وإذا كان الامر كما ذكرنا، والحال على ما وصفنا، فواجب إذا على كل مكلف ذي عقل سليم مطلق من إسار الشهوات الحيوانية والشبهات الشيطانية أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في تحصيل الفوز بالنعيم الابدي، والنجاة من العذاب السرمدي.
ومن المعلوم الواضح عند كل ذي بصيرة أن ذلك لا يحصل إلا بتزكية النفس وتطهيرها من الادناس الطبيعية، والاخلاق البهيمية، وذلك منحصر في أمرين لا ثالث لهما، وهما: العلم النافع، والعمل الصالح.
لكن الناس مختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، ومتباينون فيه تباينا شديدا، فكل قوم يدعون أن ما هم عليه من القول والعمل هو الحق المؤدي إلى طهارة النفس وتزكيتها، وأن ما سوى ذلك باطل مضر بصاحبه، ويقيمون على ذلك دلائل من آرائهم، وبراهين من أفكارهم، ويدعي خصومهم مثل ذلك، ويعارضونهم بمثل ما ادعوه لانفسهم وعارضوا به خصومهم، فكل بكل معارض وبعض ببعض مناقض. وما كان هذا سبيله فليس فيه شفاء غليل ولابرء عليل، وإذا كان ذلك كذلك لم يبق أمر يقصد إليه، ولا شيء يعول عليه إلا الكتاب العزيز الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تنزيل من حكيم حميد، وسنة الرسول الكريم المؤيد بالدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات التي يعجز كل أحد من البشر عن معارضتها والاتيان بمثلها.
فأما الكتاب العزيز، فإن الله تعالى تولى حفظه بنفسه ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ﴿١) ، فظهر مصداق ذلك مع طول المدة، وامتداد الايام، وتوالي الشهور، وتعاقب السنين، وانتشار أهل الاسلام، واتساع رقعته.
стр. 107
وأما السنة، فإن الله تعالى وفق لها حفاظا عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فتنوعوا في تصنيفها، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة وضروب عديدة، حرصا على حفظها، وخوفا من إضاعتها، وكان من أحسنها تصنيفا، وأجودها تأليفا، وأكثرها صوابا، وأقلها خطأ، وأعمها نفعا، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة، وأيسرها مؤونة، وأحسنها قبولا عند الموافق والمخالف وأجلها موقعا عند الخاصة والعامة: صحيح أَبِي عَبد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إسماعيل البخاري، ثم صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، ثم بعدهما كتاب السنن لابي داود سُلَيْمان بْن الأشعث السجستاني، ثم كتاب الجامع لابي عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيّ، ثم كتاب السنن لابي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبِ النَّسَائي، ثم كتاب السنن لأبي عَبد الله مُحَمَّد بْن يزيد المعروف بابن ماجة القزويني وإن لم يبلغ درجتهم.
ولكل واحد من هذه الكتب الستة مزية يعرفها أهل هذا الشأن، فاشتهرت هذه الكتب بين الانام، وانتشرت في بلاد الاسلام، وعظم
الانتفاع بها، وحرص طلاب العلم على تحصيلها، وصنفت فيها تصانيف، وعلقت عليها تعاليق، بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من المتون، وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد، وبعضها في مجموع ذلك.
وكان من جملة ذلك كتاب "الكمال" (١) الذي صنفه الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الغني بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بن سرور المقدسي رحمة الله عليه في معرفة أحوال الرواة الذين اشتملت عليهم هذه الكتب الستة. وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، لكن لم يصرف مصنفه ﵀ عنايته إليه حق صرفها، ولا استقصى الأَسماء التي اشتملت
стр. 108
عليها هذه الكتب استقصاء تاما، ولا تتبع جميع تراجم الأَسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال.
ثم إن بعض ولده ممن لم يبلغ في العلم مبلغه، ولا نال في الحفظ درجته رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأَسماء، فكتب عدة أسماء من أسماء الصحابة الذين أغفلهم والده من تراجم كتاب "الاطراف" (١) الذي صنفه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم علي بْن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن عساكر ﵀ وأسماء يسيرة من أسماء التابعين من كتاب "الاطراف" أيضا. وكتب عدة أسماء ممن أغفلهم والده من كتاب"المشايخ النبل"الذي صنفه الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِمِ ابن عساكر أيضا.
ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره الحافظ أبو القاسم شيئا. فوقعت عامة تلك الأَسماء المستدركة في الكتاب مختصرة منتفة، ولا يحصل بذكرها كذلك كبير فائدة. ووقع في بعض ما اختصره بلفظه من كتاب والده خلل كبير، ووهم شنيع.
فلما وقفت على ذلك، أردت تهذيب الكتاب وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والاغفال، واستدراك ما حصل فيه من النقص والاخلال، فتتبعت الأَسماء التي حصل إغفالها منهما جميعا، فإذا هي أسماء كثيرة تزيد على مئات عديدة من أسماء الرجال والنساء. ثم وقفت على عدة مصنفات لهؤلاء الأئمة الستة غير هذه الكتب الستة وستأتي أسماؤها قريبا إن شاء اللَّه تعالى فإذا هي تشتمل على أسماء كثيرة ليس لها ذكر في الكتب الستة، ولا في شيء منها، فتتبعتها تتبعا تاما، وأضفتها إلى ما قبلها، فكان مجموع ذلك زيادة على ألف وسبع مئة اسم من الرجال والنساء. فترددت بين كتابتها مفردة عن كتاب الاصل، وجعلها كتابا مستقلا
стр. 109
بنفسه، وبين إضافتها إلى كتاب الاصل، ونظمها في سلكه، فوقعت الخيرة على إضافتها إلى كتاب الاصل، ونظمها في سلكه، وتمييزها بعلامة تفوزها عنه، وهو أن أكتب الاسم، واسم الاب أو ما يجري مجراه بالحمرة وأقتصر في الاصل على كتابة الاسم خاصة بالحمرة.
وجعلت لكل مصنف علامة (١) ، فإن تكرر الاسم في أكثر من مصنف واحد اقتصرت على عزوه إلى بعضها في الغالب.
فعلامة ما اتفق عليه الجماعة الستة في الكتب الستة: (ع)
وعلامة ما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة في سننهم الأربعة: (٤) .
وعلامة ما أخرجه البخاري في الصحيح: (خ) ، وعلامة ما استشهد به في الصحيح تعليقا: (خت) .
وعلامة ما أخرجه فِي كتاب القراءة خلف الإمام: (ز) .
وعلامة ما أخرجه في كتاب رفع الدين في الصلاة: (ي) . وعلامة ما أخرجه في كتاب الادب: (بخ) . وعلامة ما أخرجه في كتاب أفعال العباد: (عخ) (٢) .
وعلامة ما أخرجه مسلم في الصحيح: (م) ، وعلامة ما أخرجه في مقدمة كتابه: (مق) (٣) .
وعلامة ما أخرجه أبو داود في كتاب السنن: (د) ، وعلامة ما أخرجه في كتاب المراسيل: (مد) . وعلامة ما أخرجه في كتاب الرد عَلَى أهل القدر: (قد) . وعلامة ما أخرجه في كتاب الناسخ والمنسوخ: (خد) .
стр. 110
وعلامة ما أخرجه في كتاب التفرد، وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن: (ف) . وعلامة ما أخرجه في فضائل الانصار: (صد) . وعلامة ما أخرجه في كتاب المسائل التي سأل عنها أَبَا عَبد اللَّهِ أَحْمَد بْن محمد بن حنبل: (ل) . وعلامة ما أخرجه في مسند حديث مالك بن أنس: (كد) (١) .
وعلامة ما أخرجه التِّرْمِذِيّ في الجامع: (ت) . وعلامة ما أخرجه
في كتاب الشمائل: (تم) .
وعلامة ما أخرجه النَّسَائي في كتاب السنن: (س) . وعلامة ما أخرجه فِي كتاب عمل يوم وليلة: (سي) . وعلامة ما أخرجه في كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بْن أَبي طالب ﵁: (ص) .
وعلامة ما أخرجه في مسند علي ﵁: (عس) . وعلامة ما أخرجه في مسند حديث مالك بن أنس: (كن) (٢) .
وعلامة ما أخرجه ابن ماجة القزويني في كتاب السنن (ق) . وعلامة ما أخرجه في كتاب التفسير: (فق) .
ولم يقع لي من مسند حديث مالك بن أنس لابي داود سوى جزء واحد، وهو الاول، ولا من تفسير ابن ماجة سوى جزءين منتخبين منه، وما سوى ذلك مما سميته ها هنا، فقد وقع لي كل واحد منهم بكماله ولله الحمد.
стр. 111
ولهؤلاء الأئمة الستة مصنفات عدة سوى ذلك منها ما لم أقف عليه، ومنها ما وقفت عليه ولم أكتب منه شيئا، إما لكونه ليس من غرض كتابنا هذا، أو لكونه ليس فيه إسناد، نحو: تاريخ البخاري الكبير، وتاريخه الاوسط، وتاريخه الصغير، ونحو: كتابي الضعفاء، له، ونحو: كتاب الكنى لمسلم، وكتاب التمييز له، وكتاب الوحدان له، وكتاب الأَخُوة له، ونحو: كتاب الأَخُوة لابي داود، وكتاب معرفة الاوقات له، ونحو: كتاب العلل للترمذي وهو غير الذي ذكره في آخر الجامع. ونحو: كتاب الكنى للنسائي، وكتاب أسماء الرواة والتمييز بينهم له، وكتاب الضعفاء له، وكتاب الأَخُوة له، وكتاب الأَغَراب وهو ما أغرب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة له، ومسند منصور بن زاذان له، وغير ذلك، لان عامة من ذكروا روايته في هذه الكتب المصنفة على التراجم لا يجري في الاحتجاج به مجرى من ذكروا روايته في الكتب الستة، وما تقدم ذكره معها من الكتب الصنفة على الابواب.
وقد جعلت على كل اسم كتبته بالحمرة رقما من الرقوم المذكورة أو أكثر بالسواد، ليعرف الناظر إليه عند وقوع نظره عليه من أخرج له من هؤلاء الأئمة وفي أي كتاب من هذه الكتب أخرجوا له، ثم أنص على ذلك نصا صريحا عند انقضاء الترجمة، أو قبل ذلك على حسب ما تقتضيه الحال إن شاء الله تعالى.
وذكرت أسماء من روى عنه كل واحد منهم، وأسماء من روى عن كل واحد منهم في هذه الكتب أو في غيرها على ترتيب حروف المعجم أيضا على نحو ترتيب الأَسماء في الاصل. ورقمت عليها أو على بعضها رقوما بالحمرة يعرف بها في أي كتاب من هذه الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه، ورواية ذلك الاسم
стр. 112
المرقوم عليه عنه. ثم ذكرت في تراجمهم روايتهم عنه، أو روايته عنهم كذلك، لتكون كل ترجمة شاهدة للاخرى بالصحة والاخرى شاهدة لها بذلك.
فإن كان للصحابي رِوَايَة عَنِ النَّبِي ﷺ وعن غيره، ابتدأت بذكر روايته عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثم ذكرت روايته عن غيره راقما على ما يحتاج من ذلك إلى رقم. وإن كان الراوي ممن روى عنه هؤلاء الأئمة الستة أو بعضهم بغير واسطة، ابتدأت بذكر روايتهم، أو رواية من روى منهم عنه، ثم ذكرت من روى عنه من غيرهم على الترتيب المذكور. وإن كان فيهم من روى عنه بغير واسطة، ثم روى عنه بواسطة ابتدأت بذكر روايته عنه بغير واسطة، ثم رقمت على اسم من روى عنه من الرواة عنه على نحو ما تقدم. وإن كان بعضهم قد روى عنه بغير واسطة، وبعضهم قد روى عنه بواسطة، ابتدأت بذكر من روى عنه منهم بغير واسطة كما تقدم، ثم ذكرت من روى عنه منهم بواسطة في آخر الترجمة قائلا: وروى له فلان، أو فلان وفلان إن كان أكثر من واحد.
واعلم: أن ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك، فعامته منقول من كتاب"الجرج والتعديل" (١) لابي مُحَمَّد عبد الرحمن بْن أَبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ، ومن كتاب"الكامل" (٢) لابي أَحْمَد عَبد اللَّهِ بْن عَدِيّ الجرجاني الحافظ، ومن كتاب"تاريخ بغداد" (٣) لابي بَكْر مُحَمَّد بْن علي بْن ثابت
стр. 113
الخطيب البغدادي الحافظ، ومن كتاب"تاريخ دمشق" (١) لابي القاسم عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ.
وما كان فيه من ذلك منقولا من غير هذه الكتب الأربعة، فهو أقل مما كان فيه من ذلك منقولا منها، أو من بعضها.
ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله خوف التطويل.
وقد ذكرنا من ذلك الشئ بعد الشئ لئلا يخلو الكتاب من الإسناد على عادة من تقدمنا من الأئمة في ذلك.
وما لم نذكر إسناده فيما بيننا وبين قائله: فما كان من ذلك بصيغة الجزم، فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأسًا، وما كان منه بصيغة التمريض، فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر، فمن أراد مراجعة شيء من ذلك أو زيادة اطلاع على حال بعض الرواة المذكورين في هذا الكتاب، فعليه بهذه الامهات الأربعة فإنا قد وضعنا كتابنا هذا متوسطا بين التطويل الممل، والاختصار المخل.
وقد اشتمل هذا الكتاب على ذكر عامة رواة العلم، وحملة الآثار، وأئمة الدين، وأهل الفتوى، والزهد والورع والنسك، وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم المشار إليهم من أهل هذه الطبقات، ولم يخرج عنه منهم إلا القليل، فمن أراد زيادة اطلاع على ذلك، فعليه بعد هذه الكتب الأربعة بكتاب"الطبقات الكبير" (٢) لمحمد بن سعد كاتب الواقدي، وكتاب"التاريخ" (٣) لابي
стр. 114
بَكْر أَحْمَد بْن أَبي خيثمة زهير بن حرب، وكتاب "الثقات" (١) لابي حاتم مُحَمَّد بْن حبان البستي، وكتاب"تاريخ مصر" (٢) لابي سَعِيد عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَد بن يونس بن عبد الاعلى الصدفي، وكتاب"تاريخ نيسابور" (٣) للحاكم أَبِي عَبد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عَبد الله النيسابوري الحافظ، وكتاب"تاريخ أصبهان" (٤) لابي نعيم أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ بن أحمد الأصبهاني الحافظ، فهذه الكتب العشرة أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن.
وقد كان صاحب الكتاب ﵀ ابتدأ بذكر الصاحبة أولا: الرجال منهم والنساء على حدة، ثم ذكر من بعدهم على حدة. فرأينا ذكر الجميع على نسق واحد أولى، لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيظنه من لا خبرة لا تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين، فلا يجده، وربما روى التابعي حديثًا مُرْسلاً عن النَّبِيّ ﷺ فيظنه من لاخبرة له صحابيا فيطلبه في أسماء الصحابة، فلا يجده، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النَّبِيّ ﷺ في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصحابة، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد، زال ذلك المحذور وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا، أو غير صحابي.
стр. 115
وقد رتبنا أسماء الرواة من الرجال في كتابنا هذا على ترتيب حروف المعجم في هذه البلاد (١) مبتدئين بالاول فالاول منها، ثم رتبنا أسماء آبائهم وأجدادهم على نحو ذلك إلا أنا ابتدأنا في حرف الالف بمن اسمه أحمد، وفي حرف الميم بمن اسمه محمد لشرف هذا الاسم على غيره، ثم ذكرنا باقي الأَسماء على الترتيب المذكور، فإذا انقضت الأَسماء ذكرنا المشهورين بالكنى على نحو ذلك، فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير اختلاف فيه، ذكرناه في الأَسماء، ثم نبهنا عليه في الكنى، وإن كان فيهم من لايعرف اسمه، أو من اختلف في اسمه، ذكرناه في الكنى خاصة، ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف في ترجمته. ثم ذكرنا أسماء النساء على نحو ذلك. وربما كان بعض الأَسماء يدخل في ترجمتين أو أكثر، فنذكره في أولى التراجم به، ثم ننبه عليه في الترجمة الاخرى.
وقد ذكرنا في أواخر الكتاب فصولا أربعة مهمة لم يذكر صاحب الكتاب شيئا منها، وهي:
فصل فيمن اشتهر في النسبة إِلَى أبيه، أو جده، أو أمه، أو عمه، أو نحو ذلك، مثل: ابن أبجر، وابن الاجلح، وابن أشوع، وابن جُرَيْج، وابن علية، وغيرهم.
وفصل فيمن اشتهر بالنسبة إلي قبيلة، أو بلدة، أو صناعة، أو نحو ذلك مثل: الأَنْبارِيّ، والأَنْصارِيّ، والأَوزاعِيّ، والزُّهْرِيّ، والشافعي، والعدني، والمقابري والصيرفي، والفلاس، وغيرهم.
وفصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه، مثل: الاعرج، والأعمش، وبندار، وغندر، وغيرهم. ونذكر فيهم وفيمن قبلهم نحو ما ذكرنا في الكنى.
стр. 116
وفصل في المبهمات، مثل: فلان عَن أبيه، أو عن جده، أو عن أُمِّه، أو عن عمه، أو عن خاله، أو عن رجل، أو عن امرأة، ونحو ذلك. ونبه على اسم من عرفنا اسمه منهم.
وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفا صالحا من علم العربية: نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الاصول والفروع، ومن علم الحديث، والتواريخ، وأيام الناس، فإنه إذا كان كذلك، كثر انتفاعه به، وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه، وذلك خصوصية المحدث التي من نالها، وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم، وحشر يوم القيامة تحت اللؤاء المحمدي إن شاء الله تعالى.
стр. 117
فصل
وهذه نبذة من أقوال الأئمة في هذا العلم تمس الحاجه إليها .
أخبرنا الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي عُمَر مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْن قدامة المقدسي فِي جماعة، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص عُمَر بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرِ (١) بن طَبَرْزَذَ البغدادي قدم علينا دمشق أَخْبَرَنَا الرَّئِيسُ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أبو طالب محمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلانَ الهمداني البزاز، أخبرنا أبو بكر مُحَمَّدِ ابْنِ عَبد اللَّهِ بْنِ إبراهيم الشافعي، حَدَّثَنَا عَبد الله بن روح المدائني ومحمد بن ربح البزاز، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد الأَنْصارِيّ، عَنْ محمد بن إبراهيم التَّيْمِيّ أنه سمع علقمة بن وقاص يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ على المنبر يقول: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الاعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
هَذَا حديث صحيح متفق على صحته من حديث يحيى بْن سَعِيد
стр. 118
الأَنْصارِيّ قاضي المدينة، وهو متواتر إليه، رواه عنه العدد الكثير والجم الغفير (١) . وأخرجه الإمام أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حنبل في مسنده عن يزيد بن هارون بهذا الإسناد، فوقع لنا موافقة لَهُ عالية. وأخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"عن عَبد الله بْن مسلمة الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عن يحيى بن سَعِيد، ومن طرق أخر عن يحيى. وأخرجه مسلم أيضا عن مُحَمَّد بن عَبد الله بن نمير عَنْ يَزِيدَ بْنِ هارون، وقد وقع لنا بدلا عاليا جدا من حديث يزيد بْن هارون، عَن يحيى بْن سَعِيد، كان ابن طَبَرْزَذَ شيخ مشايخنا من حيث العدد سمعه من أبي محمد بن حمويه الراوي عن الفربري صاحب البخاري، ومن أبي أحمد الجلودي الراوي عن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سفيان صاحب مسلم، وكأنا نحن سمعناه من أبي الوقت الراوي عَن أبي الحسن الداوودي صاحب ابن حمويه، ومن أبي عَبد الله الفراوي (٢) الراوي عَن أبي الحسين الفارسي صاحب الجلودي، ولله الحمد والمنة، ولا يوجد الآن على وجه الأرض إسناد لهذا الحديث أعلى من هذا الإسناد.
وأخبرنا الشيخ الإمام الرئيس الكبير أبو الغنائم المسلم (٣) بْن
стр. 119
محمد بن المسلم بن مكي بْن علان القيسي فِي جماعة قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص عُمَر بن محمد بن طَبَرْزَذَ، أَخْبَرَنَا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، أخبرنا أَبُو طالب مُحَمَّد بْن محمد بن غيلان، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم الشافعي، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَبي الدنيا، حَدَّثَنَا هارون بن معروف، حَدَّثَنَا سفيان بْن عُيَيْنَة، عَن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، قال: إنما يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثقات.
رَوَاهُ مسلم في مقدمة كتابه عَنْ مُحَمَّد بْن يحيى بْن أَبي عُمَر العدني وأبي بكر بْن خلاد الباهلي كلاهما عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة نحوه، فوقع لنا بدلا عاليا.
وأَخْبَرَنَا الشيخ الإمام أَبُو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري المقدسي، وأم أحمد زينب بنت مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَامِلٍ الحراني قالا: أَخْبَرَنَا أبو حفص عُمَر بن محمد بن طَبَرْزَذَ، أخبرنا الْحَافِظُ أَبُو الْبَرَكَاتِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الأَنْمَاطِيُّ وأَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إبراهيم بن صرما الدقاق، قَالا: أخبرنا أَبُو مُحَمَّد عَبد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبد الله بن هزارمرد الصريفيني الخطيب، أَخْبَرَنَا أبو القاسم عُبَيد الله بْن مُحَمَّد بْن إسحاق بْن حبابة (١) البزاز، أَخْبَرَنَا أبو القاسم عَبد الله بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيزِ البغوي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أخبرنا شُعْبَةُ، أخبرنا منصور بن المعتمر، قال:
стр. 120
سمعت ربعيا يقول: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يقول: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا تكذبوا علي فإن من يكذب علي يلج النَّارِ" (١) .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بن الجعد، به، فوقع لنا موافقة لَهُ بعلو، ورواه مسلم في مقدمة كتابه عن مُحَمَّد بْن المثنى ومحمد بْن بَشَّارٍ كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جعفر غندر، عن شعبة بن، فوقع لنا عاليا جدا، كأن ابن طَبَرْزَذَ شيخ مشايخنا سمعه من أبي أحمد الجلودي الراوي عن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سفيان صاحب مسلم، وكأنا نحن سمعناه من أبي عَبد الله الفراوي الراوي عَن أبي الحسين الفارسي صاحب الجلودي ولله الحمد.
وَقَال حفص بن عاصم، عَن أبي هُرَيْرة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (٢) .
وَقَال أَبُو عثمان مسلم بْن يسار عَن أبي هُرَيْرة، عن رَسُول اللَّهِ ﷺ : سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ فإياكم وإياهم" (٣) .
وَقَال عامر بْنِ عَبْدَةَ عَنْ عَبد اللَّهِ بن مسعود: إن الشيطان ليمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم، فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث (٤) .
وَقَال هشام بْن حسان عن محمد بن سيسرين: إن هذا العلم دين
стр. 121
فانظروا عمن تأخذون دينكم (١) .
وَقَال الأَوزاعِيّ، عن سُلَيْمان بن موسى: لقيت طاووسا فقلت: حدثني فلان كيت وكيت (٢) ، قال: إن كان مليا، فخذ عَنْهُ (٣) .
وَقَال عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي الزناد، عَن أبيه: أدركت بالمدينة مئة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
وَقَال أَبُو إسماعيل التِّرْمِذِيّ، عن إسماعيل بن أَبي أويس سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
لقد أدركت عدد هذه الاساطين وأشار إلى مسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ من يقول: قال فلان، قال رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أمينا، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقدم علينا مُحَمَّد بن مسلم بن عُبَيد الله بن شهاب الزُّهْرِيّ، وهو شاب فنزدحم على بابه.
وَقَال عَمْرو بْن علي: سمعت يحيى بن سَعِيد، قال: سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وسفيان بن عُيَيْنَة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه؟ فقالوا: أخبر عنه أنه ليس بثبت.
وَقَال أَبُو همام الوليد بْن شجاع: سمعت عُبَيد الله الاشجعي يذكر عن سفيان الثوري قال: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ، فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط، ترك.
стр. 122
"وَقَال نعيم بْن حماد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن مهدي: سألت أو سئل شعبة عمن يترك" (١) حديثه، قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون (٢) فأكثر، طرح حديثه، وإذا اتهم بالكذب، طرح حديثه،"ومن روى حديثًا غلطا مجتمعا عليه، فتمادى في روايته، طرح حديثه، ومن أكثر من الغلط طرح حديثه" (٣) ، وما كان غير هؤلاء فارووا عنه.
وَقَال أبو موسى مُحَمَّد بْن المثنى: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي يقول: المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، والآخريهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا، لذهب حديث الناس، والآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
وَقَال أحمد بن ملاعب البغدادي: سمعت أَبَا نعيم الفضل بْن دكين يقول: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن حافظ له، أمين عليه، عارف بالرجال.
وَقَال أَحْمَد بْن أَبي الحواري (٤) : سمعت مروان بن مُحَمَّد يقول: لاغني لصاحب حديث عن صدق وحفظ وصحة كتب فإذا أخطأته واحدة وكانت فيه واحدة، لم يضره إن لم يكن له حفظ ورجع إلى الصدق وكتبه صحيحة لم يضره إن لم يحفظ.
стр. 123
وَقَال محمد بن أبان البلخي: سمعت عَبْد الرحمن بْن مهدي يقول: من رأى رأيا ولم يدع إليه، احتمل، ومن رأى رأيا دعا إليه، فقد استحق الترك.
وَقَال مُحَمَّد بْن عَمْرو الغزي، عَنْ رواد (١) بْن الجراح: سمعت سفيان الثوري يقول: خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل عن المشيخة، وأما الحلال والحرام، فلا تأخذوه إلا عمن يعرف الزيادة فيه من النقص.
وَقَال الربيع بن سُلَيْمان المرادي: قال الشافعي (٢) : ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها:
أن يكون من حدث به عالما بالسنة (٣) ، ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو (٤) يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه (٥) لا يحدث به على المعنى، لانه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لا يدرى (٦) لعله يحيل الحلال إلى الحرام، فإذا (٧) أداه بحروفه، لم (٨) يبق فيه (٩) وجه يخاف فيه إحالة
стр. 124
الحديث (١) . ويكون (٢) حافظا إن حدث من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من تابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريا (٣) من أن يكون مدلسا يحدث عمن لقي بما لم يسمع (٤) ، أو يحدث عَن النَّبِيّ ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه عنه ﵇ (٥) .
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولا إِلَى النَّبِيّ ﷺ .
ومن (٦) عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليس (٧) تلك العورة كذبا، فيرد (٨) بها حديثه ولا النصيحة في الصدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق فنقول (٩) : لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: سمعت"أو"حدثني"ومن (١٠) كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل (١١) حديثه.
ونقبل خبر الواحد ونستعمله، تلقاه العمل أو لم يتلقه، وهو مذهب أهل الحديث. قال الشافعي: وكان ابن سيرين والنخعي وغير
стр. 125
واحد من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عمن (١) عرف.
قال الشافعي: وما لقيت أحدًا من أهل العلم يخالف هذا المذهب.
وَقَال أبو بكر الخلال عَنْ عباس بْن مُحَمَّد الدوري: سمعت يحيى بْن مَعِين يَقُول: دخلت على أَبِي عَبد اللَّهِ أَحْمَد بن محمد بن حنبل، فقلت له: أوصني، قال: لاتحدث المسند إلا من كتاب. قال: وكذلك قال علي ابن المديني: قال لي سيدي أَحْمَد بْن حَنْبَل: لا تحدث إلا من كتاب.
وَقَال أيوب ابن المتوكل، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مهدي: الحفظ الاتقان، ولا يكون إماما من"حدث عن كل من رأى، ولا من حدث بكل ما سمع" (٢) .
وَقَال صالح بْن حاتم بْن وردان: سمعت يزيد بن زريع يقول: لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد.
وقَال البُخارِيُّ: سمعت علي ابن المديني يقول: التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم.
وَقَال أحمد بن محمد الأزرق: سمعت يحيى بْن مَعِين يَقُول: آلة الحديث الصدق والشهرة والطلب، وترك البدع، واجتناب الكبائر.
وَقَال مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بن عمار الموصلي: قال يحيى بن سَعِيد: لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد وإ فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد.
стр. 126
وَقَال محمد بن عيسى المقرئ، عن إسحاق بن بشر الرازي: قال عَبد الله بْن المبارك: ليس جودة الحديث [قرب الإسناد، جودة الحديث] (١) صحة الرجال.
وَقَال أَبُو بَكْر بْن خزيمة، عن عَبد اللَّه بْن هاشم الطوسي: كنا عند وكيع، فقال: الأعمش أحب إليكم، عَن أَبِي وائِلٍ عَنْ عَبد الله، أو سفيان عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبد اللَّهِ؟ فقلنا: الأعمش عَن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ علقمة عن عَبد الله: فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه.
زاد غيره، قال: وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا من حديث يتداوله الشيوخ.
وَقَال علي بْن خشرم (٢) : سمعت وكيعا يقول: لا يكمل الرجل أو لاينبل حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.
وَقَال أَبُو مُحَمَّد عَبد اللَّهِ بْن مسلم بْن قتيبة الدينوري: وليس لامة من الامم إسناد كإسنادهم، يعني هذه الامة، رجل عن رجل وثقة عن ثقة حتى يبلغ بذلك رَسُول اللَّهِ ﷺ وصحابته فيبين بذلك الصحيح والسقيم، والمتصل والمنقطع، والمدلس والسليم.
стр. 127
فصل
فيما روي عن الأئمة في فضيلة هذه الكتب الستة
قال مُحَمَّد بْن أَبي نصر الحميدي: سمعت الفقيه أبا محمد علي ابن أحمد بن سَعِيد الحافظ بالاندلس وقد جرى ذكر"الصحيحين"فعظم منهما، ورفع من شأنهما.
وحكي أن سَعِيد ابن السكن (١) اجتمع إليه قوم من أصحاب الحديث، فقالوا له: إن الكتب في الحديث قد كثرت علينا، فلو دلنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها. فسكت عنهم، ودخل إلى بيته، فأخرج أربع رزم، فوضع بعضها على بعض، فقال: هذه قواعد الاسلام: كتاب البخاري وكتاب مسلم، وكتاب أبي داود، وكتاب النَّسَائي.
وروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: خرجت كتاب"الجامع"في بضع عشرة سنة وجعلته فيما بيني وبين الله حجة.
وروينا عنه أنه قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما
стр. 128
أدخلت في كتاب"الجامع"إِلا مَا صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
وَقَال أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن مندة الْحَافِظ: سمعت أَبَا علي الحسين بن علي النيسابوري يَقُول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وَقَال محمد بن الحسين الماسرجسي عَن أبيه (١) : سمعت مسلم بْن الحجاج يَقُول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.
وَقَال أَحْمَد بْن سَلَمَة النَّيْسَابُورِيّ: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بْن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
وَقَال أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عبد العزيز الهاشمي المكي: سمعت أبا داود السجستاني بالبصرة، وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة جوابا لهم، فأملى علينا: سلام عليكم، فإني أحمد إليكم اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ . أَمَّا بعد: عافانا الله وإياكم، فهذه الأربعة آلاف والثمان مئة حديث كلها من الاحكام، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا، فلم أخرجها، والسلام عليكم ورحمة الله وصلى الله على محمد النبي وآله.
стр. 129
وَقَال أَبُو بكر بْن داسة: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خمس مئة أَلْفِ حَدِيثٍ انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمّنته هذا الكتاب، يعني كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله ﷺ : الأعمال بالنيات"، والثاني قوله ﷺ ": مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يعنيه" (١) ، والثالث: قوله ﷺ : لا يكون المرء (٢) مؤمنا حَتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه" (٣) ، والرابع: قوله ﷺ : الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات..الحديث" (٤) .
وَقَال أبو بكر الصولي: سمعت زكريا بن يحيى الساجي يقول: كتاب الله أصل الاسلام، وكتاب السنن لابي داود عهد الاسلام.
وَقَال إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد الصفار: سمعت محمد بن إسحاق
стр. 130
الصغاني يقول: ألين لأبي داود الحديث كما ألين داود الحديد.
وَقَال أبو سُلَيْمان الخطابي: سمعت ابن الاعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب يعني كتاب السنن وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله عزوجل، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. قال الخطابي: وهذا كما قال لا شك فيه، لان الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، وَقَال: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شئ) ﴿١) ، فأخبر وبحمده أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب. إلا أن البيان على ضربين: بيان جلي، تناوله الذكر نصا، وبيان خفي اشتمل على معنى التلاوة ضمنا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، وهو معنى قوله : ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) ﴿٢) . فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان. وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم، وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه، ولا متأخرا، لحقه فيه.
قال أبو سُلَيْمان: واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لابي داود كتاب شريف لم يصنف في حكم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء. على اختلاف مذاهبهم، ولكل فيه ورد، ومنه مشرب، وعلى معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الارض فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل، ومسلم ابن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في
стр. 131
السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن وضعا، وأكثر فقها، وكتاب أبي عيسى أيضا كتاب حسن، والله تعالى يغفر لجماعتهم، ويحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته.
ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم.
فالصحيح عندهم: ما اتصل سنده وعدلت نقلته.
والحسن منه: ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث.
فأما السقيم منه، فعلى طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب (١) ، ثم المجهول. وكتاب أبي داود خلي منها، برئ من جملة وجوهها، وإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته.
قال: ويحكى لنا عَن أبي داود أنه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
قال: وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إني ما فيها من السنن والاحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآدابا (٢) . فأما السنن المحضة فلم
стр. 132
يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تحصيلها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لابي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الاثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الابل، ودامت إليه الرحل.
وَقَال أبو سَعْد عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الادريسي الحافظ: مُحَمَّد بْن عيسى بْن سورة التِّرْمِذِيّ الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب"الجامع"والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم منتق، كان يضرب به المثل في الحفظ.
وَقَال أَبُو الفضل مُحَمَّد بْن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إِسْمَاعِيل عَبد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الأَنْصارِيّ بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى التِّرْمِذِيّ وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لان كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس.
وَقَال أبو الفضل بن طاهر أيضا: سألت الإمام أبا القاسم سعد ابن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه، فقلت: أن أبا عَبْد الرحمن النَّسَائي ضعفه، فقال: يا بني إن لابي عبد الرحمن في الرجال شرطا أشد من شرط البخاري ومسلم.
وَقَال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ بن البيع الحافظ: سمعت أبا الحسن أحمد بْن محبوب الرملي بمكة يَقُول: سمعت أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ أحمد بن شعيب النَّسَائي يقول: لما عزمت على جمع كتاب السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشئ، فوقعت الخيرة على تركهم، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم.
стр. 133
وَقَال عبد الغني بْن سَعِيد المِصْرِي الحافظ: سمعت أَبَا علي الْحَسَن بْن خضر السيوطي يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النوم وبين يدي كتب كثيرة فيها كتاب السنن لابي عبد الرحمن، فقال لي ﷺ : إِلَى متى وإلى كم، هذا يكفي، وأخذ بيده الجزء الاول من كتاب الطهارة من السنن لابي عبد الرحمن، فوقع في روعي أنه يعني كتاب السنن لابي عبد الرحمن أحب إليه.
وَقَال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: رأيت على ظهر جزء قديم بالري حكاية كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش يعني أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بن خاموش الرازي الواعظ قال أبو زُرْعَة الرازي: طالعت كتاب أبي عَبد الله بن ماجة، فلم أجد فيه إلا قدرا يسيرا مما فيه شيء، وذكر قريب بضعة عشر، أو كلاما هذا معناه.
وَقَال الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بْن عساكر: قرأت بخط أبي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُبَيد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحُسَيْن بْن بابويه (١) الرازي شاب كان يسمع معنا الحديث بالري سنة تسع وعشرين وخمس مئة قال أَبُو عَبد اللَّهِ بْن ماجة: عرضت هذه النسخة على أبي زرعة فنظر فيه، وَقَال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع كلها أو قال: أكثرها ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، أو قال: عشرين أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلامِ، قال: وحكي أنه نظر في جزء من أجزائه وكان عنده في خمسة أجزاء (٢) .
هذا بعض ما حضرنا من أقوال الأئمة في فضيلة هذه الكتب الستة. وأما مناقب مصنفيها وفضائلهم، فسيأتي ما تيسر من ذلك في ترجمة كل واحد منهم في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 134
فصل
وهذا حين نبتدئ بعون الله تعالى فيما له قصدنا من الأَسماء بعد ذكر نسب المصطفى ﷺ ، وذكر شيء من سيرته ومعجزاته على طريق الاختصار، إذ الكتاب لم يوضع لذلك، لكن أحببنا أن لا نخلي الكتاب من ذلك، طلبا لبركته، وتشرفا بذكره ﷺ .
فَإِمَّا نسبه:
فهو أبو القاسم مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بْن عبد المطلب بْن هاشم بْن عَبْد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بْن كعب، بْن لؤي، بْن غَالِب، بْن فهر بْن مَالِك، بْن النضر، بْن كنانة، بْن خزيمة، بْن مدركة، بْن إلياس، بْن مضر، بْن نزار، بن معد، بن عدنان. إلى هنا أجمع أهل النسب، وما وراء ذلك، ففيه اختلاف كبير جدا.
قال أَبُو عُمَر بْن عَبد الْبَرِّ حافظ أهل المغرب (١) : قال مُحَمَّد بْن
عبدة بْن سُلَيْمان النسابة: أجمع النسابون جميعا: العدنانية والقحطانية والاعاجم على أن إبراهيم خليل الله ﵇ من ولد عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال (٢) : وأجمعوا أن عدنان من ولد
стр. 135
إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ﵉ إلا أنهم اختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل من الآباء، فذكر عن طائفة سبعة آباء بينهما، وذكر عن طائفة مثل ذلك إلا أنها خالفتها في بعض الأَسماء، وعن طائفة تسعة آباء مخالفة أيضا في بعض الأَسماء، وعن طائفة خمسة عشر أبا بين عدنان وإسماعيل.
ثم قال (١) : وأما الذين جعلوا بين عدنان وإسماعيل أربعين أبا، فإنهم استخرجوا ذلك من كتاب رخيا، وهو يورخ كاتب أرميا ﵇، وكانا قد حملا معد بن عدنان من جزيرة العرب ليالي (٢) بخت نصر فأثبت رخيا في كتبه نسبة عدنان، فهو معروف عند أحبار (٣) أهل الكتاب وعلمائهم مثبت في أسفارهم. قال: وقد وجدنا طائفة من علماء العرب تحفظ لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل، وتحتج في أسمائهم بالشعر من شعر أمية بن أَبي الصلت وغيره من علماء الشعراء (٤) بأمر الجاهلية ومطالعة الكتب. وكل الطوائف يقولون: عدنان بن أدد، إلا طائفة قالت: عدنان بْن أد بْن أدد.
قال أبو عُمَر (٥) : وروى ابن لَهِيعَة عَن أَبِي الأسود أنه سمع عروة ابن الزبير يقول: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان، ولا ما وراء قحطان إلا تخرصا.
قال: وَقَال أبو الأسود يتيم عروة: سمعت أبا بكر بْن سُلَيْمان بْن أَبي حثمة، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم، يقول: ما وجدنا أحدًا يعلم ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر، ولا علم عالم.
стр. 136
قال أبو عُمَر (١) : وكان قوم من السلف، منهم: عَبد اللَّه بْن مسعود، وعَمْرو بْن ميمون الأَودِيّ ومحمد بن كعب القرظي، إذا تلوا: ﴿والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) ﴿٢) ، قالوا: كذب النسابون.
قال: ومعنى هذا عندنا على غير ما ذهبوا إليه، وإنما المعنى فيها والله أعلم تكذيب من ادعى إحصاء بني آدم، فإنه لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، فإنه هو الذي أحصاهم وحده لا شَرِيك له. وأما أنساب العرب، فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا، وحفظوا جماهيرها، وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك.
قال (٣) : والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان، قالوا: عدنان بن أدد بن مقوم، بن ناحور، بن تيرح، بن يعرب، بن يشجب، ابن نابت، بن إسماعيل، بن إبراهيم خليل الرحمن، بن تارح، وهو ازر، بن ناحور، بن شاروخ، بن راغو (٤) ، بن فالخ (٥) ، بن عيبر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح بن لامك، بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس النَّبِيُّ ﷺ فيما يزعمون والله أعلم وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث وخط بالقلم ابن يرد بن مهليل، بن قينن (٦) ، بن يانش، بن شيث، بن آدم ﷺ .
قال ابن هشام (٧) : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبد اللَّهِ البكائي، عن محمد
стр. 137
ابن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب عدنان إلى آدم وما فيه من حديث إدريس وغيره.
قال أبو عُمَر (١) : ومن أحسن ما جاء في ذلك ما نظمه أَبُو الْعَبَّاسِ عَبد اللَّهِ بْنُ محمد الناشئ في قصيدة يمدح بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وهي قوله:
مدحت رسول الله أبغي بمدحه • وفور حظوظي من كريم المآرب
مدحت امرءا فاق المديح موحدا • بأوصافه عن مبعد أو (٢) مقارب
نبيا تسامى في المشارق نوره • فلاحت هواديه لاهل المغارب
أتتنا به الانباء قبل مجيئه • وشاعت به الاخبار في كل جانب
وأصبحت الكهان تهتف باسمه • وتنفي به رجم الظنون الكواذب وأنطقت الاصنام نطقا تبرأت • إلى الله فيه من مقال الاكاذب
وَقَالت لاهل الكفر قولا مبينا • أتاكم نبي من لؤي بن غالب
ورام استراق السمع جن فزيلت • مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له • لطول العمى من واضحات المذاهب
وجاء بآيات تبين أنها • دلائل جبار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حين تعممت • شعوب الضيا منه رؤوس الاخاشب ومنها نبوع الماء بين بنانه • وقد عدم الرواد قرب المشارب
فروى به جما غفيرا وأسهلت • بأعناقه طوعا أكف المذانب
وبئر طغت بالماء من مس سهمه • ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب
وضرع مراه فاستدر ولم تكن • به درة تصغي إلى كف حالب
ونطق فصيح من ذراع مبينة • لكيد عدو للعداوة ناصب
стр. 138
وإخباره بالامر من قبل كونه • وعند بواديه بما في العواقب
ومن تلكم الآيات وحي أتى به • قريب المآتي مستجم العجائب
تقاصرت الافكار عنه فلم يطع • بليغا ولم يخطر على قلب خاطب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة • وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن روية مرتئ • ولا صحف مستمل ولا رصف (١) كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل • وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإتيان برهان وفرض شرائع • وقص أحاديث ونص مآرب
وتصريف أمثال وتثبيت حجة • وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى • وعند حدوث المعضلات الغرائب.
فيأتي على ما شئت من طرقاته • قويم المعاني مستدر الضرائب
يصدق منه البعض بعضا كأنما • يلاحظ معناه بعين المراقب
وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما • وصفناه معلوم بطول التجارب
تأبى بعَبد الله أكرم والد • تبلج منه عن كريم المناسب
وشَيْبَة ذي الحمد الذي فخرت به • قريش على أهل العلى والمناصب ومن كان يستسقى الغمام بوجهه • ويصدر عن آرائه في النوائب
وهاشم الباني مشيد افتخاره • بعز (٢) المساعي وامتهان (٣) المواهب وعبد مناف وهو علم قومه • اشتطاط الاماني واحتكام الرغائب
وإن قصيا من كريم غراسه • لفي منهل لم يدن من كف قاضب
به جمع الله القبائل بعد ما • تقسمها نهب الاكف السوالب
وحل كلاب من ذرى المجد معقلا • تقاصر عنه كل دان وغائب
ومرة لم يحلل مريرة عزمه • سفاه سفيه أو محوبة حائب وكعب
علا عن طالب المجد كعبه • فنال بأدنى السعي أعلى المراتب
стр. 139
وألوى لؤي بالعداة فطوعت • له همم الشم الانوف الاغالب
وفي غالب بأس أبى البأس دونهم • يدافع عنهم كل قرن مغالب
وكانت لفهر في قريش خطابة • يعوذ بها عند اشتجار المخاطب
وما زال منهم مالك خير مالك • وأكرم مصحوب وأكرم صاحب وللنضر طول يقصر الطرف دونه • بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب لعُمَري لقد أبدى كنانة بعده (١) محاسن تأبى أن تطوع لغالب
ومن قبله أبقى خزيمة بعده • تليد تراث عن حميد الاقارب
ومدركة لم يدك الناس مثله • أعف وأعلى عن دني المكاسب
وإلياس كان اليأس منه مقارنا • لاعدائه قبل اعتداد الكتائب
وفي مضر يستجمع الفخر كله • إذا اعتركت يوما زحوف المناقب
وحل نزار من رئاسة قومه • محلا تسامى عن عيون الرواقب
وكان معد عدة لوليه • إذا خاف من كيد العدو المحارب
وما زال عدنان إذا عد فضله • توحد فيه عن قرين وصاحب
وأد تأدى الفضل منه بغاية • وإرث حواه عن قروم أشايب
وفي أدد حلم تزين بالحجا • إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب
وما زال يستعلي هميسع بالعلى • ويبلغ (٢) آمال البعيد المراغب
ونبت بنته دوحه العز وابتنى • معاقله في مشمخر الاهاضب
وحيزت لقيذار سماحة حاتم • وحكمة لقمان وهمه حاجب
هم نسل إسماعيل صادق وعده • فما بعده في الفخر مسعى لذاهب وكان خليل الله أكرم من عنت • له الارض من ماش عليها وراكب وتارح ما زالت له أريحية • تبين منه عن حميد الضرائب
وناحور نحار العدى حفظت له • مآثر لما يحصها عد حاسب
وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة • يقد الطلى بالمرهفات القواضب
стр. 140
وأرغو فناب (١) في الحروب محكم • ضنين على نفس المشيح (٢) المغالب
وما فالغ (٣) في فضله تلو قومه • ولا عابر من دونه (٤) في المراتب وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم • سجايا حمتهم كل زار وعائب
وما زال نوح عند ذي العرش فاضلا • يعدده في المصطفين الاطايب
ولمك أبوه كان في الروع رائعا • جريئا على نفس الكمي المضارب
ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ • يذود العدى بالذائدات الشوازب (٥) وكانت لادريس النبي منازل • من الله لم تقرن بهمة راغب
ويارد بحر عند أهل سراته • أبي الخزايا مستدق المآرب
وكانت لمهلاييل فيهم فضائل • مهذبة من فاحشات المثالب
وقينان (٦) من قبل اقتنى مجد قومه • وفات بشأو الفضل وخد (٧) الركائب
وكان أنوش ناش للمجد نفسه • ونزهها عن مرديات المطالب
وما زال شيث بالفضائل فاضلا • شريفا بريئا من ذميم المعايب
وكلهم من نور آدم اقتبسوا • وعن عوده أجنوا ثمار المناقب
وكان رسول الله أكرم منجب • جرى في ظهور الطيبين المناجب
مقابلة آباؤه، أمهاته (٨﴾ مبرأة من فاضحات المثالب
عليه سلام الله في كل شارق • آلاح لنا ضوءا وفي كل غارب
قال أبو عُمَر (٩) : وقد اختلف في قريش، فقال أكثر الناس:
стр. 141
كل من كان من ولد النضر بن كنانة، فهو قرشي، وحجتهم في ذلك حديث الاشعث بن قيس الكندي، قال: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وفد كندة فقلت: ألستم منا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لا، نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من ابينا" (١) .
وَقَال مصعب الزبيري (٢) : كل من لم ينسب إلى فهر، فليس بقرشي.
وَقَال علي بن كيسان: فهر هو أبو قريش، ومن لم يكن من ولد فهر، فليس من قريش.
قال أبو عُمَر: وهذا أصح الاقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سميت قريش قريشا، والدليل على صحة هذا القول أنه لا يعلم اليوم قرشي في شيء من كتب النسب ينسب إلى أب فوق فهر دون لقاء فهر، ولذلك قال مصعب وابن كيسان والزبيربن بكار، وهم أعلم الناس بهذا الشأن وأوثق من ينسب علم ذلك إليه، إن فهر بن مالك جماع قريش كلها باسرها.
قال (٣) : واختلفوا فيما سميت له قريش قريشا، فقال قوم: إنما سميت بذلك لتجمعها (٤) بمكة، والتجمع: التقرش، دليل ذلك قول أبي خلدة اليشكري:
إخوة قرشوا الذنوب علينا • في حديث من دهرنا وقديم
стр. 142
وَقَال حذافة بن غانم العدوي:
أبوبكم قصي كان يدعى مجمعا • به جمع الله القبائل من فهر
قال أبو عُمَر: قصي اسمه زيد، وإنما قيل له: قصي، لانه كان قاصيا عن قومه في قضاعة، ثم قدم مكة وقريش متفرقون، فجمعهم إلى الكعبة، فسمي مجمعا. وقد قيل غير هذا.
وَقَال بعض قريش: إنما سميت قريش قريشا بقريش بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني النضر، وصاحب ميرتهم، فكانت (١) العرب تقول: قد جاءت عير قريش وقد خرجت عير قريش، قال: وابنه بدر بن قريش به سميت بدر التي كانت بها الوقعة المباركة هذا (٢) الذي احتفرها.
وَقَال آخرون: النضر بن كنانة كان يقال له القرشي.
وَقَال آخرون: قصي كان يقال له القرشي.
قال أبو عُمَر (٣) : المقدم من قريش بنو هاشم وهم فصيلة رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وعشيرته الاقربون، وآله الذين تحرم عليهم الصدقة، قال أهل العلم في معنى قَوْلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "لا تحل الصدقة لمحمد ولالآل محمد" (٤) قالوا (٥) : هم بنو هاشم آل العباس وآل أبي طالب وبنو أبي لهب وبنو الحارث بن عبد المطلب وآل علي وآل عقيل وآل
стр. 143
جعفر وكل بني عبد المطلب وسائر بني هاشم. قال: وقيل أيضا: بنو عبد المطلب فصيلته، وبنو هاشم فخذه، وبنو عبد مناف بطنه، وقريش عمارته، وبنو كنانة قبيلته، ومضر شعبه.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ علي بن سرور المقدسي، أخبرنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي الفضل الأَنْصارِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبد الله المشكاني الخطيب في كتابه إلينا من مشكان (١) ، مدينة من كور همذان، أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو منصور مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّدِ بْن يونس النهاوندي قدم علينا مشكان سنة ست وسبعين وأربع مئة، أَخْبَرَنَا القاضي أَبُو العباس أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن زنبيل (٢) النهاوندي، أَخْبَرَنَا أبو القاسم عَبد الله بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بن الخليل القاضي يعرف بابن الاشقر سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري، قراءة في سنة ثمان وأربعين ومئتين، حَدَّثَنِي سُلَيْمان بْن عَبْد الرحمن حدثني الْوَلِيد بْن مُسْلِم وشعيب بْن إسحاق قالا: حَدَّثَنَا الأَوزاعِيّ، حدثني شداد أبو عمار، حدثني واثلة ابن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إِنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش (٣) ، واصطفاني من بني هاشم.
стр. 144
هكذا رواه البخاري في "التاريخ"ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد الرحمن بْن سهم الأنطاكي ومحمد بن مهران الرازي، كلاهما عن الوليد بن مسلم به.
ورواه التِّرْمِذِيّ عَنِ الْبُخَارِيّ، عَنْ سُلَيْمان بْن عبد الرحمن، عَنْ الوليد وحده به، فوقع لنا موافقة لَهُ عالية.
стр. 145
فصل
وأم رَسُول اللَّهِ ﷺ أمِنَةُ بِنْتُ وهْبِ بْنِ عَبْدِ مناف بْن زهرة بْن كلاب بن مرة.
وولد رَسُول اللَّهِ ﷺ عام الفيل، في ربيع الاول، يوم الاثنين لليلتين خلتا منه.
وقِيلَ: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
وقِيلَ: ولد بعد الفيل بثلاثين سنة، وقيل بأربعين. والاول أشهر.
ومات أبوه عَبد الله بن عبد المطلب وقد أتى له ثمانية وعشرون شهرا، وقيل أقل من ذلك. وقيل: مات أبوه وهو حمل.
وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب وأرضعت معه عمه حمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة بن عبد الاسد.
وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وأقام عندها في بني سعد أربع سنين، ثم ردته إلى أمه حين شق عن فؤاده.
وخرجت أمه إلى المدينة تزور أخواله، فتوفيت بالابواء وهي راجعة إلى مكة وله ﷺ ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
وقيل: ماتت أمه وله أربع سنين. فلما ماتت حملته أم أيمن إلى مكة بعد وفاة أمه بخمسة أيام.
وتوفي جده عبد المطلب وله ﷺ ثماني سنين، وأوصى به إلى عمه أبي طالب.