← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة قوله: (وإنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) يقول العلماء: الطائفة يصح أن تطلق على جماعة، وهذه الجماعة قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، وقد تكثر مرة، وقد تقل أخرى، ويقول النووي في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم: يجوز أن تكون هذه الجماعة مختلفة الاتجاهات والأعمال، بين شجاع يقاتل في سبيل الله، وبين تاجر ينفق في الدعوة إلى الله، وبين فقيه يعلم الناس وينشر دين الله، وداعية يدعو إلى الحق إلى غير ذلك، ويجوز أن يكونوا مجتمعين، ويجوز أن يكونوا متفرقين، ويجوز أن يكونوا في قطر واحد، ويجوز أن يكونوا في أقطار مختلفة، وأن يقلوا ويكثروا، هذا معنى كلام النووي ﵀، وهذا هو الصواب الذي يدل عليه الحديث. أما ما جاء في بعض الروايات: (أنهم في الشام) كما جاء في رواية معاذ، وهي في صحيح البخاري، فإن هذا لا يلزم منه أن يكونوا في الشام دائماً، ولكن يكونون في وقت دون وقت، والواقع يشهد لهذا، والشام يطلق على البلاد المعروفة الآن بالأردن ولبنان وفلسطين وسوريا وبعض أجزاء من تركيا، كلها كان يطلق عليها الشام. وقد جاء في بعض الروايات: (أن هذه الطائفة في فلسطين)، فيكون ذلك في وقت من الأوقات، ومعروف الآن أن فلسطين فيها اليهود، وهم أشر عباد الله وأشر خلق الله، ولكن سيأتي يوم من الأيام يكون فيها الموحدون الذين يقتلون اليهود، ويكون ذلك في آخر الزمان، والله أعلم متى يكون.

стр. 877

الدجالون في هذه الأمة قوله: (وإنه سيكون في هذه الأمة ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) المقصود بالثلاثين الذين يكون لهم قوة وأتباع ودعوة، وإلا فلو تتبع من ادعى النبوة لبلغوا آلافاً وليس ثلاثين، ولكن بعضهم يكون مريضاً، وبعضهم يصاب بشبه جنون فيدعي النبوة، ولكن المقصود الذين صار لهم سلطة، وصار لهم أتباع وقوة مثل: الأسود العنسي الذي خرج في زمن النبي ﷺ ، فقتل قبل موته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء إليه أبو مسلم الخولاني فقال له: أتشهد أني نبي؟ قال: لا أسمع، قال: أتشهد أن محمداً نبي؟ قال: نعم، فأمر أن يلقى في نار، فلم تضره النار، فخرج منها كأن لم يكن هناك نار! وهو من التابعين وليس من الصحابة، ولما قدم على عمر ﵁ في خلافته قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد مثل إبراهيم الخليل، ألقي في النار فلم تضره، ثم سلط الله جل وعلا على الأسود رجلاً من أهله فقتله. وكذلك مسيلمة الكذاب، خرج وصار له أتباع وصار له قوة، وحصلت معركة هائلة بينه وبين الصحابة، قتل فيها من حفظة القرآن سبعون قارئاً، وكان هذا هو السبب في جمع أبي بكر للقرآن؛ خوفاً أن يكثر القتل في القراء فيذهب شيء منه، فجمعوه وكتبوه في الصحف. وكذلك خرج طليحة الأسدي في بني أسد، وزعم أنه نبي وتبعته قبيلته، وصار قتال بينه وبين الصحابة فانهزم، ثم بعد ذلك تاب، وقتل شهيداً في وقعة نهاوند. وبعد ذلك خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، خرج في البصرة وفي الكوفة، فأول أمره خرج نصرة للحسين ﵁، ففرح الناس به، وتبعه خلق على ذلك، وتتبع قتلة الحسين فقتل أكثرهم، ثم بعد ذلك زعم أنه نبي، وأن جبريل يأتيه ويكلمه، فقاتله مصعب بن الزبير حتى قتله. ثم كذلك الحارث في زمن عبد الملك خرج وصار له أتباع فقتل. ثم تتابعوا إلى أن جاء القادياني الخبيث الذي ادعى أنه نبي، وله أتباع إلى اليوم في أنحاء الأرض، ولهم دعوة، وما يقرب من أربعين مجلة يصدرونها دعوة لدينهم، وعندهم أموال، وعندهم دعاة، ويفسرون القرآن على حسب رأيهم، ويعتقدون أن سيدهم نبي، ولا يشك مسلم أن هذه ردة وكفر وتكذيب بالقرآن. ثم لا ينتهي الأمر، فيكون آخر من يدعي النبوة الكذاب الأكبر الدجال الذي حذرنا النبي ﵊ منه، ومن الأمور العجيبة التي تدل على استهانة الكذابين بأمر الله، والضحك على الناس في أديانهم أن رجلاً خبيثاً خرج وسمى نفسه (لا) قال: أنا لا، ثم بعد ذلك ادعى النبوة، وقال: قد أخبر عني الرسول فقال: (لا نبي بعدي)! ونظير ذلك أن امرأة خرجت وادعت النبوة، فلما قيل لها: إن رسول الله ﷺ أخبر أنه لا نبي بعده، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] قالت: ولكنه لم يقل: لا نبية بعدي، أنا نبية، وهو أخبر أنه لا يكون بعده نبي، سخافات واستهانة بعقول الناس وأديانهم إلى هذا الحد! وليس معنى هذا كما يقول بعض الأدباء: هذه من الطرائف، هذه ما هي طرائف، هذا كفر واستهانة بأمر الله جل وعلا وبدينه وبأديان الناس وعقولهم وأفكارهم، وهذا العدد الذي أخبر عنه الرسول ﷺ المقصود به من يأتي ويظهر ويكون له قوة. والمسيح الدجال سيكون هو آخر الكذابين، وهو أعظم الكذابين لماذا؟ لأنه أول ما يخرج يزعم أنه مصلح، وأنه يريد أن يقضي على الظلم والظلمة، فإذا تمكن من ذلك ادعى النبوة، وقال: أنا نبي، فيتركه كثير ممن كان يتبعه، ولكن من يفتن به أكثر، ثم بعد ذلك يتمادى به الأمر ويقول: أنا رب العالمين، ويكون عنده كثير من الفتن والأمور العظيمة حتى إنه يقول للأرض: أنبتي، ويقول للسماء: أمطري، فيحصل ذلك، ويأتيه الرجل ويقول له: إذا أحييت أباك وأمك أتؤمن بأني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان: واحد بصورة أمه، والآخر بصورة أبيه، فيقولان له: يا بني! آمن به فإنه ربك؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم به فانئوا عنه، فإن الرجل يأتيه واثقاً من نفسه فلا يزال حتى يتبعه)، بسبب الفتن التي يرى، حتى يكون متبعاً له، وهو رجل من بني آدم، وعينه اليمنى عوراء مطموسة كأنها عنبة طافية، ومكتوب على جبهته كافر، ولكن هذا يقرؤه المؤمنون، وأكثر الناس لا يقرءونه، فهو يأتي بفتن عظيمة يمر على القوم ويردون دعوته فيمحلون، ويمر على القوم فيؤمنون به، فتغدق عليهم الدنيا، ولشدة فتنته أمرنا رسولنا ﷺ أن نستعيذ من فتنته في كل صلاة، وأخبر أن كل نبي حذر أمته من المسيح الدجال، وأنه خارج في هذه الأمة ولا محالة؛ لأنه ليس بعد هذه الأمة أمة. ونزول عيسى ﵇ لا ينافي قوله ﷺ : (لا نبي بعدي)؛ لأن عيسى وإن كان رسولاً فإنه ينزل حاكماً بهذا الشرع، فهو من هذه الأمة، بل هو أفضل هذه الأمة على الإطلاق، وقد صحت الأحاديث وتواترت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سينزل فيكم ابن مريم ويضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير) يعني أنه لا يقبل إلا الإسلام، وهو الذي يقتل الدجال. وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، فيه بشارة أن الحق لا يزول ولا يضمحل، بل لا بد أن تبقى أمة تقاتل على الحق، وتدعو إليه ولا يضرهم المخالف ولا الخاذل، الخاذل يكون منهم على دينهم وعلى ملتهم ولكنه يخذلهم، بمعنى أنه لا يساعدهم ولا يناصرهم، أما المخالف فليس على نهجهم، ولا يضرهم لا هذا ولا هذا، وقوله: (حتى يأتي أمر الله) لا يخالف ما جاء في صحيح مسلم أنها: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وفي رواية: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) يعني أنه لا يذكر الله أصلاً، شرار الناس هم الذين يبنون على القبور والذين تدركهم الساعة وهم أحياء؛ ولهذا لما روى عبد الله بن عمرو كما في الصحيح حديث: (تأتي ريح فتقبض روح كل من في قلبه إيمان، فيبقى الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، فقال له أحد الصحابة: اعلم ما تقول! أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)، فقال له: إن قيام الساعة المقصود به ساعتك، يعني: هذه الريح، وهذا هوالصواب، فليس في حديث رسول الله ﷺ منافاة.

стр. 878

معنى قوله: (إن الله زوى لي الأرض) قال الشارح ﵀: [ولـ مسلم إلخ. هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها المصنف. قوله: عن ثوبان هو مولى النبي ﷺ ، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين. قوله: (زوى لي الأرض) قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب، وحاصله أنه طوى له الأرض، وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، قال الطيبي: أي: جمعها حتى بصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها. قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) قال القرطبي: هذا الخبر وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة ـ بالنون والجيم ـ الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما هو وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، وذلك لم يذكر ﵇ أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه. قوله: (زوي لي منها) يحتمل أن يكون مبيناً للفاعل، وأن يكون مبنياً للمفعول. قوله: (وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) قال القرطبي: عنى به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ووجد ذلك في خلافة عمر، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، والأبيض والأحمر منصوبان على البدل].

стр. 879

عدم هلاك هذه الأمة بسنة بعامة قال الشارح ﵀: [قوله: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة) هكذا ثبت في أصل المصنف ﵀ (بعامة) بالباء، وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع على سنين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] أي: الجدب المتوالي. قوله: (من سوى أنفسهم) أي: من غيرهم من الكفار من إهلاك بعضهم بعضاً، وسبي بعضهم بعضاً كما هو مبسوط في التاريخ فيما قبل، وفي زماننا هذا نسأل الله العفو والعافية. قوله: (فيستبيح بيضتهم) قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته، وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: إن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها، وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم وإن قلوا. قال المصنف ﵀ في شرح حديث ثوبان: قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً)، والظاهر أن حتى عاطفة أو تكون لانتهاء الغاية، أي: أن أمر الأمة ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضاً، وقد سلط بعضهم على بعض كما هو الواقع، وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم. قوله: (وإن ربي قال: يا محمد! إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) قال بعضهم: أي: إذا حكمت حكماً مبرماً نافذاً فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده كما قال النبي ﷺ : (ولا راد لما قضيت)].

стр. 880

الاختلاف أساس كل شر من المعلوم أن الاختلاف هو أساس كل شر؛ ولهذا يمتنع استباحة الكفار للمسلمين حتى يقع الاختلاف بينهم، فإذا وقع فإنه يجوز أن يهلكوا عموماً، فالاختلاف محرم في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله ﷺ ، وليس المراد بالاختلاف هنا الاختلاف في الفهوم، الفهم لا يمكن أن يتفق، الاختلاف هنا اختلاف مذموم محرم مكروه عند الله جل وعلا ورسوله، والاختلاف المباح هو الذي يكون في الفهوم، في فهم النصوص مثلاً؛ لأن النصوص فيها مجال للفهم والاختلاف في مناص الحكم، فمثلاً قال الرسول ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، قد يقول بعض العلماء: هذا النهي وهذا القول يدل على أنها إذا أقيمت الصلاة بطلت كل صلاة تلبس بها المصلي، ويقول آخر: لا، ليس هذا معناه، بل معناه: أنها إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز أن يدخل في صلاة جديدة، أما إذا كان في صلاة فيكملها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، مثل هذا الاختلاف لا بأس به، وهذا الذي يكون بين الفقهاء وبين العلماء؛ لأن كل واحد يتمسك بالنص، ويقول: المراد به كذا وكذا. أما الاختلاف الذي يحدث العداوة، ويحدث التفرق، ويحدث بعد ذلك التدابر ثم التباغض ثم التقاتل؛ فهذا هو الذي إذا حدث أصيبت الأمة بتسليط الأعداء عليها؛ لأن بعضهم سلط على بعض أولاً، وإذا حدث شيء من ذلك فعلى الإنسان أن يصبر، ويحاول تلافي هذا الشيء بكل ما يستطيع، ولا يضرم النيران، ولا يزيد الاختلاف فيصبح مثلاً يغري الذين لا يكون عندهم علم، ومن كان عندهم من الغرور ما يحدوهم إلى التمادي في هذا الباطل، ولا يجوز له أن يتمادى معهم، يجب أن يتلافى الأمر بكل ممكن، ولا يكون شريكاً لهؤلاء، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] وحبل الله هو كتابه أو دينه، ما دام المؤمنون نهجهم وعقيدتهم وهدفهم واحداً فالفهوم لا يجوز أن تكون مجالاً للتنافر والتباغض، ولا يمكن أن يكون فهم هذا كفهم هذا، فإن الرسول ﷺ يقول: (مثلي ومثل ما بعثني الله جل وعلا به كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرضاً طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فرعى الناس وانتفعوا، وكان منها طائفة قيعان لا تنبت الكلأ، ولكنها أمسكت الماء، فورد الناس وارتووا وانتفعوا، ومنها أجادب لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ) فجعل الناس بالنسبة للوحي ثلاثة أقسام: قسم: أهل فقه وأهل علم يستطيع أن يستنتج من النص ما لا حصر له من الأحكام، وهذا الذي مثله بالأرض الطيبة التي تنبت الماء، وتنبت الكلأ الكثير. وقسم آخر: ليس عنده فقه، ولكن عنده حفظ يحفظ النصوص فينتفع الناس بحفظه. وقسم ثالث: لا حفظ عنده ولا فهم ولا فقه، مثل الأعراب ليس لهم اهتمام بأمر الدين، فهؤلاء مثل السباخ التي ينزل عليها المطر ويزيدها دحضاً وأذىً للناس، لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.

стр. 881

من أدب الخلاف ينبغي للإنسان أن يفهم عن الله وعن رسوله ﷺ ، أما أن يقصد بخلافه أن يظهر على الناس، وأن يشار إليه، وأن يقال: فلان عالم أو فلان مجادل أو أنه يستطيع أن يغلب فلاناً ويرد على فلان فلا، فهذه الحالة السيئة تدخل في قول الرسول ﷺ : (من طلب العلم ليماري به السفهاء، ويجاري به العلماء فله النار) نسأل الله العافية. فينبغي أن يكون القصد من الخلاف الإظهار للحق، ولا يجوز أن يكون مثاراً للبغضاء والتفرق، بل يجب على الإنسان إذا أرشد ونبه على معنى من معاني النصوص أن يشكر من نبهه وأرشده على هذا، وأن يكون هذا داعياً للتقارب والصلة والمحبة، ولا يكون داعياً للتنافر، ومن الأسف أن بعض طلبة العلم إذا نبه على شيء وقيل له: إن معنى هذا كذا وكذا، أو أنك في قولك كذا وعمل كذا قد أخطأت معنى النص، أو أخطأت كذا وكذا؛ أصبحت المسألة عداوة، وأصبح يعاديك ويبغضك؛ لأنك نبهته! فهو يريد أن يكون أعلم منك وفوقك، وكأنه يتصور في نفسه أنه هو الكامل، وليس هذا خلق طلبة العلم، هذا مسلك الجهلة الظلمة الذين يريدون العلو في الأرض. والمقصود أن دواعي الخلاف ليست هي نصوص الكتاب والسنة، بل نصوص الكتاب والسنة تدعو إلى الاتفاق، وإلى التواد والتراحم (والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، أما إذا لم يسلم المسلمون من لسانه أو من يده فإسلامه غير مستقيم، ومستقل من ذلك ومستكثر. وأما كون الإنسان يريد بيان الحق وإيصاله إلى الناس، فبيان الحق له أسلوب وله طريق قد بينه الرسول ﷺ ، وبينه الله جل وعلا في كتابه، ومعلوم أنك إذا أردت دعوة إنسان وأتيته بالعنف والازدراء والسخرية وما أشبه ذلك فإنه يزداد بعداً منك، ونفوراً عن قولك، ويحاول أن يرد كلامك عليك، فيجب أن يكون هدف الإنسان من كلامه شيئين: أحدهما: أداء الحق الواجب عليه، فإن الله جل وعلا أخذ على العلماء أن يبينوا لمن لا يعرف، وأخبر أن الذي يكتم العلم ملعون، وأن الله يلعنه، والملائكة تلعنه، والدواب تلعنه، وكل لاعن يلعنه. الثاني: رحمة الناس وطلب هدايتهم؛ لأن المسلم أخو المسلم، يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يكون له مقصد آخر فيهلك، فهذا الذي يكون له نصيب من قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، الرسول ﷺ كان يأتي إلى الكافر ويقول له: يا أبا فلان! ألا تسمع مني، هكذا يقول، يكنيه بكنيته ويقول: ألا تسمع مني؟ ما يقول له: قف أكلمك! وأنت كذا وكذا، وليس معنى ذلك أنه يوده، إن هذه هي الطريقة للسماع، ولإيصال الحق للناس، فالنفوس جبلت على أنها لا تقبل ممن ينتقصها ويزدريها، بل تزدريه وتتنقصه، وربما زاد الأمر فوق ما يتصوره هو، وهذا شيء يقع فيه كثير ممن يتصدى للدعوة والبيان؛ إما لأنه لم يصل في العلم إلى الدرجة التي يجب عليه أن يصل إليها، وإما لسوء نية وطوية عنده، وإما لغير ذلك من الآفات التي تعترض الإنسان. فعلى الإنسان أن يتقي ربه، وألا يكون سبباً في خلاف الأمة، سواء كانت الأمة التي تختلف بسببه كثيرة أو قليلة. [قوله: رواه البرقاني في صحيحه، هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: كان ثبتاً ورعاً، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفاً بالفقه، كثير التصانيف، صنف مسنداً ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة. وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه بسنده إلى أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله ـ أو قال: إن ربي ـ زوى لي الأرض، فأريت مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدواً سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها ـ أو قال: بأقطارها ـ حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق -قال ابن عيسى: ظاهرين، ثم اتفقا- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى)].

стр. 882

قضاء الله لا يرد قوله ﷺ : (إن الله جل وعلا يقول: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد)، قال بعضهم: إن هذا القضاء إذا كان قضاءً مبرماً، وهذا ليس صحيح، فالقضاء الذي يقضيه الله جل وعلا كله لا يرد، كل قضاء يقضيه ليس له راد، فلا راد لما قضى جل وعلا، وكل شيء يقع في الكون قد قضاه الله جل وعلا؛ لأن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الأشياء تعم كل شيء ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، وقد أخبر جل وعلا: أنه ما تسقط من ورقة من شجرة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب، والكتاب هذا هو الكتاب الذي كتبه جل وعلا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وليس فيه زيادة ولا نقص. وفي هذا الكتاب أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم، وأهل النار كذلك ما يزاد عليهم واحد، ولا ينقص منهم واحد، فكل شيء قد كتب وانتهى ولا يرد ذلك، ثم لا يتصور الإنسان أن معنى هذا أنه مجبر على الشيء، مقهور عليه؛ لأن هذا غيب، والله أمر الخلق بأن يعملوا ويجتهدوا ويحرصوا على الخير، فهم لا يعرفون الكتاب؛ فالإنسان لا يعرف ماذا كتب عليه، ومع ذلك لا يعمل شيئاً إلا وقد كتب، كل شيء يعمله مكتوب لا يمكن أن يخرج عن هذه الكتابة؛ لهذا يقول الرسول ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل). فأخبر ﷺ أن المؤمن القوي في إرادته وفي عمله أحب إلى الله، وأنه أكثر خيراً من المؤمن الضعيف الكسلان؛ لأن خيريته في العمل، ثم أرشد ﷺ إلى الشيء الذي ينفع فقال: (احرص على ما ينفعك)، والحرص هو بذل الوسع والاجتهاد بالطلب حتى لا يترك شيئاً، (احرص على ما ينفعك ولا تعجزن) لا تقل: إذا كان المكتوب علي كذا وكذا فلا فائدة، لأن الكتابة حصلت لكل شيء، الأسباب والمسببات كتبت، وأنت أمرت بالعمل، فعليك أن تمتثل الأمر وتجتهد، فإن بذلت السبب واجتهدت ثم لم تتحصل على النتيجة المطلوبة فهنا لا تلوم نفسك، ولا تلوم القدر وتقول: لو أني فعلت كذا وكذا، ولا فائدة في هذا، هذا فيه تحسر، وفيه ميل إلى ما يريده الشيطان، وهو التأفف والحسرة، ثم بعد ذلك يكره الواقع ويبغض ما وقع له، وإنما على الإنسان أن يعلم أن هذا شيء مقدر لا يمكن أن يرد، ولا يمكن أن يقع خلافه ولو عمل أي عمل. والمقصود: أن الكتابة السابقة لا تنافي العمل ولا تنافي الحرص، فإن كل شيء مكتوب، والله جل وعلا قد علم من هذا المخلوق أنه سيوجد، وسيكون عنده ميل إلى الباطل ومحبة له وبغض للحق، وعدم إرادة له، فكتب ذلك فوقع على وفق كتابته، ويعلم أن هذا المخلوق الآخر عنده حب للحق وكراهية للباطل، وعمل للحق وإرادة له، فكتب ذلك فوقع كما كتب ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، وقال ﵊: (كل ميسر لما خلق له) يعني: أن العمل الذي يكتسب به الخير يسهل عليه وتتيسر له أسبابه، ومن ذلك الاجتهاد، وإذا اجتهد لا يلوم الإنسان نفسه، بخلاف إذا فرط فإن اللوم عليه؛ ولهذا قال بعض السلف لما ليم بكثرة الاجتهاد: سوف لا أدخر شيئاً من اجتهادي حتى لا أندم إذا ألقيت في النار، فأقول: قد بذلت ما أستطيع، فلا أندم على نفسي، وإن كان في الجنة فلن يضيع الله عمله واجتهاده، وسوف يرفع درجة. ثم وقت الإنسان قصير، فعلى الإنسان أن يتأمل ما ذكره الله جل وعلا عن الساعة، أخبر أنها كلمح البصر أو هي أقرب، فأخبر جل وعلا عن المجرمين أنهم يقسمون ويحلفون بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة، هل نسوا؟ ما نسوا، هم يعرفون أنهم لبثوا في الدنيا كذا وكذا، ولكن هي كأنها ساعة فقط أو أقل من الساعة كلمح البصر، فلا يجوز أن يذهب هذا الوقت القصير الذي سوف ينسى في اكتساب السيئات والقرب إلى النار، يجب أن يجتهد الإنسان، ويكتسب بهذه السويعات القليلة رضا الله والسعادة الأبدية، ويحرص على ما ينفعه، ولا يعجز كما قال الرسول ﷺ ، وهذا الحديث كما يقول ابن القيم: يجب أن يتعلمه كل مسلم وأن يعمل به، فإن كل واحد مضطر إليه ضرورة، (احرص على ما ينفعك ولا تعجزن)، وكل نقص يأتي في الإنسان فهو من عدم العمل بهذا الحديث.

стр. 883

حديث: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين) قال الشارح ﵀: [قوله: وروى أبو داود أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين عاما قلت: أمما بقى أو مما مضى؟ قال: مما مضى)]. معنى: (تدور رحى الإسلام) أي: دوران الرحى على أهل الإسلام، والرحى إذا دارت تطحن، وطحنها هنا يكون البشر، وهذا من الإخبارات التي أخبر بها الرسول ﷺ قبل وقوعها ووقعت كما أخبر، فدارت الرحى في آخر أيام الصحابة، فقتل فيها خلق كثير جداً، وهذا عبارة عن الحروب التي وقعت بين أهل الشام وأهل العراق، أهل الشام مع معاوية، وأهل العراق مع علي بن أبي طالب، وما كان قبلها في قتال الجمل وغيرها، فقد اشتغلوا بالقتال بينهم، وتركوا قتال الكفار حتى طمع الكفار في بلادهم، وأخذوا أطراف البلاد بسبب ذلك. وقوله: (إن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم الأمر فسبعين سنة) المقصود بقيام الأمر: الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ ، وهذا مثل ما جاء في الحديث الصحيح: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، ويظهر فيهم النفاق والسمن) فالقرون التي مضت كانت في عافية وفي خير، فصارت الفتن في المتأخرين. وفي الصحيح من حديث أنس أنه قال: (لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ وهذا عام، ولكن ليس معنى ذلك أن الشر يكون في كل فرد، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود النسبة، فإن الشر في المتأخرين نسبته أكثر من نسبته في المتقدمين، حتى يأتي الزمان الذي قبيل قيام الساعة، ولا يعرف أحد الله، ولا يذكر اسمه جل وعلا، ويتهارجون كتهارج الحمر، فهم شرار خلق الله، وعليهم تقوم الساعة. والساعة عبارة عن نفخ الصور، هذه هي الساعة، ونفخ الصور هو نفختان، النفخة الأولى لهلاك من كان حياً، وذهاب كل شيء حتى الجبال تصبح كالعهن المنفوش، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] وتتفطر الأرض وتتصدع، والسماء كذلك، وتسقط النجوم كالمطر، مطر ولكن من نجوم! أهوال هائلة جداً ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، ثم بعد ذلك ينفخ في الصور نفخة أخرى، فيحيا كل ميت، ويجمعون في هذه الأرض التي بدلت، ومدت مد الأديم حتى تتسع لهم، والملائكة يحيطون بهم، فيبقون قياماً وقتاً طويلاًَ جداً لا يتصوره الإنسان، ولا يعقل أن الإنسان يستطيع أن يبقى كذا، ولكن لا يوجد موت، والبعث بعد النفخ في الصور النفخة الثانية، وتستقر كل روح في جسدها بعدما ينبت في قبره، وهذا الاستقرار ما يقبل المفارقة، استقرار للروح واتصال بالبدن اتصالاً ما يقبل المفارقة أصلاً، ما فيه موت أبداً، وإنما عذاب أبدي دائم أو نعيم سرمدي ما دامت السموات والأرض. ولهذا يقول الله جل وعلا في أهل العذاب: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يعني: تأتيه أسباب الموت لو قدر أنه يموت لكن لا يوجد موت، يلقى في جهنم ويصبح وقوداً لها ولا يموت، وإنما يحترق جلده ولحمه ثم يعاد، يحترق ثم يعاد، وهكذا وإذا استغاث من الظمأ يغاث بماء يشوي الوجه، إذا قربه من وجهه ليشربه سقطت فروة وجهه فيه من شدة حراراته، وإذا شربه صار يغلي في بطنه كغلي الحميم، عذاب لا يتصوره الإنسان! لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من هذا العذاب. هذا الذي ينتظر الإنسان، ولكن هل يعقل الإنسان ذلك ويتصوره؟ لو تصوره كما ينبغي ما يمكن أن يهنأ له عيش أو نوم أو راحة أبداً، سيكون كما يقول بعض السلف: كيف يهنأ لي نوم والله توعدني بالنار إذا عصيته؟! والله! لو توعدني أن يسجنني في حمام لحق لي أن أبكي وألا أستقر، فكيف وقد توعد أن يسجن العصاة في جهنم؟! ولكن الإنسان ظلوم مع جهله، وهذه حكمة الله جل وعلا.

стр. 884

حديث: (يتقارب الزمان) قال الشارح: [(وروى في سننه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله! أيه هو؟ قال: القتل القتل)]. يعني: في الهرج بأنه القتل، يكثر الهرج، أي: القتل يزداد، وكلما تأخرت الأزمان ازداد ولكنه يكون في جهة، ويكون في جهات متعددة، ويخف مرة هنا، ويكثر هنا، كما هو الواقع، ولا تخلو الأرض من قتال دائماً، وبعض القتال قد يكون في حق، وبعضه يكون بين أهل الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، ولكن لا بد أن يكثر، والمصيبة أنه في آخر الزمان يقتل الإنسان الآخر وهو لا يدري في أي شيء قتل، ويأتي الإنسان إلى القبر ويتمرغ فيه ويقول: ليتني مكان صاحبه، ليس به الدين، يعني: ليس ذلك من الدين، بل من كثرة الفتن التي يراها ويشاهدها، فيختار أن يموت ولا يكون حياً. قال الشارح: [قوله: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أي: الأمراء والعلماء والعباد، فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] وكان بعض هؤلاء يقول لأصحابه: من كان له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب ونحو هذا]. هذا ذكره الشعراني في طبقاته عن أحد ساداته، يعني: شيوخه، يقول: إنه لما حضره الموت -وهذه مصيبة في الواقع- قال لأصحابه: يا أصحابي! إذا كان لأحدكم حاجة فليأت إلى قبري، وليستغث بي، ويطلب مني الحاجة فإنه لا خير في إنسان يحول بينه وبين أصحابه وقضاء حوائجهم ذراع من تراب. وهذا شبه الجنون، ليس جهلاً فقط، وذكر عن آخر ويسميه سيداً، وهو من الصوفية الهالكين الذين يدعون إلى عبادة غير الله، وعندهم سخافة العقل، بل عندهم الجنون الذين يخرجون به عن حد التكليف، يذكر عنه أنه قال: إذا كان يوم القيامة أنصب على جهنم خيمتي، فلا أدع إنسان يدخلها من العارفين بي والمحبين! كيف يكتب هذا في الكتب وينشر على الناس؟ كيف يطبع في المطابع مثل هذه السخافات؟ ومع ذلك يزعم أن هذه كرامة، سخافة إلى النهاية، جهل الجاهلية الأولى ما وصل إلى هذا الحد، جهل أبي جهل ما وصل إلى هذا الحد ولا قريب منه، ومع ذلك يزعمون أن هؤلاء أولياء، وصدقوا فإنهم أولياء ولكن لمن؟ للشيطان، أولياء للشيطان، فإنهم أصبحوا دعاة الشيطان، يدعون إليه، ويضلون كثيراً من خلق الله جل وعلا. قال الشارح: [وهذا هو الضلال البعيد، يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه من دون الله، ويسألوه ما لا يقدر عليه من قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتها وقد قال تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٢ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، وأمثال هذا في القرآن كثير، يبين الله تعالى به الهدى من الضلال. ومن هذا الضرب: من يدعي أنه يصل مع الله إلى حال تسقط فيها عنه التكاليف، ويدعي أن الأولياء يدعون ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، وأنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم، ويجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وإيقادها بالسرج ونحو ذلك من الغلو والإفراط والعبادة لغير الله، فما أكثر هذا الهذيان والكفر والمحادة لله ولكتابه ولرسوله]. ولكن مع الأسف هو هذيان وكفر ومحادة لله ورسوله، ولكن صار له نتائج، فأصبح ما تجده في غالب بلاد المسلمين من هذه المساجد المبنية على القبور، وهذه القبور تقصد للتبرك، وسؤال أصحابها، ودعائهم، والنذر لهم، وهذا جهل فضيع، وهذيان، وكفر، ومحادة لله، والسبب في هذا -ما ذكر في هذا الحديث- الأئمة المضلون، والذين أضلوهم أشباه العلماء، يقال: إنهم علماء، وربما يكون معهم شهادات، ويفتي بعضهم بالمذاهب الأربعة، إذا جاءته مسألة من مسائل الفقه تجده يقول: مذهب الشافعي كذا، ومذهب مالك كذا، ومذهب أبي حنيفة كذا، ومذهب الإمام أحمد كذا، وهو مع ذلك يدعو إلى عبادة القبور! جهل حق الله، وعرف أشياء دقيقة. وتجده أيضاً يؤلف الكتب، ويذكر الدقائق، ويفسر القرآن ويشرح الحديث في مجلدات، وهو لا يعرف الإخلاص ما هو، ولا يعرف العبادة ما هي، ولا يعرف معنى لا إله إلا الله، فصار من الأئمة المضلين بهذا الفعل، وأكثر ما وقع الضلال بسبب ذلك، أما الملوك والأمراء فإنهم غالباً يكونون تبع للعلماء، لا يستطيعون أن يرغموا الناس على شيء إلا إذا وافقهم العلماء على ذلك واتفقوا معه، والنادر لا حكم له، ولكن هذا هو الغالب، فالأمر يرجع إلى العلماء، فالأئمة المضلون يتبعهم المنفذون الذين ينفذون الأمر، ويكون ذلك عن رأيهم وعن اجتماعهم وعن مشورتهم. والعباد أثرهم في هذا أنه يقتدى بهم، يرى الناس أنهم صلحاء، وأنهم زهاد، وأنهم أتقياء، وأنهم أولياء، فيغترون بهم من هذه الناحية، فيقتدى بهم، فيكونون فتنة لكل مفتون، فكل هؤلاء أسباب لما ذكر الرسول ﷺ أنه يخافه على أمته (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)، فهؤلاء هم الذين يضلون. إذاً: الأئمة منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ويقولون بالحق، وأئمة يقولون بالضلال، ويهدون إليه، وهم من دعاة النار، فالإمام اسم لكل من يقتدى به في شيء، سواء كان في حق أو باطل؛ ولهذا أخبر الله جل وعلا أن فرعون ومن معه أئمة الضلال يهدون إلى النار، الرجل قد يكون إماماً بنفسه كما قال الله جل وعلا عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل:١٢٠] يعني: إماماً يهتدى به في الحق، ويتبع في ذلك.

стр. 885

حديث: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) قال الشارح: [وقوله ﷺ : (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أتى بإنما التي قد تأتي للحصر بياناً لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال، وما وقع في خلد النبي ﷺ من ذلك إلا لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع نظير ما في الحديث قبله من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) الحديث وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) رواه أبو داود الطيالسي، وعن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) رواه الدارمي. وقد بين الله تعالى في كتابه صراطه المستقيم الذي هو سبيل المؤمنين، فكل من أحدث حدثاً ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فهو ملعون، وحدثه مردود كما قال ﷺ : (من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) وقال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وهذه أحاديث صحيحة، ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث ونحوها]. مدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث؛ لأن الدين مداره على أن يكون الدين كله لله وحده، وأن يكون الدين بما جاء به الرسول ﷺ ، فالدين كله ينحصر في هذا، أن يكون خالصاً لله، وأن يكون الدين بما جاء به الرسول ﷺ ، فالبدعة والمحدثات ليست من الدين، وإنما فيها تغيير الدين وتبديله؛ ولهذا لعن من فعل ذلك ومن وقع منه ذلك. قال الشارح: [وقد بين الله تعالى هذا الأصل في مواضع من كتابه العزيز كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] ونظائرها في القرآن كثير. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمي. وقال يزيد بن عمير: كان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلساً للذكر إلا ويقول: الله حكم قسط: هلك المرتابون، وفيه: فاحذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قلت لـ معاذ: وما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة والمنافق قد يقول كلمة الحق؟ فقال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي تقول: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه]. التي تقال: ما هذه؟ أو تقول: ما هذه؟ يعني: أنك تستنكرها. [التي تقول: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً. رواه أبو داود وغيره. قوله: (وإذا وقع السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) وكذلك وقع فإن السيف لما وقع بقتل عثمان ﵁ لم يرفع، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن قد يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى. قوله: (ولا تقوم بالساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) الحي واحد الأحياء وهي القبائل، وفي رواية أبي داود: (حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين) والمعنى: أنهم يكونون معهم ويرتدون برغبتهم عن أهل الإسلام، ويلحقون بأهل الشرك]. هذا هو الشاهد من الحديث؛ لأن المقصود الرد على الذين يقولون: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ومن قال: لا إله إلا الله فهو مسلم داخل في شفاعة الرسول ﷺ ، وناجٍ من النار، وإن وقع منه ما وقع، فأراد أن يبين أن هذا ضلال، وأنه ليس المقصود من قول (لا إله إلا الله) التلفظ بها، وإنما المقصود اعتقاد معناها والعمل بها، وإلا إذا كان الإنسان يتلفظ بها وهو لا يعرف معناها، بل ويأتي بما يخالف ما دلت عليه، فيكون قوله لها مثل الذي يقولها وهو سكران، أو وهو نائم يهذي، والهذيان لا فائدة فيه. [وقوله: (حتى تعبد فئام من أمتى الأوثان) الفئام بكسر الفاء مهموز: الجماعات الكبيرة قاله أبو السعادات]. وهذا إخبار بأن جماعة من قبائل الأمة ترتد عن الإسلام، وترغب في دين الكفار، وجماعة أخرى تعبد الأوثان، فكله خلاف ما دعا إليه الرسول ﷺ ، وقد أخبر به خلافاً لما يدعيه هؤلاء الضلال. [وفي رواية أبي داود: (حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان)، وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الجاحدين لما يقع منهم من الشرك بالله بعبادتهم الأوثان؛ وذلك لجهلهم بحقيقة التوحيد وما يناقضه من الشرك والتنديد، فالتوحيد هو أعظم مطلوب، والشرك هو أعظم الذنوب. وفي معنى هذا الحديث، ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية، وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتاً مبنياً مغلقاً]. ذو الخلصة عبارة عن صخرات كانت في جبل يأتون إليه، ويتعبدون عنده مثل اللات تماماً، فهدم زمن النبي ﷺ وأزيل، وأخبر أنه سوف يبعث من جديد، وتطوف عليه النساء وقد وقع ذلك من أزمنة قريبة، ثم أزيل، ويجوز أن يعود مرة أخرى، وكل هذا خلاف ما يقوله هؤلاء.

стр. 886

عدم جواز إبقاء مواضع الشرك قال الشارح: [قال العلامة ابن القيم ﵀ في قصة هدم اللات لما أسلمت ثقيف: فيه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، والتي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم شركاً عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس؛ لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. انتهى ملخصاً. قال: قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وقبله فما بعده أعظم فساداً كما هو الواقع]. ذكر بعض المؤرخين من اليمن في القرن الثاني عشر عن اثنين من أهل اليمن أنهما جاءا إلى مكة لطلب العلم، وكان أحدهما أفقه من الآخر، فلما أقبلا على الطائف قال أحدهما لزميله: أهل الطائف لا يعرفون الله، وإنما يعرفون ابن عباس، فقال له زميله: معرفتهم بـ ابن عباس تكفي عن معرفة الله، فـ ابن عباس يعرفهم بالله جل وعلا، ثم ذكر هذا المؤرخ أن القبة التي كانت على قبر ابن عباس هي موضع اللات، ويقول: إنها أعيدت كما كانت في الجاهلية، ثم بعد ذلك أزيلت والحمد لله. [وقوله: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي) قال القرطبي: وقد جاء عددهم معيناً في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : (يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون منهم أربع نسوة) أخرجه أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب. انتهى وحديث ثوبان أصح من هذا]. حديث ثوبان فيه أنهم ثلاثون، وليس فيه أنهم سبع وعشرون، وفيهم أربع نسوة. [قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك، وعرف، واتبعه جماعة على ضلاله؛ فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا]. لكن هم كثير في الواقع، ولكن ليس المقصود كل من ادعى النبوة؛ لأن بعض من ادعى النبوة قد يكون عن مرض، وقد يكون عن سخافة عقل، وإنما المقصود الذي يدعي النبوة، ويكون له شبه، ويكون له أتباع، ويكون له قوة، هؤلاء هم الذين قصدوا بالحديث.

стр. 887

من دلائل النبوة قال الشارح: [وقال الحافظ: وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وفي خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي ﷺ ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر ﵁، قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار، وتاب طليحة، ومات على الإسلام في زمن عمر ﵁. ونقل أن سجاح تابت أيضاً، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم فقتل كثيراً ممن باشر ذلك وأعان عليه، فأحبه الناس، ثم ادعى النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه، ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقاً، فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم تنشأ دعوته عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدى له شبهة كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك وبقي منهم من يلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر. قوله: (وأنا خاتم النبيين) قال الحسن: الخاتم الذي ختم به يعني أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وإنما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان حاكماً بشريعة محمد ﷺ ، مصلياً إلى قبلته، فهو كواحد من أمته، بل هو أفضل هذه الأمة، قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لينزلن فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية)]. معنى يضع الجزية يعني: أنه لا يقبلها، لا يقبل من الناس إلا الإسلام أو القتل، هذا معنى يضع الجزية، وليس هذا تشريع جديد؛ لأن الرسول ﷺ أخبر به فدل على أنه شرع، فعيسى ﵇ ينزل ويحكم بهذه الشريعة، ويكون من هذه الأمة، فهو أفضلها لأنه نبي، بل هو من أولو العزم من الرسل.

стр. 888

الطائفة المنصورة قال الشارح: [قوله: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم]. أهل الحديث ليس هم الذين ينقلون الحديث ويحفظونه فقط، بل هم الذين يعملون به، ويفقهونه ويتبعون رسول الله ﷺ ، ولو لم يحفظوا، فكل من عمل به واتبعه وسار على نهج الرسول ﷺ فهو من أهل الحديث، يعني من أهل السنة. [قال ابن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم: إنهم أهل الحديث، وعن ابن المديني رواية: هم العرب، واستدل برواية من روى: هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة؛ لأن العرب هم الذين يستقون بها. قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض من بعضهم أولاً بأول إلى ألا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله. انتهى ملخصاً مع زيادة فيه قاله الحافظ. قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة؛ لأن الأمة إذا اجتمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة. قال المصنف ﵀: وفيه الآية العظيمة: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وفيه البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية. قلت: واحتج به الإمام أحمد على أن الاجتهاد لا ينقطع ما دامت هذه الطائفة موجودة. قوله: (حتى يأتي أمر الله) الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس، كما روى الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر لـ عبد الله: اعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك، قال عبد الله: ويبعث الله ريحاً ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة)، وفي صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)]. المقصود في قوله: حتى لا يقال في الأرض: الله الله. يعني: أنه لا يذكر الله ولا يعبد، بل يصبحون لا يعرفون الله، وليس معنى ذلك أن هذه الكلمة مشروعة، أي: الذكر بالاسم المفرد؛ لأن هذا من الباطل ومن البدع، فيجب أن يعرف مراد الرسول ﷺ . قال الشارح: [وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه: (حتى تأتيهم الساعة) ساعتهم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح ذكره الحافظ. وقد اختلف في محل هذه الطائفة فقال ابن بطال: إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة (قيل: يا رسول الله! أين هم؟ قال: في بيت المقدس)، وقال معاذ بن جبل ﵁: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة. قلت: ويشهد له الواقع، وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس، فإنهم من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ وأصحابه في القرن السابع وأول الثامن، فإنهم كانوا في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة، والله على كل شيء قدير]. قوله: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) هذا لا يدل على أن اللفظ المفرد يشرع الذكر به؛ لأنه ليس هذا المقصود، وإنما المقصود أنه لا يكون في الأرض من يعرف الله، إنما يبقى أناس يتهارجون تهارج الحمر، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، أما الذكر بالاسم المفرد مثل الله سواء كان مظهراً أم مضمراً، مظهراً مثل: الله، الرحمن أو مضمراً مثل هو وما أشبه ذلك، فهذا غير مشروع. إذاً: الذكر يجب أن يكون بجملة مفيدة، وهذا غير مفيد، والواجب التقيد بما جاء به الشرع مما جاء عن رسول الله ﷺ ، فلا يجوز للإنسان أن يخترع شيئاً من عنده سواء وجد عليه طائفة من الناس أو لم يجد عليه. وقوله: الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، هذا جمع بين الأدلة؛ لأن في الحديث أنهم لا يزالون على ذلك حتى تقوم الساعة، وفي الحديث الآخر حتى تهب الريح التي تأتي من قبل اليمن، وتأخذ كل من كان في قلبه إيمان، ويبقى الناس الذين لا إيمان فيهم، فتكون الساعة ساعتهم يعني موتهم الذي قضى الله جل وعلا أنهم يموتون بسبب هذه الريح، فتكون الأدلة مجتمعة بذلك. وأما مكان هذه الطائفة فكما قال الإمام النووي ﵀: يجوز أن تكون في مكان دون آخر، ويجوز أن يكونون متفرقين في أماكن متعددة، ولا يجب أن يكونوا على طريقة واحدة يعني: عمل واحد، ويجوز أن يكون منهم العلماء ومنهم المجاهدون، ومنهم الدعاة إلى الله، ومنهم الصالحون العباد وغير ذلك، ثم إن كلمة (طائفة) لا يلزم أن يكونوا بكثرة، حيث يكون لهم قوة واستقلال، ما يلزم هذا؛ لأن الطائفة قد تطلق على الواحد، وقد تطلق على الثلاثة، وقد تطلق على الكثرة، فيجوز أنهم يكثرون في وقت، ويقلون في وقت آخر، ويجوز أن يكونوا متنقلين في وقت دون آخر. أما الآثار التي جاءت إنهم في الشام أو في بيت المقدس فهذا يكون في وقت دون آخر، ولا يلزم أن يكون ذلك دائماً، وبهذا تجتمع النصوص ويصبح ليس بينها خلاف، وهذا الذي اختاره المحققون وهو الظاهر. [ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة، وتوافر العلماء في ذلك الزمان، وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر، وفي العراق، وفي اليمن، وكلهم على الحق يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلاماً لأهل السنة، وحجةً على كل مبتدع]. هذا إذا قصد بالطائفة أنها طائفة منصورة يعني: ظاهرة، فالنصر قد يكون بالحجة والبيان، وقد يكون بالقوة، يعني: السيف والسنان، فأهل البيان والحجة هم العلماء، وأما أهل السيف والسنان فهم الأمراء والولاة، وإذا اجتمع هؤلاء وهؤلاء على الحق يأتي النصر بإذن الله، وينصرهم الله نصراً متكاملاً، وإلا ستبقى منصورة وقائمة بنوع من الأنواع، ولو أن الإنسان مثلاً قام على الحق وثبت عليه فإنه منصور في نفسه وإن قتل عليه؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. ومن المعلوم أن الله جل وعلا وعده حق، لا يخلف وعده تعالى وتقدس، وإذا أخبر بذلك فلابد منه، وقد علم أن بعض الأنبياء قتل، فهل يكون هذا المقتول مخذولاً؟ كلا، بل هو منصور؛ لأنه تمسك بالحق ومات عليه، فكل من كان متمسكاً بالحق ومات عليه فهو منصور. ولا يلزم من النصر -كما يتصور بعض الناس- أن يكون له قوة تقهر الآخرين، لا، هذا ليس لازماً. قال الشارح: [فعلى هذا: فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تتفرق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ: لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها. وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فإن كل ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث وقع كما أخبر ﵌. وقوله: ﵎ قال ابن القيم ﵀: البركة نوعان: أحدهما: بركة هي فعله، والفعل منها: بارك، ويتعدَّى بنفسه تارةً، وبأداة (على) تارة، وبأداة (في) تارةً، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل منها كذلك، فكان مباركاً بجعله تعالى. والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها: تبارك؛ ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ، فهو سبحانه المبارِك، وعبده ورسوله هو المبارك، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١]. فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك]. هذا ليس خاصاً بهذه الصفة، فمعظم الصفات هكذا يأتي منها فعل يكون فعله، والفعل قد يكون لازماً، وقد يكون متعدياً، فإن أفعال الله قد تكون لازمة مثل النزول والاستواء والمجيء، فهذه لازمة، وقد تكون متعدية مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فالفعل فعله في الإماتة مثلاً أو الحياة. وأما المحيي: فهو مفعول له في هذا الفعل، وهكذا البركة، إذا بارك الله جل وعلا شيئاً ففعله يضاف إليه، والذي وقعت عليه البركة مفعول له. أما الصفة التي هي قائمة بالذات فهذه لا تنفك عن الله جل وعلا، ولهذا لا يجوز أن يقال لغيره: تبارك؛ لأن هذا خاص به تعالى وتقدس، فلا يقال: تبارك بكذا كما يقول بعض الناس: تباركوا بكذا ونتبارك بكذا هذا خطأ؛ لأن (تبارك) بهذه الصيغة وبهذا اللفظ لم يأت إلا لله جل وعلا، وإنما يأتي المبارك مباركاً، والبركة التي تقع على المخلوق هي من فعله جل وعلا؛ لأنه ليس هناك شيء يبارك من المخلوقات، وإنما المبارك هو

стр. 889

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٢] زعم بعض القبوريين أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وقد رد عليهم أهل العلم بالأدلة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والواقع أكبر شاهد على ذلك، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

стр. 890

مسائل باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان قال المصنف رحمة الله عليه: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء].

стр. 891

تفسير آية النساء سبق تفسيرها، وهذا واضح لا إشكال فيه.

стр. 892

تفسير آية المائدة [الثانية: تفسير آية المائدة]. كذلك آية المائدة يعني: قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠] وتفسيرها واضح أيضاً وقد سبق.

стр. 893

تفسير آية الكهف [الثالثة: تفسير آية الكهف]. وآية الكهف هي قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وتقدم أن هذا لا يدل على المشروعية؛ لأنه خبر يراد به ذمهم.

стр. 894

حقيقة معنى الإيمان بالجبت والطاغوت [المسألة الرابعة وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟ وهل هو اعتقاد قلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟]. يقصد أنه هو الأخير؛ لأن الدليل على هذا أن أهل الكتاب كـ حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف يعرفون أن الشرك من أعظم الذنوب، ويعيبون على المشركين؛ لأنهم أهل علم وكتاب، ولكن حملهم الحسد وبغض الرسول ﷺ على أن يوافقوا المشركين في الظاهر فقط، لما قالوا لهم: أينا خير وأفضل أنحن أم محمد؟ قالوا لهم: ما هي الأوصاف التي تتصفون بها أنتم وهو؟ قالوا: نحن ننحر الإبل، ونفك العاني، ونسقي اللبن على الماء، ونقوم بخدمة الحجيج، ومحمد قطع أرحامنا، وجاء بما لا نعرف، فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلاً. وكل من يعلم أخبار الناس وعلم التاريخ وما هم عليه يعرف يقيناً أن كلامهم هذا كذب وباطل، وأنهم لا يعتقدونه، وأنهم قالوا ذلك مجرد موافقة، وحملهم على ذلك بغض الرسول ﷺ وحسدهم له فقط؛ ولهذا آمنوا بالجبت والطاغوت، وهل هو مجرد الموافقة أو إيمان قلوبهم؟ قد عرف أنه ليس إيمان قلوبهم وإنما هو مجرد موافقتهم على ذلك، بغضاً للحق وكراهيةً له. فإذا وجد هذا من إنسان يوافق أهل الباطل لأنه يبغض الحق ويكره أصحابه فإنه يكون له هذا الحكم.

стр. 895

قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين [الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلاً من المؤمنين]. المسألة التي قالها اليهود من الأشياء التي كفرهم الله جل وعلا بها، ومعلوم أنه يكفي في كفر هؤلاء أنهم ردوا ما جاء به الرسول حسداً، ولم يتابعوه مع أنهم يعلمون أنه رسول الله، فقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف يردونه مع هذه المعرفة؟ بل قال عبد الله بن سلام: (والله إننا لنعرفه أكثر من معرفتنا لأبنائنا؛ لأن أحدنا يخرج من بيته فلا يدري ماذا صنعت زوجته، أما هو فعندنا العلم اليقيني أنه رسول الله) يعني: أكثر من معرفتهم لأبنائهم، ومع هذا كله الذين آمنوا به من هؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، والبقية كلهم كفروا به صلوات الله وسلامه عليه؛ حسداً وبغضاً للحق، لماذا؟ لأنه فقط ليس منهم؛ ولأنه من ولد إسماعيل، لماذا لم يكن من ولد يعقوب؟ كأنهم يريدون أن يحجروا فضل الله ولا يتعدى إلى غيرهم، وهكذا الحسد يعمل عمله في الإنسان حتى يحمله أن يختار الكفر على الإيمان، نقول: هذا وحده كاف في كفرهم، كيف إذا انضاف إلى ذلك تفضيل الشرك وأهله على التوحيد وأهله؟

стр. 896

تفضيل بعض الظالمين الكفر على الإيمان [السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لابد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد]. يعني: أن تفضيل الكفار ودينهم على المسلمين ودينهم سيوجد في هذه الأمة، وليس معنى ذلك: أنه في هذه الأمة هم هم، هذا يوجد في طوائفنا، والدليل على هذا قوله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، فقالوا: اليهود والنصارى -يعني: أتقصد اليهود والنصارى-؟ قال: نعم)، وفي رواية: (فمن؟) وفي رواية: (فمن الناس إلا أولئك) يعني: هم المقصود، فلابد أن يقع ما أخبر به الرسول ﷺ ، وهذا كما سبق لا يدل على جواز ذلك، ولا يدل على إقراره، وإنما هذا خبر يراد به التحذير من الوقوع في ذلك، وأخبر بذلك الرسول ﷺ ؛ لأنه حكم قدري حكم الله جل وعلا به وقدره، فلابد من وقوعه، فيحذر أمته أن تفعل ذلك وتقع فيه، هذا هو المقصود.

стр. 897

التصريح بوقوع عبادة الأوثان في هذه الأمة [السابعة: التصريح بوقوعها، أعني: عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة]. كما جاء نصه في حديث ثوبان: (حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد قبائل من أمتي الأوثان) هذا نص صريح، وهذا فيه الرد على من يعبدون الأولياء والقبور وغيرها ويقولون: نحن نقول: لا إله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله فهو في الجنة، يأتون بمتناقضات، يقولون: لا إله إلا الله وهم لا يعرفون معناها، ولا يعملون بما دلت عليه، فوقعوا في التناقض، ويستدلون بأشياء مجرد شبه، فيتمسكون بها ويقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، ويغفلون عن المعنى، فمعنى لا إله إلا الله: أن يكون القائل لها معبوده الله وحده، يعني: لا يتوجه بالعبادة والتعلق والرجاء والخوف إلا إلى الله جل وعلا وحده. وكذلك يقولون: إنه جاء في الحديث: (إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب) وسبق أن معنى هذا: أن الشيطان أيس أن يعود أهل الجزيرة كما كانوا في الجاهلية، ولكن هذا لا ينافي أنه يقع منهم شرك كما صح في الأحاديث الصحيحة: (إنها لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) وذو الخلصة صنم في الجزيرة في بلاد دوس، يعني: تطوف النساء عابدةً لها، فهذا لا يخالف ما ذكر، فيجب على الإنسان أن يعلم أن الرسول ﷺ إذا قال قولاً فإنه لا يخالف قولاً له آخر قد يتصور الذي ليس عنده علم أنه خلاف هذا، فأقواله كلها تتفق صلوات الله وسلامه عليه، كلها يصدق بعضها البعض وهذا الواجب، كذلك قول الله جل وعلا، ولكن قد يخفى المعنى على بعض الناس، فإذا خفى المعنى يجب أن يسأل من يعلم، وألا يتهم كلام رسول الله ﷺ بأنه متناقض، أو يأخذ ما يوافق هواه، أو يوافق الوضع الذي هو عليه، فإنه ليس هذا شأن المؤمن، شأن المؤمن أن يبحث عن مراد الرسول ﷺ فيعمل به، ومراد الله جل وعلا فيعمل به، فيعلم أن الدين لله وحده، فهو لا يأمر بعبادة أحد من الخلق؛ لأن هذا الأصل الذي جاءت به الرسل كلها، فإذا قال قائل: إن هذا يجوز؛ دل على أنه إما جاهل وإما متبع لهواه ومذهبه.

стр. 898

خروج من يدعي النبوة مع تكلمه بالشهادتين [الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه: أن محمداً خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة فتبعه فئام كثيرة]. هذا ليس عجيباً في قدرة الله، وهذا المخلوق فيه من العجائب الشيء الذي إذا نظر الإنسان فيه عرف أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، واستدل بذلك على قدرته الظاهرة، وأنه يأتي بالمتناقضات والأمور التي تظهر لمن له بصر أنها آيات لله جل وعلا، هذا شيء. الشيء الثاني: أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، فلا يمتنع أن يكون الإنسان عالماً بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يزيغ قلبه ويعبد غير الله، أو يترك دين الله نهائياً ويعبد الدنيا، أو يعبد معنى من المعاني. والمختار بن أبي عبيد أراد الرئاسة، وصارت الرئاسة هي مقصده ومعبوده، وزين له الشيطان أن أقرب شيء إلى التمسك به؛ أن يزعم أنه يأتيه الوحي، وأن جبريل يأتيه، ولما أسمع أحد الصحابة أنه يزعم أن جبريل يأتيه أو أن الوحي يأتيه قال: صدق، يأتيه الوحي ولكن وحي الشيطان؛ ولهذا كان يأتي بأشياء قد تلتبس على بعض من لا يميز، فكل مدع دعوى لابد له من شبهة ولو حيلة من الحيل التي يستعملها أمام من تنطلي عليه حيل البشر، وهذا كثير وكثير، وكون الإنسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله لابد أن يكون مؤمناً بكتاب الله، ومؤمناً بأخبار الرسول ﷺ ، وإلا لا يفيده، وكتاب الله يبين أنه ﷺ خاتم النبيين، ومعنى الخاتم: أنه ختم الأنبياء به، وليس بعده نبي، فهذه الشهادة لابد منها، وكذلك إخباره أنه آخر الأنبياء ولا نبي بعده، وأن على أمته تقوم الساعة، وأن أمته آخر الأمم، هذا أمر ضروري، فكل مسلم لابد أن يعتقد هذا، فكيف يأتي إنسان مؤمن يقول: لا إله إلا الله ويزعم أنه أوحي إليه؟! هذا تناقض، وكيف يصدق المتناقض في الأصل العظيم؟ ولكن للعبرة والاعتبار، فالإنسان عليه أن يسأل ربه الثبات دائماً، ولا يثق بعلمه وقوته وقدرته على كل شيء، والقلب أمره سهل، فقد ينقلب القلب، فبدل ما كان مستقيماً صار منتكساً، ولهذا في الدعاء المشروع: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه). أما إذا كان الحق والباطل ملتبساً على الإنسان فإنه لابد أن يضل، فالأمر بيد الله. على الإنسان أن يلهج بذلك دائماً، ويسأل الله جل وعلا أن يريه الحق ويثبته عليه، وإلا لا يستطيع أن يعرف الحق بقوته، ويسير عليه بقوته إن لم يثبته الله جل وعلا، ويمن عليه بالثبات، هذا هو الأصل في ذلك، وإذا خذل الإنسان وإن كان عالماً ضل، وكم من عالم وصل إلى مستوىً رفيع في العلم انحرف وأصبح ملحداً وزنديقاً يكفر بالله جل وعلا بعد العلم، وبعد العبادة، وبعد مضي الوقت في الجد والاجتهاد! خذل في آخر الأمر! وبالعكس قد يكون الإنسان ملحداً كافراً ثم يمن الله جل وعلا عليه ويهديه في آخر حياته، ويعرف ويبصر بعد العمى.

стр. 899

البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية [التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة]. الحق في هذه الأمة -والحمد لله- سيبقى إلى قيام الساعة، فلا يزول مثل ما زالت الأديان الأخرى كالنصرانية واليهودية، ولما بعث الرسول ﷺ ما كان على وجه الأرض رجل أو جماعة على ما جاءت به الأنبياء إلا ربما واحد أو اثنان في بلاد مختلفة أو ثلاثة أفراد، ولهذا جاء في مسند أبي يعلى وغيره: أن الرسول ﷺ التقى بـ زيد بن عمرو بن نفيل فقال: ما لقومك قلوك وآذوك؟ قال: والله ما نقصتهم بمال، ولا خالفتهم في أمر إلا أني أعيب عليهم دينهم؛ لأنه صار يعبد الله، ولكن بأي شيء يبحث عن الدين؟ وذكر أنه ذهب إلى المدينة وسأل اليهود عن ملة إبراهيم؟ فقالوا: هنا لا يوجد، وربما تجده في الشام، فذهب إلى الشام وسأل: هل يوجد؟ فدل على رجل في الجزيرة يعني: في العراق، فذهب إلى العراق، وكل هذا التعب والجهد ليبحث عن دين لله يتمسك به؛ لأنه رأى أن الشرك ليس شيئاً، وإنما هو بلاء، فلما جاء إلى هذا الرجل قال: الدين الذي تبحث عنه وراءك في بلدك، سيأتي يوم يدين بلدك كله بهذا الدين الذي تقول، يقول: هأنا أنتظر ما رأيت أحداً، وهذا الخطاب يقوله للرسول ﷺ ؛ لأن هذا قبل البعثة، ثم بعد ذلك مات قبل أن يبعث رسول الله ﷺ . فهذا يدلنا على أن الأديان الأخرى لا يبقى عليها جماعات وإن بقي الواحد الفرد، وفي صحيح مسلم: أن الرسول ﷺ قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) يعني: عدد بسيط من أهل الكتاب على الحق؛ لأنهم كلهم على الباطل، فهذه الخاصية لهذه الأمة فضل تفضل الله جل وعلا بها عليهم، وهو أن الحق يبقى. ومن المعلوم أن الزمن الذي بين عيسى ﵇ وبين نبينا ﷺ قرابة ستمائة سنة فقط، ومع ذلك ذهب الأمر، الآن منذ هجرة النبي ﷺ إلى المدينة ألف وأربعمائة سنة وزيادة، والأمر أيضاً أكثر من هذا، وسيبقى الدين إلى أن تقوم الساعة، وهذا الدين -والحمد لله- يوجد عليه من يتمسك به ومن يعرفه ويعمل به ويدعو إليه؛ لأن هذا هو الوصف الذي أخبر به الرسول ﷺ ، بأن هذه الطائفة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. والذي يكون على الحق لابد أن يكون بنفسه ملتزماً بالحق، وأن يدعو إليه، يدعو إلى الحق ويبينه، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومعلوم أن هذه الأمة أفضل الأمم، أما قول الله جل وعلا في بني إسرائيل: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦] فالمقصود كما يقول المفسرون: فضلوا على عالم زمانهم، أما هذه الأمة فهي أفضل منهم.

стр. 900

أهل الحق مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم [المسألة العاشرة: الآية العظمى، أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم]. هذا كما سيأتي في كلام العلماء: أنه لا يلزم دائماً أن يكونوا قلة، فقد يكونون في وقت قلة، ويكونون في وقت آخر كثرة، وهي آية ظاهرة، فإذا كانوا قلة ما يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. أما الخذلان فيصدر ممن يرى أنهم على الحق ويوافقهم، فيخذلونهم ولا ينصرونهم عادة. وأما المخالفة فلمن يعاديهم ويكون على غير دينهم وعقيدتهم، وكلا الأمرين لا يضر، لا الخاذل ولا المخالف، ومعنى الضرر: يجب أن يفسر بما قلنا: أنهم يتمسكون بدينهم ويبقون عليه حتى الموت، والضرر الذي يجب أن يكون ضرراً هو انحراف الإنسان عن دينه، أما كونه يناله أذى ولو إلى حد القتل فهذا ليس ضرراً حقيقياً، بل قد يكون خيراً له.

стр. 901

أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة [الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة]. قيام الساعة أي: ساعتهم كما في حديث عبد الله بن عمرو، وساعتهم بهبوب الريح التي تأتي ومسها مس الحرير، وريحها ريح المسك، فتأخذ المؤمنين من آباطهم، كل من كان في قلبه إيمان تأخذهم فيموتون منها، أما غيرهم فلا، فيبقى الناس بعدهم وتقوم عليهم الساعة، والساعة تقوم على شرار الخلق، كما جاء في الحديث: (ويبقى معهم الذين يتخذون القبور مساجد) يعني: شرار الخلق الذين يتخذون القبور مساجد.

стр. 902

الآيات العظيمة التي ذكرت في كلام النبي ﷺ [الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال]. وإخباره بأنه قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها) ما قال: رأيت جنوبها وشمالها، فصار الأمر كما أخبر، صار امتداد الأمة وملكها شرقاً وغرباً. أما الجنوب معروف أنه ما عدا جزيرة العرب، وملك أمته ما عدا جزيرة العرب لم يجاوزها جنوباً. والشمال كذلك ما تعدى وسط آسيا الصغرى إلا فيما بعد امتد قليلاً، فبقيت أوروبا لم يأتها الإسلام التي هي في الشمال، ولن يتمكن المسلمون من ذلك؛ لأن الخبر قال: (زوي لي مشارقها ومغاربها)، أما الشرق فوصل إلى الصين، وهو شيء يتعجب منه الإنسان كيف وصل الصحابة إلى تلك الأماكن؟! وأما الغرب فكذلك وصلوا إلى البحر فحال بينهم وبين ماوراءه، ولهذا قال أحد القواد لما وصل إلى البحر الأطلسي فخاضه بفرسه: والله لو أعلم أن خلفك من يقاتل في سبيل الله لتجشمت ذلك، يعتقد أن هذا آخر الدنيا ما وراء ذلك شيء من الأرض. [وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة]. قد سبق أن إجابته: ألا يهلكهم بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وأنه أعطي هاتين الدعوتين، وأما الثالثة فمنع وهي: أن يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وإذا وجد ذلك يجوز أن يسلط عليهم غيرهم. وأما كونه زويت له الأرض ورآها، فهذا سبق أن معناه: أنها جمعت له فصار ينظر إلى البعيد مثل القريب، ينظر إلى الشيء الذي سيصل إليه ملك أمته، وأما الكنزان فالمقصود بهما كما سبق: كنز كسرى، وكنز قيصر، وكسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وهذا اسم لكل ملك، كما أن فرعون اسم لكل من ملك مصر في الكفر، وكذلك النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، وليس اسم علم وإنما هو جنس، فوقع ذلك في زمن الصحابة على أناس معينين لم يكن لهم بعد ذلك دولة. [وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة]. هذه كلها أعلام من أعلام النبوة يعني: دلائل على صدقه، وعلى أنه نبي من الله يخبر بالوحي كالذي يوحيه الله جل وعلا له. [وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحد منها من أبعد ما يكون في العقول]. نعم، كون الصحابة على قلة عددهم يستولون على الدول العظيمة الكبيرة دولة الفرس، وفي ظرف خمسة وعشرين سنة فقط أو أقل من ذلك يستولون عليها نهائياً، ويزول ملكهم نهائياً، ويصبح ملكهم للمسلمين مع أنهم قلة، والصحابة قلة في عددهم وعدتهم، فهذا آية من آيات الله؛ ولهذا لا يزال الكفار يدرسون هذا الوضع كيف حصل؛ لأنهم لا يرون إلا الأمور المادية، فيحللونها ويدرسونها على أنها أمور عسكرية يدبرونها، وليس الأمر كذلك، هذا من الله جل وعلا، والصحابة عرفوا ذلك وقالوا: نحن لا نقاتل الناس بقوتنا ولا بعددنا؛ إنما نقاتل بإيماننا، الآيات ظاهرة وباهرة، وهذا حتى في أول الأمر ومبدؤه، فالجيش الذي أرسله الرسول ﷺ بقيادة زيد بن حارثة وعين عليه الأمراء، وقال: إن قتل فـ جعفر، وإن قتل فـ عبد الله بن رواحة، فقتل كل الذين سماهم، وكان عددهم ثلاثة آلاف فقط، والجيش الذي قابلهم من المؤرخين من يقول: هم ثلاثمائة ألف، ومنهم من قال: كانوا مائتي ألف، مائة من الروم، ومائة من نصارى العرب، وأقل ما قاله المؤرخون: أنهم مائة وخمسون ألفاً، وهذا على أقل قول يقابل ثلاثة آلاف، ثم ما استطاع هؤلاء أن يستولوا عليهم، بل انتصروا، فكل فريق عرض عن الثاني بعدما جهد، يعني: ما استطاعوا أن يستولوا على المسلمين، فالنصر ليس بكثرة العدد، وإنما هو بيد الله جل وعلا، وهذا كثير جداً، كذلك وقعة القادسية وغيرها آيات باهرة، آيات من الله جل وعلا. فالمقصود أن هذا من أبعد ما يكون في العقول يعني: الذي ينظر في الواقع ويقيس الأمور المشتبهة على نظائرها وينظر إلى الماديات يرى أن هذا بعيد. وكذلك إخباره بأن الله زوى له الأرض، وأن ملك أمته يصل إلى الصين، ويصل إلى أقصى المغرب وغير ذلك، ولو نظر العاقل فيها بمجرد عقله استبعدها جداً، ولما أخبر بها الرسول ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم آمنوا بها كما أخبر، وما صار عندهم في ذلك تردد.

стр. 903

حصر الخوف على أمة محمد من الأئمة المضلين [الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين]. الأئمة المضلون سبق أنهم ثلاثة أقسام: علماء وعباد وقادة؛ لأن هؤلاء هم الناس الذين يقتدى بهم، أما بقية الناس فهم تبع لهم؛ فلهذا إذا صلح العلماء والأمراء فالناس كلهم يصلحون تبعاً، وهذا هو الواقع في الناس، فإذا ضل العلماء كان في ضلالهم ضلال الخلق كله نسأل الله العافية؛ لأنه يقتدى بهم، وكذلك العباد لأنه ينظر إليهم ويرى أنهم على الحق، ويحسبهم الناس قدوة.

стр. 904

التنبيه على معنى عبادة الأوثان [الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان] الوثن: كل ما عبد من دون الله سواءً كان على طريقة الجاهلية أو غيرها، فقد تتغير الأحوال، ويصبح الوثن على وضع آخر، فينبغي أن يعلم ذلك، وكل ما جعل له نصيب من العبادة فهو وثن، سواءً كان مكاناً أو كان قبراً أو كان شخصاً أو غير ذلك، فيكون وثناً.

стр. 905

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٣] السحر واقع وله تأثير حقيقي، وقد حذر الله من تعاطيه، وأخبر أنه فتنة وسبب للكفر بالله ، وهو من الموبقات التي تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة عياذاً بالله! وقد سحر النبي ﷺ من قبل اليهود، فكان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولا يفعله، ثم شفي بإذن الله.

стр. 906

باب ما جاء في السحر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في السحر]. لما كان السحر لا ينفك عن الشرك، أراد المؤلف أن يبين أن السحر مناف للتوحيد، فإنه وضع هذا الكتاب لبيان التوحيد ولذكر المضادات له أو المنقصات له؛ لأنها تنافيه.

стр. 907

تعريف السحر لغة واصطلاحاً السحر في اللغة: هو الشيء الخفي الذي يصرف الصارف، والصارف يعني: الشيء الذي يكون معتاداً لخفائه، ويسمى سحراً، وهو أنواع متعددة. أما تعريفه في الاصطلاح: فهو رقى وعزائم وعقد وأمور من أدعية مع النفث فيها والعقد بواسطة الشيطان، وتؤثر في الأبدان والقلوب، فتمرض، وقد تميت، وتفرق بين المرء وزوجه، ولها حقيقة تؤثر، وليست خيالاً. وهو أنواع متعددة، منها: ما هو سحر حقيقي، ومنها: ما يلحق بالسحر لخفائه، وإن كان بحيل وشعاوذ، وليس بسحر، ولكن يلحق به لأجل أنه يعمل عمله أو قريباً من ذلك، ولهذا ألحقت النميمة بالسحر؛ لأنها تعمل عملاً كعمل الساحر، تفرق بين المرء وصاحبه وصديقه، وتفرق بين القريب وقريبه، وبين المحب ومحبه، وتجعل المحبة بغضاء، وتعمل أعمالاً تفسد المجتمع والديار، فألحقت بالسحر.

стр. 908

حقيقة السحر وأنواعه السحر من أعظم المحرمات، والسحر الحقيقي -كما يقول أهل التحقيق- لا ينفك عن الشرك؛ لأنه بواسطة الشيطان، ولا يتأتى سحر إلا بواسطة الشياطين، ويكون شركاً بالله جل وعلا وكفراً، فيجب أن يحذر وأن يتنبه منه، وللأسف أنه في وقتنا الحاضر كثر السحر في بلاد المسلمين بواسطة من يأتي من الخارج، ومن لا خلاق له، ويتخذ هذا مهنةً له، ويريد أن يتحصل على أمور معينة بواسطة هذا السحر؛ لأنهم يتعلمونه ويعرفونه، ثم السحر الذي له حقيقة ليس معناه كما يقول بعض الناس: إنه قد يغير الأعيان ويقلبها من عين إلى عين أخرى، هذا لا يمكن؛ لأنه لو كان هذا لكان السحرة ملوك الدنيا، وأغنياء الخلق، ولم يقف في وجههم شيء، ولو وقف في وجههم أحد جعلوه حجراً أو حماراً ولكنهم في الواقع أفقر الناس، وأخس الناس وأذلهم، يتخفون بأمرهم، ولا يظهرونه خوفاً، وتجدهم أفقر الخلق، إذاً: لا يستطيع أحدهم أن يجعل الحجر ذهباً، فيقلب الأعيان، ولا يستطيع أن يجعل الإنسان حماراً، هذا لا يمكن، ولكنهم يعملون أعمالهم التي تكون بواسطة الشياطين فيحصل المرض والضر، ويحصل الفساد بواسطة ما يحدث. ومن السحر شيء تخييلي لا حقيقة له، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] يعني: الحبال والعصي التي ألقوها، فقوله: (يخيل إليه) يعني: يدلنا على أن الواقع أنه ليس كذلك، وأنها لا تسعى، وإنما هو خيال. وقد قال بعض العلماء: إنهم فعلوا حيلة، فأخذوا العصي، ونحتوا وسطها، وملئوها زئبقاً، وكذلك الحبال لفوا عليها زئبقاً، وجاءوا إلى الأرض التي يريدون أن يلقوا عليها هذه الأشياء، وحفروا فيها خنادق ووضعوا فيها النيران لكي تحمي الأرض فألقوها، والزئبق إذا ألقي بهذه الصفة على أرض حارة صار يتحرك، فصارت الحبال والعصي تتحرك بسبب ذلك، فهذه حيلة إذا كان كذلك، وهو نوع من السحر. وقد يكون السحر في أعين الناس، تخيل إليهم أن هذا الشيء كذا وهو ليس كذلك، مثلما يقع لبعض الناس أنه يأخذ سكيناً فيطعن بها نفسه ويخرج الدم، وقد يلقي نفسه في النار وما أشبه ذلك، وهذا يكون في عين الإنسان فقط، والواقع أنه لا يعمل شيئاً من ذلك، وهذه حيل، وبعض الأذكياء قد يعمل أعمالاً خفية، ويظهر للناس أنه يعمل أشياء ويلفت أنظارهم إلى شيء آخر، ثم يأتي بشيء خلاف ذلك بسرعة، فيخيل إليه أنه فعل شيئاً عجيباً وغريباً. ثم هناك سحر من نوع آخر: بواسطة عبادة النجوم ومخاطبتها، واستنزال ما يسمونه: روحانياتها، ويزعمون أنها أرواحها أو أنها ملائكة تقوم على تدبيرها وتسخيرها، والواقع أنها شياطين تضلهم، ولهذا يبنون لها هياكل على صورها كما زعموا، وقد يضعون في هذه الهياكل أصناماً، ثم يلبسون ثياباً على صفة معينة، ويدخنون بأدخنة وأبخرة، ويدعون بدعوات ونداءات معينة، ويستمعون لذلك، وهي دعوات الشياطين، فتكون بواسطة الشيطان، فيأتيهم الشيطان ويقضي بعض مآربهم بواسطة أمور يعملها. وقد يكون السحر نوعاً آخر بواسطة الشيطان، وهو الذي كثيراً ما يقع من أن الساحر يعبد الشيطان عبادة صريحة ويدعوه، ثم إذا جاءه من يريد السحر اجتهد في دعوة هذا الشيطان، وقدم له عبادة، وصار يناديه ويتضرع له حتى يأتي إليه، فيشترط عليه شروطاً: أنك تعمل وتعمل كذا فيلقي شروطه على الذي يريد أن يسحر له، يقول: لابد أنك تذبح كذا أو تأتي بطعام على صفة كذا أو أنك تبقى في المكان الفلاني في مكان معين خالٍ من الناس فتبقى وأنت كذا وكذا فإذا امتثل ذلك أرسل ذلك الشيطان الكبير -الذي عبده وصار يتضرع له- شيطاناً آخر يجعله واسطة بينه وبين المسحور، يراقب هذا المسحور ويذهب إليه، فإذا انتهز فرصة تلبس به، وإن كان هذا المراد سحره يتحصن بالأذكار والإيمان لا يستطيع أن يأتي إليه، ويصعب عليه جداً، وقد يراقبه وقتاً طويلاً فإذا غفل أو حصل له انفعال من غضب أو ما أشبه ذلك تلبس به فعمل فيه السحر، وقد يلقي السحر في بدنه، وقد يعمله في خارج البدن وغير ذلك، وهذا النوع كثيراً ما يحصل، فيحس الساحر أنه وقع سحره في شيء يحفظه. والمقصود: أن هذا كله عبادة لغير الله جل وعلا، وتقرب إلى الشيطان بما يحب من إضرار الناس، وإفساد أبدانهم وأخلاقهم وأديانهم، فلهذا يجب محاربة السحر، وسيأتي أن حكم الساحر أن يقتل.

стр. 909

خطر السحر قال الشارح: [وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]]. السحر من الكبائر التي حذر منها رسول الله ﷺ ، كما سيأتي أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات: فعد منها السحر)، فجعل السحر موبقاً، والموبق: هو المهلك، بمعنى: أن الساحر يكون هالكاً. والسحر أنواع منه: ما هو كفر بالله جل وعلا وشرك، والمشرك والكافر ما ينفعه أي عمل ولو تصدق أو صلى أو صام ولو عمل أي عمل، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. وكذلك قوله عن أعمالهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩]. وكما قال في الآية الأخرى: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] هذه أعمال الكفار بهذه الصورة التي يمثلها لنا ربنا جل وعلا والمشركون. والمشرك إذا مات على شركه فهو خالد في النار أبداً، ولا يغفر له، وكذلك الكافر إذا مات على كفره فهو خالد في النار، والجنة عليه حرام، ولهذا كان الرسول ﷺ يبلغ في المجامع ويأمر منادياً ينادي: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) حتى يعلم الناس ذلك. والإيمان ليس كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب، وإنما الإيمان في القلب والجوارح والسلوك والعمل، وليس في القلب فقط، والإيمان الذي في القلب لا يكفي إذا لم يكن هناك عمل. فالساحر يتقرب إلى الشيطان بما يصنعه من العقد التي ينفث فيها، والعزائم والأبخرة والأدعية التي يدعو الشيطان بها؛ حتى ينعقد ما أراده بإذن الله الكوني القدري، فيحصل للمسحور الأذى إما مرض وإما تغير حال، يصبح بدل الحب بغضاً أو بالعكس، أو قد يغير مزاجه، وقد يمرضه، وقد يموت، وقد ذكروا: أن السحر له أنواع متعددة، ولكن بعض الأنواع التي ذكرت ليست من السحر المحرم، وإنما هي حيل، ولهذا جاء في اللغة: أن السحر هو الصرف، يعني: أن يصرف الإنسان عن الشيء الذي يراه على غير حقيقته، ومن ذلك قولهم: (سحرت الصبي إذا خدعته واستملته) ومن ذلك ما جاء في الحديث: (إن من البيان لسحراً) وذكر أن سبب هذا القول من الرسول ﷺ أن ابن الأهتم لما حضر مع الزبرقان وقال للرسول ﷺ عن الزبرقان: إنه لقوي العارضة، مطاع في أنديته، وإنه كذا وكذا فقال الزبرقان: والله إنه ليعلم أكثر من ذلك، ولكنه يحسدني، فقال: أنا أحسدك؟ ثم قال: والله إنه للئيم الخال، حديث المال كذا وكذا ثم قال: والله يا رسول الله! ما كذبت في الأولى ولا كذبت في الثانية، ولكني رضيت فقلت أحسن ما أعلم، وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم، فقال ﷺ : (إن من البيان لسحراً) يعني: أن الذي عنده مقدرة على البيان قد يصف الباطل فيجعله بصورة الحق، فيخيل للإنسان أنه حق فيسحره يعني: يصرفه عن الحق بهذه الصورة. وهذا على مذهب المحدثين أنه على سبيل الذم، يعني هذا القول: (إن من البيان لسحراً) على سبيل الذم، والمقصود: أن السحر في اللغة هو هذا. أما السحر في الاصطلاح فهو -كما ذكر العلماء-: عزائم وعقد ينفث فيها كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر، عقد وعزائم ورقى وأدخنة وأبخرة يتقرب بها إلى الشيطان، فتجتمع نفس الساحر مع نفس الشيطان على أذية المسحور، بواسطة ما يفعله من الأبخرة وغيرها، أو الأدوية التي يجمعها فينعقد ما أراده بإذن الله جل وعلا القدري الكوني، فهذا هو السحر الذي يكون شركاً وكفراً. ولما كان السحر لا ينفك عن الشرك أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن هذا مناف للتوحيد، وأنه يجب على الموحد أن يعرف ذلك حتى يجتنبه ولا يقع فيه. قال الشارح: [قوله: باب ما جاء في السحر أي: والكهانة]. الكهانة سيأتي لها باب مستقل، ولكنه قال: والكهانة؛ لأنها أدخلت فيه، بل ومن أنواع السحر النميمة كما سبق، وهناك أنواع ألحقت بالسحر مثل: اقتباس علم النجوم والنظر فيها والتأثير فيها، ومثل الحيل التي يصنعها بعض الناس، ويصرف وجوه الناس عنها، ومثل قوى النفس، فقد يكون لبعض الناس تأثيراً قوياً في نفسه فيؤثر على الآخرين بإصابة العين وما أشبه ذلك، كل هذا وغيره أدخل في السحر، ولكن الواقع أنه ليس من السحر.

стр. 910

السحر شيء ثابت له حقيقة قال الشارح: [السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: (إن من البيان لسحراً). وسمي السحر سحراً؛ لأنه يقع خفياً آخر الليل. قال أبو محمد المقدسي في الكافي: السحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه]. هذا إشارة إلى أن بعض العلماء قالوا: إنه لا حقيقة له، وهذا في الواقع قول ضعيف جداً، والذي قال به قلة كما ذكر الحافظ ابن حجر وغيره، وقد ذكروا أنواعاً من السحر متفق عليها، ومنه ما هو كفر، الذي هو عقد ورقى ينفث فيها الساحر، وقد يكون بغير عقد ورقى؛ بواسطة أشياء يعالجها كما سيأتي في كون النبي ﷺ سحر في مشط ومشاطة في جف طلع نخلة ذكر، ووضع في بئر يقال لها: بئر ذروان، فهذا نوع وهو، أشد السحر، وهذا يكون بواسطة الأرواح، وبواسطة العلاجات، فيؤثر على الروح والبدن، وهو أعظم السحر وأشده. ونوع آخر وهو كفر أيضاً يكون بمساعدة الشيطان فقط، يدعوه ويخضع له ويذل له، ويكون عابداً له، فيفعل الشيطان الشيء الذي يريده، وهذا قد يكون على الروح فقط بالتخيلات. ونوع آخر مثل سحر أصحاب الكواكب الذين يجعلونها مؤثرات على ما في الأرض، ويزعمون أن لها روحانيات، والروحانيات: هي أرواح -حسب زعمهم- تتنزل عند عبادة خاصة يتعبدونها لهذه الكواكب، ويعبدون الكواكب السبعة السيارة: الشمس، والقمر، والمريخ، وزحل، وعطارد، والزهرة، فهذه الكواكب يزعم هؤلاء السحرة أنها روحانيات، وهم في الواقع يعبدون شياطين، فتنزل عليهم وتعمل معهم بعض الذي يريدونه، ولهذا تكون بواسطة أبخرة وأدخنة ودعوات وعبادة خاصة يتعبدون بها، فهؤلاء هم الكلدانيون الذين بعث فيهم إبراهيم، وقد ذكر الله جل وعلا أنه أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وكذلك أخبر أنهم يتبعون ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. فهذه الآية توضح لنا أن السحر له حقيقة، وأنه يمكن تعلمه، ويمكن أن يكون الإنسان ساحراً بالتعلم، وبواسطة الشياطين، فالشياطين هي التي تعلم الناس ذلك، وعلى القول الصحيح الذي اختاره أكثر السلف أن الملكين ببابل هاروت وماروت كانوا يعلمون الناس السحر، قال: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر). وقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية روايات عن الصحابة مثل ابن عباس وغيره، وعن سعيد بن المسيب وقتادة وغيرهم: أن سليمان ﵇ أخذ كتب السحر من الشياطين ودفنها تحت كرسيه، والشياطين لا تستطيع أن تقرب إلى كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ جاءت الشياطين واستخرجت هذه الكتب ونشرتها في الناس وقالت: هذا الذي كان سليمان يسخر به الجن والإنس والدواب، فاعتقد اليهود وأهل الكتاب الذين أخذوا ذلك أن سليمان ساحر، فلما نزل القرآن وذكر سليمان ﵇ مع الأنبياء أنكر ذلك اليهود وقالوا: سليمان ساحر، ولا يزال اليهود إلى الآن يعتقدون أنه ساحر؛ فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: بهذه الكتب التي زعمت أن سليمان هو الذي صنعها، وهو الذي يستعملها، وهي من صنع الشياطين؛ لتضل الناس بذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ثم ذكر: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] (الملكين) بفتح اللام عند أهل القراءات المشهورة، وقد جاء في قراءة شاذة: (الملكين)، ولكن صحت الروايات عن مفسري السلف: أنهما من الملائكة، وذلك أن الملائكة لاموا بنو آدم على ارتكابهم المعاصي، يعني: حسب الروايات التي جاءت، فقال الله جل وعلا للملائكة: اختاروا اثنين ليكون لهما التركيب الذي في بني آدم، وينزلا في الأرض فيحكمان بين الناس، فاختير هاروت وماروت، فنزلا إلى الأرض، وركبت فيهم الشهوة التي في بني آدم، والطبائع التي في بني آدم، فصارا يحكمان بالعدل وبالحق حتى جاءت إليهما امرأة جميلة، فافتتنا بها فوقعا في المعصية، عند ذلك اختارا أن يعذبا في الدنيا، فعلقا برجليهما في بئر برهوت إلى يوم القيامة، وصار عليهما أن يعلمان السحر. وبعض العلماء أنكر ذلك وقال: لا يمكن أن الملائكة تقع في مثل هذا، وهذا يحتاج إلى دليل ثابت عن الرسول ﷺ ، فأنكروا ذلك وقالوا: المعنى أن هذا نفي، يعني: والله ما أنزل على الملكين السحر، الله لا ينزل السحر الذي يتعلم الناس منه، وإنما ينزل الوحي والحق. والمقصود: أن السحر حق ثابت وله حقائق، ومن أنكر حقيقته فهو مكابر، إلا أن يكون الإنكار للسحر الذي يقلب أعيان الأشياء كما يزعم كثير من الناس، ويتناقلون فيما بينهم حكايات وقصصاً لا حقيقة لها، ولو طلب من إنسان أن يثبت على ذلك دليلاً ما استطاع، فينقلون: أن الساحر يستطيع أن يقلب الإنسان حيواناً أو يقلبه حجراً أو بالعكس، وهذا ينكر؛ لأن هذا ليس له شيء ثابت.

стр. 911

قصة عائشة مع العجوز الساحرة بعد وفاة النبي ﷺ روى الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، أنها بعد وفاة النبي ﷺ جاءت إليها امرأة تبكي بكاءً شديداً، وقد جاءت من دومة جندل تريد رسول الله ﷺ فوجدته قد توفي، فصارت تبكي بكاءً شديداً، تقول عائشة: حتى كنت أرحمها لكثرة بكائها وشدته، فسألتها؟ فقالت: إني كان لي زوج قد غاب عني فاشتقت إليه، فجاءتني عجوز وشكوت أمري إليها، فقالت: إن فعلت ما أقول لك سيأتيك زوجك أو ما تريدين؟ فقلت: نعم، فذهبت فجاءتني بكلبين أسودين، فركبت واحداً، وقالت لي: اركبي الآخر فركبت معها، وأسرعا، فإذا نحن ببابل، وإذا بئر فيها رجلان معلقان بأرجلهما، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري وارجعي إلى أهلك، فقلت: أريد أن أتعلم السحر، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري، وارجعي إلى أهلك، فقلت: لابد، فقالا لي: اذهبي إلى تلك البئر فبولي فيها، تقول: فذهبت إلى البئر فخفت واقشعر جلدي، فرجعت ولم أفعل شيئاً، فقالا لي: أبلت؟ فقلت: نعم، فقالا لي: أرأيت شيئاً؟ فقلت: لا، فقالا: كذبت لم تبولي، اذهبي إلى أهلك واتقي الله ولا تكفري، فقلت: لا، فقالا: إذاً: اذهبي إليها وبولي، فذهبت فلما وصلتها خفت واقشعر جلدي فرجعت، فسألاني أبلت؟ فقلت: نعم فعلت، فقالا: أرأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت، اتقي الله وارجعي إلى أهلك، ولا تكفري، فقلت: لابد، قالا: اذهبي للبئر وبولي، تقول: فذهبت إليها فبلت، فرأيت فارساً خرج مني مقنعاً، فذهب حتى غاب عني في السماء، فرجعت إليهما فقالا لي: أبلت؟ قلت: نعم، قالا: أرأيت شيئاً؟ قلت: نعم، رأيت فارساً خرج مني مقنعاً حتى ذهب في السماء وغاب عني، فقالا: ذاك الإيمان خرج منك، فركبنا على الكلبين ورجعنا، فقلت لما رجعنا للعجوز: لم أر شيئاً ولم أسمع شيئاً! قالت: بلى، أي شيء تريدين الآن يأتيك؟ خذي هذا الحب فابذري، فأخذت الحب فبذرته فنبت، ثم استوى، ثم انطحن، ثم انعجن، ثم انخبز، ثم إني والله ندمت ولم أفعل شيئاً، تقول: فسألت الصحابة فأبوا وهابوا أن يقولوا لها شيئاً. فهذه الحكاية سندها صحيح، وبعض العلماء طعن فيها وقالوا: لا يمكن أن يقلب السحر الأشياء، فيجعل الحب ينبت في الحال، ثم يستوي، ثم يحصد فيخرج من أكمامه، ثم ينطحن، ثم ينعجن، ثم ينخبز، ثم يستوي هذا لا يمكن؛ لأنه قلب الأشياء عن حقائقها، قالوا: وإن صح السند إلى عائشة فهذه المرأة قد خرج إيمانها فلا نصدقها بقولها هذا، والصحابة هابوا أن يقولوا لها شيئاً أو أن يفتوها بشيء، مع أنها كانت نادمة وكانت تبكي بكاءً شديداً، وتقسم أنها لا تفعل شيئاً. فالمقصود: أن هذا من أدلة القائلين أن الساحر يمكن أن يحول بعض الأعيان إلى غير عينها، واستدلوا بهذه الحكاية فقط، وقد طعن فيها من طعن، وقالوا: إن هذه لا يعتمد عليها، وهي حكاية عن امرأة أقرت على نفسها أن الإيمان خرج منها فكيف نصدقها؟ لا نصدقها، ولو كلف إنسان من السحرة أو من غيرهم أن يقلب حيواناً إنساناً أو العكس ما استطاع، ولا نفتيه بشيء من ذلك، وإنما هي تخيلات تخيل على العيون، فيتخيل لبعض الناس أن ذلك كذلك وهو ليس كذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. وستأتي قصة جندب الخير مع الساحر الذي كان يدخل في البقرة من فمها ويخرج من دبرها، ويدخل من دبرها ويخرج من فمها، ويقطع رأسها ثم يقول لها: قومي فتقوم، وهذا تخييل؛ ولهذا لما رآه جندب يصنع هذا جاء مشتملاً على سيفه وضرب عنقه وقال: إذا كنت صادقاً فأحي نفسك؟ كان يخيل الشيء للناس، فيتخيل لهم أنه يصنع هذا الشيء، وهو ليس كذلك، ولهذا إذا جاء من لا يفطن له الساحر من جهة أخرى يرى أنها طبيعية تماماً وليس فيها شيء من التغيرات.

стр. 912

حديث أن النبي ﵊ سحره يهودي قال الشارح: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر في بئر ذروان) رواه البخاري]. هذا الحديث رواه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، ورواه مسلم في السحر، ومعروف أن مسلماً ﵀ لم يبوب الأحاديث التي ذكرها في كتابه على التراجم، وإنما يسند الأحاديث مرتبة بدون تراجم، والتراجم التي في صحيح مسلم الآن وضعها الشراح مثل النووي والقاضي عياض والقرطبي، وليس القرطبي صاحب التفسير، فهؤلاء هم الذين وضعوا هذه التراجم، فرواه في كتاب السحر في آخر الصحيح. ومسلم ﵀ ما كان يكرر الحديث، وإنما كان يذكر الأحاديث التي موضوعها واحد في مكان واحد، بخلاف البخاري فإنه يهتم بالتراجم أكثر من اهتمامه بمتون الحديث، ولهذا يقول العلماء: فقه البخاري في تراجمه، وقد جعل التراجم أكثر من الأحاديث؛ لأن تراجمه بلغت أربعة آلاف وثمانمائة وبضعة عشر، وأحاديثه بدون التكرار ألفان ومائتان وثلاثة عشر فقط، هذا هو المحرر الصحيح، والتراجم صارت مضاعفة؛ لأنه يكرر الحديث ويضع عليه عدة تراجم، ويكفي الإنسان أن يعرف أنه لما ذكر حديث جابر: في بيع الجمل عليه، لما غزا على جمل ضعيف، وفي رجوع الرسول ﷺ من الغزوة صار الجمل يتأخر ولا يلحق الجيش، والرسول ﷺ كان يتفقد أصحابه، فوجد جابراً قد أنخذل عن أصحابه وتأخر، فسأله فقال: الجمل لا يسير، فزجره الرسول ﷺ وضربه، فصار يسير سيراً حثيثاً حتى قال: كنت أقهقره لئلا يتقدم رسول الله ﷺ بعد ذلك، ثم قال له ﷺ وهو يحادثه ويؤانسه كما هي عادته ﷺ : (هل تزوجت يا جابر؟! فقلت: نعم يا رسول الله! فقال: بكراً؟ فقلت: لا، ثيباً، فقال: ألا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله! إن أبي توفي وترك سبع بنات، فكرهت أن آتي ببنت جاهلة مثلهن، وأردت أن آتي بامرأة عاقلة تصلحهن، فقال: أحسنت، ثم قال لي: أتبيع الجمل؟ فقلت: نعم، فاشتراه ﷺ وجعله معه، فلما وصل إلى المدينة وحط رحله جاء به إلى النبي ﷺ وقال: هذا الجمل، فوفاه وزاده -أعطاه القيمة وزاده- ثم قال له: اذهب بجملك). هذا الحديث ذكره البخاري في ستة وثلاثين موضعاً وجعل عليه ستاً وثلاثين ترجمة، فهذا هو الفقه الذي يفيد وينفع، ويتأمله الإنسان، وهذا الكتاب لا يستغني عنه طالب العلم، ويجب أن يعتني به، ويردده ويكرره، ويتفهم التراجم مع مطابقة الأحاديث التي ذكرها البخاري، فإنه بذلك يخرج وقد علم شيئاً كثيراً بإذن الله. وهناك شيء آخر يجب أن يتنبه له أيضاً فعله البخاري عمداً، وهو أنه إذا وضع ترجمة لا يأتي بالحديث الذي يدل على مضمونها دلالةً ظاهرة، وإنما يأتي بشيء فيه خفاء؛ ولهذا كثير من العلماء الشراح يعسر عليهم فهم مطابقة الحديث للترجمة؛ والسبب في هذا أنه يريد أن يدرب الطالب على الفهم والفقه، وعلى الاستنتاج، فهو في الواقع كتاب تعليم وتدريب وتفقيه، فهو كتاب عظيم جداً، مع أنه انتقى الأحاديث المهمة التي لا يستغني عنها طالب العلم، وهذا شيء عارض، والمقصود أن الرسول ﷺ سحر. ثم كذلك هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند في عدة مواضع، وروي عن ثلاثة من الصحابة: عائشة وأنس وزيد بن أرقم، وهناك روايات أخرى غير هذه، والحديث ثابت.

стр. 913

سبب إنكار بعض الناس لحديث سحر اليهودي للنبي ﷺ هذا الحديث أنكره بعض العلماء، وسبب إنكارهم أنهم قالوا: إن هذا يقدح في عصمة النبي ﷺ ، فكيف يقع هذا السحر والسحر قد يغير الفكر والنظر والمزاج؟ وفي هذا الحديث نفسه في صحيح البخاري رواية أخرى غير هذه عن عائشة أنها قالت: إنه سحر، حتى إنه يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يأته، وأنه يصنع الشيء ولم يصنعه، وهذا يقول العلماء: أشد أنواع السحر. والقاضي عياض حاول أن يؤول هذا الكلام، وقال: معنى (أنه يخيل إليه) يعني: مثلما يحدث للإنسان في نومه أو في يقظته أنه اتصل بأهله ولم يتصل، وليس معناه أنه أثر في عقله أو في فكره صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه معصوم من ذلك، هكذا قال القاضي عياض لئلا يقع في ذلك طعن. ومعلوم أن السحر الذي وقع عليه هو في بدنه صلوات الله وسلامه عليه، وبدنه ليس معصوماً من أن يناله الأذى، ولهذا جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، وكسرت رباعيته، وسقط في حفرة من الحفر التي كان يحفرها الفاسق عامر، وحصل له ما حصل، فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وكذلك كان يمرض صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصيبه صداع ويصيبه غير ذلك مما يصيب البشر، فكان بدنه كأبدان الناس، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦]. أما فكره وعقله وما يوحيه الله جل وعلا إليه فمعصوم مما يخل به. ويدلنا هذا الحديث على أن السحر قد يؤثر في أي إنسان كان، وقد لا تمنع منه التعوذات والأوراد والأذكار وقد لا تنفع، فالرسول صلى الله هو أكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقلبه دائماً مع الله جل وعلا، وكذلك هو بنفسه دائماً في عبادة وذكر، ومع ذلك حصل له ما حصل.

стр. 914

حقيقة سحر النبي ﷺ ورد أن اليهود جاءوا إلى لبيد بن الأعصم وهو ساحر بني زريق، فجعلوا له جعلاً فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمداً فما أثر ذلك به، فنريد أن تسحره، فوضع السحر، فأثر به ﷺ . وذكر الواقدي عن مدة سحره وعن وقته: أن ذلك كان بعد رجوعه من غزوة الحديبية، والمدة ذكر فيها روايتين وذكرهما تلميذه ابن سعد أحدهما: أنه بقي مسحوراً أربعين يوماً، والأخرى: أنه بقي مسحوراً ستة شهور صلوات الله وسلامه عليه، وكان في أول الأمر وكل الأمر إلى الله، وترك العلاج توكلاً على الله واعتماداً عليه، ثم لما أثر فيه عالجه بالعلاج الصحيح وهو الدعاء، فلهذا تقول عائشة: (سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولا يصنعه، فلما جاء عندي ذات يوم أو ليلة دعا ودعا، ثم قال لي: يا عائشة! أعلمت أن الله أفتاني؟ إنه أتاني آتيان -أو قال: ملكان- فجلس أحدهما عند رجلي، والآخر عند رأسي، فقال أحدهما للآخر: ما بالرجل؟ فقال: طب -والطب هو السحر- فقال: ومن طبه؟ فقال: لبيد بن الأعصم بمشط ومشاطة، في جف طلع نخلة ذكر في بئر ذروان، ثم إنه ﷺ ذهب إليها هو وبعض أصحابه يقول: فرأيت ماءها كنقيع الحناء، ورءوس نخلها كرءوس الشياطين -وهي بئر رجل من اليهود- فأمر بها فدفنت، فقلت: يا رسول الله! ألا استخرجته؟ فقال ﷺ : أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أفتح للناس باب شر) هذا في رواية البخاري. وقوله: (إنه لبيد بن الأعصم) هذا يهودي من اليهود السحرة، وهو من بني زريق. وقوله: في (مشط ومشاطة) المشط: هو الذي يمشط به الشعر، والمشاطة: هي التي تخرج عند مشط الشعر من الشعر والوسخ وما أشبه ذلك، أخذها ووضعها مع المشاطة في طلع نخلة ذكر يعني: كافور النخلة الفحل، أخذ هذا الشيء ووضعه في الكافور ثم وضع هذا الشيء في البئر، وهذا مع النفث، ومع الشيء الذي يكون بواسطة الشيطان. وهكذا يصنع السحرة! ولهذا إذا أخرج السحر وأحرق أو أتلف فإنه يبطل سحره، ولهذا يحافظ السحرة على هذا الشيء الذي يصنعونه، وبعضهم ربما وضعه في معدن وغلق عليه برصاص فحافظ عليه كثيراً حتى يبقى السحر؛ لأنه إذا ذهب وزال انتهى السحر. فذكر صلوات الله وسلامه عليه أنه دعا، فاستجاب الله وشفاه، ولكن بعد ما عرف أنه سحر بواسطة الملائكة، وأن هذا هو الذي سحره. ولم يعاقب هذا الرجل الكافر الخبيث، ومعلوم أن المعاهد إذا فعل مثل ذلك ينتقض عهده. ولهذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث: أنه لا يقتل الساحر، وليس كذلك؛ لأن هذا حق للنبي ﷺ يتعلق بنفسه وبجسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وله أن يحكم به بحكم الله، وله أن يعفو، فعفا مثل ما عفا عن اليهودية التي وضعت له السم في اللحم ولم يقتلها، مع أن الذين أكلوا معه أحدهما مات من السم، والعلماء يقولون: إذا وضع شخص سماً لأحد حتى قتله فإنه يقتل به، فالمقصود أن هذا لا يكون دليلاً على عدم القتل، وسيأتي أن حده ضربة بالسيف حتى يموت، وفي هذا دليل على تأثير السحر بالبدن، وفيه دليل على أن السحر يشفى الإنسان منه بالأدعية والرقية بكتاب الله وبأسمائه، وهذا أمر مجرب نافع جداً، ولكن ما وجد لكل أحد، إن كان الإنسان عنده إيمان وقوة وتصديق في ذلك فإنه بإذن الله يزول بسرعة، ويشفى كما شفي رسول الله ﷺ ، ويبطل سحر الساحر بذلك، ولا سيما إذا عزم عليه بالآيات التي تناسب مما ذكر فيها السحر وإبطاله، وأن الساحر لا يفلح وما أشبه ذلك، وآيات الله كلها فيها شفاء كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢] والصواب أنه شفاء عام، شفاء للأبدان، وشفاء للقلوب، وشفاء للأمراض والشبهات والشهوات وغيرها، هو شفاء عام، لكن لا يجوز أن يستعمل الاستعمال السيئ الذي يستعمله بعض الناس، حيث يجعله طريقاً لكسب المال فقط، ثم يلبس على الناس ويصير مقصوده فقط استغلال الناس وابتزاز أموالهم، وهذا لن يشفى أحد ممن يقصده إذا كانت هذه طريقته وهذا مقصوده، ولكن قد يشفى إنسان منهم بإرادة الله، وليس بسبب علاج هذا الذي يريد الدنيا. فهذا يدلنا على أن العصمة التي أخبر الله جل وعلا عن نبيه أنه يعصمه ليست في بدنه، وإنما هي فيما يبلغه عن الله جل وعلا، وهذا باتفاق العلماء: أن الشيء الذي يبلغه عن الله جل وعلا من الدين وغيره أنه معصوم فيه، وأنه يقع فيه شيء خلاف ما أوحاه الله جل وعلا.

стр. 915

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٤] حرم الله السحر في جميع الأديان والشرائع، ويشمل التحريم تعلّمه وتعليمه وصناعته، وكل ذلك موبقة من الموبقات، وكفر بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان لا يتعاطى السحر إلا بعد أن يكفر بالله ويعبد الشيطان. وقد قرن النبي ﷺ السحر بالشرك وقتل النفس، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من الكفر بالله والإضرار بعباده.
следующие страницы →