← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قصة عائشة مع العجوز الساحرة بعد وفاة النبي ﷺ روى الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، أنها بعد وفاة النبي ﷺ جاءت إليها امرأة تبكي بكاءً شديداً، وقد جاءت من دومة جندل تريد رسول الله ﷺ فوجدته قد توفي، فصارت تبكي بكاءً شديداً، تقول عائشة: حتى كنت أرحمها لكثرة بكائها وشدته، فسألتها؟ فقالت: إني كان لي زوج قد غاب عني فاشتقت إليه، فجاءتني عجوز وشكوت أمري إليها، فقالت: إن فعلت ما أقول لك سيأتيك زوجك أو ما تريدين؟ فقلت: نعم، فذهبت فجاءتني بكلبين أسودين، فركبت واحداً، وقالت لي: اركبي الآخر فركبت معها، وأسرعا، فإذا نحن ببابل، وإذا بئر فيها رجلان معلقان بأرجلهما، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري وارجعي إلى أهلك، فقلت: أريد أن أتعلم السحر، فقالا لي: اتقي الله ولا تكفري، وارجعي إلى أهلك، فقلت: لابد، فقالا لي: اذهبي إلى تلك البئر فبولي فيها، تقول: فذهبت إلى البئر فخفت واقشعر جلدي، فرجعت ولم أفعل شيئاً، فقالا لي: أبلت؟ فقلت: نعم، فقالا لي: أرأيت شيئاً؟ فقلت: لا، فقالا: كذبت لم تبولي، اذهبي إلى أهلك واتقي الله ولا تكفري، فقلت: لا، فقالا: إذاً: اذهبي إليها وبولي، فذهبت فلما وصلتها خفت واقشعر جلدي فرجعت، فسألاني أبلت؟ فقلت: نعم فعلت، فقالا: أرأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت، اتقي الله وارجعي إلى أهلك، ولا تكفري، فقلت: لابد، قالا: اذهبي للبئر وبولي، تقول: فذهبت إليها فبلت، فرأيت فارساً خرج مني مقنعاً، فذهب حتى غاب عني في السماء، فرجعت إليهما فقالا لي: أبلت؟ قلت: نعم، قالا: أرأيت شيئاً؟ قلت: نعم، رأيت فارساً خرج مني مقنعاً حتى ذهب في السماء وغاب عني، فقالا: ذاك الإيمان خرج منك، فركبنا على الكلبين ورجعنا، فقلت لما رجعنا للعجوز: لم أر شيئاً ولم أسمع شيئاً! قالت: بلى، أي شيء تريدين الآن يأتيك؟ خذي هذا الحب فابذري، فأخذت الحب فبذرته فنبت، ثم استوى، ثم انطحن، ثم انعجن، ثم انخبز، ثم إني والله ندمت ولم أفعل شيئاً، تقول: فسألت الصحابة فأبوا وهابوا أن يقولوا لها شيئاً. فهذه الحكاية سندها صحيح، وبعض العلماء طعن فيها وقالوا: لا يمكن أن يقلب السحر الأشياء، فيجعل الحب ينبت في الحال، ثم يستوي، ثم يحصد فيخرج من أكمامه، ثم ينطحن، ثم ينعجن، ثم ينخبز، ثم يستوي هذا لا يمكن؛ لأنه قلب الأشياء عن حقائقها، قالوا: وإن صح السند إلى عائشة فهذه المرأة قد خرج إيمانها فلا نصدقها بقولها هذا، والصحابة هابوا أن يقولوا لها شيئاً أو أن يفتوها بشيء، مع أنها كانت نادمة وكانت تبكي بكاءً شديداً، وتقسم أنها لا تفعل شيئاً. فالمقصود: أن هذا من أدلة القائلين أن الساحر يمكن أن يحول بعض الأعيان إلى غير عينها، واستدلوا بهذه الحكاية فقط، وقد طعن فيها من طعن، وقالوا: إن هذه لا يعتمد عليها، وهي حكاية عن امرأة أقرت على نفسها أن الإيمان خرج منها فكيف نصدقها؟ لا نصدقها، ولو كلف إنسان من السحرة أو من غيرهم أن يقلب حيواناً إنساناً أو العكس ما استطاع، ولا نفتيه بشيء من ذلك، وإنما هي تخيلات تخيل على العيون، فيتخيل لبعض الناس أن ذلك كذلك وهو ليس كذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. وستأتي قصة جندب الخير مع الساحر الذي كان يدخل في البقرة من فمها ويخرج من دبرها، ويدخل من دبرها ويخرج من فمها، ويقطع رأسها ثم يقول لها: قومي فتقوم، وهذا تخييل؛ ولهذا لما رآه جندب يصنع هذا جاء مشتملاً على سيفه وضرب عنقه وقال: إذا كنت صادقاً فأحي نفسك؟ كان يخيل الشيء للناس، فيتخيل لهم أنه يصنع هذا الشيء، وهو ليس كذلك، ولهذا إذا جاء من لا يفطن له الساحر من جهة أخرى يرى أنها طبيعية تماماً وليس فيها شيء من التغيرات.

стр. 912

حديث أن النبي ﵊ سحره يهودي قال الشارح: [وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر في بئر ذروان) رواه البخاري]. هذا الحديث رواه البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، ورواه مسلم في السحر، ومعروف أن مسلماً ﵀ لم يبوب الأحاديث التي ذكرها في كتابه على التراجم، وإنما يسند الأحاديث مرتبة بدون تراجم، والتراجم التي في صحيح مسلم الآن وضعها الشراح مثل النووي والقاضي عياض والقرطبي، وليس القرطبي صاحب التفسير، فهؤلاء هم الذين وضعوا هذه التراجم، فرواه في كتاب السحر في آخر الصحيح. ومسلم ﵀ ما كان يكرر الحديث، وإنما كان يذكر الأحاديث التي موضوعها واحد في مكان واحد، بخلاف البخاري فإنه يهتم بالتراجم أكثر من اهتمامه بمتون الحديث، ولهذا يقول العلماء: فقه البخاري في تراجمه، وقد جعل التراجم أكثر من الأحاديث؛ لأن تراجمه بلغت أربعة آلاف وثمانمائة وبضعة عشر، وأحاديثه بدون التكرار ألفان ومائتان وثلاثة عشر فقط، هذا هو المحرر الصحيح، والتراجم صارت مضاعفة؛ لأنه يكرر الحديث ويضع عليه عدة تراجم، ويكفي الإنسان أن يعرف أنه لما ذكر حديث جابر: في بيع الجمل عليه، لما غزا على جمل ضعيف، وفي رجوع الرسول ﷺ من الغزوة صار الجمل يتأخر ولا يلحق الجيش، والرسول ﷺ كان يتفقد أصحابه، فوجد جابراً قد أنخذل عن أصحابه وتأخر، فسأله فقال: الجمل لا يسير، فزجره الرسول ﷺ وضربه، فصار يسير سيراً حثيثاً حتى قال: كنت أقهقره لئلا يتقدم رسول الله ﷺ بعد ذلك، ثم قال له ﷺ وهو يحادثه ويؤانسه كما هي عادته ﷺ : (هل تزوجت يا جابر؟! فقلت: نعم يا رسول الله! فقال: بكراً؟ فقلت: لا، ثيباً، فقال: ألا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله! إن أبي توفي وترك سبع بنات، فكرهت أن آتي ببنت جاهلة مثلهن، وأردت أن آتي بامرأة عاقلة تصلحهن، فقال: أحسنت، ثم قال لي: أتبيع الجمل؟ فقلت: نعم، فاشتراه ﷺ وجعله معه، فلما وصل إلى المدينة وحط رحله جاء به إلى النبي ﷺ وقال: هذا الجمل، فوفاه وزاده -أعطاه القيمة وزاده- ثم قال له: اذهب بجملك). هذا الحديث ذكره البخاري في ستة وثلاثين موضعاً وجعل عليه ستاً وثلاثين ترجمة، فهذا هو الفقه الذي يفيد وينفع، ويتأمله الإنسان، وهذا الكتاب لا يستغني عنه طالب العلم، ويجب أن يعتني به، ويردده ويكرره، ويتفهم التراجم مع مطابقة الأحاديث التي ذكرها البخاري، فإنه بذلك يخرج وقد علم شيئاً كثيراً بإذن الله. وهناك شيء آخر يجب أن يتنبه له أيضاً فعله البخاري عمداً، وهو أنه إذا وضع ترجمة لا يأتي بالحديث الذي يدل على مضمونها دلالةً ظاهرة، وإنما يأتي بشيء فيه خفاء؛ ولهذا كثير من العلماء الشراح يعسر عليهم فهم مطابقة الحديث للترجمة؛ والسبب في هذا أنه يريد أن يدرب الطالب على الفهم والفقه، وعلى الاستنتاج، فهو في الواقع كتاب تعليم وتدريب وتفقيه، فهو كتاب عظيم جداً، مع أنه انتقى الأحاديث المهمة التي لا يستغني عنها طالب العلم، وهذا شيء عارض، والمقصود أن الرسول ﷺ سحر. ثم كذلك هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند في عدة مواضع، وروي عن ثلاثة من الصحابة: عائشة وأنس وزيد بن أرقم، وهناك روايات أخرى غير هذه، والحديث ثابت.

стр. 913

سبب إنكار بعض الناس لحديث سحر اليهودي للنبي ﷺ هذا الحديث أنكره بعض العلماء، وسبب إنكارهم أنهم قالوا: إن هذا يقدح في عصمة النبي ﷺ ، فكيف يقع هذا السحر والسحر قد يغير الفكر والنظر والمزاج؟ وفي هذا الحديث نفسه في صحيح البخاري رواية أخرى غير هذه عن عائشة أنها قالت: إنه سحر، حتى إنه يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يأته، وأنه يصنع الشيء ولم يصنعه، وهذا يقول العلماء: أشد أنواع السحر. والقاضي عياض حاول أن يؤول هذا الكلام، وقال: معنى (أنه يخيل إليه) يعني: مثلما يحدث للإنسان في نومه أو في يقظته أنه اتصل بأهله ولم يتصل، وليس معناه أنه أثر في عقله أو في فكره صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه معصوم من ذلك، هكذا قال القاضي عياض لئلا يقع في ذلك طعن. ومعلوم أن السحر الذي وقع عليه هو في بدنه صلوات الله وسلامه عليه، وبدنه ليس معصوماً من أن يناله الأذى، ولهذا جرح يوم أحد، وكسرت البيضة على رأسه، وكسرت رباعيته، وسقط في حفرة من الحفر التي كان يحفرها الفاسق عامر، وحصل له ما حصل، فأنزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨]. وكذلك كان يمرض صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصيبه صداع ويصيبه غير ذلك مما يصيب البشر، فكان بدنه كأبدان الناس، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦]. أما فكره وعقله وما يوحيه الله جل وعلا إليه فمعصوم مما يخل به. ويدلنا هذا الحديث على أن السحر قد يؤثر في أي إنسان كان، وقد لا تمنع منه التعوذات والأوراد والأذكار وقد لا تنفع، فالرسول صلى الله هو أكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقلبه دائماً مع الله جل وعلا، وكذلك هو بنفسه دائماً في عبادة وذكر، ومع ذلك حصل له ما حصل.

стр. 914

حقيقة سحر النبي ﷺ ورد أن اليهود جاءوا إلى لبيد بن الأعصم وهو ساحر بني زريق، فجعلوا له جعلاً فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمداً فما أثر ذلك به، فنريد أن تسحره، فوضع السحر، فأثر به ﷺ . وذكر الواقدي عن مدة سحره وعن وقته: أن ذلك كان بعد رجوعه من غزوة الحديبية، والمدة ذكر فيها روايتين وذكرهما تلميذه ابن سعد أحدهما: أنه بقي مسحوراً أربعين يوماً، والأخرى: أنه بقي مسحوراً ستة شهور صلوات الله وسلامه عليه، وكان في أول الأمر وكل الأمر إلى الله، وترك العلاج توكلاً على الله واعتماداً عليه، ثم لما أثر فيه عالجه بالعلاج الصحيح وهو الدعاء، فلهذا تقول عائشة: (سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولا يصنعه، فلما جاء عندي ذات يوم أو ليلة دعا ودعا، ثم قال لي: يا عائشة! أعلمت أن الله أفتاني؟ إنه أتاني آتيان -أو قال: ملكان- فجلس أحدهما عند رجلي، والآخر عند رأسي، فقال أحدهما للآخر: ما بالرجل؟ فقال: طب -والطب هو السحر- فقال: ومن طبه؟ فقال: لبيد بن الأعصم بمشط ومشاطة، في جف طلع نخلة ذكر في بئر ذروان، ثم إنه ﷺ ذهب إليها هو وبعض أصحابه يقول: فرأيت ماءها كنقيع الحناء، ورءوس نخلها كرءوس الشياطين -وهي بئر رجل من اليهود- فأمر بها فدفنت، فقلت: يا رسول الله! ألا استخرجته؟ فقال ﷺ : أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أفتح للناس باب شر) هذا في رواية البخاري. وقوله: (إنه لبيد بن الأعصم) هذا يهودي من اليهود السحرة، وهو من بني زريق. وقوله: في (مشط ومشاطة) المشط: هو الذي يمشط به الشعر، والمشاطة: هي التي تخرج عند مشط الشعر من الشعر والوسخ وما أشبه ذلك، أخذها ووضعها مع المشاطة في طلع نخلة ذكر يعني: كافور النخلة الفحل، أخذ هذا الشيء ووضعه في الكافور ثم وضع هذا الشيء في البئر، وهذا مع النفث، ومع الشيء الذي يكون بواسطة الشيطان. وهكذا يصنع السحرة! ولهذا إذا أخرج السحر وأحرق أو أتلف فإنه يبطل سحره، ولهذا يحافظ السحرة على هذا الشيء الذي يصنعونه، وبعضهم ربما وضعه في معدن وغلق عليه برصاص فحافظ عليه كثيراً حتى يبقى السحر؛ لأنه إذا ذهب وزال انتهى السحر. فذكر صلوات الله وسلامه عليه أنه دعا، فاستجاب الله وشفاه، ولكن بعد ما عرف أنه سحر بواسطة الملائكة، وأن هذا هو الذي سحره. ولم يعاقب هذا الرجل الكافر الخبيث، ومعلوم أن المعاهد إذا فعل مثل ذلك ينتقض عهده. ولهذا استدل بعض العلماء بهذا الحديث: أنه لا يقتل الساحر، وليس كذلك؛ لأن هذا حق للنبي ﷺ يتعلق بنفسه وبجسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وله أن يحكم به بحكم الله، وله أن يعفو، فعفا مثل ما عفا عن اليهودية التي وضعت له السم في اللحم ولم يقتلها، مع أن الذين أكلوا معه أحدهما مات من السم، والعلماء يقولون: إذا وضع شخص سماً لأحد حتى قتله فإنه يقتل به، فالمقصود أن هذا لا يكون دليلاً على عدم القتل، وسيأتي أن حده ضربة بالسيف حتى يموت، وفي هذا دليل على تأثير السحر بالبدن، وفيه دليل على أن السحر يشفى الإنسان منه بالأدعية والرقية بكتاب الله وبأسمائه، وهذا أمر مجرب نافع جداً، ولكن ما وجد لكل أحد، إن كان الإنسان عنده إيمان وقوة وتصديق في ذلك فإنه بإذن الله يزول بسرعة، ويشفى كما شفي رسول الله ﷺ ، ويبطل سحر الساحر بذلك، ولا سيما إذا عزم عليه بالآيات التي تناسب مما ذكر فيها السحر وإبطاله، وأن الساحر لا يفلح وما أشبه ذلك، وآيات الله كلها فيها شفاء كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢] والصواب أنه شفاء عام، شفاء للأبدان، وشفاء للقلوب، وشفاء للأمراض والشبهات والشهوات وغيرها، هو شفاء عام، لكن لا يجوز أن يستعمل الاستعمال السيئ الذي يستعمله بعض الناس، حيث يجعله طريقاً لكسب المال فقط، ثم يلبس على الناس ويصير مقصوده فقط استغلال الناس وابتزاز أموالهم، وهذا لن يشفى أحد ممن يقصده إذا كانت هذه طريقته وهذا مقصوده، ولكن قد يشفى إنسان منهم بإرادة الله، وليس بسبب علاج هذا الذي يريد الدنيا. فهذا يدلنا على أن العصمة التي أخبر الله جل وعلا عن نبيه أنه يعصمه ليست في بدنه، وإنما هي فيما يبلغه عن الله جل وعلا، وهذا باتفاق العلماء: أن الشيء الذي يبلغه عن الله جل وعلا من الدين وغيره أنه معصوم فيه، وأنه يقع فيه شيء خلاف ما أوحاه الله جل وعلا.

стр. 915

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٤] حرم الله السحر في جميع الأديان والشرائع، ويشمل التحريم تعلّمه وتعليمه وصناعته، وكل ذلك موبقة من الموبقات، وكفر بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان لا يتعاطى السحر إلا بعد أن يكفر بالله ويعبد الشيطان. وقد قرن النبي ﷺ السحر بالشرك وقتل النفس، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من الكفر بالله والإضرار بعباده.

стр. 916

التحذير من السحر والسحرة

стр. 917

السحر والإيمان لا يجتمعان قال الشارح ﵀: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] قال ابن عباس: من نصيب. وقال قتادة: فقد علم أهل الكتاب فيما عهده إليهم: أن الساحر لا خلاق له في الآخرة. وقال الحسن: ليس له دين]. معنى (اشتراه) أي: أنه أخذه بدل إيمانه وكفره به. يعني: اعتاض بالسحر بدل الإيمان، وهذا يدلنا على أنه لا يجتمع السحر والإيمان بما جاءت به الرسل. قال الشارح ﵀: [فدلت الآية على تحريم السحر، وكذلك هو محرم في جميع أديان الرسل ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]]. يعني: تحريم السحر وتعلمه وتحريم استعماله وصنعه، فمن تعلمه فإنه يكون كافراً. أي: أنه لا يمكن أن يكون ساحراً إلا بواسطة الشرك وعبادة الشيطان على ما قرر العلماء، وأما استعماله فهو إيمان به، وطلباً لأذية الخلق. قال الشارح ﵀: [وقد نص أصحاب أحمد: أنه يكفر بتعلمه وتعليمه. وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم شيئاً من السحر قليلاً كان أو كثيراً كان آخر عهده من الله)]. المرسل ضعيف، وليس هذا هو الدليل، بل الدليل ما في الآية وفي الأحاديث الأخرى الصحيحة.

стр. 918

اختلاف العلماء في كفر الساحر وذكر الأقوال في ذلك قال الشارح ﵀: [واختلفوا: هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏. قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر]. يعني: يكون بأمور طبيعية، وليست موافقة للشياطين. ومثل هذا أن يعطي للإنسان سماً يضره، فهذا يترتب عليه الحكم حسب ما يقع، ولا يكون كافراً. أما السحر الذي يكون بتعلم السحر وبواسطة الشيطان فإن صاحبه يكفر. قال الشارح ﵀: [وقال الشافعي: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر مثلما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تسأل ما يلتمس منها؛ فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر؛ فإن اعتقد إباحته كفر]. هذا خلاف الشافعي. قالوا: إنه خلاف لفظي؛ وذلك أنه لما قال له: (صف لنا سحرك، فإن ذكر ما يوجب الكفر كفر) فالذين خالفوا وقالوا: إن السحر لا ينفك عن الشرك، ولا يكون إلا بالشرك وبطاعة الشيطان وعبادته، وإذا كان في طاعة الشيطان وعبادته فيكون كافراً، فيتبين بهذا أنه يتفق معهم. وإنما يعني: الكلام في حقيقة السحر. والسحر يطلق على فعل الساحر، ويطلق على الشيء الذي يصنعه الساحر، والشيء الذي يصنعه من الأدوية ومن العقد وغيرها يقال له: سحر، وفعله يقال له: سحر. فهذا لا يمكن أن يكون إلا من ساحر يكون مشركاً بواسطة الشياطين يعينونه على ذلك. قال الشارح ﵀: [وقد سماه الله كفراً بقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢]. قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]: وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر].

стр. 919

معنى الجبت والطاغوت قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١]. ] سبق بيان معنى الجبت والطاغوت، وأن الجبت: هو السحر كما فسره عمر، وهذا هو سبب ذكر هذه الآية وإعادتها، فهو داخل في الشرك؛ لأنه فسر الجبت بالشرك، وفُسر بالكاهن، وفسر بالذي يعتاض عن شرع الله جل وعلا بغيره. قال الشارح ﵀: [قال عمر: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان) هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره. قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] تقدم الكلام عليهما في الباب الذي قبل هذا وفيه: أن السحر من الجبت. قال الشارح ﵀: [وقول جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد، هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولاً عن وهب بن منبه قال: (سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها؟ فقال: إن في دهينة واحداً، وفي أسلم واحداً، وفي هلال واحداً، وفي كل حي واحد، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين). قوله: (قال جابر): هو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري. قوله: (الطواغيت كهان)، أراد أن الكهان من الطواغيت، فهو من أفراد المعنى. قوله: (كان ينزل عليهم الشيطان) أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقون من السمع فيصدقون مرةً ويكذبون مائة. قوله: (في كل حي واحد): الحي واحد الأحياء وهم القبائل. أي: في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الغيب. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي ﷺ ، فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بكثرة الشهب].

стр. 920

حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)]. قوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات). (اجتنبوا): هذا أمر من الرسول ﷺ لاجتناب السبع الموبقات. ومعنى (اجتنبوا): ابتعدوا عنها، وهذا الأمر أبلغ من قولك: (لا تقرب أو لا تفعل)، بل اجعلها بعيداً عنك، وأنت عنها في جانب، وهذا يدل على عظم هذه الأفعال. قوله: (السبع): معروف أن الألف واللام إذا دخلت على الاسم فإنها تجعله معهوداً معروفاً، ولكنه هنا غير مقصود، وإنما المقصود ما ذكر، ثم إن المذكور بالعدد غير مراد كما سيأتي. (الموبقات): الموبق: هو المهلك، ومعنى: أنه موبق: أنه يجعل فاعله هالكاً بعذاب الله جل وعلا، والذي يفعل ذلك يكون هالكاً.

стр. 921

الشرك بالله أولاً: (الشرك)، الشرك هو أعظمها، ولهذا بدأ به، والشرك: هو أن تجعل شيئاً من العبادة الواجبة لله لمخلوق من المخلوقات، والعبادة كثيرة جداً، وكل ما جاء به الرسول ﷺ وجوباً أو استحباباً فإنه عبادة، وكل أمر أمر به على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب فإنه عبادة، وكذلك كل ما نهى عنه تحريماً أو كراهة فاجتنابه عبادة وتركه عبادة، فلا يترك الإنسان شيئاً من ذلك لأجل مخلوق، فإنه إذا ترك شيئاً من ذلك لأجل مخلوق يكون واقعاً في الشرك. وكما أنه لا يفعل شيئاً من الواجبات أو المستحبات من أجل مخلوق فلا يتركه لمخلوق، فإنه إذا فعل ذلك يكون واقعاً في الشرك. ثم الشرك يتفاوت ونحن منذ بدأنا في هذا الكتاب إلى النهاية نتكلم وسنتكلم في أنواع الشرك، وما يجب أن يفعله الإنسان؛ لأن كتاب التوحيد يذكر الواجب ويذكر الشيء الذي يكون مضاداً له، فالشرك ضد التوحيد، وكذلك ما ينقصه أو يذهب بكماله، فإنه أيضاً يكون واجب الاجتناب. وقد سبق تعريف الإخلاص، وهو تحقيق التوحيد، وسبق أن تحقيق التوحيد بأن تكون إرادة الإنسان خالصة لله، متجهاً بها إلى الله، وأن يجتنب أيضاً الذنوب والبدع، أما إذا وقع في الذنوب والبدع فإنه لم يحقق توحيده؛ وذلك أن الذنوب والبدع تنقص التوحيد. فالشرك قد أخبر الله جل وعلا أنه لا يغفر لصحابه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وهذا لمن يموت عليه، فالذي يموت على الشرك لا يغفر له، أما التائب فإن التوبة إذا كانت صادقة تمحو كل الذنوب، وتجب ما قبلها، سواءً كان الذنب شركاً وكفراً أو غير ذلك من سائر الذنوب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له بشرط أن تكون التوبة نصوحاً، وهي واجبة على كل العباد، ومن لم يتب فهو ظالم قد ترك أمر الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨] فأمر بالتوبة النصوح، وهذا تكرر في القرآن في عدة مواطن. والرسول ﷺ أمر بالتوبة وحث عليها، فدل ذلك على أن التوبة واجبة متعينة من كل ذنب، وإذا وفق الله جل وعلا عبده وتاب قبل أن يموت توبةً نصوحاً؛ فهو من أهل الجنة، بل يكون من السابقين إليها، أما إذا مات على شرك وكفر فإنه من أهل النار قطعاً بلا تردد والجنة عليه حرام. وأما الذنوب الأخرى مع وجود أصل الإسلام ولو كانت من الكبائر فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه بلا عقاب، وإن شاء عاقبه، وعقابه متنوع أوله: الموت ثم ما يتصل به في القبر، ثم ما يتصل بالقبر من النشر والحساب وكرباته، ثم بعد ذلك النار وعذاب النار يتفاوت، فمنهم من يبقى وقتاً قليلاً ثم يخرج، ومنهم من تطول مدته ولكنه في النهاية إذا كان معه أصل الإسلام لابد أن يخرج منها إلى الجنة، ولا يبقى فيها إلا الكفار المشركون، والكفر والشرك أنواع وأقسام، ولكن النتيجة واحدة. وقوله: (اجتنبوا السبع الموبقات) يدلنا على أن الموبق يتفاوت، وأنه ليس المقصود في قوله: (السبع الموبقات) الكبائر، وإنما المقصود: كل موبق. وعندما عد الشرك، فليس كالكبيرة التي يقول العلماء فيها: إن مرتكب الكبيرة لا يكون كافراً، فليس هذا مرادهم؛ لأن الشرك يخرج من الدين الإسلامي باتفاق، أما إذا كان كافراً أصلاً ولم يدخل في الدين فيجب عليه أن يؤمن أولاً، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ حتى يكون مسلماً، أما قبل ذلك فهو ليس بمسلم. وليس المراد بالشهادتين: النطق بهما فقط، بل لابد مع النطق أن يعتقد المعنى الذي دلت عليه الشهادتان، ويجب أن يعتقده ويعمل به، وإلا فمجرد النطق مع الاستمرار على الشرك لا يفيد؛ لأن الشهادة وضعت لإبطال الشرك، ومن كان يقولها وهو يفعل الشرك فقوله لغو لا فائدة فيه. إذاً: الموبق الأول: الشرك بالله.

стр. 922

السحر (السحر)، هذا الشاهد من الحديث: أنه جعل السحر قريناً للشرك، وقد سبق أن الساحر لا ينفك عن الشرك، وإنما هو أخص من الشرك، فهو شرك خاص لعمل خاص؛ وذلك لأنه يعبد الشيطان حينما يطلب منه السحر، والشيطان لا يؤتيه مطلوبه إلا إذا عبده، وعبادته، أن يطيعه فيما يأمره به، سواءً أمره أن يذبح، أو أمره أن يفعل فعلاً منكراً مخالفاً للشرع، فامتثال أمره عبادة له، ولابد أنه يطيعه ولو لم يطعه ما فعل الشيطان له شيئاً، فالسحر موبق ومهلك، وقد كثر السحر وللأسف في المسلمين الذين يدعون الإسلام؛ وذلك لجهلهم بدين الإسلام؛ أو لأنهم لا يهتمون بالدين أصلاً، وإنما همهم أن يتحصلوا على الدنيا بأي طريقة كانت، ولو بطرق خبيثة مضرة بالناس، فهذا مقصودهم، فصاروا به عباداً للدنيا بعد عبادتهم للشيطان، بل إن عبادة الشيطان وسيلة لعبادة الدنيا، وحصولهم على المقصود؛ ولذلك فليعلم أن السحر كفر بالله جل وعلا؛ لأنه يشتمل على الشرك، وقد دل كتاب الله جل وعلا على ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] فقوله: (فَلا تَكْفُرْ): يدل على أن تعلم السحر كفر، وكذلك بقية الآية فيها دلائل على أن السحر كفر. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا أيضاً يدل على كفره، والذي ليس له في الآخرة من خلاق هو الكافر الهالك. يعني: ليس له نصيب في الآخرة بل نصيبه النار. ومعنى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: من تعلمه وفعله، فالذي يتعلمه ويفعله هو المشتري له. ومن المعلوم أن الدنيا قليلة جداً، وأنها سوف تزول عن قرب كطرف العين؛ لأن الواقع أن الدنيا هي ما أنت فيه، أما ما مضى وما هو آتٍ فليس لك، وكأنه عدم. اعلم أن الدنيا عمرك، فإذا انتهى عمرك وختم لك على عمل انتهت الدنيا بالنسبة لك، فالإنسان إذا كان ساحراً، فهو خاسر هالك موبق، قد خسر خسارةً لا يربح بعدها أبداً، ولا يمكن أن يستدرك هذا، لا بأثمان ولا بأشخاص ولا بغير ذلك، انتهت القضية، وأصبح ما تحصّل عليه وبالاً وحسرة ومضرة، وقد زالت متعته وكأن لم تكن. ومن المعلوم أن العاقل يبحث عن الراحة وإزالة العذاب، وذلك لا يتأتى للإنسان إلا بطاعة الله جل وعلا فقط، ولا يوجد طريق غير هذا، وهذا أمر مؤكد بلا أدنى ريب وتردد، فالذي يرتكب شيئاً من هذه الأمور يعيش في هم ونكد وعاقبته خسارة.

стр. 923

قتل النفس ثالثاً: (قتل النفس)، بعد السحر جاء بقتل النفس بغير حق، والمقصود بالنفس: النفس المعصومة، وقتلها من أعظم الجرائم، وقد جاءت أحاديث كثيرة مع آيات في كتاب الله تدل على عظم ذلك، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] أي: وعيد فوق هذا؟ وفي الحديث: (لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل مسلم بغير حق -أو قال: مؤمن- لأكبهم الله جل وعلا في النار)، وفي الحديث الآخر: (كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا الرجل يلقى الله مشركاً أو بدم حرام) فقرن الدم الحرام بالشرك. ويقول النبي ﷺ : (لا يزال الإنسان في فسحة حتى يصيب دماً حراماً). وكذا ورد الترهيب في أحاديث كثيرة جداً، فهو أعظم الجرائم وأكبرها، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، كما جاء في الحديث الذي في السنن: (يأتي المقتول يحمل رأسه، ويمسك القاتل بيده، ويقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟) فهو الآن وصل إلى حكم عدل يقضي بالحق جل وعلا، ولا يفوت حق لمقتول أبداً. وهذا في قتل النفس بغير حق، وقوله: (بغير حق) يخرج بذلك القتل بحق كالقاتل فإنه يقتل قصاصاً، والزاني المحصن فإنه يقتل بالرجم بالحجارة حتى يموت، وهذا قتل بحق، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (المفارق) يعني: المرتد وهنا يقتل، هؤلاء ثلاثة يقتلون: الثيب المحصن (الزاني المحصن)، وإذا قتل نفساً بغير حق فإنه يقتل بها، وإذا فارق دينه فإنه يقتل، وهذا قتله بحق، ومن قتله لا يكون آثماً، بل يكون مأجوراً، ولكن الذي يقتل هؤلاء هو ولي الأمر الذي يأمر بقتلهم أو يقتلهم، وليس أحد الناس.

стр. 924

أكل الربا رابعاً: (أكل الربا)، الربا: مأخوذ من الزيادة. تقول ربا الشيء: إذا زاد، وهو المال الزائد على المشروع، فكل زيادة بالدراهم أو بالذهب أو بالبر أو بالشعير أو بالتمر -الأصناف التي ذكرها رسول الله ﷺ فالزائد فيها ربا، والربا أمره عظيم جداً، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] فقوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): يدل على أن الإيمان شرط في اجتناب الربا، ومن أكل الربا فإن الإيمان منتف عنه. ثم قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا): يعني: تجتنبوا. (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فإنكم حرب لله ولرسوله، من الذي يحارب الله ورسوله؟ وهل يستطيع الناس أن يحاربوا الله؟ فأكل الربا هو حرب لله، وآكله محارب لله ولرسوله، ودرهم من الربا كما جاء في الحديث أعظم من سبعين زنية، وآكل الربا يعذب في قبره قبل الآخرة؛ فإن من أسباب عذاب القبر: أكل الربا، وكما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أنه رأى أكلة الربا يسبحون في أنهار شبه الدم، ويلقمون حجارة وبطونهم كبيرة)، وإذا قاموا من قبورهم كأنهم مجانين، يقوم أحدهم ويسقط مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس كأنه مجنون، وتكون بطونهم كالبيوت لا يستطيع أن يحمل بطنه كلما قام يسقطه بطنه على الأرض، ثم بعد ذلك يدخل النار نسأل الله العافية. يقول العلماء: أكل الربا سبب في سوء الخاتمة، وكل من يتعاطاه غالباً تكون خاتمته سيئة، وهذا أمر يخاف منه جداً؛ لأن الذنوب وإن كانت كبيرة يرجى أن يتوب الإنسان منها، ولكن مثل هذا يخاف ألا يوفق للتوبة.

стр. 925

أكل مال اليتيم خامساً: (أكل مال اليتيم)، وأكل مال اليتيم جريمة كبرى؛ وذلك لأنه يدل على خسة آكل مال اليتيم؛ لأن هذا ضعيف، والضعيف ليس له من يحميه ويدافع عنه غالباً، فلهذا توعد الله جل وعلا آكل ماله بالنار، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فآكل مال اليتيم متوعد بأنه يصلى سعيراً، وقد جاءت النصوص الكثيرة تبين حرمة ذلك.

стр. 926

الفرار من الزحف سادساً: (الفرار من الزحف)، والزحف: هو ملاقاة العدو مواجهة، وسمي زحفاً؛ لأنهم يمشون ببطء وبشدة، فمن فر عند الملاقاة فإنه متوعد بالنار، وذلك أن فراره يدل على خوفه من الكفار، وشدة تعلقه بالدنيا؛ إذا لم يكن متحرفاً لقتال ولا متحيزاً إلى فئة أخرى من فئات المسلمين. يعني: فر وهو لا يريد الفرار، بل يريد الاستعداد للكر عليهم من جانب آخر. فهذا لا يسمى فراراً، بل هذا متحرف لقتال، والمتحيز إلى فئة هو الذي ينحاز إلى جانب آخر من صفوف المسلمين. أما إذا فر راغباً بنفسه عن ملاقاة العدو فإنه متوعد بالنار، وهذه جريمة من الكبائر الموبقة.

стр. 927

قذف المحصنات سابعاً: (قذف المحصنات المؤمنات الغافلات)، المحصنة المراد بها: التي حصنت فرجها عن الفجور، والقذف في الأصل: الرمي، وقذفها بالفجور ادعاء أنها فعلت الفاحشة، وهذا بهت عظيم، والبهت أشد من الظلم، فمن فعله فإنه قد أوبق نفسه.

стр. 928

الذنوب: صغائر وكبائر هذه السبع التي ذكرت في هذا الحديث هل هي الموبقات فقط أم أن هناك موبقات أخرى؟ ثم هل هذا الحديث يدل على أن الذنوب منها موبق مهلك ومنها غير موبق أو لا يدل على ذلك؟ الجواب اختلف العلماء في الذنوب، فمنهم من قال كما في ظاهر هذا الحديث: هناك ذنوب كبيرة تهلك صاحبها، وهناك ذنوب صغيرة أقل منها، ومنهم من قال: كل ذنب عصي الله به فهو كبير بالنظر إلى الآمر، فإنه وإن كان الذنب صغيراً فقد خالف أمره وارتكب نهيه، ومن وقعت منه مخالفة الله فإنه وقع في موبق؛ نظراً لعظم الله جل وعلا، وهذا روي عن ابن عباس وغيره من السلف، وهو قول أبي الطيب الباقلاني وأبي إسحاق الاسفراييني وغيرهما من العلماء. ولكن التحقيق أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر بدليل قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]. والرسول ﷺ يقول: (الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الذنوب منها كبائر وصغائر، فإذا كان الأمر هكذا فينبغي التمييز بين الكبائر والصغائر. ما الذي يميز بين الكبيرة والصغير وبأي شيء نعرف أن هذه كبيرة وهذه صغيرة؟ هذا أيضاً فيه اختلاف كثير بين العلماء، وبعض العلماء يذهب إلى العدد كما في هذا الحديث، فعدد الكبائر، وهذا يتوقف على ورودها في الكتاب والسنة، ومنهم من أتى بضوابط تضبط وتميز بين هذا وهذا.

стр. 929

من أنواع الكبائر ورد في الكتاب والسنة الصحيحة غير هذه السبع، فمن الكبائر:

стр. 930

عقوق الوالدين أولاً: عقوق الوالدين، وقد جاء أنه من أكبر الكبائر كما في الصحيحين: (من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل أباه، قيل: كيف يلعن الرجل أباه؟ قال: يشتم أبا الرجل فيشتم أباه، ويشتم أمه فيشتم أمه) يعني: أن يكون سبباً للعن أبيه وأمه، وهذا إذا كان سبباً في لعنهما فكيف إذا لعنهما مباشرة؟ وللأسف فإنه يوجد في المسلمين من الأبناء التي تربوا في الشوارع والمقاهي وما أشبه ذلك من مجامع الفساد يلعنون آباءهم، وصار أحدهم أكره ما لديه والديه، وصار عند والديه شبه السبع، وتجده على أمه أشد، فإذا تكلمت انتهرها أو هددها وربما ضربها، وكذلك إن استطاع ذلك مع أبيه فعل، وهذا بلا شك يكون فاقداً للتربية مع فقده الإيمان بالله جل وعلا.

стр. 931

شهادة الزور ثانياً: شهادة الزور، فإنه ﷺ قال: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته يسكت) لما وصل إلى قول الزور وشهادة الزور غضب وصار يكررها؛ وذلك يدل على أنها تكثر في الناس، وهذا من إنذاراته صلوات الله وسلامه عليه وبلاغه، وقد كثرت وللأسف شهادة الزور في أوساط المسلمين، وقول الزور هو كل باطل، فإذا قاله الإنسان وتبناه أو دافع عنه أو ناصره فإنه قول زور. وأما الشهادة فهي أخص من ذلك، شهادة الزور: أن يشهد على شيء وهو يعلم أنه فيه كاذب، وهذه هي شهادة الزور، ويشهد مقابل منفعة مال أو مقابل أن المشهود له صديق له أو ما أشبه ذلك، فإذا شهد بذلك فقد شهد بالزور، نسأل الله العافية.

стр. 932

اليمين الغموس ثالثاً: اليمين الغموس من الكبائر، وهو قريب من شهادة الزور، وهو أن يحلف الإنسان على شيء وهو يعلم أنه كاذب وسمي: غموساً؛ لأنه يغمس صاحبه في الإثم أو في النار، نسأل الله العافية.

стр. 933

الزنا رابعاً: الزنا، فقد جاء في كتاب الله التحذير منه، وأخبرنا جل وعلا: أنه فاحشة وساء سبيلاً، وأنه ليس من شأن المؤمنين.

стр. 934

اللواط خامساً: عمل قوم لوط، وهو أخبث من الزنا، ولهذا عذب الله جل وعلا أصحابه بأن حملوا ثم نكسوا على رءوسهم ثم أتبعوا بحجارةً. ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] ويفسرها العلماء: ما هي من ظالمي هذه الأمة الذين يفعلون هذا الفعل، فهي ليست بعيدة منهم بل هي قريبة. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (أنه يكون في هذه الأمة خسف ومسخ) يعني: رجم، ومسخيعني: يمسخون قردة وخنازير، ويرجمون من السماء بالحجارة إذا فعلوا كما فعل أولئك الذي نكس الله فطرهم؛ لأن هذا أمر قبيح، تنفر منه الطبائع السليمة وتستقذره. كيف يتركون النساء التي خلقها الله جل وعلا لهم، ويذهبون إلى الحشوش الخبيثة المنتنة؟ ولهذا يقول عبد الملك بن مروان: والله لو لم يذكره الله جل وعلا في القرآن ما صدقت أن رجلاً يأتي رجلاً؛ لقبح ذلك، ولكن هذا ليس عند كل أحد، فبعض الناس شبه البهيمة، بل البهائم أحسن حالاً منه، فلا يمكن أن بهيمة تأتي بهيمة، أي: ذكراً منها يأتي ذكراً، لا يمكن هذا إلا في نوع واحد وهو الحمار فقط، فهو الذي ينزل بعضه على بعض؛ لأنه من أبلد البهائم وأخسها، أما بقية البهائم فلا يمكن أن تجد ذكراً من البهائم يعلو ذكراً، وهذا الإنسان الذي أخبر الله جل وعلا أنه خلقه في أحسن تصوير قال عنه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]. (أسفل سافلين): أول السفول: الأخلاق السيئة المنتكسة، أن تنتكس أخلاقه وفطرته وأعماله، ثم بعد ذلك يسفل ولا يزال يسفل ويستمر في السفول إلى أن يستقر في أسفل سافلين في جهنم، وجهنم هي أسفل سافلين.

стр. 935

إتيان المرأة في الدبر سادساً: إتيان المرأة في دبرها، جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن من أتى امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ فهو أيضاً من الكبائر.

стр. 936

ضابط الكبيرة الكبائر كثيرة جداً، ولو ذهبنا إلى تعدادها لطال بنا الوقت، وإنما نذكر الضوابط التي ذكرها العلماء. الضابط الأول: فمن العلماء من يقول: كل ذنب توعد عليه بالنار، أو قيل لفاعله: (ليس منا)، أو رتب عليه حد في الدنيا، أو لعن فاعله، فإنه يكون كبيرة، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من غشنا فليس منا). أو رتب عليه حد في الدنيا كحد الخمر والزنا، أو لعن فاعله كالربا، أو ذكر بالغضب وأنه مغضوب عليه وما أشبه ذلك. وهذا من الضوابط المشهورة. الضابط الثاني: كل ذنب ترتب عليه استهانة بأمر الله جل وعلا فإنه يكون كبيرة، وهذا أعم من الضابط الأول؛ لأنه هذا يجعل الأشياء الصغائر كبائر. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ليس مع التوبة كبيرة كما أنه ليس مع الإصرار صغيرة) يعني: أن الإصرار على الصغيرة يكون كبيرة؛ ولذلك على الإنسان أن ينظر في نفسه ويحاسب نفسه ويراقبها عسى ألا يكون مرتكباً لكبيرة.

стр. 937

شرح قول ابن عباس: (هي إلى السبعمائة أقرب) قال الشارح ﵀: [قوله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) كذا أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم. قوله: (اجتنبوا) أي: ابعدوا، وهو أبلغ من قوله: دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]. قوله: (الموبقات) بموحدة وقاف أي: المهلكات. وسميت هذه موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليه من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد، والطبري في التفسير، وعبد الرزاق مرفوعاً وموقوفاً، قال: (الكبائر تسع -وذكر السبعة المذكورة- وزاد: والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين). ] الواقع أن العدد غير مقصود، ولا مفهوم للعدد لا للسبع ولا للتسع، ولهذا روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (هن إلى سبعمائة أقرب منهن إلى السبع)، وقد عد العلماء منها ما أوصلوه إلى سبعمائة، وقد يزيد على هذا أو ينقص حسب التتبع والنظر. ومن المعلوم أن الأفعال تنقسم إلى: أفعال جوارح، وأفعال قلوب، وأفعال القلوب فيها كبائر، كما أن أفعال الجوارح فيها كبائر، فمثلاً: الحسد، وسوء الظن بالله -نسأل الله العافية- والتسخط على القدر وما أشبه ذلك من كبائر القلوب، وقد تكون أشد من كبائر الجوارح والأفعال. إذاً: المقصود: أن الحصر بهذا العدد غير مراد، وإنما يقصد شيء معين يذكر لمناسبة المقام لذلك.

стр. 938

من الكبائر: الإلحاد في الحرم ونكث الصفقة قال الشارح: [ولـ ابن أبي حاتم عن علي قال: (الكبائر -فذكر تسعة إلا مال اليتيم- وزاد: العقوق، والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة)]. الإلحاد في الحرم: هو ارتكاب الإثم والمعصية التي تتعلق بأمر الله جل وعلا ونهيه. وأما نكث الصفقة: فهي إخلاف العهد الذي عقد بينه وبين آخر، ولو كان في أمور بيع أو غيرها ثم ينقضها عامداً قاصداً بغير رضا الآخر، وأعظم ذلك: العهود التي تبرم بين الجماعات أو مع إمام بأن يعطى صفقةً ثم يخالف ويناقض في ذلك، فإن هذا من أعظمها. وأما الأمور الأخرى التي تكون بين الأفراد فهي تختلف باختلاف المفاسد التي تترتب عليها، ومعلوم أن حق الإنسان على الآخر ممنوع محرم إلا بطيبة نفس منه، وكل مال المسلم على المسلم حرام إلا بطيبة نفس منه، ولهذا جاء في الصحيح: (أن من أكل مال مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان) وجاء (من اقتطع حق مسلم ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان، قيل: وإن كان شيئاً قليلاً؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: وإن كان سواكاً، فهذا مبني على الاستقصاء، والظلم حرمه الله جل وعلا. أما التعرب فمعناه: أن المهاجر إذا هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فإنه لا يترك موطنه ويذهب أعرابياً في الصحراء. هذا ممنوع، وهو ليس على إطلاقه فقد جاء ما يدل على جواز ذلك في حالات منها: إذا كثرت الفتن، فإنه جاء في الحديث: (إن خير مال المرء المسلم إذا كثرت الفتن غنم يتتبع بها شعب الجبال يفر بدينه من الفتن) إذا كان هذا المقصود، ولم يكن عند المسلمين اجتماع على الحق وجهاد في سبيل الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وإنما صار كل امرء معجب بنفسه، وكل إنسان تبع رأيه، وكثرت الفتن التي قد يقع فيها الإنسان صباح مساء، فهنا إذا ترك الناس وفر بدينه وأصبح أعرابياً كان أسلم له، وقد جاء الإذن في ذلك في هذه الحالة. وأما إذا كان أمر المسلمين قائماً ومجتمعاً فإن التعرب فيه الجفاء وعدم إقامة الجماعات والتعاون معهم والقيام بأمر الله جل وعلا في كل ما أمر به. ومن المعلوم أن الله أمر المسلمين أن يجتمعوا، ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا، فالمقصود كون الإنسان يبقى معهم ولا يتعرب إلا لأمر ضروري.

стр. 939

الحكمة من الاقتصار على ذكر سبع من الكبائر قال الشارح ﵀: [قال الحافظ: ويُحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. فيجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو ضعيف، أو بأنه أعلم أولاً بالمذكورات ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل. ]. الجواب الثالث هو الظاهر والله أعلم، أنه وقع بحسب حاجة السامع إلى ذلك؛ ولهذا اختلفت الأحاديث في عدد الكبائر، فمرةً يأتي بها بأنواع، وفي مقام آخر يأتي بغيرها؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يلاحظ السامعين فيذكر ما يحتاجون إليه. قال الشارح ﵀: [وقد أخرج الطبراني وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع، قال: (هن أكثر من سبع وسبع). وفي رواية: (هي إلى السبعين أقرب)، وفي رواية: (إلى السبعمائة)]. قد كتب العلماء في الكبائر الكتب، ومن أجمعها الزواجر لـ ابن حجر الهيتمي سماه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، والإمام الذهبي له كتابان فيها، كتاب كبير وكتاب صغير، أحدهما كتبه لطلبة العلم والآخر المشهور المتداول كتبه لعامة المسلمين، وبناه على الوعظ والزجر؛ ولهذا ذكر فيه أحاديث ضعيفة وحكايات لا يعتمد عليها؛ وذلك لأن المواعظ يتساهل فيها أكثر من غيرها؛ لأنه قد يذكر حكاية يكون فيها من التأثير أكثر من تأثير آية لو تليت على بعض العوام، وكذلك ابن القيم له كتاب الكبائر وهو أصل كتاب ابن حجر الهيتمي. وكذلك السخاوي صاحب الإقناع له كتاب في الكبائر، وغيرها من الكتب. ومن أسهل الكتب في هذا: (تنبيه الغافلين) للنحاس؛ فإنه عد جملةً كبيرة منها، وبين حكمها في كتابه (تنبيه الغافلين). إذاً: هي أكثر من سبع وسبع وأكثر من سبعمائة. أي: أن العدد غير مقصود، وهذا مراد المصنف من إيراد هذا.

стр. 940

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٥] السحركبيرة من الكبائر العظام، وهو أنواع كثيرة: منه ما هو كفر، وهو السحر الذي يكون عن طريق التقرب إلى الشياطين، ومنه ما هو كبيرة من الكبائر كالحيل ونحوها. ومن السحر -وليس بكفر- النميمة؛ لأنه يحصل بها ما يحصل بالسحر من الفرقة والشقاق والفساد.

стр. 941

ضرورة تحقيق معنى الشهادة قال الشارح ﵀: [قوله: (الشرك بالله) هو أن يجعل لله نداً يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله، بدأ به؛ لأنه أعظم ذنب عصي الله به، كما في الصحيحين عن ابن مسعود سألت النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) الحديث. وأخرج الترمذي بسنده عن صفوان بن عسال قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له صاحبه: لا تقل: نبي إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتى رسول الله ﷺ فسأله عن تسع آيات بينات، فقال النبي ﷺ : (لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنةً، ولا تولوا للفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت، فقبّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي) الحديث، وقال: حسن صحيح. ] قالا: نشهد أنك نبي ولكنهما لم يؤمنا، فبقيا على يهوديتهما، وهذا يدلنا على أن الكفر عند اليهود -نسأل الله السلامة- متأصل، وأن قلوبهم مملوءة بالحقد وبغض الإسلام والمسلمين، وإلا فهم مثل ما أخبر جل وعلا يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولكن الحسد منعهم من متابعته، فهم يحسدون الناس على فضل الله الذي آتاهم؛ لأنهم يريدون أن يحصروا فضل الله فيهم. والحسود عدو النعم، وليس له علاج -نسأل الله العافية- إلا الهلاك، يحرقه حسده في الدنيا قبل أن يصل إلى النار. والمقصود أن هؤلاء يشهدون أنه نبي ومع ذلك يكفرون به ولا يتابعونه، بل يبغضونه ويبغضون من يتابعه، فأي شهادة هذه؟ إن هذه الشهادة وبال عليهم نسأل الله العافية.

стр. 942

خلاف العلماء في توبة القاتل قال الشارح ﵀: [قوله: (السحر) تقدم معناه، وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة. وقوله: (وقتل النفس التي حرم الله) أي: حرم قتلها، وهي نفس المسلم المعصوم. قوله: (إلا بالحق) أي: بأن تفعل ما يوجب قتلها كالشرك، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، وكذا قتل المعاهد كما في الحديث: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة). واختلف العلماء فيمن قتل مؤمناً متعمداً هل له توبة أم لا؟ فذهب ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما إلى أنه لا توبة له، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]. وقال ابن عباس: (نزلت هذه الآية وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء). وفي رواية: (لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ ، وما نزل وحي). وروي في ذلك آثار تدل لما ذهب إليه هؤلاء، كما عند الإمام أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً). وذهب جمهور الأمة -سلفاً وخلفاً- إلى أن القاتل له توبةً فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحاً بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] الآيات. قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء:٩٣] قال أبو هريرة وغيره: (هذا جزاؤه إن جازاه)]. في هذه المسألة خلاف كما سمعنا، من العلماء من قال: لا توبة له، فقاتل النفس ليس له توبة، ولابد أن يعاقب على هذا القتل، وقد توعده الله جل وعلا بالنار فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]. كذلك الحديث الذي ذكره: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) يعني: أن هذا لا يعفى عنه، وهذا قول بعض العلماء، وقال الجمهور: إن له توبة، والتحقيق في هذا: أن قتل النفس يتعلق فيه ثلاثة حقوق: حق لأولياء المقتول، وحق لله جل وعلا، وحق للمقتول نفسه. فأما حق أولياء المقتول فإنه يسقط بالقصاص أو بدفع الدية، وأما حق الله جل وعلا فإنه يسقط بالتوبة، ويبقى حق المقتول لابد من أدائه، ولابد أن تؤدى الحقوق إلى أصحابها، لأنه يأتي يوم القيامة ممسكاً قاتله فيقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟ فهل يضيع حقه؟ لا. لن يضيع حقه. وهذا وجه استدل به الذين يقولون: إنه لا توبة له. يعني: أن هذا لا يمكن حتى يؤدي حق المقتول يوم القيامة. وكيف يؤدي حقه؟ التأدية في ذلك اليوم بالحسنات والسيئات فليس هناك غيرها، ومن كان له حق على الآخر فلابد أن يستوفيه ولكن من حسناته، فإن لم تف حسناته بذلك فإنه يؤخذ من سيئات صاحب الحق ويطرح عليه حتى يستوفي، حتى إذا لم يبق له حسنة طرح في النار. فمن هنا قال من قال: إنه لا توبة له. يعني: إن هذا غير ممكن، وأما فيما بينه وبين الله فله التوبة، ويجوز أن الله جل وعلا يرضي المقتول عن القاتل في ذلك الموقف إذا شاء، ولهذا جاء: (أن المقتول يأتي ممسكاً بالقاتل يقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله جل وعلا للقاتل: تعست)، ومن تعس في ذلك اليوم خسر وهلك. وقد ثبت في الصحيح: أن الرسول ﷺ ذكر رجلاً ممن سبق كان مسرفاً على نفسه، يعني: كان قتالاً سفاكاً للدماء، قتل تسعة وتسعين رجلاً، فذهب يلوم نفسه لماذا هذا التمادي في الضلال؟ فذهب يسأل الناس: دلوني على عالم؟ فدلوه على رجل عابد فسأله: هل لي من توبة؟ فقال: لا. فالإنسان إذا قتل نفساً واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً، كيف وقد قتلت تسعة وتسعين نفساً؟ فقال: ما دام أنه ليس لي توبة إذاً أكمل بك المائة، فقتله، وبعد ذلك أراد الله به الخير، وسار يسأل ويبحث جاداً: دلوني على عالم من أهل الأرض؟ فدلوه على رجل عالم، فذهب وسأله فقال: قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: نعم. ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك من بلد أهله مسرفون، ولكن اخرج إلى البلد الفلاني فأهله أهل خير وصلاح فاذهب واعبد الله معهم، فتاب وذهب إلى ذلك البلد، وفي أثناء الطريق قبل أن يصل البلد أدركه الموت، فجاءته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يريد أن يقبضه ويتولاه، وملائكة الرحمة يقولون: جاء تائباً صادقاً في توبته، وملائكة العذاب يقولون: إن هذا ما فعل خيراً قط، وهو سفاك للدماء، فنحن أولى به، فبعث الله جل وعلا إليهم ملكاً ليحكم بينهم فتحاكموا إليه، فقال: قيسوا ما بين البلدين فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها؟ فقاسوا فوجدوه أقرب إلى بلد الخير بشبر أو ذراع فقبضته ملائكة الرحمة. وجاء في رواية: إنه وهو يكابد الموت كان ينوء بصدره يريد أن يقرب ويريد أن يسير، ينوء بصدره ويعجز عن المسير؛ فدل ذلك على صدقه وصدق إقباله. وجاء في رواية: أن الله أوحى إلى البلد الطيب أن تقاربي وإلى البلد الخبيث أن تباعدي، فقبضته ملائكة الرحمة. إذا جاء شرع من قبلنا يوافق شرعنا فهو شرع لنا، أما إذا جاء مخالف له فمعلوم أن شرعنا مهيمن على الشرائع كلها وقاض عليه، وقد حذر الله جل وعلا من القتل، والمقصود: أن قاتل النفس تكون عليه هذه الحقوق الثلاثة: حقان يسقطان، ويبقى حق، وهذا مدار الكلام هل له توبة أم لا؟ فالذي يقول: ليس له توبة معنى ذلك: أنه يقول: لابد من استيفاء حق المقتول، وهذا حق لابد من استيفائه. قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ [النساء:٩٣] قال أبو هريرة وغيره: هذا جزاؤه إن جازاه. ] هذا تأويل، (إن جازاه) ويجوز ألا يجازيه، والمعنى أنه يجوز أن يعفو عنه رب العالمين، وإلا إن جازاه فهذا جزاؤه الذي يستحق. قال الشارح ﵀: [وقد روي عن ابن عباس ما يوافق قول الجمهور، فروى عبد بن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيد: أن ابن عباس ﵄ كان يقول: (لمن قتل مؤمناً توبة)، وكذلك ابن عمر ﵄. وروي مرفوعاً: (أن جزاؤه جهنم إن جازاه)].

стр. 943

من الكبائر أكل الربا قال الشارح ﵀: [قوله: (وأكل الربا) أي: تناوله بأي وجه كان، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨٠] قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك. ] والربا سبق بيان معناه، وأنه من أعظم المحرمات، وقد أخبر الله جل وعلا أن الذي لا ينتهي عن أكله بعد ما كان جاهلاً وجاءه العلم أنه يكون حرباً لله ولرسوله. والربا قسمان: ربا يسمى: ربا النسيئة وآخر: ربا الفضل. فالنسيئة -مثلاً- أن يقرض شيئاً لأجل، فإذا جاء ذلك الأجل يرد عليه أكثر مما قدمه، فالزائد ربا. وأما ربا الفضل فهو: أن يبيع شيئاً بشيء من جنسه متفاضلاً، وكله من أعظم المحرمات، ويجب على المسلم أن ينتهي عن ذلك، وقول ابن دقيق العيد ﵀: إنه مجرب لسوء الخاتمة، يعني: بتجربة أحوال الناس عند الموت، فصاحب الربا لا يستطيع أن يتلفظ بالشهادتين، ويسود وجهه، وتظهر عليه آثار العذاب وهو بين الناس، نسأل الله العافية. ومعنى سوء الخاتمة: ألا يختم له بما يدل على رضا الله جل وعلا، ومعلوم أن الذنوب كلها خطرة؛ لأنها معاصٍ لله جل وعلا، ومن عصى الله جل وعلا فهو على خطر، فهذه الذنوب تحول بينه وبين ما يرضي الله جل وعلا عند آخر عمره، فيكون مختوماً له بسوء الخاتمة، ولكن الذنوب بعضها أعظم من بعض، ومن أعظمها وأكبرها: أكل الربا؛ لأنه أكل لأموال الناس بلا حق ولا مقابل، ومن أعظم المحرمات: حقوق الناس التي تناولها المرابي وإن كان يزعم أنه تناولها بصنعته وبطريقه وبكسبه، ولكن إذا حرم الله جل وعلا شيئاً فيجب الانتهاء عنه.

стр. 944

من الكبائر: أكل مال اليتيم قال الشارح ﵀: [قوله: (وأكل مال اليتيم) يعني: التغذي به، وعبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]]. أكل مال اليتيم مثل أكل الربا، ليس لازماً أن يأكله في بطنه، بل لو أخذه وانتفع به فبنى به بيتاً أو اشترى به أثاثاً أو اشترى به أي حاجة ينتفع بها فهو في حكم الأكل، فإذا انتفع به بأي وجه من وجوه الانتفاع فهو آكل له شرعاً، وإنما عبر بالأكل لأن هذا هو الغالب الذي يقصد به في الغالب، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فإذا وضعوه على ظهورهم فإنهم يضعون على ظهورهم ناراً، وكذلك إذا اُنتفع به بأي انتفاع آخر فإن المعنى واحد، إذ لا فرق بين الأكل وبين الانتفاع.

стр. 945

من الكبائر التولي يوم الزحف قال الشارح ﵀: [قوله: (والتولي يوم الزحف) أي: الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرةً إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال، كما قُيد به في الآية]. الفرار من الزحف: هو أن يفر من أمام الكفار، فإذا أقبل الكفار في صفوفهم على المسلمين في صفوفهم، وولاهم ظهره مدبراً فإنه يكون قد فعل موبقاً من الموبقات، كما نص الله جل وعلا على ذلك، ولكن هذا إذا لم يكن متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، أما إذا لم يكن كذلك فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم، نسأل الله العافية؛ وذلك لأنه يرغب في الدنيا عن الآخرة.

стр. 946

فضل الشهادة في سبيل الله المؤمن الصادق يتمنى لقاء العدو من أجل أن يكون شهيداً؛ لأن الشهادة أشرف الموت، ولا موت أشرف من موت الشهداء، والذي يقدم على ذلك يكون مصدقاً لله ولرسوله بما يترتب على ذلك من الجزاء ومن الأمور التي ذكرها الرسول ﷺ ، ومنها: أن الشهيد يؤمن فتنة القبر، وهذه خصلة عظيمة. ومنها: أن زوجاته الحور العين تحضره عند موته. ومنها: أن الله جل وعلا يبيح له التمتع بالجنة قبل القيامة، وتجعل روحه في حوصلة طير تعلق من شجر الجنة، وروحه تتمتع بالجنة كيف يشاء، ويعلق في الجنة بأي شجرة يريد. ومنها: أنه يشفع في سبعين من أهله، قال الرسول ﷺ : (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت أدخله الله الجنة هاجر أو جاهد أو مات في بلده الذي ولد فيه فقالوا: ألا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن الله أعد للمجاهدين في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض) يعني: أن المجاهدين لهم مائة درجة في الجنة، والدرجة معناها: المنزلة، فكل درجة جنة، وما بين كل واحدة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض، فلا يجوز التفريط في ذلك لمن يؤمن بهذا ويصدق به، بل عليه أن يتسابق إلى هذه الأشياء. وجاء أنه ﷺ قال: (وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل) يعني: يقتل ويحيا أربع مرات؛ لما في الشهادة من الفضل، وكل ميت من المؤمنين إذا رأى جزاءه لا يود أن يرجع إلى الدنيا وإن كان ما كان، إلا الشهيد فإنه يود أن يحيا ثم يقتل؛ لما يرى من عظم كرامة الله جل وعلا له. ولما بكى جابر بن عبد الله على أبيه الذي قتل في أحد قال له الرسول ﷺ : (أما أبوك فإن الله كلمه كفاحاً، وقال له: يا عبدي! تمنى علي، قال: ماذا أتمنى وأنا أرى ما أرى؟ فلما أكثر الله جل وعلا عليه طلب التمني، قال: يا رب! أريد أن تعيدني مرةً أخرى إلى الدنيا فأقتل، فقال: أما هذه فلا) لأن الله قضى ألا يعاد الميت مرةً أخرى إلى الدنيا. وكذلك جاء في الشهداء الذين قتلوا في مسيرهم عند أن سيرهم الرسول ﷺ لتعليم بعض من كذب على النبي ﷺ بأن قومه آمنوا، ثم اجتمعوا عليهم وقتلوهم غدراً، ولم يعلم بهم أحد، فأخبر الله جل وعلا عنهم نبيه، فقال النبي ﷺ : (إن الله قال لهم: يا عبادي! تمنوا علي -ولما هم فيه مما يشاهدون من الفضل العظيم- قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا مرةً أخرى فنقتل في سبيلك) وهكذا الشهيد يتمنى أن يتحصل على شهادة أخرى. فإذا فر الإنسان عن قتال الكفار فمعنى ذلك أنه قدم الدنيا على الآخرة، ورغب بالدنيا عن الآخرة؛ ولهذا توعد بهذا الوعيد إلا إذا كان متحرفاً لقتال، ومعنى المتحرف للقتال: أنه يفر أمامهم ليريهم الفرار خدعة، ثم يكر عليهم من جهة أخرى فيكون ذلك أشد تنكيلاً فيهم، كما يفعله من يفعله من الشجعان، فإنه يُري العدو أنه منهزم حتى يتمكن منه ثم يرجع إليه فيتمكن من قتله ومن التنكيل به، أو أن يذهب إلى جهة أخرى ليساعد إخوانه من المسلمين الذين في الجانب الآخر على القتال، فلما كان هذا قد يظن أنه يكون فراراً بيَّن الله جل وعلا أنه ليس تولياً؛ لأنه يريد أن يتصرف في قتال العدو بما هو أنفع للمسلمين وأشد تنكيلاً بالعدو.

стр. 947

القذف كبيرة من الكبائر قال الشارح ﵀: [قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، وهو بفتح الصاد: المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه، والمراد بالحرائر: العفيفات، والمراد رميهن بزناً أو لواط، والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات]. قذف المحصنات يعني: أن يقذفهن بالفاحشة، كأن يقول: هذه فعلت الفاحشة وهو كاذب، فإن هذا من المهلكات الموبقات، وإذا لم يقم عليه الحد في الدنيا سوف يقام عليه يوم القيامة، وحتى إن أقيم عليه حد القذف الذي هو ثمانون جلدة فإن هذا لابد فيه من التوبة، ولابد أن يبين أنه كاذب، وأن من رماه بريء من ذلك، فإن لم يفعل فلا يبرأ حتى وإن أقيم عليه الحد؛ لأنه متوعد بهذا الجرم، وهذا من حقوق المسلمين، وحقوق المسلمين أمرها عظيم، وسمي: قذفاً؛ لأنه كأنه قذفه بالحجارة، وقذف الكلام في الناس أصعب من القذف بالحجارة، فإذا كان بفواحش فهذا أصعب. معنى قوله: (بزناً أو لواط) يعني: إن قذفت بأنها أُتيت من القبل أو من الدبر فكله سواء. قال الشارح ﵀: [والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات؛ لأن الغافل بريء عما بهت به، والمؤمنات أي: بالله تعالى احترازاً من قذف الكافرات].

стр. 948

قتل الساحر جاء عن عدة من الصحابة قال الشارح ﵀: [وعن جندب مرفوعاً: (حد الساحر ضربه بالسيف) رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف. قوله: عن جندب ظاهر صنيع الطبراني في الكبير أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في ترجمة جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي ﷺ . وخالد العبد ضعيف. قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره. وجندب الخير: هو جندب بن كعب، وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان. أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي، وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (يضرب ضربةً واحدة فيكون أمةً واحدة). قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) وروي بالهاء والتاء، وكلاهما صحيح. وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز، ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث ولأثر عمر، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، قال: فقتلنا ثلاث سواحر]. قال الشارح ﵀: [هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف ﵀ لكن لم يذكر قتل السواحر. قوله: (عن بجالة) بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التميمي العنبري بصري ثقة. قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك؛ لأن علم السحر لا يزول بالتوبة، وعن أحمد: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبه قال الشافعي؛ لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته؛ ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم]. قال المصنف رحمه الله تعالى: وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. وكذلك صح عن جندب. هذا الأثر رواه مالك في الموطأ. وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة، وماتت سنة خمس وأربعين. قوله: (وكذا صح عن جندب) أشار المصنف بهذا إلى قتل الساحر، كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: (كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنساناً وأبان رأسه، فعجبنا! فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله)، ورواه البيهقي في الدلائل مطولاً وفيه: فأمر به الوليد فسجن، فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة. قال المصنف ﵀: [قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ أحمد: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، قوله: (عن ثلاثة) أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، يعني: عمر وحفصة وجندباً. والله أعلم].

стр. 949

مسائل باب ما جاء في السحر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة]. آية البقرة هي قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. سبق بعض الكلام عليها.

стр. 950

تعريف الجبت [الثانية: تفسير آية النساء]. وهي قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] فالجبت قيل: هو السحر، والإيمان به: فعله، فكون الإنسان يفعل الجبت، أو يأمر غيره أن يفعل له ذلك، فإنه يكون داخلاً في هذا، والجبت يطلق على السحر، ويطلق على الشيطان، وعلى طاعة الشيطان، ويطلق على الشرور.
следующие страницы →