: يرجعون مرة بعد أخرى، ويكررون ذلك، ولو لم يكن من رجل واحد ولكن من الجميع.
قال الشارح: [كما جعل أيام العيد فيها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمنية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر].
الواقع أن أعياد الجاهلية زادت الآن وكثرت، من قبل كانت أقل، أعياد الجاهلية التي كانت قبل بعثة الرسول ﷺ ليست كثيرة مثل أعياد الجاهلية اليوم، فجاهلية اليوم لا تحصى أعيادها، عيد مولد، وعيد شجرة، وعيد أم، وعيد أمة، وعيد اعتلاء العرش، وعيد وطن، وعيد كذا، تجد أعياداً كثيرة جداً، وكلها بدع وضلالة، وكلها مخالفة لقول الرسول ﷺ : (فإن الله عوضكم عن أعياد الجاهلية بعيد الفطر والأضحى)، ليس للمسلمين إلا هذين العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
الأسبوع له عيد وهو الجمعة، ولكن العيد لا يعطل فيه العمل كما يتصور بعض الناس، فإن الله أمرنا بالسعي في يوم الجمعة لطلب الرزق، يقول الله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، ولكنه عيد بمعنى أنه فيه عمل صالح، وفيه اجتماع على عمل صالح، هذا معنى كونه عيد الأسبوع، فيه اجتماع في بيت من بيوت الله على عمل صالح، وليس معنى ذلك ترك الأعمال.
أما الأعياد الأخرى -وإن زعم أن فيها منفعة- فالواجب أن يكون المسلم مكتفياً بما في تعاليم الرسول ﷺ ، وليس فيها شيء فيه تقصير أبداً، النفع كله موجود في تعاليم الإسلام، وكل ما يزعم في هذه الأعياد من منافع ففي تعاليم الإسلام أكثر منه وأعظم، ولكن ليس على ذلك الوجه، بل على وجه يرضي الله جل وعلا ويرضي رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أما البدع فإنها ترضي الشيطان، وتبعد عن الله، وتجعل العمل لا خير فيه ولا بركة فيه، ولا جدوى فيه في الآخرة، بل هو ممحوق البركة.
قال الشارح: [قوله (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيداً.
قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) تقدم كلام شيخ الإسلام في معنى الحديث قبله.
انتهى].
стр. 842
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٨]
لا يجوز شد الرحال إلى القبور، ولو كانت قبور أنبياء؛ لأن شد الرحال إليها قد يفضي إلى الشرك، وقد وقع كثير من هذه الأمة في عبادة القبور بسبب الغلو في أصحابها.
стр. 843
حديث: (صلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) رواه في المختارة].
هذا الحديث رواه علي بن الحسين الذي هو زين العابدين، وهو من أفضل أهل زمانه، عن أبيه الحسين بن علي ابن بنت رسول الله ﷺ ، عن جده رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)، وفي هذا الحديث ما كان عليه السلف -وأهل البيت خاصة- من معرفة هذه السنة، فهذا الرجل جاء يتحرى الدعاء عند قبر الرسول فنهاه، وقال: لا تفعل، وجاء نظير هذا أيضاً عن ابن عمه الحسن بن الحسن أنه رأى رجلاً بهذه الصفة، يقول: جئت وهو يتعشى في بيت فاطمة، فدعاني فقلت: لا أريده، فقال: ما لي أراك تأتي إلى القبر، فقلت: أسلم، فقال: لا تفعل، يعني: لا تتردد على القبر للسلام، ثم ذكر الحديث، وقال: ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء، فسلم أينما كنت على رسول الله ﷺ فإن تسليمك يبلغه، ودل هذا على أنه لا يجوز تحري الدعاء عند القبر، وإن قصد الإنسان الدعاء فليكن في روضة مسجد الرسول ﷺ ، ولا يجوز أن يتجه إلى القبر ويدعو، بل يتجه إلى القبلة ويدعو ربه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة)، فهذا هو الذي يرجى فيه إجابة الدعاء، وينبغي أن يتحرى الدعاء فيها وليس عند القبر، والقبر ما كان في المسجد، بل كان خارج المسجد، ولكن الوليد بن عبد الملك أدخله المسجد لا استناناً بسنة، ولا امتثالاً لأمر عالم من العلماء، وإنما بمقتضى أمر الملوك وفعل الملوك فقط؛ لأنه ملك من الملوك يريد أن يظهر عمله، فعمله خطأ، لا وافق قول رسول الله ﷺ ، ولا امتثل مشورة العلماء، بل جانب ذلك.
إذاً: القبر ليس مكاناً للدعاء، بل هو منهي عنه، هذا لو لم تأت النصوص الصرحية الواضحة فكيف وقد جاءت النصوص عن رسول الله ﷺ ؟ فليس للمخالف في ذلك عذر، ويكون مرتكباً لإثم إذا خالف هذه النصوص، وفي هذا دليل على أن من كان في المدينة لا يتردد على قبر الرسول ﷺ بالسلام كلما جاء إلى المسجد، وإنما إذا دخل المسجد يصلي على رسول الله ﷺ ، فما كان الصحابة يفعلون ذلك مع أنهم كانوا يتمكنون من الوصول إلى قبره، ولا شيء يحول بينهم وبينه، بخلاف اليوم لا يستطيع أحد أن يصل إلى القبر، وهذا من فضل الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا حماه عن الجهال الذين لو تمكنوا منه لم يتركوا حتى من التراب شيئاً، التراب سيحملوه لو تمكنوا من ذلك، ولكن من فضل الله جل وعلا أن صانه وحماه.
فالمقصود أن السنة التي بينها ﷺ للمسلمين أن يصلوا عليه أينما كانوا، وألا يترددوا على قبره ويجعلوه عيداً، فإنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم يكونون مخالفين لرسول الله ﷺ .
стр. 844
صحة حديث علي بن الحسين في النهي عن الدعاء عند القبر
قال الشارح ﵀: [قال: هذا الحديث والذي قبله جيدان حسنا الإسنادين.
أما الأول: فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فذكره، ورواته ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع قال فيه أبو حاتم: ليس بالحافظ، تعرف وتنكر، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، قال شيخ الإسلام ﵀: ومثل هذا إذا كان للحديث شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة، وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة.
وأما الحديث الثاني: فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي في المختارة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط.
انتهى.
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة ﵂ يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ما أنتم ومن في الأندلس إلا سواء.
وقال سعيد أيضاً: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني) قال شيخ الإسلام: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسنداً].
في هذين الحديثين دليل على أن قصد القبر للسلام غير مشروع، وإنما المشروع قصد المسجد، وفيه كذلك أن علي بن الحسين والحسن بن الحسن أخبرا أن هذا يدخل في قوله ﷺ : (لا تتخذوا قبري عيداً)، فاستدلا به على المنع من قصد القبر؛ ولهذا قال: لا تفعل، يعني: لا تأت إلى القبر للسلام، وهذا لم يكن الصحابة يفعلونه، قال عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر كان إذا أتى من السفر جاء إلى المسجد فصلى ركعتين، ثم جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: السلام عليك يا أبا بكر، ثم قال: السلام عليك يا أبتي، ثم ينصرف، يقول عبيد الله بن عمر: ولم أعلم أحداً من الصحابة كان يفعل ذلك غير ابن عمر.
فمن فعل مثل هذا اقتداء بـ عبد الله بن عمر فلا بأس إذا قدم من سفر، أما أن يقصد القبر للسلام فقط فهذا داخل في النهي.
وكذلك يدل الحديث على أن الإنسان إذا جاء إلى المسجد النبوي ليصلي فلا يشرع له أن يذهب ويسلم؛ لأنه قال: لا تفعل، وفهموا أن هذا داخل في قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً)؛ ولهذا ما كان أحد من الصحابة يفعل ذلك، ومعلوم أنه لو كان ذلك خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم أولى الناس بفعل الخير، وأبعد الناس عن فعل البدع والباطل.
وكذلك فيه دليل على أنه لا يقصد القبر للدعاء عنده؛ ولهذا أنكر مالك ﵀ على أهل المدينة أنهم إذا دخلوا المسجد يقصدون القبر للسلام وللدعاء، وقال: لم يكن أحد من السلف يفعل ذلك، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
стр. 845
من سلم على قبر النبي فليتجه إلى القبر ولا يدعو عنده
وردت حكاية عن مالك أن المنصور سأله: إذا أردت أن أدعو فهل أتوجه إلى القبر أو أتوجه إلى القبلة؟ فقال: لا تصرف وجهك عن وسيلتك ووسيلة آبائك، اتجه إلى القبر واستشفع به، فإنك تشفع في ذلك، فهذه حكاية موضوعة على الإمام مالك، وفيها من هو متهم بالكذب، مثل محمد بن حميد فإنه كذاب، وكذلك في سندها من لا يعرف، ومثل هذا لا يقوله الإمام مالك وقد صح عنه ما سبق، وكان من أعظم الناس تمسكاً بسنة الرسول ﷺ ، ومن أشد الناس كراهية للبدع، وبغضاً لها ونهياً عنها.
ثم إنه يجب على الإنسان أن يكون عمله متقيداً بسنة الرسول ﷺ حتى لا يرد عمله، فإذا لم يكن العمل مقيداً بالسنة فإنه مردود؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الدين الإسلامي مبني على أصلين عظيمين: أحدهما: أن يكون الدين كله خالصاً لوجه الله، لا يراد به غير الله.
والثاني: أن تكون العبادة قد جاءت بالنص، جاء بها رسول الله ﷺ .
وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: أنه لا يأله ولا يعبد إلا الله وحده، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أنه رسول جاء من عند الله، وأنه لا يعبد الله إلا بما جاء به هذا الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وليس الأمر مطلقاً لكل من أراد أن يفعل شيئاً فعله أو استحسن شيئاً سلكه، وإذا رأى أحداً يفعل شيئاً مخطئاً سواء عن حسن قصد أو عن غيره فإنه لا يجوز له الاقتداء به.
وهذه المسألة الأخيرة وهي كونه لا يقصد القبر للدعاء؛ يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: ما أعلم فيها خلافاً بين السلف، يعني: أنها محل إجماع، لا أعلم فيها خلافاً بين السلف، هكذا يقول، وهذا يدل على أنها من البدع التي جاء به الخلوف.
وأما ما يذكر في كتب الفقه وغيرها من ذكر خلاف في المسألة، وبعضهم قد يرفع هذا الخلاف إلى بعض علماء السلف، أنه إذا سلم هل يدعو ويتجه إلى القبر أو يتجه إلى القبلة، فهذا لا يدل أن هذا محل دعاء، بل من قصد هذا المكان للدعاء فقد ابتدع وجاء بخلاف النص الذي نهى الرسول ﷺ عن مثل هذا، وجعله من الذرائع التي يدخل منها الشيطان إلى الإنسان لإفساد عبادته، فمثل هذا يدخل في قاعدة: سد الذرائع، وحماية المصطفى ﷺ لجناب التوحيد.
стр. 846
فضل علي بن الحسين
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: علي بن الحسين أي: ابن علي بن أبي طالب ﵁ المعروف بـ زين العابدين ﵁، أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه، مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح، وأبوه الحسين سبط رسول الله ﷺ وريحانته، حفظ عن النبي ﷺ واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة ﵁].
حفظ أحاديث عن النبي ﷺ ، ولكنها ليست كثيرة، وعلى كل حال هو ابن رسول الله ﷺ لأنه ابن بنته، وكان يحبه هو وأخوه الحسن، ويجب محبتهما لقرابتهما ولصحبتهما ولتقواهما لله جل وعلا، وأما ما حدث له من الاستشهاد فهذا حدث من قوم فجرة، ولا يجوز أن ينسب هذا إلى أمة محمد ﷺ كما يقوله أهل البدع، ويضيفون قتله إلى الأمة عموماً، فإن الأمة مجمعة على أن من فعل ذلك فقد استحق من الله جل وعلا العذاب والنكال، ولكن ليس استشهاده ﵁ وقتله ظلماً بأكثر من قتل أبيه ﵁، فإن أباه أيضاً أفضل منه وقد قتل أيضاً ظلماً، وهو أحد الخلفاء الراشدين، فلا يجوز أن يتخذ مقتله مأتماً ومناحاً ومثاراً للفتن وبثاً للبدع.
الإنسان إذا أصيب بمصيبة يجب أن يصبر ويحتسب ويسترجع، أما أن يتخذ هذا وسيلة لنشر البدع وإثارة الفتن فهذا من أكبر المفسدات التي ينهى عنها الإسلام، وقبل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قتل ظلماً، وقتل وهو قائم يصلي، ولا يجوز أن نتخذ هذا المقتل أيضاً مناحاً ومأتماً، وكذلك الخليفة بعده عثمان ﵁ قتل في بيته ظلماً، حصر ثم قتل ظلماً، وهو صابر محتسب، وأبى أن يقاتل عن نفسه حتى لا يكون سبباً في سفك دماء هذه الأمة، فهذه كلها من العظائم الكبيرة، ومع ذلك لا يجوز أن نتخذ هذه الأشياء مآتم ومناحات ومسارات بالنعرات الخبيثة التي تعزز الفساد والفتن، وإنما يتخذ ذلك أصحاب الأهواء الذين لهم مقاصد فاسدة.
стр. 847
النهي عن قصد القبور لأجل الدعاء والصلاة عندها
قال الشارح ﵀: [قوله: أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة بضم الفاء وسكون الراء، وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما.
قوله: فيدخل فيها فيدعو فنهاه، هذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها].
ينهى عنه مطلقاً، ويدخل في ذلك قبر الرسول ﷺ ؛ ولهذا استدل به من استدل على المنع من ذلك، لقوله: لا تفعل، يعني: تأتي للسلام والدعاء، فإن هذا داخل في قوله: لا تتخذوا قبري عيداً.
قال الشارح ﵀: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ما علمت أحداً رخص فيه لأن ذلك نوع من اتخاذه عيداً، ويدل أيضاً على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك لم يشرع، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك] ومن ذلك أيضاً التوجه إليه وهو في مكانه إذا دخل أو إذا أراد أن ينصرف، فبعضهم يتجه إلى القبر ويسلم، فإن هذا من البدع أيضاً، وكل بدعة ضلالة.
قال الشارح ﵀: [ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
وكان الصحابة والتابعون ﵃ يأتون إلى مسجد النبي ﷺ فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل، وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل نهاهم عنه في قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني) فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب].
يعني: أنهم يتمكنون من الوصول إلى القبر ولا يفعلون ذلك؛ لأنهم ممتثلون لقوله ﷺ ، وهم أعلم الناس بمراده صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكن الشيطان يطمع فيهم بأن يصدهم عما جاء به نبيهم ﷺ كما طمع في بعض المتأخرين، وربما جاءهم في صورة ظاهرة؛ ولهذا يذكر من الحكايات الباطلة التي لا يجوز أن يعتمد عليها أشياء من هذا النوع، مثل أن فلاناً أتى فسلم وتكلم ودعا فخرجت يد من القبر وصافحته! وما أشبه ذلك من الحكايات التي إما أن تكون مكذوبة، أو تكون من الشيطان ليصد الناس عن الحق، فهذه لا يجوز أن تكون قاضية على أحاديث الرسول ﷺ وعلى سيرته ودعوته التي امتثلها صحابته؛ ولهذا ما حدث شيء من ذلك في زمن الصحابة، ولا كان أحد منهم يفكر أن يأتي إلى القبر يدعو أو يسأل صاحب القبر صلوات الله وسلامه عليه عن قضية من القضايا، أو عن حديث من الأحاديث أو ما أشبه ذلك؛ لأن الشيطان لم يطمع فيهم.
بخلاف من أتى بعدهم فقد طمع وأدرك منهم بعض الأشياء، وهذا أيضاً يحدث عند القبور الأخرى، كثير منهم يذكر أنه إذا جاء إلى القبر الذي يعتقد في صاحبه يقول: إنه يخرج صاحب القبر ويكلمه ويقضي حوائجه ويساعده في أشياء، والواقع أن الشيطان يتصور في صورة هذا المقبور، فيتمثل له ليفتنه؛ لأنهم يتعلقون بالمقبورين، وهذا هو سبب عبادة القبور، والسبب الذي دعا الناس إلى الاتجاه للقبور هو مثل هذه الأمور؛ ولذا نهى المصطفى صلوات الله وسلامه عليه عن قصد القبور خوفاً أن يقع مثل هذه الأشياء.
قال الشارح ﵀: [قال: وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة ﵂ فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون عليه، لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء لأنفسهم، ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاماً أو سلاماً فيظنون أنه هو كلمهم، وأفتاهم، وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر، ويرونه خارجاً من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج.
والمقصود: أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر كما كان ابن عمر يفعله].
هذا لم يرد إلا عن ابن عمر فقط كما قال عبيد الله بن عمر: ما أعلم أحداً من الصحابة فعل ذلك غير عبد الله بن عمر.
قال الشارح ﵀: [قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتاه! ثم ينصرف.
قال عبيد الله: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير.
قال شيخ الإسلام ﵀: لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة، وفي المبسوط: قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يسلم ويمضي، ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره].
يعني عند السلام، ولكن الصواب إذا أراد أن يسلم يتجه إليه، ويسلم عليه، أما الدعاء فلا، وليس هذا مكاناً للدعاء، ولا ينبغي أن يقصد للدعاء، فإن هذا كما قال شيخ الإسلام بدعة.
стр. 848
منع شد الرحال إلى القبور والمشاهد
قال الشارح ﵀: [وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا: هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره ﷺ وإلى غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها عيداً، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، وهذه هي المسألة التي أفتى بها شيخ الإسلام ﵀، أعني: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ونقل فيها اختلاف العلماء فمن مبيح لذلك كـ الغزالي وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كـ ابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض، وهو قول الجمهور نص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب].
عطف المشاهد على القبور ليس معنى ذلك أن هذه مغايرة، هذا من عطف الخاص على العام، ذلك أن المشاهد تكون خاصة لبعض من يعظموا القبور التي يبنى عليها القباب والأبنية التي تدل على التعظيم، سميت مشاهد؛ لأنها تشاهد من بعد، ومن شاهدها عرف أنها على قبر معظم، وهذه من أعظم البدع التي حدثت في الإسلام، وأول من فعل ذلك بنو عبيد القداح الرافضة الذين ملكوا مصر والمغرب، وزعموا أنهم من أبناء فاطمة، وهذا كذب كما بينه العلماء، فليس لهم نسب يتصل بـ فاطمة وإنما هم ملاحدة، يقول ابن الجوزي والباقلاني والغزالي: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض.
فهم أول من فعل هذه الفعلة الخبيثة التي صدت كثيراً من الناس عن التوحيد، وأدخلتهم في الشرك، فهذه هي المشاهد، ثم وجد من الناس من يعظمها تعظيماً مبالغاً فيه، وكتبوا كتباً سموها حج المشاهد، وبعضهم فضل قصدها والذهاب إليها على قصد بيت الله الحرام! وهذه محادة ظاهرة لله جل وعلا ولرسوله.
وقد استفتي بعض العلماء فيمن يقصدها أو يحمل من يقصدها، فقال في
الجواب
قصدها لأداء شيء من العبادة ردة عن الإسلام، أما حمل من يقصدها فهو من أعظم الكبائر، ويخشى على من فعل ذلك أن يكون مرتداً، هكذا أجاب عبد اللطيف بن حسن بن عبد الرحمن ﵀.
والمقصود أن عطف المشاهد على القبور من عطف الخاص على العام.
قال الشارح ﵀: [نص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب لما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهياً وإما أن يكون نفياً، وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعين أن يكون للنهي؛ ولهذا فهم منه الصحابة ﵃ المنع، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لـ أبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)].
الطور هو الجبل الذي ذكر الله جل وعلا أنه كلم موسى عنده، وذكر في القرآن أنه من الأماكن المباركة، فلا يشرع قصده تبركاً لهذا الحديث، وإنما المشروع قصده بإعمال المطي -يعني: بالسفر إليه بأي وسيلة كانت سواء كانت بالسيارات أو الأقدام أو غيرها- المساجد الثلاثة فقط لأجل أداء العبادة فيها، ليس لأجل زيارة قبور أو غيرها.
أما قصد المسجد الحرام فهذا فريضة على كل مسلم مستطيع، لا بد منه، إذا كان مستطيعاً؛ لأن الله افترض ذلك، وأما قصد المسجدين الآخرين مسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى لأداء العبادة فيها فهو سنة؛ لأن العبادة تضاعف فيها، فقط لأجل ذلك، أما أن يكون مقصوداً لأجل الحضور عند القبور سواء كانت قبور الأنبياء كقبر إبراهيم الخليل أو قبر رسولنا ﷺ فهذا من البدع، وهذا أيضاً يكون مخالفاً لنص الحديث، وليس معنى ذلك أن هذا ممنوع في كل سفر يقصد لأمور الدنيا، فإن أمور الدنيا لا تدخل في هذا، التجارة والسياحة والفرجة والعلاج وغير ذلك هذه ليست عبادة، وإنما المقصود الذي يسافر إليه تعبداً، فلا يجوز إلا لهذه المساجد الثلاثة.
قال الشارح ﵀: [وروى الإمام أحمد وعمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد جيد عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور ولا تأته، فـ ابن عمر وبصرة بن أبي بصرة جعلا الطور مما نهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه في النهي عن شدها إلى غير الثلاثة مما يقصد به القربة، فعلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصاً بالمساجد؛ ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، فإن الله سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلم كليمه موسى ﵇ هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ومن أراد بسط القول في ذلك والجواب عما يعارضه فعليه بما كتبه شيخ الإسلام مجيباً لـ ابن الأخنائي فيما اعترض به على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأخذ به العلماء، وقياس الأولى؛ لأن المفسدة في ذلك ظاهرة].
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن شد الرحال إلى القبور فأفتى بالمنع، وقال: ما أعلم أحداً من العلماء أجاز ذلك واستدل بالحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وأدخل في ذلك قبر الرسول ﷺ ، فقام ابن الأخنائي فرد عليه، وقال: إن شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ من أفضل الأعمال، واستدل بأحاديث موضوعة، وأوضاع وجد الناس عليها، فحاول أن يخطئ شيخ الإسلام في ذلك، فرد عليه شيخ الإسلام بكتاب مطبوع الآن، ومتداول بين طلبة العلم، فيه البسط لهذه المسألة، وذكر كلام العلماء والأحاديث التي تبين أن قول هذا الرجل قول مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف، وأنه قول باطل، فصار في هذا خير كثير لطلبة العلم وللمسلمين، وطبع الكتاب باسم: الرد على الأخنائي، وسماه بعضهم (الجواب الباهر فيمن جوز زيارة المقابر) أما شيخ الإسلام ابن تيمية ما كان يسمي كتبه، وإنما يسميها أصحابه والذين ينسخونها، وأحياناً يسمي وهذا نادر، وكل كتاب كتبه هو جواب سؤال، وليس له كتاب كتبه استقلالاً، جميع كتبه التي انتشرت على كثرتها وعلى كبر بعضها كلها أجوبة أسئلة، وكان مجاهداً في سبيل الله، دائماً يجيب السائلين، ويفتي المستفتين، ويبحث عن مشاكل المسلمين.
قال الشارح ﵀: [وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها: أنها لا مصلحة في ذلك توجب شد الرحال، ولا مزية تدعو إليه، وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب (الصارم المنكي في رده على السبكي)] وهذا ابن السبكي أيضاً بجانب ابن الأخنائي قام يرد على شيخ الإسلام، فلفق أحاديث موضوعة وأشياء واهية لا قيمة لها، وزعم أن هذا مشروع، فرد عليه تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ابن عبد الهادي في كتاب سماه (الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي)، وابن السبكي سمى كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الأنام، وجعله رداً على شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم هذه المسألة توارثها من بعدهم إلى اليوم، كثير من الناس يرثون هذه المسألة بعضهم عن بعض، فأولهم هؤلاء، فجاء بعدهم من نمى هذه الأمور، وصار يكتب فيها إلى اليوم، ولهؤلاء القوم وارث، وكل تعلقهم إما أحاديث مكذوبة، أو أحاديث واهية، أو حكايات منامات، وأمور من هذا القبيل، أو أن فلاناً قال كذا، وفلاناً قال كذا، هذا كل ما تعلقوا به، وليس لهم حديث صحيح أو آية تدل على ذلك، إلا أن يحرفوه عن المقصود لأجل أن يوافق الهوى، وأهل البدع كلهم يسلكون هذا المسلك.
стр. 849
ضعف الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﵊
قال الشارح ﵀: [وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب: الصارم المنكي في رده على السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ ، وذكر هو وشيخ الإسلام رحمهما الله تعالى: أنه لا يصح منها حديث عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، مع أنها لا تدل على محل النزاع؛ إذ ليس فيها إلا مطلق الزيارة وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال، فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة].
الأحاديث التي تنكر مثل قوله: (من زارني كنت له شفيعاً)، وهذا كذب عليه صلوات الله وسلامه عليه، ومثل قولهم: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) وما أشبه ذلك، والعجيب أن الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار لما جاء إلى كتاب الجنائز وانتهى منه، قال: إن المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام لم يذكر زيارة القبور، ثم عقد فصلاً في الزيارة، وذكر كثيراً من هذه الأحاديث الواهية، وجعلها دليلاً على مشروعية ذلك، وهذا غريب من الشوكاني ﵀! لأن الشوكاني معروف أنه يتبع الدليل، ولكن الجواد قد يكبو، وكل أحد قد يخطئ، ولا يجوز متابعة المخطئ على خطئه.
قال الشارح ﵀: [قوله: رواه في المختارة، المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة عن الصحيحين.
ومؤلفه: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي أحد الأعلام، قال الذهبي: أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين، والورع، والفضيلة التامة، والإتقان، فالله يرحمه ويرضى عنه.
وقال شيخ الإسلام: تصحيحه في مختاراته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب، مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة].
стр. 850
مسائل باب ما جاء في حماية النبي ﵊ جناب التوحيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيه مسائل: الأولى: تفسير آية براءة].
سورة براءة المقصود بها قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ومقصوده بقوله: تفسير آية كذا: أن يفهم الإنسان معنى الآية؛ لأنه إذا لم يفهم معناها ما فهم مراد الشيخ وكلامه، فينبغي أن يفهم مراد الله ولو على سبيل الإجمال، أما سبيل التفصيل فقد يتطلب جهداً كبيراً، إذ كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام البشر، ففيه من الهدى والنور الشيء الذي لا ينتهي.
[المسألة الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد].
يعني: حمى التوحيد، أبعدهم عن الشرك بعداً كثيراً جداً؛ بأن نهاهم عن الوسائل التي يمكن أن تقربهم إلى ذلك، هذا معناه.
[المسألة الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته].
وقوله: هذا مأخوذ من الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فحرصه على هدايتنا يجعله يبعدنا كل البعد عن ذلك، ومعنى قوله: (عزيز عليه ما عنتم) أي: أنه يشق عليه الشيء الذي يشق علينا، ومعلوم أن الإنسان بطبيعته وبعقله يبتعد عن الأمور الشاقة، ويحذر منها، فكيف إذا كان أفضل الخلق وأعلم الخلق بالله جل وعلا؟! ورسول الله ﷺ قد أوتي من المقدرة ومن العلم ومن البيان ما لم يؤت غيره صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك من النصح لأمته، ومن البلاغ الذي أمره الله جل وعلا به، كل هذا يقتضي أنه يقوم بهذا الجانب أتم القيام، فدل ذلك دلالة واضحة على منع الأمة من هذه الأمور.
[المسألة الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال].
النهي عن زيارته على وجه مخصوص يعني أن يتخذ عيداً، وهو كثرة الترداد إليه، أو أن يكون في وقت معين يقصده، وقوله: مع أن الزيارة من أفضل الأعمال، هذا سنده فيه ما جاء في سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: (من سلم علي عند قبري سمعته)، فاستدل بهذا أن هذا من الفضائل، وقد اعترض على هذا القول بعض العلماء وقال: هذا فيه نظر، ولكن ما دام له سند صحيح لا يجوز أن ينظر فيه، وليس هذا من قول شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب استقلالاً، بل هو أخذ هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قال هذا اللفظ تماماً، فتبعه في ذلك، ولكن المستند هو ما ذكرت من الحديث.
[المسألة الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة].
وهو مفهوم من قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً)؛ لأنها إذا كثرت صار عيداً، فدل على النهي من الإكثار منها.
[المسألة السادسة: حثه على النافلة في البيت].
هو مأخوذ من قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) لأن النافلة في البيت أفضل منها في المساجد؛ لعلة أنها أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء.
[المسألة السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة].
وهذا أيضاً مأخوذ من هذا الحديث في قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) فمعناه: لا تجعلوا بيوتكم شبيهة بالقبور، إذ إنه متقرر عندهم أنها ليست محلاً للعبادة، فهي مهجورة من العبادة، ولا ينبغي أن يهجر البيت فيكون شبيهاً بالقبر، فدل على أن هذا أمر متقرر عندهم، فهم يعرفون أن القبور ليست محلاً للتعبد.
[المسألة الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب].
مثلما جاء صريحاً في قول الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁: (ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء) يعني: إذا سلم الإنسان أو صلى على الرسول ﷺ في أي مكان فإنه يبلغه الله جل وعلا إياه.
стр. 851
حياة البرزخ غير الحياة في الدنيا
[المسألة التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه].
هذا أخذه من حديث: (إنه بلغه السلام)، وهذا يدل على أنه صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم ما يجري حتى يبلغ إياه، يبلغ من الملائكة أو من ربه جل وعلا، كما أنه يدل على أنه حي في قبره، وهذا ليس خاصاً به صلوات الله وسلامه عليه، ولكن حياته صلوات الله وسلامه عليه أكمل من حياة غيره، وحياة الأنبياء في قبورهم أكمل من حياة الآخرين من الناس، ولكنها حياة لا نعرف حقيقتها، حياة برزخية مخالفة للحياة الدنيا، وعقيدة أهل السنة أن الروح لا تموت، فهي حية، والإنسان إذا وضع في قبره يحيا، وقد جاء ذلك صريحاً في الحديث الذي في البخاري: (إذا وضع الميت في قبره أتاه ملكان، وأعيدت الروح إليه، فيجلسانه ويسألانه) وهو يخاطبهما، وهذا علمه عند الله جل وعلا، ومعلوم أن الإنسان يوضع في قبره ويبقى على الحالة التي هو عليها، فأمور البرزخ على خلاف ما نعهده نحن، يعني: يجوز إجلاسه وتكليمه وهو على وضعه الذي وضع عليه، وليس كما يقول الزنادقة المنكرين: نحن نضع الزئبق في عين الميت أو على رأسه ثم نأتي بعد وقت ونراه ما تغير من موضعه، فلا توجد حياة ولا حركة ولا سؤال، فهؤلاء لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، ولكن هذا من أمور الغيب التي أمرنا بالإيمان بها ولا نعرف حقيقتها، وقد جاء في حديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يريكم عذاب القبر)، ولكن لو أرينا عذاب القبر ما استطعنا أن نقرب القبور، ولا استطعنا أن ندفن الموتى للهول العظيم، وقد يظهر الله جل وعلا شيئاً من هذا آية وموعظة لبعض الناس، وهذا كثير جداً، وقد شاهد الناس أشياء عجيبة، وليس الأمر مبني على هذه المشاهدات، ولكن مبني على النصوص التي جاءت في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ ، ونؤمن بأنها حق ولو لم نشاهد شيئاً، فإذا جاءت المشاهدات والحكايات التي تحدث لبعض الناس يكون ذلك مؤيداً فقط، وأدلة على أدلة، وقد ألف الحافظ ابن رجب ﵀ كتاباً في هذه المسائل سماه: أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، وكذلك كثير من العلماء ألفوا كتباً كثيرة، وذكروا فيها أشياء كثيرة من هذه الأمور.
والمقصود: أن الحياة البرزخية حياة حقيقية، ولكنها مخالفة للحياة التي نعرفها من حياتنا هذه، وهي من أمور الآخرة، فالقبر أول منازل الآخرة.
والقبر إما أن يكون روضة على صاحبه فيه من الحبور والسرور الشيء الذي يتنعم به، أو يكون حفرة من النار تلتهب على صاحبه، وبين هذين الشيئين أمور كثيرة على حسب حالة الإنسان ووضعه وذنبه، فقد يعذب عذاباً مؤقتاً ثم يزول، قد يبقى سنة، قد يبقى سنتين، قد يبقى عشر سنوات، قد يبقى مائة سنة، أو أكثر من ذلك وهو معذب، ثم ينقطع عذابه على قدر ذنبه، وقد يبقى عذابه إلى البعث، ثم يتصل عذابه بالوقوف بالموقف، والموقف ليس سهلاً، جاء أنه مقدار خمسين ألف سنة، وفي بعضها أنه ألف سنة، وفي بعضها أنه أربعون ألف سنة، وعلى كل حال هو وقوف طويل، وقد سماه الله جل وعلا ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]، وقد سماه يوماً عسيراً، وسماه عبوساً قمطريراً، فشره مستطير، وخوفنا منه كثيراً جل وعلا، وقد يتصل العذاب بعد ذلك ويكون في النار، وهي أشد العذاب نسأل الله العافية! جاء في بعض الأحاديث أن الناس يشتد كربهم، فيسألون الفصل بينهم والقضاء بينهم ولو إلى النار؛ من شدة الوقوف، ويتصورون أن إلقاءهم في النار أسهل مما هم فيه، وليس كذلك، فأمور الآخرة كل شيء يأتي يكون أشد من الذي قبله، فالأمر ليس سهلاً، هذا الإنسان خلق لأمور هائلة جداً، ومع ذلك يلهو ويسهو ويلعب، وقد يعصي عن عمد؛ لأن الإنسان أمره عجيب جداً، هو جبار متكبر، وهو ضعيف أدنى شيء يعثره، فهو من أضعف خلق الله، الذرة تؤذيه، لو دخلت في أذنه أو في عينه آذته، وهو كذلك ظلوم، جهول، ومعاند، ولكنه سهل جداً بيد الله، والله جل وعلا يحلم على عباده ولا يعاجلهم بالعذاب؛ لأن مصيرهم إليه، وسوف يأتونه فراداً، كل واحد يأتيه كيوم ولدته أمه، عريان بلا ثوب، ولا نعل، ولا طعام، ولا ظل، ولا شافع، ولا نافع، ما يملكون شيئاً، وهذا ليس بعيداً، الله جل وعلا أخبر أنه قريب، بل أخبر أن قيام الساعة كلمح البصر، ليس الأمر بعيداً، فلا يجوز للإنسان أن يهمل هذا الأمر، يجب أن يعد ويستعد ويعمر بيته الذي يبقى فيه طويلاً أكثر من بقائه في عمارته التي يزوقها ويحسنها ويجلب إليها كل وسيلة مريحة، فيبقى فيها قليلاً، ثم يخرج منها بالقوة، لا يخرج هو، بل يُخرَج.
زار أحد السلف أبا ذر فما رأى في بيته شيئاً! لا إناء، لا فراش، لا سرير، قال: أين أثاثكم؟ فقال: لنا بيت نرسل إليه، بيت آخر نعمره، قال: ولكن لا بد لكم من شيء، قال: وهل أنتم سترتحلون؟ قال: لا، لا نرتحل ولكن نُرحل بالقوة، نزعج ونطرد طرداً من هذا، فنحن نعمر البيت الذي أمامنا وسنبقى فيه طويلاً، هذا هو الذي ينبغي أن يعمره الإنسان، وليس معنى ذلك أن الإنسان يعطل أمور دنياه نهائياً، لا، ما يعطلها، ولكن عليه أن يتقي الله، لا يفعل المحرمات، ولا يأكل المحرم، ويتقوى بالحلال على بقائه في هذه الدنيا، ويعرف أنه سيذهب إلى الله جل وعلا ليحاسبه، ثم إذا أدخل قبره ليس معناه أنه يكون نسياً منسياً، كلا، إما أن ينعم أو يعذب، فليستعد لهذا الأمر.
стр. 852
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٦٩]
لقد انتشر الشرك وفشا في هذه الأمة؛ بسبب جهلها وانحرافها، وبعدها عن دين نبيها محمد ﷺ ، وأخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستقلد الأمم المنحرفة في السلوك والعقائد، كما أخبر أن هذه الأمة إذا تسلط بعضها على بعض هانت في أعين الأعداء، وأصبحت لقمة سائغة للمتربصين بها.
стр. 853
عبادة بعض هذه الأمة للأوثان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان] مراده بهذا الرد على الذين يعبدون القبور ويقولون: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة لقول الرسول ﷺ : (إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب)، ولقوله: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، فاعتقدوا أن الشرك غير واقع في هذه الأمة، وأفعالهم سموها توسلاً وحباً للصالحين، وجعلوها قربات، يعتقدون أنها تقربهم إلى الله، وهذا بسبب جهلهم بدين الإسلام، الدين الذي جاء به الرسول ﷺ جهلوه، فجعلوا مجرد النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كاف في نجاة الإنسان.
وهذا جهل عظيم أكثر من جهل أبي جهل، وأمثاله الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ؛ لأن أولئك لما قال لهم الرسول ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله)، قالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟! يعني: عرفوا أنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله وجب عليهم أن يعبدوا إلهاً واحداً، ويتبرءون من بقية الآلهة التي هي معبودات باطلة على تنوعها، وهؤلاء ما عرفوا هذا، والسبب في هذا يدور على شيئين: أحدهما: جهلهم معنى العبادة، ما عرفوا معنى العبادة، فصاروا يقصرون العبادة على السجود، وعلى اعتقاد أن المسجود له يحيي ويميت ويتصرف بالخلق والإيجاد، فإذا لم يكن كذلك فمهما صنعت نحوه من الدعاء والتوسل والالتجاء إليه لا يكون شركاً.
الأمر الثاني: أنهم جهلوا معنى الإله الذي يعرفه العرب من لغتهم، فهو الذي تألهه القلوب بأي شيء كان، جهلوا هذا، وهذا بين واضح في كتاب الله، فإن كل من تأله شيئاً وتعلق قلبه به يكون مألوهاً له؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] يقول العلماء: معنى ذلك أنه إذا هوى شيئاً -يعني: اشتهاه- فعله، بدون خوف من الله جل وعلا، ولا مراقبة، فيكون هواه شهوته وما يحبه؛ لهذه الأمور قالوا: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون مثل هذا القول ويفعلون هذه الأفعال، يعدون من العلماء، ويشرحون أحاديث الرسول ﷺ ، ويكتبون تفسير كتاب الله، ويكتبون الكتب في أنواع العلوم، ولكنهم في توحيد الله أجهل من المشركين! نسأل الله العافية.
أراد الشيخ ﵀ بهذا الباب أن يرد على مثل هؤلاء، وأن يبين بطلان قولهم، وأن هذا قول مناف لما جاء به الرسول ﷺ ، وأنه لا يجوز أن يكون المسلم بهذه الصفة، ثم بين أن أحاديث الرسول ﷺ مع قول الله جل وعلا لا تتضارب ولا تتعارض، وقوله: (أيس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب) لا ينافي أو يعارض قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من هذه الأمة الأوثان، وحتى يلتحق جماعات من هذه الأمة بالمشركين)، وقوله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)، وكذلك قوله: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة)، وذو الخلصة صنم من الأصنام القديمة، وكذلك الآيات التي ذكرت وهي كثيرة، ولكن عادة المؤلف ﵀ أنه يقتصر على الشيء الذي يكفي أن يكون دليلاً ومقنعاً لمن مراده الحق؛ لأن هذا هو الذي ينفع معه التوجيه والكلام والاستدلال، أما الذي له وجهة معينة فإنه قد عمي بصره عن الأدلة وصم سمعه عن استماع القول وإن كان حقاً؛ لأنه يريد شيئاً معيناً، فهذا مهما أتيته بالأدلة، ومهما أكثرت عليه؛ ما يستفيد من ذلك، والكتب التي تؤلف وتوضع هي لمن يكون مريداً للحق ويجهله، فإذا تبين له أخذ به واتبعه، بغض النظر عمن جاء به ومن قاله؛ لأن الهدف هو عبادة الله جل وعلا واتباع الحق، هؤلاء هم الذين ينفع فيهم القول، وتنفع فيهم الكتب، والمؤلف نحا هذا النحو؛ ولهذا يقتصر على القليل من الأدلة، ويعتمد على أن تكون واضحة؛ ولهذا يذكر الحديث الواضح الجلي وإن كان في سنده ضعف، ولكنه يجعله عاضداً وشاهداً لأدلة ثابتة يقينية مثل آيات يذكرها من كتاب الله جل وعلا، هذه طريقة المؤلف التي سلكها في هذا الكتاب.
стр. 854
الفرق بين الوثن والصنم
[قوله: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، الوثن يطلق على ما قصد بنوع من أنواع العبادة من دون الله من القبور والمشاهد وغيرها؛ لقول الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، مع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١]، وقوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات:٩٥] فبذلك يعلم أن الوثن يطلق على الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله كما تقدم في الحديث].
مقصوده أن من العلماء من فرق بين الوثن والصنم، فقال: الوثن هو كل ما تعلق به واتجه إليه بنوع من العبادة، سواء كان قبراً أو شجرة أو مكاناً أو غير ذلك، أما الصنم فهو الشيء الذي يكون مصوراً ومجسداً على صورة رجل أو صورة حيوان أو ما أشبه ذلك، وفرقوا بين الصنم والوثن، فهو يريد بهذا أن يبين أن الوثن يطلق على الصنم وبالعكس؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا في موضع الأصنام الأوثان، وهذا يدل على أن هذا هو القول الصواب، وإن كان هذا من الأشياء التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وهذا شأن كثير من الألفاظ العامة التي تأتي في اللغة العربية، كثيراً ما يكون هذا شأنها: إذا اجتمعت افترقت في المعنى، وإذا انفرد واحد منها دخل فيه الآخر.
стр. 855
قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]] يقول الله جل وعلا: (ألم تر) أي: ألم تعلم وتنظر وتعتبر وتتفكر؛ في الذين أعطوا حظاً من الكتاب -يعني: من العلم الذي جاء به الوحي من رب العباد- يختارون الضلالة على الهدى عن عمد وقصد (يؤمنون بالجبت والطاغوت) يعني: أنهم يقدمون القول والفعل الذي يريده الشيطان وأعوانه وأنصاره وأتباعه، على الحق الذي جاءت به الرسل، ويتبعون ذلك وهم عالمون بأن فعلهم باطل، وأن من فعل ذلك فقد خرج عن طريقة الرسل التي أوجب الله جل وعلا اتباعها، ومع ذلك يفضلون طريقة الكفار ومنهجهم ومسلكهم على سبيل المؤمنين الذين يتبعون الرسول ﷺ .
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥١ - ٥٢] روى ابن أبي حاتم والإمام أحمد أن الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت هم حيي بن الأخطب وكعب بن الأشرف، لما قدموا مكة قال لهم الكفار: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، أخبرونا عنا وعن محمد، فقالا لهم: ما أنتم، وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونحن أهل البيت، ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من القبائل من كذا وكذا، فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً من محمد، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] والأبتر هو المقطوع الذي لا نسل له.
هذا وإن كان سبب النزول في فرد أو أفراد فكما يقول العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا في جميع ما نزل من آيات الله جل وعلا، وجميع ما شرعه الرسول ﷺ ، وإن كان سببه حادثة معينة؛ لأن الشرع جاء للعموم إلى قيام الساعة، وإن كان له سبب خاص.
المؤلف ﵀ -كما سيأتي في المسائل على هذه الآية- يقول: ينظر هل إيمانهم بالجبت والطاغوت عن عقيدة واقتناع أو أنه مجرد موافقة للكفار مع بغضهم للجبت والطاغوت وكراهتهم له؟ يعني: أنهم يؤمنون به كما وصفهم الله جل وعلا، مع أنهم يكرهونه ويعتقدون بطلانه، إلا أنهم وافقوا الكفار في الظاهر، فكانوا بهذه المثابة، ووصمهم الله جل وعلا بأنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وهذا عبرة للمعتبر يجب أن يحذر أن يقع في شيء من ذلك.
стр. 856
معنى الجبت والطاغوت
اختلف السلف في الجبت فقال عمر ﵁: الجبت: الشيطان، ومرة قال: السحر، وهكذا روي عن ابن عباس وعن مجاهد وعن قتادة وعن الحسن وغيرهم، وجاء أن الجبت الشرك، وجاء عن بعضهم أن الجبت هو حيي بن أخطب وبعضهم قال: الجبت: كعب بن الأشرف، وجاء عن بعضهم أنه قال: الجبت الكاهن، والأزهري يقول: الجبت كلمة تطلق على الوثن وعلى الشيطان ونحوهما، يعني: أنها تعم، والمعنى الواضح أن الجبت هو خلاف أمر الله.
فالجبت كل ما خالف الشرع وانصرف الإنسان إليه معتاضاً به عن شرع الله، وعن الهدى الذي جاء به الرسول ﷺ .
أما الطاغوت فقد تقدم أنه مأخوذ من الطغيان، وأنه أطلق على ما يطلق عليه الجبت، فقيل: إنه الشيطان، وقيل: إنهم كهان ينزل عليهم الشيطان، وقيل: إنه الحاكم بغير ما أنزل الله، وقيل: إنه الشرك، يعني أنه الشريعة التي يعتاض بها عن شرع الله جل وعلا، وهذا تقدم، وكل ذلك حق وصواب، وإن اختلفت الألفاظ فهي متفقة في المعنى، فلا خلاف فيها، وهذا الذي يسمى في مقدمات التفسير باختلاف التنوع، يعني: أن كل واحد ينوع عبارته عن الآخر فتختلف ولكن المعنى واحد ما يختلف، والسبب في هذا أن السامع قد يكون لديه لفظ أوضح من اللفظ الآخر، فيعبر بهذا اللفظ الواضح الذي يجلي أمامه المقصود، فكثرت عباراتهم عن معان واحدة، واللغة العربية من خصوصياتها أنها تأتي بألفاظ كثيرة لمعنى واحد، وتسمى الألفاظ المترادفة، فمثلاً: يقول: الخبز، والرغيف، والعيش، والقرص، وتقول: الثوب، والقميص، واللباس، وهكذا والمعنى واحد، وإن كانت الألفاظ الكثيرة ترد على هذا المعنى، وهذا لسعة اللغة، وهي أوسع اللغات في ذلك، فبهذا يتبين لنا أن هذه الأقوال وغيرها التي لم نذكرها ليست دالة على أن هذا المعنى خفي عليهم، وأنهم اختلفوا فيه، بل هو واضح جلي، ولكن كل واحد يعبر بالشيء الذي يراه أوضح وأقرب لتفهيم السامع.
стр. 857
معرفة علماء اليهود بأن النبي ﵊ حق
قال الشارح: [قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء حيي بن الأخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، أخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء] الكوماء هي الناقة السمينة التي عليها الشحم، سميت كوماء لأن على سنامها شحم متكوم متكدس، وهذه أطيب لحماً، وأغلى ثمناً، ومن نحرها يدل على كرمه وجوده، فوصفوا أنفسهم بذلك، وهذه القضية وقعت بعد وقعة بدر، وذلك أن اليهود أهل حسد وحقد، لم ينكروا ما جاء به الرسول ﷺ ، بل عرفوا أنه حق ولكنهم أبوا قبوله، والعجيب أنهم جاءوا إلى المدينة يطلبون ويتحرون مبعث رسول الله ﷺ ليتبعوه، وكانوا يظنون أنه منهم من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فلما تبين أنه من ذرية إسماعيل بن إبراهيم من أبناء عمهم حقدوا عليه، وأنكروه، وكفروا به بعدما عرفوا! قال الله جل وعلا: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، بل قال الذين آمنوا منهم مثل عبد الله بن سلام: والله إننا لنعرف رسول الله ﷺ أكثر من معرفتنا لأبنائنا، وذلك أن أحدنا يخرج من بيته ثم لا يدري ماذا تصنع زوجته، وأما رسول الله ﷺ فلا نرتاب بأي وجه من الوجوه أنه رسول جاء من عند الله جل وعلا، ومع ذلك الذين آمنوا منهم لا يتجاوزون عدد الأصابع! الشيء الثاني من العجب! أنهم لما نزلوا في المدينة، وكان أهل المدينة أبناء رجل واحد، ثم انقسموا إلى قسمين أوس وخزرج، فصار -كعادة الجاهلية وعادة العرب- قتال بينهم، فصار كل فريق من الأوس ومن الخزرج محالفاً لقبيلة من قبائل اليهود، وقبائل اليهود كانت ثلاث: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فكل قبيلة من هؤلاء صارت مع طائفة من الأوس والخزرج، وسموهم حلفاء، فصار القتال قائماً أكثر من مائة سنة بينهم في المدينة قبل مبعث الرسول ﷺ ، فكان إذا انتصر أحد الفريقين من الأوس والخزرج على هؤلاء اليهود يقولون لهم: إنه قرب وقت نبي سيبعث ونتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فيتوعدوهم بهذا.
فكان هذا هو السبب في إسلام الأنصار، فقد كان العرب يحجون، أما اليهود فما كانوا يحجون، أما العرب فهم على إرث من إرث إسماعيل أبيهم؛ لأنه بعث فيهم، وبقي من دينه الحج إلى البيت، بقي إلا أنه غير بالشرك، فكانوا يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكان الرسول ﷺ إذا جاء وقت الموسم يذهب بنفسه ويعرض الإسلام على القبائل، ويقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشاً منعتني أن أبلغ كلام ربي).
فيمشي على القبائل ومعه بعض أعمامه وبعض الكفار يحذرون منه، ويقولون: لا تسمعوا له فإنه كذاب، وبعضهم يقول: إنه مجنون، ويرمونه بأشياء هي من أبعد ما يكون عنه صلوات الله وسلامه عليه، فعرض للأنصار فقالوا فيما بينهم: هذا هو الذي تتوعدنا اليهود به، فلا يسبقونكم إليه، يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩] يعني: جاءهم الرسول الذي يعرفونه، وكانوا يستفتحون به يعني: يقولون: إنه سيأتي وقته ونتبعه ثم نقتلكم معه، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، وهذا مما يدل على أن الأمر بيد الله جل وعلا، وأن الإنسان وإن كان عالماً وإن كان عارفاً للحق إذا أريد فتنته فلا أحد يملك له شيئاً، فإنه يتجنب الحق الواضح الجلي ويتبع الباطل إذا لم يهده الله، وبهذا يتبين أن الإنسان بأمس الحاجة إلى طلب الهداية من الله دائماً، وإظهار الفقر؛ لأنه إذا لم يهده فإنه ضال؛ ولهذا أوجب الله جل وعلا على العباد أن يدعوه بطلب الهداية في كل ركعة من ركعات الصلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هذا أمر ضروري جداً، ومن أهم ما ينبغي للإنسان أن يلازمه، فيسأل ربه الهداية دائماً، وهداية الإنسان ما تكمل وإن علم وعرف وتبين له الحق من الباطل، فهدايته بيد الله دائماً، ولا تكمل هدايته وتتم إلا إذا استقر في مسكنه في الجنة، هناك تمت الهداية.
وقد أخبر جل وعلا أن من تمام هداية المؤمنين هدايتهم إلى مساكنهم في الجنة، فإن الله يهديهم بإيمانهم إلى مساكنهم في الجنة حتى يعرفونها أكثر من معرفتهم بمساكنهم في الدنيا التي بنوها بأيديهم، وعمروها الوقت الذي كانوا في الدنيا، وهذا هو تمام الهداية، وهذا أمر ضروري جداً.
أما قول كثير من المفسرين أن معنى قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وكذلك معنى قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦]: إن المعنى اثبتوا على الإيمان، ومعنى اهدنا: ثبتنا على الإيمان فإن هذا القول فيه قصور، فالإنسان بحاجة إلى هداية بعد هداية دائماً، ولا تكمل هدايته، وقد يضل في مسألة أو مسألتين أو أكثر أو يضل في أمور كثيرة، فهو دائم في أمس الحاجة إلى هداية ربه جل وعلا، والأمر كله بيد الله؛ لأنه هو مالك الملك تعالى وتقدس، وبيده الخير، يتصرف كيف يشاء، الخلق كلهم ملكه، خلقهم وملكهم وهو يتصرف فيهم، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكثيراً ما كان رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه يقول: (لا ومقلب القلوب)، أكثر ما يحلف هكذا، قيل له مرة: (أتخاف علينا -يا رسول الله- وقد آمنا بك؟! فقال: وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقلبها قلبها؟) فهو جل وعلا يهدي من يشاء بعد الضلال كما أنه يضل من يشاء بعد الهدى.
إذاً: ليس غريباً أن الأحبار من علماء اليهود كـ حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من علمائهم وكبرائهم وساداتهم وقاداتهم لما رءوا الحق بيناً واضحاً كوضوح الشمس شرقوا بالحق، وما استساغوه، بل كرهوه أشد الكراهية، حتى صاروا يسافرون ويركبون الإبل يبحثون عمن يكون عدواً لرسول الله ﷺ يؤلبونه عليه، ويساعدونه على قتاله، ويحرضونه عليه، فلما انتصر صلوات الله وسلامه عليه على كبار المشركين في بدر أصابهم ألم ما استطاعوا معه القرار، ألم الحقد والحسد وكراهية الحق، فذهبوا إلى قريش يقولون: هذا الذي وتركم في رءوسائكم وكباركم هلم إلى قتاله، كيف يهنأ عيشكم وقد قتل كباركم؟ مع أنهم يعرفون أنه جاء بالوحي من عند الله حقاً! فهل يستوي العالم الذي يعرف كتاب الله مع عبدة الأوثان؟ بل صار كثير من عبدة الأوثان أفضل من هؤلاء، فالذي لم يرد الله جل وعلا هدايته فلن تملك له هداية أبداً، فعلى العبد أن يعرف هذا الأمر، ويسأل ربه دائماً أن يهديه.
стр. 858
سبب نزول الآية
قال الشارح: [روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد؟ فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج؛ ومحمد صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]].
الصنبور هي النخلة الضعيفة التي ليس فيها فراخ، فإنها إذا سقطت وليس لها عقد انتهت ونسيت، فهم أخذوا كلمة الصنبور من هذا المعنى، وذلك أنهم قالوا: إنه ليس له أولاد صلوات الله وسلامه عليه، والواقع أن هذا من أعظم الكذب، وأعظم الزور، فالرسول ﷺ بارك الله جل وعلا فيه، وفي دعوته، وجعله منقذاً للبشرية، فكل عبد آمن في وقته ويؤمن متبعاً له إلى قيام الساعة يعتبر ولداً له، له أجره في عمله، وكل عمل يعمله في عبادة الله والتقرب إليه له صلوات الله وسلامه عليه مثل أجر هذا العامل، من أول مؤمن إلى آخر مؤمن قبل قيام الساعة، فهل يصل إلى هذا الشيء أحد من الخلق مهما كثر ماله وكثر ولده؟ لا، أبداً.
ولهذا يقول العلماء: الرسول ﷺ ليس بحاجة إلى أن يهدى إليه عمل، أو يتصدق عنه، أو يضحى عنه؛ لأن كل عمل يعمله الإنسان فله مثله صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه هو السبب في هداية الناس، فليس هناك مخلوق أبرك منه صلوات الله وسلامه عليه، وأعظم منة على الخلق منه صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا شرفه الله جل وعلا على جميع الخلق، فهو أشرف المخلوقات، وهو أقربهم إلى ربه، فهل يجوز لمن كان عنده عقل -فضلاً عن إيمان- أن يوجه إليه شيئاً من اللوم أو من المسبة؟ لا، إلا إذا كان شيطاناً رجيماً يبغض الحق، فالشيطان الرجيم الملعون هو الذي يغيضه مثل هذا الشيء، ومن اتبعه فهو مثله، وهذا هو معنى قولهم: الأبتر، يعني أنه إذا مات فليس له عقب، وهذا من أكذب القول، فهو مثل قولهم: صنبور.
стр. 859
أقوال السلف في تفسير الجبت والطاغوت
قال الشارح: [وفي مسند أحمد عن ابن عباس نحوه.
قال عمر بن الخطاب ﵁: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم.
وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان.
زاد ابن عباس: بالحبشية].
يقولون: الباء مع الجيم لا تجتمع في كلمة عربية، إلا أن يكون فيها حرف من الحروف الذلقية، فإذا كان حرف منها في كلمة من هذه الكلمات وإلا تكون الكلمة غير عربية، والجبت ليست من هذه، فلهذا قال: إنها بالحبشية، وكذلك يقول الأزهري في الصحاح: إن هذه الكلمة أصلها غير عربي، ولكن الصواب أن العرب إذا تكلموا بكلمة، وعرف معناها، وصار الخطاب بها معروفاً؛ فهي عربية وإن كان أصلها غير عربي.
قال الشارح: [وعن ابن عباس أيضاً: الجبت: الشرك، وعنه: الجبت: الأصنام، وعنه: الجبت: حيي بن أخطب، وعن الشعبي: الجبت: الكاهن، وعن مجاهد: الجبت: كعب بن الأشرف، قال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع، هل هو اعتقاد قلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟].
يعني: أن كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وافقوهما باللسان فقط مع اعتقاد قلوبهم أن المشركين على باطل، وأنهم يظهرون ذلك وهم يكرهونه؛ ولهذا كانوا إذا انتصر عليهم عباد الأوثان يقولون: سيبعث نبي نتبعه ونقتلكم معه، فكانوا يستغربون كيف أن عباد الأوثان ينتصرون عليهم وهم لا يعبدون الأوثان؟! ولكنهم كفروا عن عناد وعلم فصار كفرهم أشد من كفر الجاهل، فكفر العالم أشد من كفر الجاهل نسأل الله العافية.
إذاً: الإيمان الذي أطلق عليهم هو الموافقة في الظاهر وليس في الباطن، وهذا أمر مخيف جداً، أن الإنسان إذا وافق أهل الباطل في الظاهر وإن كان يكره ما هم عليه يكون حكمه حكمهم؛ لأن الله جل وعلا كلف عبده أن يقول الحق ويعمل به، ولا يبالي بالناس مهما كانت الظروف، وخصوصاً إذا كانت المسألة مسألة إيمان وكفر، إما إذا كانت من الأمور الأخرى التي تكون مجرد معصية فالأمر أسهل من ذلك.
стр. 860
قوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]].
هذه الآية أيضاً في اليهود، وذلك أنهم يستهزئون ويسخرون من المؤمنين، فقوله: (أنبئكم بشر من ذلك) إشارة إلى ما صدر منهم من الاستهزاء، وأنهم يقولون: أنتم وإن كنتم على حق فأنتم تخلفونا في النار؛ لأننا نبقى في النار أياماً معدودات ثم تكونون أنتم بدلنا ونحن نخرج، وهذه من تمنياتهم، ويقولون: ما رأينا أهل دين أشر منكم، هكذا كانوا يقولون للمؤمنين، ما رأينا أهل دين أشر منكم، فقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: مما تظنونه بنا وتصمونا به، هو أنتم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وجعل منهم من عبد الطاغوت.
هذا هو الصواب في تقدير الآية، وأن هذه أفعال معطوفة بعضها على بعض، وقد استشكل كثير من المفسرين قوله: (وعبد الطاغوت) من ناحية الإعراب، وهذا ليس فيه إشكال في الواقع وإن كان الفاعل مختلف، فالأفعال الأولى الفاعل فيها هو الله، أما هذا فالفاعل فيها هم اليهود الذين عبدوا الطاغوت.
وهذا يدل على أن الإنسان يرث آباءه وأجداده إذا كان على نهجهم وعلى طريقهم، ولكنه إذا تبرأ من باطلهم وعمل بالحق فلا يضره هذا الشيء، والقردة والخنازير هم اليهود وقد ذكرهم الله في قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥]، وقد ذكر الله قصتهم في سورة الأعراف، وذلك أن الله جل وعلا أمرهم بتعظيم يوم السبت واحترامه، وحرم عليهم اصطياد الحيتان فيه، والله جل وعلا إذا أمر عبده فقد يبتليه هل يكون صادقاً في امتثال الأمر أو يكون كاذباً؟ كما قال الله جل وعلا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، وآيات كثيرة في هذا المعنى.
فصارت الحيتان تأتيهم يوم السبت، وتخرج من الماء على ساحل البحر بكثرة، وإذا ذهب السبت ذهبت فلا يرون منها شيئاً، فلما طال عليهم ذلك تحيلوا، فوضعوا الشباك، ووضعوا الحفر، فتأتي الحيتان وتقع فيها، فيتركونها فيها إلى أن تغيب الشمس يوم السبت فيأخذونها، وهذا صورته كأنه موافق للحق، ولكنه حيلة على الباطل؛ ولهذا فالقردة من أقرب الحيوانات في الصورة الظاهرة إلى الإنسان، فمسخهم الله جل وعلا على وفق صنيعهم؛ لأن ظاهر صنيعهم ليس باطلاً؛ لأنهم ما أخذوا الحيتان من البحر إلا بعدما ذهب السبت؛ فجعلوا قردة.
ذكر المفسرون أنهم انقسموا إلى ثلاثة أقسام كما ذكر الله جل وعلا في القرآن: طائفة صنعت هذا، وطائفة أنكرت عليهم، والطائفة الثالثة: قالت للمنكرين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤] يعني: أنه لا فائدة في الكلام معهم، فقد ارتكبوا أمراً واضحاً، فقال الواعظون والمنكرون: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] يعني: أننا نفعل هذا إعذاراً حتى يعذرنا الله جل وعلا؛ لأننا إذا سكتنا ولم ننكر كنا معهم، ولم نعذر بذلك، فاعتزلوهم وتركوهم، فلما كان يوم من الأيام أصبحوا ولم يروا أحداً خرج من البلد، فعجبوا! وقالوا: لا بد أنه حصل شيء، فأتوا إليهم فإذا هم قد مسخوا قردة وخنازير.
يقول ابن عباس وغيره: شبابهم صاروا قردة، وشيوخهم خنازير، أما القردة والخنازير الموجودة الآن فليست مسخاً، بل هي من الحيوانات التي خلقها الله جل وعلا، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ : (أنه سئل: هل هذه القردة مسخ؟ فقال: إن الله إذا مسخ أمة لم يجعل لها نسلاً)، فالذي يمسخ ليس له نسل، فعلى هذا قول بعض الناس: إن الفأر أو الضب أو ما أشبه ذلك كان آدمياً ومسخ، هذا خطأ، ليس الأمر كذلك؛ لأن المسخ عذاب، والمعذب يهلك ولا يكون له نسل كما في هذا الحديث.
وهذا يدلنا أيضاً على أن هؤلاء لهم نصيب مما فعله أولئك؛ لأنهم يتحيلون على الباطل بوجوه متعددة، ومن تحيل على الباطل فإنه يتحيل على ربه جل وعلا، والله لا تخفى عليه خافية، يعلم ما في الصدور، ولا يجوز أن يظهر الإنسان شيئاً في عمله، ويبطن خلافه في قلبه فإن الله يعلمه، وسوف يحاسبه عليه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] المقصود بهذا أن هؤلاء خالفوا أمر الله جهاراً عن عمد، ووجه الدليل من الآية يظهر في الحديث الذي سيذكره، وهو أن هذه الأمة ستعمل ما عملته اليهود والنصارى وفارس والروم وغيرها من الأمم السابقة، ولهذا ثبت أنه يكون في هذه الأمة مسخ، يعني: أن فيهم طائفة تمسخ قردة وخنازير؛ لأنهم يفعلون مثلما فعل اليهود فيعاقبون كما عوقب أولئك.
وكذلك يكون فيهم رجم بالحجارة من السماء؛ لأنهم يفعلون كما يفعل قوم لوط، فيرجمون كما رجم قوم لوط، ويكون فيهم خسف كما حدث في الأمم السابقة، فإن منهم من خسف به كما ذكر الله جل وعلا ذلك، وهذا ثابت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ .
ومن ذلك الشرك الذي وقعوا فيه، فإنهم عبدوا أحبارهم ورهبانهم وقالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالت: المسيح ابن الله، وصارت تعبد ثلاثة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وكل ما وقع في اليهود والنصارى سيقع مثله في هذه الأمة لا يخطئونه في شيء، هذا هو وجه الاستدلال من الآيات، ويظهر ويتضح بذكر حديث أبي سعيد ﵁ الذي سيأتي.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد! هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: (من لعنه الله) أي: أبعده من رحمته (وغضب عليه) أي: غضباً لا يرضى بعده أبداً، (وجعل منهم القردة والخنازير).
وقد قال الثوري: عن علقمة بن مرثد عن المغيرة بن عبد الله عن المعرور بن سويد أن ابن مسعود ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قوماً -أو قال: لم يمسخ قوماً- فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك) رواه مسلم].
العجيب أن بعض دعاة الشر من اليهود -كما هو معروف- جاء بنظرية يقول: إن الأصل في البشر هو القردة، والإنسان فصيلة منها.
واتبعه على هذا القول الباطل البين البطلان طوائف كثيرة، ثم بعد ذلك لما جاء نظيره من الكفار يبطل هذه النظرية رجع هؤلاء، مع أن الله جل وعلا يذكر لنا أنه خلق آدم بيده، وأنه خلقه من طين، كما جاء في آيات متعددة كثيرة، فكيف يعتنقون قول هذا الفاجر الخبيث ويأخذون به مع وضوح هذا الأمر؟! وهذا من الأدلة على أن الله جل وعلا إذا أراد إضلال إنسان فإنها لا تنفع فيه الأدلة الواضحة الجلية.
والغريب أن هذا وقع لبعض العلماء الذين يكتبون الكتابات، وموجود عندنا بعض هذه الكتب، بعضها يسمى دائرة المعارف يقول صاحبها: نحن نؤيد نظرية دارون، فإن قيل لنا: كيف تقولون بما ذكره الله جل وعلا في القرآن من أنه خلق آدم من طين؟ نقول: هذا أمره سهل، نؤوله كما أولنا قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يعني: بهذه السهولة وبهذا الأمر نؤول القرآن؛ لأن كافراً من الكفار قال هذا القول، والتأويل هذا إبطال وتكذيب في الواقع، وتحريف لا يجوز أن نسميه تأويلاً، وأشياء كثيرة من هذا القبيل.
فالإنسان يجب أن يكون على حذر دائماً، فيكون إمامه هو كتاب الله، وفي هذه الآية دليل واضح على أن الله جل وعلا يلعن من يشاء، إذا أراد أن يلعن لعن، كما أنه يرحم من يشاء، ويغضب على من يشاء: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠] وهذه من صفات الفعل التي تتعلق بمشيئته، إذا شاء أن يفعلها فعلها كما يشاء، فيجب أن يوصف الله جل وعلا بذلك وهذا كثير.
стр. 861
تفسير البغوي لقوله تعالى: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم)
قال الشارح: [قال البغوي في تفسيره: (قل) يا محمد! (هل أنبئكم) أخبركم (بشر من ذلكم) يعني: قولهم: لم نر أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم.
فذكر الجواب بلفظ الابتداء -وإن لم يكن الابتداء شراً- كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج:٧٢].
وقوله: (مثوبة) ثواباً وجزاءً نصب على التمييز (عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير) فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى].
هذا على قول، والقول الآخر أن القردة والخنازير كلاهما من أصحاب السبت، وهذا هو المشهور، والمعنى: أن هذه الأمة سوف يكون فيها من يلعنه الله ويغضب عليه ويمسخه قردة وخنازير، بدليل قول الرسول ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) وكذلك ما ورد من الآيات الأخرى.
стр. 862
التفسيرات اللغوية لقوله تعالى: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم)
[وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المسخين كلاهما من أصحاب السبت، فشبابهم مسخوا قردة، وشيوخهم مسخوا خنازير.
(وعبد الطاغوت) أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له، وقرأ ابن مسعود: (وعبدوا الطاغوت) وقرأ حمزة: (وعَبُدَ الطاغوت) بضم الباء وجر التاء أراد العبد].
يعني: الجمعي، عُبُد يعني جمع عابد، جعل منهم من عبد، والمعنى واحد.
[وهما لغتان: عبد بسكون الباء، وعبد بضمها].
هذا إذا أريد الإفراد.
[مثل سَبُع وسُبْع وقرأ الحسن (وعبد الطاغوت) على الواحد.
وفي تفسير الطبرسي: قرأ حمزة وحده (وعبُد الطاغوت) بضم الباء وجر التاء، والباقون (وعبد الطاغوت) بنصب الباء وفتح التاء، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وأبان بن تغلب (وعُبُدَ الطاغوتِ) بضم العين والباء وفتح الدال وخفض التاء.
قال: وحجة حمزة في قراءته (وعبُد الطاغوت) أنه يحمله على ما عمل فيه قوله (جعل)].
يعني: يعطفه على الأفعال السابقة، وكلها أفعال ماضية، لعن: فعل ماضي، (من لعنه الله) وقوله: (وغضب) كذلك، وحمله على هذه الأفعال الماضية يكون الباب واحداً، كل هذه أفعال ماضية.
[كأنه: وجعل منهم عبُد الطاغوت ومعنى: (جعل) أي: خلق كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] وليس عبد لفظ جمع؛ لأنه ليس من أبنية الجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه الإفراد ومعناه الجمع؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولأن بناء فعُل: يراد به المبالغة والكثرة نحو يقظ ودنس، وكأن تقديره: أنه ذهب في عبادة الطاغوت كل مذهب] كلمة (جعل) هذه تأتي على استعمالين: استعمال بمعنى: خلق، كهذه الآية وكقوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] وهذا كثير، وعلامة ذلك أنها إذا جاءت بمعنى (خلق) أنها لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد فقط.
وتأتي بمعنى: صير، وليس معنى (صير) أنه خلق، لا، معناها: أنه عالج الأشياء أو اعتقدها، أي: اعتقد أنها كذا، أو قال: إنها كذا، وهذا أيضاً استعماله كثير في اللغة العربية، ووروده في القرآن أيضاً كثير، وعلامة ذلك أنه يتعدى إلى مفعولين كما في قوله جل وعلا: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] وهذا بمعنى اعتقدوا أو قالوا ذلك.
وهذا قد يغلط فيه بعض الناس لا سيما الذين لهم أهواء، وربما قالوا: إن (جعل) تدل على الخلق، ثم يدخلون ما يريدون كإدخالهم للقرآن بأنه مخلوق، فيقولون: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] يعني: خلقناه! وكقوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] وما أشبه ذلك.
وهذا يدل على الجهل في الواقع؛ لأنه لا يمكن أن يقال: خلقوا الملائكة، وكذا قوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١] وما أشبه ذلك، وهذا من أنفع ما يكون لطالب العلم أن يفرق بين الألفاظ واستعمالاتها، ويعرف مواقعها.
[وأما من فتح فقال: (وعبد الطاغوت) فإنه عطفه على بناء المضي الذي في الصلة وهو قوله: (لعنه الله) وأفرد الضمير في عَبَد، وإن كان المعنى فيه الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظه دون معناه.
وفاعله ضمير (من)، كما أن فاعل الأمثلة المعطوف عليها ضمير (من)، فأفرد لحمل ذلك جميعاً على اللفظ، وأما قوله: (عبد الطاغوت) فهو جمع عبد.
وقال أحمد بن يحيى: عُبُد جمع عابد كبازل وبُزل، وشارف وشرف، وكذلك عُبَّد جمع عابد ومثله عباد وعباد.
انتهى].
قال الشارح ﵀: [وقال شيخ الإسلام في قوله (وعبد الطاغوت): الصواب: أنه معطوف على ما قبله من الأفعال أي: من لعنه وغضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، قال: والأفعال المتقدمة الفاعل فيها اسم الله تعالى مظهراً أو مضمراً، وهنا الفاعل اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في عبد، ولم يعد سبحانه من؛ لأنه جعل هذه الأفعال صفة لصنف واحد وهم اليهود.
قوله: (أولئك شر مكاناً) مما تظنون بنا.
(وأضل عن سواء السبيل) وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر له مشارك، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] قاله الـ عماد ابن كثير في تفسيره وهو ظاهر].
هذا لأنه يأتي أفعل التفضيل فيما لا مشارك له في الجانب الآخر، وبهذا يرد على القدرية الذين قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] وما أشبه ذلك يدل على إثبات الخلق للعباد، وأنهم يخلقون أفعالهم بدليل هذه الآية ونحوها.
الجواب
هو ما ذكره هنا، أن قوله: (تبارك الله أحسن الخالقين) هذا استعمل فيما لا مشارك له في الخلق؛ لأن قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] أصحاب النار ما يشاركون أهل الجنة بشيء مما فيها، وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] لا يمكن أن يقال: إن هذا استعمل على بابه، وإنما استعمل بالشيء الذي لا مشاركة فيه، يقول الله جل وعلا: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] لا يوجد أحد يقول: إن الأصنام تشارك الله في الخيرية أو في شيء من ذلك مطلقاً، وهذا كثير في القرآن، ومن المعلوم أن أصحاب البدع والأهواء يتعلقون بالشبهات، ويفرحون إذا وجدوا شيئاً يتعلقون به من القرآن أو من الأحاديث، ومن الأمور التي ينبغي أن تعلم أن القرآن فيه شيء مما قد يشتبه في اللفظ للدلالة، وإذا صار الإنسان عنده سوء فهم أو سوء اتجاه يكون فتنة له، وهذا الذي يشير إليه قوله جل وعلا: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] فهم يبحثون عن الشيء الذي يتفق مع أهوائهم، ومع مناهجهم ومقاصدهم، بغض النظر عن مراد المتكلم، ولو كانوا يريدون مراد المتكلم لكان الأمر واضحاً جلياً؛ لأن هناك آيات واضحات تبين هذا، إذا أرجعت إليها زال الإشكال نهائياً، وأصبح لا يوجد إشكال.
والواجب على العبد أن يتخلى من هوى النفس، ومن الأغراض التي تكون على خلاف مراد الرب جل وعلا أو مراد رسوله ﷺ ، ومعلوم أن هذا يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى توفيق من الله جل وعلا، والإنسان قد لا يملك نفسه ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١] إلا أنه إذا فعل الإنسان الأسباب التي أمر بها فغالباً أن الله يوفقه، بخلاف الذي يعرض عن أمر الله من أول وهلة اتباعاً لشيء يريده، إما يريد علواً على الخلق، يريد أن يكون هو أفضل منهم، وأعلى منهم أو كان له أغراض دنيوية، أو عنده حسد وحقد على الآخرين؛ فهذا غالباً لا يوفق ويزداد ضلالاً إلى ضلاله إلا أن يشاء الله، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، ويقول تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠] والمعنى: أنه لما جاءهم أمرنا فردوه أول الأمر قلبت أفئدتهم وأبصارهم جزاءً لردهم الحق أول ما جاءهم.
ومن المعلوم أن الرسول ﷺ وضح الأمور وبينها، وأما فهوم الناس واتجاهاتهم فهذه يجب أن تعرض على الكتاب والسنة، ويجب أن يتجرد في ذلك، ليس لأن ينتصر على فلان، أو ينصر المذهب الفلاني، ويرد على المذهب الفلاني، إذا كان هذا قصده فالقصد سيء، والعمل ليس لله جل وعلا، وإنما الواجب على الإنسان أن يطلب الحق، وعلامة ذلك أنه يقبل الحق ممن جاء به سواءً كان صديقاً له أو غير صديق، إذا تبين له الحق قبله، أما إذا كان لا يقبل الحق إلا ممن يتفق معه في رأيه ومنهجه فهذا علامة أنه لا يريد الحق، والله جل وعلا يتولى جزاء عباده، وسوف يحاسبهم على نياتهم ومقاصدهم، وإنما على الإنسان أن يجتهد لنفسه لئلا يقع في الباطل، ولن يضيع شيء أبداً، وكل خلاف وقع، وكل حكومة وقعت، وكل مسألة وقعت سوف تعرض بين يدي الله، ويحكم فيها بحكمه العدل، فهو جل وعلا يعلم لسان كل متكلم، ويعلم قلب كل متكلم ماذا يريد، على الإنسان أن يستحضر هذه الأمور، ويسعى لنفسه إما أن يكتسب الحسنات أو يكتسب السيئات.
стр. 863
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٠]
دلائل النبوة كثيرة، ومن ذلك ما أخبر النبي ﷺ بوقوعه في أمته من بعده، ثم وقع كما أخبر ﵊، مثل قوله: (لاتقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان).
стр. 864
قوله تعالى: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]].
هذه الآية ذكرها الله جل وعلا في قصة أصحاب الكهف، وهم الفتية الذين هربوا بدينهم من قومهم المشركين، وجعلهم الله جل وعلا آية، فأووا إلى غار ليختبئوا فيه، فضرب عليهم النوم، فناموا أكثر من ثلاثمائة سنة وهم نيام، ثم استيقظوا بعد ذلك وظنوا أنهم ما لبثوا إلا يوماً أو بعض يوم، وكان معهم نقود، فلما استيقظوا إذا هم جياع؛ فأمروا واحداً منهم أن يذهب إلى البلد ليشتري لهم بهذه النقود طعاماً، ووصوه بأن يتلطف أي: يختفي لئلا يعرفه القوم فيأتون إليهم فيفتنونهم عن دينهم، فذهب بالنقود، فلما حضر إلى البلد فإذا هي غير البلد، والناس غير الناس، فلما أخرج النقود إذا هي غير النقود التي يتعارف عليها الناس، فظهر أمرهم بذلك، فمسكوه وقالوا: من أين أتيت؟ ومن أين جئت بهذه النقود؟ فعرفوهم لهذا السبب، وجاءوا إليهم، ولما وصل إليهم زميلهم الذي ذهب ليأتيهم بالطعام، ضرب عليهم النوم مرة أخرى، فناموا، فأصبح هؤلاء يتخاصمون فيهم، كيف نصنع بهم؟! فقال الكبراء والوجهاء: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] يعني: يبنون عليهم مسجداً، وبنوا عليهم المسجد، وهذا من صنيع اليهود، ومن صنيع النصارى.
والآثار الصحيحة جاءت عن النبي ﷺ في منع بناء المساجد على القبور صراحة، وقد أخبر الله جل وعلا أن من كان قبلنا من أهل الكتاب قد بنوا المساجد على قبور أنبيائهم وصالحيهم مثل هؤلاء الفتية، والخبر الذي سيذكره يدل على أن هذا سيقع في هذه الأمة كما وقع في الأمم التي قبلها.
هذا هو وجه إيراد هذه الآية ووجه الاستدلال بها، يعني: أن البناء على القبور وقع من اليهود والنصارى على قبور أنبيائهم وصالحيهم، ورسولنا ﷺ أخبرنا أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة، فلا بد أن يقع البناء على القبور في هذه الأمة كما وقع في الأمم التي قبلنا، والبناء على القبور من وسائل الشرك، ومن المحرمات التي جاءت فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ ، هذا هو وجه الاستدلال بالآية، ووجه مطابقتها للترجمة.
[والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يذم فاعله؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أبنيائهم مساجد) أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم].
стр. 865
قوله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم) وعلاقته بالشرك
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) أخرجاه].
هذا الحديث مخرج في الصحيحين ولكن بغير هذا اللفظ والمعنى واحد، والآية التي ذكرها قبل هذا واضحة الدلالة مع ذكر الحديث أنها تدل على الذم، يعني: ذم هؤلاء الذين غلبوا على أمر قومهم؛ يعني: لأنهم الكبراء والوجهاء فبنوا عليهم المسجد، فالآية سيقت على وجه الذم، وليس كما يقول من فتن بالقبور وبعبادة أصحابها والبناء عليها: إن الآية تدل على جواز البناء على القبور؛ لأن كلام الله جل وعلا مع كلام رسوله لا يتعارضان، بل يؤيد أحدهما الآخر، ويبينه ويوضحه، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه أنزل على رسوله الوحي ليبين ما نزل إليه للناس، وقد بين ذلك، والذي يقول مثلاً أن الآية تدل على الجواز هو مغالط، فهذا كلام مغالطة ومحادة لله جل وعلا، ولرسوله ﷺ ؛ لأنه قد يقول جاهل هذا القول: الآية تدل على ذلك؛ لأن الله ذكر هذا عنهم، وما ذكر عن شرع من كان قبلنا يكون شرعاً لنا، هذا لا يكون صحيحاً بل هذه مغالطة، والله ذكر ذلك على سبيل الواقع منهم، والرسول ﷺ بين أن هذا لا يجوز، وأن فعلهم مذموم، فيجب أن يعلم هذا وأن يعتقد؛ بأنه على سبيل الذم وليس على سبيل الجواز.
حديث أبي سعيد هذا: (لتتبعن) ابتدأه ﷺ باللام، اللام التي وقعت في جواب القسم، وهذا هو الصواب أنها وقعت في جواب القسم، والتقدير: والله لتتبعن، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ إذا أخبر بخبر فإنه صدق وحق؛ لأنه كما قال الله جل وعلا عنه: لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، يوحيه الله جل وعلا إليه.
وكذلك إذا أخبر الله جل وعلا بشيء فإنه صدق وحق بلا ريب، فيأتي القسم لزيادة التأكيد، والمؤكدات سواء كان قسماً أو كان تأكيداً لفظياً، أو تكراراً أو غير ذلك، واهتمامي بهذا الموضوع ولفت الأنظار إليه ليعلم هذا أنه واقع لا محالة.
والسنن: هي الطرق -ويجوز أن تكون (سُنن وسَنن) - التي يسلكونها، وتخص بأمور الدين التي يتعبدون بها أو يعتقدونها.
وقوله: (من كان قبلكم) هذا مجمل؛ لأنه إذا قيل: (من كان قبلنا) يشمل كل الذين قبلنا، ولهذا استفسر الصحابة عن ذلك وقالوا: من تريد؟ من هم الذين قبلنا اليهود والنصارى؟ فقال: فمن؟ يعني: أن هذا هو المراد، وهذا لا ينافي أو يخالف ما جاء في الرواية الأخرى، وهي رواية صحيحة أيضاً: (أهم فارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك) يعني: من المقصود إلا فارس والروم، المقصود يريد أن يخبر أن هذه الأمة ستتبع الذين قبلهم من الأمم القريبة منهم، مثل اليهود والنصارى وفارس والروم وغيرهم، وجاء في بعض الآثار الأعاجم أيضاً.
فكل لفظ يدل على ما يدل عليه الآخر إلا أنه يدل على أنه لم يرد أمة معينة بخصوصها غير أن هؤلاء هم الذين لهم كلمة ولهم دين، ولهم كيان وقد يقتدى بهم، وينظر إليهم، فبين أن هذا هو المراد.
وقوله: (حذو القذة بالقذة) المعنى أنكم تسيرون خلفهم، فكل ما فعلوه سوف تفعلونه دقيقاً أو كبيراً، لا تخطئون شيئاً مما فعلوا، فقوله: (حذو القذة بالقذة) كقولك: خطوة خطوة.
بل كقولك: إنك تفعل هذا كما يفعل فلان هذا الشيء تماماً بلا زيادة ولا نقصان.
والقذة: هي ريشة السهم، وريشة السهم غير معروفة لنا الآن، ولكن هي الحربة التي تحدد وتجعل في السهم ليطلق منه، والسهم القوس الذي يرمى به سابقاً، ويقابل ذلك الرصاصة الموجودة الآن التي تجعل في بندقية واحدة ما تزيد عن الأخرى، كل واحدة مساوية للأخرى تماماً بلا زيادة، هذا هو المعنى المراد، يعني: أنكم تفعلون كل ما فعلوه.
стр. 866
وجه التشبيه بجحر الضب في متابعة هذه الأمة غيرها
[قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، هذا الفرض على سبيل لو قدر أن هذا يمكن وأنه وقع فيهم لوقع فيكم، وفعلتموه كما فعلوه.
وخص جحر الضب لأن الضب جحره من أصعب الجحور سلوكاً؛ لأنه إذا حفر جحره يحفره متجهاً إلى تحت ملتوياً، لا يكون مستقيماً، يجعله ملتوياً ومدوراً حتى يكون الدخول عليه عسراً؛ ولهذا إذا دخل هو على وجهه لا يستطيع أن يلتفت، لا بد أن يخرج على ذنبه من الخلف لعسر هذا الجحر، ولكونه لا يسع غيره، وإذا دخل أيضاً على خلفه -على ذنبه- ما يستطيع أن يلتفت يبقى هكذا حتى يخرج على وجهه، هذا هو السبب في تشبيهه ﷺ وتخصيصه لجحر الضب، فهو ليس كسائر الجحور التي يكون الدخول فيها سهل، والمعنى: لو قدر أنهم يدخلون هذا المدخل الصعب، والمسلك الذي قد يكون سلوكه ممتنعاً لفعلتم أنتم هذا الفعل.
ولهذا جاء بعد ذلك في الرواية الأخرى: (حتى لو أن أحداً منهم وقع على أمه علانية لصار في هذه الأمة من يفعل ذلك)، وهذا شيء فضيع، فإنسان يقع -نسأل الله العافية - على أمه والناس ينظرون إليه أمر مستفظع جداً، يقول: لو وقع هذا لوقع في هذه الأمة.
وفي رواية أخرى: (حتى لو أن منهم من وطئ زوجته على قارعة الطريق لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك) في ألفاظ ذكرها ﷺ من المبالغة في اتباع هؤلاء، وأن هذه الأمة سوف تسلك مسلك اليهود والنصارى وكذلك الفرس وغيرهم، فينظرون ماذا يصنعون فيصنعون مثلهم تماماً.
ثم ليعلم أن هذا ليس من باب الخبر الذي يخبر الرسول ﷺ مقراً له، أو راضياً به! كلا، بل هو يخبر عنه من باب التحذير، أي: احذروا أن تكونوا من هؤلاء.
وهذا الإخبار منه صلوات الله وسلامه عليه من علامات نبوته، بل كل جملة في هذا تدل على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه حق؛ لأن الأمر وقع كما أخبر، والذي لم يقع سيقع.
هذا شيء.
الشيء الثاني: أنه يجب أن يعلم أن هذا ليس في الأمة كلها، وإنما هذا في طوائف من الأمة، ولا بد أن يبقى في الأمة المسلمة أمة متمسكة بدينها، متبعة لهدي نبيها ﷺ ، لا تبالي بمن خالفها، ولا يغرها من خالفها، كما جاء في الحديث الآخر الذي رواه أصحاب السنن -وهو حديث صحيح- أنه ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فبين أن هذه الأمة ستزيد على النصارى الذين زادوا على اليهود فرقة واحدة، وهذا التفرق يكون في الأمة التي استجابت للنبي ﷺ ، كما أن الحديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) هو في الأمة التي استجابت له، وهم الذين يتبعونه، وذلك أن الناس كلهم جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، كلهم أمة لمحمد ﷺ ، والذي يسمع به مجرد سماع ثم لا يؤمن به يدخله الله جل وعلا النار، كما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أقحمه الله جهنم)، فجعل الأمر متعلقاً بمجرد السماع.
والمقصود أن الخطاب في قوله: (لتتبعن) للأمة المستجيبة التي اتبعته، يعني: أن هذا الاتباع يقع في أمة الإجابة، وهذا الحديث يبين لنا أن الآيات السابقة في اليهود والنصارى التي ذكر عنهم أفعالاً وقعت منهم كالبناء على القبور والأموات، كما ذكر في الآية وكالتحيل على المحرمات، وأكلها بشبهة أنها حلال، والجزاء الذي يقع على هؤلاء من اللعن والمسخ وعبادة الطاغوت سيقع في هذه الأمة، هذا هو المقصود، وهذا رد -كما قلنا سابقاً في الفصل السابق- على الذين يعبدون القبور، ويبنون عليها المساجد ويقولون: الشرك لا يقع في هذه الأمة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (قد أيس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب) حسبما قالوا، وكذلك يقولون: إن من قال: لا إله إلا الله يكون موحداً ويدخل الجنة، ولا يقع منه الشرك، فهم جهلوا الشرع، وذابوا في جهلهم، وصاروا فتنة للجهال الذين لا يميزون بين الحق والباطل، فبين بهذا أن هذا قول باطل، وأنه محادة لله ولرسوله ﷺ .
هذه الأمة التي يقول ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم)، خرجت منها فرقة تكون متمسكة بالحق، بدليل الحديث الآتي حديث ثوبان: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق) إلخ، فيكون هذا الحديث ليس على عمومه.
стр. 867
من دلائل النبوة في حديث متابعة الأمة غيرها من الأمم
قال الشارح: [قوله: (سنن) بفتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم قال المهلب: الفتح أولى.
قوله: (حذو القذة بالقذة) بنصب حذو على المصدر.
والقذة -بضم القاف- واحدة القذذ، وهو ريش السهم، أي: لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم في ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، فوقع كما أخبر ﷺ ، وبهذا تظهر مناسبة الآيات للترجمة، وقد وقع كما أخبر، وهو علم من أعلام النبوة].
أعلام النبوة كثيرة جداً، وأعلام النبوة يعني: دلائلها، أي: الدلائل التي تدل على صدقه ﷺ ، وأنه نبي، ومنها إخباره بالمغيبات أنها ستأتي، فتأتي كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، وهذا لا يمكن أن يكون إلا عن وحي من الله جل وعلا.
قال الشارح: [قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) وفي حديث آخر: (حتى لو كان فيهم من يأتي أمة علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك)، أراد ﷺ أن أمته لا تدع شيئاً مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله، لا تترك منه شيئاً، ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
انتهى] قد يقول قائل: هذا ليس صحيحاً؛ لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وهذه الأمة ليس فيها من يقول هذا، ولا يقول ذلك، فكيف تقول: إن هذا الحديث يدل على أن كل ما وقع من اليهود والنصارى سيقع من هذه الأمة، فيقال: ليس شرطاً أن هذه الأمة تفعل ما فعلته اليهود والنصارى بألفاظه وصورته تماماً، يكفي أن يفعلوه في المعنى، وأن يوافقوه في المعنى، وقد وقعت الموافقة من كثير من الناس في هذا، فصاروا مثلاً يعتقدون أن الولي الفلاني يتصرف بالكون، وأنه يقول للشيء: كن فيكون، وأنه لا يدخل هذا البلد شيء إلا بإذنه وهو ميت مدفون، قد أكله الدود وارتهن بعمله، وربما يكون معذباً؛ لأن كثيراً ممن يدعى أنه ولي هو زنديق كافر بالله جل وعلا، لا يصلي ولا يتطهر، ولا يترك فعل الفواحش من الزنا وغيرها، ومع ذلك يدعون أنه ولي.
وأحياناً يكون مجنوناً يمشي في الأسواق عرياناً ليس عليه شيء من اللباس، فيزعمون أنه ولي، فإذا مات عبدوه وقالوا: إنه يتصرف في الكون، وإن الرزق لا يأتي إلا عن طريقه، وإن العافية والصحة لا تأتي إلا بإرادته، النصارى ما قالوا مثل هذا، قالوا أقل من ذلك، ويكفي هذا في موافقتهم، بل هذا زيادة، مع أنه جاء شيء من بعض هذه الأمة -من بعض خواصها- يصل إلى ما قالته النصارى واليهود في أنبيائهم، مثل الذين صار حظهم من رسول الله ﷺ واتباعه الكذب عليه، وادعوا أنه مشارك لله جل وعلا في كل شيء، بل له ما لله، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه: هناك أناس يقولون: نحن نعبد الله ونعبد رسوله، نعبد الله ونعبد الرسول، ويستدلون بقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩] فيجعلون معنى قوله: (وتسبحوه) يعني: تسبحون الرسول وتعبدونه، فيستدلون بمثل هذا.
وكذلك بعض الشعراء الذين صاروا يمدحون الرسول ﷺ مدحاً جاوز الحد، فرفعوه إلى مقام الربوبية، كقول القائل مثلاً: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وكذلك قوله: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقمِ يعني يقول: أنا أستغيث وأستجير بك إذا غضب الله يوم القيامة! هذا شيء عظيم نسأل الله العافية! يعوذ الإنسان بمخلوق من الخالق، تعالى الله وتقدس.
كقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ضرة الدنيا هي الآخرة، وهنا (من) تبعيضية، فماذا بقي لله؟! إذا كانت الدنيا والآخرة من جملة جود الرسول ﷺ ، وكان كل ما كتب في اللوح المحفوظ من جملة علومه، فأي شيء أبقى هذا الرجل لله جل وعلا تعالى وتقدس؟ هذا قد يكون أعظم مما قالت النصارى.
والمقصود: أن الذي يقول: إن هذا الكلام فيه مبالغة مخطئ، فليس فيه مبالغة، بل هذا اعتقاد من هذه الأمة كما أخبر الرسول ﷺ تماماً.
стр. 868
فساد بعض العلماء كفساد أهل الكتاب سواء
قال الشارح: [قلت: فما أكثر الفريقين! لكن من رحمة الله تعالى ونعمته أن جعل هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما في حديث ثوبان الآتي قريباً].
يقول: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وذلك أن اليهود يعلمون ولكن لا يعملون، يعلمون ويقعون في المعاصي على عمد، وعن علم، وهذا أعظم من الذي يقع في معصية عن جهل، أما النصارى فهم يتعبدون بجهل وضلال؛ ولهذا وصف الله جل وعلا اليهود بأنهم مغضوب عليهم، ووصف النصارى بأنهم أهل ضلال؛ لأنه ليس عندهم علم، وإنما عندهم اجتهاد وعبادة وتقشف، فتجد الراهب منهم في الصوامع، وهذا كان من قبل، أما في الوقت الحاضر فقد تغيرت الأوضاع والأمور، وأصبح الذين في الصوامع أو في البيع أو في الكنائس ساسة وقادة يخططون لأمتهم ولرؤسائهم في الاستيلاء على الضعفاء -ولا سيما إذا كانوا مسلمين- بكل وسيلة كانت، بغض النظر عن كون هذا يسوغ أو لا يسوغ، لا ينظرون إلى ذلك.
وصاروا عباداً للدنيا والمناصب والشهوات، القول فهو يخالف الفعل، وإذا خالف الفعل فلا قيمة له.
وهكذا هذه الأمة! الذي يفسد من العلماء يكون شبيهاً باليهود؛ لأن عنده علم ولكنه ترك العلم على عمد لغرض يريده خاص به أو لغرض آخر ليس خاصاً به، كله سواء، وأما الذي تكون عنده عبادة وتقشف فيفسد ويضل ويترك السنة فإنه يكون مشابهاً للنصارى؛ لأن هذا عنده اجتهاد لكنه في ضلال، وهذا من الذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٧] لأنهم يتعبدون بضلال، وإن كان عندهم خشوع ونصب وتعب ولكنهم ضالون؛ لأن من شرط قبول العبادة وصحتها أن تكون على سنة المصطفى ﷺ ، كما أنه من شرطها أيضاً أن تكون خالصة لله جل وعلا، لا يراد بها إلا وجه الله، فإذا اختل شرط من هذين الشرطين فهو ضلال ووبال، ويكون صاحبه معذباً.
والناس في الواقع تبع لهؤلاء، تبع للعلماء والعباد، العباد يقتدى بهم ويرى أنهم على خير، وأنهم أهل زهد وطاعة، فيعظمون من أجل ذلك، والعلماء كذلك يقتدى بهم لأنهم الذين يعرفون الأحكام، فإذا فسدوا فسد الناس تبعاً لهم.
قتل الشارح: [قوله: (قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) هو برفع اليهود خبر مبتدأ محذوف أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني قوله: (قال فمن؟) استفهام إنكاري أي: فمن هم غير أولئك؟].
стр. 869
شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧١]
من دلائل نبوة النبي ﵊: أنه أخبر بأن الله زوى له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها، وأن أمته سيبلغ ملكها ما زوي له منها، وإخباره ببقاء طائفة من هذه الأمة على الحق، وإخباره بلحوق طوائف من الأمة بالمشركين، وإخباره بظهور الدجالين، وقد حصل ذلك كما أخبر به، ودلائل النبوة كثيرة جداً، ومعرفتها تزيد المؤمن يقيناً وطمأنينة.
стр. 870
حديث ثوبان (إن الله زوى لي الأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً) ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎].
هذا الحديث كل جملة منه علامة وآية من آيات النبي ﷺ تدل على صدقه، وعلى أنه نبي جاء من عند الله جل وعلا، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، والفائدة في مثل هذا أن الإنسان يزداد إيماناً وتصديقاً للنبي ﷺ ، ويقيناً بأنه جاء من عند الله، كلما زادت الآيات زاد إيمانه بذلك، فالذي ينبغي لمن يقرأ أحاديث رسول الله ﷺ وسيرته أن يزداد دائماً إيماناً ويقيناً بأن رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وهو الذي جاء بالهدى، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وأن كل ما أخبر به حق، وأن ما خالفه باطل مهما كان.
هذا الحديث سيق لأجل الرد على من يزعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة بعد مبعث النبي ﷺ ، وهذا القول أو هذا الزعم حدث من أناس جهال في الواقع، جهلوا دعوة الرسول ﷺ بعدما جهلوا حق الله الذي أوجبه عليهم، فزعموا أن من قال: لا إله إلا الله فذلك يكفيه وإن عبد القبور، وطاف عليها، واستنجد بأصحابها، واستغاث بهم، فإنه لا يؤثر عندهم، فجاءوا بالمتناقضات؛ لأنهم لم يعرفوا التوحيد ولم يعرفوا حق الله عليهم، ولم يعرفوا دعوة الرسول ﷺ ، فجاءوا بالمتناقضات، قالوا: من قال: لا إله إلا الله لا يقع منه الشرك، وزعموا أن مجرد النطق بهذه الكلمة كافٍ، وزعموا أن هذا هو معنى أحاديث الرسول ﷺ كقوله: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
فلم يفهموا قوله: (يبتغي بذلك)، ولم يفهموا معنى لا إله إلا الله، وما علموا أن هذه الكلمة تهدم كل الشرك دقيقه وجليله وتبطله، وأن المشركين لما قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله فهموا ذلك، وعرفوا أن هذا يبطل مذهبهم وعبادتهم فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، فتحصل بهذه الكلمة التأله والعبادة لله وحده تعالى وتقدس، فهؤلاء لما جهلوا هذه الأمور الواجبة على كل إنسان جاءوا بالمتناقضات.
والمشكلة أن لهم أتباعاً كثر، وأن كثيراً من الناس ينظر إليهم، ويقتدي بهم، فصاروا قدوة، وصاروا يعادون كل من جاء بدعوة النبي ﷺ ، ويريد أن ينقذ الناس من الهلكات ومن الشرك الذي وقعوا فيه، فيرمونه بتنقص الرسول وبغضه، وأنه شاذ، وخارج عن الأمة، وأنه يكفر الأمة، وما أشبه ذلك من العظائم التي يرمون بها من كان مقتفياً آثار الرسول ﷺ ، ويدعو بدعوته؛ وذلك لجهلهم وظلمهم وعنادهم واستكبارهم على الحق، ومن هنا تستحكم المصائب والبلايا، ويصبح كثير من الناس مغتراً بهم، فيتابعونهم، والواقع يشهد لهذا.
هذا الحديث والآيات التي ذكرها المؤلف في أول الباب والحديث هو حديث أبي سعيد - دليل على جهل هؤلاء، وبطلان دعواهم.
стр. 871
وجوب التسليم لأخبار النبي ﷺ
قول الرسول ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض) معنى (زوى) يعني: أنه جمعها فأصبحت أنظر إليها كأنها أمامي، أنظر إلى أقصاها وأدناها سواء، ولا يلزم أن تكون كل جزئية من الأرض أمامه ينظر إليها، وهذا من قدرة الله جل وعلا التي لا حدود لها، فهو على كل شيء قدير، ولا يجوز أن نقيد قدرة الله بالعقل أو بالفكر والنظر، وإذا كنا لا نستوعب ذلك ولا نستطيع أن ندركه بعقلنا لا نكذب به، بل هذا شأن الذين يعبدون عقولهم أو يكونون مغرورين بعقولهم ويقولون: إن الشيء الذي يخالف العقل يجب أن يرد.
الرسل لا يأتون بشيء يخالف العقول، ولكنهم يأتون بأمور تحار فيها العقول ولا تدركه؛ لأن العقول قاصرة بالنسبة لأمر الله جل وعلا، وخلقه وتدبيره، وقدرته ومشيئته، وهذا نظير قول الرسول ﷺ لما قام يصلي صلاة الكسوف بمسجده صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (عرضت علي الجنة والنار دون هذا الحائط -يعني: دون حائط المسجد- فرأيت بعضها يحطم بعضاً، حتى خشيت أن تأتي عليكم، فقلت: يا رب! وأنا فيهم؟ -يعني: أنها تأكلهم وأنا فيهم- ثم عرضت علي الجنة يقول: فهممت أن آخذ منها قطفاً حينما رأيتموني تقدمت، ثم بدا لي ألا أفعل، ولو أخذت ذلك منها لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) قطف يعني: عنقود عنب، عنقود واحد لو أخذه لأكلت منه الأمة ما بقيت الدنيا؛ لأن الذي في الجنة لا ينتهي، بل يتبدل، كلما يؤخذ منه شيء جاء مكانه غيره دائماً.
وقال: (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار -يعني: أمعاءه- لأنه أول من غير دين إسماعيل)، وقد كان رئيساً في العرب، ومات في الجاهلية قبل مبعث الرسول ﷺ ، قال: (ورأيت امرأة في النار بسبب هرة حبستها حتى ماتت، لم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمش وجهها في النار) وهذا أمر حقيقي، وكون الجنة والنار دون هذا الحائط شيء لا تستوعبه العقول، ولكن يجب أن نصدق به.
ومثله الحديث الذي مر معنا في الدعوة إلى التوحيد، وقوله ﷺ : (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق فرأيت وجوه الرجال قد سدت الأفق، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فرأيت وجوه الرجال قد سدت الأفق، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب) فهذا العرض على ظاهره، ولكن ليست هي أعيان الناس بأنفسهم، الناس أموات في قبورهم.
ومثل ذلك ما وقع له في قصة الإسراء والمعراج لما وصل إلى بيت المقدس، واجتمع بالأنبياء وصلى بهم، ثم لما صعد إلى السماء وجد كل نبيٍ في سماء من السماوات حسب منازلهم، وهذه أرواحهم لا إشكال في هذا، وهذه كلها أمور حق على ظاهرها، يجب أن نؤمن بها، ونصدق بها كما أخبرنا رسول الله ﷺ ؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه إذا قال كلاماً باللغة التي يفهمها المخاطبون فإنه يبلغ عن الله جل وعلا، ولو لم يكن الظاهر هو المراد ما كان هناك تبليغ، ولا سأل السامعون وقالوا: هو هذا المعنى أو هناك غيره؟ فلما سكتوا وفهموا النص على ظاهره دل أن هذا هو المراد قطعاً بلا تردد، ولا يجوز أن يشكك في هذا الشيء.
стр. 872
من أعلام النبوة في حديث ثوبان
قوله: (إن الله زوى لي الأرض -جمعها- فرأيتها أمامي، أنظر إلى مشارقها ومغاربها) هذا محدود بدليل قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) وقد بلغ الملك في زمن الصحابة هذا الذي زوي منه، حتى وصلوا إلى حدود الصين شرقاً، ووصلوا إلى المحيط الأطلسي غرباً، وانتهى ملكهم إلى هذا الحد، ولم يذكر جهة الجنوب والشمال، ولهذا لم تتسع لا جنوباً ولا شمالاً، فإنه لم يتسع فيها ملك الأمة، وإنما اتسع من جهة الشرق والغرب.
ثم قال: (وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) الكنزان: هما كنز الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت في زمنه، فكان في وقته دولة الروم ودولة الفرس، وكانت هاتان الدولتان تتناظران دائماً وتتقاتلان، ومرة تغلب هذه، ومرة تغلب هذه، وهما أعظم الدول في ذلك الوقت، وما في الأرض نظير لهما.
قوله: (الأحمر والأبيض) يقول العلماء: الأحمر عبارة عن الذهب، وهذا يقصد به كنوز دولة الروم؛ لأن الغالب عليهم استعمال الذهب في أموالهم.
وأما الأبيض: فهو كنوز دولة الفرس؛ لأن الغالب على أموالهم الجواهر والفضة، فوقع كما قال.
وقد جاء في حديث آخر: (وإنهما سينفقان في سبيل الله) فأنفقت كنوز هاتين الدولتين في سبيل الله كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه قبل وقوع ذلك.
فهاتان الجملتان كل واحدة منهما تدل على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، حيث أخبر بشيء لم يقع، فوقع كما أخبر تماماً.
ثم قال: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، أو بسنة عامة) الباء هنا زائدة وتأتي للتأكيد، وإذا حذفت استقام المعنى، والسنة المقصود بها الجدب المهلك، أو العذاب المستأصل الذي يأتي عليهم جميعاً كما وقع للأمم السابقة مثل ثمود وعاد وقوم شعيب، وقوم لوط، وغيرهم ممن قص الله جل وعلا علينا قصصهم في كتابه، فأعطاه الله جل وعلا هذا، فقال: (إني لا أهلكهم في سنة عامة).
وسأل ربه ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم.
(من سوى أنفسهم) يعني: من الكفار، سأله ألا يسلط عليهم عدواً من الكفار فيستبيح بيضتهم، يعني: يستولي على معظم الأمة أو على جملتها، فيسبي نساءها، ويأخذ أموالها، ويقتل مقاتلتهم، فأعطاه الله جل وعلا ذلك، ولكن هذا مقدمة الشروط التي ذكرها بعد هذا.
стр. 873
قوله: (وألا يسلط بعضهم على بعض)
قوله: (وألا يسلط بعضهم على بعض) فهذه منعها؛ لأن الله جل وعلا قال: (يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد) وإن الله قضى أن يسلط بعضهم على بعض، وبهذا يستدل بأن ما قدره الله وقضاه لا يمكن تغييره، ولا يمكن تبديله، وأن الدعاء لا يؤثر في ذلك ولا يجدي.
وأما ما جاء في بعض الأحاديث أنه: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا صلة الرحم) أو قال: (إن الدعاء يرد القضاء، وإن صلة الرحم تزيد في العمر) فليس هذا كما قد يتبادر إلى ذهن الإنسان من أول وهلة، أنه إذا دعا زاد عمره بالدعاء، وإذا وصل رحمه زاد عمره بالصلة، فالمعنى: أن تقدير الله لا يتغير، وقد قال بعض العلماء: إن هذا معناه: أن الإنسان يكون أمامه تقديرين: تقدير مثلاً أنه يبلغ ثمانين سنة إذا وصل رحمه، وستين سنة إذا لم يصل رحمه، فإن وصلها بلغ ذلك، وإن لم يصلها لم يبلغ ذلك.
وتقدير أنه يكون عليه كذا وكذا إن لم يدع، وإن دعا امتنع ذلك، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا شأن الجاهل، والله علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، ويعلم الذي يقع كيف يكون، وقد كتب كل شيء قبل وجود الخلق، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وفي السنن والمسند من حديث عبادة أنه قال عن النبي ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة).
فقوله (مقادير الأشياء) يعم كل شيء، وقوله في هذا الحديث: (أول ما خلق الله القلم فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة) يعم كل شيء، حتى حركة يد الإنسان ووضعها على وجهه أو على أي شيء، فلا يمكن أن أي حركة تحدث أو أي سكون إلا بمشيئة الله، وقد كتبت، فيكون المعنى: إن من الأشياء التي كتبت وقدرت وفرغ منها أن هذا الشخص يدعو ويكون عنده ابتهال وتضرع، ويكون هذا سبب زيادة عمره، فالدعاء نفسه من القدر.
وكذلك هذا الواصل قد كتب في الأزل أنه يصل عمره، وتكون هذه الصلة سبباً لزيادة العمر، فلا يكون فيه إشكال في ذلك، ولا يكون كما قيل: هناك تقديران، فهذا شأن الجاهل الذي لا يعرف ما الذي يقع تعالى الله وتقدس عن ذلك، فعلى هذا قول الله جل وعلا في إجابته لرسوله: (إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد) على عمومه.
كل شيء قضاه وكتبه في الأزل فإنه لا بد من وقوعه ولا يتغير.
أما قول الله جل وعلا: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فقد ذكر العلماء فيها أقوالاً، وأصح ذلك قول أحدهم: إن هذا المحو والإثبات في صحائف الملائكة، التي يسجل بها عمل الإنسان في اليوم، فإذا صار آخر النهار يمحون الشيء الذي ليس فيه جزاء وليس عليه عقاب، يعني: لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، مثل: أعطني القلم خذ الكتاب أعطني الكأس وما أشبه ذلك، هذه تمحى، ويثبت الشيء الذي يكون فيه الجزاء، وكل هذا مقدر مكتوب، ولكن هذا محو في الصحائف؛ لأن الصحائف يسجل فيها أعمال الإنسان التي يجازى بها، ويوم القيامة إذا بعث يعطى كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] يعني: حاسب نفسك أنت، انظر صحائفك صحيفتك التي سجلت عليك منذ بلغت إلى أن تموت، أين هذه الصحيفة؟ في أيدي الملائكة يحفظونها، قال الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨].
فالملك يترقب أي لفظ تتلفظه ليسجله ويكتبه؛ وهما اثنان: واحد يكتب الحسنات، والآخر يكتب السيئات.
يقول ابن رجب ﵀: اتفق السلف على أن الذي على اليسار هو الذي يكتب السيئات، والذي عن اليمين يكتب الحسنات، ولكن ليس في هذا نص، ولكن إذا اتفقوا على ذلك فلا بد أن يكون حقاً؛ لأن الأمة لا تتفق إلا على حق كما في هذا الحديث.
فإذاً المحو الذي يذكر يكون في الصحائف، هذا قول.
القول الثاني: أن المحو يكون في الشرائع التي ينسخها الله جل وعلا، يقول ابن أبي العز في شرحه للطحاوية: إن هذا القول هو الراجح، وهو الصحيح، وهو الذي تدل عليه الآيات وسياقها، وهو أن الإثبات والمحو في الشرائع التي يشرع الله ما يشاء منها، وينسخ ما يشاء، فلا يوجد فيه إشكال حيث إنه ليس من أمور القدر.
أما قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] فقد قالوا: المعنى: ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر معمر آخر -غير هذا المعمر- إلا في كتاب، وليس معنى ذلك أن الأعمار يزاد فيها وينقص منها، فهذا مثل قولك: عندي دينار ونصفه، فالنصف الذي أعدت الضمير فيه على الدينار نصف آخر، غير نصف الدينار الأول؛ لأن عندك ديناراً كاملاً ونصفه، يعني: نصف دينار آخر؛ فيكون هذا معناه: ما يزاد عمر معمر، وينقص من عمر معمر آخر إلا في كتاب، يعني: هذا مكتوب ومفروغ منه فلا يكون فيه زيادة ونقص، ويدل على هذا ما في صحيح مسلم عن أم حبيبة أنها قالت: (اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأخي معاوية وبأبي أبي سفيان، فقال: لقد سألت الله لآجال مضروبة لا يزاد فيها ولا ينقص، ولو قلت: اللهم اغفر لي وارحمني لكان أنفع) والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] الأجل لا يؤخر ولا يقدم فالآجال مفروغ منها، وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه النصوص، وبذلك تتفق النصوص، وليس فيها أي اعتراض مخالف، ولكن يجب أن يفهم مراد الرسول ﷺ ، فقوله: (إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) يعني: أنه جل وعلا قضى أن بأس هذه الأمة يكون بينها، وأنه إذا وقع فيهم السيف فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، وقد وقع السيف بقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، فبقي في الأمة وسيستمر إلى يوم القيامة، فالقتال موجود في الأمة من ذلك اليوم إلى يوم القيامة كما أخبر الرسول ﷺ ، وهذا من القضاء الذي لا يرد، ولكنه قد يقل وقد يكثر، وقد يكون في جهة دون أخرى، والذي يقرأ التاريخ يعلم ذلك يقيناً كيف يعني هذا، وسيكثر أيضاً ويزيد في آخر الزمان، حتى يأتي زمان يقتل فيه الإنسان وما يدري على أي شيء يقتل؛ لكثرة الفتن والأهواء.
стр. 874
شرط تسليط الأعداء على الأمة
قوله في الغاية: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً) يعني: أن الهلاك مغياً بهذه الغاية، فإذا بدأ ذلك فإنه يأتي ما كتبه الله، ويدل على أن عدم التسليط إذا لم يكن بعضهم يقاتل بعضاً، أما إذا قاتل بعضهم بعضاً فيجوز أن يسلط الله عليهم عدواً، كما هو الواقع، فكلما حصل بين المسلمين خلاف سلط الله عليهم عدواً فأخذ بلادهم وقتلهم، ومن يقرأ التاريخ وينظر فيه يرى العجائب، فالأندلس ذهبت وأصبحت ليس فيها مسلم، محيت نهائياً بعدما كانت دولة كبيرة وفيها من المسلمين والعلماء والصناع والفقهاء والكتاب الشيء الذي عرف وملأ الدنيا، ثم لما صار كل بلد فيها أمير أو خليفة أصبح بعضهم يقاتل بعضاً، فجاءهم العدو واستباح بيضتهم وأهلكهم، ووضعت المحاكم التي يسمونها محاكم التفتيش، يعني: كل إنسان تبين أن عنده شيء من الدين يقتل؛ فانمحى الدين الإسلامي من الأندلس نهائياً، وإلى الآن وهي بيد الكفار.
وكذلك لما كان الخلفاء كل واحد يغير على الآخر، وكل واحد يقتل الآخر؛ سلط الله عليهم التتار فقتلوا الفقهاء والكبراء والعلماء والخليفة وغيرهم، بدءوا بالعلماء.
وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه ما حصل من التتار، وقتلهم للمسلمين، وقال: لقد ترددت كثيراً هل أكتب ذلك أو لا أكتبه، فإن النفس لم تقدم على ذلك؛ لما فيه من الأمور التي تدمي الكبد، ولكن لا بد من تسجيل التاريخ، وذكر أنهم قتلوا في يوم واحد ثلاثة ملايين في بغداد! حتى أصبحت الخيل تمشي على الجثث والدماء تصل إلى ركب الخيل، وأخذوا الكتب من مكتبات المسلمين وألقوها في النهر حتى أصبح ماء النهر متغيراً من الحبر، فعاثوا في الأرض فساداً، شيء عظيم جداً، مقتلة ما صار مثلها، ثم استمر القتل حتى فسد الهواء، فصاروا يموتون موتاً ذريعاً، وتركوا البلاد وقد أخربوها.
ثم عادت الكرة مرة أخرى، وجاءوا إلى دمشق في وقت تيمور الأعرج الخبيث الظالم العنيد الذي جاء من سمرقند، فصنع فيها كما صنع التتار، وحصلت أشياء كثيرة، ولكن ليس معنى هذا أنه يقضى على الأمة نهائياً، لا بد أن يبقى فيها طوائف، غير أنه قد يقضى على معظمها، فإذا قتل الخليفة وقتل جنوده وقتل العلماء وقضي على بلاد الخلافة، فتبقى الأمور ضعيفة، ويكون المسلمون في ارتباك وخوف شديد.
فالمقصود: أن ما قاله الرسول ﷺ وقع كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
ثم قوله بعد هذا: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) الأئمة يقصد بهم العلماء والأمراء، هؤلاء هم الأئمة، وإذا صلح العلماء والأمراء فالناس تبع لهما، وإذا فسد هذان الصنفان فالناس كلهم يفسدون، وهؤلاء هم الأئمة الذين يؤتم بهم ويقتدى بهم، وإذا كانوا ضالين فالناس يضلون تبعاً لهم.
стр. 875
لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من الأمة المشركين
قال ﵊: (وإنها لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين) هذا هو الشاهد من الحديث، والفئام: هي القبائل، ومعنى إلحاقهم بالمشركين: إما أنهم يدخلون في دينهم، ويرتدون وإن كانوا في بلادهم، أو أنهم يذهبون إلى المشركين في بلادهم ويكونون معهم، ومن تتبع الأحوال ونظر سيجد الأمرين قد وقعا، ويقعا.
والمقصود بهذا أنها تحصل الردة، فالرسول ﷺ أخبر أن ناساً يرتدون عن دينهم، والرسول ﷺ أخبر بالواقع.
(وحتى تعبد قبائل من هذه الأمة الأوثان)، الوثن لا يشترط أن يكون نصباً منصوباً على صورة شخص أو صورة حيوان، كل ما عبد من دون الله فهو وثن، والعبادة: اسم جامع لكل ما أمر الله جل وعلا به وأحبه ورضيه، فمن صرف شيئاً منها لمخلوق من المخلوقات فقد جعل ذلك الشيء وثناً أو صنماً يعبد.
وقد جاء في الصحيحين: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)، وذو الخلصة صنم قديم في الجاهلية في بلاد دوس، وهذا خبر صحيح ولا بد من وقوعه، وربما يبعث مرة أخرى ويقع كما أخبر الرسول ﷺ ، وكل هذا يكذب قول من ينفي الشرك في هذه الأمة، ويستدل بحديث: (إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)، والمعنى الصحيح: أن الشيطان يئس أن تعود جزيرة العرب جاهلية كما كانت قبل البعثة، فإن هذا لا يكون بإذن الله، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يقع فيها الشرك.
стр. 876
لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة
قوله: (وإنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) يقول العلماء: الطائفة يصح أن تطلق على جماعة، وهذه الجماعة قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، وقد تكثر مرة، وقد تقل أخرى، ويقول النووي في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم: يجوز أن تكون هذه الجماعة مختلفة الاتجاهات والأعمال، بين شجاع يقاتل في سبيل الله، وبين تاجر ينفق في الدعوة إلى الله، وبين فقيه يعلم الناس وينشر دين الله، وداعية يدعو إلى الحق إلى غير ذلك، ويجوز أن يكونوا مجتمعين، ويجوز أن يكونوا متفرقين، ويجوز أن يكونوا في قطر واحد، ويجوز أن يكونوا في أقطار مختلفة، وأن يقلوا ويكثروا، هذا معنى كلام النووي ﵀، وهذا هو الصواب الذي يدل عليه الحديث.
أما ما جاء في بعض الروايات: (أنهم في الشام) كما جاء في رواية معاذ، وهي في صحيح البخاري، فإن هذا لا يلزم منه أن يكونوا في الشام دائماً، ولكن يكونون في وقت دون وقت، والواقع يشهد لهذا، والشام يطلق على البلاد المعروفة الآن بالأردن ولبنان وفلسطين وسوريا وبعض أجزاء من تركيا، كلها كان يطلق عليها الشام.
وقد جاء في بعض الروايات: (أن هذه الطائفة في فلسطين)، فيكون ذلك في وقت من الأوقات، ومعروف الآن أن فلسطين فيها اليهود، وهم أشر عباد الله وأشر خلق الله، ولكن سيأتي يوم من الأيام يكون فيها الموحدون الذين يقتلون اليهود، ويكون ذلك في آخر الزمان، والله أعلم متى يكون.
стр. 877
الدجالون في هذه الأمة
قوله: (وإنه سيكون في هذه الأمة ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) المقصود بالثلاثين الذين يكون لهم قوة وأتباع ودعوة، وإلا فلو تتبع من ادعى النبوة لبلغوا آلافاً وليس ثلاثين، ولكن بعضهم يكون مريضاً، وبعضهم يصاب بشبه جنون فيدعي النبوة، ولكن المقصود الذين صار لهم سلطة، وصار لهم أتباع وقوة مثل: الأسود العنسي الذي خرج في زمن النبي ﷺ ، فقتل قبل موته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء إليه أبو مسلم الخولاني فقال له: أتشهد أني نبي؟ قال: لا أسمع، قال: أتشهد أن محمداً نبي؟ قال: نعم، فأمر أن يلقى في نار، فلم تضره النار، فخرج منها كأن لم يكن هناك نار! وهو من التابعين وليس من الصحابة، ولما قدم على عمر ﵁ في خلافته قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد مثل إبراهيم الخليل، ألقي في النار فلم تضره، ثم سلط الله جل وعلا على الأسود رجلاً من أهله فقتله.
وكذلك مسيلمة الكذاب، خرج وصار له أتباع وصار له قوة، وحصلت معركة هائلة بينه وبين الصحابة، قتل فيها من حفظة القرآن سبعون قارئاً، وكان هذا هو السبب في جمع أبي بكر للقرآن؛ خوفاً أن يكثر القتل في القراء فيذهب شيء منه، فجمعوه وكتبوه في الصحف.
وكذلك خرج طليحة الأسدي في بني أسد، وزعم أنه نبي وتبعته قبيلته، وصار قتال بينه وبين الصحابة فانهزم، ثم بعد ذلك تاب، وقتل شهيداً في وقعة نهاوند.
وبعد ذلك خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، خرج في البصرة وفي الكوفة، فأول أمره خرج نصرة للحسين ﵁، ففرح الناس به، وتبعه خلق على ذلك، وتتبع قتلة الحسين فقتل أكثرهم، ثم بعد ذلك زعم أنه نبي، وأن جبريل يأتيه ويكلمه، فقاتله مصعب بن الزبير حتى قتله.
ثم كذلك الحارث في زمن عبد الملك خرج وصار له أتباع فقتل.
ثم تتابعوا إلى أن جاء القادياني الخبيث الذي ادعى أنه نبي، وله أتباع إلى اليوم في أنحاء الأرض، ولهم دعوة، وما يقرب من أربعين مجلة يصدرونها دعوة لدينهم، وعندهم أموال، وعندهم دعاة، ويفسرون القرآن على حسب رأيهم، ويعتقدون أن سيدهم نبي، ولا يشك مسلم أن هذه ردة وكفر وتكذيب بالقرآن.
ثم لا ينتهي الأمر، فيكون آخر من يدعي النبوة الكذاب الأكبر الدجال الذي حذرنا النبي ﵊ منه، ومن الأمور العجيبة التي تدل على استهانة الكذابين بأمر الله، والضحك على الناس في أديانهم أن رجلاً خبيثاً خرج وسمى نفسه (لا) قال: أنا لا، ثم بعد ذلك ادعى النبوة، وقال: قد أخبر عني الرسول فقال: (لا نبي بعدي)! ونظير ذلك أن امرأة خرجت وادعت النبوة، فلما قيل لها: إن رسول الله ﷺ أخبر أنه لا نبي بعده، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] قالت: ولكنه لم يقل: لا نبية بعدي، أنا نبية، وهو أخبر أنه لا يكون بعده نبي، سخافات واستهانة بعقول الناس وأديانهم إلى هذا الحد! وليس معنى هذا كما يقول بعض الأدباء: هذه من الطرائف، هذه ما هي طرائف، هذا كفر واستهانة بأمر الله جل وعلا وبدينه وبأديان الناس وعقولهم وأفكارهم، وهذا العدد الذي أخبر عنه الرسول ﷺ المقصود به من يأتي ويظهر ويكون له قوة.
والمسيح الدجال سيكون هو آخر الكذابين، وهو أعظم الكذابين لماذا؟ لأنه أول ما يخرج يزعم أنه مصلح، وأنه يريد أن يقضي على الظلم والظلمة، فإذا تمكن من ذلك ادعى النبوة، وقال: أنا نبي، فيتركه كثير ممن كان يتبعه، ولكن من يفتن به أكثر، ثم بعد ذلك يتمادى به الأمر ويقول: أنا رب العالمين، ويكون عنده كثير من الفتن والأمور العظيمة حتى إنه يقول للأرض: أنبتي، ويقول للسماء: أمطري، فيحصل ذلك، ويأتيه الرجل ويقول له: إذا أحييت أباك وأمك أتؤمن بأني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان: واحد بصورة أمه، والآخر بصورة أبيه، فيقولان له: يا بني! آمن به فإنه ربك؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم به فانئوا عنه، فإن الرجل يأتيه واثقاً من نفسه فلا يزال حتى يتبعه)، بسبب الفتن التي يرى، حتى يكون متبعاً له، وهو رجل من بني آدم، وعينه اليمنى عوراء مطموسة كأنها عنبة طافية، ومكتوب على جبهته كافر، ولكن هذا يقرؤه المؤمنون، وأكثر الناس لا يقرءونه، فهو يأتي بفتن عظيمة يمر على القوم ويردون دعوته فيمحلون، ويمر على القوم فيؤمنون به، فتغدق عليهم الدنيا، ولشدة فتنته أمرنا رسولنا ﷺ أن نستعيذ من فتنته في كل صلاة، وأخبر أن كل نبي حذر أمته من المسيح الدجال، وأنه خارج في هذه الأمة ولا محالة؛ لأنه ليس بعد هذه الأمة أمة.
ونزول عيسى ﵇ لا ينافي قوله ﷺ : (لا نبي بعدي)؛ لأن عيسى وإن كان رسولاً فإنه ينزل حاكماً بهذا الشرع، فهو من هذه الأمة، بل هو أفضل هذه الأمة على الإطلاق، وقد صحت الأحاديث وتواترت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سينزل فيكم ابن مريم ويضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير) يعني أنه لا يقبل إلا الإسلام، وهو الذي يقتل الدجال.
وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، فيه بشارة أن الحق لا يزول ولا يضمحل، بل لا بد أن تبقى أمة تقاتل على الحق، وتدعو إليه ولا يضرهم المخالف ولا الخاذل، الخاذل يكون منهم على دينهم وعلى ملتهم ولكنه يخذلهم، بمعنى أنه لا يساعدهم ولا يناصرهم، أما المخالف فليس على نهجهم، ولا يضرهم لا هذا ولا هذا، وقوله: (حتى يأتي أمر الله) لا يخالف ما جاء في صحيح مسلم أنها: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وفي رواية: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) يعني أنه لا يذكر الله أصلاً، شرار الناس هم الذين يبنون على القبور والذين تدركهم الساعة وهم أحياء؛ ولهذا لما روى عبد الله بن عمرو كما في الصحيح حديث: (تأتي ريح فتقبض روح كل من في قلبه إيمان، فيبقى الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، فقال له أحد الصحابة: اعلم ما تقول! أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)، فقال له: إن قيام الساعة المقصود به ساعتك، يعني: هذه الريح، وهذا هوالصواب، فليس في حديث رسول الله ﷺ منافاة.
стр. 878
معنى قوله: (إن الله زوى لي الأرض)
قال الشارح ﵀: [ولـ مسلم إلخ.
هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها المصنف.
قوله: عن ثوبان هو مولى النبي ﷺ ، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين.
قوله: (زوى لي الأرض) قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب، وحاصله أنه طوى له الأرض، وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، قال الطيبي: أي: جمعها حتى بصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها.
قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) قال القرطبي: هذا الخبر وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة ـ بالنون والجيم ـ الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما هو وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، وذلك لم يذكر ﵇ أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه.
قوله: (زوي لي منها) يحتمل أن يكون مبيناً للفاعل، وأن يكون مبنياً للمفعول.
قوله: (وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) قال القرطبي: عنى به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ووجد ذلك في خلافة عمر، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، والأبيض والأحمر منصوبان على البدل].
стр. 879
عدم هلاك هذه الأمة بسنة بعامة
قال الشارح ﵀: [قوله: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة) هكذا ثبت في أصل المصنف ﵀ (بعامة) بالباء، وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع على سنين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] أي: الجدب المتوالي.
قوله: (من سوى أنفسهم) أي: من غيرهم من الكفار من إهلاك بعضهم بعضاً، وسبي بعضهم بعضاً كما هو مبسوط في التاريخ فيما قبل، وفي زماننا هذا نسأل الله العفو والعافية.
قوله: (فيستبيح بيضتهم) قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته، وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: إن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها، وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم وإن قلوا.
قال المصنف ﵀ في شرح حديث ثوبان: قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً)، والظاهر أن حتى عاطفة أو تكون لانتهاء الغاية، أي: أن أمر الأمة ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضاً، وقد سلط بعضهم على بعض كما هو الواقع، وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم.
قوله: (وإن ربي قال: يا محمد! إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) قال بعضهم: أي: إذا حكمت حكماً مبرماً نافذاً فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده كما قال النبي ﷺ : (ولا راد لما قضيت)].
стр. 880
الاختلاف أساس كل شر
من المعلوم أن الاختلاف هو أساس كل شر؛ ولهذا يمتنع استباحة الكفار للمسلمين حتى يقع الاختلاف بينهم، فإذا وقع فإنه يجوز أن يهلكوا عموماً، فالاختلاف محرم في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله ﷺ ، وليس المراد بالاختلاف هنا الاختلاف في الفهوم، الفهم لا يمكن أن يتفق، الاختلاف هنا اختلاف مذموم محرم مكروه عند الله جل وعلا ورسوله، والاختلاف المباح هو الذي يكون في الفهوم، في فهم النصوص مثلاً؛ لأن النصوص فيها مجال للفهم والاختلاف في مناص الحكم، فمثلاً قال الرسول ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، قد يقول بعض العلماء: هذا النهي وهذا القول يدل على أنها إذا أقيمت الصلاة بطلت كل صلاة تلبس بها المصلي، ويقول آخر: لا، ليس هذا معناه، بل معناه: أنها إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز أن يدخل في صلاة جديدة، أما إذا كان في صلاة فيكملها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، مثل هذا الاختلاف لا بأس به، وهذا الذي يكون بين الفقهاء وبين العلماء؛ لأن كل واحد يتمسك بالنص، ويقول: المراد به كذا وكذا.
أما الاختلاف الذي يحدث العداوة، ويحدث التفرق، ويحدث بعد ذلك التدابر ثم التباغض ثم التقاتل؛ فهذا هو الذي إذا حدث أصيبت الأمة بتسليط الأعداء عليها؛ لأن بعضهم سلط على بعض أولاً، وإذا حدث شيء من ذلك فعلى الإنسان أن يصبر، ويحاول تلافي هذا الشيء بكل ما يستطيع، ولا يضرم النيران، ولا يزيد الاختلاف فيصبح مثلاً يغري الذين لا يكون عندهم علم، ومن كان عندهم من الغرور ما يحدوهم إلى التمادي في هذا الباطل، ولا يجوز له أن يتمادى معهم، يجب أن يتلافى الأمر بكل ممكن، ولا يكون شريكاً لهؤلاء، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] وحبل الله هو كتابه أو دينه، ما دام المؤمنون نهجهم وعقيدتهم وهدفهم واحداً فالفهوم لا يجوز أن تكون مجالاً للتنافر والتباغض، ولا يمكن أن يكون فهم هذا كفهم هذا، فإن الرسول ﷺ يقول: (مثلي ومثل ما بعثني الله جل وعلا به كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرضاً طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فرعى الناس وانتفعوا، وكان منها طائفة قيعان لا تنبت الكلأ، ولكنها أمسكت الماء، فورد الناس وارتووا وانتفعوا، ومنها أجادب لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ) فجعل الناس بالنسبة للوحي ثلاثة أقسام: قسم: أهل فقه وأهل علم يستطيع أن يستنتج من النص ما لا حصر له من الأحكام، وهذا الذي مثله بالأرض الطيبة التي تنبت الماء، وتنبت الكلأ الكثير.
وقسم آخر: ليس عنده فقه، ولكن عنده حفظ يحفظ النصوص فينتفع الناس بحفظه.
وقسم ثالث: لا حفظ عنده ولا فهم ولا فقه، مثل الأعراب ليس لهم اهتمام بأمر الدين، فهؤلاء مثل السباخ التي ينزل عليها المطر ويزيدها دحضاً وأذىً للناس، لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
следующие страницы →