ابتلاهم، كذلك خلقهم، وبذلك أمرهم.
يضعفون إليه في القوة ويقرون له بالقدرة والحجة، لا يحملهم تضعيفهم أنفسهم أن يجحدوا حجته عليهم، ولا يحملهم علمهم بعذره إليهم أن يجحدوا أن قدره نافذ فيهم، هذا عندهم سواء وهم به عن غيره أغنياء، وقد عصمهم الله تعالى من فتنة ذلك؛ فلم يفتحها عليهم وفتحها على قوم آخرين، لبسوا أنفسهم عليهم ما يلبسون فهم هنالك في غمرتهم يعمهون، لا يجدون حلاوة الحسنة فيما قدر عليهم من المصيبة حين زعموا أنهم في ذلك مملوكون أن يقدموها قبل أجلها ويزعمون أنهم قادرون عليها؛ فسبحان الله ثم سبحان الله؛ فهلم يا عباد الله إلى سبيل المسلمين التي كنتم معهم عليها، فانبحستم (١) بأنفسكم دونها، فتفرقت بكم السبيل عنها، فارجعوا إلى معالم الهدى من قريب قبل التحسر والتناوش من مكان بعيد؛ فقولوا كما قالوا، واعملوا كما عملوا، ولا تفرقوا بين ما جمعوا ولا تجمعوا بين ما فرقوا، فإنهم قد جعلوا لكم أئمة وقادة، وحملوا إليكم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ما هم عليه أمناء، وعليكم فيما جحدتم منه شهداء، فلا تجحدوا ما أقروا به من القدر؛ فتبتدعوا، ولا تشدوه بغيره؛ فتكلفوا؛ فإني لا أعلم أحدا أصح قلبا في القدر ممن لم يدر أن أحدا قال فيه شيئا؛ فهو يتكلم به غضا جديدا لم تدنسه الوساوس ولم يوهنه الجدل ولا التباس، وبذلك فيما مضى صح في صدر الناس؛ فاحذروا هذا الجدل، فإنه يقربكم إلى كل موبقة ولا يسلمكم إلى ثقة ليس له أجل ينتهي إليه، وهو يدخل في كل شيء؛
стр. 1017
فالمعرفة به نعمة، والجهالة به غرة، وعلامات الهدى لنا دونه من ركبه أراده وترك الهدى وراءه بين أثره وقريب ما أخذه، لا يكلف أهله العويص والتشقيق.
ثم اعلم أنه ليس للقرآن موئل مثل السنة؛ فلا يسقطن ذلك عنك فتحير في دينك وتتيه في طريقك ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). (٢)
سلام بن أبي مطيع (٣) (١٦٤ هـ)
سَلاَّم بن أبي مُطِيع واسمه سعد، الخزاعي الإمام الثقة القدوة أبو سعيد مولاهم البصري. روى عن قتادة وهشام بن عروة ومعمر بن راشد ومنصور ابن معتمر وأيوب السختياني وأبي عمران الجوني وطائفة. روى عنه عبد الله ابن المبارك وموسى بن إسماعيل وعبد الرحمن بن مهدي ومسدد وخلق كثير. قال الإمام أحمد: ثقة، صاحب سنة.
من أقواله: كن لنعمة الله عليك في دينك أشكر منك لنعمة الله عليك
стр. 1018
في دنياك، ومنها: الزاهد على ثلاثة وجوه: واحد أن تخلص العمل لله والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني ترك مالا يصلح والعمل بما يصلح، والثالث الحلال وهو أن يزهد فيه وهو تطوع وهو أدناه. توفي سنة أربع وستين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في ذم الكلام عنه قال: ما أعلم يحل لرجل أن يزوج صاحب بدعة ولا صاحب شراب، فأما ص (٤) بدعة فيدخل ولده النار وأما صاحب الشراب فذكر منه أشياء يعددها. (١)
موقفه من الرافضة:
عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سلام بن أبي مطيع من الثقات من أصحاب أيوب، وكان رجلا صالحا حدثنا عنه عبد الرحمن بن مهدي ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتابا فيه معايب أصحاب النبي ﷺ وفيه بلايا فجاء إليه سلام بن أبي مطيع، فقال: يا أبا عوانة أعطني ذلك الكتاب فأعطاه فأخذه سلام فأحرقه. (٢)
موقفه من الجهمية:
- جاء في السير: قال زهير البابي: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول:
стр. 1019
الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم. (١)
- وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إن الله سميع بصير﴾ (٢) ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٤) ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٥) ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليمًا﴾ (٦) ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٧) ونحو ذلك فلم يزل -أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس. (٨)
موقفه من القدرية:
جاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو داود السجزي: هو القائل: لأن
стр. 1020
ألقى الله بصحيفة الحجاج، أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة عمرو بن عبيد. (١)
معقل بن عبيد الله (٢) (١٦٦ هـ)
مَعْقِل بن عبيد الله الجزري أبو عبد الله المحدث الإمام مولى بني عَبْس من كبار علماء الجزيرة. روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن شعيب وميمون ابن مهران وغيرهم. روى عنه أبو نعيم والفريابي والحسن بن محمد ابن أعين وأبو جعفر النفيلي وآخرون. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. قال الذهبي: وما عرفت له شيئا منكرا فأذكره، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن. توفي سنة ست وستين ومائة.
موقفه من المرجئة:
عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا فيهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فأما عبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته يقرأ هذا الحرف: ﴿حَتَّى
стр. 1021
﴿إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (١) مخففة، قال: قلت له: إن لنا حاجة فأدخلنا ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أوليس الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) قال: وقلت: إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٣) هذا الإيمان الذي زادهم، قال فقلت: إنهم انتحلوك وبلغني أن ابن درهم دخل عليك في أصحابه فعرضوا عليك قولهم، فقبلته فقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا قال: ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت له: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة قال: سرا أم علانية فقلت: لا بل سر قال: دعني من السر، سر لا خير فيه.
فقلت: ليس من ذاك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص وقال: حاجتك قال: قلت: اخلني هذا، فقال: تنح قال: فذكرت له قولهم فقال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا
стр. 1022
إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (١) قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بالصلاة فريضة ولا نصلي، وإن الخمر حرام ونحن نشربها، وإن نكاح الأمهات حرام ونحن نريده، فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر قال معقل: فلقيت الزهري، فأخبرته بقولهم فقال: سبحان الله أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٢) قال معقل: فلقيت الحكم بن عتيبة فقلت له: إن عبد الكريم، وميمون بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة فعرضوا عليك قولهم، فقبلت قولهم، قال: فَقَبِلَ ذَلِكَ عَلَيَّ ميمون وعبد الكريم؟ فقلت: لا، قال: دخل علي اثنا عشر رجلا وأنا مريض فقالوا: يا أبا محمد أبلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفترى هذه مؤمنة فقال لها رسول الله ﷺ : أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت: نعم، قال: وتشهدين أن الله يبعث من بعد الموت؟ قالت: نعم قال: فأعتقها (٣)
قال فخرجوا وهم ينتحلوني. قال معقل: فجلست إلى ميمون بن مهران
стр. 1023
فقلت: يا أبا أيوب لو قرأت لنا سورة ففسرتها قال: فقرأ أو قرئت: ﴿إذا الشَّمْسُ كورت﴾ حتى إذا بلغ ﴿مطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (١) قال: ذلكم جبريل، والخيبة لمن يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل. (٢)
سعيد بن عبد العزيز (٣) (١٦٧ هـ)
سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد التَّنُوخِي، الإمام القدوة، مفتي دمشق. ويقال: أبو عبد العزيز. ولد سنة تسعين في حياة سهل بن سعد وأنس ابن مالك ﵄، وقرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك. روى عن مكحول والزهري ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. روى عنه الوليد ابن مسلم والحسن بن يحيى الخشني وأبو مسهر وآخرون. قال أبو مسهر: حدثني سعيد قال: كنت أجلس بالغدوات إلى ابن أبي مالك وأجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبيد الله وبعد العصر مكحولا. وقال أبو زرعة النصري: قلت لابن معين: أمحمد بن إسحاق حجة؟ فقال: كان ثقة إنما الحجة عبيد الله ابن عمر ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الحاكم: سعيد لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم والفقه والأمانة. قال محمد بن المبارك
стр. 1024
الصوري: كان سعيد إذا فاتته صلاة الجماعة بكى. كان الأوزاعي إذا سئل عن مسألة وسعيد حاضر قال: سلوا أبا محمد. من أقواله: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واع وناطق عارف. سئل عن الكفاف من الرزق ما هو؟ قال: شبع يوم وجوع يوم. مات سنة سبع وستين ومائة.
موقفه من المرجئة:
- عن الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمرو ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدا ويقولون على من يقول إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل، قال: قال الوليد: قال سعيد بن عبد العزيز: هو أن يكون إذا أقدم على هذه المقالة إيمانه كإيمان إبليس، لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل، فهو أقرب إلى ذلك من أن يكون إيمانه كإيمان جبريل ﵇. (١)
- وعن الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل ويقولون لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان. (٢)
- وعنه قال: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد ابن عبد العزيز ينكرون أن يقول: أنا مؤمن. ويأذنون في الاستثناء أن أقول: أنا مؤمن إن شاء الله. (٣)
стр. 1025
موقفه من القدرية:
جاء في الإبانة: عن سعيد بن عبد العزيز: لما نزلت ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يستقيم﴾ (١)؛ قال أبو جهل لعنه الله: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فنزلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). (٣)
حماد بن سلمة (٤) (١٦٧ هـ)
حَمَّاد بن سَلَمَة بن دينار الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو سلمة البصري النحوي البزاز الخراقي البطائني مولى آل ربيعة بن مالك وابن أخت حميد الطويل. حدث عن خاله حميد الطويل وهشام بن عروة وعبد العزيز بن صهيب وثابت البناني وأيوب السختياني وطائفة. حدث عنه حجاج بن منهال وسفيان الثوري وسليمان بن حرب وشعبة وعبد الله بن المبارك وخلق سواهم. عن حماد بن سلمة قال: من طلب الحديث لغير الله مكر به. قال ابن حبان: ... ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين
стр. 1026
والنسك والعلم والكتبة والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا معتزلي قدري أو مبتدع جهمي لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة. وقال غيره: كان إماما راسيا في العربية، فقيها، فصيحا، بليغا، كبير القدر، شديدا على المبتدعة، صاحب أثر وسنة. مات سنة سبع وستين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
قال شيخ الإسلام -الهروي- في 'الفاروق' له: قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام، فإنه كان شديدا على المبتدعة. (١)
موقفه من الجهمية:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قلت): وهكذا رأيت الجاحظ فقد شنع على حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ قاضى البصرة، بما لم يشنع به على غيرهما، لأن حمادا كان معتنيا بجمع أحاديث الصفات وإظهارها، (٢) ومعاذ لما تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية فلم يقبل شهادة المعتزلة، ورفعوا عليه إلى الرشيد، فلما اجتمع به حمده على ذلك وعظمه، فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء الذين هم أئمة في السنة يشنعون عليهم بما إذا حقق لم يوجد مقتضيا لذم. (٣)
стр. 1027
- جاء في السير: وروى عبد العزيز بن المغيرة، عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب (١)، فقال: من رأيتموه ينكر هذا، فاتهموه. (٢)
موقفه من القدرية:
جاء في الإبانة: عن حجاج بن منهال: سمعت حمادا -يعني: ابن سلمة- يقول لرجل يقال له محمد الأغبش صاحب البصري: اتق الله؛ فإنه يقال: إنهم مجوس هذه الأمة يعني القدرية. أخبرني محمد بن الحسين؛ قال: أخبرنا الفريابي؛ قال: سمعت عمرو بن علي يقول: سمعت أبا محمد الغنوي يقول: سألت حماد بن سلمة وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل والمُعْتَمِرَ بن سليمان عن رجل زعم أنه يستطيع أن يشاء في ملك الله ما لا يشاء الله؛ فكلهم قال: كافر مشرك، حلال الدم؛ إلا معتمرا، فإنه قال: الأحسن بالسلطان استتابته. (٣)
مفضل بن مهلهل (٤) (١٦٧ هـ)
مُفَضَّل بن مُهَلْهَل الإمام الكبير أبو عبد الرحمن السعدي الكوفي. حدث
стр. 1028
عن منصور بن المعتمر وسفيان الثوري وسليمان الأعمش والحسن بن عبيد الله وبيان بن بشر وعطاء بن السائب. حدث عنه يحيى بن آدم ومحمد ابن صبيح ومحمد بن عيسى الراسبي والحسن بن الربيع البجلي وحسين بن علي الجعفي. قال العجلي: كان ثقة ثبتا صاحب سنة وفضل وفقه، لما مات الثوري مضى أصحابه إلى المفضل فقالوا: تجلس لنا مكان أبي عبد الله؟ فقال: ما رأيت صاحبكم يحمد مجلسه. من أقواله: اعمل بقليل الحديث يزهدك في كثيره. مات سنة سبع وستين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في الإبانة عنه قال: لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته، حذرته وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنة في بدو مجلسه ثم يدخل عليك بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك؟ (١)
" التعليق:
الله أكبر، ما أكثر هذا، اليوم. فانظر إلى جميع المدارس التي نصبت نفسها وتطوعت مأجورة من إبليس وأعوانه من البشر لمحاربة العقيدة السلفية، لا تدخل إلا من هذا الباب. فهذا علوي مالكي وبقية الرافضة في شمال المغرب، وهذا الكوثري وتلامذته وغيرهم من رؤوس المبتدعة في المشرق والمغرب، كل يحارب بما يستطيع إما بتحقيق بعض كتب الحديث أو المصطلح أو إلقاء دروس في كتب الحديث المشهورة، حتى يغتر الناس بهم أنهم
стр. 1029
من أهل الحديث، فإذا اطمأنوا إليهم ألقوهم في حمأة البدعة وزينوها لهم، وأن هذا الأمر له أصل، وليس كل الناس على بصيرة في أمور عقائدهم، فيطبعون البدعة في قلوبهم ويصيرون حماة لهم، ولا تسأل عن أبهاتهم وتسابق أتباعهم لتقبيل أيديهم، والتبرك بهم، وهذا أمر يزينه الشيطان لهم فيدافعون عنه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. (١)
عبد الرحمن بن شريح (٢) (١٦٧ هـ)
الإمام الثقة عبد الرحمن بن شُرَيْح بن عبيد الله، أبو شُرَيْح المَعَافِرِي الإسكندارني. حدث عن موسى بن وردان ويزيد بن أبي حبيب وحميد بن هانئ الخولاني وسليمان بن حميد المزني وجماعة. وحدث عنه عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وزيد بن الحباب وعبد الله بن صالح وآخرون. وثقه ابن معين والنسائي. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وقال ابن حجر: ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه. وقال أبو سعيد بن يونس: توفي بالإسكندرية سنة سبع وستين ومائة، وكانت له عبادة وفضل.
موقفه من المبتدعة:
قال هانئ بن المتوكل: حدثني محمد بن عبادة المعافري قال: كنا عند أبي شريح ﵀ فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم، فقوموا إلى
стр. 1030
خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة.
" التعليق:
قال الذهبي: صدق والله، فما الظن إذا كانت مسائل الأصول، ولوازم الكلام في معارضة النص، فكيف إذا كانت من تشكيكات المنطق، وقواعد الحكمة، ودين الأوائل؟ فكيف إذا كانت من حقائق الاتحادية، وزندقة السبعينية، ومرق الباطنية؟ فواغربتاه، ويا قلة ناصراه. آمنت بالله، ولا قوة إلا بالله. (١)
أبو حمزة السُّكَّرِي (٢) (١٦٧ هـ)
الإمام الحافظ محمد بن ميمون المروزي، أبو حمزة السكري. روى عن إبراهيم بن ميمون الصائغ وعاصم الأحول وعاصم بن بهدلة وجابر الجعفي والأعمش وجماعة. وروى عنه ابن المبارك ونعيم بن حماد الخزاعي وعتاب بن زياد وأحمد بن أيوب الضبي وسلام بن واقد المروزي.
قال عباس الدوري: كان أبو حمزة من الثقات، وكان إذا مرض عنده من قد رحل إليه، ينظر إلى ما يحتاج إليه من الكفاية، فيأمر بالقيام به، ولم
стр. 1031
يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه.
قال يحيى بن أكثم: بلغني عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن الاتباع، فقال: الاتباع ما كان عليه الحسين بن واقد وأبو حمزة السكري.
وروى إبراهيم الحربي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وبألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: لاتبع دارك. قال ابن حجر: ثقة فاضل. توفي ﵀ سنة سبع وستين ومائة، وقيل التي بعدها.
موقفه من المبتدعة:
قال أبو حمزة: تدرون ما الأثر؟ الأثر: أفتي بالشيء، فيقال لي يوم القيامة: بما أفتيت كذا وكذا؟ فأقول: أخبرني الأعمش، فيؤتى بالأعمش، فيقال: حدثته بهذا؟ فيحيل على إبراهيم، ويحيل إبراهيم علىعلقمة، حتى ينتهي إلى منتهاه. (١)
إبراهيم بن طهمان (٢) (١٦٨ هـ)
إبراهيم بن طَهْمَان بن شُعبة الخراساني أبو سعيد الهروي نزيل نيسابور
стр. 1032
ثم حرم الله تعالى. سمع الأعمش وسليمان التيمي وحسين بن ذكوان المعلم وحميد الطويل وطائفة. سمع منه عبد الله بن المبارك وصفوان بن سليم وحفص ابن عبد الله السلمي وعبد الملك بن عمرو العقدي ومعن بن عيسى وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وآخرون. تُكلم فيه للإرجاء، وكان من ثقات الأئمة وكان شديدا على الجهمية.
قال يحيى بن أكثم: كان إبراهيم من أنبل الناس بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علما.
مات سنة ثمان وستين ومائة.
موقفه من الجهمية:
- روى الخطيب في تاريخه بالسند إلى عبد الله بن أبي داود السجستاني قال: سمعت أبي يقول إبراهيم بن طهمان ثقة، وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور فوجدهم على قول جهم، فقال الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج، فأقام فنقلهم من قول جهم إلى الإرجاء. (١)
قلت: وليس الإرجاء المذكور هنا هو الإرجاء المعروف الذي أجمع السلف على أنه بدعة، ولكنه إرجاء من نوع آخر ومعناه كما جاء تفسيره عن أبي الصلت، كما ذكر الخطيب في تاريخه: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث، أن الإيمان قول بلا عمل، وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب، فكانوا يرجون ولا يكفرون بالذنوب -ونحن
стр. 1033
كذلك- سمعت وكيع بن الجراح يقول سمعت سفيان الثوري في آخر أمره يقول: نحن نرجو لجميع أهل الذنوب والكبائر الذين يدينون ديننا ويصلون صلاتنا، وإن عملوا أي عمل. (١)
- وجاء في السير عن حماد بن قيراط: سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية والقدرية كفار. (٢)
- وجاء في تاريخ الخطيب: وكان شديدا على الجهمية. (٣)
- وفي الإبانة: عن حفص بن عبد الله قال: قال إبراهيم بن طهمان: حدثنا من لا يتهم غير واحد أن جهما رجع عن قوله ونزع عنه وتاب إلى الله منه، فما ذكرته ولا ذكر عندي، إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم. (٤)
خارجة بن مصعب (٥) (١٦٨ هـ)
خَارِجَة بن مُصْعَب بن خارجة الإمام شيخ خراسان أبو الحجاج الضُّبَعِي السَّرْخَسِي. روى عن السختياني وبكير بن عبد الله بن الأشج ويحيى ابن سعيد ويونس بن عبيد وعاصم الأحول وسليمان الأعمش ومسعر بن
стр. 1034
كدام وأبي حنيفة ومالك بن أنس وطائفة. روى عنه عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح ونعيم بن حماد الخزاعي ويحيى بن يحيى النيسابوري وسفيان الثوري وآخرون. تكلم فيه أهل العلم، فترك حديثه. توفي سنة ثمان وستين ومائة.
موقفه من الجهمية:
- قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن إسحاق حدثنا علي بن الحسن بن شقيق سمعت خارجة يقول: كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله قولهم: إن الجنة تفنى وقال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) فمن قال إنها تنفد فقد كفر وقال: ﴿أُكُلُهَا دائمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٢) فمن قال: لا يدوم فقد كفر، وقال: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣) فمن قال إنها تنقطع فقد كفر. وقال: ﴿عَطَاءً غير مجذوذ) (٤) فمن قال إنه منقطع فقد كفر. (٥)
- وجاء في السنة بالسند إلى أحمد بن سعيد أبي جعفر الدارمي، سمعت أبي سمعت خارجة يقول: الجهمية كفار بَلِّغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا
стр. 1035
يحللن لأزواجهن، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم ثم تلا: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١). (٢)
- جاء في الإبانة: عن عبد الصمد بن حسان قال: قال خارجة بن مصعب: إذا صليت خلف الإمام وبجنبك جهمي، فأعد الصلاة. (٣)
قال ابن بطة عقبه: معنى قول خارجة ﵀ في الجهمي يصلي بجنب الرجل يعيد، يريد بذلك أن من صلى خلف إمام وحده وإلى جانبه جهمي، أو صلى خلف الصفوف وحده وإلى جانبه جهمي أنه يعيد، وذلك أن مذهب جماعة من الفقهاء أن من صلى خلف الصف وحده أو قام خلف إمام وحده، أعاد الصلاة، فكأن خارجة أراد أنه من صلى خلف الصف هو وجهمي، فكأنما صلى خلف الصف وحده، لأن الجهمي ليس هو مسلما ولا في صلاة، فالقائم إلى جنبه كالقائم وحده، فأما الجهمي إذا قام في صف فيه جماعة هو كأحدهم، فصلاة الجماعة جائزة.
стр. 1036
عبيد الله بن الحسن العَنْبَرِي (١) (١٦٨ هـ)
عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التميمي قاضي البصرة. يروي عن حميد الطويل وداود بن أبي هند وخالد الحذاء وغيرهم. روى عنه عبد الرحمن بن مهدي وأهل بلده، ومعاذ بن معاذ القاضي وخالد بن الحارث الهجيمي وغيرهم. قدم بغداد أيام المهدي، ولي قضاء البصرة بعد سوار بن عبد الله وكان محمودا ثقة عاقلا من الرجال. قال الوثيق بن يوسف: ما رأيت رجلا قط أعقل من عبيد الله بن الحسن، سئل عن مسألة وهو في حضور جنازة فأخطأ فيها فقيل له: الحكم فيها كذا وكذا فأطرق ساعة ثم قال: إذا أرجع وأنا صاغر. لأن أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. مات في ذي القعدة سنة ثمان وستين ومائة.
موقفه من القدرية:
جاء في أصول الاعتقاد عن إدريس القصير عن أبيه قال: شهدت عبيد الله بن الحسن العنبري واختصم إليه رجلان فقال أحدهما: اشتريت منه عبدا على أنه ليس به داء ولا علة ولا غليلة، بيع المسلم للمسلم، وإنه قدري. فقال عبيد الله بن الحسن له: إنما اشتريت مسلما ولم تشتر كافرا فرد عليه. (٢)
стр. 1037
موقف السلف من فليح بن سليمان لوقوعه في الصحابة (١٦٨ ه ـ)
جاء في السير: وقال الساجي: أصعب ما رمي به يعني فليح، ما ذكر عن ابن معين، عن أبي كامل، قال: كنا نتهمه، لأنه كان يتناول من الصحابة. (١)
نافع بن عمر (٢) (١٦٩ هـ)
نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الحافظ الإمام الثبت الجمحي. روى عن ابن أبي مليكة وأمية بن صفوان وبشر بن عاصم الثقفي وغيرهم. روى عنه ابن المبارك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وآخرون. تكاثروا عليه لإتقانه وعلو سنده. قال ابن مهدي: كان من أثبت الناس. قال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت، صحيح الحديث. مات بمكة سنة تسع وستين ومائة.
موقفه من المرجئة:
عن يحيى بن سليم أنه سأل نافع بن عمر الجمحي عن الإيمان، فقال: قول وعمل. (٣)
стр. 1038
أمير المؤمنين المهدي العباسي (١) (١٦٩ هـ)
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الخليفة أبو عبد الله الهاشمي العباسي. كان أسمر مليحا مضطرب الخلق على عينه بياض جعد الشعر قيل: أنه أثني عليه بالشجاعة فقال: لم لا أكون شجاعا؟ وما خفت أحدا إلا الله تعالى. قال الذهبي: كان جوادا ممداحا، معطاء، محببا إلى الرعية، قصابا في الزنادقة باحثا عنهم، مليح الشكل. وكان غارقا كنحوه من الملوك في بحر اللذات، واللهو والصيد ولكنه خائف من الله، معاد لأولي الضلالة حنق عليهم. تملك عشر سنين وشهرا ونصفا وعاش ثلاثا وأربعين سنة توفي سنة تسع وستين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- ذكر ابن أبي الدنيا أن المهدي كتب إلى الأمصار يزجر أن يتكلم أحد من أهل الأهواء في شيء منها. (٢)
- وعن يوسف الصائغ قال: رفع أهل البدع رؤوسهم، وأخذوا في الجدل، فأمر بمنع الناس من الكلام، وأن لا يخاض فيه. (٣)
موقفه من المشركين:
- قال الذهبي: كان جوادا ممداحا معطاء، محببا إلى الرعية، قصابا في
стр. 1039
الزنادقة، باحثا عنهم، مليح الشكل. (١)
- جاء في البداية والنهاية في حوادث سنة ثلاث وستين ومائة: وفيها حصر المقنع الزنديق الذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ واتبعه على جهالته وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش، فحاصره سعيد الحريثى فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه، فماتوا جميعا عليهم لعائن الله، ودخل الجيش الإسلامي قلعته، فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدى، وكان المهدي بحلب. قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء وقيل حكيم والأول أشهر وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب، وتابعه على جهالته خلق كثير، وكان يري الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم -لعنه الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا- أن الله ظهر في صورة آدم ولهذا سجدت له الملائكة ثم في نوح ثم في الأنبياء واحدا واحدا ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني ثم تحول إليه ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام تحسى هو ونساؤه سما فماتوا، واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله. (٢)
- وفيها في حوادث سنة سبع وستين ومائة: تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق، فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي
стр. 1040
أمر الزنادقة عمر الكلواذي. (١)
- وجاء في السير: وكان ابن المقفع يتهم بالزندقة وهو الذي عرب كليلة ودمنة. وروي عن المهدي قال: ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع. (٢)
- جاء في تاريخ الإسلام في ترجمة صالح بن عبد القدوس: قتله المهدي على الزندقة، فيروى عن قريش الختلي: أن المهدي دعاني يوما فذكر أنه أمره بالمسير على البريد إلى الشام، وكتب له عهدا أنه أمين على كل بلد يدخله، حتى يخرج منه، وأمره إذا دخل دمشق أن يأتي إلى حانوت عطار أو حانوت قطان، فيلقى رجلا يكثر الجلوس هناك، وهو شيخ فاضل ناصل الخضاب، يقال له صالح بن عبد القدوس، فسار وفعل ودخل الحانوت، فإذا بصالح فيه، فأخذه وقيده، فحمله علىالبريد إلى العراق. فقال المهدي: أنت فلان؟ قال: نعم، أنا صالح. قال: فزنديق؟ قال: لا، ولكن شاعر أفسق في شعري، قال: اقرأه، فالتقوى سكينة، قال: ثم قرأ كتاب الزندقة فقال: أتوب إلى الله فاستبقني، وأنشده لنفسه:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
فقال المهدي: يا قريش، امض به إلى المطبق، قال: ففعلت، فلما قربت من الخروج أمرني فرددته، فقال له: ألست القائل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟
стр. 1041
قال: بلى، قال: لا تدع أخلاقك حتى تموت، خذوه. فضربوه بأسيافهم، ثم وثب المهدي فضربه نصفين. (١)
" التعليق:
عرف المهدي بهذه المنقبة العظيمة وجعلها سنة لمن بعده، وذكرى خالدة لمن ذكر وقرأ سيرته. لقد أدرك خليفة المسلمين خطر الزندقة فأعطاها همته، ووضع لها ديوانا وأوصى لابنه عند وفاته بهذه المهمة فنصب موسى ابنه الهادي أعوادا وجذوعا خاصة لصلب الزنادقة فجزى الله الجميع خيرا عن الإسلام والمسلمين.
موقفه من الرافضة:
قال المهدي: ما فتشت رافضيا إلا وجدته زنديقا. (٢)
موقفه من القدرية:
جاء في أصول الاعتقاد قال: سمعت الحسين الأخباري يقول: قرأت في أخبار إبراهيم بن المهدي أنه حدث عن ذبية المدني وكان استصحبه لما ولي دمشق أنه كان سبب وروده العراق: أن المهدي أشخص من المدينة ثلاثين شيخا ممن تكلم في القدر واشتهر به. قال: فكنت فيهم فلما مثلنا بين يديه ضربهم بالسياط أجمعين وأخرني. فلما قدمت قال: أراك صبيا، ألم يكن بالمدينة من هو أسن منك تتم به العدة؟ قلت: جماعة يا أمير المؤمنين. فقال: إذن إنما قربت إليهم لأنك تدين بدينهم، ثم دعا بالسياط فلما ضربت سوطا
стр. 1042
فقلت: يا أمير المؤمنين نشدتك الله إلا أدنيتني إليك، أكلمك ولك رأيك. فقدمني فقلت: أنا رجل من أهل المدينة قطن أبي فيها وهو من وادي القرى، وكان تاجرا ذا مال فعلمني القرآن ثم أمرني أن أغدو إلى حلقة ابن أبي ذئب وأروح إلى ربيعة الرأي، فعن لي شيخ لم أكن رأيته قط. فقال لي يا بني: قد بلغت من العلم وما أراك استبصرت في دينك فقلت: وما ذاك يا عم؟ فقال: هل رأيت مقعدا قط؟ قلت: نعم، قال: فلو رأيت رجلا كلفه صعود نخلة ما كنت تقول؟ قلت: جاهل. قال: فلو ضربه على قصوره عن صعودها؟ قلت: ظالم. فقال يا بني هذا حكمك على إنسان فكيف بالله سبحانه في عدله، أتقول إنه يكلف عباده ما ليس في وسعهم ثم يعاقبهم عليه مع قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)؟ فتعدني يا أمير المؤمنين بالمقعد؟ قال ذبية: فضحك المهدي أمير المؤمنين ثم أمر فطرح ثيابي علي، فلما لبست أدناني ثم قال: أجبني وأنت آمن.
لو أنك في سفر فرأيت عليلا في برية فاستطعم رجلا فلم يطعمه وتركه ومضى ما كنت قائلا؟ قلت: ظالم، قال: فهل علمت أن أحدا من خلق الله كان في برية عليلا عادما للطعام والشراب؟ قلت: كثيرا، قال: فإن دعا ربه أن ينجيه هل كان الله سبحانه قادرا على أن يطعمه ويسقيه؟ قلت: اللهم نعم، قال: فهل تقول إن دعا ربه أن يطعمه ويرويه فلم يجب دعاءه ومات إن الله ظلمه؟ قلت: لا. قال: فكيف تقول لمن أقعدك مثل هذا؟ قال: لأن الأشياء كلها لله تعالى لا عليه
стр. 1043
والتجوير يجب على من الأشياء عليه لا له، يا ذبية إن الإيمان إذا سكن القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج، وإذا سكن الحجاج قبل الإيمان كان متنقلا متى حاجه من هو أحج منه. فقلت يا أمير المؤمنين: قد والله ثلج بحجاجك صدري وأنا تائب. فأمر لي بجائزة وكسوة وخلى سبيلي. (١)
" التعليق:
هذا الذي فعله أمير المؤمنين المهدي مع هذا الصبي في بيانه لحقيقة القدر، ينفي مزاعم كثير من الكتاب الذين يتبجحون بأن هؤلاء الأمراء كانوا يقتلون على أمور سياسية لا صلة لها بالأمور العقائدية، وقد نبهنا على هذا فيما مضى، والحمد لله رب العالمين.
- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى أحمد بن علي الأبار قال: سألت مصعبا الزبيري عن ابن أبي ذئب وقلت له: حدثونا عن أبي عاصم أنه قال: كان ابن أبي ذئب قدريا. قال: معاذ الله إنما كان زمن المهدي أخذوا القدرية وضربوهم ونفوهم فجاء قوم من أهل القدر فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب. فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه كان يرى القدر، فقد حدثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قط. (٢)
стр. 1044
موقف السلف من الحسن بن صالح بن حي (١٦٩ ه ـ)
قال الذهبي: هو من أئمة الإسلام، لولا تلبسه ببدعة. (١)
قال أبو صالح الفراء: حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن حي- فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم، كان أضر عليهم. (٢)
جاء في السير: قال يحيى القطان: كان سفيان الثوري سيء الرأي في الحسن بن حي. وقال زكريا الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي: قال المزي شيخنا -أظنه أبا بكر الأثرم-: سمعت أبا نعيم يقول: دخل الثوري يوم الجمعة من الباب القبلي، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق. وأخذ نعليه، فتحول إلى سارية أخرى.
وقال العلاء بن عمرو الحنفي، عن زافر بن سليمان: أردت الحج، فقال لي الحسن بن صالح: إن لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري بمكة، فأقره مني السلام، وقل: أنا على الأمر الأول. فلقيت سفيان في الطواف، فقلت: إن أخاك الحسن بن صالح يقرأ عليك السلام، ويقول: أنا على الأمر الأول. قال: فما بال الجمعة؟
стр. 1045
قال الذهبي: كان يترك الجمعة ولا يراها خلف أئمة الجور بزعمه. (١)
وفيها عن أبي عبيدة حدثنا عبد الله بن محمد بن سالم، سمعت رشيدا الخباز -وكان عبدا صالحا- وقد رآه أبو عبيدة، قال: خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: يا أبا عبد الله، قدم اليوم حسن وعلي ابنا صالح. قال: وأين هما؟ قال: في الطواف. قال: إذا مرا، فأرنيهما. فمر أحدهما، فقلت: هذا علي، ومر الآخر فقلت: هذا حسن. فقال: أما الأول، فصاحب آخرة، وأما الآخر، فصاحب سيف، لا يملأ جوفه شيء. قال: فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يسلم عليه، فقال له علي: يا أبا عبد الله، ما حملك على أن ذكرت أخي أمس بما ذكرته؟ ما يؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر، فيبعث إليه، فيقتله؟ قال: فنظرت إلى سفيان وهو يقول: أستغفر الله. وجادتا عيناه. (٢)
وفيها: عن أبي سعيد الأشج: سمعت ابن إدريس، وذكر له صعق الحسن ابن صالح، فقال: تبسم سفيان أحب إلينا من صعق الحسن. (٣)
وفيها: وقال الخريبي: شهدت حسن بن صالح وأخاه وشريك معهم، فاجتمعوا إليه إلى الصباح في السيف.
بشر بن الحارث، وذكر له أبو بكر عبد الرحمن بن عفان الصوفي، فقال:
стр. 1046
سمعت حفص بن غياث يقول: هؤلاء يرون السيف، أحسبه عنى ابن حي وأصحابه. ثم قال بشر: هات من لم ير السيف من أهل زمانك كلهم إلا قليل، ولا يرون الصلاة أيضا. ثم قال: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. قال: وكانوا يرون السيف. (١)
وفيها: قال أبو أسامة: أتيت حسن بن صالح، فجعل أصحابه يقولون: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ... ، فقلت: مالي، كفرت؟ قال: لا، ولكن ينقمون عليك صحبة مالك بن مغول، وزائدة. قلت: وأنت تقول هذا؟ لا جلست إليك أبدا. (٢)
وفيها عن أبي سعيد الأشج سمعت ابن إدريس: ما أنا وابن حي؟ لا يرى جمعة ولا جهادا. (٣)
وفيها عن علي بن الجعد قال: كنت مع زائدة في طريق مكة، فقال لنا يوما: أيكم يحفظ عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه توضا بكوز الحُب مرتين؟ قال: فلو قلت: حدثنا شريك أو سفيان، كنت قد استرحت، ولكن قلت: حدثنا الحسن بن صالح، عن مغيرة. قال: والحسن بن صالح أيضا؟ لا حدثتك بحديث أبدا.
أبو أسامة: سمعت زائدة يقول: ابن حي قد استصلب منذ زمان، وما نجد أحدا يصلبه.
стр. 1047
وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من أتى حسن بن صالح.
وقال أحمد بن يونس اليربوعي: لو لم يولد الحسن بن صالح كان خيرا له؛ يترك الجمعة، ويرى السيف، جالسته عشرين سنة، ما رأيته رفع رأسه إلى السماء، ولا ذكر الدنيا. (١)
عن المروذي قال: وسمعت أبا عبد الله -وذكر الحسن بن حي- فقال: لا نرضى مذهبه، وسفيان أحب إلينا. وقد كان ابن حي قعد عن الجمعة، وكان يرى السيف. وقال: قد فتن الناس بسكوته وورعه. وقال: لقد ذكر رجلا فلطم فم نفسه، وقال: ما أردت أن أذكره. (٢)
موسى بن محمد (الهادي) (٣) (١٧٠ هـ)
موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله أبو محمد الهاشمي العباسي. ولي عهد أبيه فلما مات أبوه تسلم الخلافة. قال فيه الذهبي: وكان يشرب المسكر وفيه ظلم وشهامة ولعب وربما ركب حمارا فارها وكان شجاعا فصيحا لسنا أديبا مهيبا، عظيم السطوة. كانت خلافته سنة وشهرا. توفي سنة سبعين ومائة.
стр. 1048
موقفه من المشركين:
- جاء في السير: وكان كوالده في استئصال الزنادقة وتتبعهم، فقتل عدة، منهم: يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم. (١)
- وجاء في الكامل لابن الأثير: وفيها أي سنة تسع وستين ومائة: اشتد طلب المهدي للزنادقة فقتل منهم جماعة منهم علي بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان سبب قتله أنه أتي به إلى المهدي، فأقر بالزندقة وقال: لو كان ما تقول حقا لكنت حقيقا أن تتعصب لمحمد ولولا محمد من كنت؟ أما والله لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشميا لقتلتك. ثم قال للهادي: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه ثم حبسه فلما مات المهدي قتله الهادي وكذلك أيضا كان عهد إليه بقتل ولد لداوود بن علي بن عبد الله بن عباس، كان زنديقا فمات في الحبس قبل المهدي. ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوفت فماتت من الفزع. (٢)
стр. 1049
سلام بن سليمان (١) (١٧١ هـ)
سَلاَّم بن سُلَيْمَان المُزَنِي أبو المنذر القارئ النحوي الكوفي يقال: إنه مولى معقل بن يسار المزني وأصله من البصرة. روى عن أيوب السختياني وثابت البناني وداود بن أبي هند وعاصم بن أبي النجود ومطر الوراق ويونس ابن عبيد. روى عنه سفيان بن عيينة وزيد بن الحباب وعفان بن مسلم وداود ابن إبراهيم العقيلي وحفص بن عمر وإبراهيم بن الحسن العلاف. قال زكريا الساجي: سلام أبو المنذر صدوق، كان صاحب سنة، وكان يؤم بجامع البصرة. وقال غيره: صاحب سنة شديد الإنكار. وقال ابن الجزري: ثقة جليل ومقرئ كبير. توفي سنة إحدى وسبعين ومائة.
موقفه من الجهمية:
عن عفان قال: شهدت سلام أبا المنذر -قارئ أهل البصرة- وقد جاءه رجل والمصحف في حجره، فقال: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: قم يا زنديق، هذا كلام الله غير مخلوق. (٢)
موقفه من القدرية:
- جاء في السنة لعبد الله قال: حدثت عن حوثرة بن أشرس قال: سمعت سلاما أبا المنذر غير مرة وهو يقول: سلوهم عن العلم؟ هل علم أو لم يعلم، فإن قالوا: قد علم فليس في أيديهم شيء، وإن قالوا لم يعلم فقد حلت
стр. 1050
دماؤهم. (١)
- وجاء في تهذيب الكمال عن أبي داود قال: سلام أبو المنذر أستاذ يعقوب لم يكن أحد أشد على القدرية منه. (٢)
زهير بن معاوية (٣) (١٧٣ هـ)
زُهَيْر بن معاوية بن حُدَيْج بن الرُّحَيْل أبو خَيْثَمَة الحافظ، الإمام المجود، محدث الجزيرة. كان من أوعية العلم صاحب حفظ وإتقان. ولد سنة خمس وتسعين. حدث عن أبي إسحاق السبيعي وزبيد بن الحارث اليامي وسماك بن حرب وغيرهم. حدث عنه ابن المبارك وابن مهدي وأبو داود الطيالسي وآخرون. قال معاذ بن معاذ: إذا سمعت الحديث من زهير لا أبالي أن لا أسمعه من سفيان الثوري. قال أحمد: زهير بن معاوية من معادن العلم. وقال أبو حاتم الرازي: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث جده أبي إسحاق. قيل لأبي حاتم فزائدة وزهير؟ فقال: زهير أتقى وهو صاحب سنة غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق. كان زهير أحد الحفاظ الأعلام حتى بالغ فيه شعيب بن حرب فقال: كان أحفظ من عشرين شعبة. توفي زهير سنة ثلاث وسبعين ومائة وكان من أبناء الثمانين.
стр. 1051
موقفه من الرافضة:
قال زهير بن معاوية: أبو بكر وعمر وعثمان لولا أن نبينا محمدا ﷺ لتمنيت أن يحشرني الله مع عمر. (١)
نوح بن أبي مريم (٢) (١٧٣ هـ)
نوح بن أبي مريم، أبو عِصْمَة المروزي، عالم أهل مرو. أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق. روى عنه نعيم بن حماد، وسويد ابن نصر. ولي قضاء مرو في خلافة المنصور. قال الحافظ: كذبوه في الحديث. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة.
موقفه من الجهمية:
قال أحمد عنه: كان شديدا على الجهمية والرد عليهم. تعلم منه نعيم ابن حماد الرد على الجهمية. (٣)
عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد (٤) (١٧٤ هـ)
الإمام، الفقيه، أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الزناد، المدني. سمع من أبيه،
стр. 1052
وسهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة. وحدث عنه ابن جريج، وهو من شيوخه، وسعيد بن منصور، وأحمد بن يونس. قال ابن سعد: كان فقيها مفتيا. قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي جعفر، وروى الحروف عن نافع. توفي سنة أربع وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: أدركنا أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، وحذرونا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرونا أنهم على ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله ﷺ ، وما توفي رسول الله حتى كره المسائل والتنقيب عن الأمور وزجر عن ذلك، وحذره المسلمين في غير موضع حتى كان من قول النبي ﷺ في كراهية ذلك أن قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١). فأي امرئ أكب على التنقيب لم يعقل من هذا. ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، فهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل والتفكير في دينهم؟! فهم كل يوم على دين ضلالة وشبهة جديدة، لا يقيمون على دين -وإن أعجبهم- إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا
стр. 1053
الجدل لقطعوا عنهم الشك وأخذوا بالأثر الذي حضهم عليه رسول الله ﷺ . (١)
ابن لهيعة (٢) (١٧٤ هـ)
عبد الله بن لَهِيعَة بن عُقْبَة بن فُرْعَان أبو عبد الرحمن القاضي الإمام العلامة، محدث ديار مصر مع الليث، ولد سنة خمس أو ست وتسعين وطلب العلم في صباه ولقي الكبار بمصر والحرمين. سمع من الأعرج صاحب أبي هريرة ومن موسى بن وردان وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. وروى عنه حفيده أحمد بن عيسى وعمرو بن الحارث والأوزاعي وشعبة والثوري وماتوا قبله والليث بن سعد ومالك وغيرهم. وكان من بحور العلم على لين فيه. قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيا. حدث إسحاق بن عيسى أنه لقيه في سنة أربع وستين وأن كتبه احترقت سنة تسع وستين ومائة. قال عنه أحمد بن حنبل: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد ابن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم. قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. قال الذهبي: ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم. ومات بمصر يوم الأحد للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة في خلافة هارون.
стр. 1054
موقفه من الرافضة:
قال سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن لهيعة يقول: عمرو بن جابر كان ضعيف العقل، كان يقول: علي في السحاب. كان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول: هذا علي قد مر في السحاب. (١)
موقفه من الجهمية:
عن يحيى بن خلف قال: لقيت ابن لهيعة فقلت: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ قال: كافر. (٢)
الليث بن سعد (٣) (١٧٥ هـ)
اللَّيث بن سعد بن عبد الرحمن الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية أبو الحارث الفهمي مولى خالد بن ثابت بن ظاعن. روى عن جعفر ابن ربيعة وبكير بن عبد الله بن الأشج وسعيد بن أبي سعيد المقبري وأبي الزناد وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وطائفة. وعنه عبد الله بن المبارك والقعنبي وعبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وكاتبه أبو صالح وابنه شعيب وآخرون. قال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان،
стр. 1055
يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة. وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وقال الشافعي: الليث أتبع للأثر من مالك. عن الليث قال لي الرشيد: ما صلاح بلدكم؟ قلت: بإجراء النيل وبصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإن صفت العين صفت السواقي. قال: صدقت. توفي سنة خمس وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: إنه ما قصر لو رأيته يمشى على الهواء ما قبلته. (١)
- جاء في السير عن عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت سعيد بن أبي مريم سمعت ليث بن سعد يقول: بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط. (٢)
" التعليق:
قال الذهبي: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، ومالك، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة. فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فطال الجدال، واشتد النزاع،