← Акыда

Акыда · id 37166

شرح فتح المجيد للغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (2 090 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فضل الشهادة في سبيل الله المؤمن الصادق يتمنى لقاء العدو من أجل أن يكون شهيداً؛ لأن الشهادة أشرف الموت، ولا موت أشرف من موت الشهداء، والذي يقدم على ذلك يكون مصدقاً لله ولرسوله بما يترتب على ذلك من الجزاء ومن الأمور التي ذكرها الرسول ﷺ ، ومنها: أن الشهيد يؤمن فتنة القبر، وهذه خصلة عظيمة. ومنها: أن زوجاته الحور العين تحضره عند موته. ومنها: أن الله جل وعلا يبيح له التمتع بالجنة قبل القيامة، وتجعل روحه في حوصلة طير تعلق من شجر الجنة، وروحه تتمتع بالجنة كيف يشاء، ويعلق في الجنة بأي شجرة يريد. ومنها: أنه يشفع في سبعين من أهله، قال الرسول ﷺ : (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت أدخله الله الجنة هاجر أو جاهد أو مات في بلده الذي ولد فيه فقالوا: ألا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن الله أعد للمجاهدين في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض) يعني: أن المجاهدين لهم مائة درجة في الجنة، والدرجة معناها: المنزلة، فكل درجة جنة، وما بين كل واحدة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض، فلا يجوز التفريط في ذلك لمن يؤمن بهذا ويصدق به، بل عليه أن يتسابق إلى هذه الأشياء. وجاء أنه ﷺ قال: (وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل) يعني: يقتل ويحيا أربع مرات؛ لما في الشهادة من الفضل، وكل ميت من المؤمنين إذا رأى جزاءه لا يود أن يرجع إلى الدنيا وإن كان ما كان، إلا الشهيد فإنه يود أن يحيا ثم يقتل؛ لما يرى من عظم كرامة الله جل وعلا له. ولما بكى جابر بن عبد الله على أبيه الذي قتل في أحد قال له الرسول ﷺ : (أما أبوك فإن الله كلمه كفاحاً، وقال له: يا عبدي! تمنى علي، قال: ماذا أتمنى وأنا أرى ما أرى؟ فلما أكثر الله جل وعلا عليه طلب التمني، قال: يا رب! أريد أن تعيدني مرةً أخرى إلى الدنيا فأقتل، فقال: أما هذه فلا) لأن الله قضى ألا يعاد الميت مرةً أخرى إلى الدنيا. وكذلك جاء في الشهداء الذين قتلوا في مسيرهم عند أن سيرهم الرسول ﷺ لتعليم بعض من كذب على النبي ﷺ بأن قومه آمنوا، ثم اجتمعوا عليهم وقتلوهم غدراً، ولم يعلم بهم أحد، فأخبر الله جل وعلا عنهم نبيه، فقال النبي ﷺ : (إن الله قال لهم: يا عبادي! تمنوا علي -ولما هم فيه مما يشاهدون من الفضل العظيم- قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا مرةً أخرى فنقتل في سبيلك) وهكذا الشهيد يتمنى أن يتحصل على شهادة أخرى. فإذا فر الإنسان عن قتال الكفار فمعنى ذلك أنه قدم الدنيا على الآخرة، ورغب بالدنيا عن الآخرة؛ ولهذا توعد بهذا الوعيد إلا إذا كان متحرفاً لقتال، ومعنى المتحرف للقتال: أنه يفر أمامهم ليريهم الفرار خدعة، ثم يكر عليهم من جهة أخرى فيكون ذلك أشد تنكيلاً فيهم، كما يفعله من يفعله من الشجعان، فإنه يُري العدو أنه منهزم حتى يتمكن منه ثم يرجع إليه فيتمكن من قتله ومن التنكيل به، أو أن يذهب إلى جهة أخرى ليساعد إخوانه من المسلمين الذين في الجانب الآخر على القتال، فلما كان هذا قد يظن أنه يكون فراراً بيَّن الله جل وعلا أنه ليس تولياً؛ لأنه يريد أن يتصرف في قتال العدو بما هو أنفع للمسلمين وأشد تنكيلاً بالعدو.

стр. 947

القذف كبيرة من الكبائر قال الشارح ﵀: [قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، وهو بفتح الصاد: المحفوظات من الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه، والمراد بالحرائر: العفيفات، والمراد رميهن بزناً أو لواط، والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات]. قذف المحصنات يعني: أن يقذفهن بالفاحشة، كأن يقول: هذه فعلت الفاحشة وهو كاذب، فإن هذا من المهلكات الموبقات، وإذا لم يقم عليه الحد في الدنيا سوف يقام عليه يوم القيامة، وحتى إن أقيم عليه حد القذف الذي هو ثمانون جلدة فإن هذا لابد فيه من التوبة، ولابد أن يبين أنه كاذب، وأن من رماه بريء من ذلك، فإن لم يفعل فلا يبرأ حتى وإن أقيم عليه الحد؛ لأنه متوعد بهذا الجرم، وهذا من حقوق المسلمين، وحقوق المسلمين أمرها عظيم، وسمي: قذفاً؛ لأنه كأنه قذفه بالحجارة، وقذف الكلام في الناس أصعب من القذف بالحجارة، فإذا كان بفواحش فهذا أصعب. معنى قوله: (بزناً أو لواط) يعني: إن قذفت بأنها أُتيت من القبل أو من الدبر فكله سواء. قال الشارح ﵀: [والغافلات أي: عن الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات؛ لأن الغافل بريء عما بهت به، والمؤمنات أي: بالله تعالى احترازاً من قذف الكافرات].

стр. 948

قتل الساحر جاء عن عدة من الصحابة قال الشارح ﵀: [وعن جندب مرفوعاً: (حد الساحر ضربه بالسيف) رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف. قوله: عن جندب ظاهر صنيع الطبراني في الكبير أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في ترجمة جندب البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي ﷺ . وخالد العبد ضعيف. قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره. وجندب الخير: هو جندب بن كعب، وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما قاله ابن حبان. أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي، وروى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (يضرب ضربةً واحدة فيكون أمةً واحدة). قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) وروي بالهاء والتاء، وكلاهما صحيح. وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز، ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث ولأثر عمر، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، قال: فقتلنا ثلاث سواحر]. قال الشارح ﵀: [هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف ﵀ لكن لم يذكر قتل السواحر. قوله: (عن بجالة) بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التميمي العنبري بصري ثقة. قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة)، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك؛ لأن علم السحر لا يزول بالتوبة، وعن أحمد: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبه قال الشافعي؛ لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته؛ ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم]. قال المصنف رحمه الله تعالى: وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. وكذلك صح عن جندب. هذا الأثر رواه مالك في الموطأ. وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة، وماتت سنة خمس وأربعين. قوله: (وكذا صح عن جندب) أشار المصنف بهذا إلى قتل الساحر، كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: (كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنساناً وأبان رأسه، فعجبنا! فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله)، ورواه البيهقي في الدلائل مطولاً وفيه: فأمر به الوليد فسجن، فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة. قال المصنف ﵀: [قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ أحمد: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، قوله: (عن ثلاثة) أي: صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، يعني: عمر وحفصة وجندباً. والله أعلم].

стр. 949

مسائل باب ما جاء في السحر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة]. آية البقرة هي قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. سبق بعض الكلام عليها.

стр. 950

تعريف الجبت [الثانية: تفسير آية النساء]. وهي قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] فالجبت قيل: هو السحر، والإيمان به: فعله، فكون الإنسان يفعل الجبت، أو يأمر غيره أن يفعل له ذلك، فإنه يكون داخلاً في هذا، والجبت يطلق على السحر، ويطلق على الشيطان، وعلى طاعة الشيطان، ويطلق على الشرور.

стр. 951

الفرق بين الجبت والطاغوت [الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما]. سبق الفرق بين الجبت والطاغوت، فالجبت: يطلق على الساحر والسحر، ويطلق على الكاهن والكهانة، ويطلق على الشر. وأما الطاغوت: فهو مأخوذ من الطغيان وهو: التجاوز، وهو الذي ينازع الله جل وعلا في ربوبيته أو في شرعه أو في حكمه، فكل من كان منازعاً لله جل وعلا في شيء من ذلك فإنه طاغوت؛ ولهذا يقول العلماء: الطواغيت كثيرون جداً، ولكن رؤساؤهم خمسة: إبليس لعنه الله، وهو أولهم، ومن عبد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله، هؤلاء هم رؤساء الطواغيت.

стр. 952

الكبائر ليست محصورة في سبع [الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي]. السبع الموبقات سبق الكلام عليها، وهي الشرك، والسحر، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات. وسبق أنه ليس معنى قوله ﷺ : (اجتنبوا السبع) أنها تنحصر الموبقات في هذه السبع، بل هناك موبقات كثيرة يجب أن تجتنب؛ ولهذا جاءت نصوص أخرى في كل واحد منها الإخبار بأن هذه من الموبقات أو من أكبر الكبائر أو من الأمور التي تستوجب لعنة الله وغضبه وسخطه أو تستوجب النار، وهي كثيرة. وسبق أن الجواب الصحيح عن هذا: أن الرسول ﷺ يذكر في كل مقام ما يناسبه، وما ينفع المتكلم، وما يكون المخاطب محتاجاً إليه. فالرسول ﷺ كان يخاطب الناس بالشيء الذي هم بحاجة إليه، ويقتصر على الشيء الذي ينفعهم ويحتاجون إليه. وتختلف أحوال الناس، والمجلس قد يكون فيه غير الذين سبق أن خاطبهم أولاً، فاختلفت خطابته على هذا الأساس.

стр. 953

الطواغيت لا يختصون بالإنس فقط [الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس]. أي: أن الطاغوت قد يكون شيطاناً من شياطين الإنس وقد قد يكون شيطاناً من شياطين الجن. والضابط في هذا: أن كل من فعل شيئاً من هذه الأفعال التي ذكرت فهو طاغوت.

стр. 954

استتابة الساحر قبل قتله [السادسة: أن الساحر يكفر. السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب]. هذا هو ظاهر النصوص: أنه يقتل ولا يستتاب، فـ عمر ﵁ لم يأمر باستتابة السواحر، وكذلك جندب لم يقل للساحر: تب وإلا قتلتك، بل اخترط السيف وقتله، وكذلك حفصة ﵂ لما دبرت مملوكةً لها فاستعجلت المملوكة عتقها فسحرت حفصة مولاتها؛ حتى تموت فتعتق، فأمرت بقتلها، وهذا من سنة الله أن من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه. فالدلائل تدل على أنه لا يستتاب، وهناك ذنوب لا يستتاب صاحبها، حتى ولو تاب ما تقبل، مثل الذي يسب رسول الله ﷺ أو يسب الله، فمثل هذا لو قال: أنا تبت، لا يقبل منه، ويجب على ولي الأمر أن يقتله.

стр. 955

السحر وجد في القرون المفضلة [الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده؟!]. يعني: أن السحر كان موجوداً في وقت الخلفاء الراشدين، وذلك الوقت هو خير الأوقات، والناس في ذلك الوقت هم خير الناس؛ لنص حديث رسول الله ﷺ : (بعثت في خير القرون) وفي رواية: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته إلخ). وفي حديث أنس الذي في الصحيح: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ ، وجاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب، واتفقت الأمة على أن أفضل القرون قرن الصحابة رضوان الله عليهم، فهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ ، وتلقوا الإيمان والعلم والأدب منه، وصاروا يعملون بطاعته ويتسابقون إلى مرضاته. فالذي صحب النبي ﷺ لا يكون مثل الذي لم يصحبه، وإن عمل أي عمل. والصحابي هو: الذي لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، أما الذي لقيه وهو كافر فلا يكون صحابياً، وكذلك الذي ارتد -نسأل الله العافية- ومات على الردة لا يكون صحابياً، والصحابة ذكر الله جل وعلا أنه رضي عنهم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. والمقصود: أن زمنهم هو أفضل زمن، فإذا كان هذا يوجد في زمنهم ففي الأزمنة المتأخرة يكون أكثر من باب أولى، والسحر في وقتنا صار أكثر من غيره، وصار في المسلمين من يتعاطى السحر، والذي لا يصنعه يطلب من الصانع أن يسحر له، ويكون الجرم كله سواء على الساحر وعلى الذي سُحر له، وهذا يدل على الجهل وعلى قلة الإيمان، نسأل الله العافية، فكثير ممن يتعاطاه يجهل حكم السحر وكونه موبقاً، أو أنه يريد أن يتحصل على نفع معين بهذا المحرم الذي لا يجوز استعماله بحال من الأحوال.

стр. 956

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٦] الجبت أنواع كثيرة، ومنها: العيافة والطرق والطيرة، وقد حذر منها العلماء، وحذروا أيضاً من النظر في النجوم للتنجيم، وحذروا من تعلم السحر، والتشبه بالسحرة في عقد الخيوط والنفث فيها.

стр. 957

السحر أنواع كثيرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان شيء من أنواع السحر]. لما ذكر ﵀ السحر ذكر أن السحر أنواع متعددة؛ منها: ما هو سحر حقيقي، ومنها: ما هو ملحق بالسحر؛ لأنه يعمل عمل السحر، ومنها: ما يكون أيضاً ملحقاً به ولو من جانب يسير. فأراد أن يبين بعض الأشياء التي يكثر وقوعها في المسلمين، والمصنف أراد بيان شيء من أنواع السحر، وليس كل الأنواع التي تقع، وإنما التي تكون ملتبسة على كثير من الناس، بل قد تنعكس القضية؛ ويصبح الذي عنده شيء من السحر يُعتقد أنه ولي من الأولياء، وهذا من أكبر الخطأ ومن أعظم الجهل والتخليط والتلبيس. وهناك أشياء كثيرة تقع من كثير من الناس ويعتقد بعض الجهال أنها كرامة، وهي في الواقع إهانة؛ لأنها سحر أو طاعة للشيطان. والكرامة لا تكون لصاحب السحر، وليست مخالفة العادة التي يعتادها الناس أو يرونها دليلاً على أن من وقعت على يده يكون من أولياء الله أو أنه كريم على الله، كلا، بل قد يكون كافراً، وقد يكون عدواً لله جل وعلا ولرسوله، فبعض من الناس قد يطير في الهواء ويمشي على الماء ويأتيه ما يريد من المال ومن المتاع وقد تأتيه امرأة فيفجر بها أو يأتيه صبي فيفجر به، وكل هذه الأشياء لا تكون إلا بواسطة الشياطين، وبواسطة السحر. وقد يأخذ كوزاً فيملأه ذهباً، وقد يأخذ حجراً ويري الناس أنه ذهب، وقد يأخذ تراباً ويُري الناس أنه طعام، وقد يمد يده إلى الشيء فيموت ذلك الشيء، وما أشبه ذلك مما يصنعه أعداء الله وأعداء دينه من الذين يعبدون الشياطين ويتلبسون بهم، ولهذا كثير من هؤلاء تجده وسخاً، وله رعشة خفيفة، وقد يأكل الحيات والعقارب، وقد يتلبس بالنجاسات ولا يتطهر، وقد يكون مصاحباً للكلاب؛ لأن هذا هو الذي يريده الشيطان، فالشياطين تحب النجاسات، ومأواها الحمامات وأماكن النجاسات والقاذورات، فهم يريدون من أوليائهم أن يكونوا كذلك، ومع ذلك فكثير من الناس يقول: هذا ولي من الأولياء، وهو لا يصلي، بل بعضهم يكتب آيات الله بالنجاسة، فيكتب أسماء الله بالنجاسة ثم يعطيها الذي يأتي إليه ليشربها؛ لأن الشيطان يأمره بهذا ويحب هذا؛ وهذا فيه إهانة لأسماء الله جل وعلا ويكفر من يفعلها، والإنسان الذي يبتلى قد يحصل له شفاء من ذلك؛ لأن الشيطان يذهب إلى وليه فيصنع له هذا الشيء فيشفى. والسحرة أعمالهم كثيرة، فمنهم من يدخل النار بحيلة ولا تضره، وقد يُشاهد أنه يطعن نفسه بسكين أو ما أشبه ذلك ولا تضره، أمور من هذا القبيل يلبس بها على الناس، وقد يكون هذا التلبيس بواسطة الشيطان ويزعم أن هذه ولاية وأنها كرامة، وهي في الواقع من أعمال الشياطين، ولهذا يقول العلماء: لا يجوز للإنسان أن يغتر بمن يقع على يده الخوارق حتى تسبر حالته ويعرف وقوفه مع كتاب الله ومع سنة رسوله ﷺ ، كما جاء عن الشافعي أنه قال: (لا تغتر بالإنسان وإن مشى على الماء أو طار في الهواء حتى تسبر حاله مع كتاب الله ومع سنة رسوله ﷺ . فهذه الأشياء ليست دليلاً على الولاية، بل الدليل الفارق هو تقوى الله، ووقوف الإنسان عند المحرمات، وفعله للواجبات، وابتعاده عن المكروهات طاعةً لله جل وعلا، وخوفاً منه، هذا هو الفارق بين الولي والعدو، والله جل وعلا يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] وهذا وصف الأولياء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]. وليس من شرط الولي أن تجري على يده شيء من الكرامات، وإنما هذا قد يحدث وقد لا يحدث، ولهذا باتفاق أهل العلم أن أفضل الأمة هم الصحابة، ومع هذا لم تكن الكرامات عندهم كثيرة، بل كانت قليلة، وهي في التابعين واتباع التابعين أكثر منها في الصحابة، وليس معنى ذلك أن التابعين وأتباعهم أفضل من الصحابة. فالكرامة تكون لحاجة الإنسان، وإذا كانت لحاجته فلا كرامة؛ لأنها قد تكون شيء عجل له من عمله. والمقصود: أن المؤلف أراد أن يبين لنا شيئاً من ذلك؛ لئلا نغتر بما يغتر به كثير من الناس، فمن الناس من يظهر أنه من الأولياء بفعل شيء خارق للعادة، وأولياء الله لا يمكن أن أحدهم يقول: انظروا إلي فإني من الأولياء، فإن هذا ولي ولكن للشيطان، وليس ولياً لله جل وعلا، فأولياء الله لا يدعون إلى تعظيم أنفسهم، وإلى التعلق بهم، وإلى الفخر على الناس والتكبر عليهم، بل يخافون الله جل وعلا، وتجد أحدهم دائماً خائفاً مشفقاً على نفسه، ويريد أن يخفي عمله، وألا يظهر عمله لأحد؛ لأن أهم ما لديه بل قصده كله هو طاعة ربه، والتحصل على رضاه، ولا يهمه فعل الناس أو قولهم، بل إذا أوذي أحب إليه من أن يمدح؛ لأن مدح الناس يكون فيه فتنة للنفس وإعجاب، وقد يكون في ذلك تكفير لسيئاته؛ لأنه يدل على أنه ما قام بما يجب لله جل وعلا، فسلط الله جل وعلا عليه من يؤذيه بسبب ذلك.

стр. 958

شرح حديث: (العيافة والطَّرق والطيرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه: أنه سمع النبي ﵌ يقول: (إن العيافة والطَّرْق والطيرة من الجبت). قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض]. هذا الحديث رواه الإمام أحمد، ورواه كذلك أهل السنن: أبو داود والنسائي، وإسناده جيد كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، وقال عن حيان بن العلاء: إنه مقبول، وقال عن قطن بن قبيصة: إنه صدوق. وعوف الأعرابي فسر العيافة والطَّرْق في قوله: (إن العيافة والطرق من الجبت) فقال: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض. والعيافة: من عاف يعيف، وقد يسمون العيافة طيرة؛ لأنها نوع من الطيرة والتطير، وهي: أن يتطير أو يتشاءم بفعل الطيور أو بأسمائها وذواتها، فمثلاً: إذا رأى المتطير عقاباً قال: هذا يدل على العقاب، أو رأى غراباً قال: يدل على الغربة والكربة وهكذا، وهذه كانت عادتهم، والطيور ليس عندها علم الأمور المستقبلة، وليس لها من التصرف في الكون من الضر والنفع شيء، وإنما هي أوهام يلقيها الشيطان في نفوس بعض الناس، ثم قد يبتلى الإنسان بالوهم الذي يلقى في نفسه ابتلاًء واختباراً من الله جل وعلا؛ ولأن من تعلق قلبه بشيء فإنه يميل إليه، وقد يوكل إليه. فإذا تعلق قلب الإنسان بمخلوق يوكل إلى ذلك المخلوق، ومن يوكل إلى مخلوق فقد وكل إلى ضعف. أما الذي يتعلق قلبه بالله جل وعلا فإنه لا يلتفت لا إلى طيور ولا إلى حيوانات ولا إلى غيرها، بل يعلم أن ربه جل وعلا هو المتصرف في كل شيء، وأنه لا يكون حركة أو سكون إلا بإرادته ومشيئته، وأن كل أمر قد كتب على الإنسان، ولا يصيبه إلا ما كتبه الله عليه، وأما هذه المخلوقات فهي مدبرة مسخرة لله جل وعلا، لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن تملكه غيرها، فكيف يتعلق العاقل بشيء وهمي لا حقيقة له؟! وسيأتي الكلام عن الطيرة وأنها من الشرك. وأما الخط فذكر أنه خطوط تُخط، ومن الناس من يتخذ هذه الأشياء ويستدل بها على شيء في المستقبل، فيأتي ويخط خطوطاً بسرعة، ثم ينحى اثنين واثنين واثنين، فإذا بقي اثنان قال: إنه سيكون كذا وكذا من الأمور المحبوبة له أو لمن أمره أن يخط له، وإن بقي واحد أخبر بأنه سيكون شيء مكروه، وأنه سيكون خلاف ما توقع وما أراد، أو أنه سيفعل كذا وكذا، ومن هذا القبيل ما يسميه بعض الناس قراءة الفنجان، أو مناجاة الفنجان أو ما أشبه ذلك من الأمور المستحدثة، وكلها أوهام من أوهام الشيطان. وقد تغير أسلوب الكهنة والسحرة في هذه الأيام، فصاروا يسمون بعض هذه الأمور: التنويم المغناطيسي، وقد يسمونه: تحضير الأرواح، وما أشبه ذلك من الأمور التي هي محرمة، بل هي شركية من الشرك. ومن ذلك ما يفعله بعض الجهلة من النساء وغيرهن وهو داخل في الطرق: الضرب بالحصى وأو الضرب بالودع وما أشبه ذلك، وصورته: أن يكون عندها شيء معين ثم تلقي من هذه الأشياء وتنظر ما الذي يكون، وهل هو زوجي أو فردي أو ما أشبه ذلك؟ ثم تحدس حدساً وظناً، وقد يتصل بها شيطان من شياطينها ويخبرها بشيء يعرفه ذلك الشيطان، فيقع بعض هذا المخبر به أو يصبح مطابقاً للواقع الذي مضى خبرها عنه؛ فيفتتن بها من يفتتن، وهذا نوع من أنواع السحر. فالواجب على العبد أن يجتنب كل محرم حرمه الله جل وعلا وحذر منه رسولنا ﷺ من هذه الأمور، وإن كانت هذه يفعلها الجهال أو يفعلها الذين يتكسبون بالأمور الوهمية ويدجلون على الناس فيجب أن تُمنع، وأن يُتنبه لها، وأن يُعلم أنها ضلال وباطل، وأن الغيب بيد الله جل وعلا، والتصرف بيده، ولا أحد يملك من ذلك شيئاً، والإنسان قد يستعجل الشيء الذي يتوقعه كالخبر عن غائب مسافر أو خبر عن أمر يريده لنفسه أو ما أشبه ذلك فيذهب إلى هؤلاء الطرقية أو السحرة فيستخبرهم، ويكون حكمه حكمهم؛ لأنه رضي بفعلهم وصدقهم، كما قال ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذا مناف للتوحيد؛ لأن التوحيد هو: أن يعتقد الإنسان أن التصرف بيد الله جل وعلا، وأنه النافع الضار الذي لا يقع شيء إلا بإذنه، وقد أعلمنا جل وعلا أنه اختص بالغيب، وأن الغيب لا يعرفه إلا فاطر السماوات والأرض تعالى وتقدس، وقد يُطلع بعض عباده على أمر مغيب، فيكون الغيب في هذا الأمر بالنسبة إليه معلوماً؛ لأن الغيب قسمان: غيب نسبي وغيب مطلق، فالنسبي في الأمور التي غابت عن الإنسان، ولا يجوز له أن يتكلم فيها، وإذا كان الإنسان يعرف منها شيئاً فهذا ليس غيباً، وإنما هو حاضر ومشاهد. أما الغيب الذي يكون من الأمور المستقبلة والحوادث التي تحدث فإن هذا لا يعلمه إلا الله، ومن تعاطى شيئاً من ذلك فقد أبطل دينه، إذ إنه تعلق على شيطان ونازع الله جل وعلا في علم الغيب، وهو خصائصه، ومن نازع الله في خصائصه فإنه يكون محارباً لله جل وعلا، بل لا يكون عبداً لله، وإنما يكون عبداً للشيطان الذي أطاعه. أما الجبت فقد فسره بأنه رنة الشيطان، فقال: والجبت: رنة الشيطان، ورنة الشيطان: هي صوته وأنينه، فإذا صوت متحزناً متألماً فإنه يعمل عملاً قدر ما يستطيع أن يضل الإنسان به، ويبعث جنوده لإضلالهم، ومن ذلك: أمره إياهم بأن يعلموا الناس الطرق والعيافة، وأن يحملوهم على ذلك. وقد جاء أنه رن رنات: الأولى رن يوم لعنه الله؛ لأنه كان من المتعبدين أولاً، فلما عصى ربه وأبى السجود لآدم وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] لعنه الله جل وعلا، وجعله شيطاناً رجيماً مرجوماً ملعوناً. الثانية: رن لما أهبط؛ لأنه كان في ملكوت السماء فأهبط إلى الأرض، وحرست السماء منه ومن جنوده. الثالثة: لما ولد رسول الله ﷺ ؛ لأن ولادته مقدمةً لإبطال دينه، وما يدعو الناس إليه من الشرك. الرابعة: يوم أنزلت فاتحة الكتاب؛ لأن فيها من الخير والفضل الذي أرغمه وأحزنه. فالشيطان إذا رن اجتمعت عليه جنوده، فإذا اجتمعت أمرهم بالاجتهاد في إفساد عقائد الناس وأعمالهم، فكلما رن رنة انبعث من رنينه اجتهاد منه ومن جنوده وحرص على إفساد أديان الناس وكسبهم إليه. وجاء عن ابن عباس أيضاً: أنه رن لما فتحت مكة، فمعنى رنة الشيطان: أن الشيطان يأمر بالطرق وبالعيافة وبالسحر، فهذا ناتج عن ذلك.

стр. 959

ترجمة رجال سند حديث: (إن العيافة والطرق) قال الشارح ﵀: [قوله قال أحمد: هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. ومحمد بن جعفر هو المشهور بـ غندر الهذلي البصري ثقة مشهور مات سنة ستين ومائتين. وعوف هو ابن أبي جميلة العبدي البصري المعروف بـ عوف الأعرابي ثقة مات سنة ستين أو سبع وأربعين وله ست وثمانون سنة. وحيان بن العلاء هو بالتحتية ويقال: حيان بن مخارق أبو العلاء البصري، مقبول]. قوله: (مقبول) هو قول الحافظ ابن حجر في التقريب، وهو اصطلاح له، فهذا منقول من كلام الحافظ ﵀. [وقطن بفتحتين أبو سهل البصري صدوق، قوله عن أبيه: هو قبيصة -بفتح أوله- ابن مخارق -بضم الميم- أبو عبد الله الهلالي صحابي نزل البصرة]. إذا كان الخبر فيه المقبول والصدوق فإنه يرتقي إلى درجة الحسن، فإن انضاف إلى ذلك شواهد ومتابعات فإنه قد يرتقي إلى درجة الصحة.

стр. 960

معنى: الطيرة والطرق قال الشارح ﵀: [قوله: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) قال عوف: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادات العرب، وكثر في أشعارهم]. ممرها أي: مرورها، وقد كانوا ينظرون إلى الطائر: فإن ولى الإنسان ميامنه سموه: البارح، وإن ولاه مياسره سموه: السامح، ولكنهم كانوا يتشاءمون بما كان عن اليسار ويتفاءلون بما كان عن اليمين، أما إذا جاء من المقابل فكانوا يسمونه: الناطح أو النطيح، وهذه كلها اصطلاحات كانوا يتعارفون عليها؛ لأنهم يتعلقون بها، وهذا من الشرك؛ لأن الطيرة من الشرك كما سيأتي. قال المصنف ﵀: [يقال: عاف يعيف عيفاً إذا زجر وحدس وظن. قوله: (والطرق): الخط يخط بالأرض، كذا فسره عوف وهو كذلك، وقال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء. وأما الطيرة فسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى]. الطرق كما قلنا: إنه قد تغير الآن، ولا يزال موجوداً بالطريقة السابقة عند الكثير من النساء وأشباه النساء والدجالين، ولكن قد تغيرت الطرق الآن عند ناس من المثقفين كما يزعمون، فيكتبون جداول ويذكرون الحوادث التي تحدث في هذا البرج: يوم كذا يكون كذا وكذا، ومن كان مولده في اليوم الفلاني يحدث له كذا وكذا، وهذه كلها من الضلال، ولا يجوز أن يُنظر فيها؛ لأنها حدس ورجم بالغيب، وليس عندهم أي دليل على ما يقولونه، وإنما هو تضليل وأكل لأموال الناس بالباطل. قال الشارح ﵀: [قوله: (من الجبت) أي: السحر، قال القاضي: والجبت في الأصل: الفشل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر].

стр. 961

معنى: رنة الشيطان قال الشارح ﵀: [قوله: قال الحسن: رنة الشيطان، قلت: ذكر إبراهيم بن محمد بن مفلح أن في تفسير بقي بن مخلد: أن إبليس رن أربع رنات: رنةً حين لُعن، ورنةً حين أُهبط، ورنةً حين ولد رسول الله ﷺ ، ورنةً حين نزلت فاتحة الكتاب. قال سعيد بن جبير: لما لعن الله تعالى إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنةً، فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم]. قوله: (كل رنة منها إلى يوم القيامة) يعني: الرنين الذي هو ممنوع شرعاً مثل البكاء والنياحة، ومثل الأصوات التي تدل على الفجور أو الفسق، ومثل الصوت عند النعمة والصوت عند الفجيعة؛ التي تكون أصواتاً تدل على السخط للمقدور الذي وقع، أو تدل على التأسف والحزن على ذلك؛ لما يفوته من حظوظه، أو لأنه يطرب ويفسق ويظهر خلاف ما أمر به، وهو أن يكون شاكراً لأنعم الله، فكل ما خالف الحق وخالف الشرع فهو باطل، والباطل من أمر الشيطان. قال الشارح ﵀: [وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة رن إبليس رنةً اجتمعت إليه جنوده) رواه الحافظ الضياء في المختارة. الرنين: الصوت، وقد رن يرن رنيناً وبهذا يظهر معنى قول الحسن رحمه الله تعالى]. وليس المعنى: أنه رن وانتهت القضية، بل إذا رن واجتمعت إليه جنوده أمرهم بالحرص على إضلال بني آدم، ووجههم وأعطاهم الأوامر والتوجيهات التي يضلون بها بني آدم، فينتج عن رنينه بلاء، ومن ذلك السحر؛ لأن السحر من الشيطان، وكذلك التطير والطرق وكل ما خالف الشرع، فينتج عن رنينه فساد في الأرض بسبب إرضاء الشياطين، وشياطين الجن تتصل بشياطين الإنس فتتعاون وتتساعد على ذلك. وقد أخبرنا رسولنا ﷺ : أن كل واحد منا معه قرين من الشياطين، وقرين من الملائكة، فهذا الشيطان يأمره بالفساد وبالفجور وبكل ما يخالف الحق ويغريه بذلك، والملك ينهاه عن ذلك ويأمره بالخير، فلهذا لمه، ولهذا لمه، فإذا وجد الإنسان من نفسه الشيء الذي يغريه بالشر ويدفعه إليه ويزينه له فهذا من الشيطان، فيجب عليه أن يستعيذ منه، وإذا وجد من نفسه دافعاً يدفعه إلى الخير ويزينه له ويحثه عليه فهذا من الملك، والنفس أيضاً قد تكون مع هذا وقد تكون مع هذا، فإما أن تكون أمارة بالسوء وإما أن تكون مطمئنة. ولما قال الرسول ﷺ للصحابة: (كل واحد معه قرينه من الجن -والجن المراد الشياطين أولاد إبليس- قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟! قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلمَ -وروي: فأسلمُ) بضم الميم، وروي بفتحها، وإذا كان بضم الميم فمعناه: أسلم أنا من شره، وإن كان بالفتح فمعناه: أنه أسلم، أي: دخل في الإسلام وانقاد له، ولكن المعنى الأول هو الصحيح، لأن الشيطان لا يسلم، ولو أسلم لما كان قريناً يقابل قرين الملك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه: المسند منه. قال الشارح ﵀: ولم يذكر التفسير الذي فسره به عوف، وقد رواه أبو داود بالتفسير المذكور بدون كلام الحسن].

стр. 962

حكم النظر في النجوم والتنجيم قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) رواه أبو داود، وإسناده صحيح]. قوله ﷺ : (من اقتبس شعبةً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) الاقتباس: هو الأخذ والاكتساب في العلم والنظر، والشعبة: هي الطائفة من الشيء، فيقال: هذا من شعب الإيمان، فالإيمان له شعب، والكفر له شعب. وشعبة من النجوم، يعني: أن من يقتبس شيئاً يستدل به، كأن يقول: اقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني يدل على كذا، أو اقتران النجم بالقمر يدل على كذا، أو كون النجم الفلاني يكون في المكان الفلاني في وقت كذا يدل على كذا وهكذا يقول المنجمون. والتنجيم ينقسم إلى أقسام ثلاثة كما سيأتي: قسم يكون سحراً وشركاً بالاتفاق، وهو الاعتقاد بأن النجوم هي التي تدبر الكون وتصرفه، وهي التي تُخاطب وتُعبد وتُدعى ويُسبح لها كما يفعله الكنعانيون الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، فإنهم كانوا يبنون هياكل على صور الكواكب التي يرونها، ويجعلون بيوتاً لها، ويضعون فيها الصور، ثم يتقربون إليها بالدعاء، ويلبسون لباساً معيناً، ويبخرون عندها، ويتقربون إليها بالقرب، ويزعمون أنهم إذا صنعوا ذلك نزلت روحانياتها، وهذه الروحانيات التي يزعمون أنها روحانيات الكواكب هي الشياطين التي تنزل عليهم، وقد تخاطبهم، وقد تقضي حوائجهم، وتفعل لهم بعض الشيء الذي يريدونه؛ لأنهم فعلوا ما ترضاه الشياطين، فخدموها وعبدوها، فيأتون إليهم ببعض النفع، كما كانت الشياطين تكلم المشركين من داخل الأصنام، فالشيطان كان يخاطبهم ويكلمهم، وقد يجيبهم، وكان الصنم إما شجرة وإما حجراً أو شيئاًَ معمولاً من الطين، وما أشبه ذلك. القسم الثاني: الاستدلال بالأحوال الفلكية من الاقتران والطلوع على الأمور التي تحدث في الأرض، وهذا أيضاً كفر بالله جل وعلا؛ لأن المصرف للأمور كلها هو الله، وهو مسخر الكواكب الذي خلقها وسيرها ودبرها، وليس للكواكب أي تصرف مع الله جل وعلا، ولا تدل على ما يحدث، وإنما هي كما قال الله جل وعلا: ﴿عَلامَاتٍ﴾ [النحل:١٦] أي: علامات يهتدى بها في البر والبحر، وهي كذلك رجوم للشياطين، وزينة للسماء. فخلق الله جل وعلا الكواكب لأمور ثلاثة: الأمر الأول: علامات يهتدى بها، والعلامات قد تكون علامات في المسير في البر والبحر، وتكون علامات على أن المتصرف والخالق هو الله جل وعلا؛ لأنها مسخرة ومدبرة. الأمر الثاني: أنها زينة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥]. الأمر الثالث: أنها رجوم للشياطين، كما في هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فمن نظر شيئاً للأحوال التي تجري في الكون وعلقها بالكواكب فإنه يكون مشركاً بالله جل وعلا. القسم الثالث: هو الذي يعرف الآن بعلم الفلك، وهو: النظر إلى أبعاد الكواكب وأجرامها ومسيرها وأفلاكها واختلاف ذلك، وكذلك النظر في وقت طلوعها وأفولها والاستدلال بذلك على الزمن وتغيره، وأنه -مثلاً- في الوقت الفلاني إذا طلع هذا الكوكب يكون قد مضى كذا من الوقت، وإذا غرب يكون قد مضى كذا من الوقت، وكذلك النظر في منازل القمر التي قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، والنظر كذلك في بروج الشمس التي كل يوم تنزله الشمس، ومنازل القمر معينة، كل ليلة يكون في واحدة منها، وهي ثمانية وعشرون منزلة، يكون دائماً على سطح الأرض يراها الرائي أربعة عشرة، كلما غرب واحد خرج مقابله، وهي التي سيأتي أن العرب كانوا يضيفون إليها نزول المطر، يستسقون بها، وهي الأنواء. وقد قال الرسول ﷺ : (أربع من أمر الجاهلية في هذه الأمة لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة على الميت). وأمر الجاهلية مخالف لأمر الإسلام. والمقصود: أن معنى قوله: (من اقتبس شعبةً من النجوم) يعني: أنه جعل طلوع النجم أو كونه يكون في هذا المكان أو كونه يقترن بالنجم الفلاني أو بالقمر يكون دليلاً على أنه يقع كذا وكذا، هذا من الكفر بالله جل وعلا. وقوله: (اقتبس شعبةً من السحر) السحر: هو الباطل والكفر الذي يأمر به الشيطان، وليس معنى ذلك أنه يسحر غيره بهذا، ولكنه يكون أمراً خفياً، وقد يظهر شيء من الحوادث التي يخبر بها موافقةً، فيوافق قوله القدر؛ فيكون فيه فتنة وافتتان، وقد يعتقد السامع أنه صادق، فيكون هذا نوعاً من السحر لخفائه ولطافته. والسحر كله باطل سواءً كان السحر الصناعي العملي الذي يعمل عمله في المسحور، وقد سبق أن هذا يكون بواسطة الشياطين وهو أنواع، ويكون بالنفث الذي ينفثه الشيطان؛ لأن الشيطان الإنسي الساحر يتصل بشيطانه الجني، فيأخذ خيوطاً ثم يعقدها عندما يريد أن ينعقد أمراً من الأمور، ثم ينفث عليها ويخرج شيئاً من ريقه الخبيث -وقد انعقد نفثه مع ريقه الخبيث وتكيف مع نفث الشيطان ومراده- فينعقد أمر بإرادة الله الكونية، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:١ - ٤] والنفاثات: السواحر اللاتي تعقد إحداهن العقد وتنفث فيها لينعقد ما تريده من الضر أو ما تريد حصوله. وقوله: (زاد ما زاد) يعني: كلما زاد اقتباس شيء من النجوم زاد إثماً وسحراً وابتعاداً عن الله جل وعلا. [رواه أبو داود بإسناد صحيح، وكذا صححه النووي والذهبي، ورواه أحمد وابن ماجة. قوله: (من اقتبس) قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبسته إذا علمته. اهـ. قوله: (شعبة) أي: طائفةً من علم النجوم، والشعبة: الطائفة، ومنه الحديث: (الحياء شعبة من الإيمان) أي: جزء منه. وقوله: (فقد اقتبس شعبةً من السحر) المحرم تعلمه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. قوله: (زاد ما زاد) أي: كلما زاد من تعلم علم النجوم زاد الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه، فإن ما يعتقده في النجوم من التأثير باطل، كما أن تأثير السحر باطل].

стр. 963

شرح حديث: (من عقد عقدة ثم نفث فيها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: (من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه)]. إذا كان النظر لأجل الاستدلال على أمور تقع فإن هذا من الشرك بالله جل وعلا، ومن السحر الذي هو محرم. أما إذا كان النظر في النجوم لأجل الاستدلال على الجهات -جهات القبلة أو جهات المسير- أو الاستدلال على أن هذه آيات على خالقها جل وعلا، ويتفكر في بعدها وكبرها ومسيرها؛ فهذا لا بأس به، والنجوم مختلفة على حسب اختلاف الأفلاك؛ لأن لكل نجم فلكاً يدور به، وبعضها قد يكون دورانها عكسي، يعني: بعضها يدور عكس دوران البعض الآخر، فإذا كان النظر فيها من هذا القبيل فإنه جائز ولا بأس به، بل يحمد فاعله على ذلك. وكذلك إذا كان النظر في معرفة منازل القمر بأعيانها؛ لأن الله أخبر أنه قدره منازل، وكل ليلة بينها وبين الأخرى مسافة محددة، وما بين المنزلة والمنزلة ثلاثة عشر يوماً في الطلوع أو الغروب، وتنتهي بانتهاء السنة، يعني: طلوعاً وغروباً، فإذا كان ينظر ذلك لمعرفة المنازل ومعرفة الوقت والزمن ويستدل بها على وجود الله وآياته وعظمته فلا بأس بتعلم هذا، وما عدا ذلك فإنه لا يجوز النظر فيه؛ لأنه داخل فيما ذكر من السحر. وأما الحديث الذي ذكره: (من عقد عقدةً ونفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه) فهذا يشمل حتى الإنسان الذي لا يحسن السحر، فإذا كان يتشبه بالساحر فهو داخل في هذا، كما يصنعه بعض الجهلة، إذا أراد شيئاً جاء بخيوط ثم تكلم بكلام ويقول: لا يكون هذا -أي: الذي لا يريد أن يكون- فيعقد عقدة، ثم يتفل عليها ليؤكد ذلك، فيكون بهذا التشبه بالساحر ساحراً، ولو لم يكن ساحراً، فيدخل في قوله: (من عقد عقدةً ونفث فيها فقد سحر)؛ لأنه فعل فعل السحرة، وإن لم يكن محسناً للسحر. ومعروف أن عقد السحرة على هذا المنوال نوع من السحر، وقد أمر ربنا جل وعلا بالاستعاذة منهم. والسحر أنواع متعددة وسبق ذكر بعض أنواعه وهذا نوع منه. قوله: (ومن سحر فقد أشرك) هذا دليل على أن السحر لا ينفك عن الشرك، وأن كل ساحر مشرك؛ وذلك لأن السحر لا يكون إلا بواسطة الشيطان، وقد أخبر الله جل وعلا عن ذلك فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢]. فأخبر أن الشياطين هي التي تعلم السحر، فلا يكون السحر إلا بواسطتهم، وللأسف فإن السحر قد كثر في الناس اليوم، وكثير منهم يتعاطاه؛ وذلك لانعدام الإيمان عند الكثير منهم، فلما انعدم الإيمان عندهم أصبحوا يتعلقون بالشياطين التي تعلمهم السحر. قوله: (ومن تعلق شيئاً وكل إليه) التعلق: هو من القلب عادةً، تعلق بالشيء، أي: كأن قلبه تعلق به، إذا تعلق بالسحر أو تعلق بالعقد التي يعقدها وكل إليها، ومن تعلق بمخلوق وكل إلى ذلك المخلوق، ومن تعلق بصنعة من صنعته أو عمل من عمله وكل إليه، ومن تعلق برب العالمين جل وعلا فإنه يكفيه ويقيه من كل سوء كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]. فالتعلق: فعل القلب، ويتبعه أعمال الجوارح، وهذا خبر عن رسول الله ﷺ يبين أن الذي يتعلق على شيء يوكل إلى ذلك الشيء. ومعلوم أن الذي يوكل إلى المخلوق يوكل إلى ضياع وإلى ضعف؛ لأن المخلوق ضعيف لا يستطيع أن يجلب لنفسه النفع، فمن تعلق بمخلوق وكل إلى ضياع وإلى عجز وإلى ضلال؛ فيهلك في أي وادٍ كان، وإنما يجب على العبد المؤمن أن يتعلق بربه جل وعلا، ومن تعلق قلبه بربه وتوكل عليه فإنه يكفيه ويقيه كل شر.

стр. 964

عقد السحرة للخيوط ونفثهم فيها قال الشارح ﵀: [هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي، وقد رواه النسائي مرفوعاً، وحسنه ابن مفلح. قوله: (وللنسائي) هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن صاحب السنن وغيرها، روى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة وخلق، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات سنة ثلاث وثلاثمائة، وله ثمان وثمانون سنة رحمه الله تعالى. قوله: (من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر)، اعلم أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدون من السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعني: السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث: هو النفخ مع الريق، وهو دون التفل، والنفث: فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقدة نفخاً معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نَفَسٌ ممازج للشر والأذى مقارن للريق الممازج لذلك، وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيصيبه بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي، قاله: ابن القيم رحمه الله تعالى. قوله: (ومن سحر فقد أشرك) نص في أن الساحر مشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدون الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم. قوله: (ومن تعلق شيئاً وكل إليه) أي: من تعلق قلبه شيئاً بحيث يعتمد عليه ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء، فمن تعلق على ربه وإلهه وسيده ومولاه رب كل شيء ومليكه؛ كفاه ووقاه وحفظه وتولاه، فنعم المولى ونعم النصير، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]. ومن تعلق على السحرة والشياطين وغيرهم من المخلوقين وكله الله إلى من تعلقه فهلك. ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق ونظر بعين البصيرة رأى ذلك عياناً، وهذا من جوامع الكلم. والله أعلم].

стр. 965

شرح حديث: (ألا أنبئكم ما العضه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس) رواه مسلم]. العضه: من البهت والكذب، ومنه ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، يعني: جعلوه -كذباً منهم وزوراً- سحراً أو شعراً أو كهانةً أو حسب ما قالوا، أو أنهم جعلوه أجزاءً مجزأة، أو ما أشبه ذلك. فالعضه في اللغة يقصد به: الكذب والبهت، والعضه هنا في هذا الحديث المقصود به: النميمة، والنميمة: هي نقل حديث الغير على وجه الإفساد، كأن يأتي إلى إنسان ويقول: سمعت فلاناً يقول فيك: كذا وكذا، يريد الإغراء بينه وبين الآخر، وأن يفسد العلاقة التي بينهما، وليس على وجه النصح، أما إذا كانت نصيحة فلا تدخل في هذا، وأما إذا كان مجرد نقل كلام، وأن فلان يقول كذا وقال كذا فهذه تسمى: نميمة، من نمى الكلام ينمه وينميه، ولا تسمى: نميمة إلا إذا أراد بها الإفساد، أما إذا كانت مجردة عن إرادة الإفساد وليس فيها مصلحة فتسمى: غيبة، والغيبة: هي ذكر الغائب بما يكره عند الغير، فإن كان فيه ما يقول فهي غيبة، وإن كان كاذباً ليس فيه ما يقول فهي كذب وبهت وزور أكبر من أن تكون غيبة. والقالة بين الناس انتشرت بين الناس مع أنها إثم كبير، وهي من أسباب إحباط العمل، نسأل الله العافية، ومن أسباب عذاب القبر، وأكثر عذاب القبر -نسأل الله العافية- منها ومن عدم التنزه من البول، كما جاء صريحاً في الحديث. والنميمة شبيهة بالسحر، ولهذا جاء: أن النمام يفسد في الساعة ما لا يفسده الساحر في سنة؛ وذلك لأنه يفرق بين الأحبة ويغري الصدور بفعله، فشبهت بالسحر وألحقت به من هذا القبيل؛ لأن فيها الإفساد والتفريق بين الأحبة، فقد تفرق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه، وبين الأخ وأخيه، وهذا فعل الساحر، فصارت النميمة شبيهةً بالسحر بالفعل، ولكن السحر يفارقها أنه كفر، وأنه تعلم من الشيطان، وهذه ليست كذلك، وهي من المحرمات. وقد جاء في صحيح مسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، فهي من أكبر الذنوب وأعظمها. [قال: وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي: النميمة القالة بين الناس) رواه مسلم. قوله: (ألا هل أنبئكم): أخبركم، والعضه: بفتح المهملة وسكون المعجمة. قال أبو السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث، والذي في كتب الغريب: (ألا أنبئكم ما العِضَه) بكسر العين وفتح الضاد، قال الزمخشري: أصلها العضهة فعلة من العضه وهو: البهت، فحذفت لامه كما حذفت من السنة والشفة، وتجمع على عضين].

стр. 966

خطر النمام والكذاب قال الشارح ﵀: [ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في الساعة ما لا يفسد الساحر في سنة). وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: (ومن السحر: السعي بالنميمة والإفساد بين الناس). قال في الفروع: وجهه: أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر، وينتج ما يعمله السحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسويةً بين المتماثلين أو المتقاربين. لكن يقال: الساحر إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص وهذا ليس بساحر]. قوله: (بوصف السحر) أي: بفعل السحر، أما كونه يوصف فلا يكفي في الكفر، وإنما يكفر بكونه يفعله. [قال: وإنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة. انتهى ملخصاً. وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة، وهو يدل على تحريم النميمة وهو مجمع عليه. قال ابن حزم ﵀: اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة. وفيه دليل على أنها من الكبائر. قوله: (القالة بين الناس) قال أبو السعادات: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس، ومنه الحديث: (فشت القالة بين الناس)].

стр. 967

سحر البيان قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهما عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إن من البيان لسحراً)]. قوله ﷺ : (إن من البيان لسحراً) عرفنا أن السحر محرم، وإذا كان شيء من البيان يكون سحراً فمعنى هذا: أنه مذموم، وهذا البيان هو الذي يقصد به تغطية الحق وإظهار الباطل وتحسينه. وقد يكون الإنسان يخفى عليه ذلك فيغتر بالفصاحة والبلاغة والبيان، ويلتبس الحق عنده فيتبع الباطل؛ لأن هذا البيان شبيه بالسحر، هذا هو الصواب في معنى هذا الحديث، وليس كما يقول أهل الأدب: إن هذا من باب المدح، وبعضهم يقول: هذا هو السحر الحلال، والسحر ليس فيه شيء حلال، بل السحر كله حرام، والسبب الذي ذكر في هذا الحديث يبين هذا ويوضحه، وذلك أن رجلاً تكلم عند رسول الله ﷺ وأثنى على نفسه وقال: هذا الرجل يعرف ذلك مني، فتكلم ذلك الرجل بكلام لم يعجب القائل، فقال: والله! إنه يعرف أكثر من هذا، ولكنه يحسدني، فتكلم كلاماً يدل على أن ذلك الرجل عنده من النقص ومن الخلل الشيء الذي قاله، فقال المتكلم: والله! ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الثانية، ولكنني لما رضيت قلت أحسن ما أعرف، ولما غضبت قلت أسوأ ما أعرف، فقال ﷺ : (إن من البيان لسحراً) يعني: أن الإنسان قد يكون عنده من البلاغة والفصاحة ما يغطي في كلامه على حق الآخر فيبطله ويستولي عليه، فيكون هذا نوعاً من السحر، ولهذا جاء: (أن الله جل وعلا يكره البليغ الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها). فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث.

стр. 968

هل البيان ممدوح أو مذموم ؟ قال الشارح ﵀: [البيان: البلاغة والفصاحة. قال صعصعة بن صوحان: (صدق نبي الله، فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق). وقال ابن عبد البر: (تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان. قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله، قال: هذا والله! السحر الحلال) انتهى]. هذا الكلام فيه نظر، ولا يثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: هذا والله! السحر الحلال، فالسحر ليس فيه شيء حلال، بل هو كله محرم. فإذا ألحق الكلام بالسحر فهو يدل على ذمه ولا يدل على مدحه. [والأول أصح، والمراد به: البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم: في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير مأخوذ من قول الشاعر: تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير قوله: (إن من البيان لسحراً) هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق، ونسأل الله الثبات والاستقامة على الهدى. وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويبطل الباطل ويبينه فهذا هو الممدوح، وهكذا حال الرسل وأتباعهم، ولهذا علت مراتبهم في الفضائل، وعظمت حسناتهم. وبالجملة فالبيان لا يحمد إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتغطية الحق وتحسين الباطل، فإذا خرج إلى هذا فهو مذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث كحديث الباب، وحديث: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها) رواه أحمد وأبو داود].

стр. 969

مسائل باب بيان شيء من أنواع السحر

стр. 970

من أنواع الجبت قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت]. العيافة هي: زجر الطير والتشاؤم في طيرانها ومرورها، ومن ذلك أيضاً كون الشخص إذا خرج من بيته سمع كلمه أو رأى شخصاً يتشاءم بهذا، ويقول: سيقع كذا وكذا، وهذا من الطيرة التي سيأتي أنها شرك. وأما الطرق فهو: الخط في الأرض طلباً لمعرفة المغيب، أو الضرب بالحصى طلباً لذلك، أو قراءة الكأس -كما يقولون- وصوت الكأس أو فنجان القهوة أو ما أشبه ذلك، وكلها أوهام ووساوس لا تدل على شيء، ولكن الإنسان إذا تعلق بشيء ونسب ذلك الشيء إلى ما تعلق به فإنه يكون مخطئاً، وقد يكون مشركاً؛ لأنه معلوم أن الأمر إنما بتصريف الله، والغيب عند الله جل وعلا لا أحد يعرفه.

стр. 971

المنجم لا يفلح [المسألة الثانية: تفسير العيافة والطرق. المسألة الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر]. يعني: اقتباس علم النجوم هو نوع من السحر لخفائه أو لمقارنته للباطل، فالسحر باطل، وقد أخبرنا أن الساحر لا يفلح، وكذلك المنجم لن يفلح.

стр. 972

التشبه بالساحر حرام [المسألة الرابعة: العقد مع النفث من ذلك]. يعني: كونه يعقد عقداً ثم ينفث فيه هذا من السحر، وهذا من المحرمات، سواءً كان الإنسان ساحراً أو يتشبه بالساحر. وقد يفعل ذلك بعض الجهال تشبهاً بالساحر، فإذا رأى أن الساحر يفعل كذا فيريد أن يفعل مثله، ومن هذا ما يسمونه عقد الرجل عن زوجته؛ لأنه يكون بعقد، أو يتكلمون بكلام يريدون به منعه عن الوصول إلى زوجته فيعقدون عقدة، ثم يتكلمون كلاماً يقولونه للمنع أنه لا يصل إليها ولا يقربها فيعقدون عقدة وينفثون عليها، وهكذا حتى تكمل العقد التي يريدونها، وقد ينعقد ذلك الأمر كما ذكر ابن القيم: بمساعدة النفوس الخبيثة -نفوس الجن ونفوس الشياطين- مع هذا الفعل، فيتقرب الإنسي إلى الجني بطاعته، ويتقرب الجني إلى الإنسي بمساعدته على السحر، ثم ينعقد الشيء الذي قدره الله كوناً، وليس لهم في ذلك إلا أنهم وافقوا القدر، إلا أنه كان سبباً، وعقد هذا الأمر وحله بيد الله جل وعلا، فعلى الإنسان أن يلجأ إلى الله بالدعاء والاستعاذة من شر هؤلاء، فإنه ينحل. [المسألة الخامسة: أن النميمة من ذلك]. أي: لا تجوز. [المسألة السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة]. وهذا واضح.

стр. 973

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٧] حذر النبي ﵊ من الذهاب إلى الكهنة والعرافين لسؤالهم، وبين أن هذا الفعل من أعظم المحرمات، وأنه قد يفضي إلى الكفر والعياذ بالله، فإنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله، ويجب الحذر من تصديق هؤلاء الذين يدعون معرفة الغيب.

стр. 974

حكم الكهانة وإتيان الكهان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الكهان ونحوهم]. الكهانة كانت كثيرة في العرب في الجاهلية، وأصلها: الاتصال بالشياطين، أن يكون الإنسان له قرين من الشياطين يطيعه ويأتيه بالأخبار التي تغيب عن الناس، ومنها: استراق السمع. واستراق السمع هو كما أخبر الرسول ﷺ أن الله جل وعلا إذا قضى الأمر من أمره وأمر به ملائكته وتكلم بالوحي؛ حصل للسماء من ذلك رعدة ورجفة، وكذلك الملائكة الذين يحفون بالعرش يفزعون ويصعقون خوفاً من الله جل وعلا، ثم إذا فُزِّع عن قلوبهم سألهم الملائكة الذين يلونهم: ماذا قال ربنا؟ فيقولوا: قال الحق، ثم ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، ثم ينتهي الخبر إلى الملائكة الذين في العنان -يعني: في السحاب- يدبرون أمر الله فينقلونه ويتكلمون به، والشياطين يركب بعضهم بعض ليسترقوا ما تقول الملائكة، فإذا سمعوا كلمة أخذها الأعلى وألقاها إلى من تحته، والذي تحته يأخذها ويلقيها إلى من تحته، إلى أن تصل إلى الذي في الأرض، ثم يذهب بها إلى قرينه الكاهن مسرعاً، فيخبره ويزيد معها مائة كلمة كذب، فالخبر الذي يقولونه ويكون على وجهه هو من هذا القبيل، فيصدقون مرة ويكذبون مائة مرة، وقد يرسل الشهاب إليه فيقتله، وقد يذهب بفكره وعقله ويصبح بلا عقل، وقد يصيبه إصابة لا يستطيع أن يتحرك معها. والله جل وعلا ذكر أنه جعل النجوم رجوماً للشياطين، أي: يرجمون بها عند استراق السمع. فلما بعث رسول الله ﷺ حُرست السماء حراسة شديدة، فأصبح لا أحد من الشياطين يستطيع أن يصل إلى شيء من العنان؛ لأنهم يرجمون، فلهذا أخبر الله جل وعلا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩] أي: لا أحد منهم يستطيع استراق السمع، وكل هذا صيانة للوحي؛ لئلا يسترق شيطان من الشياطين شيئاً من الوحي الذي يوحى إلى النبي ﷺ فيذهب به إلى الكهان؛ فيكون في ذلك فتنة للناس، ويقال: إن هذا الكاهن أخبر بما يقوله الرسول ﷺ ، وما يقوله إنما هو من نوع الكهانة، فحماه الله جل وعلا، فلما انتهى الوحي بموت رسول الله ﷺ أصبحت الأمور على ما كانت عليه، يعني: أمكن الشياطين أن يستمعوا، ويأتون إلى أوليائهم من الإنس بما يخطفون ويزيدون معه، والشيطان يزيد مائة كذبة، فيلقيها على الكاهن، والكاهن كذلك يزيد فيها ويكذب، وهذا من العجائب أن يصدق مائة قول كذب من أجل كلمة واحدة!! إذاً: الكهانة نوع من السحر، ولهذا ذكرها بعده.

стр. 975

العرافة من الكهانة العرافة تصدق على التنجيم، وعلى الحدس والتخمين، وعلى الاتصال بالجن أيضاً؛ لأنهم يخبرونه بالأمور المغيبة التي تكون عند بعض من يتعاطى هذه الأمور، ومنهم الذين يزعمون أنهم يقرءون على المصروع ويخرجون الصرع، فإن منهم من يكون ولياً للشياطين وللجن، فإذا جاءه المصروع يخبره الجني أنه هو الذي صرعه، وأنه صرعه من أجل ذلك، ويأمره بأمور وأشياء يفعلها حتى يخرج، ويكون في هذا فتنة. كل إنسان له قرين من الجن، فإذا جاء هذا الذي أصيب بهذه الإصابة فقرين الكاهن الذي يتعاطى هذه الأمور يسأل قرين المصروع ما الذي صار؟ فيخبره بالواقع، وأنه صار فيه كذا وكذا، وصار له كذا وكذا، فيذهب القرين ويخبر وليه الكاهن الذي يتعاطى الأمور الغيبية، فيخبر الكاهن أصحاب المريض أو يخبر المريض بأنه صار لك كذا، وصار لك كذا، ويكون هذا فتنة؛ لأنهم يصدقونه ويقولون: إن هذا من الكشوفات التي تدل على أنه ولي، أو إن عنده أموراً يعرف بها هذه الأشياء، وقد يشفى جراء ذلك ابتلاء وامتحاناً، وهذا قد جاء الوعيد فيه لمن يفعله، وأنه ليس من أتباع رسول الله ﷺ على دينه، كما قال ﷺ : (ليس منا من تكهن أو تكهن له أو سَحَر أو سُحِر له) وهذا نوع منه. وكذلك كل من يتعاطى أموراً من أمور الغيب سواءً بأسباب يذكرها وأمور يتعلل بها أو بمجرد حدس يحدسه ويظنه أو بمجرد أنه يزعم أنه يكشف له الأمر لأنه من الأولياء فهذا شرك؛ لأن أولياء الله ما يخالفون أمر الله ولا يخالفون كتابه، ولا يقول الولي للناس: اعلموا أني وليٌ، وأني أعلم كذا، وأعرف كذا، فإن هذا يريد من الناس أن يعتقدوا أنه وليّ حتى يتحسن له ما يكون في قلوبهم من المنزلة أو ما يتحصل له من أمور الدنيا، فهو دجال من الدجاجلة، فيجب أن يُحذر ويُعلم أنه ليس من أولياء الله، بل من أولياء الشيطان، فأولياء الله الذين تحدث لهم الكرامة ليس من شأنهم وليس من صنعهم أنهم يدعونها لأنفسهم، وإنما تحصل لهم إما بدعاء يدعونه الله جل وعلا لحاجة لهم أو لغيرهم فيحصل ذلك، أو بعمل يعملونه وليس لهم فيه دخل وإنما هو من توفيق الله، ثم هم لا يدعون الناس إلى أن يعتقدوا أنهم أولياء أو أنهم ينظرون إليهم، بل عندهم خوف من الله وازدراء لأنفسهم، ويود أحدهم أنه لا يكون له ذكر عند الناس أو شهرة، بل يود أن يكون مغموراً لا يُعرف؛ لأنهم يقصدون ما عند الله، ولا يقصدون ما عند الناس. فإذا قصد الإنسان ما عند الناس فمعنى ذلك: أنه يريد الدنيا، وهذا شرك بالله، ولا يكون من أولياء الله. ومن ذلك أيضاً: ما سبق في الدرس الماضي من الخطوط والضرب والحصى، وكذلك ما يلتحق به ويسمونه: قراءة الكأس وقراءة الفنجان أو النظر في الأبراج أو ما أشبه ذلك، هذه كلها من أمور الجاهلية التي تدخل تحت النهي، فقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك وقال: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .

стр. 976

حكم إتيان العرافين قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)]. قوله ﷺ : (من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، العراف يطلق على الكاهن، ويطلق على الساحر، ويطلق على المنجم، ويطلق على الرمال الذي يخط الخطوط بالرمل، وعلى الذي يضرب بالحصى ونحو ذلك. ومعنى ذلك: أن العراف هو: الذي يتعاطى معرفة الأشياء المستقبلية أو الأمور التي غابت عن الناس من سرقة الشيء أو كون الإنسان الغائب يحصل له كذا وكذا أو ما أشبه ذلك، فكل من كان بهذه الصفة فهو من العرافين. وهنا يقول: (من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) هذا الذي يأتي ويسأل لا تقبل صلاته أربعين يوماً، فكيف بالعراف نفسه؟! العراف نفسه أشد من هذا وأعظم؛ لأنه هو الذي يتعاطى هذه الأمور. ومن المعلوم أن علم الغيب من خصائص الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨]. فعلم الغيب خاص به جل وعلا، فهو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم كل شيء. يقول جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فهذا من خصائص الله، وعلم الغيب يجب ألا يكون لأحد من الناس، وإن اعتقد الإنسان أن أحداً من الناس يعلم شيئاً من الغيب فقد جعل له شيئاً مما هو من خصائص الله، وهذا من هذا القبيل. وكون هذا الذي يأتي إلى الكاهن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً يقول العلماء: لا يلزم أن يكون مصدقاً له، حتى ولو أتاه مجرد إتيان لينظر ويسمع فإنه يدخل في هذا الوعيد، أما التصديق فإنه يلحقه به؛ لأنه يجعله راضياً بفعله، وأنه يعتقد أنه صحيح، ومن اعتقد ذلك فهو مثله، فلا يجوز أن يأتي أحد إليه، وهذا لما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل فقيل له: (إن أناساً يأتون الكهان، فقال: لا تأتوهم) فلا يجوز أن يأتي أحد إليهم. ومعنى كونها لا تقبل له صلاة أي: أنه لا يثاب عليها ولا يلزم إذا لم تقبل أنه يعيدها، حتى وإن أعادها فظاهر الحديث أنها لا تقبل منه، وهذا وعيد شديد على من يأتي الكهان. ولا يجوز للمسلم أن يتساهل بأمر دينه وأمر الله جل وعلا وأمر رسوله ﷺ ، فإن الأمر ما هو مجرد دنيا تؤخذ منك ثم تعوض أو لا تعوض عنها، والدين ليس شبيهاً بأمر الدنيا، فإن الله جل وعلا إذا توعد الإنسان بمثل هذا الوعيد فهو الذي يفعل ما يشاء تعالى وتقدس، ويجوز أن يكون هذا مقدمة لما هو أعظم منه وأشد؛ لأن الذنوب يجر بعضها بعضاً، وهي كما يقول العلماء: المعاصي بريد الكفر، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] والمعنى أنه إذا اكتسب الإنسان الذنوب وازدادت غطت على قلبه ثم يصبح قلبه ميتاً، لا يعرف المعروف ولا يحبه ولا يريده، بل يكون بعكس ذلك، وهذا يكون سببه أنه كسب الذنوب وأرادها.

стр. 977

استمتاع الجن والإنس بعضهم ببعض قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في الكهان ونحوهم. الكاهن هو: الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيراً وأما بعد المبعث فإنهم قليل؛ لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب. وأكثر ما يقع في هذه الأمة: ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة مما يقع في الأرض من الأخبار، فيظنه الجاهل كشفاً وكرامة. وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون المخبر لهم بذلك عن الجن ولياً لله، وهو من أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]. ] الاستمتاع الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ﴾ [الأنعام:١٢٨] استكثرتم يعني: أنكم أغويتم كثيراً منهم، يعني: اتبعكم جُلّهم. ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:٦٢] يعني: أضل خلقاً كثيراً. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] اتبعوه كلهم إلا فريق فقط. ثم ذكر جل وعلا عن أوليائهم من الإنس فقال: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٢٨] يعني: الإنس والجن جميعاً يجمعون ويلقون في النار، والاستمتاع المقصود به: طاعة الإنسي للجني أي: أنه يستمتع بطاعته وعبادته له، وقد يسجد له وقد يذبح له ذبيحة أو يقدم له طعاماً أو يفعل معصيةً بأمره، بأن يكتب آيات الله جل وعلا بالنجاسة، أو يعمل أعمالاً يكون فيها استهزاء بالدين أو بالله أو بالرسول ﷺ ، فيطيعه الشيطان؛ لأنه أطاعه وفعل ما يريد. وأما استمتاع الإنسي بالجني فإنه بالأخبار التي يأتيه بها، وما يخبره من أمور غائبة، والأمور الغائبة طريقتها مثل ما قلنا: إن بعض الجن يتصل ببعض قرناء الإنس؛ لأن كل إنسان معه قرينه من الجن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ ، فيسأل بعضهم بعضاً، ويأتون بالخبر الذي يكون غائباً عن الإنسان، فيتصور السامع أن هذا الذي يخبره بذلك يعرف المغيبات، ويصدقه بسبب ذلك. وأما كون السماء حرست بعد المبعث فهذا كان في وقت نزول الوحي، أما الآن فيمكن للجني أن يأتي إلى وليه من الإنس بخبر يكون فيه صدق، ولكنه يكذب معه مائة كذبة، كما قال الرسول ﷺ . قال المصنف ﵀: [قوله: وروى مسلم في الصحيح عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)]. هكذا في صحيح مسلم. أما قوله: (فصدقه) فهذا خطأ من الناسخ أو من الطابع، وليس في صحيح مسلم: (فصدقه). قوله: (من أتى عرافاً - يعني: لمجرد سؤال- لم تقبل له صلاة أربعين يوماً). أما تصديقه فسيأتي أنه كفر: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . فترتب على إتيانه عدم قبول الصلاة، وهذا خطر عظيم جداً، وكثير من الناس يغتر بهذه الأشياء، وكل من تعاطى شيئاً مما ذكر فهو داخل في ذلك، وذلك أنه يجب أن يعتقد المؤمن أن الغيب لله جل وعلا وحده، وأنه لا أحد يطلع على الغيب، والغيب قسمان: غيب مطلق لا أحد يعرف منه شيئاً إلا الله جل وعلا. وغيب نسبي، فكل ما غاب عن الإنسان فهو غيب بالنسبة إليه، ولكن قد يطلع عليه غيره فيكون بالنسبة للمطلع ليس غيباً، فإذا أخبر ذلك المطلع من غاب عنه ثم أخبر الذي يجهله ظن أنه يعرف المغيبات فيهلك بذلك.

стр. 978

هل يكفر من أتى كاهناً أو عرافاً ؟ قال الشارح ﵀: [قوله: (وعن بعض أزواج النبي ﷺ هي حفصة، ذكره أبو مسعود الدمشقي؛ لأنه ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها. قوله: (من أتى عرافاً) سيأتي بيان العراف إن شاء الله تعالى. وظاهر هذا الحديث أن الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة). وقوله: (لم تقبل له صلاة): إذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول؟ قال النووي وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة، انتهى ملخصاً]. وكذلك لا يدل على أنه يكون كافراً بأنه قال: (لا تقبل منه صلاة)، ومعلوم أن الكافر لا يقبل منه أي عمل. بقوله: (لا تقبل منه صلاة أربعين يوماً) أي: أنه ضيعها أربعين يوماً، مما يدل على أنه مسلم، ولكنه مرتب عليه هذا الوعيد. أما العراف فله حكم آخر، وهو أنه يكون كافراً بما أنزل على محمد ﷺ ، والذي أنزل عليه هو الدين الإسلامي، ثم سيأتي أن الإتيان إليه وتصديقه بقوله أمر فوق هذا وأنه يلتحق به. وأما كونه لابد من تأويله فهو معني بغاية: (لا تقبل له صلاة أربعين يوماً) فدل هذا على أنه مسلم باقٍ على إسلامه، إلا أنه عوقب بعدم قبول صلاته أربعين يوماً، فهذا عقاب لإتيانه إلى هذا العراف. [وفي الحديث: النهي عن إتيان الكاهن ونحوه. قال القرطبي: يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئاً من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير]. يعني: الذي نُصب للاحتساب والاحتكام وطلب الأجر من الله جل وعلا، وهذا يسمى (المحتسب)؛ لأنه يعمل الأعمال احتساباً لله جل وعلا، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه كانت عادة السلف أنهم يحتسبون في الأمر، فإذا رأوا المنكر الذي يخالف الحق أنكروه وغيروه إما بالقول وإما بالفعل، فهذا من المنكرات الظاهرة التي يجب إنكارها، فمن استطاع أن ينكر ذلك أنكره، وإذا كان لهم مجالس يقيمهم من مجالسهم إذا كان يستطيع، وإذا كان يأتيهم الناس يمنع الذين يأتون إليهم إذا كان يستطيع. فمعنى ذلك: أن هذا من المنكرات الظاهرة التي يجب ألا تقر ولا تترك في بلاد المسلمين، ولا يترك من يكون جاهلاً يأتي إليهم، لهذا الوعيد الذي رتب على ذلك. [من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئاً من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينتسب إلى العلم؛ فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور].

стр. 979

شرح حديث: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه أبو داود. ] هذا الإتيان قيد بالتصديق: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . عندنا مسألتان: المسألة الأولى: من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً. المسألة الثانية: من أتاه فسأله فصدقه فإن هذا كافر بما أنزل على محمد ﷺ . فتصديقه سيجعله مشاركاً له في عمله، ويجعله معتقداً صحة قوله، والواجب أن يعتقد أنه باطل وأنه ضلال، ولو صدق مرة أو مرات فإما أن يكون موافقاً للقدر فقط أو يكون عن طريق إتيان الشيطان له بهذا الخبر الذي استرقه من الملائكة؛ لأن الله يأمر ملائكته بتدبير أمور خلقه، فيأتون ويتكلمون إما بإنزال المطر وأنه سينزل في يوم كذا على مكان كذا، أو -مثلاً- بموت رجل وأنه سيموت في كذا، أو بولادة رجل لفلان، أو بأمر من الأمور وأنه سيحدث كذا وكذا، فيأتي ويسترق هذا الشيطان ما سمعه من الملك ويأتي به فرحاً إلى وليه من الإنس؛ فينشره بين الناس ويغتر الجهلة في ذلك. والمقصود بهذا: أن مجرد الإتيان إلى الكاهن من أصله محرم ولو لم يصدق، إلا إذا أتى إليه لينكر عليه ويبين بطلان ما هو فيه، ويبين للناس لئلا يغتروا به. ومثل هذا يأتي للإنكار وليس للموافقة، أما إذا جاء ليتفرج وليسمع ولينظر فإنه داخل في الوعيد. أما إذا جاء يسأله فقط سواءً صدق أو لم يصدق فإنه يكون كافراً بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لأن معنى سؤاله إقرار له، ومعنى ذلك: أن عنده شكاً، هل هو صادق أو غير صادق؟ والواجب ألا يكون عنده شك، بل يجب أن يجزم أنه باطل، وأنه ليس بشيء، وإنما هو من باب الدجل والتلبيس على الناس وإضلالهم. قال المصنف ﵀: [وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة ﵁: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً]. الذي أنزل على محمد ﷺ هو القرآن والوحي مطلقاً، كل ما أوحاه الله إليه من تكليف عباده من أمرهم ونهيهم كله أنزل عليه، ومعنى (كفر بما أنزل على محمد): أنه كافر بالدين الإسلامي -نسأل الله العافية- ثم هذا الكفر هل هو كفر صريح مخرج من الدين أو أنه كفر دون كفر؟ الأفضل أنه لا يتكلم فيه، يقول الإمام أحمد: (يجب ألا نتكلم فيه، ونتركه كما قال الرسول ﷺ وأما كوننا نقول: إنه كفر دون كفر أو إنه كفر مخرج من الدين الإسلامي فهذا فيه شيء من الخطورة، وهو أننا عينا شيئاً ما ندري هل أراده الرسول ﷺ أم أنه أراد غير ما عيناه! فيترك على ما قاله الرسول ﷺ ، ونقول: إنه كفر ونسكت، وأمره إلى الله جل وعلا. قال الشارح ﵀: [قوله: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه أبو داود، وفي رواية أبي داود: (أو أتى امرأةً -قال مسدد: امرأته- في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ . فناقل هذا الحديث من السنن حذف منه هذه الجملة، واقتصر على ما يناسب الترجمة]. هذا الحديث قالوا: إنه ضعيف، بل قالوا: انه منكر. والصواب: أنه ليس منكراً؛ لأن له شواهد كثيرة، وإنما المنكر لفظ: (من أتى حائضاً). أما إتيان المرأة في دبرها فقد جاءت الآثار عن الرسول ﷺ وكذلك عن الصحابة: أن من فعل ذلك فإنه متوعد بوعيد شديد. وقد سئل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: أتسألني عن الكفر؟! وجعل هذا كفراً. وكذلك جاء: (من أتى امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . ومعلوم أن هذا من أعظم المحرمات، والله جل وعلا يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] ومعلوم أن محل الحرث هو الفرج وليس الحش محل النجس الخبيث، فهذا لا يجوز أن يؤتى. وجاء في الحديث: (إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن أو في حشوشهن) فالنهي عن ذلك صحيح ثابت. وكذلك الحائض؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فهذا قول ربنا جل وعلا، وأقل ما يقال: إنه محرم من المحرمات، ولا يجوز للإنسان أن يرتكب ما نهاه الله عنه. وأما إتيان الكاهن ففيه أحاديث كثيرة، وكونه حكم على المتن أنه منكر ليس مسلماً، بل توجد أحاديث تعضده وتسنده، والمنكر هو: الذي يخالف الصحيح، ويخالف ما هو ثابت، وهذا لم يخالف، بل وافق ما هو ثابت عن النبي ﷺ . قال الشارح ﵀: [قوله: وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ هكذا بيّض المصنف اسم الراوي، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً. قوله: من أتى كاهناً قال بعضهم: لا تعارض بين هذا وبين حديث: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) هذا على قول من يقول: هو كفر دون كفر. أما على قول من يقول بظاهر الحديث فيسأل عن وجه الجمع بين الحديثين!]. وجه الجمع بين الحديثين أن الأول مجرد إتيان، والثاني إتيان وسؤال، وقد ينضاف إلى السؤال تصديق، ففرق بين هذا وهذا، فإذا كان فيه سؤال وتصديق فهذا كفر، أما إذا كان مجرد إتيان فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً. قال الشارح ﵀: [وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وكان غالب الكهان قبل النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين. قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة. انتهى. وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة أم يتوقف فيه فلا يقال: يخرج عن الملة ولا لا يخرج؟ الجواب يتوقف، وهذا هو أشهر الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً]. قال الشارح ﵀: [قوله ولـ أبي يعلى اسمه: أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره، روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة الحفاظ، مات سنة سبع وثلاثمائة، وهذا الأثر رواه البزار أيضاً ولفظه: (من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب، وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضاً].

стр. 980

شرح حديث: (ليس منا من تطير أو تطير له) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن عمران بن حصين مرفوعاً: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سَحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: (ومن أتى) إلى آخره]. يقول العلماء: من الضوابط التي تضبط بها الكبيرة: أن يقال على فعل من الأفعال: من فعل هذا فليس منا، أو إنه ملعون، أو من فعل ذلك فأنا منه بريء، كما قال ﷺ : (أنا بريء من مسلم بات بين ظهراني المشركين). فهذا مما يقال: إنه من الكبائر. وقوله ﷺ : (ليس منا تطير أو تطير له). التطير هو: التشاؤم بفعل الطيور، وقد يكون بفعل الحيوانات، وقد يكون بفعل الآدميين ورؤيتهم، فبعض الناس إذا خرج فقابله إنسان إما به عور بأحدى عينيه يتشاءم منه ويرجع، أو يرى أعرج أو مريضاً أو ما أشبه ذلك فيتشاءم بذلك ويرجع عن حاجته التي خرج من أجلها، أو يرى عكس ذلك فيذهب معتمداً على هذا، ويعتقد أنه سيصيب بغيته. فالتطير من الشرك؛ لأن المخلوق ما يتصرف في النفع والضر والإيجاد والإعدام، وإنما الأمور بيد الله جل وعلا، والمسلم يجب أن يكون متوكلاً على الله ولا يثنيه عن مراده ما يسمع أو يرى، فعليه ألا يلتفت إلى ذلك. كان رجل جالساً عند ابن عباس ﵁ فجاء غراب ينعق فقال الرجل: خير خير، فأنكر عليه ابن عباس وقال: ويحك! وأي شيء عند هذا؟ أي: أنه لا خير عنده ولا شر. فلا يجوز أن يتعلق الإنسان بشيء من هذه الأشياء، فإن هذا من أمر الجاهلية. قوله: (ليس منا من تَطير) يعني: فعل ذلك بنفسه، (أو تُطير له) يعني: أمر من يفعل له ذلك واستمع إليه، وكذلك: (ليس منا من سحر أو سحر له) يعني: من فعل السحر أو أمر ساحراً أن يفعل له السحر، فإنه يكون مثله سواء. كذلك غير ذلك من الأمور التي يشترك الفاعل والراضي بها فهما سواء، فإن الراضي بالفعل يكون شريكاً للفاعل، وهذا مطلق في كل منكر، بل وفي كل خير. فالراضي يكون مشاركاً لمن فعله، وقد يكون مساوياً له في الإثم. وأما كون الإنسان يتطير له، فقد يكون الإنسان لا يحسن التطير، فيأمر من يحسن ذلك أن يتطير له ويستمع له ويعمل به. فأقل ما يقال فيه: إنه مرتكب جرماً يستحق عليه العذاب؛ لأنه قال: (ليس منا) وإلا فظاهره أنه كفر؛ لأن الذي ليس من المسلمين فهو من الكافرين، هذا هو ظاهر اللفظ، ولكن هو مثل قوله ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر) فنقول: نطلق هذا القول كما قاله الرسول ﷺ ، ونسكت، ويجوز أن يكون المراد به الخروج من الدين، ويجوز أن يكون المراد به أقل من ذلك، والله أعلم. والواجب أن يترك كما قاله الرسول ﷺ لأمور: الأمر الأول: أن هذا أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف هذه المعاصي، بخلاف ما إذا فسرناه تفسيراً يقلل من الإثم، فإنه قد يجترئ عليه، وهذا أمر مقصود للمتكلم، ولا يجوز تهوين الأمر على خلاف ما قاله المتكلم. الأمر الثاني: الذي يتكلم بهذا ليس متيقناً بالمعنى، فعنده شك، ويكون في خطورة؛ لأنه قال على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولا يجوز للإنسان أن يقول في مسائل العلم إلا عن علم واعتماد على دليل، وهذا الدليل محتمل كذا يحتمل كذا، فيتعين أن يترك على ظاهره. فهذان الأمران يكفيان في كون الإنسان يتوقف في هذا، وهذا القول هو اختيار كثير من الأئمة. وجمهور العلماء -كما قال النووي ﵀ يتأولون ذلك. [قوله: (ليس منا) فيه: وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، وتقدم أن الكهانة والسحر كفر. قوله: (من تطير) أي: فعل الطيرة، (أو تطير له) أي: قبل قول المتطير له وتابعه، وكذا معنى: (أو تكهن أو تكهن له) كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذلك من عمل الساحر له السحر. فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطها فقد بريء منه رسول الله ﷺ ؛ لكونها إما شركاً كالطيرة، أو كفراً كالكهانة والسحر. فمن رضي بذلك وتابع عليه فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه. قوله: (رواه البزار) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار البصري صاحب المسند الكبير. وروى عن ابن بشار وابن المثنى وخلق، مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين].

стр. 981

تعريف العرَّاف قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس ابن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق]. يعني: الذي يتكلم بمعرفة الأمور الغائبة فهو من العرافين، وسمي عرافاً؛ لأنه يزعم أنه يعرف الشيء الغائب. والطرق التي يأتي بها مختلفة، فبأي طريقة أتى بها سواءً باتصاله بالجن أو بضربه بالرمل أو بالحصى أو بالودع أو بالخطوط أو بالنظر في النجوم أو بالحدس والتخمين أو بغير ذلك فإن كل هذه المقدمات التي يفعلها ليس فيها دليل، وهي محرمة، وإذا تعاطى ذلك فإنه داخل في العرافة، ويشمله الوعيد الذي جاءت به النصوص. قال الشارح ﵀: [قوله: قال البغوي إلى آخره: البغوي -بفتحتين- هو الحسين بن مسعود الفرَّاء الشافعي، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان ثقةً فقيهاً زاهداً، مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى. قوله: (العراف: الذي يدعي معرفة الأمور) ظاهره أن العراف هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها]. ولا يدخل في هذا القافة الذين لهم أصل في معرفة الأثر فقط؛ لأنهم يعرفون الآثار بخاصية أعطاهم الله جل وعلا إياها، فإنه إذا رأى أثر الإنسان ثم رآه عرف أن هذه أثره، ويجزم بذلك، وكذلك إذا رأى قدميه يعرف أن هذه القدم شبيهة بالقدم الأخرى أو أنها منها. فإنه ثبت في الصحيح: أن مجززاً دخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة وأسامة نائمين وملتحفين بقطيفة، وقد خرجت أقدامهما، فحضر إليهما وقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، ففرح الرسول ﷺ بهذا، وذلك أن زيداً كان يخالف أسامة في اللون، وكان بعض الناس يقول: إنه ليس ابنه، ولما قال ذلك فرح به رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ لا يفرح بباطل. فهذا في شيء معين، وليس هو كما يدعيه العراف، فالقائف إما أن يرى الأثر فيعلم إذا رأى الإنسان أنه صاحب هذا الأثر، أو يرى قدماً أو يرى وجهاً أو ما أشبه ذلك فيجزم أن هذا قريب هذا بالشبه الذي أعطي خاصيةً في معرفته.

стр. 982

مدعي الولاية ليس بولي قال الشارح ﵀: [وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف. وقال أيضاً: والمنجم يدخل في اسم العراف وعند بعضهم هو معناه. وقال أيضاً: والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب. وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالاً منه، فيلحق به من جهة المعنى. وقال الإمام أحمد: العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث. وقال أبو السعادات: العراف والمنجم والحازر: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه: عائفاً وعرافاً. والمقصود من هذا: معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات فهو إما داخل في اسم الكاهن وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل ﵈ كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي ﷺ ، فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل صلوات الله عليهم. وكل هذه الأمور يسمى صاحبها: كاهناً وعرافاً أو في معناهما، فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، وادعوا أنهم أولياء، وأن ذلك كرامة. ولا ريب أن من ادعى الولاية واستدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريها الله على يد عبده المؤمن التقي إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعي أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل لما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسباباً محرمةً كاذبةً في الغالب. ولهذا قال النبي ﷺ في وصف الكهان: (فيكذبون معها مائة كذبة) فبين أنهم يصدقون مرةً ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، وليس هذا من شأن الأولياء، فإن شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وأنا نعلم الغيب؟! وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق واقتناص الدنيا بهذه الأمور. وحسبك بحال الصحابة والتابعين ﵃ وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟ لا والله! بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كـ الصديق ﵁، وكان عمر ﵁ يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده من الليل فيمرض منها ليالي يعودونه، وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ولا يستطيع النوم إلا قليلاً خوفاً من النار ثم يقوم إلى صلاته. ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكره الله تعالى في صفاتهم في سورة الرعد والمؤمنون والفرقان والذاريات والطور، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء، لا أهل الدعوى والكذب ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر]. قوله: (كان يمر بالآية في ورده فيمرض فيعاد) هذا غير صحيح، ولم يثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم: أن أحدهم إذا سمع آيةً يصعق أو يغشى عليه أو يمرض، بل كان الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال، وكانت خشية الله وخوفه عندهم متأصلة، ويتأثرون بذلك كما يتأثر من جاء بعدهم، فالصحيح أنه لم يثبت ذلك عنهم. وأما كونهم يبكون فهذا ثابت عنهم، وقد ثبت أن عمر ﵁ قرأ في صلاة الفجر سورة يوسف فلماء جاء إلى قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] صار له نشيج يُسمع من خلف الصفوف يعني: أنه رأى أنها تنطبق عليه. وكذلك كان الرسول ﷺ في سجود وفي قراءته يُسمع في صدره أزيز. أما البكاء بالصوت ورفعه كما يقع لبعض الناس بكاء وصراخ فهذا ما كان يحدث عندهم، وليس هذا من طريقة المؤمنين، بل كانت أعينهم تدمع، وقلوبهم تخشع، أما التصويت والنشيج والبكاء الذي يكون بأصوات فما كان يحدث لهم، فضلاً عما ذكر من أنه يمرض أحدهم، كل هذا لم يحدث لأحد منهم، وإنما هذا وقع في المتأخرين من التابعين وأتباعهم، وربما بعضهم إذا سمع آية يصعق ويموت. وقد ذكر أن إنساناً قرأ عند أحد الخائفين آيةً من كتاب الله فصار له صراخ حتى فقد الحركة، فنظروا إليه فإذا هو قد مات، وهذا كثر في أتباع التابعين، أما في الصحابة فلا وجود له. ولا شك أن الصحابة أكمل الناس إيماناً، وأتمهم علماً، وأزكاهم عقولاً، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، كما قال الرسول ﷺ : (خير الناس من بعثت فيهم)، وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وكان يحذر ﷺ من الكلام في الصحابة، كما قال ﷺ : (الله الله في أصحابي! لا تتخذونهم غرضاً بعدي)، وكان يوصي بحفظ سابقتهم وحفظ ما لهم عند الله جل وعلا. وكذلك ربنا جل وعلا وصف الذين يأتون من بعدهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. وأخبر جل وعلا أن الذي يغيظه شأن الصحابة ليس من المؤمنين كما قال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: أن أفعالهم تغيظ الكفار. ولهذا يقول الإمام مالك ﵀: (من غاظه شأن الصحابة فليس له نصيب من الفيء؛ لأنه ليس من المؤمنين). فالواجب أن يعرف حقهم؛ لكون الرسول ﷺ رباهم، وكونهم أخذوا العلم عنه، وجاهدوا بين يديه، ونشروا الدين الإسلامي، وعن طريقهم جاءنا الدين، وما عرفنا الإسلام إلا عن طريقهم؛ لأنهم هم الذين نقلوا إلينا ما بلغهم إياه رسولنا ﷺ . قال المصنف ﵀: [فكيف يكون المدعي لذلك ولياً لله؟! ولقد عظم الضرر واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذي ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش القلوب، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة].

стр. 983

حكم الذين يكتبون أباجاد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس في قوم يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق]. هذا الأثر عن ابن عباس رواه عبد الرزاق في المصنف، ومعنى ذلك: أن الذين يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم يستدلون على الحروف بالأمور المستقبلة التي ستأتي، وهذا هو المسمى عند بعض الناس: علم الحروف، وعلوم الحروف يفعلونها دليلاً على المغيبات. قال الشارح ﵀: [قوله: (وقال ابن عباس إلى آخره)، هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً وإسناده ضعيف، ولفظه: (رب معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة). ورواه حميد بن زنجويه عنه بلفظ: (رب ناظر في النجوم، ومتعلم حروف أبي جاد، ليس له عند الله خلاق). وقوله: (ما أرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن. وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى: علم الحرف، وهو الذي جاء به الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به. قوله: (وينظرون في النجوم) أي: ويعتقدون أن لها تأثيراً، كما سيأتي في باب التنجيم: وفيه من الفوائد عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣].

стр. 984

مسائل باب ما جاء في الكهان ونحوهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن]. يعني: قوله: (فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ فدل على أنه لا يجتمع الإيمان بالكاهن وتصديقه مع الإيمان بالله جل وعلا، وهذا يدلنا على أن المؤلف ﵀ يرى أنه على ظاهره. [المسألة الثانية: التصريح بأنه كفر. المسألة الثالثة: ذكر من تكهن له]. يعني: الذي يتكهن له مثل الكاهن. [المسألة الرابعة: ذكر من تطير له. المسألة الخامسة: ذكر من سحر له. المسألة السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد] أي: تعلمه لأجل النظر في علم الغيب، وليس لحساب الجمل، فإن هذا لا بأس به. [المسألة السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف].

стр. 985

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [٧٨] إن للنشرة والطيرة أحكاماً ومعاني بينها الله في كتابه والرسول ﷺ في سنته، وقد اختلف السلف في حكم النشرة وفعلها: فمنهم من حرمها مطلقاً، ومنهم من أجازها فيما فيه ضرورة: كحل سحر المسحور بها.
следующие страницы →